الصفحات

البحث الذكي داخل المدونة

تحميل وطباعة هذه الصفحة

Print Friendly and PDF
‏إظهار الرسائل ذات التسميات نيابة عامة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات نيابة عامة. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 9 يوليو 2026

الطعن 2302 لسنة 49 ق جلسة 9 / 4 / 1980 مكتب فني 31 ق 91 ص 487

جلسة 9 من إبريل سنة 1980

برئاسة السيد المستشار محمد عبد الواحد الديب نائب رئيس المحكمة؛ وعضوية السادة المستشارين: محمد أحمد حمدي، وممدوح مصطفى حسن، ومحمد ممدوح سالم والدكتور كمال أنور.

----------------

(91)
الطعن رقم 2302 لسنة 49 القضائية

تجمهر. حكم "تسبيبه. تسبيب غير معيب". نقض "أسباب الطعن. ما لا يقبل منها".
شروط قيام التجمهر: أن يكون مؤلفاً من خمسة أشخاص على الأقل، وأن يكون الغرض منه ارتكاب جريمة أو منع أو تعطيل تنفيذ القوانين أو اللوائح أو التأثير على السلطات في أعمالها أو حرمان شخص من حرية العمل باستعمال القوة أو التهديد باستعمالها.
مناط العقاب على التجمهر وتضامن المتجمهرين في المسئولية عما يقع من جرائم تنفيذاً للغرض منه: هو ثبوت علمهم بهذا الغرض.

-----------------
متى كانت المادتان الثانية والثالثة من القانون رقم 10 لسنة 1964 في شأن التجمهر حددتا شروط قيام التجمهر قانوناً في أن يكون مؤلفاً من خمسة أشخاص على الأقل وأن يكون الغرض منه ارتكاب جريمة أو منع أو تعطيل تنفيذ القوانين أو اللوائح أو التأثير على السلطات في أعمالها أو حرمان شخص من حرية العمل باستعمال القوة أو التهديد باستعمالها وأن مناط العقاب على التجمهر وشرط تضامن المتجمهرين في المسئولية عن الجرائم التي تقع تنفيذاًَ للغرض منه هو ثبوت علمهم بهذا الغرض، وكان يشترط إذن لقيام جريمة التجمهر المؤثم بالمادتين الثانية والثالثة من القانون سالف البيان اتجاه غرض المتجمهرين الذين يزيد عددهم على خمسة أشخاص إلى مقارفة الجرائم التي وقعت تنفيذاً لهذا الغرض وأن تكون نية الاعتداء قد جمعتهم وظلت تصاحبهم حتى نفذواً غرضهم المذكور وأن تكون الجرائم التي ارتكبت قد وقعت نتيجة نشاط إجرامي من طبيعة واحدة ولم تكن جرائم استقل بها أحد المتجمهرين لحسابه دون أن يؤدي إليها السير الطبيعي للأمور وقد وقعت جميعها حال التجمهر. لما كان ما تقدم، وكان الحكم المطعون فيه قد دلل بوضوح على توافر تلك العناصر الجوهرية السالف بيانها في حق الطاعنين - وآخرين - وكان ما أورده الحكم في مجموعه ينبئ بجلاء عن ثبوتها في حقهما وكانت دلالة ما استظهره الحكم في مدوناته على نحو ما سلف كافية لبيان أركان التجمهر على ما هو معرف به في القانون وعلى ثبوتها في حق الطاعنين وإذ ما كانت جناية السرقة بإكراه التي دانهما الحكم بها بوصفها الجريمة ذات العقوبة الأشد إعمالاً لنص المادة 32 من قانون العقوبات قد وقعت نتيجة نشاط إجرامي من طبيعة واحدة وحال التجمهر ولم يستقل بها أحد المتجمهرين لحسابه وكان وقوعها بقصد تنفيذ الغرض من التجمهر ولم تقع تنفيذاً لقصد سواه ولم يكن الالتجاء إليها بعيداً عن المألوف الذي يصح أن يفترض معه أن غيره من المشتركين في التجمهر قد توقعوه بحيث تسوغ محاسبتهم عليه باعتباره من النتائج المحتملة من الاشتراك في تجمهر محظور عن إرادة وعلم بغرضه وكان لا تثريب على الحكم إن هو ربط جناية السرقة بإكراه تلك بالغرض الذي قام من أجله هذا الحشد واجتمع أفراده متجمهرين لتنفيذ مقتضاه. لما كان ذلك، فإن الحكم يكون قد أصاب صحيح القانون وما يثيره الطاعنان في هذا الصدد إنما ينحل إلى منازعة موضوعية في العناصر السائغة التي استقت منها المحكمة معتقدها في الدعوى ويرتد في حقيقته إلى جدل موضوعي في تقديرها للأدلة المقبولة التي أوردتها وفي مبلغ اطمئنانها إليها وهو ما لا يجوز مصادرة المحكمة في عقيدتها بشأنه ولا الخوض فيه أمام محكمة النقض.


الوقائع

اتهمت النيابة العامة الطاعنين وآخرين بأنهم: اشتركوا في تجمهر مؤلف من أكثر من خمسة أشخاص الغرض منه ارتكب جرائم الاعتداء على الأشخاص والأموال حالة كونهم حاملين آلات (فئوس وعصي) من شأنها إحداث الموت إذا استعملت بصفة أسلحة وقد وقعت منهم تنفيذاً للغرض المقصود من التجمهر مع علمهم بهذا الغرض - الجرائم الآتية: (أولاً) سرقوا الحقيبة الجلدية ومحتوياتها من النقود البالغ قدرها خمسة عشر ألف ومائة وخمسة وتسعين جنيهاً والأوراق المبينة بالتحقيقات المملوكة لـ..... وذلك بطريق الإكراه الواقع على....... بأن أمسكوا به وأوقعوه أرضاً معطلين بذلك مقاومته وتمكنوا بهذه الوسيلة من الإكراه من انتزاع الحقيبة من يده والفرار بها وسرقة محتوياتها (ثانياً) تعدوا على موظف عمومي أثناء وبسبب تأدية وظيفته بأن قذفوا أحجاراً صوب الملازم أول....... فأصابه إحداها وأحدث به الإصابات الموصوفة بالمحضر والتي تقرر لعلاجها مدة لا تزيد على عشرين يوماً. (ثالثاً) أتلفوا عمداً أجزاء السيارات المبينة بالتحقيقات والمملوكة لكل من....... و....... و.......، وطلبت إلى مستشار الإحالة إحالتهم إلى محكمة الجنايات لمعاقبتهم طبقاً للقيد والوصف الواردين بقرار الاتهام، فقرر ذلك. ومحكمة جنايات شبين الكوم قضت حضورياً عملاً بمواد القانون رقم 10 لسنة 1964 والمواد 314/ 1، 136، 137/ 1، 361/ 4 من قانون العقوبات مع تطبيق المادتين 32/ 2 و17 منه بمعاقبة كل من المتهمين (الطاعنين) بالحبس مع الشغل لمدة ستة أشهر، فطعن المحكوم عليهما في هذا الحكم بطريق النقض.... إلخ.


المحكمة

حيث إن ما ينعاه الطاعنان على الحكم المطعون فيه أنه إذ اعتبرهما مشتركين في تجمهر وحملهما مسئولية ما وقع من جرائم السرقة بالإكراه والتعدي على موظف وإتلاف منقول قد شابه قصور في التسبيب وانطوى على خطأ في تطبيق القانون وفساد في الاستدلال، ذلك بأنه لم يبين أركان جريمة التجمهر ومدى توافرها في واقعة الدعوى واعتبر أن الجريمة قد وقعت لمجرد تجمع أكثر من خمسة أشخاص مع أن التجمهر الذي وقع يعتبر جنحة إذ أنه كان لسبب مشروع ولم يكن يقصد العدوان أو جعل السلم العام في خطر فلا يسأل الطاعنان عن جرائم السرقة والتعدي والإتلاف التي وقعت من آخرين، هذا فضلاً عن أن ضابط النقطة قد شهد بعدم رؤيتهما بين المتجمهرين، كل ذلك يعيب الحكم بما يوجب نقضه.
وحيث إن الحكم المطعون فيه بين واقعة الدعوى في قوله "إنه في يوم 4/ 6/ 1965 بدائرة مركز قويسنا وأثناء وجود كل من...... و...... فريق أول بائعين،...... و...... و...... و...... وكان الفريق الأول يقوم ببيع مساحة 77 فداناً لكل من....... عن نفسه وبصفته ولياً طبيعياً على أولاده...... وأثناء تحرير العقود تجمهر المتهمون أمام عزبة جبارة يحملون فؤوساً وعصياً بقصد تهديد....... ومن معه لمنعه وإرغامه على عدم إتمام البيع لما توهموه من أن استلام المشتري للأرض قد يخليهم منها ويحرمون من ثمرة الانتفاع بها، وكانت سيارات البائعين والمشترين موجودة داخل فناء المبنى ومنها سيارة فولكس صغيرة ملك........ وكان........ قد ترك حقيبة بنية اللون بها حوالي ستة عشر ألف جنيه وأوراق رسالة دكتوراة في دواسة المقعد الخلفي لهذه السيارة وكان الخفير الخصوصي للعزبة يقف بجوار السيارة لحراستها وشاهد المتهمين الأول - والثاني وقد سرقا الحقيبة من السيارة فأمسك بهما وحاول منعهما فتمكنا بعد مقاومة طويلة من انتزاعها منه عنوة وكرهاً حتى انهارت مقاومته وتمكنا من الإفلات بالحقيبة وفي هذه الأثناء وكان البائعان والمشترون يجلسون بحجرة بالدور العلوي لمبنى العزبة سمعوا صياحاً وصراخاً فأطل الموجودون جميعاً عدا...... من النافذة لاستطلاع الأمر فشاهدوا الخفير المذكور ممسكاً بالحقيبة وشخصين يتجاذبانها معه حتى انفصلت يدها وتمكن هذان الشخصان من الفرار بها وباقي المتهمين يقومون بإتلاف السيارات بالعصي وقذف الحجارة حتى أحدثوا ما بها من إتلاف وكان ضابط النقطة قد حضر في هذه الأثناء وأثناء محاولته ورجال القوة المرافقين له منع هذا الاعتداء وتفريق المتجمهرين قذفه أحد المتجمهرين بحجر أحدث إصابة في أنفه وقد تتبع بعض المتجمهرين حاملي الحقيبة وأرادوا - استخلاصها منهما حتى كسرت وفتحت من شدها وجذبها بينهم وسقطت محتوياتها بالطريق وصار كل يخطف ما وصلت إليه يده من نقود وتمكن...... من سرقة حوالي ألفي جنيه أخفاها في حظيرة ببيت إحدى قريباته إلى أن قام رجال المباحث بالعثور عليها وضبطها بإرشاده. ودلل الحكم على ثبوت الواقعة لديه على هذه الصورة في حق الطاعنين بما ينتجها من وجوه الأدلة السائغة المستمدة من أقوال الشهود وأقوال المتهمين الثالث والرابع والسابع والثالث عشر والخامس عشر ومن تحريات المباحث. لما كان ذلك وكانت المادتان الثانية والثالثة من القانون رقم 10 لسنة 1964 في شأن التجمهر حددتا شروط قيام التجمهر قانوناً في أن يكون مؤلفاً من خمسة أشخاص على الأقل وأن يكون الغرض منه ارتكاب جريمة أو منع أو تعطيل تنفيذ القوانين أو اللوائح أو التأثير على السلطات في أعمالها أو حرمان شخص من حرية العمل باستعمال القوة أو التهديد باستعمالها وأن مناط العقاب على التجمهر وشرط تضامن المتجمهرين في المسئولية عن الجرائم التي تقع تنفيذاًَ للغرض منه هو ثبوت علمهم بهذا الغرض، وكان يشترط إذن لقيام جريمة التجمهر المؤثم بالمادتين الثانية والثالثة من القانون سالف البيان اتجاه غرض المتجمهرين الذين يزيد عددهم على خمسة أشخاص إلى مقارفة الجرائم التي وقعت تنفيذاً لهذا الغرض وأن تكون نية الاعتداء قد جمعتهم وظلت تصاحبهم حتى نفذواً غرضهم المذكور وأن تكون الجرائم التي ارتكبت قد وقعت نتيجة نشاط إجرامي من طبيعة واحدة ولم تكن جرائم استقل بها أحد المتجمهرين لحسابه دون أن يؤدي إليها السير الطبيعي للأمور وقد وقعت جميعها حال التجمهر. لما كان ما تقدم، وكان الحكم المطعون فيه قد دلل بوضوح على توافر تلك العناصر الجوهرية السالف بيانها في حق الطاعنين - وآخرين وكان ما أورده الحكم في مجموعه ينبئ بجلاء عن ثبوتها في حقهما وكانت دلالة ما استظهره الحكم في مدوناته على نحو ما سلف كافية لبيان أركان التجمهر على ما هو معرف به في القانون وعلى ثبوتها في حق الطاعنين وإذ ما كانت جناية السرقة بإكراه التي دانهما الحكم بها بوصفها الجريمة ذات العقوبة الأشد إعمالاً لنص المادة 32 من قانون العقوبات قد وقعت نتيجة نشاط إجرامي من طبيعة واحدة وحال التجمهر ولم يستقل بها أحد المتجمهرين لحسابه وكان وقوعها بقصد تنفيذ الغرض من التجمهر ولم تقع تنفيذاً لقصد سواه ولم يكن الالتجاء إليها بعيداً عن المألوف الذي يصح أن يفترض معه أن غيره من المشتركين في التجمهر قد توقعوه بحيث تسوغ محاسبتهم عليه باعتباره من النتائج المحتملة من الاشتراك في تجمهر محظور عن إرادة وعلم بغرضه وكان لا تثريب على الحكم إن هو ربط جناية السرقة بإكراه تلك بالغرض الذي قام من أجله هذا الحشد واجتمع أفراده متجمهرين لتنفيذ مقتضاه. لما كان ذلك، فإن الحكم يكون قد أصاب صحيح القانون وما يثيره الطاعنان في هذا الصدد إنما ينحل إلى منازعة موضوعية في العناصر السائغة التي استقت منها المحكمة معتقدها في الدعوى ويرتد في حقيقته إلى جدل موضوعي في تقديرها للأدلة المقبولة التي أوردتها وفي مبلغ اطمئنانها إليها وهو ما لا يجوز مصادرة المحكمة في عقيدتها بشأنه ولا الخوض فيه أمام محكمة النقض. لما كان ذلك، وكان البادي من مدونات الحكم أنه لم يعول في إدانة الطاعنين على أقوال ضابط النقطة بل استند في إدانتهما إلى ما شهد به شهود الإثبات من أنهما كانا من بين المتجمهرين وهو ما لا يجادل فيه الطاعنان ومن ثم فإن ما يثيرانه في هذا الشأن يكون في غير محله. ولما كان ما تقدم فإن الطعن برمته يكون على غير أساس متعيناً رفضه موضوعاً.

الطعن 1695 لسنة 2 ق جلسة 20 / 4 / 1957 إدارية عليا مكتب فني 2 ج 2 ق 99 ص 960

جلسة 20 من إبريل سنة 1957

برياسة السيد/ السيد علي السيد رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة السيد إبراهيم الديواني والإمام الإمام الخريبي وعلي إبراهيم بغدادي ومصطفى كامل إسماعيل المستشارين.

-----------------

(99)

القضية رقم 1695 لسنة 2 القضائية

(أ) إجازة 

- حرمان الموظف الذي لا يعود إلى عمله بغير مبرر بعد انتهاء إجازته من مرتبه مدة غيابه - المادة 62 من قانون الموظفين - إصدار تعليمات تقضي بوجوب أن يتقدم الموظف بعذره في نفس يوم تغيبه وقبل بدء العمل وإلا اعتبر غيابه بدون عذر ويخصم من مرتبه - اعتبار هذه التعليمات تطبيقاً سليماً للمادة سالفة الذكر.
(ب) إجازة عارضة 

- منح الموظف إجازة عارضة - تغيبه بعد انتهائها بدون إذن بزعم أنه كان مريضاً - عدم قبول الإدارة لهذا العذر وخصم مرتبه عن مدة غيابه الأخير - صحيح قانوناً.

------------------
1 - إن المادة 62 من القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة تنص على أن كل موظف لا يعود إلى عمله بغير مبرر بعد انتهاء مدة إجازته مباشرة يحرم من مرتبه عن مدة غيابه ابتداء من اليوم التالي لليوم الذي انتهت فيه الإجازة مع عدم الإخلال بالمحاكمة التأديبية. ومع ذلك يجوز لوكيل الوزارة أن يقرر عدم حرمانه من مرتبه عن مدة التأخير متى كانت هذه المدة تقل عن خمسة عشر يوماً إذا أبدى الموظف أسباباً معقولة تبرر هذا الغياب. وتحسب المدة المتجاوز عنها من نوع الإجازة السابقة، وتأخذ حكمها فيما يتعلق بالمرتب حسب الأحوال. وهذه المادة تقوم على حكمة تشريعية يستوجبها حسن سير العمل في الدولاب الحكومي، مردها أصل طبعي هو أن يحرم الموظف الذي لا يعود إلى عمله بغير مبرر بعد انتهاء إجازته من مرتبه مدة غيابه؛ لأن الأصل أن الأجر مقابل العمل، فإذا تغيب الموظف بدون مبرر فلا حق له في الأجر وهذا مع عدم الإخلال بالمحاكمة التأديبية بسبب إهماله في أداء واجبه لتغيبه عن عمله بدون مبرر. ومن ثم إذا أصدرت وزارة التربية والتعليم نشرة جاء بها أنه "لوحظ أن بعضاً من المدرسين والموظفين بالمدارس يتغيبون عن مدارسهم دون اعتذار، وإذا ما سئلوا عن ذلك بعد عودتهم اعتذروا بالمرض أو بأسباب أخرى. ولما كانت التعليمات تقتضي أن يتقدموا باعتذارهم في نفس اليوم الذي يتغيبون فيه وقبل بدء العمل بالمدرسة ليتسنى لها تدبير الموقف المترتب على تغيبهم، فلهذا قررت الوزارة اعتبار كل تغيب من هذا القبيل تغيباً بدون عذر ويخصم اليوم أو الأيام التي يتغيبها السادة المدرسون والموظفون من ماهياتهم". فإن مضمون هذه النشرة المذكورة لا يخرج عن كونه تطبيقاً لهذا الأصل الطبعي الذي رددته المادة 62 المشار إليها.
2 - إذا كان الثابت أن المدعي قد منح إجازة عارضة يوم الخميس 31 من ديسمبر سنة 1953 بناء على طلب سابق منه، ثم تغيب عن عمله يوم السبت 2 من يناير سنة 1954 دون إخطار أو اعتذار عن عدم إمكانه أداء عمله في ذلك اليوم، طبقاً لما تقضي به التعليمات، ولما عاد في اليوم التالي تعلل بأنه كان مريضاً يوم 2 من يناير، ولم يتيسر له الاتصال بالمدرسة ليخطرها بمرضه، فلم تقبل المنطقة التعليمية هذا العذر، واعتبرته غياباً بدون إذن وقررت خصم مرتب هذا اليوم من ماهيته، فلا تثريب على الإدارة فيما فعلت.


إجراءات الطعن

في 28 من يوليه سنة 1956 أودع رئيس هيئة مفوضي الدولة سكرتيرية المحكمة طعناً في الحكم الصادر من المحكمة الإدارية لوزارة التربية والتعليم بجلسة 5 من يونيه سنة 1956 في الدعوى رقم 3019 لسنة 2 القضائية المرفوعة من السيد/ عوض مشرف الحاج ضد وزارة التربية والتعليم، والقاضي برفض الدعوى وبإلزام المدعي برسومها المقررة. وطلب رئيس هيئة المفوضين، للأسباب التي أبداها بعريضة الطعن، الحكم بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه والقضاء باستحقاق المدعي لراتب اليوم المخصوم منه وإلزام الوزارة بالمصروفات. وقد أعلن الطعن للحكومة في 15 من أغسطس سنة 1956، وللمدعي في 10 من سبتمبر سنة 1956، وعين لنظره جلسة 23 من مارس سنة 1957، وفيها سمعت المحكمة ما رأت سماعه من إيضاحات على الوجه المبين بالمحضر، وأرجئ إصدار الحكم إلى جلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة، حسبما يبين من الأوراق، تتحصل في أن المدعي أقام الدعوى رقم 3019 لسنة 2 القضائية أمام المحكمة الإدارية لوزارة التربية والتعليم طلب فيها الحكم بإلغاء القرار الصادر من منطقة القاهرة الجنوبية التعليمية في 20 من يناير سنة 1954 باعتبار يوم 2 من يناير سنة 1954 إجازة بدون مرتب. وقال شرحاً لذلك إنه تغيب في ذلك لعذر طارئ، وفي يوم 2 من فبراير سنة 1954 أبلغته المدرسة التي يعمل فيها بقرار المنطقة الصادر في 20 من يناير سنة 1954 باعتبار اليوم المذكور إجازة بدون مرتب؛ لأنه لم يقدم قبل غيابه - أو في نفس اليوم الذي تغيب فيه وقبل بدء العمل الرسمي - العذر الذي يبرر هذا الغياب، وذلك بالتطبيق للنشرة الدورية التي سبق أن أبلغتها المنطقة للمدارس في 16 من ديسمبر سنة 1952. ونعى المدعي على هذا القرار مخالفته للقانون؛ ذلك لأن المادة 59 من قانون نظام موظفي الدولة عرفت الإجازة العارضة بأنها هي التي تكون لسبب طارئ لا يستطيع معه الموظف إبلاغ رؤسائه به مقدماً للترخيص له في الغياب فيه، مما يفهم منه أن القانون لا يشترط أن يكون العذر سابقاً على الغياب، بل يكون لاحقاً له، والقول بعكس ذلك ينافي ما قصده المشرع من النص على هذا النوع من الإجازات قبل النص على أنواع الإجازات الأخرى. وقد نصت المادة 28 من اللائحة التنفيذية للقانون المذكور على أنه إذا انقطع الموظف عن العمل دون ترخيص سابق لمدة تزيد على اليومين يقوم قسم المستخدمين المختص بإبلاغ وكيل الوزارة أو رئيس المصلحة للنظر في أمر الموظف. ولم يرد بهذا القانون نص على الإجازة بدون مرتب إلا في حالة استيفاء الموظف لإجازاته الاعتيادية والمرضية بعد أن يقرر القومسيون الطبي العام احتمال شفاء الموظف، ومن ثم يكون قرار المنطقة مخالفاً للقانون؛ إذ لا يمكن الاستناد إلى النشرة الدورية، وهي عمل إداري بحت، لتعطيل حكم القانون وتعديل نصوصه، ويكون قرارها بخصم يوم بمثابة جزاء وقعته المنطقة عليه دون إجراء تحقيق، الأمر الذي يخالف نص المادة 85 من قانون نظام موظفي الدولة.
وقد ردت الوزارة على ذلك بأنها إذ لاحظت أن بعض المدرسين والموظفين بمدارسها يتغيبون دون اعتذار، وإذا ما سئلوا عند عودتهم تعللوا بالمرض أو بأسباب أخرى، ولما كانت التعليمات تقضي بأن يتقدم المدرسون والموظفون ببيان العذر الذي يدعو لتغيبهم في نفس اليوم وقبل بدء الدراسة، حتى يمكن للمدرسة تدبير الموقف الناشئ عن ذلك، فقد أصدرت الوزارة نشرة قررت فيها اعتبار كل غياب من هذا القبيل بمثابة غياب بدون عذر وخصم اليوم أو الأيام التي يتقطع فيها الموظف أو المدرس من ماهيته؛ ولذلك فإن المدعي عندما منح إجازة عارضة يوم 31 من ديسمبر سنة 1953 بناء على طلب تقدم به يوم 30 منه وتغيب بعد ذلك يوم 2 من يناير سنة 1954 دون إخطار أو اعتذار عن عدم إمكانه الحضور، وتعلل بعد عودته في 3 من يناير سنة 1954 بأنه كان مريضاً في اليوم السابق، ولم يستطع الاتصال بالمدرسة سواء عن طريق التليفون أو شخص يرسله من طرفه، فقد اعتبر هذا اليوم غياباً بدون إذن، وتقرر خصم مرتب هذا اليوم من ماهيته.
وفي 5 من يونيه سنة 1956 قضت المحكمة برفض الدعوى، وبإلزام المدعي برسومها المقررة؛ واستندت في قضائها إلى أن حق الموظف في الإجازة العارضة منظور إليه من الأصل المشتق منه، والقيد الوارد به ليس حقاً مطلقاً يستعمله الموظف كلما وكيف شاء، بل هو حق مقيد بحدوده وضوابطه؛ ولذلك فإن جهة الإدارة العاملة، وهي المسئولة عن حسن سير الدولاب الحكومي وصاحبة الولاية في إدارته، تملك مراقبة استعمال الموظف له بحيث إذا ما تراءى لها أنه أساء استعماله على وضع يضر بالصالح العام كان لها أن تعتبره متغيباً بدون إذن وتقرر حرمانه من مرتبه؛ لأن حق الموظف في الغياب العارض يقابله حق الإدارة في أن تراقب استعمال الموظف لهذا الحق.
ومن حيث إن الطعن يقوم على أن المشرع رفع في المادة 59 من القانون رقم 210 لسنة 1951 الخاص بنظام موظفي الدولة عن كاهل الموظف التزاماً مفروضاً عليه بحسب الأصل، مؤداه أنه يتعين على كل موظف أن يكون في محل عمله في الموعد القانوني المحدد، وألا يتخلف عن الحضور إلا بإذن سابق؛ ذلك لأنه راعى في منح الإجازات العارضة أن الموظف - شأنه شأن أي فرد - قد تعتريه مفاجآت لم يكن يتوقعها، فلا يجوز تكليفه بغير المستطاع، فغفر له هذا التخلف الإجباري، ولذا فإن ما تضمنته نشرة الوزارة تكليف بمستحيل، فضلاً عن أنها قد أوجبت ما لم يوجبه القانون، فتقع باطلة عديمة الأثر، مما يتعين معه الحكم باستحقاق المدعي لما خصم من راتبه. وإذ ذهب الحكم المطعون فيه مذهباً مخالفاً، فإنه يكون قد خالف القانون.
ومن حيث إن وزارة التربية والتعليم أصدرت في 16 من ديسمبر سنة 1952 نشرة عامة للمناطق التعليمية والمدارس جاء بها أنه:
"لوحظ أن بعضاً من المدرسين والموظفين بالمدارس يتغيبون عن مدارسهم دون اعتذار، وإذا ما سئلوا عن ذلك بعد عودتهم اعتذروا بالمرض أو بأسباب أخرى. ولما كانت التعليمات تقتضي أن يتقدموا باعتذارهم في نفس اليوم الذي يتغيبون فيه وقبل بدء العمل بالمدرسة، ليتسنى لها تدبير الموقف المترتب على تغيبهم، فلهذا قررت الوزارة اعتبار كل تغيب من هذا القبيل تغيباً بدون عذر ويخصم اليوم أو الأيام التي يتغيبها السادة المدرسون والموظفون من ماهياتهم".
ومن حيث إن المادة 62 من القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة تنص على أن كل موظف لا يعود إلى عمله بغير مبرر بعد انتهاء مدة إجازته مباشرة يحرم من مرتبه عن مدة غيابه ابتداء من اليوم التالي لليوم الذي انتهت فيه الإجازة مع عدم الإخلال بالمحاكمة التأديبية. ومع ذلك يجوز لوكيل الوزارة أن يقرر عدم حرمانه من مرتبه عن مدة التأخير متى كانت هذه المدة تقل عن خمسة عشر يوماً إذا أبدى الموظف أسباباً معقولة تبرر هذا الغياب. وتحسب المدة المتجاوز عنها من نوع الإجازة السابقة وتأخذ حكمها فيما يتعلق بالمرتب حسب الأحوال.
ومن حيث إن هذه المادة تقوم على حكمة تشريعية يستوجبها حسن سير العمل في الدولاب الحكومي، مردها أصل طبعي هو أن يحرم الموظف الذي لا يعود إلى عمله بغير مبرر بعد انتهاء إجازته من مرتبه مدة غيابه؛ لأن الأصل أن الأجر مقابل العمل، فإذا تغيب الموظف بدون مبرر فلا حق له في الأجر، وهذا مع عدم الإخلال بالمحاكمة التأديبية بسبب إهماله في أداء واجبه لتغيبه عن عمله بدون مبرر.
ومن حيث إنه، والحالة هذه، فإن مضمون النشرة المذكورة لا يخرج عن كونه تطبيقاً لهذا الأصل الطبعي الذي رددته المادة 62 المشار إليها.
ومن حيث إنه يبين من الأوراق أن المدعي قد منح إجازة عارضة يوم الخميس 31 من ديسمبر سنة 1953 بناء على طلب تقدم به في يوم 30 منه، ثم تغيب عن عمله يوم السبت 2 من يناير سنة 1954 دون إخطار أو اعتذار عن عدم إمكانه أداء عمله في ذلك اليوم، طبقاً لما تقضي به التعليمات، ولما عاد في اليوم التالي تعلل بأنه كان مريضاً يوم 2 من يناير، ولن يتيسر له الاتصال بالمدرسة ليخطرها بمرضه فلم تقبل المنطقة التعليمية هذا العذر، واعتبرته غياباً بدون إذن، وقررت خصم مرتب هذا اليوم من ماهيته، وبهذه المثابة فلا تثريب على الإدارة فيما فعلت؛ ومن ثم يكون الحكم المطعون فيه قد صادف الصواب في النتيجة التي انتهى إليها، ويكون الطعن قد بني على غير أساس سليم من القانون متعيناً رفضه.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وبرفضه موضوعاً.

الطعن 2452 لسنة 53 ق جلسة 15 / 5 / 1984 مكتب فني 35 ق 111 ص 502

جلسة 15 من مايو سنة 1984

برياسة السيد المستشار/ فوزي أحمد المملوك - نائب رئيس المحكمة. وعضوية السادة المستشارين: محمد عبد الرحيم نافع ومحمد أحمد حسن والسيد عبد المجيد العشري والصاوي يوسف.

-------------------

(111)
الطعن رقم 2452 لسنة 53 القضائية

(1) أحداث. قانون "تطبيقه" "تفسيره". محكمة الأحداث. اختصاص "اختصاص ولائي".
العبرة في سن المتهم هي بمقدارها وقت ارتكاب الجريمة.
انعقاد الاختصاص بمحاكمة الأحداث دون غيرها. المادتان 1، 29 ق 31 لسنة 1974.
(2) نظام عام. اختصاص "اختصاص ولائي". أحداث. محكمة عادية. محكمة الأحداث. محكمة ثاني درجة. نقض "أسباب الطعن. ما يقبل منها". "الخطأ في تطبيق القانون".
تعلق قواعد الاختصاص في المواد الجنائية من حيث أشخاص المتهمين. بالنظام العام. نظر محكمة الجنح العادية مشكلة من قاضي فرد الدعوى دون أن تكون له ولاية الفصل فيها. خطأ متعلق بالنظام العام. عدم تنبه محكمة ثاني درجة له. مخالفة للقانون وخطأ في تطبيقه.
(3) نقض "نظر الدعوى والحكم فيها". محكمة النقض "نظرها الدعوى" "سلطتها".
اقتصار العيب الذي شاب الحكم على الخطأ في تطبيق القانون على الواقعة كما صار إثباتها به أثر ذلك؟

---------------------
1 - من المقرر أن القانون رقم 31 لسنة 1974 - في شأن الأحداث المعمول به اعتباراً من 16 مايو سنة 1974 - قبل صدور الحكم المطعون فيه - قد نسخ الأحكام الإجرائية والموضوعية الواردة في قانوني الإجراءات الجنائية والعقوبات في صدد محاكمة الأحداث ومعاقبتهم ومن بين ما أورده ما نص عليه في المادة الأولى من أنه "يقصد بالحدث في حكم هذا القانون من لم تجاوز سنه ثماني عشرة سنة ميلادية كاملة وقت ارتكاب الجريمة" وفي المادة 29 منه على أنه "تختص محكمة الأحداث دون غيرها بالنظر في أمر الحدث عند اتهامه في الجرائم وعند تعرضه للانحراف... "فقد دل بذلك على أن العبرة في سن المتهم هي بمقدارها وقت ارتكاب الجريمة، وأن الاختصاص بمحاكمة الأحداث ينعقد لمحكمة الأحداث وحدها دون غيرها ولا تشاركها فيه أية محكمة أخرى سواها".
2 - لما كانت قواعد الاختصاص في المواد الجنائية من حيث أشخاص المتهمين متعلقة بالنظام العام. وكان يبين من الحكم المطعون فيه أن المتهم - الطاعن - حدث لم تجاوز سنه ثماني عشرة سنة وقت ارتكاب الجريمة، وعلى الرغم من ذلك ومن جريان المحاكمة أمام محكمة أول درجة في ظل قانون الأحداث الجديد - فقد نظرت الدعوى محكمة الجنح العادية (محكمة جنح أبو حماد) المشكلة من قاض فرد قضى في الدعوى دون أن تكون له ولاية الفصل فيها - فإن محكمة ثاني درجة إذ لم تفطن لهذا الخطأ المتعلق بالنظام العام لاتصاله بولاية القاضي الذي أصدر الحكم المستأنف - وقضت في موضوع الدعوى، فإنها تكون قد خالفت القانون وأخطأت في تطبيقه - إذ كان يتعين عليها أن تقضي بإلغاء الحكم المستأنف لعدم اختصاص المحكمة الجزئية العادية التي أصدرته بمحاكمة المتهم الحدث.
3 - لما كان العيب الذي شاب الحكم مقصوراً على الخطأ في تطبيق القانون على الواقعة - كما صار إثباتها بالحكم، فإنه يتعين حسب القاعدة الأصلية المنصوص عليها في المادة 39 من القانون رقم 57 لسنة 1959 أن تحكم محكمة النقض في الطعن وتصحح الخطأ وتحكم بمقتضى القانون دون حاجة لتحديد جلسة لنظر الموضوع ما دام أن العوار لم يرد على بطلان في الحكم أو بطلان في الإجراءات أثر في الحكم مما كان يقتضي التعرض لموضوع الدعوى.


الوقائع

اتهمت النيابة العامة الطاعن أولاًً: تسبب خطأ في موت...... وكان ذلك ناشئاً عن إهماله وعدم احتياطه وعدم تحرزه ومخالفته للقوانين والقرارات واللوائح بأن قاد سيارة بدون رخصة قيادة وبحالة ينجم عنها الخطر فصدم المجني عليها وأحدث بها الإصابات المبينة بالتقرير الطبي والتي أودت بحياتها.
ثانياً: قاد سيارة بدون رخصة قيادة.
ثالثاً: قاد سيارة بحالة تعرض حياة الأشخاص والأموال للخطر. وطلبت عقابه بالمادة 238/ 1 من قانون العقوبات ومواد القانون رقم 449 لسنة 1955.
وادعى والد المجني عليها مدنياً قبل المتهم بمبلغ قرش صاغ واحد على سبيل التعويض المؤقت.
ومحكمة مركز أبو حماد قضت حضورياً عملاً بمواد الاتهام بتغريم المتهم مائة جنيه عن التهمة الأولى وعشرة جنيهات عن التهمة الثانية ومائة قرش عن التهمة الثالثة وإحالة الدعوى المدنية إلى المحكمة المختصة.
فاستأنف ومحكمة الزقازيق الابتدائية - بهيئة استئنافية - قضت حضورياً بقبول الاستئناف شكلاً وفي الموضوع برفضه وتأييد الحكم المستأنف.
فطعن المحكوم عليه في هذا الحكم بطريق النقض..... إلخ. ومحكمة النقض قضت بقبول الطعن شكلاً. وفي الموضوع بنقض الحكم المطعون فيه وإحالة القضية إلى محكمة الزقازيق الابتدائية لتفصل فيها من جديد هيئة استئنافية أخرى.
ومحكمة الزقازيق الابتدائية (بهيئة استئنافية أخرى) قضت حضورياً بقبول الاستئناف شكلاً وفي الموضوع بإلغاء الحكم المستأنف وتغريمه مائة جنيه عن التهمتين الأولى والأخيرة وعشرة جنيهات عن التهمة الثانية وتأييده فيما عدا ذلك.
فطعن المحكوم عليه في هذا الحكم بطريق النقض (للمرة الثانية)... إلخ.


المحكمة

حيث إنه مما ينعاه الطاعن على الحكم المطعون فيه أنه إذ قضى بإدانته عن جرائم القتل الخطأ وقيادة سيارة بدون ترخيص وبحالة ينجم عنها الخطر, فقد شابه البطلان لصدوره من محكمة الجنح العادية مع أنها غير مختصة بمحاكمته ذلك بأنه يعد حدثاً طبقاً لأحكام القانون رقم 31 لسنة 1974- إذ لم يتجاوز عمره وقت ارتكاب الجريمة ثماني عشرة سنة ميلادية كاملة - ومما كان يقتضي تقديمه إلى محكمة الأحداث، وقد تمسك بذلك أمام محكمة الإعادة فلم تأبه له, مما يعيب حكمها ويوجب نقضه.
من حيث إنه يبين من الاطلاع على الأوراق، أن الدعوى الجنائية رفعت على الطاعن، بوصف أنه في الثالث من إبريل سنة 1974 أولاً: تسبب خطأ في موت..... ثانياً: قاد سيارة بدون رخصة. ثالثاً: قاد سيارة بحالة تعرض حياة الأشخاص والأموال للخطر. ومحكمة أبو حماد الجزئية قضت حضورياً بتاريخ 29 يناير سنة 1977 بتغريمه مائة جنيه عن التهمة الأولى وعشرة جنيهات عن التهمة الثانية ومائة قرش عن التهمة الثالثة. فاستأنف وقضي بقبول الاستئناف شكلاً ورفضه موضوعاً - فطعن على هذا الحكم بطريق النقض - ومحكمة النقض قضت بتاريخ الثامن عشر من أكتوبر سنة 1980 بقبول الطعن شكلاً ونقض الحكم المطعون فيه والإحالة - وبجلسة 22 من ديسمبر سنة 1980 - دفع الحاضر عن الطاعن أمام محكمة الإعادة بأن المتهم حدث إذ يبلغ من العمر خمسة عشر عاماً وقت ارتكاب الجريمة - إلا أن المحكمة أصدرت حكمها المطعون فيه في الثاني من فبراير سنة 1981 - بقبول الاستئناف وفي الموضوع بإلغاء الحكم المستأنف وبتغريم الطاعن مائة جنيه عن التهمتين الأولى والأخيرة وعشرة جنيهات عن التهمة الثانية. فطعن على هذا الحكم للمرة الثانية أمام هذه المحكمة. لما كان ذلك، وكان البين من الاطلاع على المفردات المضمومة أن الطاعن - عرض على طبيب صحة وحدة أبو تيج في الثالث من إبريل سنة 1974 - فقدر سنه بخمسة عشر عاماً. لما كان ذلك - وكان من المقرر أن القانون رقم 31 لسنة 1974 - في شأن الأحداث المعمول به اعتباراً من 16 مايو سنة 1974 - قبل صدور الحكم المطعون فيه - قد نسخ الأحكام الإجرائية والموضوعية الواردة في قانوني الإجراءات الجنائية والعقوبات في صدد محاكمة الأحداث ومعاقبتهم ومن بين ما أورده ما نص عليه في المادة الأولى من أنه "يقصد بالحدث في حكم هذا القانون من لم تجاوز سنه ثماني عشرة سنة ميلادية كاملة وقت ارتكاب الجريمة" وفي المادة 29 منه على أنه "تختص محكمة الأحداث دون غيرها بالنظر في أمر الحدث عند اتهامه في الجرائم وعند تعرضه للانحراف... "فقد دل بذلك على أن العبرة في سن المتهم هي بمقدارها وقت ارتكاب الجريمة، وأن الاختصاص بمحاكمة الأحداث ينعقد لمحكمة الأحداث وحدها دون غيرها ولا تشاركها فيه أية محكمة أخرى سواها، لما كان ذلك وكانت قواعد الاختصاص في المواد الجنائية من حيث أشخاص المتهمين متعلقة بالنظام العام. وكان يبين من الحكم المطعون فيه أن المتهم - الطاعن - حدث لم تجاوز سنه ثماني عشرة سنة وقت ارتكاب الجريمة، وعلى الرغم من ذلك ومن جريان المحاكمة أمام محكمة أول درجة في ظل قانون الأحداث الجديد - فقد نظرت الدعوى محكمة الجنح العادية (محكمة جنح أبو حماد) المشكلة من قاض فرد قضى في الدعوى دون أن تكون له ولاية الفصل فيها - فإن محكمة ثاني درجة إذ لم تفطن لهذا الخطأ المتعلق بالنظام العام لاتصاله بولاية القاضي الذي أصدر الحكم المستأنف - وقضت في موضوع الدعوى، فإنها تكون قد خالفت القانون وأخطأت في تطبيقه - إذ كان يتعين عليها أن تقضي بإلغاء الحكم المستأنف لعدم اختصاص المحكمة الجزئية العادية التي أصدرته بمحاكمة المتهم الحدث - لما كان ذلك، وكان العيب الذي شاب الحكم مقصوراً على الخطأ في تطبيق القانون على الواقعة - كما صار إثباتها بالحكم، فإنه يتعين حسب القاعدة الأصلية المنصوص عليها في المادة 39 من القانون رقم 57 لسنة 1959 أن تحكم محكمة النقض في الطعن وتصحح الخطأ وتحكم بمقتضى القانون دون حاجة لتحديد جلسة لنظر الموضوع ما دام أن العوار لم يرد على بطلان في الحكم أو بطلان في الإجراءات أثر في الحكم مما كان يقتضي التعرض لموضوع الدعوى. ومن ثم فإنه يتعين نقض الحكم المطعون فيه وتصحيحه بالقضاء بعدم اختصاص المحكمة الجزئية بنظر الدعوى.

الأربعاء، 8 يوليو 2026

الطعن 1653 لسنة 2 ق جلسة 20 / 4 / 1957 إدارية عليا مكتب فني 2 ج 2 ق 98 ص 955

جلسة 20 من إبريل سنة 1957

برياسة السيد/ السيد علي السيد رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة السيد إبراهيم الديواني والإمام الإمام الخريبي وعلي إبراهيم بغدادي ومصطفى كامل إسماعيل المستشارين.

------------------

(98)

القضية رقم 1653 لسنة 2 القضائية

(أ) نقل الموظف

 - جواز النقل من وظيفة إلى أخرى ما دامت الأخيرة ليست أقل درجة من الأولى - مثال.
(ب) موظف 

- نقله من وظيفة رئيس قلم جنائي بإحدى النيابات الجزئية إلى وظيفة كاتب بالنيابة الكلية بدرجته - من الملاءمات المتروكة لرئيس النيابة بحسبانه توزيعاً للعمل على كتاب النيابات - المادة 59 من قانون نظام القضاء.

----------------
1 - إن الجزاءات التي عددتها المادة 84 من القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة، ليس من بينها التنزيل في الوظيفة كما كان الحال قبل العمل بالقانون سالف الذكر. وقد أجازت المادة 47 من القانون المشار إليه النقل من وظيفة إلى أخرى ما دامت درجة الوظيفة المنقول إليها الموظف ليست أقل من درجة الوظيفة المنقول منها. فالقول بأن نقل المدعي من وظيفة رئيس قلم جنائي بإحدى النيابات الجزئية إلى وظيفة كاتب بالنيابة الكلية قد قصد به أن يكون بمثابة عقوبة توقع عليه إلى جانب الخصم من مرتبه، هو مذهب لا يستند إلى أساس سليم من القانون؛ ذلك أن المدعي قد نقل إلى وظيفة لا تقل درجتها عن درجة وظيفته الأولى، فلم يتضمن نقله أي تنزيل له في الدرجة.
2 - إن المادة 59 من القانون رقم 147 لسنة 1949 بشأن نظام القضاء تنص على أن: "رئيس كل محكمة يتولى توزيع الأعمال على كتابها وتحديد محل كل منهم وتعيين رؤساء الأقلام والكتاب الأول بالمحاكم الجزئية وكذلك نقل الكتاب وندبهم داخل دائرة المحكمة، ويتولى رئيس كل نيابة كلية هذه الأعمال بالنسبة لكتاب النيابات التابعين له". ومن ثم فإن نقل المدعي من وظيفة رئيس قلم جنائي بإحدى النيابات الجزئية إلى وظيفة كاتب بالنيابة الكلية بدرجته، لا يعدو أن يكون توزيعاً للأعمال على كتاب النيابات، فهو بهذه المثابة من الملاءمات المتروكة لتقدير رئيس النيابة حسبما يكون متفقاً مع الصالح العام، طبقاً للمادة 59 سالفة الذكر.


إجراءات الطعن

في 5 من يوليه سنة 1956 أودع السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة عريضة طعن في الحكم الصادر من المحكمة الإدارية بالإسكندرية بجلسة 29 من مايو سنة 1956 في الدعوى رقم 289 لسنة 3 القضائية المقامة من حامد محمد السويفي ضد وزارة العدل (النيابة العمومية)، القاضي: "بإلغاء القرار الصادر من السيد رئيس نيابة الإسكندرية بتاريخ 17/ 8/ 1954 فيما تضمنه من نقل المدعي من وظيفة رئيس القلم الجنائي بنيابة المنشية إلى وظيفة كاتب بنيابة الإسكندرية الكلية، مع إلزام الجهة الإدارية المصاريف ومبلغ 300 قرش مقابل أتعاب المحاماة ورفض ما عدا ذلك من الطلبات". وطلب السيد رئيس هيئة المفوضين، للأسباب التي استند إليها في عريضة طعنه، "قبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع إلغاء الحكم فيما قضى به من إلغاء أمر النقل المطعون فيه، والقضاء بعدم اختصاص القضاء الإداري بنظر الدعوى في هذا الشق". وقد أعلن هذا الطعن إلى وزارة العدل في 2 من سبتمبر سنة 1956، وإلى المطعون عليه في 10 من سبتمبر سنة 1956، وعين لنظره جلسة 23 من مارس سنة 1957، وفيها سمعت المحكمة ما رأت سماعه من إيضاحات على الوجه المبين بمحضر الجلسة، ثم أرجئ إصدار الحكم إلى جلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة تتحصل، حسبما يبين من أوراق الطعن، في أن المطعون عليه أقام دعواه يطلب فيها إلغاء القرار الصادر من السيد رئيس نيابة الإسكندرية في 17 من أغسطس سنة 1954 فيما قضى به من خصم ثلاثة أيام من راتبه، وكذلك إلغاءه فيما تضمن من نقله من وظيفة رئيس القلم الجنائي بنيابة المنشية إلى وظيفة كاتب بالنيابة الكلية.
وفي 29 من مايو سنة 1956 قضت المحكمة الإدارية بالإسكندرية "بإلغاء القرار الصادر من السيد رئيس نيابة الإسكندرية في 27 من أغسطس سنة 1954 فيما تضمنه من نقل المدعي من وظيفة رئيس القلم الجنائي بنيابة المنشية إلى وظيفة كاتب بنيابة الإسكندرية الكلية، مع إلزام الجهة الإدارية المصاريف ومبلغ 300 قرش مقابل أتعاب المحاماة، ورفض ما عدا ذلك من الطلبات". وأسست قضاءها على أنه "وإن نصت المادة 76 من قانون نظام القضاء بأن يعمل كتاب النيابة في كل محكمة تحت رقابة رئيس القلم الجنائي وهؤلاء جميعاً خاضعون لرئيس النيابة، فليس في ذلك دليل على أن وظيفة (رئيس القلم الجنائي) تختلف في طبيعتها عن وظيفة (كاتب) بالنيابة، خاصة متى كانت الأولى بإحدى النيابات الجزئية والثانية بنيابة كلية، بل كثيراً ما يكون الشاغل لوظيفة رئيس القلم ببعض النيابات الجزئية في درجة أدنى من درجة كثير من كتبة النيابات الكلية، ومن ثم فقد جاز في الظروف العادية نقل المدعي من وظيفة رئيس قلم بنيابة جزئية إلى وظيفة كاتب بالنيابة الكلية، دون أن يقال بأن في ذلك تنزيلاً له منطوياً على عقوبة مقنعة. غير أنه في الظروف التي صدر فيها القرار محل الطعن، وقد تصدر بنسبة أمور معينة إلى المدعي، رأى فيها السيد رئيس النيابة الذي أصدر القرار (ما يعتبر من المدعي إثارة للشبهة قبله ومتعارضاً مع ما يطلب من الموظف من البعد عن مواطن الظنون، الأمر الذي يقتضي مجازاته) وانتهى القرار إلى الخصم من مرتبه، ثم نقله إلى وظيفة كاتب بالنيابة الكلية، فإن في ذلك ما يشير بجلاء إلى أنه قصد بالإجراء الأخير أن يكون بمثابة عقوبة توقع عليه إلى جانب الخصم من مرتبه".
ومن حيث إن الطعن يقوم على أن قرار النقل المحكوم بإلغائه من القرارات الإدارية التي لا يقبل طلب إلغائها؛ وآية ذلك أن نقل المدعي من وظيفة رئيس قلم جنائي في نيابة جزئية إلى كاتب بالنيابة الكلية هو إجراء داخلي بحت يملكه رئيس النيابة المنوط به - بحكم القانون - الإشراف على أعمال النيابة العامة في حدود مدينة الإسكندرية باعتبارها وحدة لا تتجزأ.
ومن حيث إن المحكمة قد اعتبرت النقل يخفي جزاءً تأديبياً، وأنه صدر باطلاً لمخالفته للأوضاع المرسومة في قانون نظام القضاء في شأن تأديب موظفي النيابات.
ومن حيث إنه لا يلزم لكي يعتبر القرار الإداري بمثابة الجزاء التأديبي المقنع أن يكون متضمناً عقوبة من العقوبات التأديبية المعينة، وإلا لكان جزاءً تأديبياً صريحاً، وإنما يكفي أن تتبين المحكمة من ظروف الأحوال وملابساتها أن نية الإدارة اتجهت إلى عقاب الموظف، ولكن بغير اتباع الإجراءات والأوضاع المقررة لذلك، فانحرفت بسلطتها في القرار لتحقيق هذا الغرض المستتر، فيكون القرار بمثابة الجزاء التأديبي المقنع، ويكون عندئذ مشوباً بعيب إساءة استعمال السلطة ومخالفاً للقانون، أما إذا تبين أنها لم تنحرف بسلطتها لتحقيق مثل هذا الغرض الخفي، وإنما استعملتها في تحقيق المصلحة العامة التي أعد لها القرار، كان سليماً ومطابقاً للقانون [(1)].
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه قد ذهب إلى أن نقل المدعي من وظيفة رئيس قلم جنائي بإحدى النيابات الجزئية إلى وظيفة كاتب بالنيابة الكلية قد "قصد به أن يكون بمثابة عقوبة توقع عليه إلى جانب الخصم من مرتبه"، وهو مذهب لا يستند إلى أساس سيلم من القانون؛ ذلك أن المدعي قد نقل إلى وظيفة لا تقل درجتها عن درجة وظيفته الأولى فلم يتضمن نقله أي تنزيل له. ويجب التنبيه إلى أن الجزاءات التي عددتها المادة 84 من القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة - وهو الذي يحكم واقعة الدعوى - ليس من بينها التنزيل في الوظيفة كما كان الحال قبل العمل بالقانون سالف الذكر، كما أجازت المادة 47 من القانون المشار إليه النقل من وظيفة إلى أخرى ما دامت درجة الوظيفة المنقول إليها الموظف ليست أقل من درجة الوظيفة المنقول منها.
ومن حيث إن المادة 59 من القانون رقم 147 لسنة 1949 بشأن نظام القضاء تنص على أن "رئيس كل محكمة يتولى توزيع الأعمال على كتابها وتحديد محل كل مهم وتعيين رؤساء الأقلام والكتاب الأول بالمحاكم الجزئية وكذلك نقل الكتاب وندبهم داخل دائرة المحكمة، ويتولى رئيس كل نيابة كلية هذه الأعمال بالنسبة لكتاب النيابات التابعين له".
ومن حيث إنه يظهر من ذلك أن نقل المدعي من وظيفة رئيس قلم جنائي بإحدى النيابات الجزئية إلى وظيفة كاتب بالنيابة الكلية بدرجته لا يعدو أن يكون توزيعاً للأعمال على كتاب النيابات، فهو بهذه المثابة من الملاءمات المتروكة لتقدير رئيس النيابة حسبما يكون متفقاً مع الصالح العام طبقاً للمادة 59 من قانون نظام القضاء.
ومن حيث إنه لما تقدم يكون الحكم المطعون فيه فيما قضى به من إلغاء أمر النقل قد أخطأ في تطبيق القانون ويتعين إلغاؤه على الوجه المبين بالمنطوق.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه فيما قضى به من إلغاء قرار النقل، وبرفض الدعوى، وألزمت المدعي بالمصروفات.


[(1)] راجع السنة الأولى في هذه المجموعة بند 112 صفحة 924

الطعن 2294 لسنة 49 ق جلسة 9 / 4 / 1980 مكتب فني 31 ق 90 ص 483

جلسة 9 من إبريل سنة 1980

برئاسة السيد المستشار/ محمد عبد الواحد الديب نائب رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين محمد أحمد حمدي، وممدوح مصطفى حسن، وإبراهيم حسين رضوان، وراغب عبد القادر عبد الظاهر.

------------------

(90)
الطعن رقم 2294 لسنة 49 القضائية

(1) تفتيش "التفتيش بغير إذن". دفاع. "الإخلال بحق الدفاع. ما يوفره". نقض "أسباب الطعن. ما يقبل منها".
عدم جواز دخول المنازل إلا في الأحوال وبالكيفية المبينة بالقانون. مخالفة ذلك. بطلان. علة ذلك؟
(2) دفاع "الإخلال بحق الدفاع. ما يوفره". حكم "تسبيبه. تسبيب معيب" نقض "أسباب الطعن ما يقبل منها".
التأخير في الإدلاء بالدفاع. لا يدل حتماً على عدم جديته.
استعمال المتهم حقه في الدفاع عن نفسه لا يصح البتة نعته بعدم الجدية. التزام المحكمة بالنظر في طلبات التحقيق وأوجه دفاع المتهم. مخالفة ذلك. قصور وفساد في الاستدلال.

-------------------
1 - من المبادئ المقررة أن للمنازل حرمة فلا يجوز دخولها من رجال السلطات العامة أو المحققين إلا في الأحوال المبينة في القانون وبالكيفية المنصوص عليها فيه، وأن دخولها في غير هذه الأحوال هو أمر محظور يفضي بذاته إلى بطلان التفتيش وقد رسم القانون للقيام بتفتيش المنازل حدوداً وشروطاً لا يصح إلا بتحققها وجعل التفتيش متضمناً ركنين أولهما دخول المسكن وثانيهما البحث عن الأشياء والأوراق التي تفيد في كشف الحقيقة، وأن الضمانات التي قررها الشارع تنسحب على الركنين معاً بدرجة واحدة، ذلك بأن تفتيش منزل المتهمة يقوم على جملة أعمال تتعاقب في مجراها وتبدأ بدخول الضابط القضائي في المنزل المراد تفتيشه ويوجب الشارع في هذه الأعمال المتعاقبة منذ بدايتها إلى نهاية أمرها أن تتقيد بالقيود التي جعلها الشارع شروطاً لصحة التفتيش، ومن ثم إذا كان الموظف الذي دخل المنزل غير مأذون من سلطة التحقيق أو غير مرخص له من الشارع بدخوله في الأحوال المخصوصة بالنص عليها بطل دخوله وبطل معه كافة ما يلحق بهذا الدخول من أعمال الضبط والتفتيش.
2 - من المقرر أن التأخير في الإدلاء بالدفاع لا يدل حتماً على عدم جديته ما دام منتجاً ومن شأنه أن تندفع به التهمة أو يتغير به وجه الرأي في الدعوى، كما أن استعمال المتهم حقه المشروع في الدفاع عن نفسه في مجلس القضاء لا يصح البتة أن ينعت بعدم الجدية ولا أن يوصف بأنه جاء متأخراً لأن المحاكمة هي وقته المناسب الذي كفل فيه القانون لكل متهم حقه في أن يدلي بما يحق له من طلبات التحقيق وأوجه الدفاع وإلزام المحكمة النظر فيه وتحقيقه تجلية للحقيقة وهداية للصواب، وإذ ما كان الحكم المطعون فيه على ما سلف بيانه - قد خالف هذا النظر في الرد على الدفع المشار إليه اكتفاء بما ساقه من رد قاصر لا يسوغ به رفضه، فإنه يكون معيباً فضلاً عن قصوره بالفساد في استدلاله بما يستوجب نقضه والإحالة بغير حاجة لمناقشة أوجه الطعن الأخرى.


الوقائع

اتهمت النيابة العامة الطاعنة بأنها: أحرزت بغير قصد الاتجار أو التعاطي أو الاستعمال الشخصي جوهراً مخدراً (حشيش) في غير الأحوال المصرح بها قانوناً وطلبت إلى مستشار الإحالة إحالتها إلى محكمة الجنايات لمعاقبتها طبقاً للقيد والوصف الواردين بتقرير الاتهام، فقرر ذلك. ومحكمة جنايات المنصورة قضت حضورياً عملاً بمواد القانون رقم 182 لسنة 1960 المعدل بالقانون رقم 40 لسنة 1966 والبند 57 من الجدول رقم 1 الملحق مع تطبيق المادة 17 من قانون العقوبات بمعاقبة المتهمة بالحبس مع الشغل لمدة ستة شهور وتغريمها خمسمائة جنيه ومصادرة المخدر المضبوط. فطعنت المحكوم عليها في هذا الحكم بطريق النقض.... إلخ.


المحكمة

وحيث إن مما تنعاه الطاعنة على الحكم المطعون فيه أنه إذ دانها بجريمة إحراز مخدر قد شابه فساد في الاستدلال وقصور في التسبيب ذلك بأن المدافع عنها قد دفع ببطلان التفتيش إذ تم ضبطها وتفتيشها في منزل غير المأذون بتفتيشه، غير أن الحكم قد أطرحه برد غير سائغ. الأمر الذي يعيبه ويوجب نقضه.
وحيث إن البين من مطالعة الحكم المطعون فيه أنه حصل واقعة الدعوى في أن النيابة العامة أذنت بتفتيش منزل زوج الطاعنة لضبط ما يحرزه أو يحوزه من مواد مخدرة، ولدى تنفيذ الإذن توجه الضابط المأذون له إلى المسكن حيث كانت الطاعنة تقف في ردهته وما أن شاهدته حتى ألقت بلفافة سلوفانية تبين أنها تحوي مخدر الحشيش، وبتفتيشها عثر معها على كمية أخرى من ذات المخدر، كما يبين من مطالعة محضر جلسة المحاكمة أن الحاضر مع الطاعنة دفع ببطلان إجراءات تنفيذ الإذن وأسس ذلك على أن المنزل الذي تم فيه الضبط والتفتيش ليس هو المأذون بتفتيشه ويختلف عنوانه عن ذلك الذي صدر به الإذن، وقد رد الحكم على هذا الدفع في قوله "إن المتهمة لم تدع بالتحقيقات بأن المنزل الذي ضبطت فيه ليس هو منزل زوجها الصادر به إذن التفتيش، كما لم يدع الأخير ذلك عند سؤاله في تحقيق النيابة". لما كان ذلك، وكان من المبادئ المقررة أن للمنازل حرمة فلا يجوز دخولها من رجال السلطات العامة أو المحققين إلا في الأحوال المبينة في القانون وبالكيفية المنصوص عليها فيه، وأن دخولها في غير هذه الأحوال هو أمر محظور يفضي بذاته إلى بطلان التفتيش وقد رسم القانون للقيام بتفتيش المنازل حدوداً وشروطاً لا يصح إلا بتحققها وجعل التفتيش متضمناً ركنين أولهما دخول المسكن وثانيهما البحث عن الأشياء والأوراق التي تفيد في كشف الحقيقة، وأن الضمانات التي قررها الشارع تنسحب على الركنين معاً بدرجة واحدة، ذلك بأن تفتيش منزل المتهمة يقوم على جملة أعمال تتعاقب في مجراها وتبدأ بدخول الضابط القضائي في المنزل المراد تفتيشه ويوجب الشارع في هذه الأعمال المتعاقبة منذ بدايتها إلى نهاية أمرها أن تتقيد بالقيود التي جعلها الشارع شروطاً لصحة التفتيش، ومن ثم إذا كان الموظف الذي دخل المنزل غير مأذون من سلطة التحقيق أو غير مرخص له من الشارع بدخوله في الأحوال المخصوصة بالنص عليها بطل دخوله وبطل معه كافة ما يلحق بهذا الدخول من أعمال الضبط والتفتيش. لما كان ذلك وكان من المقرر أيضاً أن التأخير في الإدلاء بالدفاع لا يدل حتماً على عدم جديته ما دام منتجاً ومن شأنه أن تندفع به التهمة أو يتغير به وجه الرأي في الدعوى، كما أن استعمال المتهم حقه المشروع في الدفاع عن نفسه في مجلس القضاء لا يصح البتة أن ينعت بعدم الجدية ولا أن يوصف بأنه جاء متأخراً لأن المحاكمة هي وقته المناسب الذي كفل فيه القانون لكل متهم حقه في أن يدلي بما يحق له من طلبات التحقيق وأوجه الدفاع وإلزام المحكمة النظر فيه وتحقيقه تجلية للحقيقة وهداية للصواب، وإذ ما كان الحكم المطعون فيه على ما سلف بيانه - قد خالف هذا النظر في الرد على الدفع المشار إليه واكتفاء بما ساقه من رد قاصر لا يسوغ به رفضه، فإنه يكون معيباً فضلاً عن قصوره بالفساد في استدلاله بما يستوجب نقضه والإحالة بغير حاجة لمناقشة أوجه الطعن الأخرى.

الطعن 1520 لسنة 2 ق جلسة 20 / 4 / 1957 إدارية عليا مكتب فني 2 ج 2 ق 97 ص 937

جلسة 20 من إبريل سنة 1957

برياسة السيد/ السيد علي السيد رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة السيد إبراهيم الديواني والإمام الإمام الخريبي وعلي إبراهيم بغدادي ومصطفى كامل إسماعيل المستشارين.

-----------------

(97)

القضية رقم 1520 لسنة 2 القضائية

(أ) عقد إداري 

- القاعدة التي تخضع لها العقود المدنية من وجوب تنفيذها بما يتفق وحسن النية - سريانها على العقود الإدارية - مثال.
(ب) عقد إداري 

- عدم تساوي مصالح الطرفين، إذ يجب أن يعلو الصالح العام على المصلحة الفردية الخاصة - للإدارية سلطة الإشراف والتوجيه على تنفيذ العقد، ولها الانفراد بتغيير شروطه أو إضافة جديد إليها بما تراه أكثر اتفاقاً مع الصالح العام - إذا وصل التعديل إلى حد الفسخ فللطرف الآخر الحق في التعويضات إذا اختلت الموازنة في الشروط المالية - سلطة الإدارة في إنهاء العقد للصالح العام مع تعويض الطرف الآخر عن الضرر - مثال.

---------------------
1 - إن العقود تخضع لأصل عام من أصول القانون، يقضي بأن يكون تنفيذها بطريقة تتفق مع ما يوجبه حسن النية، وهذا الأصل يطبق في العقود الإدارية، شأنها في ذلك شأن العقود المدنية. فإذا ثبت أن البضاعة الموردة تتفق مع المواصفات في التركيب، وأن الشوائب اللاحقة بها لا تؤثر على صلاحيتها للاستعمال، فلم يكن ثمة ما يحول - تطبيقاً لمبدأ تنفيذ العقود بحسن نية - دون قبول هذه الكميات الموردة.
2 - إن العقود الإدارية تتميز عن العقود المدنية بطابع خاص، مناطه احتياجات المرفق الذي يستهدف العقد تسييره وتغليب وجه المصلحة العامة على مصلحة الأفراد الخاصة، فبينما تكون مصالح الطرفين في العقود المدنية متوازية ومتساوية، إذا بها في العقود الإدارية غير متكافئة؛ إذ يجب أن يعلو الصالح العام على المصلحة الفردية الخاصة، وهذه الفكرة هي التي تحكم الروابط الناشئة عن العقد الإداري. ويترتب على ذلك أن للإدارة سلطة الإشراف والتوجيه على تنفيذ العقود، وأن لها دائماً حق تغيير شروط العقد وإضافة شروط جديدة، بما قد يتراءى لها أنه أكثر اتفاقاً مع الصالح العام دون أن يتحدى الطرف الآخر بقاعدة "أن العقد شريعة المتعاقدين"، كل ذلك بشرط ألا يصل التعديل إلى حد فسخ العقد كلية، وإلا جاز للطرف الآخر فسخه، وبشرط أن يكون له الحق في التعويضات إذا اختلت الموازنة في الشروط المالية، كما يترتب عليها كذلك أن للإدارة دائماً سلطة إنهاء العقد إذا قدرت أن هذا يقتضيه الصالح العام، وليس للطرف الآخر إلا الحق في التعويضات إن كان لها وجه، وهذا على خلاف الأصل في العقود المدنية التي لا يجوز أن يستقل أحد الطرفين بفسخها أو إنهائها دون إرادة الطرف الآخر. فإذا ثبت أن البوية المتعاقد عليها مع أحد أسلحة الجيش أصبحت غير صالحة للغرض المتعاقد من أجله عليها بسبب تغيير صنف الجلد المستعمل لأحذية الجنود، فللإدارة أن تتحلل من تعاقدها وتعمل سلطتها العامة في إنهاء العقد، مع تعويض المتعاقد عما أصابه من ضرر. فإذا اتضح أن هذا الصنف من البوية إنما صنع خصيصاً لأحذية الجنود قبل أن يتغير نظام هذه الأحذية، وأنه لا سبيل للانتفاع به بعرضه للبيع في الأسواق المحلية، فقد اختل التوازن المالي للعقد، وحق للمتعاقد أن يعوض عن رفض البوية. والتعويض بوجه عام مقياسه الضرر المباشر، وهو يشتمل على عنصرين جوهريين، هما الخسارة التي لحقت المضرور، والكسب الذي فاته.


إجراءات الطعن

في 29 من مايو سنة 1956 أودع رئيس هيئة المفوضين طعناً في الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري (الهيئة الخامسة) بجلسة أول إبريل سنة 1956 في الدعوى رقم 6600 لسنة 8 القضائية المرفوعة من أحمد محمد الجبلي ضد وزارة الحربية والبحرية، القاضي: "(أولاً) بأحقية المدعي في استرداد قيمة التأمين المستحق له والخاص بعقد التوريد موضوع الدعوى، وبإلزام الحكومة بالمصروفات المناسبة. (ثانياً) برفض ما عدا ذلك من الطلبات. (ثالثاً) بالمقاصة في مقابل أتعاب المحاماة". وطلب رئيس هيئة المفوضين، للأسباب الواردة بعريضة الطعن، الحكم "بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه جزئياً فيما قضى به في الشق (ثانياً) من رفض طلب المدعي أحقيته في مبلغ 595 م و6832 ج وهو المبلغ الصافي المتأخر له بعد خصم ما رأت مصلحة الصناعة خصمه، وفي الشق الثالث منه، والقضاء بأحقية المدعي في هذا المبلغ، وإلزام الحكومة بما لم يحكم به من مصروفات الدعوى جميعها، وكذا مقابل أتعاب المحاماة". وقد أعلن الطعن للحكومة في 15 في يوليه سنة 1956، وللمدعي في 2 من أغسطس سنة 1956، وعين لنظره جلسة 27 من أكتوبر سنة 1956، ثم تداولت القضية بالجلسات إلى أن نظرت أخيراً بجلسة 23 من مارس سنة 1957، وفيها سمعت المحكمة ما رأت سماعه من إيضاحات، ثم أرجأت النطق بالحكم لجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة - حسبما يبين من الأوراق - تتحصل في أن المدعي أقام الدعوى رقم 6600 لسنة 8 القضائية أمام محكمة القضاء الإداري بصحيفة أودعت سكرتيريتها في 17 من إبريل سنة 1954 طالباً الحكم: "(أولاً) بأحقية الطالب في مبلغ 595 م و6832 ج وهو المبلغ الصافي المتأخر للطالب بعد خصم ما رأت مصلحة الصناعة خصمه مع فوائد هذا المبلغ بواقع 5% من تاريخ 29 من مارس سنة 1953 وهو تاريخ رد مصلحة الصناعة على السلاح، إذ كان يجب الصرف بعد هذا الرد فوراً، حتى السداد. (ثانياً) أحقية الطالب في استرداد مبلغ 761 م و1112 ج قيمة التأمين المدفوع منه مع فوائد هذا المبلغ حتى السداد، مع إلزام الحكومة بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة". وقال في بيان ذلك إنه بموجب عقد مؤرخ 10 من مارس سنة 1952 تعاقد المدعي مع سلاح الأسلحة والمهمات بالمعادي على توريد 282.855 علبة بوية سوداء للأحذية بسعر العلبة الواحدة 6/ 36 م على أن يتم توريد الكمية جميعها في ميعاد أقصاه 10 من نوفمبر سنة 1952. وقد قام المدعي بتنفيذ تعهداته، فورد أولاً 84244 علبة قبلت وصرف له ثمنها، ثم ورد بعد ذلك 209 ألف علبة أي بزيادة قدرها 10389 علبة عن باقي الكمية المتعاقد عليها وقدرها 198.611 علبة، وتم هذا التوريد على دفعات آخرها في 4 من نوفمبر سنة 1952. وقد رفض سلاح المهمات اعتماد هذه الدفعات على أساس ما جاء في نتيجة تحليل مصلحة الكيمياء من أن الصنف المورد مطابق للمواصفات، إلا أنه يحتوي على كمية قليلة من الرمل الناعم بدرجة لا تمنع صلاحيته للاستعمال. وبالرغم من أن تقرير مصلحة الكيمياء صريح في أن الصنف المورد صالح للاستعمال ومطابق للمواصفات، فقد أصر سلاح الأسلحة والمهمات على رفض اعتماد الصنف المورد، فتقدم المدعي إلى السلاح طالباً تطبيق الفقرة الثالثة من المادة الرابعة من البند الثامن من العقد، وهو أن يتقدم بطلب بقبول بضاعته مع قبوله خصم جزء من ثمنها نظير الفرق البسيط الموجود بالبضاعة والذي لا يؤثر على صلاحيتها للاستعمال. وقد قام السلاح ببحث هذا الطلب ووافق عليه بعد أن تثبت من حاجته للصنف، واتخذ الإجراءات اللازمة للتنفيذ، بأن أرسل في 21 من ديسمبر سنة 1952 إلى مصلحة الصناعة لتقدير قيمة التخفيض الذي تراه، فقامت المصلحة المذكورة بتقدير التخفيض عن كل دفعة موردة وأرسلت إلى السلاح بذلك في 29 من مارس سنة 1953. حدث أثناء ذلك أن قرر الجيش استبدال هذا النوع من البوية بنوع آخر نظراً لتغيير نوع الجلد الخاص بأحذية رجال الجيش، فرأى سلاح المهمات أن يعمل على الاستغناء عن الكميات المتعاقد عليها مع التجار عن هذا الصنف وأمثاله مما قرر الجيش استبدال غيره به، فأرسل إلى وزارة الحربية يستفتيها عما إذا كان من الممكن قانوناً إلغاء عقد التوريد المبرم مع الطالب، فطلبت الوزارة رأي إدارة الرأي المختصة في هذا الشأن، فردت الإدارة في 16 من أغسطس سنة 1953 بأنها لا ترى محلاً لإلغاء التعاقد مع الطالب، وأشارت بقبول الصنف المورد بعد تخفيض ثمنه طبقاً لما قررته مصلحة الصناعة، إلا أن السلاح لم ير العمل بما أشارت به إدارة الرأي المختصة، بالرغم من أنه يعلم أن الصنف المورد يعمل خصيصاً للجيش بناء على طلبه، وأن استعماله مقصور على الجيش المصري، ولا يستعمل في أي مكان آخر. ومما يثير الدهشة أن السلاح تعاقد مع كميل صواف على توريد 324500 علبة من نفس الصنف الذي ورده الطالب بسعر العلبة 59 م أي بضعف الثمن المتعاقد عليه مع الطالب. وبتاريخ 29 من يناير سنة 1954 أنذر الطالب السلاح بسداد المبالغ المستحقة له، فألفت الوزارة لجنة فنية للبت في الموضوع بصفة نهائية، فأرسلت اللجنة تستفتي إدارة الرأي المختصة فأصرت الإدارة على رأيها الأول. ولما كانت النية مبينة للإضرار بالطالب فقد ضرب السلاح بهذه الفتاوى عرض الحائط. من أجل ذلك أقام المدعي دعواه. وقد أودع مفوض الدولة تقريراً في الدعوى انتهى فيه إلي أحقية المدعي في ثمن 198611 علبة من البوية، وفي استرداد التأمين المدفوع مستنداً في ذلك بالنسبة لثمن البوية إلى أنه "يتضح من جماع ظروف الموضوع وملابساته والإجراءات التي اتخذت في شأنه، أن إرادة جهة الإدارة قد انعقدت في صورة واضحة على معاملة المدعي بالتطبيق للفقرة الثالثة من المادة الرابعة من البند الثامن من شروط المناقصة" وأن "الوضع القانوني القائم ما كان يسمح للإدارة بعد أن التقت إرادتها في صراحة مع إدارة المدعي على سلوك طريق معين منصوص عليه في شروط المناقصة لتنفيذ العقد أن تعدل عن الطريق الذي نشأ في ذمتها التزام بالتزامه في تنفيذ تعاقدها مع المدعي لسبب لاحق لم يكن للمدعي دخل في إحداثه (وهو تغيير زي الجنود)"، وبالنسبة لاسترداد التأمين إلى أن الوزارة لم تقرر مصادرة التأمين، فضلاً عن أنه ليس ثمة ما يبرر مصادرته. وقد قضت المحكمة في الدعوى بجلسة أول إبريل سنة 1956 "(أولاً) بأحقية المدعي في استرداد قيمة التأمين المستحق له والخاص بعقد التوريد موضوع الدعوى، وبإلزام الحكومة بالمصروفات المناسبة (ثانياً) وبرفض ما عدا ذلك من الطلبات (ثالثاً) وبالمقاصة في مقابل أتعاب المحاماة". وأقامت المحكمة قضاءها على أن المدعي ورد الكميات المتنازع عليها على سبع دفعات، أولها في 4 من يونيه سنة 1952، وآخرها في 4 من نوفمبر سنة 1952، وأن الذي تنطق به صحف تقارير المعمل الكيماوي المختص بفحص تلك الكميات جميعاً هو عبارة. "مرفوضة لعدم مطابقتها للعينة المقدمة من المدعي". ومعنى ذلك أن الدفعات السبع المشار إليها قد جاء تحليلها غير مطابق للعينة التي كان قد تقدم بها المدعي عند تقديم عطائه، والثابت أيضاً أن المتعهد تلقى إخطاراً بمشال الكميات المرفوضة في 29 من يونيه سنة 1952 و19 من يوليه سنة 1952 و3 من أغسطس سنة 1952، وأن سلاح الأسلحة والمهمات أنذر المدعي في 9 من نوفمبر سنة 1952 لسرعة توريد ما تبقى من كميات البوية التي تم التعاقد عليها في 10 من مارس سنة 1952 وأن السلاح أرسل للمدعي مرة أخرى في 29 من نوفمبر سنة 1952 (أي بعد انقضاء ميعاد التوريد) كتاباً يخطره بأنه تقرر رفض الكميات الموردة بناء على قرارات المعمل الكيماوي، ويطلب إليه مشال الكميات المرفوضة خلال ثمانية أيام، وإلا وقعت عليه غرامة أرضية. ويبين من ذلك أن "رفض الكميات الموردة لعدم مطابقتها للمواصفات كان على الدوام ومنذ البداية، ديدن إدارة سلاح المهمات، ولم تقتصر مرة واحدة في إخطار المتعهد بالرفض المسبب مع تكليفه بمشال المرفوض...", وأنه ولئن كان المدعي قد قدم شكوى إلى قسم الواردات بسلاح المهمات في 16 من يونيه سنة 1952 ينعى على مصلحة الكيمياء نتائج تحليليها ويرجو قبول الأصناف الموردة "متى كان التوريد مطابقاً من حيث القوام للعينة المقررة، فاختلاف النتائج في التحليل لا يجوز أن يؤدي حتماً إلى رفضها متى كان من الجائز قبولها"، فرفض طلبه، ثم أعاد الشكوى مرة أخرى في 7 من ديسمبر سنة 1952 طالباً قبول البوية مع تخفيض جزء من قيمتها حيث اتضحت صلاحيتها للاستعمال - لئن كان المدعي قد تقدم بذلك إلا أن قبولاً صريحاً لم يصادف هذا العرض، وأن "العلاقة القانونية التي تربط المدعي بإدارة سلاح المهمات إنما ينظمها العقد الإداري المبرم بينهما في 10 من مارس سنة 1952... وقد تضمنت قائمة شروط المناقصة أحكاماً تقضي بفحص الأصناف الموردة، فإذا وجدت غير مطابقة للشروط المتفق عليها رفضت، وعلى المتعهد أن يستردها، فإذا تأخر في استردادها أكثر من ثمانية أيام من تاريخ إخطاره بذلك حق للوزارة توقيع غرامة مقدارها 1% من قيمة المقادير التي رفضت عن كل أسبوع أو جزء من أسبوع... وأنه إذا رفضت بعض الأصناف كان من حق الوزارة وحدها الخيار بين أحد فروض ثلاثة، ولا يملك غيرها حق هذا الخيار، فلها أن تشتري أصنافاً على حساب المتعهد بدلاً من المرفوضة... أو أن تطلب إلى المتعهد أن يقدم في مهلة معينة بديلاً منها مع توقيع غرامة عليه، وأخيراً إذا تعذر الحصول على الأصناف على الوجه المبين آنفاً فللوزارة وحدها، وليس للمتعهد هذا الحق، قبول الأصناف التي لم تتوافر فيها الشروط المتفق عليها، على أن ينقص سعرها بنسبة يتفق عليها فيما بين المتعاقدين"، وأن "تنفيذ الالتزامات التعاقدية في عقود القانون الخاص التي تبرمها الإدارة، لا يجري على هدى نفس القواعد التي يتم فيها تنفيذ العقود الإدارية؛ ففي عقود القانون الخاص التي تبرمها الإدارة تطبق عند تنفيذ الالتزامات المتبادلة أحكام القانون الخاص المجردة كالتقنين المدني والتجاري والحال على خلاف ذلك تماماً في ميدان العقود الإدارية؛ إذ يصبح المتعاقد إلى حد كبير بمثابة المتضافر مع جهة الإدارة في الأخذ بناصر المرفق العام، والحرص على استمرار حركته وإدارة نشاطه، ولهذا الوضع أثره في تنفيذ الالتزام. فالمدعي المتعهد بالتوريد، وقد التزم في مواجهة الإدارة بعقد إداري خالص، يتعين عليه أن يقوم بتنفيذ التزاماته وفقاً لطائفة من القواعد والأصول هي أكثر شدة وأمعن دقة من تلك التي يجرى تطبيقها في ظل عقد من عقود القانون الخاص، والمصلحة العامة التي تهدف إلى انتظام سير المرفق العام تحرص على اتباع تفسير حازم لالتزامات من تعهد بالتوريد، وفي مقدمة تلك القواعد والأصول التي تحكم عقد التوريد الإداري قاعدة أن المصلحة العامة لانتظام سير المرفق العام لا يصح أن تتأثر في شيء بالمصلحة الخاصة التي قد تشغل بال المتعهد بالتوريد، وقد ارتضى أن يساهم بنصيب في نشاط ذلك المرفق العام، فعليه مضاعفة الدقة والحرص في تنفيذ ما تعهد به من التزامات"، وأن "كلاً من الفقه الإداري الفرنسي وقضاء مجلس الدولة هناك قد التقيا في مجال الالتزامات التي يفرضها عقد التوريد الإداري على المتعهدين عند القول بأنه إذا قام المتعهد بتوريد ما التزم به قبل جهات الإدارة فإن على هذه الأخيرة أن تفصح عن قبولها للمواد الموردة، ويكون ذلك عن طريق موظف أو لجنة خاصة تقرر ما إذا كانت الأصناف مطابقة تماماً للمواصفات المشروطة في العقد. فإذا جاءت المواد مخالفة تعين على جهة الإدارة ألا تتردد لحظة في رفضها، ويقول القضاء الإداري الفرنسي إن هذا الرفض يلزم المتعهد بأن يرفع فوراً وعلى نفقته تلك البضاعة المخالفة ليستبدلها بأخرى مطابقة للمواصفات المشروطة في المدة المقررة في التعاقد أو في تلك التي تقررها لجنة الفصح. ومن المسلم به أن مجرد التسليم وحده لا يبرئ ذمة المتعهد، وإنما يتعين للإبراء قبول الإدارية لها قبولاً صريحاً؛ ومن ثم فإذا رفضت الإدارة الاستلام اعتبر المتعهد كأنه لم يسلم شيئاً..."، وأنه "يخلص من كل ما تقدم وعلى ضوء المبادئ المشار إليها، أن الحكومة لم ترتكب خطأ يوجب مسئوليتها قبل المتعاقد معها في عقد توريد البوية السوداء للجزم وخلافه، وإنما هي التزمت جانب أحكام العقد، وطبقت بنود قائمة شروط المناقصة المحلية على أساس سليم من حسن النية في تفسير أحكام التعاقد، وقد قبلت من المتعهد جميع الأصناف والكميات التي أثبت التحليل سلامتها ومطابقتها للمواصفات... ولكنها - وهي الأمينة على حسن سير المرفق العام - رفضت قبول ما تعارض مع المواصفات من تلك المواد، وظلت تتمسك برأيها لم تحد عنه ولم ترجع فيه".
ومن حيث إن الطعن يقوم على أنه يبين من استعراض وقائع الموضوع أن ثمة أموراً أربعة تتابعت فيها، وحالت دون استلام السلاح للبضائع الموردة ودفع الثمن للمدعي وهي: 1 - توريد المتعهد للبوية المتعاقد عليها في الموعد المتفق عليه ولكن غير مطابقة للمواصفات، 2 - رفض الجهة الإدارية للبضاعة للسبب السابق في 29 من نوفمبر و6 من ديسمبر سنة 1952، 3 - عرض المدعي على الجهة الإدارية قبول البضاعة الموردة بتخفيض مناسب في ثمنها بعد أن اتضح من التحليل الكيماوي صلاحيتها للاستعمال، 4 - اتخاذ الجهة الإدارية الإجراءات في هذا الشأن. ولكن انتهى الأمر برفض البضاعة في 11 من إبريل سنة 1954، فما أثر هذه الأمور على صحة قيام المتعهد بتنفيذ التزامه؟.
عن الأمر الأول: إن التزام المتعهد بالتسليم في عقد التوريد يتضمن عمليات الغرض منها التثبت من أن التوريد كان كاملاً وأنه كان صحيحاً ومطابقاً للمواصفات، والثابت أن الذي حال دون استلام الأصناف الموردة هو ما كشفت عنه التحاليل من أن البوية الموردة، وإن كانت "ذات قوام مناسب" و"خاصية التسويد فيها متوسطة" و"تتفق مع مواصفات التركيب"، إلا أنها "تحتوي على كميات من الرمل الناعم تزيد عما هو موجود في العينة" بدرجة "لا تمنع من صلاحيتها للاستعمال". وهذا يعني أن البوية الموردة، وإن كانت غير مطابقة للمواصفات تماماً، إلا أنها صالحة للغرض الموردة من أجله، فهل يصلح ذلك سبباً يبرر توقف الإدارة عن إتمام إجراءات الاستلام؟. ثم يستطرد الطعن فيقول إن المبدأ الذي يهيمن على جميع العقود، سواء كانت من عقود القانون الخاص أو كانت من العقود الإدارية، هو أن تنفذ العقود بحسن نية على النحو الذي يتضمنه الحكم الوارد بالمادة 148 فقرة أ من القانون المدني. وتمشياً مع هذا المبدأ انتهى مجلس الدولة الفرنسي إلى قاعدة محصلها أنه طالما كان الصنف المورد صالحاً للخدمة المطلوبة فلا مبرر لرفضه لعدم مطابقته للمواصفات. ويتضح على هدى هذه القاعدة أن المتعهد سلم البضاعة تسليماً صحيحاً، وأن رفض الجهة الإدارية الاستلام مع ما قررته مصلحة الكيمياء من أن البوية "ذات قوام مناسب" وأنها "صالحة للاستعمال"، ومع ما قررته المخازن في 25 من ديسمبر سنة 1952 من حاجتها إليها مع تخفيض في ثمنها - إن رفض الجهة الإدارية الاستلام مع كل هذا قد جاء بسوء نية ومتجاوزاً فيه، فلا وزن له ولا اعتداد به في تنفيذ المتعهد لالتزامه. ولا يتعارض هذا المبدأ مع خيار الجهة الإدارية المنصوص عليه في الفقرة الرابعة من المادة الثامنة من العقد؛ إذ مناط تطبيق هذا النص أن تكون للمخالفة في المواصفات تأثير في صلاحية البضاعة الموردة للغرض المطلوبة من أجله. ولا يجدي التحدي في هذا الصدد بنص المادة 328 من لائحة المخازن والمشتريات التي خولت الجهة الإدارية وحدها بعد موافقة المالية الحق في قبول الصنف المخالف للشروط من جهة التحليل أو المواصفات ولو كان صالحاً للأغراض المطلوبة من أجلها، إذ لا تعدو هذه اللائحة أن تكون من الإجراءات الداخلية التي لا تؤثر على الالتزامات التعاقدية، والقواعد التي تحكم العقود الإدارية.
عن الأمر الثاني: أما وقد بان النسبة للأمر الأول أن الرفض كان معيباً ومتجاوزاً فيه - وهو أمر يخضع لتقدير قاضي العقد - فإن إلغاء القرار الصادر به مما يملكه القاضي.
عن الأمر الثالث: إنه ولئن كان المدعي هو الذي عرض على الجهة الإدارية قبول البضاعة الموردة مع تخفيض مناسب في ثمنها، إلا أن المصلحة لم تقبل هذا العرض؛ ومن ثم فلم يتم اتفاق بينهما في هذا الشأن. غير أن هذا التخفيض يخضع لرقابة قاضي العقد، وتقترح هيئة المفوضين الأخذ بنسب التخفيض التي قدرتها مصلحة الكيمياء.
عن الأمر الرابع: يتضح مما سبق بيانه أن المتعهد قدم البضاعة صالحة للاستلام، أي أنه قام فعلاً بتنفيذ التزامه، وتعتبر الجهة الإدارية وقد باشرت جميع الإجراءات اللازمة للاستلام، وقد استلمتها ضمنياً اعتباراً من التاريخ الذي يحدده قاضي العقد، لاحقاً بقليل - بمدة لا تتجاوز في نظر الهيئة أسبوعاً - من تاريخ إخطار المتعهد للجهة الإدارية بالاستلام في 7 من ديسمبر سنة 1952؛ ومن ثم يكون المتعهد على حق في الثمن المعين في العقد مخفضاً بالقدر الذي قدرته مصلحة الكيمياء. أما عن الفوائد المطالب بها فمن رأي هيئة المفوضين عدم استحقاق المدعي لشيء منها، إذ أن محل التزام الوزارة لم يكن مبلغاً من النقود. وإذ ذهب الحكم المطعون غير هذا المذهب، فإنه يكون قد خالف القانون.
ومن حيث إنه يبين من الأوراق أنه في 10 من مارس سنة 1952 رسا على المدعي عطاء مناقصة توريد 282855 رطل بوية سوداء للجزم و7530 بوية سوداء للتنمير طبقاً للعينة رقم 11323/ 51 واشترط على أن يكون التوريد على دفعات لا تقل الدفعة عن عشرة آلاف علبة، ويكون توريد أول دفعة بعد شهر من تاريخ التعاقد، على أن يتم التوريد بأكمله في بحر ثمانية شهور من تاريخ الإخطار. وقد قام المدعي بتوريد 84244 رطلاً من البوية ثبت من التحليل مطابقتها للعينة فقبلت وصرف إليه ثمنها. وفي 22 من إبريل سنة 1952 ورد المدعي 54 ألف رطل بوية بموجب المحضر رقم 1344، وبفحص عينة بمعرفة مصلحة الكيمياء قررت المصلحة المذكورة في 9 من يونيه سنة 1952 رفضها؛ لعدم مطابقتها للعينة رقم 11323/ 51، وقد أخطر المدعي بذلك في 29 من يونيه سنة 1952، واستلم الأصناف المرفوضة في 14 من يوليه سنة 1952 بتصريح مرور رقم 15. وقد والى المدعي بعد ذلك توريد الكميات الآتية:
45000 رطلاً في 4 من يونيه سنة 1951 بالمحضر رقم 1689 - 36000 رطلاً في 11 من يونيه سنة 1952 بالمحضر رقم 1740 - 45000 رطلاً في 13 من أغسطس سنة 1952 بالمحضر رقم 302 - 9000 رطلاً في 21 من أغسطس سنة 1952 بالمحضر رقم 341 - 45000 رطلاً في 25 من أكتوبر سنة 1952 بالمحضر رقم 728 - 21000 رطلاً في 4 من نوفمبر سنة 1952 بالمحضر رقم 729 - 8000 رطلاً في 4 من نوفمبر سنة 1952 بالمحضر رقم 793، وقد حللت عينة من الكمية الأولى في 13 من يوليه سنة 1952، ومن الكمية الثانية في 15 من يوليه سنة 1952 وكانت نتيجة التحليل كالآتي:
"رفض لعدم مطابقتها للعينة من حيث القوام". فأعيد تحليل عينة ثانية من الكمية الأولى في 4 من سبتمبر سنة 1952، وكانت النتيجة: "مقبولة لمطابقتها للعينة السابق تحليلها والمواصفات"، ثم أعيد تحليل عينة ثالثة من الكمية الأولى وعينة ثانية من الكمية الثانية وكانت نتيجة التحليل كالآتي: "العينة ذات قوام مناسب وخاصية التسويد فيها متوسطة وتتفق مع المواصفات في التركيب فيما عدا أنها تحتوي على كمية من الرمل الناعم تزيد عما هو موجود في العينة المعتمدة بدرجة لا تمنع من صلاحيتها للاستعمال". وكذلك كانت نتيجة تحليل عينات باقي الكمية الموردة. وقد رأى سلاح المهمات رفض الكميات جميعاً وأخطر المدعي في 29 من نوفمبر سنة 1952 بمشال الكميات الموردة بالمحاضر أرقام 341 و302 و1689 و1740، ولما أن علم المدعي برفض البوية التي وردها - وقبل أن يخطر بذلك رسمياً - أرسل في 24 من نوفمبر سنة 1952 تلغرافاً يقول فيه: "إن قرار مصلحة الكيمياء بخصوص البوية السوداء للجزم لصالحنا. فإذا رأيتم عكس ذلك فنرجو تحويله للجنة تحكيم فنية من مصلحتي الصناعة والكيمياء للتثبت حيث إنهما جهتا الاختصاص للمسائل الفنية..."، وفي التاريخ نفسه أرسل كتاباً يؤيد فيه ما ورد بالبرقية، ويقول إنه صنع هذه البوية خصيصاً للجيش ورفضه يضر به أبلغ الضرر، ثم أضاف إلى ذلك: "أن تقرير مصلحة الكيمياء يعترف بأنه بالرغم من وجود كمية من الرمل الناعم أزيد مما بالعينة المعتمدة بدرجة لا تمنع من صلاحيتها للاستعمال، أي أنه يرى التجاوز عن هذه الزيادة البسيطة، حيث إنها لا تؤثر على صلاحية البوية للاستعمال. لذلك ورغبة منا في حل الموضوع ودياً، نقبل خصم جزء من قيمة البضاعة... وأملنا كبير في أن تكون هناك روح للتعاون بين التاجر والسلاح... وإننا مع مزيد الأسف مضطرين لتحميل السلاح مسئولية وجود البضاعة بمخازنه عرضة للتلف أو المؤثرات الجوية أو خلافه...". وفي 7 من ديسمبر سنة 1952 أرسل المدعي كتاباً آخر إلى إدارة سلاح المهمات إلحاقاً بكتابه سالف الذكر يقول فيه: "نرجو الإحاطة بأن هذه الشكوى سارية على جميع محاضر البوية السوداء للجزم الموجودة بالسلاح، ويعتبر هذا إقراراً منا بذلك، وقبولاً منا لمبدأ تخفيض الثمن لقبول الصنف عن جميع الكميات". وفي 23 من ديسمبر سنة 1952 أرسل السلاح كتاباً إلى مصلحة الصناعة يطلب إليها بعد الاطلاع على قرارات المعمل الكيماوي "تقدير التخفيض اللازم نظير الخلاف الموضح بقرارات المعمل، علماً بأن المخازن في حاجة لهذه البوية كجواب التموين المؤرخ 15 من ديسمبر سنة 1952... وإعادة جميع الأوراق بعد تقدير التخفيض". فردت مصلحة الصناعة في 29 من مارس سنة 1953 بأنها "تقدر الخصم في جملة ثمن بوية الجزم السوداء الموردة إلى سلاح الأسلحة والمهمات كما يلي: المحضر رقم 1740 بواقع 5.7% من الثمن، المحضر رقم 302 بواقع 9.7%، المحضر رقم 341 بواقع 11.4%، المحضر رقم 762 بواقع 5.8% المحضر رقم 793 بواقع 6.7% المحضر رقم 728 بواقع 5.3%. أما عن كمية البوية التي فحصت بموجب المحضر رقم 1689 فقد جاء في خطاب مصلحة الكيمياء المؤرخ 3 من فبراير سنة 1953 إلى هذه المصلحة أن العينة المرسلة إليها، والتي تمثل البوية الموردة بموجب هذا المحضر كانت عبارة عن 4 علب تحتوي ثلاثة منها على عجينة قوامها مناسب، وأما العلبة الرابعة فقد وجدت جافة ففحصت على حدة. وترى هذه المصلحة بناء على الأرقام الواردة في خطاب مصلحة الكيمياء المشار إليها فرز العلب الجافة واستبعادها وخصم 1% من جملة الثمن". وقد حدث في يناير سنة 1953، وقبل أن يرد رد مصلحة الصناعة في شأن تقدير نسبة التخفيض في ثمن البوية، أن تقرر أن يستبدل بالبوية المتعاقد عليها مع المدعي بوية من نوع آخر بسبب تغيير زي الجنود، فقرر سلاح المهمات صرف النظر عن تخفيض ثمن البوية وحرر إلى الوزارة يسألها الرأي في إمكان فسخ التعاقد عن الكميات التي كان يعتزم النظر في أمر تخفيض ثمنها، وقد دارت مكاتبات بين إدارة السلاح والوزارة في شأن قيام المدعي بالتوريد في الميعاد المحدد، وما إذا كان قد قام بتوريد كميات بدلاً من الكميات المرفوضة؛ وقد ورد بكتاب السلاح إلى وكيل وزارة الحربية للشئون المالية والإدارية في هذا الصدد ما يأتي "... ويبين من ذلك أن المتعهد قام بالتوريد في الميعاد المحدد وبديهي أنه لم يقم بتوريد بدل المرفوض نظراً لأنه لم يستلم الرسائل المرفوضة، كما أنه طلب النظر في قبولها بتخفيض، وفعلاً قام السلاح بالاتصال بوزارة التجارة في هذا الشأن في 23 من ديسمبر سنة 1953 وورد رد مصلحة الصناعة بالموافقة على قبولها بالتخفيض. وحيث إننا سبق أن بينا بمذكرتنا المؤرخة 27 من يناير سنة 1953 أن هذا الصنف من ضمن الأصناف التي تقرر إلغاؤها وطلبنا النظر في أمر إلغاء التعاقد...". وقد عرضت الوزارة الأمر على إدارة الرأي المختصة بكتابها المؤرخ 2 من يونيه سنة 1953، وبعد أن بحثت الإدارة المذكورة الأمر من كافة نواحيه ردت في 12 من أغسطس سنة 1953 بأنها لا ترى محلاً لإلغاء التعاقد مع المتعهد بالنسبة إلى 198611 علبة، على أن يراعى تخفيض ثمنها وفقاً لما أشارت به مصلحة الصناعة. وقد طلبت الوزارة رأي السلاح في الموضوع بعد فتوى إدارة الرأي المشار إليها في 30 من أغسطس سنة 1953، فرد السلاح في 7 من سبتمبر سنة 1953 بأنه "سبق أن أوضح رأيه في الموضوع وهو عدم الحاجة إلى هذا الصنف، والأمر مفوض للوزارة في هذا الشأن". ثم طلبت الوزارة إلى إدارة السلاح عن طريق رياسة الإمدادات والتموين الاتصال بالمصالح ذات الميزانيات المنفصلة، فاتصلت الإدارة بمصلحة السجون فصرفت 10000 علبة كما طلبت مصلحة السواحل 20400 علبة، واعتذرت إدارة أسلحة ومهمات البوليس. أعادت الوزارة الكتابة إلى السلاح في 30 من ديسمبر سنة 1953 طالبة البت في الموضوع بمعرفة السلاح، وإخطار المتعهد بما يستقر عليه الرأي، وقد ردت إدارة السلاح في 5 من يناير سنة 1954 بأن "السلاح على استعداد للموافقة على قبول الكميات الموردة رغم ما بها من مخالفات، وصرف قيمتها إلى المتعهد إذا ما اشترطت الوزارة على المصالح المستهلكة لهذا الصنف ضرورة صرفه من السلاح كالحدود والسواحل والقوات المرابطة والبوليس، لا سيما وأن فتوى مجلس الدولة في هذا الصدد تعتبر استشارية، وقد استند المجلس في قراره على اتصال السلاح بمصلحة الصناعة وكانت المخازن وقتذاك في حاجة ماسة إلى هذا الصنف، وقد تغير الموقف بعد ذلك وأصبحت المخازن في غير حاجة إلى هذا الصنف..". وقد كتبت الوزارة إلى إدارة السلاح في أول فبراير سنة 1954 بأنها ترى أن إلغاء التعاقد "لا يكون في صالح الحكومة إلا إذا كان لدى السلاح المبررات والأسانيد القانونية التي تبرر موقفه بعد الرأي الذي أبداه مجلس الدولة، ولذلك يجب أن يدقق السلاح في هذا الأمر. والوزارة ترى أن يقوم السلاح فوراً بتشكيل لجنة يحضرها مندوب مجلس الدولة للبحث في هذا الموضوع ووضع تقرير نهائي بخصوصه، لكي لا تتحمل الحكومة مصاريف لا مبرر لها". وقد شكلت اللجنة المشار إليها وانتهت إلى إعادة عرض الموضوع على مجلس الدولة على ضوء ما ورد بمحضرها. وقد عرض الأمر على شعبة الأشغال العامة بمجلس الدولة فرأت بكتابها للوزارة المؤرخ 15 من مارس سنة 1954 أنها لا ترى محلاً للعدول على الرأي الذي سبق الإفتاء به. وانتهت الوزارة بعد ذلك كله إلى وجوب رفض الكميات التي لا تقبل، وأرسلت إلى إدارة سلاح الأسلحة والمهمات كتاباً في 23 من مارس سنة 1954، ومما ورد بذلك الكتاب ما يأتي "... نرى الأخذ بما أبديتموه من وجوب رفض الرسالات التي لم تقبل إلى الآن علماً بأنه وإن كان كتاب شعبة الأشغال العامة بمجلس الدولة في هذا الشأن قد أشار بأن الرفض قد يعرض الوزارة للتعويض، إلا أننا نرى من جانبنا أنه - حتى لو صح هذا - فإن ما تتعرض له الوزارة في هذه الحالة لا يوازي خسارة الصفقة بأكملها بعد أن أصبح لا نفع منها ولا سبيل إلى استهلاكها كما أننا في الوقت نفسه لا نرى أن الوزارة قد ارتكبت غير ما يبيحه لها القانون من رفض الصنف إذا خالف المواصفات، بغض النظر عن الصلاحية من عدمها لأن هذا أمر تقديري للمصلحة ذات الشأن، كما أن حق الوزارة في رفض الصنف إذا خالف المواصفات ليس منصوصاً عليه فقط في لائحة المخازن كما فهمت شعبة الرأي... ولكنه حق نص عليه في صلب العقد الذي ارتضاه المتعهد".
ومن حيث إنه بجلسة 23 من فبراير سنة 1957 رأت المحكمة تنويراً للدعوى وقبل الفصل فيها الاستعلام من مصلحة الكيمياء عما يلي:
"1 - هل كانت البوية الموردة من المدعي موضوع النزاع تصلح للأغراض المقصودة منها بالنسبة لأحذية الجيش، حتى بعد تغيير نظام هذه الأحذية في يناير سنة 1953 - 2 هل يصلح هذا الصنف من البوية للاستعمال العادي في السوق بحالته في يناير سنة 1953 ثم بحالته الآن أم لا، وهل تتأثر قيمته في السوق الحر زيادة أو نقصاً ونسبة ذلك في كل حال". وقد ردت المصلحة في 4 من مارس سنة 1957 بأن "البوية السوداء للجزم الموردة إلى سلاح الأسلحة والمهمات خلال سنة 1952 تنقسم إلى قسمين ( أ ) المجموعة المأخوذة منها العينات المرسلة إلى المعمل والصادر عنها تقارير رقم 4221/ 52 و4576/ 52 و5444/ 52 و5445/ 52 و6201/ 52 و6518/ 52 وهذه تعتبر غير صالحة للاستعمال عموماً (ب) المجموعة المأخوذة منها العينات المرسلة إلى المعمل والصادر عنها تقارير رقم 8177/ 52 و8178/ 52 و8179/ 52 و8768/ 52 و9244/ 52 و9245/ 52 و11010/ 52 و11870/ 52 و12372/ 52 و12430/ 52، وهذه تعتبر صالحة للاستعمال لأحذية الجيش قبل تغيير نظام هذه الأحذية في يناير سنة 1953، أما بعد تغيير هذا النظام فتعتبر غير صالحة للاستعمال، والمفروض أن الجلد المستعمل في أحذية الجيش قبل يناير سنة 1953 هو الجلد النفراني الخام الذي يستعمل به هذا الصنف من البوية، وان الجلد الذي استعمل بعد هذا التاريخ هو الجلد المحبب ذو السطح المصقول نوعاً والذي لا تصلح له هذه البوية. وهذا النوع من البوية، لا يستعمل إطلاقاً في السوق الملحية، ولم يكن مستعملاً بها منذ عشرات السنين، وكان استعماله مقتصراً على الجيش فقط، ومن المشكوك فيه أن يتواجد من يشتريه في السوق الحر حالياً، علاوة على أن جودته لا بد أن تكون قد تأثرت بمضي هذه المدة الطويلة، حيث قد مضى على تاريخ صنعه أربع سنوات (1953 - 1957) وعلى ذلك لا مجال للمناقشة في قيمة هذه البوية في السوق الملحية". ويبين من الأوراق أن الكميات موضوع هذا النزاع هي الصادر عنها التقارير 8768/ 52 و9244/ 52 و9245/ 52 و11010/ 52 و11870/ 52 و12372/ 52 و12430/ 52 وجميعها على ما ورد بكتاب مصلحة الكيمياء سالف الذكر صالحة للاستعمال، وهذه الكميات هي الموردة بالمحاضر أرقام 1689 و1740 و302 و341 و728 و792 و793 على ما سلف البيان.
ومن حيث إن العقود تخضع لأصل عام من أصول القانون، يقضي بأن يكون تنفيذها بطريقة تتفق مع ما يوجبه حسن النية، وهذا الأصل يطبق في العقود الإدارية شأنها في ذلك شأن العقود المدنية.
ومن حيث إنه يبين من تقارير مصلحة الكيمياء أن نتيجة تحليل عينات الكميات موضوع هذه المنازعة، كانت كما يلي: "العينة ذات قوام مناسب وخاصية التسويد فيها متوسطة وتتفق مع المواصفات في التركيب فيما عدا أنها تحتوي على كمية من الرمل الناعم تزيد عما هو موجود في العينة المعتمدة بدرجة لا تمنع من صلاحيتها للاستعمال". ومؤدى ذلك أن البضاعة الموردة تتفق مع المواصفات في التركيب، وأن كمية الرمل الزائدة لا تؤثر على صلاحيتها للاستعمال. وإذ كان الأمر كذلك فلم يكن هناك ما يحول - تطبيقاً لمبدأ تنفيذ العقود بحسن نية - دون قبول هذه الكميات الموردة، خصوصاً وقد قبل المدعي تخفيض الثمن بالنسبة التي تقررها مصلحة الكيمياء، والظاهر من الأوراق أن سلاح المهمات قد استجاب فعلاً لطلب المدعي تخفيض السعر، ولم يكن لديه مانع من قبول البوية لحاجته إليها، لولا أن قام لديه سبب جديد يدعو إلى عدم قبول هذه البوية، وهذا السبب هو عدم حاجة السلاح لهذا الصنف بالذات بسبب تغيير زي الجنود.
ومن حيث إن العقود الإدارية تتميز عن العقود المدنية بطابع خاص، مناطه احتياجات المرفق الذي يستهدف العقد تسييره، وتغليب وجه المصلحة العامة على مصلحة الأفراد الخاصة، فبينما تكون مصالح الطرفين في العقود المدنية متوازية ومتساوية، إذا بها في العقود الإدارية غير متكافئة؛ إذ يجب أن يعلو الصالح العام على المصلحة الفردية الخاصة، وهذه الفكرة هي التي تحكم الروابط الناشئة عن العقد الإداري. ويترتب على ذلك أن للإدارة سلطة الإشراف والتوجيه على تنفيذ العقود، وأن لها دائماً حق تغيير شروط العقد وإضافة شروط جديدة بما قد يتراءى لها أنه أكثر اتفاقاً مع الصالح العام دون أن يتحدى الطرف الآخر بقاعدة "أن العقد شريعة المتعاقدين"، كل ذلك بشرط ألا يصل التعديل إلى حد فسخ العقد كلية، وإلا جاز للطرف الآخر فسخه، وبشرط أن يكون له الحق في التعويضات إذا اختلت الموازنة في الشروط المالية، كما يترتب عليها كذلك أن للإدارة دائماً سلطة إنهاء العقد إذا قدرت أن هذا يقتضيه الصالح العام، وليس للطرف الآخر إلا الحق في التعويضات إن كان لها وجه، وهذا على خلاف الأصل في العقود المدنية التي لا يجوز أن يستقل أحد الطرفين بفسخها أو إنهائها دون إرادة الطرف الآخر.
ومن حيث إنه ترتيباً على هذه القواعد القانونية المستقرة كان يمكن للإدارة أن تتحلل من تعاقدها وتعمل سلطتها العامة في إنهاء العقد، بعد إذ أصبحت البوية غير صالحة للغرض المتعاقد من أجله عليها بسبب تغيير صنف الجلد المستعمل لأحذية الجنود، وذلك دون حاجة إلى التمحل بعدم مطابقة هذه البوية للعينة، إذ أن البوية على ما ورد بنتيجة تحليل عيناتها صالحة للاستعمال في الغرض المعدة له، بل لقد أكدت ذلك مصلحة الكيمياء في ردها أخيراً على استعلام المحكمة، حيث قررت أن هذه البوية "تعتبر صالحة للاستعمال لأحذية الجيش قبل تغيير نظام هذه الأحذية في يناير سنة 1953".
ومن حيث إنه لم يبق بعد ذلك سوى البحث فيما إذا كان قد اختل التوازن المالي للعقد؛ نتيجة لرفض البوية التي وردها المدعي، أو بعبارة أخرى هل أصاب المدعي ضرر بسبب هذا الرفض.
ومن حيث إن مصلحة الكيمياء قد قررت في كتابها إلى المحكمة السالف ذكره أن "هذا النوع من البوية لا يستعمل إطلاقاً في السوق المحلية، ولم يكن مستعملاً بها منذ عشرات السنين وكان استعماله مقصوراً على الجيش فقط، ومن المشكوك فيه أن يتواجد من يشتريه في السوق الحر حالياً علاوة على أن جودته لا بد أن تكون قد تأثرت بمضي هذه المدة الطويلة حيث قد مضى على تاريخ صنعه أربع سنوات (1953 - 1957)، وعلى ذلك فلا مجال للمناقشة في قيمة هذه البوية في السوق الملحية". ومفاد ذلك أن هذا الصنف من البوية إنما صنع خصيصاً لأحذية الجنود قبل أن يتغير نظام هذه الأحذية في يناير سنة 1953، وأنه لا سبيل للانتفاع به بعرضه للبيع في الأسواق الملحية؛ ومن ثم فقد اختل التوازن المالي للعقد وحق المدعي أن يعوض عن رفض البوية. والتعويض بوجه عام مقياسه الضرر المباشر، وهو يشتمل على عنصرين جوهريين: هما الخسارة التي لحقت المضرور، والكسب الذي فاته. وتقدير التعويض - في خصوصية هذا النزاع، وبمراعاة العنصرين سالفي الذكر - يتمثل في ثمن البوية المرفوضة طبقاً لعقد التوريد مخفضاً وفقاً للنسب التي قدرتها مصلحة الكيمياء في كتابها المؤرخ 29 من مارس سنة 1953 السابق الإشارة إليه، وعلى أساس أن الحكومة لا تلزم إلا بالتعويض عن باقي الكمية التي كان متفقاً على توريدها بعد استنزال ما سبق توريده، وهذا الباقي هو 198611 علبة، فيكون ثمنها - بمراعاة نسبة التخفيض المشار إليها - مبلغ 595 م و6832 ج وهو ما يتعين القضاء به مع المصروفات المناسبة، والفوائد بواقع 4% من تاريخ المطالبة الرسمية حتى تمام الوفاء.
ومن حيث إنه لما تقدم يكون الحكم المطعون فيه قد وقع مخالفاً للقانون، ويتعين إلغاؤه، ويكون الطعن قد قام على أساس سليم من القانون.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه في شقيه الثاني والثالث، وبإلزام الحكومة بأن تدفع للمدعي مبلغ 595 م و6832 ج. ستة آلاف وثمانمائة واثنين وثلاثين جنيهاً وخمسماية خمسة وتسعين مليماً، وفوائده بواقع 4% سنوياً من تاريخ المطالبة الحاصلة في 17 من إبريل سنة 1954 لغاية الوفاء، مع المصروفات المناسبة، ومبلغ ألف قرش مقابل أتعاب المحاماة، ورفضت ما عدا ذلك.

الطعن 1654 لسنة 2 ق جلسة 13 / 4 / 1957 إدارية عليا مكتب فني 2 ج 2 ق 96 ص 924

جلسة 13 من إبريل سنة 1957

برياسة السيد/ السيد علي السيد رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة السيد إبراهيم الديواني والإمام الإمام الخريبي وعلي إبراهيم بغدادي ومصطفى كامل إسماعيل المستشارين.

-----------------

(96)

القضية رقم 1654 لسنة 2 القضائية

(أ) تقادم - انقطاع مدته 

- طلب المساعدة القضائية لا يقطع مدة التقادم في مجال القانون الخاص.
(ب) تقادم 

- في مجال القانون العام يقوم الطلب أو التظلم الموجه من الموظف إلى الإدارة مقام المطالبة القضائية في قطع مدة التقادم - طلب المساعدة القضائية يقطع مدة التقادم في هذا المقام - حجة ذلك.
(جـ) تقادم 

- انقطاع مدته بطلب المساعدة القضائية - عدم سريان التقادم أو الميعاد حتى تاريخ صدور القرار في طلب المساعدة القضائية، سواء بالقبول أو الرفض، ثم حساب الميعاد من هذا التاريخ.
(د) موظف 

- تعيينه تحت الاختبار - المادة 19 من قانون نظام موظفي الدولة - مصير التعيين رهين بتحقق شرط اللياقة للنهوض بأعباء الوظيفة العامة - فصله إذا تخلف الشرط خلال فترة الاختبار - المرجع في تقدير الصلاحية هو إلى الوقت الذي يتم فيه وزنها والحكم عليها.

-------------------
1 - الرأي الغالب في مجال القانون الخاص أن الطلب الذي يقدم إلى لجنة المساعدة القضائية للإعفاء من رسوم الدعوى ولتعيين محام لا يرقى إلى مرتبة الإجراء القاطع للتقادم.
2 - لئن كان مفاد النصوص المدنية أن المطالبة التي تقطع التقادم هي المطالبة القضائية دون غيرها، إلا أن مقتضيات النظام الإداري قد مالت بالقضاء الإداري إلى تقرير قاعدة أكثر تيسيراً في علاقة الحكومة بموظفيها بمراعاة طبيعة هذه العلاقة والتدرج الرياسي الذي تقوم عليه، وأن المفروض في السلطة الرياسية إنصاف الموظف بتطبيق القانون في أمره تطبيقاً صحيحاً حتى ينصرف إلى عمله هادئ البال دون الالتجاء إلى القضاء؛ فقرروا أنه يقوم مقام المطالبة القضائية في قطع التقادم الطلب أو التظلم الذي يوجهه الموظف إلى السلطة المختصة متمسكاً فيه بحقه طالباً أداءه، وليس من شك في أن هذا يصدق من باب أولى على طلب المساعدة القضائية للدعوى التي يزمع صاحب الشأن رفعها على الإدارة؛ إذ هو أقوى في معنى الاستمساك بالحق والمطالبة بأدائه وأمعن في طلب الانتصاف من مجرد الطلب أو التظلم الذي يقدمه الموظف إلى الجهة الإدارية، بل هو في الحق يجمع بين طبيعة التظلم الإداري من حيث الإفصاح بالشكوى من التصرف الإداري وبين طبيعة التظلم القضائي من حيث الاتجاه إلى القضاء طلباً للانتصاف؛ إذ لم يمنعه عن إقامة الدعوى رأساً سوى عجزه عن أداء الرسوم التي يطلب إعفاءه منها وسوى عجزه عن توكيل محام، فلا أقل، والحالة هذه، من أن يترتب على طلب المساعدة القضائية نفس الأثر المترتب على مجرد الطلب أو التظلم الإداري من حيث قطع التقادم أو قطع ميعاد رفع دعوى الإلغاء، خصوصاً وأن طلب المساعدة القضائية يبلغ للإدارة، وبهذا التبليغ يتصل علمها بتظلم صاحب الشأن فتستطيع أن تنصفه إن رأت أنه على حق، وذلك بغير حاجة إلى الاستمرار في الإجراءات القضائية، فتنتهي المنازعة في مراحلها الأولى، ويتحقق بذلك نفس الغرض المقصود من التظلم الإداري، أما إذا لم تر ذلك وقبل الطلب، فإن الأمر ينتهي في المآل إلى إقامة الدعوى.
3 - إن الأمر المترتب على طلب المساعدة القضائية (من حيث قطع التقادم أو ميعاد دعوى الإلغاء) يظل قائماً ويقف سريان التقادم أو الميعاد لحين صدور القرار في الطلب سواء بالقبول أو الرفض؛ إذ أن نظر الطلب قد يستغرق زمناً يطول أو يقصر بحسب الظروف وحسبما تراه الجهة القضائية التي تنظر الطلب تحضيراً له حتى يصبح مهيأ للفصل فيه، شأنه في ذلك شأن أية إجراءات اتخذت أمام أية جهة قضائية وكان من شأنها أن تقطع التقادم أو سريان الميعاد؛ إذ يقف هذا السريان طالما كان الأمر بيد الجهة القضائية المختصة بنظره، ولكن إذا ما صدر القرار، وجب رفع الدعوى خلال الميعاد القانوني محسوباً من تاريخ صدوره، فإن كانت دعوى إلغاء تعين أن يكون خلال الستين يوماً التالية.
4 - نصت الفقرة الثالثة من المادة 19 من قانون نظام موظفي الدولة على أن يكون التعيين في الوظائف التي أشارت إليها "تحت الاختبار لمدة سنة على الأقل وسنتين على الأكثر، فإن لم يتم الموظف مدة الاختبار على ما يرام فصل من وظيفته". واللياقة للنهوض بأعباء الوظيفة العامة هي شرط الصلاحية للبقاء فيها، وهو شرط مقرر للمصلحة العامة ويجري إعماله طوال فترة الاختبار؛ ومن ثم فإن مصير تعيين الموظف يكون رهيناً بتحقق هذا الشرط، فإذا اتضح عدم لياقته قبل انقضاء هذه الفترة ساغ فصله. ولا يعد الفصل في هذه الحالة من قبيل الفصل التأديبي لانتفاء هذه الصفة عنه، ولا من قبيل أسباب انتهاء خدمة الموظف أو المستخدم لخروجه من عداد هذه الأسباب، بل يقع نتيجة لتخلف شرط من الشروط المعلق عليها مصير التعيين. وإذ كانت صلاحية الموظف تتخصص بالزمان وبنوع العمل المسند إليه، فإن المرجع في تقديرها هو إلى الوقت الذي يتم فيه وزنها والحكم عليها، دون اعتداد بما قد يكون من أمرها في الماضي؛ لأن الصلاحية ليست صفة لازمة، بل قد تزايل صاحبها، وقد تختلف باختلاف نوع العمل المنظور إلى الصلاحية فيه؛ ومن ثم فلا عبرة بما قدمه المدعي للتدليل على صلاحيته لعمله في الماضي ما دامت التقارير عن عمله الذي عين فيه أخيراً تحت الاختبار قد أثبتت عدم لياقته لهذا العمل.


إجراءات الطعن

في 5 من يوليه سنة 1956 أودع السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة سكرتيرية المحكمة عريضة طعن أمام هذه المحكمة قيد بجدولها تحت رقم 1654 لسنة 2 القضائية في الحكم الصادر من المحكمة الإدارية لشئون القصر الجمهوري ورياسة مجلس الوزراء ووزارات الداخلية والخارجية والعدل بجلسة 6 من مايو سنة 1956 في الدعوى رقم 664 لسنة 2 القضائية المقامة من محمد تاج أحمد هندي ضد الجامع الأزهر، القاضي: "بعدم قبول الدعوى وألزمت المدعي المصروفات". وطلب السيد رئيس هيئة المفوضين للأسباب التي استند إليها في صحيفة طعنه "قبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع القضاء بإلغاء الحكم المطعون فيه وإعادة القضية إلى المحكمة الإدارية للفصل فيها من جديد". وقد أعلن هذا الطعن إلى الجامع الأزهر في 4 من أغسطس سنة 1956 وإلى المطعون لصالحه في 6 منه، وعين لنظره أمام هذه المحكمة جلسة 12 من يناير سنة 1957. وقد أودع المطعون لصالحه مذكرة بملاحظاته طلب فيها "الحكم بإلغاء الحكم المطعون فيه، وذلك مع إلزام الجامع الأزهر المصروفات". ولم يقدم الجامع الأزهر مذكرة ما. وفي 25 من نوفمبر سنة 1956 أبلغ الطرفان بميعاد الجلسة التي عينت لنظر الطعن، وفيها سمعت المحكمة ما رأت سماعه من إيضاحات ذوي الشأن على الوجه المبين بمحضر الجلسة، ثم قررت إرجاء النطق بالحكم إلى جلسة 9 من فبراير سنة 1957، وبهذه الجلسة قررت إعادة القضية للمرافعة لجلسة 16 من مارس سنة 1957، ثم أرجأت النطق بالحكم إلى جلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
( أ ) عن قبول الدعوى:
من حيث إن الحكم المطعون فيه - الصادر من المحكمة الإدارية لشئون القصر الجمهوري ورياسة مجلس الوزراء ووزارات الداخلية والخارجية والعدل بجلسة 6 من مايو سنة 1956 في الدعوى رقم 664 لسنة 2 القضائية المقامة من محمد تاج أحمد هندي ضد الجامع الأزهر بعريضة مودعة سكرتيرية المحكمة في 13 من أغسطس سنة 1955 بطلب الحكم بإلغاء القرار الصادر من فضيلة شيخ الجامع الأزهر في 15 من فبراير سنة 1955 بفصل المدعي من الخدمة مع إلزام فضيلته بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة، والقاضي بعدم قبول الدعوى وبإلزام المدعي بالمصروفات - قد أقام قضاءه على أن المدعي تظلم من قرار فصله إلى فضيلة شيخ الأزهر في 19 من فبراير سنة 1955، فلما لم يسفر تظلمه عن نتيجة تقدم في 28 من مارس سنة 1955 بطلب إلى لجنة المساعدة القضائية لإعفائه من رسوم دعوى يقيمها ضد الجامع الأزهر، وقد قيد هذا الطلب تحت رقم 909 لسنة 2 القضائية ثم قدم تظلماً ثانياً إلى شيخ الجامع الأزهر في 29 من إبريل سنة 1955، وبجلسة 21 من يوليه سنة 1955 أصدرت لجنة المساعدة القضائية قرارها بقبول الطلب. وقد أقام دعواه بمقتضى هذا القرار بصحيفة أودعها سكرتيرية المحكمة في 13 من أغسطس سنة 1955 طلب فيها الحكم بإلغاء القرار الصادر بفصله. ولما كان طلب المعافاة من الرسوم القضائية ليس له من أثر في قطع مدة سقوط دعوى الإلغاء، فإنه يتعين عدم الاعتداد بالطلب المقدم من المدعي كسبب من أسباب قطع مدة سقوط هذه الدعوى؛ ذلك أن ميعاد الستين يوماً المقررة لرفع دعوى الإلغاء إنما قصد به استقرار المراكز القانونية بسرعة الفصل في الطعون التي توجه إلى القرار الإداري المنشئ لهذه المراكز. ولما لم يكن ثمة قيد زمني للفصل في طلب المعافاة، وقد تطول إجراءاته فتظل المراكز القانونية معلقة؛ فإن في ترتيب الأثر القاطع لمدة سقوط دعوى الإلغاء على طلب المعافاة تفويتاً للقصد الذي حدا بالمشرع إلى تحديد ميعاد الستين يوماً لرفع الدعوى المذكورة. والثابت أن القرار المطعون فيه صدر في 15 من فبراير سنة 1955 وأن المدعي علم به على الأقل في تاريخ تقديم تظلمه الأول في 19 من فبراير سنة 1955. وقد ردت الجهة الإدارية برفض هذا التظلم في مذكرتها التي علم بها المدعي في جلسة 16 من مايو سنة 1955 التي كانت محددة لنظر طلب المعافاة، وهو التاريخ الذي ينتهي فيه انقطاع مدة سقوط الحق في رفع الدعوى، بحيث كان يتعين عليه رفعها خلال الستين يوماً التالية، أي في أجل غايته 16 من يوليه سنة 1955، ولما كان لم يرفع دعواه إلا في 13 من أغسطس سنة 1955، فإنها تكون غير مقبولة لرفعها بعد الميعاد القانوني.
ومن حيث إنه في 5 من يوليه سنة 1956 أودع السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة عريضة طعن في هذا الحكم طلب فيها "قبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع القضاء بإلغاء الحكم المطعون فيه وإعادة القضية إلى المحكمة الإدارية للفصل فيها من جديد". واستند في أسباب طعنه إلى أن العيب الذي أصاب الحكم المطعون فيه هو التزامه النصوص المدنية، مع أنه ليس ثمة ما يوجب تطبيق هذه النصوص على المنازعة الإدارية التي تختلف في طبيعتها عن المنازعة الخاصة التي وضع القانون المدني في الأصل ليحكمها. ولما كانت القواعد الإدارية قد سكتت عن بيان أثر طلب المعافاة على المواعيد المقررة بها؛ فلا مندوحة للقضاء الإداري بحكم طبيعة وظيفته من استكمال هذه الأحكام بما يحقق الغرض الذي استهدفه المشرع من تقرير هذه الوسيلة كإجراء يقوم مقام الرسوم في رفع الدعوى؛ وإذ ذهب الحكم المطعون فيه غير هذا المذهب فإنه يكون قد خالف القانون، وتكون قد قامت به إحدى حالات الطعن في الأحكام أمام المحكمة الإدارية العليا.
ومن حيث إن المطعون لصالحه أودع سكرتيرية المحكمة مذكرة بملاحظاته نعى فيها على الحكم المطعون فيه أخذه بأحكام القانون المدني في تحديد الآثار القانونية المترتبة على طلب المعافاة أمام جهات القضاء الإداري. وأضاف أنه إذا كان التظلم الإداري معتبراً سبباً من أسباب قطع التقادم، فليس يقبل ألا يكون كذلك التظلم إلى جهة القضاء الإداري. وإذا كان القانون رقم 165 لسنة 1955 قد أوجب التظلم في صدد قرارات معينة فليس من شأن هذا إهدار أثر طلب المعافاة، ولا سيما أن التظلم الوجوبي مقصور على نسبة محدودة من القرارات الإدارية هي تلك الصادرة في شأن الموظفين العموميين. ولما كان طلب المعافاة أقرب إلى الإجراءات القضائية منه إلى التظلم الإداري، وكان من حق الإدارة أن تسحب قراراتها في الميعاد المقرر للطعن بالإلغاء، ولا يزال للتظلم مكانه؛ فإنه يكون مجافياً للتفسير السليم ألا تترتب على طلب المعافاة آثار قانونية. على أن إشارة القانون رقم 165 لسنة 1955 إلى نظام الإعفاء وتحديد جهة الاختصاص فيه لا يمكن أن يكون القصد منه سوى أن يعتبر الفقر قوة قاهرة قاطعة للتقادم أو مانعة من السقوط. والقول بغير ذلك معناه أن المشرع أراد إيهام المعوزين، فدفعهم إلى أن يسلكوا هذا السبيل ثم رتب على مسلكهم سقوط حقوقهم. وخلص من هذا إلى طلب "الحكم بإلغاء الحكم المطعون فيه، وذلك مع إلزام الجامع الأزهر المصروفات".
ومن حيث إنه ولئن كانت المادة 383 من القانون المدني تنص على أنه "ينقطع التقادم بالمطالبة القضائية ولو رفعت الدعوى إلى محكمة غير مختصة، وبالتنبيه وبالحجز وبالطلب الذي يتقدم به الدائن لقبول حقه في تفليس أو في توزيع وبأي عمل يقوم به الدائن للتمسك بحقه أثناء السير في إحدى الدعاوى"، وكان الرأي الغالب في مجال القانون الخاص أن الطلب الذي يقدم إلى لجنة المساعدة القضائية للإعفاء من رسوم الدعوى ولتعيين محام لا يرقى إلى مرتبة الإجراء القاطع للتقادم - إلا أنه يجب التنبيه إلى ما سبق أن قررته هذه المحكمة من أن روابط القانون العام تختلف في طبيعتها عن روابط القانون الخاص، وأن قواعد القانون المدني قد وضعت لتحكم روابط القانون الخاص، ولا تطبق وجوباً على روابط القانون العام إلا إذا وجد نص يقضي بذلك، فإن لم يوجد فلا يلتزم القضاء الإداري بتطبيق القواعد المدنية حتماً وكما هي، وإنما تكون له حريته واستقلاله في ابتداع الحلول المناسبة للروابط القانونية التي تنشأ في مجال القانون العام بما يتلاءم مع طبيعتها، وبما يكون أوفق لحسن سير المرافق العامة. وعلى هدى ذلك سبق أن قررت هذه المحكمة أنه ولئن كان مفاد النصوص المدنية أن المطالبة التي تقطع التقادم هي المطالبة القضائية دون غيرها، إلا أن مقتضيات النظام الإداري قد مالت بالقضاء الإداري إلى تقرير قاعدة أكثر تيسيراً في علاقة الحكومة بموظفيها بمراعاة طبيعة هذه العلاقة والتدرج الرياسي الذي تقوم عليه، وأن المفروض في السلطة الرياسية إنصاف الموظف بتطبيق القانون في أمره تطبيقاً صحيحاً حتى ينصرف إلى عمله هادئ البال دون الالتجاء إلى القضاء؛ فقرروا أنه يقوم مقام المطالبة القضائية في قطع التقادم الطلب أو التظلم الذي يوجهه الموظف إلى السلطة المختصة متمسكاً فيه بحقه طالباً أداءه. وليس من شك في أن هذا يصدق من باب أولى على طلب المساعدة القضائية للدعوى التي يزمع صاحب الشأن رفعها على الإدارة؛ إذ هو أقوى في معنى الاستمساك بالحق والمطالبة بأدائه، وأمعن في طلب الانتصاف من مجرد الطلب أو التظلم الذي يقدمه الموظف إلى الجهة الإدارية، بل هو في الحق يجمع بين طبيعة التظلم الإداري من حيث الإفصاح بالشكوى من التصرف الإداري، وبين طبيعة التظلم القضائي من حيث الاتجاه إلى القضاء طلباً للانتصاف؛ إذ لم يمنعه عن إقامة الدعوى رأساً سوى عجزه عن أداء الرسوم التي يطلب إعفاءه منها وسوى عجزه عن توكيل محام، فلا أقل - والحالة هذه - من أن يترتب على طلب المساعدة القضائية نفس الأثر المترتب على مجرد الطلب أو التظلم الإداري من حيث قطع التقادم أو قطع ميعاد رفع دعوى الإلغاء، هذا ومما تجدر الإشارة إليه أن طلب المساعدة القضائية يبلغ للإدارة، وبهذا التبليغ يتصل علمها بتظلم صاحب الشأن فتستطيع أن تنصفه إن رأت أنه على حق وذلك بغير حاجة إلى الاستمرار في الإجراءات القضائية، فتنتهي المنازعة في مراحلها الأولى، ويتحقق بذلك نفس الغرض المقصود من التظلم الإداري، أما إذا لم تر ذلك وقبل الطلب، فإن الأمر ينتهي في المآل إلى إقامة الدعوى. وغني عن البيان أن الأثر المترتب على طلب المساعدة القضائية، من حيث قطع التقادم أو ميعاد دعوى الإلغاء. يظل قائماً، ويقف سريان التقادم أو الميعاد لحين صدور القرار في الطلب سواء بالقبول أو الرفض؛ إذ أن نظر الطلب قد يستغرق زمناً يطول أو يقصر بحسب الظروف وحسبما تراه الجهة القضائية التي تنظر الطلب. تحضيراً له حتى يصبح مهيأ للفصل فيه، شأنه في ذلك شأن أية إجراءات اتخذت أمام أية جهة قضائية وكان من شأنها أن تقطع التقادم أو سريان الميعاد؛ إذ يقف هذا السريان طالما كان الأمر بيد الجهة القضائية المختصة بنظره. ولكن إذا ما صدر القرار وجب رفع الدعوى خلال الميعاد القانوني محسوباً من تاريخ صدوره، فإن كانت دعوى إلغاء، تعين أن يكون خلال الستين يوماً التالية.
ومن حيث إنه يبين من الأوراق أن القرار المطعون فيه صدر في 15 من فبراير سنة 1955، فتظلم منه المدعي لفضيلة شيخ الجامع الأزهر في 19 من فبراير سنة 1955 وفي 29 من إبريل سنة 1955، ثم قدم طلب المساعدة القضائية إلى محكمة القضاء الإداري في 28 من مارس سنة 1955، أي قبل العمل بأحكام القانون رقم 165 لسنة 1955 في شأن تنظيم مجلس الدولة، الذي جعل التظلم من مثل هذا القرار وانتظار الميعاد المقرر للفصل فيه وجوبياً. وقد أحيل طلب المدعي إلى المحكمة الإدارية المختصة فصدر قرار لجنة المساعدة القضائية في 21 من يوليه سنة 1955، ثم رفع دعواه أمام المحكمة المذكورة بإيداع صحيفتها في 13 من أغسطس سنة 1955، أي خلال الستين يوماً؛ ومن ثم تكون دعواه مقبولة لرفعها في الميعاد القانوني، ويكون الحكم المطعون فيه قد أخطأ في تأويل القانون وتطبيقه متعيناً إلغاؤه.
(ب) عن الموضوع:
ومن حيث إن الدعوى صالحة للفصل فيها.
ومن حيث إن المدعي أقام هذه المنازعة قائلاً إنه التحق في أول مارس سنة 1952 بمعهد بني سويف الديني الأهلي مدرساً للعلوم الرياضية، وعندما ضم هذا المعهد إلى الجامع الأزهر في سنة 1954 استغنى عن خدماته بحجة أنه لم يعين من قبل الأزهر على الرغم من أن المعهد المذكور كان تحت الإشراف الفني لهذا الأخير. فلما تشكي لديوان الموظفين رأى الديوان وجوب معاملته بأحكام القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة؛ وبناء على هذا أعاد الأزهر تعيينه في معهد ملوى الديني اعتباراً من 10 من يناير سنة 1955، بيد أنه عاد فقرر إخلاء طرفه في 15 من فبراير سنة 1955 استناداً إلى تقرير وضعه عنه السيد مراقب العلوم المساعد في 12 من يناير سنة 1955 أي بعد تعيينه بيوم واحد. وقد وقع هذا القرار مخالفاً للقانون؛ لأن مجرد وضع موظف على اعتماد لا يجعله قابلاً للفصل في أية لحظة؛ ذلك أن المصرف المالي الذي يرصد لمرتب الوظيفة لا يمكن أن يؤثر في المركز القانوني للموظف، فالموظف المعين على اعتماد يتمتع بكافة الضمانات المكفولة في قانون التوظف. ولم يذهب الأزهر إلى أن سبب الفصل هو نفاد الاعتماد المالي، بل استند في تبرير هذا الفصل إلى تقرير يبخس كفاية المدعي وخلقه، وهو أمر يخضع التحقق منه لرقابة المحكمة، وقد وضع هذا التقرير ولم يمض على تعيين المذكور في معهد ملوى سوى يوم واحد، وانصب على مسائل خلقية ونفسية مع أن التقارير السابقة تشهد بصلاحيته وامتيازه. وأضاف المدعي في مذكرتين له بعد ذلك أنه يعتبر على أسوأ الظروف مستخدماً خارجاً عن الهيئة، وأن وضعه على اعتماد لا يمكن أن ينفي عنه هذه الصفة؛ ومن ثم فإن فصله يجب أن يستند إلى الأحكام الواردة في الباب الثاني من قانون التوظف، أي إما أن يكون فصلاً تأديبياً لجريمة تأديبية ارتكبها أو فصلاً بسبب إلغاء الوظيفة أي انتهاء الاعتماد، ولم يقم به أي من هذين السببين. هذا إلى أن سلطة الإدارة في فصل الموظفين المؤقتين مقيدة بناء على قرار مجلس الوزراء الصادر في 31 من ديسمبر سنة 1953 بألا يكون هذا الفصل إلا في حالة سوء السلوك الشديد، وقد عجز الأزهر عن تقديم الدليل على ذلك. وإنما السبب الحقيقي في الفصل هو رغبة شيخ معهد ملوى في تعيين شخص آخر محله تعسفاً منه في استعمال سلطته. وخلص المدعي من هذا إلى طلب الحكم بإلغاء القرار الصادر في 15 من فبراير سنة 1955 بفصله من الخدمة، مع إلزام الجامع الأزهر بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة.
ومن حيث إن الجامع الأزهر رد على هذه الدعوى بأن المدعي تقدم في 27 من نوفمبر سنة 1954 بطلب استخدام التمس فيه تعيينه مدرساً في المعاهد الحرة بوصفه حاصلاً على دبلوم المدارس الصناعية الثانوية (صناعة سبك المعادن) في سنة 1952. وبناء على اقتراح السيد مراقب العلوم بالأزهر مكن المذكور في 5 من يناير سنة 1955 من العمل مدرساً للرياضة بمعهد ملوى، ووافق فضيلة شيخ الجامع الأزهر على تعيينه مدرساً للرياضة بالمعهد المشار إليه بمكافأة قدرها 500 م و7 ج شهرياً على بند إعانة المعاهد الحرة من تاريخ مباشرته العمل. ثم صدر قرار فضيلته رقم 26 في 9 من يناير سنة 1955 بتعيينه. وقد قدم السيد مراقب العلوم المساعد في 12 من فبراير سنة 1955 تقريراً عن حالته أوضح به أن من عادته التواني عن حضور دروسه وأن غالباً لا يدخل فصله إلا إذا نبه أن لديه درساً على الرغم من وجود جدول معه وأنه ضعيف النفس إلى حد بعيد، واقترح السيد المراقب فصله حرصاً على صالح التعليم وسمعة مدرسي الأزهر. وبناء على هذا التقرير وافق فضيلة شيخ الأزهر في 14 من فبراير سنة 1955 على فصله وأصدر قراراً رقم 124 في 15 من فبراير سنة 1955 بفصله من الخدمة اعتباراً من ذلك التاريخ. ولما كان المذكور معيناً بمكافأة شهرية على بند إعانة المعاهد الحرة؛ فإنه لا يخضع لأحكام القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة في نظام التعيين أو التأديب أو الفصل؛ ذلك أنه إنما عين تعييناً مؤقتاً بمكافأة تتوقف على مقدار الاعتماد المدرج بالميزانية، ولهذا يمكن الاستغناء عنه إذا ما ثبت عدم صلاحيته.
ومن حيث إنه يبين من الأوراق أنه بعد أن تسلم المدعي عمله في 11 من يناير سنة 1955 بمعهد ملوى عقب تعيينه مدرساً للرياضة بالمعهد المذكور كتب مراقب العلوم المساعد في 12 من فبراير سنة 1955 تقريراً عنه ذكر فيه أنه زار المعهد في 8 من فبراير سنة 1955 وبناء على رغبة مشيخة الأزهر في تعرف حالته استفسر عنه من فضيلة شيخ المعهد فأجابه من جهة التدريس أن "من عادته التواني عن حضور دروسه وغالباً لا يدخل فصله إلا إذا نبه أن لديه درساً على الرغم من وجود جدول معه، وهو معني بشكليات لا تفيد طلبته في قليل أو كثير، وعنايته بها مضيعة لوقت الطلبة ولاستفادتهم من دروسهم. وضرب لذلك مثلاً هو تحتيمه على كل طالب إحضار "كشكول" كبير يخططه الطالب خطوطاً معينة بألوان معينة، وفي انتظار إحضار الطالب للكشكول وللأقلام الملونة وللمداد ذي اللون الخاص يشير سيادته على الطلبة في عمل تمريناتهم وحلول مسائلهم في أوراق أو كراسات إضافية. وعلى الرغم من أن غالبية الطلبة لم تحضر ما طلبه الأستاذ لأنها أشياء تكلفهم ما ليس في طاقتهم؛ فإن حضرته لم يضع حداً أو نهاية لهذا الموضوع وما زال ينتظر وما زالت الطلبة تسوف ولن تستجيب، ولا يعلم مدى هذا الانتظار إلا الله". كما أوضح من جهة الحالة الاجتماعية أن "الأستاذ ضعيف النفس إلى حد بعيد، يتعب فضيلة شيخ المعهد وزملاءه بسوء تصرفه وعدم إدراكه لمبادئ الذوق. ويتظاهر دائماً بالفقر والحاجة، وتحت هذا المظهر يسيء إلى زملائه ويثقل عليهم". وأضاف المراقب في تقريره قوله "ولقد استفسرت من حضرات مدرسي المعهد جميعاً فوافقوا فضيلة الشيخ على شهادته في الأستاذ، ثم لما ناقشته في الموضوع أيقنت أن جميع حضراتهم على صواب، ورأيي أن الأستاذ المذكور لن يفلح فيه توجيه. فاعتقادي أنه مصاب بضعف تفكير". وقد عقب السيد مراقب العلوم بالأزهر على هذا التقرير في 14 من فبراير سنة 1955، وهو الذي سبق أن اقترح في 5 من يناير سنة 1955 تمكين المدعي من العمل، بعبارة "حرصاً على صالح التعليم وسمعة مدرسي الأزهر أقترح فصل الأستاذ المذكور". فوافق على ذلك فضيلة شيخ الجامع الأزهر في التاريخ ذاته، ثم أصدر قراره رقم 124 بفصل المدعي اعتباراً من يوم 15 من فبراير سنة 1955 "لصالح العمل".
ومن حيث إن القرار رقم 26 الصادر من فضيلة شيخ الجامع الأزهر في 9 من يناير سنة 1955 قضى بتعيين المدعي، وهو حاصل على دبلوم المدارس الصناعية الثانوية في سنة 1952، مدرساً للرياضة بمعهد ملوى بمكافأة قدرها 7.5 ج شهرياً على بند إعانة المعاهد الحرة باب 2 مصروفات عامة من تاريخ مباشرته العمل. وقد تم تعيين المذكور بالمكافأة الشهرية على اعتمادات هذا البند بصفة مؤقتة على غير درجة وبغير عقد وذلك تحت الاختبار؛ ومن ثم فإنه يخضع في فترة الاختبار هذه لحكم المادتين السادسة والثامنة من المرسوم الصادر في 8 من إبريل سنة 1931 بشأن لائحة استخدام المدرسين والموظفين وإجازاتهم وتأديبهم بالجامع الأزهر والمعاهد الدينية العلمية الإسلامية. وتنص المادة السادسة على أن لشيخ الجامع الأزهر سلطة تعيين المدرس أو الموظف المنتخب بعد موافقة مجلس الأزهر الأعلى في الدرجة وبالمرتب اللذين يقررهما المجلس المذكور لمدة سنة تحت الاختبار من تاريخ مباشرة العمل، ويجوز مد مدة الاختبار سنة أخرى عند الاقتضاء بموافقة المجلس الأعلى. كما تنص على أنه: "ويجوز فصل المدرس أو الموظف قبل انقضاء مدة الاختبار إذا ظهر عدم لياقته للوظيفة التي يشغلها". وتجعل لشيخ الجامع حق تثبيت المدرس أو الموظف في وظيفته بعد انقضاء مدة الاختبار وظهور قيامه بواجبه على وجه مرض، وبعد موافقة مجلس الأزهر الأعلى. أما المادة الثامنة فتجيز عند الحاجة تعيين مدرسين من غير العلماء - كالمدعي - لتدريس الحساب والجبر والهندسة والجغرافيا والتاريخ العام والتاريخ الطبيعي والرسم والكيمياء والطبيعة وتدبير الصحة والتربية الوطنية وعلم النفس بشرط أن تتوافر فيهم شروط الاستخدام في الحكومة وأن يكونوا حائزين لشهادة عليا في الفنون التي يناط بهم تدريسها، على أن يكون تعيينهم تحت الاختبار طبقاً للأوضاع المبينة في المادة السادسة المتقدم ذكرها. ولما كان لا تعارض بين هذه الأحكام في نطاق التعيين الحاصل تحت الاختبار وبين أحكام القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة الذي نصت الفقرة الثالثة من المادة 19 منه على أن يكون التعيين في الوظائف التي أشارت إليها "تحت الاختبار لمدة سنة على الأقل وسنتين على الأكثر، فإن لم يتم الموظف مدة الاختبار على ما يرام فصل من وظيفته"، وكانت اللياقة للنهوض بأعباء الوظيفة العامة هي شرط الصلاحية للبقاء فيها، وهو شرط مقرر للمصلحة العامة ويجري إعماله طوال فترة الاختبار؛ فإن مصير تعيين الموظف يكون رهيناً بتحقق هذا الشرط. فإذا اتضح عدم لياقته قبل انقضاء هذه الفترة ساغ فصله، ولا يعد الفصل في هذه الحالة من قبيل الفصل التأديبي لانتفاء هذه الصفة عنه، ولا من قبيل أسباب انتهاء خدمة الموظف أو المستخدم لخروجه من عداد هذه الأسباب، بل يقع نتيجة لتخلف شرط من الشروط المعلق عليها مصير التعيين. وإذ كانت صلاحية الموظف تتخصص بالزمان وبنوع العمل المسند إليه، فإن المرجع في تقدير هذه الصلاحية هو إلى الوقت الذي يتم فيه وزنها والحكم عليها، دون اعتداد بما قد يكون من أمرها في الماضي؛ لأن الصلاحية ليست صفة لازمة بل قد تزايل صاحبها وقد تختلف باختلاف نوع العمل المنظور إلى الصلاحية فيه. ومن ثم فلا عبرة بما قدمه المدعي من شهادات للتدليل على صلاحيته لعمله في الماضي ما دام تقرير مراقبة العلوم بالأزهر عن عمله الذي عين فيه أخيراً تحت الاختبار قد أثبت عدم لياقته لهذا العمل، وقد صدر قرار فصله بناء على هذه التقارير ممن يملك هذا الحق وهو شيخ الجامع الأزهر، وذلك لصالح العمل والتعليم وحرصاً على سمعة مدرسي الأزهر؛ ولذا فإن قرار الفصل هذا يكون قد صدر صحيحاً مطابقاً للقانون وتكون الدعوى بطلب إلغائه في غير محلها حقيقة بالرفض.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وبإلغاء الحكم المطعون فيه، وبقبول الدعوى وبرفضها موضوعاً، وألزمت المدعي بمصروفاتها.