ضمانة إجماع آراء القضاة في
بعض الأحكام الجنائية
(دراسة تحليلية لاتجاه
قضاء محكمة النقض)
القاضي الدكتور
أحمد أبو هشيمة
القاضي بمحكمة النقض
تمهيد
يُعدُّ قانون الإجراءات
الجنائية المصري من أبرز التشريعات التي تحمي حقوق المتهم وضمانات المحاكمة
العادلة، ومن أهم هذه الضمانات ما نصت عليه الفقرة الثانية من المادة 417 من هذا
القانون – المقابلة
لنص المادة 399 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 الذي نُشر
في الجريدة الرسمية بتاريخ 12/11/2025 ونصَّت المادة السادسة منه على أن يُعمل به
اعتبارًا من الأول من أكتوبر التالي لتاريخ نشره - والتي تشترط إجماع آراء قضاة
المحكمة الاستئنافية في حالة القضاء بإلغاء الحكم الصادر من محكمة أول درجة بالبراءة، أو بتشديد
العقوبة، بناءً على استئناف النيابة العامة. هذه الضمانة تهدف إلى منع تسويء مركز
المتهم دون توافق كامل بين القضاة، مما يعكس المبدأ الدستوري "الأصل في
المتهم البراءة". وكان قضاء محكمة النقض قد جرى على أن حكم هذه الفقرة يسري كذلك
على استئناف المدعي بالحقوق المدنية الحكم الصادر برفض دعواه بناء على براءة
المتهم لعدم ثبوت الواقعة سواء استأنفته النيابة العامة أو لم تستأنفه.
غير أن تطبيق هذه الضمانة يقتضي التحليل
والتدقيق، في ضوء استقرار محكمة النقض على اعتبار إغفال محكمة الجنح المستأنفة النص
على الإجماع في منطوق الحكم الاستئنافي الغيابي والمعارض فيه بطلاناً يؤدي إلى نقض
الحكم وتأييد حكم أول درجة الصادر بالبراءة أو بتخفيف العقوبة أو برفض الدعوى
المدنية، دون إعادة النظر في الدعوى وفقًا للقانون.
والجدير
بالذكر أن القانون رقم 1 لسنة 2024 بتعديل بعض أحكام قانون الإجراءات الجنائية قد
استحدث نظام استئناف مواد الجنايات؛ فيتعين دراسة مدى وجوب النص على إجماع الآراء في منطوق الحكم الصادر من
محكمة الجنايات المستأنفة بإلغاء الحكم الصادر من محكمة جنايات أول درجة بالبراءة أو
بتشديد العقوبة أو برفض الدعوى المدنية.
وتأتي هذه الدراسة لتُسهم في البحث العلمي حول الموضوع المطروح، دون
أن تقدح في اجتهاد محكمة النقض أو ينتقص من قيمتها، إذ إن تعدد الاجتهادات هو سر غِنى
الفقه القانوني وحيويته. ومحكمة النقض ولئن كانت تتمسك بالسوابق القضائية كأساس
لتوحيد التطبيق القانوني، إلا أن ذلك لا يمنعها من الرجوع عما تراه غير أوفق
لمصلحة القانون، من خلال دورها الأصيل في مراقبة صحة تطبيق القانون وتحقيق
العدالة.
فالقانون علمٌ يقوم على أسس المنطق السليم
وإعمال العقل المدقق، ويستدعي بالتالي مراجعة مستمرة للأحكام والتفسيرات، مع مرونة
فكرية تتلاءم مع تطور المجتمعات والوقائع، ليبقى أداةً فعالةً لتحقيق العدالة في
أسمى معانيها.
وفي هذا الإطار، تبرز محكمة النقض كصرح كبير للرقابة القضائية، وصمام
أمان للنظام القانوني، ومرجع أصيل لتوحيد الاجتهاد وضمان سلامة تطبيق القانون وصحة
تفسيره. ودورها هذا يستحق كل تقدير، حتى وإن حمل البحث وجهة نظر قد تختلف مع بعض
اجتهاداتها، فإن هذا الاختلاف إنما هو لباب الحوار العلمي الراقي الذي يُثري الفقه،
خاصةً فقه محكمة النقض، ويُعلي من شأن العدالة، ويُسهم في تطويرها نحو آفاق أوسع وأعدل.
هدف البحث
يهدف هذا البحث إلى دراسة الضمانة الواردة في
الفقرة الثانية من المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية - المقابلة لنص المادة 399 من قانون
الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 - من خلال تحليل تفسيرها والغرض
التشريعي منها، مع استعراض الاتجاه السائد في قضاء محكمة النقض حول تطبيقها، إذ
اعتبرت المحكمة أن إغفال محكمة الجنح المستأنفة النص على الإجماع في منطوق الحكم
الاستئنافي الغيابي والحكم المعارض فيه يؤدي إلى نقض الحكم وتأييد حكم أول درجة
الصادر بالبراءة أو بتخفيف العقوبة أو برفض الدعوى المدنية، دون إعادة النظر في
الدعوى وفقًا للقانون؛ رغم أنه من الملائم القضاء بنقض الحكم الباطل وتحديد جلسة لنظر
موضوع الدعوى أمام محكمة النقض. فإذا كانت الدعوى بحالتها هذه صالحة للفصل في
موضوعها دون حاجة إلى تحديد جلسة لنظرها، فإن المحكمة تعرض لموضوع الدعوى، بما يتسق
مع المادة 39 من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة
النقض؛ وذلك لتحقيق توازن أفضل بين مصلحة المتهم من ناحية، وحق المجتمع والمدعي
بالحق المدني في إعادة النظر في الدعوى من ناحية أخرى.
ويتعين في هذا الصدد دراسة مدى وجوب النص على إجماع الآراء في منطوق الحكم الصادر من
محكمة الجنايات المستأنفة – بناءً على استئناف النيابة العامة أو المدعي المدني - بإلغاء
الحكم الصادر من محكمة جنايات أول درجة بالبراءة أو بتشديد العقوبة أو برفض الدعوى
المدنية.
منهج البحث: يستند البحث إلى المنهج التحليلي.
أولًا: القاعدة العامة: صدور الحكم بأغلبية الآراء
ثانيًا: صدور بعض الأحكام
بالإجماع هو استثناء من القاعدة العامة
ثالثًا: نطاق البحث
رابعًا: إجماع الآراء عند الحكم الصادر من محكمة
الجنح المستأنفة بإلغاء الحكم بالبراءة أو بتشديد العقوبة أو برفض الدعوى المدنية.
خامسًا: النص على إجماع
الآراء في منطوق الحكم الصادر من محكمة الجنح المستأنفة.
سادسًا: الغرض
التشريعي من الضمانة.
سابعًا: الاتجاه السائد لدى محكمة النقض.
ثامنًا: ضمانة إجماع آراء قضاة المحكمة وفقًا
لتفسير نص المادة 417 إجراءات جنائية - المقابلة لنص المادة 399 من قانون
الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 –
تاسعًا: إجماع الآراء عند الحكم
الصادر من محكمة الجنايات المستأنفة بإلغاء الحكم بالبراءة أو بتشديد العقوبة أو
برفض الدعوى المدنية.
عاشرًا: رأي الباحث في المسألة مثار
البحث.
أولًا: القاعدة العامة: صدور الحكم بأغلبية الآراء [1] )
يجب
أن يكون الرأي الذي انتهت إليه المداولة قد تم بناء على أغلبية آراء القضاة الذين
تداولوا في الحكم في حالة تشكيل المحكمة من ثلاثة قضاة فأكثر. فقد نصت المادة ١٦٩
من قانون المرافعات على أنه " تصدر الأحكام بأغلبية الآراء، فإذا لم تتوافر
الأغلبية وتشعبت الآراء لأكثر من رأيين، وجب أن ينضم الفريق الأقل عددًا أو الفريق
الذي يضم أحدث القضاة لأحد الرأيين الصادرين من الفريق الأكثر عددًا وذلك بعد أخذ
الآراء مرة ثانية " وهذه المادة وإن لم ترد في قانون الاجراءات الجنائية، إلا
أنها تمثل قاعدة عامة في إصدار الأحكام ولا تتعارض مع طبيعة الدعوى الجنائية، ومن
ثم ليس ما يمنع من تطبيقها في القضاء الجنائي حلًا لمشكلة لم يعالجها قانون الإجراءات
الجنائية.
ثانيًا: صدور بعض الأحكام
بالإجماع هو استثناء من القاعدة العامة [2] )
تدخَّل
قانون الإجراءات الجنائية بنصوص خاصة استثني من القاعدة بعض الأحكام فأوجب صدورها
بإجماع آراء القضاة ولم يكتفِ برأي أغلبية القضاة هي :
١- الأحكام
الصادرة من محكمة الجنايات – بدرجتيها - بالإعدام، فيتعين أن يكون الرأي الذي
تنتهي إليه المداولة بإجماع آراء القضاة وليس بأغلبيهم.
٢- الأحكام
الصادرة من محكمة الجنايات المستأنفة، ومحكمة الجنح المستأنفة بإلغاء حكم محكمة
أول درجة القاضي ببراءة المتهم أو تشديد العقوبة المحكوم بها أو بإلغاء الحكم
الصادر برفض الدعوى المدنية.
ثالثًا: نطاق البحث
يقتصر نطاق البحث على تفسير الفقرة الثانية من
المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية – المقابلة لنص المادة 399 من قانون
الإجراءات الجنائية الجديد – في ضوء الاتجاه السائد في قضاء محكمة النقض الذي
يقضي بأن إغفال محكمة الجنح المستأنفة النص على الإجماع في منطوق الحكم الاستئنافي
الغيابي والحكم المعارض فيه يؤدي إلى نقض الحكم وتأييد حكم أول درجة الصادر بالبراءة
أو بتخفيف العقوبة أو برفض الدعوى المدنية، دون إعادة النظر في الدعوى وفقًا
للقانون؛ رغم عدم صراحة النص القانوني في ترتيب هذا الأثر. هذا الاتجاه يتعارض مع
ما قد يُثار في أذهان رجال القانون من ملاءمة نقض الحكم الباطل لنظر موضوع الدعوى
أمام محكمة النقض. فإذا كانت الدعوى بحالتها هذه صالحة للفصل في موضوعها دون حاجة
إلى تحديد جلسة لنظرها، فإن المحكمة تعرض لموضوع الدعوى، مما يثير تساؤلًا حول مدى
توافق التطبيق القضائي مع الغرض التشريعي لضمانة الإجماع، بما يحقق التوازن بين
حماية مصلحة المتهم من ناحية ومصلحة العدالة الجنائية والمدعي بالحق المدني من
ناحية أخرى.
ويتعين في هذا الصدد دراسة مدى وجوب النص على إجماع الآراء في منطوق
الحكم الصادر من محكمة الجنايات المستأنفة - بناءً على استئناف النيابة العامة أو
المدعي المدني - بإلغاء الحكم الصادر من محكمة جنايات أول درجة بالبراءة أو بتشديد
العقوبة أو برفض الدعوى المدنية.
خصَّ المشرع الحكم الصادر من
محكمة الجنح المستأنفة بإلغاء حكم أول درجة الصادر ببراءة المتهم بوضع خاص، وكذلك الحكم
الصادر بتشديد العقوبة عما قضي به حكم أول درجة. فنصت الفقرة الثانية من المادة 417
من قانون الاجراءات الجنائية – المقابلة لنص المادة 399 من قانون
الإجراءات الجنائية الجديد - على أنه "لا يجوز تشديد العقوبة المحكوم
بها ولا إلغاء الحكم الصادر بالبراءة إلا بإجماع آراء قضاة المحكمة". وهذا
الوضع قيد على سلطة المحكمة الاستئنافية إذا كانت النيابة العامة هي الطاعنة
بالاستئناف. وقد عللت المذكرة الايضاحية للقانون هذا الحكم بقولها " إن رأي
قاضي محكمة أول درجة يجب أن يكون محل اعتبار عند الفصل في الدعوي استئنافيًا، فإذا
كان رأي أحد قضاة الاستئناف مطابقًا لرأيه، فلا يجوز إلغاء البراءة أو التشديد، لأنه
إذا كان هناك محل للترجيح إنما ترجح كفة الرأي الذي يشترك فيه القاضي الذي أجرى
تحقيقًا في الدعوى وسمع الشهود بنفسه وهو القاضي الجزئي، فضلًا عما في ذلك من
مراعاة لمصلحة المتهم"
ومن جانبنا، نرى أن ما استقر
عليه قضاء محكمة النقض، وما أكدته المذكرة الإيضاحية بشأن أهمية رأي قاضي أول درجة
– الذي قام بالتحقيق بنفسه وسمع الشهود مباشرة – ووجوب ترجيح هذا الرأي في حال عدم
توافر إجماع قضاة المحكمة الاستئنافية، مراعاةً لمصلحة المتهم، يترتب عليه أمران:
أولهما: إذا لم ينعقد الإجماع بين قضاة محكمة الجنح المستأنفة على
إلغاء حكم أول درجة بالبراءة، أو تشديد العقوبة، أو رفض الدعوى المدنية، فإن هذه المحكمة
الاستئنافية تقضي بتأييد حكم أول درجة ترجيحًا لمصلحة المتهم.
ثانيهما: إذا قضت محكمة الجنح المستأنفة بإلغاء حكم أول درجة
بالبراءة، أو تشديد العقوبة، أو رفض الدعوى المدنية، ولكنها أغفلت النص على
الإجماع في منطوق حكمها، فإن حكمها يبطل لهذا العيب، وتنظر محكمة النقض في موضوع
الدعوى وفقًا للقانون.
والجدير بالإشارة استقرار
محكمة النقض - على النحو الذي سيأتي تفصيله - على أن شرط الإجماع يسري أيضًا في
حالة إلغاء حكم أول درجة الصادر برفض الدعوي المدنية بناءً على عدم ثبوت الواقعة
أو عدم صحة إسنادها إلى المتهم، فلا يجوز للمحكمة الاستئنافية الحكم للمدعي المدني
المستأنف بالتعويض إلا بإجماع آراء قضاتها لاتصال الحكم بالتعويض في هذه الحالة بإسناد
الواقعة للمتهم، ولكن زيادة مبلغ التعويض لا يتطلب الإجماع لأنه لا ينطوي على تسويء
مركز المتهم في الواقعة الجنائية الثابتة في حكم أول درجة، إلا أن شرط إجماع
الآراء مقصور على حالة الخلاف بين القضاة في تقدير الوقائع والأدلة وتقدير
العقوبة، أما تطبيق قانون العقوبات على وجهه الصحيح لخطأ الحكم المستأنف في
القانون فلا يحتاج إلى إجماع، بل يكفي فيه أغلبية آراء قضاة المحكمة.
خامسًا: النص على إجماع الآراء في منطوق الحكم الصادر من
محكمة الجنح المستأنفة .
يجب أن يثبت
في منطوق الحكم، صدور الحكم بإجماع آراء قضاة المحكمة، ولا يكفي أن يذكر ذلك في
أسباب الحكم إلا إذا كانت الأسباب قد تليت علنًا مع تلاوة منطوق الحكم في الجلسة.
وتطبيقًا لذلك، قضت محكمة النقض بأن النص على إجماع الآراء قرين النطق بالحكم بإلغاء
الحكم الصادر بالبراءة أو برفض الدعوي المدنية شرط لازم لصحة
صدور الحكم بالإلغاء والقضاء بالإدانة أو بالتعويض. واذ كانت العبرة فيما تقضي به
الأحكام هي بما ينطق به القاضي بالجلسة العلنية عقب سماع الدعوي، فإنه لا يكفي أن
تتضمن أسباب الحكم ما يفيد انعقاد الإجماع مادام لم يثبت بورقة الحكم أن تلك الأسباب
قد تليت علنًا بجلسة النطق به مع المنطوق [3] ).
سادسًا:
الغرض التشريعي من ضمانة الإجماع
يهدف المشرع من هذه الضمانة إلى تعزيز حماية المتهم عندما تكون
النيابة العامة هي الطاعنة في حكم البراءة، أو إذا كان
المدعي المدني هو الطاعن فيما يتعلق بدعواه المدنية، لذا اشترط الإجماع لضمان توافق كامل
يمنع تسويء مركز المتهم إلا بيقين تام.
والجدير بالذكر أن هذه الضمانة
امتدت – بحسب قضاء محكمة النقض – إلى الدعوى المدنية التبعية، نظراً لارتباط الحكم
بالتعويض بثبوت الواقعة الجنائية، مما يجعل إلغاء رفض الدعوى المدنية المبني على
البراءة مشروطاً بالإجماع أيضاً.
وقد أفصحت المذكرة الإيضاحية في بيانها لعلة
التشريع عن أن ترجيح رأي قاضي محكمة أول درجة في حالة عدم توافر الإجماع مرجعه إلى
أنه هو الذي أجرى التحقيق في الدعوى وسمع الشهود بنفسه وهو ما يوحي بأن اشتراط
إجماع القضاة مقصور على حالة الخلاف في تقدير الوقائع والأدلة وتقدير العقوبة، إلا
أنه يستبين من المذكرة الإيضاحية لهذه المادة أيضًا ومن تقرير اللجنة التي شكلت
للتنسيق بين مشروعي قانوني الإجراءات الجنائية والمرافعات أن مراد الشارع من النص
على وجوب إجماع آراء قضاة المحكمة الاستئنافية عند تشديد العقوبة أو إلغاء حكم
البراءة إنما هو مقصور على حالات الخلاف بينها وبين محكمة أول درجة في تقدير
الوقائع والأدلة وأن تكون هذه الوقائع والأدلة كامنة في تقرير مسئولية المتهم
واستحقاقه للعقوبة أو إقامة التناسب بين هذه المسئولية ومقدار العقوبة وكل ذلك في
حدود القانون إيثاراً من الشارع لمصلحة المتهم، يشهد لذلك أن حكم هذه المادة مقصور
على الطعن بالاستئناف دون الطعن بالنقض الذي يقصد منه العصمة من مخالفة القانون أو
الخطأ في تطبيقه [4] ).
سابعًا:
الاتجاه السائد لدى محكمة النقض
(1) حالة صدور حكم من محكمة الجنح المستأنفة بإلغاء الحكم الابتدائي الصادر
ببراءة الطاعن
استقرت محكمة النقض على أن صدور الحكم الاستئنافي بإلغاء الحكم
الابتدائي الصادر ببراءة الطاعن دون أن يذكر أنه صدر بإجماع آراء القضاة الذين
أصدروه خلافاً لما تقضي به المادة ٤١٧ من قانون الإجراءات الجنائية إذا كان
الاستئناف مرفوعاً من النيابة العامة فلا يجوز تشديد العقوبة المحكوم بها
ولا إلغاء
الحكم الصادر بالبراءة إلا بإجماع آراء قضاة المحكمة - يجعل الحكم المذكور باطلاً فيما قضى به
من إلغاء البراءة وذلك لتخلف شرط صحة الحكم بهذا الإلغاء وفقاً للقانون، فإنه
يتعين نقض الحكم المطعون فيه فيما قضى به بالنسبة للطاعن وتصحيحه بتأييد الحكم
المستأنف الصادر ببراءته ورفض الدعوى المدنية بالنسبة له [5] ).
(2) حالة صدور حكم من محكمة الجنح المستأنفة بتأييد
الحكم الغيابي الاستئنافي المعارض فيه من الطاعن
استقرت محكمة النقض على
ذات المبدأ في حالة صدور الحكم
المطعون فيه بتأييد الحكم الغيابي الاستئنافي المعارض فيه من الطاعن والقاضي
بإلغاء الحكم الصادر بالبراءة من محكمة أول درجة دون أن يذكر أنه صدر بإجماع آراء
القضاة خلافاً لما تقضي به المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية - المقابلة لنص المادة 399 من قانون
الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 - من أنه "إذا كان الاستئناف مرفوعاً من النيابة العامة فلا يجوز
تشديد العقوبة المحكوم بها ولا إلغاء الحكم الصادر بالبراءة إلا بإجماع آراء قضاة
المحكمة". – وانتهت محكمة النقض إلى أن الحكم المذكور يصبح باطلاً فيما قضى
به من تأييد الحكم الغيابي الاستئنافي القاضي بإلغاء البراءة، وذلك لتخلف شرط صحة
الحكم بهذا الإلغاء وفقاً للقانون، ولا يكفي في ذلك أن يكون الحكم الغيابي
الاستئنافي القاضي بإلغاء حكم البراءة قد نص على صدوره بإجماع آراء القضاة لأن
المعارضة في الحكم الغيابي من شأنها أن تعيد القضية لحالتها الأولى بالنسبة إلى
المعارض، بحيث إذا رأت المحكمة أن تقضي في المعارضة بتأييد الحكم الغيابي الصادر
بإلغاء حكم البراءة، فإنه يكون من المتعين عليها أن تذكر في حكمها أنه صدر بإجماع
آراء القضاة، ولأن الحكم في المعارضة وإن صدر بتأييد الحكم الغيابي الاستئنافي إلا
أنه في حقيقته قضاء منها بإلغاء الحكم الصادر بالبراءة من محكمة أول درجة. لما كان
ذلك، وكان لمحكمة النقض طبقاً لنص الفقرة الثانية من المادة 35 من قانون حالات
وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض الصادر بالقانون رقم 57 لسنة 1959 أن تنقض الحكم
لمصلحة المتهم من تلقاء نفسها إذا تبين مما هو ثابت فيه أنه مبني على مخالفة
للقانون أو على خطأ في تطبيقه أو في تأويله، فإنه يتعين نقض الحكم المطعون فيه
وإلغاء الحكم الاستئنافي الغيابي وتأييد الحكم المستأنف الصادر ببراءة الطاعن [6] ).
(3) حالة صدور حكم من محكمة الجنح المستأنفة بإلغاء الحكم الابتدائي الصادر
برفض الدعوى المدنية
استقرت محكمة النقض على
ذات المبدأ في حالة استئناف المدعي بالحقوق المدنية الحكم الصادر برفض دعواه بناء
على براءة المتهم لعدم ثبوت الواقعة سواء استأنفته النيابة العامة أو لم تستأنفه،
فمتى كان الحكم الابتدائي قد قضى ببراءة المتهم وبرفض الدعوى المدنية المرفوعة
عليه من المدعي بالحقوق المدنية لعدم ثبوت الواقعة - كما هو الحال في الدعوى -
فإنه لا يجوز إلغاء هذا الحكم الصادر في الدعوى المدنية والقضاء فيها استئنافياً
بالتعويض إلا بإجماع آراء قضاة المحكمة؛ إذ قضت محكمة النقض بأنه "وحيث إنه
يبين من الأوراق أن الحكم المطعون فيه صدر حضورياً بقبول الاستئناف شكلاً وفي
الموضوع بإلغاء الحكم المستأنف القاضي برفض الدعوى المدنية وإلزام الطاعنين بأن
يؤدوا للمدعي بالحق المدني بصفته مبلغ ٨٢٩٧.٢٠ جنيهاً دون أن يذكر فيه أنه صدر
بإجماع آراء القضاة. لما كان ذلك، وكانت الفقرة الثانية من المادة ٤١٧ من قانون الإجراءات
الجنائية لا تجيز إذا كان الاستئناف مرفوعاً من النيابة العامة - تشديد العقوبة
المحكوم بها أو إلغاء الحكم الصادر بالبراءة إلا بإجماع آراء قضاة المحكمة وكان قضاء هذه المحكمة - قد جرى على
أن حكم هذه الفقرة يسري كذلك على استئناف المدعي بالحقوق المدنية الحكم الصادر
برفض دعواه بناء على براءة المتهم لعدم ثبوت الواقعة سواء استأنفته النيابة العامة
أو لم تستأنفه، فمتى كان الحكم الابتدائي قد قضى ببراءة المتهم وبرفض الدعوى
المدنية المرفوعة عليه من المدعي بالحقوق المدنية لعدم ثبوت الواقعة - كما هو
الحال في الدعوى - فإنه لا يجوز إلغاء هذا الحكم الصادر في الدعوى المدنية والقضاء
فيها استئنافياً بالتعويض إلا بإجماع آراء قضاة المحكمة، كما هو الشأن في الدعوى
الجنائية نظرًا لتبعية الدعوى المدنية للدعوى الجنائية من جهة ولارتباط الحكم
بالتعويض بثبوت الواقعة الجنائية من جهة أخرى، لما كان ذلك، فإن الحكم المطعون فيه
إذ قضى بهذا الإلغاء دون أن يصدر بإجماع الآراء يكون قد خالف القانون اعتباراً بأن
اشتراط الإجماع لإلغاء الحكم الصادر برفض الدعوى المدنية هو من القواعد الموضوعية
المتعلقة بأصل الحق في التعويض شأنه في ذلك شأن الحكم الصادر بإلغاء الحكم القاضي
بالبراءة أو تشديد العقوبة المحكوم بها، فهو من القواعد المتعلقة بأصل الحق في
العقاب، ومن ثم كان لزاماً على الحكم المطعون فيه وقد تخلف شرط الإجماع أن يقضي
بتأييد الحكم المستأنف، لما كان ذلك، وكان لهذه المحكمة طبقاً لنص الفقرة الثانية من
المادة ٣٥ من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض الصادر بالقانون رقم ٥٧
لسنة ١٩٥٩، أن تنقض الحكم لمصلحة الطاعن من تلقاء نفسها إذا تبين لها مما هو ثابت
فيه أنه مبنى على مخالفة القانون أو على خطأ في تطبيقه أو تأويله، فإنه يتعين نقض
الحكم المطعون فيه بالنسبة للطاعنين وإلغاؤه وتأييد الحكم الابتدائي القاضي برفض
الدعوى المدنية قبلهم وذلك دون حاجة إلى التعرض إلى أوجه الطعن المقدمة منهم، مع
إلزام المطعون ضده بصفته "المدعي بالحقوق المدنية بصفته" المصاريف
المدنية وأتعاب المحاماة [7] ).
(4) حالة صدور حكم من محكمة الجنح المستأنفة بتشديد العقوبة المحكوم بها
من محكمة أول درجة
استقرت
محكمة النقض على أن الحكم المطعون فيه إذا صدر من المحكمة الاستئنافية بتشديد العقوبة
المحكوم بها من محكمة أول درجة دون أن يذكر فيه أنه صدر بإجماع آراء القضاة خلافا
لما تقضي به المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية - المقابلة لنص المادة 399 من قانون
الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 - من
عدم جواز تشديد العقوبة المحكوم بها إذا كان الاستئناف مرفوعا من النيابة إلا
بإجماع آراء قضاة المحكمة - فإن ذلك من شأنه أن يصبح الحكم باطلًا فيما قضى به من
تشديد العقوبة لتخلف شرط صحة الحكم بهذا التشديد وفقًا للقانون - لما كان ذلك،
وكان لهذه المحكمة أن تنقض الحكم من تلقاء نفسها إذا تبين لها مما هو ثابت فيه أنه
مبني على مخالفة للقانون أو على خطأ في تطبيقه أو في تأويله فإنه يتعين نقض الحكم
المطعون فيه وتأييد الحكم المستأنف القاضي بالغرامة [8] ).
إلا أن اللافت للنظر أن محكمة
النقض استقرت على أنه وإن نصت الفقرة الثانية من المادة 417 من قانون الإجراءات
الجنائية - المقابلة
لنص المادة 399 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 -على
أنه لا يجوز تشديد العقوبة المحكوم بها ولا إلغاء الحكم الصادر بالبراءة إلا
بإجماع آراء قضاة المحكمة، إلا أنه يستبين من المذكرة الإيضاحية لهذه المادة ومن
تقرير اللجنة التي شكلت للتنسيق بين مشروعي قانوني الإجراءات الجنائية والمرافعات
أن مراد الشارع من النص على وجوب إجماع آراء قضاة المحكمة الاستئنافية عند تشديد
العقوبة أو إلغاء حكم البراءة إنما هو مقصور على حالات الخلاف بينها وبين محكمة
أول درجة في تقدير الوقائع والأدلة وأن تكون هذه الوقائع والأدلة كامنة في تقرير
مسئولية المتهم واستحقاقه للعقوبة أو إقامة التناسب بين هذه المسئولية ومقدار
العقوبة وكل ذلك في حدود القانون إيثاراً من الشارع لمصلحة المتهم، يشهد لذلك أن حكم
هذه المادة مقصور على الطعن بالاستئناف دون الطعن بالنقض الذي يقصد منه العصمة من
مخالفة القانون أو الخطأ في تطبيقه. لما كان ذلك، وكانت المذكرة الإيضاحية قد
أفصحت في بيانها لعلة التشريع عن أن ترجيح رأي قاضي محكمة أول درجة في حالة عدم
توافر الإجماع مرجعه إلى أنه هو الذي أجرى التحقيق في الدعوى وسمع الشهود بنفسه
وهو ما يوحي بأن اشتراط إجماع القضاة قاصر على حالة الخلاف في تقدير الوقائع
والأدلة وتقدير العقوبة، أما النظر في استواء حكم القانون فلا يصح أن يرد عليه
خلاف، والمصير إلى تطبيقه على وجهه الصحيح لا يحتاج إلى إجماع، بل لا يتصور أن
يكون الإجماع إلا لتمكين القانون وإجراء أحكامه لا أن يكون ذريعة إلى تجاوز حدوده.
لما كان ذلك، وكان نص المادة 12 مكرر من القانون رقم 48 لسنة 1941 المعدل بالقانون
رقم 83 لسنة 1948 أنه "يعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز سنة وبغرامة لا تقل عن خمسة
جنيهات ولا تتجاوز مائة جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من حال دون تأدية
الموظفين المشار إليهم بالمادة 11 أعمال وظائفهم سواء بمنعهم من دخول المصانع أو
المخازن أو المتاجر أو من الحصول على عينات أو بأية طريقة أخرى". لما كان
ذلك، فإن الحكم المطعون فيه إذ قضى بتغريم المحكوم عليه خمسة جنيهات بالتطبيق لهذه
المادة يكون قد أعمل حكم القانون وهو في ذلك لم يشدد العقوبة بالمعنى الذي رمى
إليه المشرع من سن القاعدة الواردة بالفقرة الثانية من المادة 417 من قانون
الإجراءات - المقابلة
لنص المادة 399 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 -
وإنما هو قد صحح خطأ قانونياً وقع فيه الحكم المستأنف [9] ).
ولمزيد
من الإيضاح ومنعًا للالتباس قضت محكمة النقض بأن
مسلك المشرع في تقرير قاعدة الإجماع - التي هي استثناء من القاعدة العامة التي
رسمها لإصدار الأحكام - وإيراده إياها في المادة 417 في فقرتها الثانية - المقابلة لنص المادة 399 من قانون
الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 - مكملة
للفقرة الأولى الخاصة بالاستئناف المرفوع من النيابة العامة وحدها، ظاهر الدلالة
في قصرها على حالة تسوئ مركز المتهم في خصوص الواقعة الجنائية وحدها أو عندما يتصل
التعويض المدني المطالب به في الدعوى المدنية المرفوعة بالتبعية للدعوى الجنائية
بثبوت تلك الواقعة الجنائية للعلة ذاتها التي يقوم عليها ذلك الاستثناء، فلا ينسحب
حكمها على الفقرة الأخيرة من المادة المذكورة إذا ما تعلق الأمر بتسويء مركز
المتهم في الدعوى المدنية استقلالًا بناء على الاستئناف المرفوع من المدعي بالحقوق
المدنية بغية زيادة مبلغ التعويض المقضي به ابتدائيًا بعد إذ تحققت نسبة الواقعة
الجنائية إلى المتهم، مما لا يصح معه إعمال حكم القياس بالتسوية بين هذه الحالة
الأخيرة التي لم يرد حكم الإجماع بشأنها وبين حالة استئناف النيابة العامة التي
ورد النص على حكمه في صدرها وحدها لاختلاف العلة في الحالين. لما كان ما تقدم، فإن
النعي على الحكم يكون على غير أساس ويتعين لذلك رفض الطعن موضوعًا [10] ).
وخلاصة ما تقدم أن قضاء
محكمة النقض قد استقر على اعتبار إغفال محكمة الجنح المستأنفة النص على الإجماع في
منطوق الحكم الاستئنافي (سواء الغيابي أو في المعارضة) بطلاناً مطلقاً، يترتب عليه
نقض الحكم وتأييد حكم أول درجة بالبراءة أو بتخفيف العقوبة أو برفض الدعوى
المدنية. واستندت إلى الفقرة الثانية من
المادة 35 من قانون الطعن أمام محكمة النقض، التي تسمح بنقض الحكم لمصلحة المتهم
من تلقاء نفسها إذا كان مبنياً على مخالفة القانون.
ثامنًا:
ضمانة إجماع آراء قضاة المحكمة وفقًا لتفسير نص المادة 417 إجراءات جنائية - المقابلة لنص المادة 399 من
قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 -
تنص الفقرة الثانية من المادة 417 من قانون
الإجراءات الجنائية - المقابلة لنص المادة 399 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم
174 لسنة 2025 - على أنه: "إذا كان الاستئناف مرفوعاً من النيابة العامة فلا
يجوز تشديد العقوبة المحكوم بها ولا إلغاء الحكم الصادر بالبراءة إلا بإجماع آراء
قضاة المحكمة".
يتضح من النص المار ذكره أنه
يشترط الإجماع كشرط لصحة إلغاء حكم البراءة أو تشديد العقوبة عند استئناف النيابة
العامة، لكنه لا ينص صراحة على أن مجرد إغفال ذكر الإجماع في المنطوق، يرتب
تلقائياً تأييد حكم أول درجة بالبراءة أو بتخفيف العقوبة أو برفض الدعوى المدنية -
بحسب الأحوال - كما لا يستفاد ضمناً من النص ترتيب هذا الأثر.
تاسعًا:
إجماع الآراء عند الحكم الصادر من محكمة الجنايات المستأنفة بإلغاء الحكم بالبراءة
أو بتشديد العقوبة أو برفض الدعوى المدنية
استحدث القانون رقم 1 لسنة 2024 بتعديل بعض أحكام قانون الإجراءات
الجنائية نظام استئناف مواد الجنايات، وأضاف المادة (٤١٩ مكرراً ٣) - المقابلة لنص المادة 406 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد
رقم 174 لسنة 2025 - التي نصت بالنسبة لاستئناف مواد الجنايات على أنه: "يُتبع في
نظر الاستئناف والفصل فيه جميع الأحكام المقررة للاستئناف في مواد الجنح، ما لم
ينص القانون على خلاف ذلك"،
وتنص المادة 381 المستبدلة بالقانون رقم 1 لسنة 2024 المار ذكره - المقابلة لنص المادة 364 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد
رقم 174 لسنة 2025 - على أن "تُتبع أمام محاكم الجنايات بدرجتيها جميع الأحكام
المقررة في الجنح ما لم ينص على خلاف ذلك. ولا يجوز لمحكمة الجنايات بدرجتيها أن
تصدر حكماً بالإعدام إلا بإجماع آراء أعضائها، ويجب عليها قبل أن تُصدر هذا الحكم
أن تأخذ رأى مفتي الجمهورية، ويجب إرسال أوراق القضية إليه، ويتعين عليه في جميع
الأحوال أن يرسل رأيه إلى المحكمة قبل جلسة النطق بالحكم بفترة كافية، فإذا لم يصل
رأيه إلى المحكمة قبل التاريخ المحدد للنطق بالحكم، حكمت المحكمة في الدعوى. وفى
حالة خلو وظيفة المفتي أو غيابه أو قيام مانع لديه، يندب وزير العدل، بقرار منه،
مَن يقوم مقامه. ولا يجوز الطعن فى أحكام محكمة الجنايات المستأنفة إلا بطريق
النقض أو إعادة النظر".
وكانت الفقرة الثانية من المادة ٤١٧ من قانون الإجراءات الجنائية (في
استئناف مواد الجنح) قد نصت على أنه: "إذا كان الاستئناف مرفوعاً من النيابة العامة، فللمحكمة أن تؤيد
الحكم أو تلغيه أو تعدله سواء ضد المتهم أو لمصلحته. ولا يجوز تشديد العقوبة
المحكوم بها ولا إلغاء الحكم الصادر بالبراءة إلا بإجماع آراء قضاة المحكمة".
والمستفاد من هذه النصوص أن المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية - المقابلة لنص المادة 399 من قانون
الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 - تسري أيضًا على أحكام محكمة
الجنايات المستأنفة؛ ومن ثم ينبغي ضرورة النص على إجماع الآراء عند الحكم الصادر من محكمة الجنايات المستأنفة بإلغاء
حكم البراءة أو الحكم بتشديد العقوبة أو برفض الدعوى المدنية.
عاشرًا:
رأي الباحث في المسألة مثار البحث.
من خلال الدراسة التحليلية
لضمانة الإجماع المنصوص عليها في الفقرة الثانية من المادة 417 من قانون الإجراءات
الجنائية - المقابلة
لنص المادة 399 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 - يتضح أن هذه الضمانة تمثل ركيزة أساسية
في ضمان المحاكمة العادلة، حيث تفرض شرطاً صارماً لإلغاء حكم البراءة أو تشديد
العقوبة عند استئناف النيابة العامة، مما يعكس التزام المشرع بحماية المتهم وفقاً
لمبدأ "الأصل في المتهم البراءة". ومع ذلك، أظهرت الدراسة أن تطبيق هذه
الضمانة في قضاء محكمة النقض قد يُثير جدلًا، حيث إن المحكمة تعتبر إغفال محكمة
الجنح المستأنفة النص على الإجماع في منطوق الحكم الاستئنافي والحكم المعارض فيه
استئنافيًا بطلاناً مطلقاً يؤدي إلى نقض الحكم وتأييد حكم أول درجة الصادر بالبراءة
أو بعقوبة مخففة، دون إعادة نظر الدعوى من جديد. وكان قضاء محكمة النقض - قد جرى على أن حكم
هذه الفقرة يسري كذلك على استئناف المدعي بالحقوق المدنية الحكم الصادر برفض دعواه
بناء على براءة المتهم لعدم ثبوت الواقعة سواء استأنفته النيابة العامة أو لم
تستأنفه.
هذا الاتجاه - رغم استقراره في
أحكام عديدة - يتجاوز النص القانوني الذي لا يرتب صراحة أو ضمناً تأييداً تلقائياً
لحكم أول درجة بالبراءة أو بتخفيف العقوبة أو برفض الدعوى المدنية، ويؤدي إلى
نتائج غير متوازنة قد تسمح بإفلات مجرمين محتملين، مما يتعارض مع مبادئ مصلحة
العدالة الاجتماعية.
لذلك أرى – كحل أكثر عدلاً – أنه يجب في حالة إغفال محكمة الجنح
المستأنفة النص على الإجماع في منطوق الحكم الاستئنافي والحكم المعارض فيه
استئنافيًا – أن تتولى محكمة النقض النظر في القضية من جديد. هذا الاتجاه يحقق
توازناً مثالياً بين مصلحة المتهم من ناحية ومصلحة المجتمع والمدعي بالحق المدني
من ناحية أخرى، ويتوافق مع صراحة نص المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية - المقابلة لنص المادة 399 من قانون
الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 - الذي يركز على الإجماع كشرط للإلغاء
دون ترتيب آثار تلقائية. كما يتسق مع المادة 39 من قانون حالات وإجراءات
الطعن أمام محكمة النقض، التي تسمح بنقض الحكم ونظر موضوعه، لكن دون الإفراط في
تفسيرها لصالح تأييد حكم أول درجة بالبراءة أو بتخفيف العقوبة أو برفض الدعوى
المدنية دون نظرها من جديد؛ ذلك أن مصلحة المتهم تتحقق في نقض الحكم الباطل الذي
صدر دون النص على الإجماع، وتحديد جلسة لنظر موضوع الدعوى أمام محكمة النقض. فإذا كانت
الدعوى بحالتها هذه صالحة للفصل في موضوعها دون حاجة إلى تحديد جلسة لنظرها، فإن
المحكمة تعرض لموضوع الدعوى وفقًا للقانون، تطبيقًا لنص المادة 39
من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض.
يؤكد رأينا أن جميع الأحكام
المشوبة بالبطلان أو الانعدام في الإجراءات الجنائية تستوجب عادةً النقض والإعادة
أو نظر موضوع الدعوى أو التصحيح، وليس التأييد التلقائي لحكم أول درجة الصادر بالبراءة
أو بعقوبة مخففة أو برفض الدعوى المدنية، مما يثير تساؤلاً جوهرياً: ما الداعي
لاستثناء هذه الحالة وترتيب هذا الأثر التلقائي عند إغفال النص على الإجماع، في
حين أن نظر الدعوى من جديد يمكن أن يحل المشكلة دون إضرار بالعدالة؟ ويسهم في تعزيز
الاستقرار القضائي وتحقيق الغرض التشريعي الحقيقي من الضمانة، ويضمن تطبيقاً أكثر عدلاً
لمبادئ المحاكمة العادلة. ولا مجال للقول بإن في ذلك إضرارًا بالمتهم؛ ذلك أن
مصلحة المتهم تتحقق في نقض الحكم الباطل الذي صدر دون النص على الإجماع، وتحديد
جلسة لنظر موضوع الدعوى أمام محكمة النقض. فإذا كانت الدعوى بحالتها هذه صالحة
للفصل في موضوعها دون حاجة إلى تحديد جلسة لنظرها، فإن المحكمة تعرض لموضوع الدعوى
وفقًا للقانون بغير إضرار بالمتهم.
ويؤيد وجهة نظرنا حكمٌ انتهت فيه محكمة النقض إلى النقض والإعادة عند
إغفال النص على الإجماع المنصوص عليه في المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية - المقابلة لنص المادة 399 من قانون
الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 - في الدعوى المدنية التبعية. حيث
اعتبرت المحكمة أن عدم النص على الإجماع يجعل الحكم باطلاً لتخلف شرط صحته، مع
ارتباط التعويض بثبوت الواقعة الجنائية، فقضت بالنقض والإعادة للتحقق من الإجماع،
دون تأييد حكم أول درجة تلقائياً. حيث قضت بأن "من حيث إن البين من الاطلاع
على الحكم المطعون فيه – القاضي بالقبول والرفض والتأييد – أنه أحال إلى الحكم
المستأنف القاضي بالبراءة ورفض الدعوى المدنية – إذ أورد في مدوناته قوله "..
إن وقائع الدعوى أوردها الحكم المستأنف ... وتحيل إليه منعاً للتكرار "، ثم
عاد وقضى بالقبول والرفض والتأييد للحكم الغيابي الاستئنافي القاضي بقبول
الاستئناف شكلاً وبإلغاء الحكم المستأنف فيما قضى به بالنسبة للدعوى المدنية
والقضاء مجدداً بإلزام المتهمين بالتعويض المدني ..... وكان من المقرر أن حجية الشيء
المحكوم فيه لا ترد إلا على منطوق الحكم ولا يمتد أثرها إلى الأسباب إلا ما كان
مكملاً للمنطوق فإن ما وقع فيه الحكم من تناقض بين أسبابه وما انتهى إليه منطوقه
يعيبه بالتناقض والتخاذل ، ويكون الأمر ليس مقصوراً على مجرد خطأ مادى بل يتجاوزه
إلى اضطراب ينبئ عن اختلال فكرة الحكم من حيث تركيزها في موضوع الدعوى وعناصر
الواقعة مما يتعين نقضه، فضلاً عن أنه من المقرر أن حكم الفقرة الثانية من المادة
٤١٧ من قانون الإجراءات الجنائية يسرى أيضاً على استئناف المدعى بالحقوق المدنية
للحكم الصادر برفض دعواه بناء على براءة المتهم لعدم ثبوت الواقعة سواء استأنفته النيابة
العامة أو لم تستأنفه ، فمتى كان الحكم الابتدائي قد قضى ببراءة المتهم وبرفض
الدعوى المدنية المرفوعة عليه من المدعى بالحقوق المدنية – كما هو الحال في هذه
الدعوى – فإنه لا يجوز إلغاء هذا الحكم الصادر في الدعوى المدنية والقضاء فيها
استئنافياً بالتعويض إلا بإجماع أراء قضاة المحكمة كما هو الشأن في الدعوى
الجنائية ، نظراً للتبعية بين الدعويين من جهة ، ولارتباط الحكم بالتعويض بثبوت
الواقعة الجنائية من جهة أخرى، وإذ كان الحكم المطعون فيه لم ينص على أنه صدر
بإجماع آراء القضاة ، فإنه يكون باطلاً لتخلف شرط من شروط صحته، الأمر الذي يتعين
معه ومن جماع ما تقدم نقض الحكم المطعون فيه والإعادة – بغير حاجة لبحث باقي أوجه
الطعن – بالنسبة للطاعن في خصوص الدعوى المدنية" [11] ).
والجدير بالذكر أن القانون رقم 1 لسنة
2024 بتعديل بعض أحكام قانون الإجراءات الجنائية قد استحدث نظام استئناف مواد
الجنايات؛ وأضاف المادة (٤١٩ مكرراً ٣) - المقابلة لنص المادة 406 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد
رقم 174 لسنة 2025 - التي نصت بالنسبة لاستئناف مواد الجنايات على أنه "يُتبع في
نظر الاستئناف والفصل فيه جميع الأحكام المقررة للاستئناف في مواد الجنح، ما لم
ينص القانون على خلاف ذلك"، وتنص المادة 381 المستبدلة بالقانون رقم 1 لسنة
2024 - المقابلة
لنص المادة 364 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 - على أن "تُتبع أمام محاكم
الجنايات بدرجتيها جميع الأحكام المقررة في الجنح ما لم ينص على خلاف ذلك. ولا
يجوز لمحكمة الجنايات بدرجتيها أن تصدر حكماً بالإعدام إلا بإجماع آراء أعضائها،
ويجب عليها قبل أن تُصدر هذا الحكم أن تأخذ رأى مفتي الجمهورية، ويجب إرسال أوراق
القضية إليه، ويتعين عليه في جميع الأحوال أن يرسل رأيه إلى المحكمة قبل جلسة
النطق بالحكم بفترة كافية، فإذا لم يصل رأيه إلى المحكمة قبل التاريخ المحدد للنطق
بالحكم، حكمت المحكمة في الدعوى. وفى حالة خلو وظيفة المفتي أو غيابه أو قيام مانع
لديه، يندب وزير العدل، بقرار منه، مَن يقوم مقامه. ولا يجوز الطعن في أحكام محكمة
الجنايات المستأنفة إلا بطريق النقض أو إعادة النظر".
وكانت الفقرة الثانية من المادة ٤١٧ من قانون الإجراءات الجنائية (في
استئناف مواد الجنح) قد نصت على أنه "إذا كان الاستئناف مرفوعاً من النيابة العامة، فللمحكمة أن تؤيد
الحكم أو تلغيه أو تعدله سواء ضد المتهم أو لمصلحته. ولا يجوز تشديد العقوبة
المحكوم بها ولا إلغاء الحكم الصادر بالبراءة إلا بإجماع آراء قضاة المحكمة".
والمستفاد من هذه النصوص أن المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية - المقابلة لنص المادة 399 من قانون
الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 - تسري أيضًا على أحكام محكمة
الجنايات المستأنفة؛ ومن ثم ينبغي ضرورة النص على إجماع الآراء عند الحكم الصادر من محكمة
الجنايات المستأنفة بإلغاء حكم البراءة أو الحكم بتشديد العقوبة أو برفض الدعوى
المدنية.
فلنفترض مثلًا صدور حكم من
محكمة جنايات أول درجة ببراء ة المتهم من جريمة القتل العمد مع سبق الاصرار
والترصد أو الاغتصاب أو غيرهما من الجرائم الخطيرة، فاستأنفت النيابة العامة هذا
الحكم وقضت محكمة الجنايات المستأنفة بإعدامه أو بإدانته بعقوبة مقيدة للحرية أشد
من تلك المقضي بها من محكمة أول درجة دون النص على إجماع آراء القضاة رغم أنه قضاء
ينطوي على تشديد، فطعن المحكوم عليه بالنقض؛ ففي هذه الحالة لا أرى صحة اتجاه
محكمة النقض في تفسير المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية - المقابلة لنص المادة 399 من قانون
الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 – الذي
يؤيد حكم أول درجة القاضي بالبراءة أو بتخفيف العقوبة أو برفض الدعوى المدنية؛ وإنما أرى نقض الحكم الباطل الذي أغفل النص على
الإجماع وتحديد جلسة لنظر موضوع الدعوى أمام محكمة النقض. فإذا كانت الدعوى
بحالتها هذه صالحة للفصل في موضوعها دون حاجة إلى تحديد جلسة لنظرها، فإن المحكمة
تعرض لموضوع الدعوى، بما يتسق مع المادة 39
من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض.
وتطبيقًا لذلك – واتساقًا مع
وجهة نظرنا كمثال تقريبي - قضت محكمة النقض بأن الحكم المعروض بعد أن حصل واقعة
الدعوى وأورد الأدلة على ثبوتها لديه انتهى - بعد أخذ رأي مفتي الجمهورية - إلى
القضاء حضوريًا بمعاقبة المتهمين بالإعدام وقد خلا منطوق الحكم مما يفيد صدوره
بالإجماع كما خلا رول الجلسة الموقع عليه من هيئة المحكمة وكذلك محضرها من إثبات
صدور الحكم بالإجماع. لما كان ذلك، وكان النص في الفقرة الثانية من المادة رقم 381
من قانون الإجراءات الجنائية - المقابلة لنص المادة 364 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم
174 لسنة 2025 - قد جرى على أنه "ولا
يجوز لمحكمة الجنايات بدرجتيها أن تصدر حكمًا بالإعدام إلا بإجماع آراء أعضائها
ويجب عليها قبل أن تصدر هذا الحكم أن تأخذ رأي مفتي الجمهورية ............."
مفاده أن الشارع قد ربط بين مبدأ الإجماع وبين أخذ رأي المفتي وهو الإجراء الذي
كان يستلزمه الشارع قبل التعديل لإصدار الحكم بالإعدام فأصبح الحكم به وفقًا لهذا
التعديل مشروطًا باستيفاء الإجراءين سالفي الذكر بحيث إذا تخلف أحدهما أو كلاهما
بطل الحكم، وإذ كان منطوق الحكم المعروض قد خلا مما يدل على صدوره بالإجماع فإنه
يكون باطلًا، ولا يقدح في ذلك ما ورد بأسباب الحكم من أن المحكمة قررت بإجماع آراء
قضاتها استطلاع رأي المفتي وذلك لما هو مقرر - عملًا بنص المادة 381 من قانون
الإجراءات الجنائية سالفة الإشارة - المقابلة لنص المادة 364 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد
رقم 174 لسنة 2025 - من أن النص على إجماع الآراء
قرين النطق بالحكم بالإعدام شرط لازم لصحة صدور الحكم بهذه العقوبة، وهو ما خلا
منه منطوق الحكم المعروض، على ما سلف البيان. لما كان ذلك وكان البطلان الذي لحق
الحكم يندرج تحت حكم الحالة الثانية من المادة 35 من قانون حالات وإجراءات الطعن
أمام محكمة النقض سالف الإشارة - التي أحالت إليها الفقرة الثانية من المادة 39،
وكانت المادة 46 من القانون سالف الذكر قد أوجبت على هذه المحكمة أن تقضي من تلقاء
نفسها بنقض الحكم إذا ما وقع فيه بطلان من هذا القبيل فإنه يتعين نقض الحكم
المعروض بالنسبة للمحكوم عليهما وذلك بغير حاجة إلى بحث أوجه الطاعن الثاني. لما
كان ذلك، وكان الطعن مقدما لثاني مرة فإنه يتعين تحديد جلسة لنظر الموضوع إعمالا
لنص المادة 45 من القانون رقم 57 لسنة 1959 سالف الذكر [12] ).
كما قضت محكمة النقض بأن "الحكم المعروض بعد أن حصل واقعة
الدعوي وأورد الأدلة على ثبوتها لديه انتهى - بعد أخذ رأي مفتي الجمهورية - إلى
القضاء حضورياً بمعاقبة المحكوم عليه بالإعدام، وقد خلا منطوق الحكم مما يفيد
صدوره بالإجماع، كما خلا رول الجلسة الموقع عليه من هيئة المحكمة وكذلك محضرها من
إثبات صدور الحكم بالإجماع. لما كان ذلك، وكان النص في الفقرة الثانية من المادة
رقم ۳۸۱ من قانون الإجراءات الجنائية قد جرى على أنه: ".... ولا
يجوز لمحكمة الجنايات أن تصدر حكماً بالإعدام إلا بإجماع آراء أعضائها ويجب عليها
قبل أن تصدر هذا الحكم أن تأخذ رأي مفتي الجمهورية ..." ، مفاده أن الشارع قد
ربط بين مبدأ الإجماع وبين أخذ رأي المفتي وهو الإجراء الذي كان يستلزمه الشارع
قبل التعديل لإصدار الحكم بالإعدام فأصبح الحكم به وفقاً لهذا التعديل مشروطاً
باستيفاء الإجراءين سالفي الذكر بحيث إذا تخلف أحدهما أو كلاهما بطل الحكم ، وإذ
كان منطوق
الحكم المعروض قد خلا مما يدل على صدوره بالإجماع فإنه يكون باطلاً، ولا يقدح في ذلك
ما ورد بأسباب الحكم من أن المحكمة قررت بإجماع آراء قضاتها استطلاع رأي المفتي ،
وذلك لما هو مقرر - عملا بنص المادة ۳۸۱ من قانون الإجراءات الجنائية سالفة
الإشارة - من أن النص على إجماع الآراء قرين النطق بالحكم بالإعدام شرط لازم لصحة
صدور الحكم بهذه العقوبة، وهو ما خلا منه منطوق الحكم المعروض - على نحو ما سلف
بيانه - بما يبطله ويوجب نقضه . ولما كانت الدعوى بحالتها هذه صالحة للفصل في
موضوعها دون حاجة إلى تحديد جلسة لنظرها، فإن المحكمة تعرض لموضوع الدعوى، ثم
انتهت محكمة النقض إلى القضاء بإجماع آراء أعضائها بمعاقبة المتهم بالإعدام[13]).
خصوصية النص على الإجماع في الحكم الصادر من
محكمة الجنح المستأنفة في المعارضة الاستئنافية
نرى بالإضافة للأسانيد التي عرضناها
سلفًا أن المشرع ولئن نص على ضرورة انعقاد الإجماع في الأحكام الاستئنافية الصادرة
من محكمة الجنح المستأنفة عند تشديد العقوبة أو إلغاء حكم البراءة، وأيًّا كان
الرأي فيما انتهينا إليه، إلا أن المشرع لم يشترط الإجماع أصلاً في الحكم الصادر من
محكمة الجنح المستأنفة في المعارضة الاستئنافية، لا سيما إذا صدر بتأييد الحكم
الاستئنافي الغيابي الصادر بالإجماع؛ إذ إن هذا الحكم الصادر في المعارضة
الاستئنافية ليس إلا تأكيداً للحكم الاستئنافي الغيابي الذي نصَّ على الإجماع،
ويندمج فيه اندماجاً كاملاً، فإذا ما توافر الإجماع في الحكم الاستئنافي الغيابي،
فلا حاجة لإعادة النص عليه في الحكم الصادر في المعارضة الاستئنافية؛ ومن ثم لا
يشترط النص على الإجماع في حكم المعارضة الاستئنافية في هذه الحالة ما دام أنه
يؤيِّد الحكم الاستئنافي الغيابي الصادر بإجماع آراء القضاة؛ ويضحى حكم المعارضة
الاستئنافية في هذه الحالة - رغم إغفاله الإجماع - موافقًا صحيح القانون.
هذا هو رأينا المتواضع في الموضوع، اجتهادٌ
بشري قد يصيب وقد يخطئ. فإن كان صوابًا وافقت عليه محكمة النقض الموقرة، فتلك ثمرة
طيبة نشكر الله تعالى عليها، ونرجو أن تكون في ميزان تحقيق العدل وإرساء التوازن
بين المصالح المتعارضة.
وإن لم يلقَ هذا الرأي قبولاً لدى قضاة محكمة النقض، فإننا نهيب
بالمشرّع أن يتدخل تشريعيًا بنصٍّ صريح يحدد أثر عدم النص على الإجماع في الحكم
الاستئنافي، إما بالنص على أن حكم أول درجة يحوز قوة الأمر المقضي، أو بالنص على
بطلان الحكم ومن ثم نظر موضوع الدعوى من جديد في حالة إغفال الإجماع وفقًا للقانون،
بما يحقق التوازن بين مصلحة المتهم من ناحية، ومصلحة العدالة الجنائية والمدعي
بالحق المدني من ناحية أخرى.
الخاتمة
عرضنا في هذا البحث
الضمانة الواردة في الفقرة الثانية من المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية - المقابلة لنص المادة 399 من قانون
الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 - من خلال تحليل تفسيرها الحرفي والغرض
التشريعي منها، مع استعراض الاتجاه السائد في قضاء محكمة النقض حول تطبيقها، واشترطت
تلك المادة إجماع آراء قضاة المحكمة في حالة القضاء بإلغاء الحكم الصادر من
محكمة أول درجة بالبراءة، أو بتشديد العقوبة، بناءً على استئناف النيابة العامة. وكان قضاء محكمة النقض قد جرى على أن حكم
هذه الفقرة يسري كذلك على استئناف المدعي بالحقوق المدنية الحكم الصادر برفض دعواه
بناء على براءة المتهم لعدم ثبوت الواقعة سواء استأنفته النيابة العامة أو لم
تستأنفه.
غير أن تطبيق هذه الضمانة أثار إشكالية في قضاء
محكمة النقض، حيث استقرت المحكمة على اعتبار إغفال محكمة الجنح المستأنفة النص على
الإجماع في منطوق الحكم الاستئنافي والحكم المعارض فيه استئنافيًا بطلاناً يؤدي
إلى نقض الحكم وتأييد حكم أول درجة الصادر بالبراءة أو بتخفيف العقوبة أو برفض
الدعوى المدنية، دون إعادة النظر في الدعوى وفقًا للقانون، وانتهينا إلى أن
الملائم - بدلًا من هذا الاتجاه السائد – هو نقض الحكم الباطل وتحديد جلسة لنظر
موضوع الدعوى أمام محكمة النقض. فإذا كانت الدعوى بحالتها هذه صالحة للفصل في
موضوعها دون حاجة إلى تحديد جلسة لنظرها، فإن المحكمة تعرض لموضوع الدعوى بما يتسق
مع المادة 39 من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة
النقض؛ وذلك لتحقيق توازن أفضل بين مصلحة المتهم من ناحية، وحق المجتمع والمدعي
بالحق المدني في إعادة النظر في الدعوى من ناحية أخرى. يؤكد رأينا أن جميع الأحكام
المشوبة بالبطلان أو الانعدام في الإجراءات الجنائية تستوجب عادةً النقض والإعادة
أو نظر موضوع الدعوى أو التصحيح، وليس التأييد التلقائي لحكم أول درجة الصادر
بالبراءة أو بعقوبة مخففة أو برفض الدعوى المدنية، مما يثير تساؤلاً جوهرياً: ما
الداعي لاستثناء هذه الحالة وترتيب هذا الأثر التلقائي عند إغفال النص على
الإجماع، في حين أن نظر الدعوى من جديد يمكن أن يحل المشكلة دون إضرار بالعدالة؟
ويسهم في تعزيز الاستقرار القضائي وتحقيق الغرض التشريعي الحقيقي من الضمانة،
ويضمن تطبيقاً أكثر عدلاً لمبادئ المحاكمة العادلة، ولا مجال للقول بإن في ذلك
إضرارًا بالمتهم؛ ذلك أن مصلحة المتهم – كما سبق القول - تتحقق في نقض الحكم
الباطل الذي صدر دون النص على الإجماع، وتحديد جلسة لنظر موضوع الدعوى.
ويؤيد وجهة نظرنا حكمٌ انتهت فيه محكمة النقض إلى النقض والإعادة عند
إغفال النص على الإجماع المنصوص عليه في المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية - المقابلة لنص المادة 399 من قانون
الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 - في الدعوى المدنية التبعية. حيث
اعتبرت المحكمة أن عدم النص على الإجماع يجعل الحكم باطلاً لتخلف شرط صحته، مع
ارتباط التعويض بثبوت الواقعة الجنائية، فقضت بالنقض والإعادة للتحقق من الإجماع،
دون تأييد حكم أول درجة تلقائياً. واستندنا في تأييد وجهة نظرنا إلى أن محكمة
النقض عملًا بنص المادة ۳۸۱ من قانون الإجراءات الجنائية – أكدت
أن النص على إجماع الآراء قرين النطق بالحكم بالإعدام هو شرط لازم لصحة صدور الحكم
بهذه العقوبة، فإذا خلا منه منطوق الحكم بالإعدام يكون باطلًا ويوجب نقضه وتحديد
جلسة لنظر موضوعها. فإذا كانت الدعوى بحالتها هذه صالحة للفصل في موضوعها دون حاجة
إلى تحديد جلسة لنظرها، فإن المحكمة تعرض لموضوع الدعوى. وتقضي بإجماع آراء
أعضائها بمعاقبة المتهم بالإعدام.
في ختام هذه الدراسة التحليلية لضمانة الإجماع المنصوص عليها في
الفقرة الثانية من المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية - المقابلة لنص المادة 399 من قانون
الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 - يمكن القول إن هذه الضمانة تمثل ركيزة
أساسية في صرح المحاكمة العادلة، إذ تكرس شرطاً موضوعياً صارماً لإلغاء حكم
البراءة أو تشديد العقوبة عند استئناف النيابة العامة، انسجاماً مع مبدأ الأصل في
المتهم البراءة وحماية حقوقه الأساسية.
ومع ذلك، فقد أبرزت الدراسة الاتجاه السائد في قضاء محكمة النقض حول
تفسير هذه الضمانة، حيث استقر الاتجاه على اعتبار إغفال محكمة الجنح المستأنفة النص
على الإجماع في منطوق الحكم الاستئنافي بطلاناً مطلقاً يستتبع نقض الحكم وتأييد
حكم أول درجة الصادر بالبراءة أو بعقوبة مخففة أو برفض الدعوى المدنية، دون إعادة
النظر في الدعوى. وهذا الاتجاه – رغم ثباته – يتجاوز النص التشريعي الذي لا يرتب
صراحة تأييداً تلقائياً لهذه الآثار، مما قد يؤدي إلى نتائج غير متوازنة تتعارض مع
مصلحة العدالة الجنائية.
لذا، يرى الباحث أن الحل الأكثر انسجاماً مع الغرض التشريعي والتوازن
بين الحقوق المتنازعة يكمن في أن تقضي محكمة النقض – عند ثبوت إغفال النص على
الإجماع – بالنقض مع إعادة النظر في الدعوى. فهذا النهج يحافظ على ضمانة الإجماع
كشرط للإلغاء أو التشديد، ويصحح العيب دون الإفراط في ترتيب آثار تلقائية قد تؤدي
إلى إفلات من العقاب في جرائم خطيرة، كما يتسق مع المادة 39
من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض التي تجيز نقض الحكم ونظره
موضوعًا، ويحقق التوافق بين حماية مصلحة المتهم من ناحية، وحماية مصلحة المجتمع
والمدعي بالحق المدني من ناحية أخرى.
ورأينا بالإضافة للأسانيد التي عرضناها سلفًا أن المشرع ولئن نص على ضرورة انعقاد
الإجماع في الأحكام الاستئنافية الصادرة من محكمة الجنح المستأنفة عند تشديد
العقوبة أو إلغاء حكم البراءة، وأيًّا كان الرأي فيما انتهينا إليه، إلا أن المشرع
لم يشترط الإجماع أصلاً في الحكم الصادر من محكمة الجنح المستأنفة في المعارضة
الاستئنافية، لا سيما إذا صدر بتأييد الحكم الاستئنافي الغيابي الصادر بالإجماع؛ إذ
إن هذا الحكم الصادر في المعارضة الاستئنافية ليس إلا تأكيداً للحكم الاستئنافي
الغيابي الذي نصَّ على الإجماع، ويندمج فيه اندماجاً كاملاً، فإذا ما توافر
الإجماع في الحكم الاستئنافي الغيابي، فلا حاجة لإعادة النص عليه في الحكم الصادر
في المعارضة الاستئنافية؛ ومن ثم لا يشترط النص على الإجماع في حكم المعارضة
الاستئنافية في هذه الحالة ما دام أنه يؤيِّد الحكم الاستئنافي الغيابي الصادر
بإجماع آراء القضاة؛ ويضحى حكم المعارضة الاستئنافية في هذه الحالة - رغم إغفاله
الإجماع - موافقًا صحيح القانون.
وانتهينا إلى ضرورة النص على إجماع الآراء عند الحكم الصادر من محكمة
الجنايات المستأنفة بإلغاء حكم البراءة أو الحكم بتشديد العقوبة أو برفض الدعوى
المدنية؛ وفي حالة إغفال النص على الإجماع يتعين نقض الحكم الباطل الذي أغفل النص على
الإجماع وتحديد جلسة لنظر موضوع الدعوى أمام محكمة النقض. فإذا كانت الدعوى
بحالتها هذه صالحة للفصل في موضوعها دون حاجة إلى تحديد جلسة لنظرها، فإن المحكمة
تعرض لموضوع الدعوى، بما يتسق مع المادة 39 من قانون حالات وإجراءات
الطعن أمام محكمة النقض.
كما انتهينا لدى عرض رأينا
في الموضوع، أنه مجرد اجتهاد بشري قد يصيب وقد يخطئ. فإن كان صوابًا وافقت عليه
محكمة النقض الموقرة، فتلك ثمرة طيبة نشكر الله تعالى عليها، ونرجو أن تكون في
ميزان تحقيق العدل وإرساء التوازن بين المصالح المتعارضة.
وإن لم يلقَ هذا الرأي قبولاً لدى قضاة محكمة النقض، فإننا نهيب
بالمشرّع أن يتدخل تشريعيًا بنصٍّ صريح يحدد أثر عدم النص على الإجماع في الحكم
الاستئنافي؛ إما بالنص على أن حكم أول درجة يحوز قوة الأمر المقضي، أو بالنص على
بطلان الحكم ومن ثم نظر موضوع الدعوى من جديد في حالة إغفال الإجماع وفقًا للقانون،
بما يحقق التوازن بين مصلحة المتهم من ناحية، ومصلحة العدالة الجنائية والمدعي
بالحق المدني من ناحية أخرى.
) [1] ) د. محمود نجيب حسني –
شرح قانون الإجراءات الجنائية – الطبعة الثالثة – 1998 – دار النهضة العربية ص
984.
- د. أحمد فتحي سرور – الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية – الكتاب
الأول – الطبعة العاشرة (مطورة) – 2016 – دار النهضة العربية ص 1443.
- د. محمود محمود مصطفى – شرح قانون الإجراءات الجنائية – الطبعة
الثانية عشرة – 1988 – مطبعة جامعة القاهرة ص 497
- د. عبد الرؤوف مهدي، شرح القواعد العامة للإجراءات الجنائية، مكتبة
القضاة، سنة 2003 ص 1550.
) [2] ) د. محمود نجيب حسني –
شرح قانون الإجراءات الجنائية – المرجع السابق ص 985.
- د. أحمد فتحي سرور – الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية – الكتاب
الأول – الطبعة العاشرة (مطورة) – 2016 – دار النهضة العربية ص 1443.
- د. محمود محمود مصطفى – شرح قانون الإجراءات الجنائية – الطبعة
الثانية عشرة – 1988 – مطبعة جامعة القاهرة ص 497
) [4] ) – على
سبيل المثال: راجع نقض جنائي:
- مكتب فني 11 رقم الجزء 1 -
رقم الصفحة 201 تاريخ الجلسة 1 / 3 / 1960
- مكتب فني 16 رقم الجزء 1 -
رقم الصفحة 144 تاريخ الجلسة 16 / 2 / 1965
- مكتب فني 18 رقم الجزء 1 -
رقم الصفحة 200 تاريخ الجلسة 14 / 2 / 1967
- مكتب فني 55 رقم الصفحة 797
تاريخ الجلسة 5 / 12 / 2004
- الطعن رقم ٢٨٥٥ لسنة ٨٩ القضائية جلسة 18/11/2020، سبق الإشارة إليها.
) [5] ) على
سبيل المثال: راجع نقض جنائي:
- مكتب فني 45 رقم الجزء 1 - رقم الصفحة 164 تاريخ الجلسة 27 / 1 /
1994
- مكتب فني 38 رقم الجزء 1 - رقم الصفحة 313 تاريخ الجلسة 22 / 2 /
1987
- مكتب فني 50 رقم الجزء 1 - رقم الصفحة 132 تاريخ الجلسة 21 / 2 / 1999
) [6] ) على
سبيل المثال: راجع نقض
جنائي:
- مكتب فني 25 رقم الجزء 1 -
رقم الصفحة 337 تاريخ الجلسة 25 / 3 / 1974
- مكتب فني 31 رقم الجزء 1 -
رقم الصفحة 169 تاريخ الجلسة 3 / 2 / 1980
الطعن
رقم ٦٦۷۲
لسنة ۸۲
ق جنح النقض - جلسة ٥ / ٦ / ٢٠١٣
الطعن
رقم ۲٦۹۹
لسنة ۳
ق جنح النقض - جلسة ٢٢ / ٥ / ٢٠١٣
)
[7] ) على
سبيل المثال: راجع نقض جنائي:
- مكتب فني 52 رقم الصفحة 764
تاريخ الجلسة 21 / 10 / 2001
نقض جنائي مكتب فني 45 - رقم
الصفحة 893 تاريخ الجلسة 25 / 10 / 1994 -
- مكتب فني 38 - رقم الصفحة 582 تاريخ الجلسة 8 / 4 / 1987
الطعن رقم ٢٧١٨٨ لسنة ٣ القضائية .جلسة 21/3/2013
) [8] ) على سبيل المثال: راجع
نقض جنائي:
- مكتب فني 4 رقم الجزء 2 - رقم الصفحة 587 تاريخ الجلسة 3 / 3 / 1953
) [9] ) على
سبيل المثال: راجع نقض جنائي:
-
مكتب فني 11 رقم الجزء 1 - رقم الصفحة 201 تاريخ الجلسة 1 / 3 / 1960
- مكتب فني 16 رقم الجزء 1 -
رقم الصفحة 144 تاريخ الجلسة 16 / 2 / 1965
- مكتب فني 18 رقم الجزء 1 -
رقم الصفحة 200 تاريخ الجلسة 14 / 2 / 1967
- مكتب فني 55 رقم الصفحة 797
تاريخ الجلسة 5 / 12 / 2004
- الطعن رقم ٢٨٥٥ لسنة ٨٩ القضائية جلسة 18/11/2020
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق