باسم الشعب
المحكمة الدستورية العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة يوم الأحد الأول من فبراير سنة 2026م، الموافق الثالث عشر من شعبان سنة 1447ه.
برئاسة السيد المستشار/ بولس فهمي إسكندر رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين: الدكتور عادل عمر شريف والدكتور عبد العزيز محمد سالمان وطارق عبد العليم أبو العطا وخالد أحمد رأفت دسوقي وعلاء الدين أحمد السيد والدكتورة فاطمة محمد أحمد الرزاز نواب رئيس المحكمة
وحضور السيد المستشار الدكتور/ عماد طارق البشري رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد/ عبد الرحمن حمدي محمود أمين السر
أصدرت الحكم الآتي
في الدعوى المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 29 لسنة 45 قضائية "دستورية"
المقامة من
إبراهيم إيهاب إبراهيم السيد
ضد
أولًا:
1- رئيس الجمهورية
2- رئيس مجلس الوزراء
3- وزير العدل
4- رئيس مجلس النواب
ثانيًا: ورثة/ رفعت إبراهيم حمد الله عبد المجيد، وهم:
1- كمال إبراهيم حمد الله عبد المجيد
2- فاطمة إبراهيم حمد الله عبد المجيد
3- أم كلثوم إبراهيم حمد الله عبد المجيد
4- روايح إبراهيم حمد الله عبد المجيد
ثالثًا: الهيئة القومية للبريد
رابعًا: البنك الأهلي المصري
-------------------
" الإجراءات "
بتاريخ السابع والعشرين من مايو سنة 2023، أودع المدعي صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا، طالبًا الحكم بعدم دستورية نص المادة (18) من القانون رقم 16 لسنة 1970 بنظام البريد.
وقدمت الهيئة القومية للبريد مذكرة، طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرًا برأيها.
ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وفيها قدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة تمسكت فيها بطلبها السالف بيانه، فقررت المحكمة حجز الدعوى للحكم بجلسة اليوم، وصرحت بمذكرات في أسبوع، قدمت خلاله الهيئة المدعى عليها "ثالثًا" مذكرة ختامية بطلبها المار ذكره.
--------------------
" المحكمة "
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع تتحصل -على ما يتبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق- في أن المدعي تقدم إلى قاضي الأمور الوقتية بمحكمة شمال القاهرة الابتدائية، بصفته قاضيًا للتنفيذ، بطلب على عريضة قيد برقم 4 لسنة 2022، لاستصدار أمر بتقدير قيمة دينه الذي يداين به المدعى عليهم "ثانيًا" تقديرًا مؤقتًا، والحجز على ما آل إليهم من تركة مورثهم تحت يد المدعى عليهما الأخيرين حجزًا تنفيذيًّا، طبقًا لنص المادة (327) من قانون المرافعات المدنية والتجارية، على سند من أن مورث المدعى عليهم "ثانيًا" مدين له بمبلغ مليون ونصف المليون جنيه، كان قد تسلمه من مورثته بصفته قيمًا عليها، ليسلمه إليه بعد إتمام مرحلة تعليمه الجامعي، وبوفاة مدينه آلت تركته إلى المدعى عليهم "ثانيًا"، وبوفاة مورثته طالبهم بدين مورثهم في حدود ما آل إليهم من تركته، فأنكره البعض، واعترف به آخرون، وحرروا عن ذلك عقد الاتفاق المؤرخ 26/11/2021، ثم تقدم بطلبه المار ذكره إلى قاضي الأمور الوقتية. وبجلسة 5/1/2022، رفض القاضي إصدار الأمر، فتظلم من القرار أمام محكمة شمال القاهرة الابتدائية بالدعوى رقم 200 لسنة 2022 مدني كلي، طالبًا الحكم بإلغائه، وتمسك بالطلبات السابقة. وبجلسة 22/11/2022، حكمت المحكمة بتأييد الأمر المتظلم منه؛ استنادًا إلى أن المادة (18) من القانون رقم 16 لسنة 1970 بنظام البريد، لا تجيز الحجز على الأموال المودعة من أي شخص طبيعي بصندوق التوفير حال حياة المودع أو بعد وفاته. استأنف المدعي الحكم أمام محكمة استئناف القاهرة بالاستئناف رقم 14401 لسنة 26 قضائية، وأشار في الاستئناف المار بيانه إلى أنه تحصل على حكم من محكمة شمال القاهرة الابتدائية بجلسة 31/3/2022، في الدعوى رقم 5400 لسنة 2021 مدني كلي، بإلزام المدعى عليهم "ثانيًا" أن يؤدوا إليه مبلغ مليون وخمسمائة ألف جنيه مصري مما آل إليهم من تركة مورثهم، وقد صار ذلك الحكم نهائيًّا بعدم الطعن عليه. وحال نظر الاستئناف بجلسة 20/5/2023، قدم المدعي مذكرة دفع فيها بعدم دستورية المادة (18) من القانون رقم 16 لسنة 1970 بنظام البريد. وإذ قدرت المحكمة جدية الدفع، وصرحت للمدعي باتخاذ إجراءات الطعن بعدم الدستورية؛ فأقام الدعوى المعروضة.
وحيث إن المادة (18) من القانون رقم 16 لسنة 1970 بنظام البريد تنص على أنه "لا يجوز الحجز على الأموال المودعة من أي شخص طبيعي بصندوق التوفير حال حياة المودع أو بعد وفاته، ويجوز التنازل عن هذه المبالغ في الحدود والأوضاع التي تقررها اللائحة التنفيذية".
وحيث إن الفقرة الأولى من المادة (291) من اللائحة التنفيذية للقانون رقم 16 لسنة 1970 بنظام البريد، الصادرة بقرار وزير المواصلات رقم 55 لسنة 1972، المستبدل بها قرار وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات رقم 1044 لسنة 2021، تنص على أن "يقر مجلس إدارة الهيئة الحدين الأقصى والأدنى للإيداع بصندوق التوفير مع عدم أحقية العميل صاحب الحساب (أشخاص طبيعيين - جهات اعتبارية) في الحصول على عائد عن المبالغ التي تزيد على الحد الأقصى المقرر فإذا جاوز رصيد الحساب هذه القيمة ردت الزيادة إلى صاحب الحساب أو من يفوضه فإن رفض استلامها يتم إدراجها بالحساب الجاري للعميل بدون عائد تحت طلب العميل كما لا تتمتع هذه الزيادة بالحماية الواردة بالمادة (18) من القانون رقم 16 لسنة 1970 الخاصة بعدم جواز الحجز عليها".
وحيث إن المصلحة الشخصية المباشرة في الدعوى الدستورية، وهي شرط لقبولها، مناطها -على ما جرى عليه قضاء هذه المحكمة- أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يؤثر الحكم في المسألة الدستورية على الطلبات المرتبطة بها، المطروحة على محكمة الموضوع. متى كان ذلك، وكانت رحى النزاع الموضوعي تدور حول طلب توقيع الحجز على الأموال المودعة بصندوق توفير البريد لحساب مورث المدعى عليهم "ثانيًا"، وفاءً لدين المدعي، وكان النص المطعون فيه قد خص الأموال التي تودع بحساب الشخص الطبيعي بصندوق توفير البريد بحماية خاصة بعد وفاته، مؤداها عدم جواز الحجز عليها، وليبطل -تبعًا لذلك- الحجز الذي يوقعه الدائن على هذه الأموال ولو كان تنفيذًا لحكم قضائي؛ عملًا بنص المادة (338) من قانون المرافعات المدنية والتجارية، فلا يحول الحجز بين المحجوز لديه والوفاء بهذه الأموال المحجوز عليها لورثة المودع؛ ومن ثم فإن الفصل في دستورية هذا النص يكون له انعكاس أكيد على الحكم في الدعوى الموضوعية، ويتحدد نطاق الدعوى الدستورية فيما تضمنه نص المادة (18) من القانون رقم 16 لسنة 1970 بنظام البريد، من عدم جواز الحجز على الأموال المودعة بحساب الشخص الطبيعي بصندوق التوفير بعد وفاة صاحب الحساب، دون أية أحكام أخرى جرى بها النص المطعون فيه.
وحيث إن المدعي ينعى على النص المطعون فيه أنه عصم المال المودع لحساب الشخص الطبيعي في صندوق توفير البريد من الحجز عليه بعد وفاة المودع، وأسبغ عليه حماية تنال من حقوق الدائنين الثابتة بأحكام قضائية، وهي حقوق مقدمة في أدائها على حقوق الورثة، على ما تقضي به أحكام الشريعة الإسلامية، ومايز دون مبرر موضوعي بين الأموال المودعة لدى البنوك وتلك المودعة لدى صندوق توفير البريد في مجال الحجز عليها، مهدرًا بذلك مبدأي تكافؤ الفرص والمساواة، ووقع - من ثم - في حمأة مخالفة أحكام المواد (2 و8 و9 و53) من الدستور.
وحيث إن الأعمال التي يقوم عليها صندوق توفير البريد الذي أُنشئ أصلًا لتنمية الادخار وتشجيع المودعين على إيداع مدخراتهم هذا الصندوق، وأعماله هذه -بالنظر إلى طبيعته، وبحسب أصل هذه الأموال التي هي أموال المودعين المدخرة لديه- تخضع لقواعد القانون الخاص، وهو يباشرها بوسائل هذا القانون، ولو كان رأس مال الهيئة القائمة على أمره مملوكًا - كليًّا- للدولة أو الهيئة التي تقوم على إدارة نشاط هذا الصندوق؛ إذ ليس من شأن الطبيعة القانونية للشخص الاعتباري، وما تعلق منها بإرادة تأسيسه وكيفية قواعد الإدارة فيه من بعد إنشائه، واعتبار أمواله أموالًا عامة، أو اعتبار استثمار ودائع صندوق توفير البريد من موارد الهيئة، أن تحيل نشاط الصندوق عملًا إداريًّا، أو منفصلًا عن ربحيتها باعتبارها غرضًا نهائيًّا تتغياه، بل هو مطلبها من تنظيمها لأعمالها وتوجيهها لها، وليس من شأن ذلك أن تتغير الطبيعة القانونية لأموال المودعين لدى صندوق توفير البريد، على نحو ما أبانه المشرع في المادة (27) من القانون رقم 16 لسنة 1970 بنظام البريد، من فصل موارد واستخدامات خدمة صندوق التوفير عن موارد واستخدامات خدمة البريد في ميزانية الهيئة، وألغى القانون رقم 86 لسنة 1954 بشأن صندوق توفير البريد، والقانون رقم 107 لسنة 1963 في شأن البريد، وألغى كل نص يخالف أحكام هذا القانون، لينهي بذلك الإدماج الذي فُرِضَ بقرار رئيس الجمهورية رقم 1583 لسنة 1967 لميزانية صندوق البريد في ميزانية هيئة البريد، وأكد هذا الإلغاء في المادة الثانية من القانون رقم 19 لسنة 1982 بإنشاء الهيئة القومية للبريد، حين خص الهيئة دون غيرها بإدارة مرفق البريد وتطويره وتدعيمه، مما يتناسب مع دوره الرئيس، والعمل على مسايرته لمتطلبات التطور في إطار الخطة الاقتصادية والسياسية العامة للدولة في شأن أعمال صندوق توفير البريد، دون إخلال بأحكام القانون رقم 16 لسنة 1970 بنظام البريد. بما مؤداه أن النص على اعتبار أموال الهيئة القومية للبريد أموالًا عامة، وإعطاء الهيئة المذكورة بعضًا من وسائل القانون العام في سبيل اقتضاء حقوقها، واتخاذ إجراءات الحجز الإداري على أموال مدينيها، لا يمثل إلا وسائل حماية لأموال هذا المرفق العام، ولا يكون لها من أثر على الطبيعة القانونية لأموال المودعين لدى صندوق توفير البريد بوصفها أموالًا خاصة يجوز للدائن استيداء حقه منها قضاءً حال الامتناع عن الوفاء بها اختيارًا.
وحيث إن من المقرر في قضاء المحكمة الدستورية العليا أن الدستور وإن قرن العدل بكثير من النصوص التي تضمنها، وخلا في الوقت ذاته من كُلِّ تحديدٍ لمعناه، فإن مفهوم العدل -سواء بمبناه أو أبعاده- يتعيَّن أن يكون مُحددًا من منظورٍ اجتماعي باعتبار أن العدل يتغيَّا التعبير عن تلك القيم الاجتماعية التي لا تنفصل عن الجماعة في حركتها، والتي تتبلور مقاييسها في شأن ما يُعتبر حقًّا لديها.
وحيث إن المقرر في قضاء هذه المحكمة أن الدولة القانونية، طبقًا لنص المادة (94) من الدستور الحالي، هي التي توفر لكل مواطن في كنفها الضمانة الأولية لحماية حقوقه وحرياته بما يتوافق مضمونها مع الضوابط التي التزمتها الدول الديمقراطية باطراد في مجتمعاتها، واستقر نهجها على التقيد بها في مظاهر سلوكها على اختلافها، فلا تنزل بالحماية التي توفرها لمن يمارسونها عما يكون لازمًا لضمان فعاليتها في إطار من المشروعية، وهي ضمانة يدعمها القضاء من خلال استقلاله وحصانته، لتصبح القاعدة القانونية محورًا لكل تنظيم، وحدًّا لكل سلطة ورادعًا ضد العدوان عليها.
وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد استقر على أن إنكار الحق في الترضية القضائية، سواء بمنعها ابتداء، أو بإقامة العراقيل في وجه اقتضائها، أو بتقديمها متباطئة متراخية دون مسوغ أو بإحاطتها بقواعد إجرائية تكون معيبة في ذاتها بصفة جوهرية، لا يعدو أن يكون إهدارًا للحماية التي يفرضها الدستور والقانون للحقوق التي وقع العدوان عليها، وإنكارًا للعدالة في جوهر خصائصها وأدق توجهاتها.
وحيث إنه بغير اقتران الترضية القضائية بوسائل تنفيذها وحمل الملزمين بها على الرضوخ لها، فإن هذه الترضية تغدو عديمة الأثر فاقدة قيمتها من الناحية العملية، وهو ما يتآدى بالضرورة إلى إهدار الحماية التي فرضها الدستور للحقوق على اختلافها، وتكريس العدوان عليها، وتعطيل دور القضاء المنصوص عليه في المادة (94) من الدستور في مجال صونها والدفاع عنها، وإفراغ حق اللجوء إليه من كل مضمون، وهو حق عني الدستور بتوكيده في المادة (97) منه، كذلك فإن الترضية القضائية التي لا تكفل الدولة الوفاء بها لمن قضي في النزاع لمصلحته إنما هي خروج على مبدأ خضوع الدولة للقانون، ونكول عن تأسيس العدالة وتثبيتها من خلال السلطة القضائية بأفرعها المختلفة وتنظيماتها المتعددة، وهى السلطة التي تصدر أحكامها وفق القانون على ما تنص عليه المادة (184) من الدستور، ولا يعدو أن يكون الامتناع عن تنفيذها أو عرقلة هذا التنفيذ بعمل تشريعي إلا عدوانًا من السلطة التشريعية على الولاية الثابتة للسلطة القضائية، واقتحامًا للحدود الفاصلة بين هاتين السلطتين.
وحيث إن الدستور؛ إعلاء من جهته لدور الملكية الخاصة، كفل حمايتها لكل فرد -وطنيًّا كان أم أجنبيًّا- ولم يجز المساس بها إلا على سبيل الاستثناء، وفى الحدود التي يقتضيها تنظيمها، ليختص صاحبها دون غيره بثمارها ومنتجاتها وملحقاتها، فلا يرده عنها معتد، ولا يناجز سلطته في شأنها من ليس بيده سند ناقل لها، ليعتصم بها من دون الآخرين، وليلتمس من الدستور وسائل حمايتها التي تُعينها على أداء دورها، وتقيها تعرض الأغيار لها، سواء كان ذلك بنقضها أو بانتقاصها من أطرافها؛ ولم يعد جائزًا -من ثَّم- أن ينال المشرع من عناصرها، ولا أن يغير من طبيعتها أو يجردها من لوازمها، ولا أن يفصلها عن أجزائها أو يدمر أصلها، أو يقيد من مباشرة الحقوق التي تتفرع عنها في غير ضرورة تقتضيها وظيفتها الاجتماعية، ودون ذلك تفقد الملكية ضماناتها الجوهرية، ويكون العدوان عليها غصبًا وافتئاتًا على كيانها أدخل إلى مصادرتها.
وحيث إن من المقرر قانونًا أن أموال المدين جميعها ضامنة للوفاء بديونه، فإن الدائنين جميعهم متكافئون في هذا الضمان، عدا من كان منهم مخولًا حق التقدم على غيره طبقًا للقانون. وكان الأصل هو جواز التنفيذ على أموال المدين بأكملها، وأن يتخذ الدائن بشأنها ما يراه من الطرق التحفظية والتنفيذية، وكانت دستورية النصوص القانونية مناطها ارتباطها عقلاً بالأغراض التي تتوخاها، والتي تبلور إطارًا لمصلحة مشروعة تحيط بها. فإذا كان اتصال هذه النصوص بالأغراض التي تبتغيها - وبافتراض مشروعيتها - مفتقدًا أو واهيًا، كان إبطال هذه النصوص لازمًا، وكانت الأموال التي يملكها المدين يشملها الضمان العام لدائنيه، فإن ردهم عنها بنص تشريعي -ودون مسوغ- مؤداه أن يكون هذا النص باطلًا.
متى كان ما تقدم، وكان البادي مما قرره النص المطعون فيه من عدم جواز الحجز على الأموال المودعة بحساب الشخص الطبيعي بصندوق توفير البريد، هو إقرار مزية شخصية لأصحاب المدخرات الصغيرة والمتوسطة - يخرج الفصل في دستوريتها عن نطاق هذه الدعوى- ينافس الصندوق من خلالها المؤسسات المالية الأخرى التي تمنح عملاءها من المزايا ما لا يوفره الصندوق من نظائرها للمودعين به، ومن ثم فإن هذه المزية تدور وجودًا وعدمًا مع بقاء شخص المودع على قيد الحياة؛ إذ هو المعني -دون ورثته- بها، باعتبار أن عدم الحجز على أمواله -فيما لا يزيد على الحد الأقصى للمبالغ المصرح بإيداعها في صندوق توفير البريد- كان مقابلًا لاختياره الصندوق بديلًا عن أوعية ادخارية أخرى، وأنه بوفاة صاحب الحساب تنتفي الغاية من إقرار هذه المزية الشخصية، ولازم ذلك أن تنحسر عن الأموال المودعة بالصندوق -التي آلت إلى ورثة صاحب الحساب - هذه المزية، ويغدو استمرارها بالنسبة إليهم معطلًا للضمان العام المقرر لدائني صاحب الحساب، وحائلًا بينهم وبين اقتضاء ديونهم من هذا الضمان، وخروجًا على قاعدة شرعية مؤداها أنه "لا تركة إلا بعد سداد الديون"، مما يضحى معه ذلك النص عدوانًا على الحق في الملكية، وإهدارًا للآثار القانونية الناشئة عن الأحكام القضائية التي ألزمت صاحب الحساب بمديونية انشغلت بها ذمته المالية حال حياته، وانتقاصًا من الترضية القضائية التي يكفلها الحق في التقاضي، وافتئاتًا على استقلال السلطة القضائية مجاوزًا بذلك حدود سيادة القانون وخضوع الدولة لأحكامه، ليُشكل الخروج على هذه القيم الدستورية في مجموعها إخلالًا بمبدأ العدل؛ ومن ثم يكون النص المطعون فيه -محددًا نطاقًا على ما سلف بيانه- قد وقع في حومة مخالفة المواد (4 و33 و35 و94 و 97 و184) من الدستور.
وحيث إن مقتضى قضاء المحكمة بعدم دستورية نص المادة (18) من القانون رقم 16 لسنة 1970 المار ذكره -محددًا نطاقًا على ما سيرد بالمنطوق-سقوط ما ارتبط به من أحكام وردت باللائحة التنفيذية ارتباطًا لا يقبل التجزئة ولا يمكن فصلها أو تطبيقها استقلالًا عنه.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة:
أولًا: بعدم دستورية نص المادة (18) من القانون رقم 16 لسنة 1970 بنظام البريد، فيما تضمنه من عدم جواز الحجز على الأموال المودعة في حساب الشخص الطبيعي بصندوق التوفير، بعد وفاة صاحب الحساب.
ثانيًا: بسقوط عجز الفقرة الأولى من المادة (291) من اللائحة التنفيذية للقانون المار ذكره، المستبدل بها قرار وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات رقم 1044 لسنة 2021، فيما انطوت عليه من عدم جواز الحجز على الأموال المودعة في حساب الشخص الطبيعي بصندوق التوفير التي لا تزيد على الحد الأقصى المقرر للإيداع بهذا الصندوق، بعد وفاة صاحب الحساب.
ثالثًا: بإلزام الحكومة المصروفات ومبلغ مائتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق