الصفحات

البحث الذكي داخل المدونة

تحميل وطباعة هذه الصفحة

Print Friendly and PDF
‏إظهار الرسائل ذات التسميات احكام الدستورية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات احكام الدستورية. إظهار كافة الرسائل

السبت، 29 أغسطس 2026

القضية 51 لسنة 24 ق جلسة 8 / 5 / 2005 دستورية عليا مكتب فني 11 ج 1 دستورية ق 295 ص 1775

جلسة 8 مايو سنة 2005

برئاسة السيد المستشار/ ممدوح مرعي - رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين: حمدي محمد علي وعدلي محمود منصور ومحمد عبد القادر عبد الله وعلي عوض محمد صالح وسعيد مرعي عمرو والدكتور عادل عمر شريف. وحضور السيد المستشار/ نجيب جمال الدين علما - رئيس هيئة المفوضين وحضور السيد/ ناصر إمام محمد حسن - أمين السر.

------------------

قاعدة رقم (295)
القضية رقم 51 لسنة 24 قضائية "دستورية"

(1) دعوى دستورية "المصلحة الشخصية المباشرة - مناطها".
المصلحة الشخصية المباشرة - مناطها أن يقوم ارتباط بينها وبين المصلحة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الفصل في المسألة الدستورية لازماً للفصل في الطلبات المرتبطة بها المطروحة على محكمة الموضوع.
(2) ملكية خاصة "لا يجوز المساس بها إلا على سبيل الاستثناء".
الملكية الخاصة كفل الدستور حمايتها لكل فرد ولم يجز المساس بها إلا على سبيل الاستثناء وفي الحدود التي يقتضيها تنظيمها، ومن أجل ذلك حظر الدستور فرض قيود على الملكية الخاصة تنافي وظيفتها الاجتماعية أو يكون من شأنها تعطيل الانتفاع بها بما يفقدها علة وجودها وينحدر بالحماية المقررة لها إلى ما يفرغها من مضمونها، ذلك أن صون الملكية الخاصة وإعاقتها لا يجتمعان.
(3) ملكية خاصة "عدم جواز تقييدها بما ينال منها".
صون الدستور للملكية الخاصة مؤداه إن المشرع لا يجوز أن يجردها من لوازمها، ولا أن يفصل عنها بعض أجزائها، ولا أن ينتقص من أصلها أو يغير من طبيعتها دون ما ضرورة تقتضيها وظيفتها الاجتماعية. وكان ضمان وظيفتها هذا يفترض ألا ترهق القيود التي يفرضها المشرع على جوهر مقوماتها. وكان صون الملكية وإعاقتها لا يجتمعان، فإن هدمها أو تقويض أسسها من خلال قيود تنال منها، ينحل عصفاً لها منافياً للحق فيها.
(4) ملكية خاصة "حمايتها تمتد إلى ما هو مشروع من صور كسبها".
الحماية التي يكفلها الدستور للملكية الخاصة تمتد بداهة إلى ما هو مشروع من صور كسبها التي تعد سبباً لتلقيها أو لانتقالها من يد أصحابها إلى الآخرين، فالأموال التي يملكها الفرد لم يجز المساس بها إلا استثناءً، وبمراعاة الوسائل القانونية السليمة التي تقارن حق إنشائها وتغيير سندها. فلا يكون صون الملكية إلا ضماناً ذاتياً لأصحابها، يرد عن ملكيتهم كل عدوان ينال من عناصرها.
(5) دستور "اتساق نصوصه".
الأصل في النصوص التي يتضمنها الدستور أنها تؤخذ باعتبارها مترابطة فيما بينها، وبما يرد عنها التنافر والتعارض، ويكفل اتساقها في إطار وحدة عضوية تضمها، ولا تفرق بين أجزائها، بل تجعل تناغم توجهاتها لازماً.
(6) ميراث "اعتباره من عناصر الملكية".
الدستور إذ نص في المادة (34) على أن الملكية الخاصة يجب صونها، وأن حمايتها تمتد إلى حق الإرث ليكون مكفولاً، فقد دل بذلك على أن ما يؤول للعباد ميراثاً في حدود أنصبتهم الشرعية، يعتبر من عناصر ملكيتهم، التي لا يجوز لأحد أن ينال منها.
(7) تشريع "نص المادة (31) من قانون مزاولة مهنة الصيدلة - حرمان ميراث".
نص المادة (31) من قانون مزاولة مهنة الصيدلة قد ألزم ورثة الصيدلي ببيع الصيدلية، التي آلت إليهم ميراثاً، إلى صيدلي بعد انتهاء المهلة الممنوحة لهم بالرغم من أنه يوجد من بينهم من رخّص له بمزاولة مهنة الصيدلة وذلك إعمالاً للحظر الوارد بنص المادة (30) من ذات القانون الذي لم يجز للصيدلي موظف الحكومة تملك صيدلية، فإنهما يكونان بذلك قد حالا بين الورثة وبين أموال دخلت الجانب الإيجابي لذمتهم المالية بطريق الميراث والذي يعد سبباً مشروعاً لكسب الملكية.

--------------------
1 - حيث إن قضاء المحكمة الدستورية العليا، جرى على أن المصلحة الشخصية المباشرة - وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية - مناطها أن يقوم ارتباط بينها وبين المصلحة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الفصل في المسألة الدستورية لازماً للفصل في الطلبات المرتبطة بها المطروحة على محكمة الموضوع.
2 - حيث إن الدستور إعلاء من جهته لدور الملكية الخاصة وتوكيداً لإسهامها في صون الأمن الاجتماعي كفل حمايتها لكل فرد ولم يجز المساس بها إلا على سبيل الاستثناء وفي الحدود التي يقتضيها تنظيمها، ومن أجل ذلك حظر الدستور فرض قيود على الملكية الخاصة تنافي وظيفتها الاجتماعية أو يكون من شأنها تعطيل الانتفاع بها بما يفقدها علة وجودها وينحدر بالحماية المقررة لها إلى ما يفرغها من مضمونها، ذلك أن صون الملكية الخاصة وإعاقتها لا يجتمعان.
3 - حيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن صون الدستور للملكية الخاصة، مؤداه أن المشرع لا يجوز أن يجردها من لوازمها، ولا أن يفصل عنها بعض أجزائها، ولا أن ينتقص من أصلها أو يغير من طبيعتها دون ما ضرورة تقتضيها وظيفتها الاجتماعية. وكان ضمان وظيفتها هذه يفترض ألا ترهق القيود التي يفرضها المشرع عليها جوهر مقوماتها. وكان صون الملكية وإعاقتها لا يجتمعان، فإن هدمها أو تقويض أسسها من خلال قيود تنال منها، ينحل عصفاً لها منافياً للحق فيها.
4 - وحيث إن الحماية التي يكفلها الدستور للملكية الخاصة - وبوصفها إحدى القيم الجوهرية التي يرعاها - لا تقتصر على ما هو قائم فعلاً من مصادرها التي استقام بها الحق في الملكية صحيحاً وفق أحكام الدستور، ولكنها تمتد بداهة إلى ما هو مشروع من صور كسبها التي تعد سبباً لتلقيها أو لانتقالها من يد أصحابها إلى آخرين، فلا يكون تقييد دائرتها جائزاً. فالأموال التي يملكها الفرد، وكذلك ما يؤول إلى أغيار من عناصرها، هي التي قصد الدستور إلى صونها، ولم يجز المساس بها إلا استثناًء، وبمراعاة الوسائل القانونية السليمة التي تقارن حق إنشائها وتغيير سندها. وينبغي بالتالي النظر إلى الحماية التي تشملها بما يقيمها وفق مفاهيم الحرية التي يمارسها الأفراد تعبيراً عن ذواتهم، وتوكيداً لحدود مسئوليتهم عن صور نشاطهم على اختلافها، فلا يكون صون الملكية إلا ضماناً ذاتياً لأصحابها، يرد عن ملكيتهم كل عدوان ينال من عناصرها.
5 - حيث إن الدستور يعتبر مآباً لكل سلطة وضابطاً لحركتها. والأصل في النصوص التي يتضمنها أنها تؤخذ باعتبارها مترابطة فيما بينها، وبما يرد عنها التنافر والتعارض، ويكفل اتساقها في إطار وحدة عضوية تضمها، ولا تفرق بين أجزائها، بل تجعل تناغم توجهاتها لازماً.
6 - الدستور إذ نص في المادة (34) على أن الملكية الخاصة يجب صونها، وأن حمايتها تمتد إلى حق الإرث ليكون مكفولاً، فقد دل بذلك على أن ما يؤول للعباد ميراثاً في حدود أنصبتهم الشرعية، يعتبر من عناصر ملكيتهم، التي لا يجوز لأحد أن ينال منها.
7 - حيث إنه متى كان ما تقدم وكان نص المادة (31) من قانون مزاولة مهنة الصيدلة قد ألزم ورثة الصيدلي ببيع الصيدلية، التي آلت إليهم ميراثاً، إلى صيدلي بعد انتهاء المهلة الممنوحة لهم بالرغم من أنه يوجد من بينهم من رخّص له بمزاولة مهنة الصيدلة وذلك إعمالاً للحظر الوارد بنص المادة (30) من ذات القانون الذي لم يجز للصيدلي موظف الحكومة تملك صيدلية، فإنهما يكونان بذلك قد حالا بين الورثة وبين أموال دخلت الجانب الإيجابي لذمتهم المالية بطريق الميراث والذي يعد سبباً مشروعاً لكسب الملكية مما ينحلّ اعتداء على حق الإرث وإهداراً لحق الملكية بالمخالفة لنص المادة (34) من الدستور.


الإجراءات

بتاريخ الحادي عشر من فبراير سنة 2002، أودع المدعي قلم كتاب المحكمة صحيفة هذه الدعوى، طالباً الحكم بعدم دستورية نصي المادتين (30، 31) من القانون رقم 127 لسنة 1955 في شأن مزاولة مهنة الصيدلة المعدل بالقانونين رقمي 253 لسنة 1955، و44 لسنة 1982.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة بدفاعها طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع - على ما يبين من صحيفة الدعوى، وسائر الأوراق - تتحصل في أن المدعي كان قد أقام الدعوى رقم 8377 لسنة 51 قضائية، أمام محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة، بطلب الحكم بصفة مستعجلة بوقف تنفيذ قرار الإدارة المركزية لشئون الصيدلة بسرعة التصرف في الصيدلية التي كان يملكها والده قبل وفاته، وفي الموضوع بإلغائه، وذلك على سند من القول بأن وزارة الصحة أرسلت إليه إنذاراً بسرعة التصرف في هذه الصيدلية وإلا سيتم إلغاء الترخيص لانتهاء المدة الممنوحة للورثة لإدارتها لصالحهم، فتقدم المدعي بصفته أستاذاً مساعداً بكلية الصيدلة بجامعة القاهرة بطلب لتمكينه من نقل ترخيص الصيدلية باسمه، فتم إخطاره بأن المادة (30) من القانون رقم 127 لسنة 1955 في شأن مزاولة مهنة الصيدلة المعدل بالقانون رقم 253 لسنة 1955 لا تجيز لموظفي الحكومة تملك صيدلية، وأن المادة (31) من هذا القانون تلزم الورثة - بعد مرور عشر سنوات - بالتصرف في الصيدلية بالبيع حتى لا تغلق إدارياً، فأقام المدعي دعواه المشار إليها، وقضت تلك المحكمة برفض طلب وقف تنفيذ القرار المطعون فيه، استناداً إلى أن المدعي يشغل وظيفة أستاذ مساعد بكلية الصيدلة، ومن ثم يتوافر في شأنه القيد الوارد في المادة (30) من القانون رقم 127 لسنة 1955، وهو ألا يكون مالك الصيدلية موظفاً حكومياً. وأثناء نظر الشق الموضوعي، دفع محامي المدعي بجلسة 13/ 11/ 2001 بعدم دستورية المادتين (30، 31) من القانون رقم 127 لسنة 1955 المشار إليه، وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية هذا الدفع وصرحت للمدعي برفع الدعوى الدستورية، فقد أقام دعواه الماثلة.
وحيث إن الفقرة الأولى من المادة (30) من القانون رقم 127 لسنة 1955 في شأن مزاولة مهنة الصيدلة المعدل بالقانون رقم 253 لسنة 1955 تنص على أنه "لا يمنح الترخيص بإنشاء صيدلية إلا لصيدلي مرخص له في مزاولة مهنته، يكون مضى على تخرجه سنة على الأقل قضاها في مزاولة المهنة في مؤسسة حكومية أو أهلية، ويعفى من شرط قضاء هذه المدة الصيدلي الذي تؤول إليه الملكية بطريق الميراث أو الوصية، ولا يجوز للصيدلي أن يكون مالكاً أو شريكاً في أكثر من صيدليتين أو موظفاً حكومياً". وتنص المادة (31) المعدلة بالقانون رقم 44 لسنة 1982 على أنه "إذا توفى صاحب الصيدلية، جاز أن تدار الصيدلية لصالح الورثة لمدة لا تجاوز عشر سنوات ميلادية.
وفي حالة وجود أبناء للمتوفى لم يتموا الدراسة في نهاية المدة المشار إليها في الفقرة السابقة تمتد هذه المدة حتى يبلغ أصغر أبناء المتوفى سن السادسة والعشرين أو حتى تخرجه من الجامعة أو أي معهد علمي من درجتها أيهما أقرب.
ويعين الورثة وكيلاً عنهم، تخطر به وزارة الصحة، على أن تدار الصيدلية بمعرفة صيدلي.
وتغلق الصيدلية إدارياً بعد انتهاء المهلة الممنوحة للورثة، ما لم يتم بيعها لصيدلي".
وحيث إن المدعي ينعى على النصين المطعون فيهما تعارضهما مع نص المادة الثانية من الدستور، لمخالفتهما أحكام الميراث في الشريعة الإسلامية، وكذلك مخالفتهما نصوص المواد (32، 34، 40) من الدستور، بإهدارهما حق الملكية الخاصة، إذ أنهما يحظران على الصيدلي موظف الحكومة تملك صيدلية، ويجبران المالك على التصرف في ملكه على غير إرادته، وبإخلالهما بمبدأ المساواة، إذ يميزان على غير أسس موضوعية بين الأساتذة الجامعيين الصيادلة وبين غيرهم من الأساتذة الجامعيين، ومن ناحية أخرى بين بعض الصيادلة والبعض الآخر، رغم كونهم جميعاً صيادلة ومقيدين بنقابة الصيادلة.
وحيث إن قضاء المحكمة الدستورية العليا، جرى على أن المصلحة الشخصية المباشرة - وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية - مناطها أن يقوم ارتباط بينها وبين المصلحة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الفصل في المسألة الدستورية لازماً للفصل في الطلبات المرتبطة بها المطروحة على محكمة الموضوع. متى كان ذلك، وكان النزاع الموضوعي يدور حول حرمان المدعي، الذي يعمل أستاذاً مساعداً بكلية الصيدلة جامعة القاهرة، من تملك الصيدلية التي آلت إليه وباقي الورثة بعد وفاة مورثهم ومطالبة إياهم ببيعها لانتهاء المهلة الممنوحة لهم، فإن مصلحة المدعي في الدعوى الماثلة تتحدد فيما نصت عليه المادة (30) من قانون مزاولة مهنة الصيدلة المشار إليه، من عدم جواز أن يكون الصيدلي موظفاً حكومياً، وما ألزمت به المادة (31) الورثة من بيع الصيدلية التي آلت إليهم بعد وفاة مورثهم إلى صيدلي، حتى لا تغلق إدارياً بعد انتهاء المهلة التي منحتها لهم، وبهذين النصين وحدهما يتحدد نطاق الدعوى الدستورية ولا يمتد إلى ما تضمنه النصان المذكوران من أحكام أخرى.
وحيث إن الدستور إعلاء من جهته لدور الملكية الخاصة وتوكيداً لإسهامها في صون الأمن الاجتماعي كفل حمايتها لكل فرد ولم يجز المساس بها إلا على سبيل الاستثناء وفي الحدود التي يقتضيها تنظيمها، ومن أجل ذلك حظر الدستور فرض قيود على الملكية الخاصة تنافي وظيفتها الاجتماعية أو يكون من شأنها تعطيل الانتفاع بها بما يفقدها علة وجودها وينحدر بالحماية المقررة لها إلى ما يفرغها من مضمونها، ذلك أن صون الملكية الخاصة وإعاقتها لا يجتمعان.
وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن صون الدستور للملكية الخاصة، مؤداه أن المشرع لا يجوز أن يجردها من لوازمها، ولا أن يفصل عنها بعض أجزائها، ولا أن ينتقص من أصلها أو يغير من طبيعتها دون ما ضرورة تقتضيها وظيفتها الاجتماعية. وكان ضمان وظيفتها هذه يفترض ألا ترهق القيود التي يفرضها المشرع عليها جوهر مقوماتها. وكان صون الملكية وإعاقتها لا يجتمعان، فإن هدمها أو تقويض أسسها من خلال قيود تنال منها، ينحل عصفاً لها منافياً للحق فيها.
وحيث إن الحماية التي يكفلها الدستور للملكية الخاصة - وبوصفها إحدى القيم الجوهرية التي يرعاها - لا تقتصر على ما هو قائم فعلاً من مصادرها التي استقام بها الحق في الملكية صحيحاً وفق أحكام الدستور، ولكنها تمتد بداهة إلى ما هو مشروع من صور كسبها التي تعد سبباً لتلقيها أو لانتقالها من يد أصحابها إلى آخرين، فلا يكون تقييد دائرتها جائزاً. فالأموال التي يملكها الفرد، وكذلك ما يؤول إلى أغيار من عناصرها، هي التي قصد الدستور إلى صونها، ولم يجز المساس بها إلا استثناًء، وبمراعاة الوسائل القانونية السليمة التي تقارن حق إنشائها وتغيير سندها. وينبغي بالتالي النظر إلى الحماية التي تشملها بما يقيمها وفق مفاهيم الحرية التي يمارسها الأفراد تعبيراً عن ذواتهم، وتوكيداً لحدود مسئوليتهم عن صور نشاطهم على اختلافها، فلا يكون صون الملكية إلا ضماناً ذاتياً لأصحابها، يرد عن ملكيتهم كل عدوان ينال من عناصرها.
وحيث إن الدستور يعتبر مآباً لكل سلطة وضابطاً لحركتها. والأصل في النصوص التي يتضمنها أنها تؤخذ باعتبارها مترابطة فيما بينها، وبما يرد عنها التنافر والتعارض، ويكفل اتساقها في إطار وحدة عضوية تضمها، ولا تفرق بين أجزائها، بل تجعل تناغم توجهاتها لازماً. وكان الدستور إذ نص في المادة (34) على أن الملكية الخاصة يجب صونها، وأن حمايتها تمتد إلى حق الإرث ليكون مكفولاً، فقد دل بذلك على أن ما يؤول للعباد ميراثاً في حدود أنصبتهم الشرعية، يعتبر من عناصر ملكيتهم، التي لا يجوز لأحد أن ينال منها.
وحيث إنه متى كان ما تقدم وكان نص المادة (31) من قانون مزاولة مهنة الصيدلة قد ألزم ورثة الصيدلي ببيع الصيدلية، التي آلت إليهم ميراثاً، إلى صيدلي بعد انتهاء المهلة الممنوحة لهم بالرغم من أنه يوجد من بينهم من رخّص له بمزاولة مهنة الصيدلة وذلك إعمالاً للحظر الوارد بنص المادة (30) من ذات القانون الذي لم يجز للصيدلي موظف الحكومة تملك صيدلية، فإنهما يكونان بذلك قد حالا بين الورثة وبين أموال دخلت الجانب الإيجابي لذمتهم المالية بطريق الميراث والذي يعد سبباً مشروعاً لكسب الملكية مما ينحلّ اعتداء على حق الإرث وإهداراً لحق الملكية بالمخالفة لنص المادة (34) من الدستور.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بعدم دستورية نصي المادتين (30، 31) من قانون مزاولة مهنة الصيدلة الصادر بالقانون رقم 127 لسنة 1955 المعدل بالقانونين رقمي 253 لسنة 1955، و44 لسنة 1982، فيما تضمناه من حظر تملك الصيدلي موظف الحكومة لصيدلية، وإلزام الورثة بضرورة التصرف بالبيع في الصيدلية ولو كان من بينهم صيدلي يعمل بالحكومة، وألزمت الحكومة المصروفات ومبلغ مائتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة.

القضية 24 لسنة 24 ق جلسة 8 / 5 / 2005 دستورية عليا مكتب فني 11 ج 1 دستورية ق 294 ص 1770

جلسة 8 مايو سنة 2005

برئاسة السيد المستشار/ ممدوح مرعي - رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين: ماهر البحيري وعدلي محمود منصور وعلي عوض محمد صالح ومحمد عبد العزيز الشناوي وماهر سامي يوسف وتهاني محمد الجبالي. وحضور السيد المستشار/ نجيب جمال الدين علما - رئيس هيئة المفوضين وحضور السيد/ ناصر إمام محمد حسن - أمين السر.

------------------

قاعدة رقم (294)
القضية رقم 24 لسنة 24 قضائية "دستورية"

دعوى دستورية "ميعاد - عدم قبول".
الدعوى الدستورية لا ترفع إلا بعد إبداء دفع بعدم الدستورية تقدر محكمة الموضوع جديته، ولا تقبل إلا إذا رفعت خلال الأجل الذي ناط المشرع بمحكمة الموضوع تحديده بحيث لا يجاوز ثلاثة أشهر. وهذه الأوضاع الإجرائية - تتعلق بالنظام العام باعتبارها شكلاً جوهرياً في التقاضي تغيا بها المشرع مصلحة عامة.

-----------------

إن مؤدى هذا النص أن المشرع رسم طريقاً لرفع الدعوى الدستورية التي أتاح للخصوم مباشرتها وربط بينه وبين الميعاد الذي حدده لرفعها، فدل بذلك على أنه اعتبر هذين الأمرين من مقومات الدعوى الدستورية. وهذه الأوضاع الإجرائية - سواء ما اتصل منها بطريقة رفع الدعوى أو بميعاد رفعها - تتعلق بالنظام العام باعتبارها شكلاً جوهرياً في التقاضي تغيا بها المشرع مصلحة عامة حتى ينتظم التداعي في المسائل الدستورية بالإجراءات التي رسمها وفي الموعد الذي حدده. وبالتالي، فإن ميعاد الثلاثة أشهر الذي فرضه المشرع على نحو آمر كحد أقصى لرفع الدعوى الدستورية طبقاً لنص الفقرة (ب) من المادة (29) سالفة الإشارة، يعتبر ميعاداً حتمياً يقيد محكمة الموضوع والخصوم على حد سواء، فإن هي تجاوزته أو سكتت عن تحديد أي ميعاد، تعين على الخصوم أن يلتزموا برفع دعواهم الدستورية قبل انقضاء هذا الحد الأقصى، وإلا كانت غير مقبولة.


الإجراءات

بتاريخ الحادي والثلاثين من شهر يناير سنة 2002، أودع المدعيان صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا، طالبين الحكم بعدم دستورية نص المادة الخامسة من القانون رقم 204 لسنة 1994 بزيادة المعاشات وتعديل بعض أحكام قانون التأمين الاجتماعي.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت في ختامها الحكم أصلياً بعدم قبول الدعوى لانعدام المصلحة، واحتياطياً برفضها، ثم تقدمت بمذكرة أخرى طلبت في ختامها الحكم بعدم قبول الدعوى لرفعها بعد الميعاد. كما تقدمت الهيئة المدعى عليها الرابعة بمذكرة طلبت فيها أصلياً الحكم بعدم قبول الدعوى لرفعها بعد الميعاد، واحتياطياً برفضها.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع - على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق - تتحصل في أن المدعيين، كانا من العاملين بشركة مضارب دمياط وبلقاس ببلقاس دقهلية، وانتهت خدمتهما بالإحالة إلى المعاش المبكر في 25/ 10/ 1998، وتسوية معاشهما طبقاً لأحكام قانون التأمين الاجتماعي على نحو وجدا فيه إجحافاً بحقوقهما، وأدى بهما إلى التظلم - مع آخرين - من هذه التسوية، ثم إقامة الدعوى رقم 4445 لسنة 2001 عمال كلي المنصورة بطلب الحكم أصلياً بإعادة تسوية المعاش على أساس تطبيق الفقرة الثانية من المادة (18) من قانون التأمين الاجتماعي الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975، لتعلقها بحالة المدعيين الخاصة بانتهاء الخدمة لإلغاء الوظيفة واستحقاق المعاش وفقاً للأسس التي حددها القانون في هذا الشأن، واحتياطياً بضم نسبة 80% من قيمة العلاوات الاجتماعية التي تقررت قبل الإحالة إلى المعاش ولم تضف إلى الأجور الأساسية في حساب الأجر المتغير. ونظراً لأن هذا النص ألغى بالمادة (5) من القانون رقم 204 لسنة 1994 فقد دفعا بجلسة 21/ 10/ 2001 بعدم دستورية النص الأخير، وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية الدفع، قررت التأجيل لجلسة 10/ 2/ 2002، لإقامة الدعوى الدستورية، فأقام المدعيان الدعوى الماثلة بتاريخ 31/ 1/ 2002، ناعيين على النص التشريعي الطعين مخالفته للمواد 7 و17 و122 من الدستور.
وحيث إن الفقرة (ب) من المادة (29) من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979 تنص على أن "تتولى المحكمة الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح على الوجه التالي: ( أ ).... (ب) إذا دفع أحد الخصوم أثناء نظر دعوى أمام إحدى المحاكم أو الهيئات ذات الاختصاص القضائي بعدم دستورية نص في قانون أو لائحة ورأت المحكمة أو الهيئة أن الدفع جدي أجلت نظر الدعوى وحددت لمن أثار الدفع ميعاداً لا يجاوز ثلاثة أشهر لرفع الدعوى بذلك أمام المحكمة الدستورية العليا، فإذا لم ترفع الدعوى في الميعاد اعتبر الدفع كأن لم يكن".
وحيث إن مؤدى هذا النص أن المشرع رسم طريقاً لرفع الدعوى الدستورية التي أتاح للخصوم مباشرتها وربط بينه وبين الميعاد الذي حدده لرفعها، فدل بذلك على أنه اعتبر هذين الأمرين من مقومات الدعوى الدستورية، فلا ترفع إلا بعد إبداء دفع بعدم الدستورية تقدر محكمة الموضوع جديته، ولا تقبل إلا إذا رفعت خلال الأجل الذي ناط المشرع بمحكمة الموضوع تحديده بحيث لا يجاوز ثلاثة أشهر. وهذه الأوضاع الإجرائية - سواء ما اتصل منها بطريقة رفع الدعوى أو بميعاد رفعها - تتعلق بالنظام العام باعتبارها شكلاً جوهرياً في التقاضي تغيا بها المشرع مصلحة عامة حتى ينتظم التداعي في المسائل الدستورية بالإجراءات التي رسمها وفي الموعد الذي حدده. وبالتالي، فإن ميعاد الثلاثة أشهر الذي فرضه المشرع على نحو آمر كحد أقصى لرفع الدعوى الدستورية طبقاً لنص الفقرة (ب) من المادة (29) سالفة الإشارة، يعتبر ميعاداً حتمياً يقيد محكمة الموضوع والخصوم على حد سواء، فإن هي تجاوزته أو سكتت عن تحديد أي ميعاد، تعين على الخصوم أن يلتزموا برفع دعواهم الدستورية قبل انقضاء هذا الحد الأقصى، وإلا كانت غير مقبولة.
وحيث إنه لما كان ما تقدم، وكانت محكمة المنصورة الابتدائية (الدائرة 9 عمالية) إذ قررت بجلسة 21/ 10/ 2001 التأجيل لجلسة 10/ 2/ 2002 لاتخاذ إجراءات الطعن بعدم الدستورية، محددة بذلك أجلاً لرفع الدعوى الدستورية يتجاوز ميعاد الأشهر الثلاثة الذي حدده المشرع كحد أقصى لرفعها. ومن ثم، فقد تعين على المدعيين أن يلتزما هذا الحد ويقيما دعواهما الدستورية في غضونه، أما وقد تراخيا ولم يودعا صحيفة دعواهما إلا في 31/ 1/ 2002 على ما سلفت الإشارة، فإن دعواهما هذه تكون قد أقيمت بعد انقضاء الأجل المحدد قانوناً، مما يتعين معه الحكم بعدم قبول الدعوى.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بعدم قبول الدعوى، ومصادرة الكفالة، وإلزام المدعيين المصروفات، ومائتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة.

القضية 22 لسنة 8 ق جلسة 4/ 1 / 1992 دستورية عليا مكتب فني 5 ج 1 دستورية ق 14 ص 89

المنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ : ⁦۱۹۹۲/۰۱/۲۳⁩

برياسة عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة وحضور محمد ابراهيم أبو العينين ومحمد ولى الدين جلال وفاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير وسامى فرج يوسف ومحمد على عبد الواحد أعضاء والسيد عبد الحميد عمارة المفوض ورأفت محمد عبد الواحد امين السر .

--- ١ ---
لما كان القرار بقانون رقم ٣٢ لسنة ١٩٦٣ ، قد نشر فى الجريدة الرسمية فى ١١ مارس سنة ١٩٦٣ ، و عمل به - وفقا لنص المادة الثانية منه " المطعون عليها " - بأثر رجعى اعتبارا من أول يناير سنة ١٩٦٣ ، و كان هذا القرار بقانون قد صدر مضيفا إلى القانون رقم ٢٣٢ لسنة ١٩٥٩ فى شأن شروط الخدمة و الترقية لضباط القوات المسلحة، مادة جديدة برقم ١١٣ مكررا تخول نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة ، عندما تكون هذه القوات فى خدمة الميدان ، أن يوقع على الضباط الذين يرتكبون إحدى الجرائم المنصوص عليها فى المواد ١٣٣ ، ١٣٤ ، ١٣٥ من قانون الأحكام العسكرية العقوبات الإنضباطية التى حددتها ، و يندرج تحتها تنزيل الضابط إلى رتبة ضابط صف أو عسكرى . متى كان ذلك ، و كان القرار بقانون رقم ٣٢ لسنة ١٩٦٣ المشار إليه قد ألغى بالقرار بقانون رقم ١٨ لسنة ١٩٦٧ ، إلا أن هذا الإلغاء لا يحول بين هذه المحكمة و بين الفصل فى دستورية المادة الثانية من القرار بقانون رقم ٣٢ لسنة ١٩٦٣ المطعون عليها فى الدعوى الماثلة . ذلك أن أحكام هذا القرار بقانون ، هى التى جرى تطبيقها خلال فترة نفاذها فى حق مورث المدعين ، و ترتبت بمقتضاها أثار قانونية بالنسبة إليه تتمثل فى تجريده من رتبته و إنهاء خدمته ، و هى آثار لم يسقطها القرار بقانون رقم ١٨ لسنة ١٩٦٧ ، إذ عمل به بأثر مباشر اعتباراً من تاريخ نشره فى ٦ يوليه سنة ١٩٦٧ و بالتالى ظل الأثر الرجعى لنص المادة الثانية المطعون عليها قائما ، و ظل باقيا كذلك ما رتبته من آثار العقوبة الانضباطية التى وقعتها السلطة القيادية ، و هى عقوبة نازع مورث المدعين فى مشروعيتها بالنسبة إليه ، بمقولة تعلقها بأفعال لم تكن النصوص القانونية المعمول بها عند إرتكابها تقرر فى شأنها هذه العقوبة المجحفة بما يعدم أساس فرضها . إذ كان ذلك، و كان مناط المصلحة الشخصية و المباشرة فى الدعوى الدستورية - و هى شرط لقبولها - أن يكون ثمة ارتباط بينها و بين المصلحة القائمة فى الدعوى الموضوعية و ذلك بأن يكون الفصل فى المسألة الدستورية لازما للفصل فى الطلبات المرتبطة بها المطروحة أمام محكمة الموضوع ، فإن مصلحة المدعين فى الطعن على الأثر الرجعى الذى تضمنته المادة الثانية من القرار بقانون رقم ١٣٢ لسنة ١٩٦٣ المشار إليه - و الذى تعلق به المركز القانونى لمورثهم - تكون قائمة .

--- ٢ ---
لما كان القرار بقانون رقم ٣٢ لسنة ١٩٦٣ ، قد نشر فى الجريدة الرسمية فى ١١ مارس سنة ١٩٦٣ ، و عمل به - وفقا لنص المادة الثانية منه " المطعون عليها " - بأثر رجعى اعتبارا من أول يناير سنة ١٩٦٣ ، و كان هذا القرار بقانون قد صدر مضيفا إلى القانون رقم ٢٣٢ لسنة ١٩٥٩ فى شأن شروط الخدمة و الترقية لضباط القوات المسلحة، مادة جديدة برقم ١١٣ مكررا تخول نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة ، عندما تكون هذه القوات فى خدمة الميدان ، أن يوقع على الضباط الذين يرتكبون إحدى الجرائم المنصوص عليها فى المواد ١٣٣ ، ١٣٤ ، ١٣٥ من قانون الأحكام العسكرية العقوبات الإنضباطية التى حددتها ، و يندرج تحتها تنزيل الضابط إلى رتبة ضابط صف أو عسكرى . متى كان ذلك ، و كان القرار بقانون رقم ٣٢ لسنة ١٩٦٣ المشار إليه قد ألغى بالقرار بقانون رقم ١٨ لسنة ١٩٦٧ ، إلا أن هذا الإلغاء لا يحول بين هذه المحكمة و بين الفصل فى دستورية المادة الثانية من القرار بقانون رقم ٣٢ لسنة ١٩٦٣ المطعون عليها فى الدعوى الماثلة . ذلك أن أحكام هذا القرار بقانون ، هى التى جرى تطبيقها خلال فترة نفاذها فى حق مورث المدعين ، و ترتبت بمقتضاها أثار قانونية بالنسبة إليه تتمثل فى تجريده من رتبته و إنهاء خدمته ، و هى آثار لم يسقطها القرار بقانون رقم ١٨ لسنة ١٩٦٧ ، إذ عمل به بأثر مباشر اعتباراً من تاريخ نشره فى ٦ يوليه سنة ١٩٦٧ و بالتالى ظل الأثر الرجعى لنص المادة الثانية المطعون عليها قائما ، و ظل باقيا كذلك ما رتبته من آثار العقوبة الانضباطية التى وقعتها السلطة القيادية ، و هى عقوبة نازع مورث المدعين فى مشروعيتها بالنسبة إليه ، بمقولة تعلقها بأفعال لم تكن النصوص القانونية المعمول بها عند إرتكابها تقرر فى شأنها هذه العقوبة المجحفة بما يعدم أساس فرضها . إذ كان ذلك، و كان مناط المصلحة الشخصية و المباشرة فى الدعوى الدستورية - و هى شرط لقبولها - أن يكون ثمة ارتباط بينها و بين المصلحة القائمة فى الدعوى الموضوعية و ذلك بأن يكون الفصل فى المسألة الدستورية لازما للفصل فى الطلبات المرتبطة بها المطروحة أمام محكمة الموضوع ، فإن مصلحة المدعين فى الطعن على الأثر الرجعى الذى تضمنته المادة الثانية من القرار بقانون رقم ١٣٢ لسنة ١٩٦٣ المشار إليه - و الذى تعلق به المركز القانونى لمورثهم - تكون قائمة .

--- ٣ ---
البين من المادة ١١٣ مكررا التى أضافها القرار بقانون رقم ٣٢ لسنة ١٩٦٣ إلى أحكام القانون رقم ٢٣٢ لسنة ١٩٥٩ فى شأن شروط الخدمة و الترقية لضباط القوات المسلحة ، إن العقوبات الانضباطية التى قررتها و التى يجوز للقادة توقيعها بغية أحكام سيطرتهم على مرؤوسيهم ، و لتقويم أعوجاجهم عند مخالفتهم القوانين أو الأوامر أو التقاليد العسكرية ، أو خروجهم على موجباتهم و عدم التقيد الصارم بها ، هى فى تكييفها الصحيح جزاء عن جرائم تأديبية قوامها إخلال المرؤسين بواجباتهم التى تمليها قواعد الانضباط و مقتضيات النظام العسكرى . و من ثم تعتبر هذه العقوبات الانضباطية وثيقة الصلة بضمان الطاعة الواعية للأوامر ، و العمل بموجبها دون إبطاء أو كلل . و تبرز طبيعتها التأديبية بوجه خاص أثناء خدمة الميدان ، إذ يعتبر القادة ملتزمين بمراعاة القواعد الانضباطية و تطبيقها بكل حزم و دعمها بين أفراد وحداتهم بالقوة و الصلابة اللازمين ، و ذلك لضمان طاعتهم المطلقة لأوامر رؤسائهم و عدم التردد فى تنفيذها ، أو تنفيذها فى غير توقيتاتها المحددة ، و بما يحول دوما دون معارضتها ، و يصون لوحداتهم بالتالى خصائصها القتالية العالية .

--- ٤ ---
الطبيعة التأديبية للعقوبات الانضباطية المنصوص عليها فى المادة ١١٣ مكررا ، لا ينال منها أن يكون توقيعها حال مقارفة أحد الضباط لإحدى الجرائم المنصوص عليها فى المواد ١٣٣ ، ١٣٤ ، ١٣٥ من قانون الأحكام العسكرية ، ذلك أن تقرير عقوبات جنائية عن تلك الجرائم قد تصل إلى الإعدام و انعقاد الإختصاص فى شأن المحاكمة عنها لقضاة عسكريين ، لا يحول دون تقرير مساءلة تأديبية عن هذه الأفعال ذاتها ، و انعقاد الإختصاص فى شأن تقدير الجزاء على ارتكابها للقادة و الرؤساء فى وحداتهم بوصفهم مسئولين عن الإنضباط فيها ، و من ثم تستقل العقوبة الانضباطية فى مجال تطبيقها و إجراءاتها و السلطة المختصة بتوقيعها عن العقوبة الجنائية ، باعتبار أن الفعل الواحد قد يكون جريمة مسلكية و جريمة جنائية فى آن واحد ، و أن توقيع العقوبة التأديبية فى شأن واقعة بعينها لا يحول دون رفع الدعوى الجنائية عن هذه الواقعة ذاتها ، و إنه و إن صح القول بأن الجزاء الانضباطى لا يكون محاطا فى توقيعه بالضمانات ذاتها التى توفرها المحاكمة الجنائية ، إلا هذا الجزاء تقتضيه ضرورة سيطرة القادة و الرؤساء على وحداتهم و إقرار النظام الدقيق بين أفرادها ، و يتعين بالتالى ألا يطول أمد توقيعه ، و أن يكون مؤثرا و فعالاً . و ليس أدل على إستقلال الجزاء الانضباطى عن العقوبة الجنائية من أن هذه العقوبة إنما تكون فى الأصل عن جريمة يعين القانون أركانها فى صلبه ، و لا يتخلى كلية عن تحديدها إلى أداة أدنى ، و ذلك خلافا للخطأ الانضباطى ، ذلك أن المشرع قد يعهد بأمر تحديده إلى سلطة لائحية ، و غالبا ما تقرر أكثر من جزاء للخطأ الواحد كى تقدر السلطة المختصة بتوقيعه ما يكون مناسبا - من بينها - لكل حالة على حدة ، و هو ما أكدته المادة ٢٤ من قانون الأحكام العسكرية الصادر بالقانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٦٦ حين ناطت أمر تحديد الجرائم و العقوبات الانضباطية إلى قرار يصدر عن السلطات العسكرية المختصة طبقا للقانون ، و ذلك خلافا للنهج الذى احتذاه هذا القانون فى شأن الجرائم العسكرية و العقوبات المقررة لها ، إذ بين فى صلبه كافة أحكامها .

--- ٥ ---
الطبيعة التأديبية للعقوبات الانضباطية المنصوص عليها فى المادة ١١٣ مكررا ، لا ينال منها أن يكون توقيعها حال مقارفة أحد الضباط لإحدى الجرائم المنصوص عليها فى المواد ١٣٣ ، ١٣٤ ، ١٣٥ من قانون الأحكام العسكرية ، ذلك أن تقرير عقوبات جنائية عن تلك الجرائم قد تصل إلى الإعدام و انعقاد الإختصاص فى شأن المحاكمة عنها لقضاة عسكريين ، لا يحول دون تقرير مساءلة تأديبية عن هذه الأفعال ذاتها ، و انعقاد الإختصاص فى شأن تقدير الجزاء على ارتكابها للقادة و الرؤساء فى وحداتهم بوصفهم مسئولين عن الإنضباط فيها ، و من ثم تستقل العقوبة الانضباطية فى مجال تطبيقها و إجراءاتها و السلطة المختصة بتوقيعها عن العقوبة الجنائية ، باعتبار أن الفعل الواحد قد يكون جريمة مسلكية و جريمة جنائية فى آن واحد ، و أن توقيع العقوبة التأديبية فى شأن واقعة بعينها لا يحول دون رفع الدعوى الجنائية عن هذه الواقعة ذاتها ، و إنه و إن صح القول بأن الجزاء الانضباطى لا يكون محاطا فى توقيعه بالضمانات ذاتها التى توفرها المحاكمة الجنائية ، إلا هذا الجزاء تقتضيه ضرورة سيطرة القادة و الرؤساء على وحداتهم و إقرار النظام الدقيق بين أفرادها ، و يتعين بالتالى ألا يطول أمد توقيعه ، و أن يكون مؤثرا و فعالاً . و ليس أدل على إستقلال الجزاء الانضباطى عن العقوبة الجنائية من أن هذه العقوبة إنما تكون فى الأصل عن جريمة يعين القانون أركانها فى صلبه ، و لا يتخلى كلية عن تحديدها إلى أداة أدنى ، و ذلك خلافا للخطأ الانضباطى ، ذلك أن المشرع قد يعهد بأمر تحديده إلى سلطة لائحية ، و غالبا ما تقرر أكثر من جزاء للخطأ الواحد كى تقدر السلطة المختصة بتوقيعه ما يكون مناسبا - من بينها - لكل حالة على حدة ، و هو ما أكدته المادة ٢٤ من قانون الأحكام العسكرية الصادر بالقانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٦٦ حين ناطت أمر تحديد الجرائم و العقوبات الانضباطية إلى قرار يصدر عن السلطات العسكرية المختصة طبقا للقانون ، و ذلك خلافا للنهج الذى احتذاه هذا القانون فى شأن الجرائم العسكرية و العقوبات المقررة لها ، إذ بين فى صلبه كافة أحكامها .

--- ٦ ---
الأصل فى النصوص الدستورية أنها تؤخذ باعتبارها متكاملة ، و أن المعانى التى تتولد عنها يتعين أن تكون مترابطة فيما بينها بما يرد عنها التنافر أو التعارض . هذا بالإضافة إلى أن هذه النصوص إنما تعمل فى إطار وحدة عضوية تجعل من أحكامها نسيجا متآلفا متماسكا بما مؤداه أن يكون لكل نص منها مضمون محدد يستقل به عن غيره من النصوص استقلالا لا يعزلها عن بعضها البعض ، و إنما يقيم منها فى مجموعها ذلك البنيان الذى يعكس ما ارتأته الإرادة الشعبية أقوم لدعم تفسر النصوص الدستورية بما يبتعد بها عن الغاية النهائية المقصودة منها ، و لا أن ينظر إليها بوصفها هائمة فى الفراغ ، أو باعتبارها قيما مثالية منفصلة عن محيطها الاجتماعى ، و إنما يتعين دوما أن تحمل مقاصدها بمراعاة أن الدستور وثيقة تقدمية لا ترتد مفاهيمها إلى حقبة ماضية و إنما تمثل القواعد التى يقوم عليها ، و التى صاغتها الإرادة الشعبية ، إنطلاقة إلى تغيير لا تصد عن التطور آفاقه الرحبة .

--- ٧ ---
الأصل فى النصوص الدستورية أنها تؤخذ باعتبارها متكاملة ، و أن المعانى التى تتولد عنها يتعين أن تكون مترابطة فيما بينها بما يرد عنها التنافر أو التعارض . هذا بالإضافة إلى أن هذه النصوص إنما تعمل فى إطار وحدة عضوية تجعل من أحكامها نسيجا متآلفا متماسكا بما مؤداه أن يكون لكل نص منها مضمون محدد يستقل به عن غيره من النصوص استقلالا لا يعزلها عن بعضها البعض ، و إنما يقيم منها فى مجموعها ذلك البنيان الذى يعكس ما ارتأته الإرادة الشعبية أقوم لدعم تفسر النصوص الدستورية بما يبتعد بها عن الغاية النهائية المقصودة منها ، و لا أن ينظر إليها بوصفها هائمة فى الفراغ ، أو باعتبارها قيما مثالية منفصلة عن محيطها الاجتماعى ، و إنما يتعين دوما أن تحمل مقاصدها بمراعاة أن الدستور وثيقة تقدمية لا ترتد مفاهيمها إلى حقبة ماضية و إنما تمثل القواعد التى يقوم عليها ، و التى صاغتها الإرادة الشعبية ، إنطلاقة إلى تغيير لا تصد عن التطور آفاقه الرحبة .

--- ٨ ---
إن الدستور إذ نص فى المادة ٦٥ منه على خضوع الدولة للقانون و إن استقلال القضاء و حصانته ضمانان أساسيان لحماية الحقوق و الحريات ، فقد دل بذلك على أن الدولة القانونية هى التى تتقيد فى كافة مظاهر نشاطها - و أيا كانت طبيعة سلطاتها - بقواعد قانونية تعلو عليها و تكون بذاتها ضابطا لأعمالها و تصرفاتها فى أشكالها المختلفة ، ذلك أن ممارسة السلطة لم تعد امتيازا شخصيا لأحد ، و لكنها تباشر نيابة عن الجماعة و لصالحها . و لئن صح بأن السلطة لا تعتبر مشروعة ما لم تكن وليدة الإرادة الشعبية و تعبيرا عنها ، إلا أن إنبثاق هذه السلطة عن تلك الإرادة و ارتكازها عليها لا يفيد بالضرورة إن من يمارسها مقيد بقواعد قانونية تكون عاصما من جموحها و ضمانا لردها على أعقابها إن هى جاوزتها متخطية حدودها ، و كان حتما بالتالى أن تقوم الدولة فى مفهومها المعاصر - و خاصة فى مجال توجهها نحو الحرية - على مبدأ مشروعية السلطة مقترنا و معززا بمبدأ الخضوع للقانون باعتبارهما مبدآن متكاملان لا تقوم بدونهما المشروعية فى أكثر جوانبها أهمية ، و لأن الدولة القانونية هى التى تتوافر لكل مواطن فى كنفها الضمانة الأولية لحماية حقوقه و حرياته ، و لتنظيم السلطة و ممارستها فى إطار من المشروعية ، و هى ضمانة يدعمها القضاء من خلال استقلاله و حصانته لتصبح القاعدة القانونية محورا لكل تنظيم ، و حدا لكل سلطة ، و رادعا ضد العدوان .

--- ٩ ---
إن الدستور إذ نص فى المادة ٦٥ منه على خضوع الدولة للقانون و إن استقلال القضاء و حصانته ضمانان أساسيان لحماية الحقوق و الحريات ، فقد دل بذلك على أن الدولة القانونية هى التى تتقيد فى كافة مظاهر نشاطها - و أيا كانت طبيعة سلطاتها - بقواعد قانونية تعلو عليها و تكون بذاتها ضابطا لأعمالها و تصرفاتها فى أشكالها المختلفة ، ذلك أن ممارسة السلطة لم تعد امتيازا شخصيا لأحد ، و لكنها تباشر نيابة عن الجماعة و لصالحها . و لئن صح بأن السلطة لا تعتبر مشروعة ما لم تكن وليدة الإرادة الشعبية و تعبيرا عنها ، إلا أن إنبثاق هذه السلطة عن تلك الإرادة و ارتكازها عليها لا يفيد بالضرورة إن من يمارسها مقيد بقواعد قانونية تكون عاصما من جموحها و ضمانا لردها على أعقابها إن هى جاوزتها متخطية حدودها ، و كان حتما بالتالى أن تقوم الدولة فى مفهومها المعاصر - و خاصة فى مجال توجهها نحو الحرية - على مبدأ مشروعية السلطة مقترنا و معززا بمبدأ الخضوع للقانون باعتبارهما مبدآن متكاملان لا تقوم بدونهما المشروعية فى أكثر جوانبها أهمية ، و لأن الدولة القانونية هى التى تتوافر لكل مواطن فى كنفها الضمانة الأولية لحماية حقوقه و حرياته ، و لتنظيم السلطة و ممارستها فى إطار من المشروعية ، و هى ضمانة يدعمها القضاء من خلال استقلاله و حصانته لتصبح القاعدة القانونية محورا لكل تنظيم ، و حدا لكل سلطة ، و رادعا ضد العدوان .

--- ١٠ ---
إن الدستور إذ نص فى مادته الأولى على أن جمهورية مصر العربية دولة نظامها ديمقراطى اشتراكى ، و فى مادته الثالثة على أن السيادة للشعب ... و هو يمارسها و يحميها على الوجه المبين فى الدستور ، و فى مادته الرابعة على أن الأساس الاقتصادى لجمهورية مصر العربية هو النظام الاشتراكى الديمقراطى . فإن مؤدى هذه النصوص - مرتبطة بالمادة ٦٥ من الدستور - أنه فى مجال حقوق المواطن و حرياته الأساسية . فإن مضمون القاعدة القانونية التى تسمو فى الدولة القانونية عليها ، و تتقيد هى بها . إنما يتحدد على ضوء مستوياتها التى التزمتها الدولة الديمقراطية بإطراد فى مجتمعاتها ، و استقر العمل بالتالى على انتهاجها فى مظاهر سلوكها المختلفة . و فى هذا الإطار ، و إلتزاما بأبعاده ، لا يجوز للدولة القانونية فى تنظيماتها المختلفة أن تنزل بالحماية التى توفرها لحقوق مواطنيها و حرياتهم عن الحدود الدنيا لمتطلباتها المقبولة بوجه عام فى الدول الديمقراطية ، و لا أن تفرض على تمتعهم بها أو مباشرتهم لها قيودا تكون فى جوهرها أو مداها مجافية لتلك التى درج العمل فى النظم الديمقراطية على تطبيقها . بل أن خضوع الدولة للقانون محددا على ضوء مفهوم ديمقراطى مؤداه ألا تخل تشريعاتها بالحقوق التى يعتبر التسليم بها فى الدول الديمقراطية مفترضا أوليا لقيام الدولة القانونية ، و ضمانة أساسية لصون حقوق الإنسان و كرامته و شخصيته المتكاملة ، و يندرج تحتها طائفة من الحقوق تعتبر وثيقة الصلة بالحرية الشخصية التى كفلها الدستور فى المادة ٤١ منه و اعتبرها من الحقوق الطبيعية التى لا تمس ، من بينها ألا تكون العقوبة الجنائية التى توقعها الدولة بتشريعاتها مهينة فى ذاتها ، أو ممعنة فى قسوتها ، أو منطوية على تقييد الحرية الشخصية بغير انتهاج الوسائل القانونية السليمة ، أو متضمنة معاقبة الشخص مرتين عن فعل واحد . كذلك فإنه مما ينافى مفهوم الدولة القانونية على النحو السالف بيانه أن تقرر الدولة سريان عقوبة تأديبية بأثر رجعى ، و ذلك بتطبيقها على أفعال لم تكن حين إتيانها تشكل ذنبا إداريا مؤاخذا عليه بها مثلما هو الحال فى الدعوى الراهنة .

--- ١١ ---
إن الدستور إذ نص فى مادته الأولى على أن جمهورية مصر العربية دولة نظامها ديمقراطى اشتراكى ، و فى مادته الثالثة على أن السيادة للشعب ... و هو يمارسها و يحميها على الوجه المبين فى الدستور ، و فى مادته الرابعة على أن الأساس الاقتصادى لجمهورية مصر العربية هو النظام الاشتراكى الديمقراطى . فإن مؤدى هذه النصوص - مرتبطة بالمادة ٦٥ من الدستور - أنه فى مجال حقوق المواطن و حرياته الأساسية . فإن مضمون القاعدة القانونية التى تسمو فى الدولة القانونية عليها ، و تتقيد هى بها . إنما يتحدد على ضوء مستوياتها التى التزمتها الدولة الديمقراطية بإطراد فى مجتمعاتها ، و استقر العمل بالتالى على انتهاجها فى مظاهر سلوكها المختلفة . و فى هذا الإطار ، و إلتزاما بأبعاده ، لا يجوز للدولة القانونية فى تنظيماتها المختلفة أن تنزل بالحماية التى توفرها لحقوق مواطنيها و حرياتهم عن الحدود الدنيا لمتطلباتها المقبولة بوجه عام فى الدول الديمقراطية ، و لا أن تفرض على تمتعهم بها أو مباشرتهم لها قيودا تكون فى جوهرها أو مداها مجافية لتلك التى درج العمل فى النظم الديمقراطية على تطبيقها . بل أن خضوع الدولة للقانون محددا على ضوء مفهوم ديمقراطى مؤداه ألا تخل تشريعاتها بالحقوق التى يعتبر التسليم بها فى الدول الديمقراطية مفترضا أوليا لقيام الدولة القانونية ، و ضمانة أساسية لصون حقوق الإنسان و كرامته و شخصيته المتكاملة ، و يندرج تحتها طائفة من الحقوق تعتبر وثيقة الصلة بالحرية الشخصية التى كفلها الدستور فى المادة ٤١ منه و اعتبرها من الحقوق الطبيعية التى لا تمس ، من بينها ألا تكون العقوبة الجنائية التى توقعها الدولة بتشريعاتها مهينة فى ذاتها ، أو ممعنة فى قسوتها ، أو منطوية على تقييد الحرية الشخصية بغير انتهاج الوسائل القانونية السليمة ، أو متضمنة معاقبة الشخص مرتين عن فعل واحد . كذلك فإنه مما ينافى مفهوم الدولة القانونية على النحو السالف بيانه أن تقرر الدولة سريان عقوبة تأديبية بأثر رجعى ، و ذلك بتطبيقها على أفعال لم تكن حين إتيانها تشكل ذنبا إداريا مؤاخذا عليه بها مثلما هو الحال فى الدعوى الراهنة .

--- ١٢ ---
إن أعمال حكم المادة ١١٣ مكررا من القانون رقم ٢٣٢ لسنة ١٩٥٩ المضافة بالقرار بقانون رقم ٣٢ لسنة ١٩٦٣ - الذى نشر فى الجريدة الرسمية فى ١١ مارس سنة ١٩٦٣ - بأثر رجعى يرتد إلى أول يناير سنة ١٩٦٣ ، مؤداه أن العقوبات الانضباطية المقررة بها لم تكن قائمة فى تاريخ وقوع الفعل محل المؤاخذة التأديبية فى الدعوى المماثلة ، و من ثم يكون نص المادة الثانية من القرار بقانون رقم ٣٢ لسنة ١٩٦٣ - الذى أعمل هذه الرجعية - مخالفا فى هذا النطاق لأحكام المواد ١ ، ٣ ، ٤ ، ٦٥ من الدستور .

-------------
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق ، والمداولة . حيث إن الوقائع - على ما يبين من قرار الإحالة وسائر الأوراق - تتحصل فى أن مورث المدعين كان قد أقام الدعوى رقم ١١٦٩ لسنة ٢٦ قضائية أمام محكمة القضاء الإدارى ضد وزير الحربية طالباً فيها الحكم بإلغاء قرار نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة بعزله إلى رتبة عسكرى وما يترتب على ذلك من آثار . وإذ أحيلت الدعوى إلى المحكمة الإدارية للعاملين بوزارة الحربية التى انتهت فى ٢٧ مارس سنة ١٩٧٣ إلى عدم اختصاص مجلس الدولة بهيئة قضاء إدارى بنظرها ، فقد طعن المدعى على حكمها أمام الدائرة الاستئنافية بمحكمة القضاء الإدارى ، إلا أن هذه المحكمة أحالتها إلى اللجنة المختصة بها - وهى - اللجنة القضائية لضباط القوات البرية - حيث قيدت أمامها برقم ١٣٣ لسنة ١٩٧٩ برية . وإذ تبين لهذه اللجنة أن مورث المدعين كان نقيباً حين أصدر نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة قراراً بمعاقبته انضباطياً وذلك بتنزيله إلى درجة عسكرى لعدم قيامه بواجبه فى الميدان ، وكان هذا الجزاء يفتقر - فى تقدير اللجنة - إلى نص قانونى يستند إليه إذ وقعته سلطة قيادية إعمالاً للمادة ١١٣ مكرراً من القانون رقم ٢٣٢ لسنة ١٩٥٩) فى شأن شروط الخدمة والترقية لضباط القوات المسلحة المضافة إليه بالقرار بقانون رقم ٣٢ لسنة ١٩٦٣ الذى تنص مادته الثانية على العمل بحكم المادة ١١٣ مكرراً بأثر رجعى اعتباراً من أول يناير سنة ١٩٦٣ ، مستهدفة بهذه الرجعية تغطية الفترة التى قام فيها نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة بتوقيع عقوبات عن أفعال لم تكن القوانين المعمول بها آنئذ تقرر جزاء انضباطياً على ارتكابها ، فقد أحالت اللجنة المشار إليها نص المادة الثانية من القرار بقانون رقم ٣٢ لسنة ١٩٦٣ على هذه المحكمة للفصل فى دستورية ما قررته من العمل بأحكام المادة ١١٣ مكرراً سالفة البيان اعتباراً من أول يناير سنة ١٩٦٣ قولاً منها بأن حكمها يتضمن مخالفة لنص المادة ٦٦ من الدستور لفرضها عقوبات عن أفعال سابقة على صدور هذا القرار بقانون ، وهى أفعال يتطلب قانون الأحكام العسكرية ألا توقع فى شأنها عقوبة إلا بحكم قضائى بوصفها منطوية على تهم لا تجوز مواجهتها بعقوبة انضباطية تفتقر إلى ضمانات المحاكمة الجنائية العسكرية . وحيث إن القرار بقانون رقم ٣٢ لسنة ١٩٦٣ الذى نشر فى الجريدة الرسمية فى ١١ مارس سنة ١٩٦٣ ، وعمل به اعتباراًٍ من أول يناير سنة ١٩٦٣ قد نص فى مادته الأولى على إضافة مادة جديدة برقم ١١٣ مكرراً إلى القانون رقم ٢٣٢ لسنة ١٩٥٩ فى شأن شروط الخدمة والترقية لضباط القوات المسلحة تخول نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة عندما تكون القوات فى خدمة الميدان ، أن يوقع على الضباط الذين يرتكبون إحدى الجرائم المنصوص عليها فى المواد ١٣٣ ، ١٣٤ ، ١٣٥ من قانون الأحكام العسكرية : العقوبات الانضباطية الآتى بيانها : ١- حرمان الضابط من أقدميته فى الرتبة ٢- تنزيله من رتبته إلى رتبة أدنى منها ٣- تنزيله إلى درجة ضابط صف أو عسكرى . كما نص هذا القرار بقانون - فى مادته الثانية - على أن ينشر فى الجريدة الرسمية ويعمل به اعتباراً من أول يناير سنة ١٩٦٣ . وحيث إنه وإن كان القرار بقانون رقم ٣٢ لسنة ١٩٦٣ المشار إليه قد الغى بالقرار بقانون رقم ١٨ لسنة ١٩٦٧ ، إلا أن هذا الإلغاء لا يحول بين هذه المحكمة - وعلى ما جرى عليه قضاؤها - وبين الفصل فى دستورية المادة الثانية من القرار بقانون رقم ٣٢ لسنة ١٩٦٣ المطعون عليها فى الدعوى الماثلة . ذلك أن أحكام هذا القرار بقانون هى التى جرى تطبيقها خلال فترة نفاذها فى حق مورث المدعين ، وترتبت بمقتضاها آثار قانونية بالنسبة إليه تتمثل فى تجريده من رتبته وإنهاء خدمته ، وهى آثار لم يسقطها القرار بقانون رقم ١٨ لسنة ١٩٦٧ ، إذ عمل به بأثر مباشر اعتباراً من تاريخ نشره فى ٦ يوليه سنة ١٩٦٧، وبالتالى ظل الأثر الرجعى لنص المادة الثانية المطعون عليها قائماً ، وظل باقياً كذلك ما رتبته من آثار العقوبة الانضباطية التى وقعتها السلطة القيادية ، وهى عقوبة نازع مورث المدعين فى مشروعيتها بالنسبة إليه ، بمقولة تعلقها بأفعال لم تكن النصوص القانونية المعمول بها عند ارتكابها تقرر فى شأنها هذه العقوبة المجحفة بما يعدم أساس فرضها . إذ كان ذلك ، وكان مناط المصلحة الشخصية والمباشرة فى الدعوى الدستورية - وهى شرط لقبولها - أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة فى الدعوى الموضوعية وذلك بأن يكون الفصل فى المسألة الدستورية لازماً للفصل فى الطلبات المرتبطة بها المطروحة أمام محكمة الموضوع ، فإن مصلحة المدعين فى الطعن على الأثر الرجعى الذى تضمنته المادة الثانية من القرار بقانون رقم ٣٢ لسنة ١٩٦٣ المشار إليه - والذى تعلق به المركز القانونى لمورثهم - تكون قائمة . وحيث إن البين من المادة ١١٣ مكرراً التى أضافها القرار بقانون رقم ٣٢ لسنة ١٩٦٣ إلى أحكام القانون رقم ٢٣٢ لسنة ١٩٥٩ المشار إليها ، أن العقوبات الانضباطية التى قررتها والتى يجوز للقادة توقيعها بغية إحكام سيطرتهم على مرؤوسيهم ولتقويم اعوجاجهم عند مخالفتهم القوانين أو الأوامر أو التقاليد العسكرية أو خروجهم على موجباتها وعدم التقيد الصارم بها ، هى فى تكييفها الصحيح جزاء عن جرائم تأديبية قوامها إخلال المرؤوسين بواجباتهم التى تمليها قواعد الانضباط ومقتضيات النظام العسكرى ، ومن ثم تعتبر هذه العقوبات الانضباطية وثيقة الصلة بضمان الطاعة الواعية للأوامر ، والعمل بموجبها دون إبطاء أو كلل . وتبرز طبيعتها التأديبية بوجه خاص أثناء خدمة الميدان ، إذ يعتبر القادة ملتزمين بمراعاة القواعد الانضباطية وتطبيقها بكل حزم ودعمها بين أفراد وحداتهم بالقوة والصلابة اللازمين ، وذلك لضمان طاعتهم المطلقة لأوامر رؤسائهم وعدم التردد فى تنفيذها ، أو تنفيذها فى غير توقيتاتها المحددة ، وبما يحول دوماً دون معارضتها ، ويصون لوحداتهم بالتالى خصائصها القتالية العالية . وحيث إنه لا ينال من الطبيعة التأديبية للعقوبات الانضباطية المنصوص عليها فى المادة ١١٣ مكرراً المشار إليها ، أن يكون توقيعها حال مقارفة أحد الضباط لإحدى الجرائم المنصوص عليها فى المواد ١٣٣ ، ١٣٤ ، ١٣٥ من قانون الأحكام العسكرية ، ذلك أن تقرير عقوبات جنائية عن تلك الجرائم قد تصل إلى الإعدام وانعقاد الاختصاص فى شأن المحاكمة عنها لقضاة عسكريين ، لا يحول دون تقرير مساءلة تأديبية عن هذه الأفعال ذاتها ، وانعقاد الاختصاص فى شأن تقدير الجزاء على ارتكابها للقادة والرؤساء فى وحداتهم بوصفهم مسئولين عن الانضباط فيها ، ومن ثم تستقل العقوبة الانضباطية فى مجال تطبيقها وإجراءاتها والسلطة المختصة بتوقيعها عن العقوبة الجنائية ، باعتبار أن الفعل الواحد قد يكون جريمة مسلكية وجريمة جنائية فى آن واحد ، وأن توقيع العقوبة التأديبية فى شأن واقعة بعينها لا يحول دون رفع الدعوى الجنائية عن هذه الواقعة ذاتها ، وأنه وإن صح القول بأن الجزاء الانضباطى لا يكون محاطاً فى توقيعه بالضمانات ذاتها التى توفرها المحاكمة الجنائية ، إلا أن هذا الجزاء تقتضيه ضرورة سيطرة القادة والرؤساء على وحداتهم وإقرار النظام الدقيق بين أفرادها ، ويتعين بالتالى ألا يطول أمد توقيعه ، وأن يكون مؤثراً وفعالاً . وليس أدل على استقلال الجزاء الانضباطى عن العقوبة الجنائية من أن هذه العقوبة إنما تكون فى الأصل عن جريمة يعين القانون أركانها فى صلبه ولا يتخلى كلية عن تحديدها إلى أداة أدنى ، وذلك خلافاً للخطأ الانضباطى ، ذلك أن المشرع قد يعهد بأمر تحديده إلى سلطة لائحية ، وغالباً ما تقرر أكثر من جزاء للخطأ الواحد كى تقدر السلطة المختصة بتوقيعه ما يكون مناسباً - من بينها - لكل حالة على حدة ، وهو ما أكدته المادة ٢٤ من قانون الأحكام العسكرية الصادر بالقانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٦٦ حين ناطت أمر تحديد الجرائم والعقوبات الانضباطية إلى قرار يصدر عن السلطات العسكرية المختصة طبقاً للقانون ، وذلك خلافاً للنهج الذى احتذاه هذا القانون فى شأن الجرائم العسكرية والعقوبات المقررة لها إذ بين فى صلبه كافة أحكامها . وحيث إنه إذ كان ذلك ، تعين القول بأن العقوبة الانضباطية التى وقعتها السلطة الرئاسية فى حق مورث المدعين ، هى عقوبة من طبيعة تأديبية ، ولا شأن لها بالمجال الجنائى ، وإن ما قررته المادة الثانية من القرار بقانون رقم ٣٢ لسنة ١٩٦٣ من سريان أحكامه بأثر رجعى ، إنما توخى تغطية فترة زمنية لم تكن فيها هذه العقوبة قائمة ، الأمر الذى يحتم إخضاع حكمها لما تتولاه هذه المحكمة من رقابة دستورية . وحيث إن الأصل فى النصوص الدستورية أنها تؤخذ باعتبارها متكاملة ، وأن المعانى التى تتولد عنها يتعين أن تكون مترابطة فيما بينها بما يرد عنها التنافر أو التعارض . هذا بالإضافة إلى أن هذه النصوص إنما تعمل فى إطار وحدة عضوية تجعل من أحكامها نسيجاً متآلفاً متماسكاً بما مؤداه أن يكون لكل نص منها مضمون محدد يستقل به عن غيره من النصوص استقلالاً لا يعزلها عن بعضها البعض ، وإنما يقيم منها فى مجموعها ذلك البنيان الذى يعكس ما ارتأته الإرادة الشعبية أقوم لدعم مصالحها فى المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، ولا يجوز بالتالى أن تفسر النصوص الدستورية بما يبتعد بها عن الغاية النهائية المقصودة منها ، ولا أن ينظر إليها بوصفها هائمة فى الفراغ ، أو باعتبارها قيماً مثالية منفصلة عن محيطها الاجتماعى ، وإنما يتعين دوماً أن تحمل مقاصدها بمراعاة أن الدستور وثيقة تقدمية لا ترتد مفاهيمها إلى حقبة ماضية وإنما تمثل القواعد التى يقوم عليها والتى صاغتها الإرادة الشعبية ، انطلاقة إلى تغيير لا يصد عن التطور آفاقه الرحبة . وحيث إن الدستور إذ نص فى المادة ٦٥ منه على خضوع الدولة للقانون وإن استقلال القضاء وحصانته ضمانان أساسيان لحماية الحقوق والحريات ، فقد دل بذلك على أن الدولة القانونية هى التى تتقيد فى كافة مظاهر نشاطها - وأياً كانت طبيعة سلطاتها - بقواعد قانونية تعلو عليها وتكون بذاتها ضابطاً لأعمالها وتصرفاتها فى أشكالها المختلفة ، ذلك أن ممارسة السلطة لم تعد امتيازاً شخصياً لأحد ، ولكنها تباشر نيابة عن الجماعة ولصالحها . ولئن صح القول بأن السلطة لا تعتبر مشروعة ما لم تكن وليدة الإرادة الشعبية وتعبيراً عنها ، إلا أن انبثاق هذه السلطة عن تلك الإرادة وارتكازها عليها لا يفيد بالضرورة أن من يمارسها مقيد بقواعد قانونية تكون عاصماً من جموحها وضماناً لردها على أعقابها إن هى جاوزتها متخطية حدودها ، وكان حتماً بالتالى أن تقوم الدولة فى مفهومها المعاصر - وخاصة فى مجال توجهها نحو الحرية - على مبدأ مشروعية السلطة مقترناً ومعززاً بمبدأ الخضوع للقانون باعتبارهما مبدآن متكاملان لا تقوم بدونهما المشروعية فى أكثر جوانبها أهمية ، ولأن الدولة القانونية هى التى تتوافر لكل مواطن فى كنفها الضمانة الأولية لحماية حقوقه وحرياته ، ولتنظيم السلطة وممارستها فى إطار من المشروعية ، وهى ضمانة يدعمها القضاء من خلال استقلاله وحصانته لتصبح القاعدة القانونية محوراً لكل تنظيم ، وحدا لكل سلطة ، ورادعاً ضد العدوان . وحيث إن الدستور ينص فى مادته الأولى على أن جمهورية مصر العربية دولة نظامها ديمقراطى اشتراكى ، وفى مادته الثالثة على أن السايادة للشعب ...وهو يمارسها ويحميها على الوجه المبين فى الدستور ، وفى مادته الرابعة على أن الأساس الاقتصادى لجمهورية مصر العربية هو النظام الاشتراكى الديمقراطى . وحيث إن مؤدى هذه النصوص - مرتبطة بالمادة ٦٥ من الدستور - أنه فى مجال حقوق المواطن وحرياته الأساسية ، فإن مضمون القاعدة القانونية التى تسمو فى الدولة القانونية عليها ، وتتقيد هى بها ، إنما يتحدد على ضوء مستوياتها التى التزمتها الدول الديمقراطية باطراد فى مجتمعاتها ، واستقر العمل بالتالى على انتهاجها فى مظاهر سلوكها المختلفة . وفى هذا الإطار ، والتزاماً بأبعاده ، لا يجوز للدولة القانونية فى تنظيماتها المختلفة أن تنزل بالحماية التى توفرها لحقوق مواطنيها وحرياتهم عن الحدود الدنيا لمتطلباتها المقبولة بوجه عام فى الدول الديمقراطية ، ولا أن تفرض على تمتعهم بها أو مباشرتهم لها قيوداً تكون فى جوهرها أو مداها مجافية لتلك التى درج العمل فى النظم الديمقراطية على تطبيقها . بل أن خضوع الدولة للقانون محدداً على ضوء مفهوم ديمقراطى مؤداه ألا تخل تشريعاتها بالحقوق التى يعتبر التسليم بها فى الدول الديمقراطية مفترضاً أولياً لقيام الدولة القانونية ، وضمانة أساسية لصون حقوق الإنسان وكرامته وشخصيته المتكاملة ، ويندرج تحتها طائفة من الحقوق تعتبر وثيقة الصلة بالحرية الشخصية التى كفلها الدستور فى المادة ٤١ منه واعتبرها من الحقوق الطبيعية التى لا تمس ، من بينها ألا تكون العقوبة الجنائية التى توقعها الدولة بتشريعاتها مهينة فى ذاتها ، أو ممعنة فى قسوتها ، أو منطوية على تقييد الحرية الشخصية بغير انتهاج الوسائل القانونية السليمة أو متضمنة معاقبة الشخص مرتين عن فعل واحد . كذلك فإنه مما ينافى مفهوم الدولة القانونية على النحو السالف بيانه أن تقرر الدولة سريان عقوبة تأديبية بأثر رجعى ، وذلك بتطبيقها على أفعال لم تكن حين أتيانها تشكل ذنباً إدارياً مؤاخذاً عليه بها مثلما هو الحال فى الدعوى الراهنة . وحيث إنه لما كان ذلك ، وكان إعمال حكم المادة ١١٣ مكرراً المضافة بالقرار بقانون رقم ٣٢ لسنة ١٩٦٣ بأثر رجعى يرتد إلى أول يناير سنة ١٩٦٣ ، مؤداه أن العقوبات المقررة بها لم تكن قائمة فى تاريخ وقوع الفعل محل المؤاخذة التأديبية فى الدعوى الماثلة ، فإن نص المادة الثانية من القرار بقانون رقم ٣٢ لسنة ١٩٦٣ يكون مخالفاً فى هذا النطاق لأحكام المواد ١ ، ٣ ، ٤ ، ٦٥ من الدستور . وحيث إنه لما تقدم ، يتعين الحكم بعدم دستورية المادة الثانية من القرار بقانون رقم ٣٢ لسنة ١٩٦٣ فيما تضمنته من سريان العقوبات الانضباطية المقررة بمادته الأولى بأثر رجعى يرتد إلى أول يناير سنة ١٩٦٣ . فلهذه الأسباب حكمت المحكمة بعدم دستورية المادة الثانية من القرار بقانون رقم ٣٢ لسنة ١٩٦٣ ، وذلك فيما تضمنته من سريان العقوبات الانضباطية المقررة بمادته الأولى بأثر رجعى يرتد إلى أول يناير سنة ١٩٦٣ ، وألزمت الحكومة المصروفات ، ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة .

القضية 3 لسنة 10 ق جلسة 2/ 1 / 1993 دستورية عليا مكتب فني 5 ج 2 دستورية ق 10 ص 103

المنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ : ⁦۱۹۹۳/۰۱/۱٤⁩

برياسة عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة وحضور محمد ابراهيم أبو العينين ومحمد ولى الدين جلال وفاروق عبد الرحيم غنيم وسامى فرج يوسف وعبد المجيد فياض ومحمد على سيف الدين أعضاء ومحمد خيرى طه عبد المطلب المفوض ورأفت محمد عبد الواحد أمين السر .


--- ١ ---

لكل جزاء جنائي أثر مباشر يرتد إلى طبيعته و يتمثل فى حرمان الشخص من حقه فى الحياة أو من حريته أو ملكه، و لقد كان هذا الجزاء عبر أطوار قاتمة فى التاريخ أداة طيعة للقهر و الطغيان ، محققا للسلطة المستبدة أطماعها، و مبتعدا بالعقوبة عن أغراضها الإجتماعية ، و كان منطقيا و ضروريا أن تعمل الدول المتمدينة على أن تقيم تشريعاتها الجزائية وفق أسس ثابتة تكفل بذاتها انتهاج الوسائل القانونية السليمة فى جوانبها الموضوعية و الإجرائية ، لضمان ألا تكون العقوبة أداة قامعة للحرية عاصفة بها بالمخالفة للقيم التى تؤمن بها الجماعة فى تفاعلها مع الأمم المتحضرة و اتصالها بها، و كان لازما - فى مجال دعم هذا الاتجاه و تثبيته - أن تقرر الدساتير المعاصرة القيود التى ارتأتها على سلطان المشرع فى مجال التجريم تعبيرا عن ايمانها بأن حقوق الانسان و حرياته لا يجوز التضحية بها فى غير ضرورة تمليها مصلحة اجتماعية لها اعتبارها ، و اعترافا منها بأن الحرية فى أبعادها الكاملة لا تنفصل عن حرمة الحياة ، و أن الحقائق المريرة التى عايشتها البشرية على امتداد مراحل تطورها، تفرض نظاما متكاملا يكفل للجماعة مصالحها الحيوية، و يصون - فى اطار أهدافه - حقوق الفرد و حرياته الأساسية بما يحول دون إساءة استخدام العقوبة تشويها لأغراضها. و قد تحقق ذلك بوجه خاص من خلال ضوابط صارمة ، و مقاييس أكثر إحكاما لتحديد ماهية الأفعال المنهى عن ارتكابها، بما يزيل غموضها، و على نحو يجرد محكمة الموضوع من السلطة التقديرية التى تقرر بها قيام جريمة أو فرض عقوبة بغير نص ، كى تظل المصلحة الإجتماعية - فى مدارجها العليا - قيدا على السلطة التشريعية تحريا للشرعية فى حقيقة محتواها، و استشراقا للعدالة فى اعماق منابتها .


--- ٢ ---

عمد الدستور- فى اتجاهه إلى ترسم النظم المعاصرة و متابعة خطاها، و التقيد بمناهجها التقدمية - إلى النص فى المادة ٦٦ من على أنه لا جريمة و لا عقوبة إلا بناء على قانون، و لا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لصدور القانون الذى ينص عليها الدستور ، دالاً بذلك على أن لكل جريمة ركنا ماديا لا قوام لها بغيره يتمثل أساسا فى فعل أو امتناع وقع بالمخالفة لنص عقابى ، مفصحا بذلك عن أن ما يركن إليه القانون الجنائى ابتداء فى زواجره و نواهيه هو مادية الفعل المؤاخذ على ارتكابه، إيجابيا كان هذا الفعل أم سلبيا ، ذلك أن العلائق التى ينظمها هذا القانون فى مجال تطبيقه على المخاطبين بأحكامه، محورها الأفعال ذاتها ، فى علاماتها الخارجية، و مظاهرها الواقعية، و خصائصها المادية، إذ هى مناط التأثيم و علته، و هى التى يتصور إثباتها و نفيها، و هى التى يتم التمييز على ضوئها بين الجرائم بعضها البعض، و هى التى تديرها محكمة الموضوع على حكم العقل لتقييمها و تقدير العقوبة المناسبة لها، بل إنه فى مجال تقدير توافر القصد الجنائى، فإن محكمة الموضوع لا تعزل نفسها عن الواقعة محل الإتهام التى قام الدليل عليها قاطعاً واضحاً، و لكنها تجيل بصرها فيها منقبة من خلال عناصرها عما قصد إليه الجانى حقيقة من وراء إرتكابها. و من ثم تعكس هذه العناصر تعبيراً خارجياً و مادياً عن إرادة واعية. و لا يتصور بالتالى وفقاً لأحكام الدستور أن توجد جريمة فى غيبة ركنها المادى، و لا إقامة الدليل على توافر علاقة السببية بين مادية الفعل المؤثم و النتائج التى أحدثها بعيداً عن حقيقة هذا الفعل و محتواه. و لازم ذلك أن كل مظاهر التعبير عن الإرادة البشرية - و ليس النوايا التى يضمرها الإنسان فى أعمال ذاته - تعتبر واقعة فى منطقة التجريم كلما كانت تعكس سلوكاً خارجياً مؤاخذاً عليه قانوناً. فإذا كان الأمر غير متعلق بأفعال أحدثتها إرادة مرتكبها، و تم التعبير عنها خارجياً فى صورة مادية لا تخطئها العين، فليس ثمة جريمة.


--- ٣ ---

الأصل وفقاً لنص المادة ٦٦ من الدستور هو أن يكون لكل جريمة عقوبة محددة ينص القانون عليها فى صلبه، أو تتقرر - على الأقل - وفقاً للحدود التى يبينها. كذلك فإن من القواعد المبدئية التى يتطلبها الدستور فى القوانين الجزائية، أن تكون درجة اليقين التى تنتظم أحكامها فى أعلى مستوياتها، و أظهر فى هذه القوانين منها فى أية تشريعات أخرى، ذلك أن القوانين الجزائية تفرض على الحرية الشخصية أخطر القيود و أبلغها أثراً، و يتعين بالتالى - ضماناً لهذه الحرية - أن تكون الأفعال التى تؤثمها هذه القوانين محددة بصورة قاطعة بما يحول دون إلتباسها بغيرها، و بمراعاة أن تكون دوماً جلية واضحة فى بيان الحدود الضيقة لنواهيها، ذلك أن التجهيل بها أو إنبهامها فى بعض جوانبها لا يجعل المخاطبين بها على بينة من حقيقة الأفعال التى يتعين عليهم تجنبها. كذلك فإن غموض مضمون النص العقابى مؤداه أن يحال بين محكمة الموضوع و بين إعمال قواعد منضبطة تعين لكل جريمة أركانها و تقرر عقوبتها بما لا خفاء فيه. و هى قواعد لا ترخص فيها و تمثل إطاراً لعملها لا يجوز تجاوزه، ذلك أن الغاية التى يتوخاها الدستور هى أن يوفر لكل مواطن الفرص الكاملة لمباشرة حرياته فى إطار من الضوابط التى قيدها بها. و لازم ذلك أن تكون القيود على الحرية التى تفرضها القوانين الجزائية، محددة بصورة يقينية لأنها تدعو المخاطبين بها إلى الأمتثال لها لكى يدفعوا عن حقهم فى الحياة و كذلك عن حرياتهم، تلك المخاطر التى تعكسها العقوبة. و لقد كان غموض القوانين الجزائية مرتبطاً من الناحية التاريخية بإساءة إستخدام السلطة، و كان أمراً مقضياً أن يركن المشرع إلى مناهج جديدة فى الصياغة لا تنزلق إلى تلك التعبيرات المرنة أو الغامضة أو المتميعة المحملة بأكثر من معنى و التى تنداح معها دائرة التجريم بما يوقع محكمة الموضوع فى محاذير واضحة قد تنتهى بها - فى مجال تطبيقها للنصوص العقابية - إلى إبتداع جرائم لا يكون المشرع قد قصد حقيقة إلى إنشائها، و إلى مجاوزة الحدود التى إعتبرها الدستور مجالاً حيوياً لمباشرة الحقوق و الحريات التى كفلها، و هو ما يخل فى النهاية بالضوابط الجوهرية التى تقوم عليها المحاكمة المنصفة وفقاً لنص المادة ٦٧ من الدستور.


--- ٤ ---

خاصية الوضوح و اليقين فى القوانين الجزائية، غايتها ضمان الحرية الفردية فى مواجهة التحكم، إنطلاقاً من إيمان الأمم المتحضرة بحرمة الحياة الخاصة، و بوطأة القيود التى تنال من الحرية الشخصية، لضمان أن تباشر كل دولة - فى مجال فرض العقوبة صوناً للنظام الإجتماعى - السلطة المخولة لها بمراعاة الأغراض النهائية للقوانين العقابية التى ينافيها أن تكون إدانة المتهم هدفاً مقصوداً لذاته. متى كان ذلك، فإن إنتفاء الغموض فى هذه القوانين يقع فى نطاق مجموعة القيم التى تكفل لحقوق المتهم الحد الأدنى من الحماية التى لا يجوز النزول عنها أو الإنتقاص منها.


--- ٥ ---

جرى قضاء هذه المحكمة على أن القواعد المبدئية التى تقوم عليها المحكمة المنصفة و إن كانت إجرائية فى الأصل - إلا أن تطبيقها فى مجال الدعوى الجنائية - و على إمتداد حلقاتها - يؤثر بالضرورة فى محصلتها النهائية، و يندرج تحتها أصل البراءة كقاعدة أولية توجبها الفطرة و تفرضها حقائق الأشياء. متى كان ذلك، و كان إفتراض البراءة يمثل أصلاً ثابتاً يتعلق بالتهمة الجنائية من ناحية إثباتها، و ليس بنوع العقوبة المقررة لها، و كان هذا الأصل يمتد إلى كل فرد سواء أكان مشتبهاً فيه أم كان متهماً بإعتباره قاعدة أساسية فى النظام الإتهامى أقرتها الشرائع جميعها - لا لتكفل بموجبها الحماية للمذنبين - و إنما لتدرأ بمقتضاها العقوبة عن كل فرد إذا كانت التهمة الموجهة إليه قد أحاطتها الشبهات بما يحول دون التيقن من مقارفة المتهم للواقعة محل الإتهام الجنائى. متى كان ذلك، و كان الإتهام الجنائى - فى ذاته - لا يزحزح أصل البراءة، بل يلازم الفرد دوماً، و لا يزايله سواء فى مرحلة ما قبل المحاكمة أو أثناءها و على إمتداد حلقاتها، و أياً كان الزمن الذى تستغرقه إجراءاتها - فقد غدا دحض أصل البراءة ممتنعاً بغير الأدلة التى تبلغ قوتها الإقناعية - فى مجال ثبوت التهمة - مبلغ الجزم و اليقين، بما لا يدع مجالاً معقولاً لشبهة إنتفائها، و بشرط أن تكون دلالتها قد إستقرت حقيقتها بحكم إستنفد طرق الطعن فيه، و صار باتاً.


--- ٦ ---

طبقاً للمادة ٥ من المرسوم بقانون رقم ٩٨ لسنة ١٩٤٥ بشأن المتشردين و المشتبه فيهم، يعتبر مشتبهاً فيه كل من تزيد سنه على ثمانى عشرة سنة إذا إشتهر عنه أنه إعتاد إرتكاب بعض الجرائم أو الأفعال التى حددتها هذه المادة حصراً، و كان الإشتباه بهذا المعنى - و طبقاً لما جرى عليه القضاء فى مجال تطبيقه - ليس وصفاً دائماً أو مؤبداً، و لا يعتبر فى مبناه مرتبطاً بفعل يحس به فى الخارج، و لا هو واقعة مادية تمثل سلوكاً محدداً أتاه الجانى، و دفعها إلى الوجود، لتقام عليه الدعوى الجنائية من أجل إرتكابها، و إنما قوامه حالة خطرة كامنة فيه مرجعها إلى شيوع أمره بين الناس بإعتباره من الذين إعتادوا مقارفة جرائم و أفعال مما عينتها المادة ٥ المطعون عليها، و هى حالة رتب المشرع على تحققها بالنسبة إليه محاسبته و عقابه، و أجاز التدليل عليها بالأقوال أو السوابق أو التقارير الأمنية بعد أن قدر أن جميعها تعتبر كاشفة عن الصلة بين حاضره و ماضيه، و قاطعة فى توكيد خطورته. متى كان ذلك، و كان هذا الإتجاه التشريعى يقوم على إفتراض لا محل له، و يناهض نصوص الدستور التى تعتد بالأفعال وحدها بإعتبارها مناط التأثيم و علته، و لأنها دون غيرها هى التى يجوز إثباتها و نفيها، و هى التى يتصور أن تكون محل تقدير محكمة الموضوع، و أن تكون عقيدتها بالبناء عليها، و كان لا شبهة فى أن الأقوال التى تتردد فى شأن شخص معين، و كذلك السوابق أو التقارير أياً كان وزنها، لا تنزل منزلة الأفعال التى يجوز إسنادها إلى مقارفها، و لا هى قاطعة فى إتجاه إرادته و إنصرافه إلى إرتكابها، و قد تنقصها الدقة أو تفتقر إلى الموضوعية، و كان من المقرر أنه لا يجوز - فى أية حال - أن تكون مصائر الناس معلقة على غير أفعالهم، أما أقوال الآخرين فى حقهم فلا يملكون لها دفعاً، و لا سبيل لهم عليها، لتعلقها بما شاع عنهم، و قد تحيط بهم زوراً و بهتاناً، و كان الإشتهار بالمعنى الذى يقصد إليه النص المطعون فيه يعتبر - فى ذاته - مكوناً لجريمة لا يعاصرها فعل أو أفعال بعينها، و هو فوق هذا يجهل بماهية الأفعال التى يتعين على المخاطبين بالقوانين الجزائية توقيها و تجنبها، و التى يوقعهم إرتكابها فى حومة المخالفة لنواهيها، فإن الإشتهار - وفقاً لما جرى به النص المطعون فيه - يكون بالتالى مفتقراً إلى خاصية اليقين الى لا يجوز أن تتحلل القوانين الجزائية منها، و منصرفاً كذلك إلى حالة خطرة تستمد عناصرها من السوابق أو الأقوال أو غيرها، و جميعها لا ترقى إلى مرتبة الفعل و لا يقوم هو بها، و من ثم يقصر الإشتهار عن أن يكون من الأفعال التى يجوز تجريمها وفقاً لضوابط الدستور و ضماناته التى يؤدى الإخلال بها إلى إقتحام الحرية الشخصية فى مجالاتها الحيوية، و إلى الإنتقاص من الحقوق التى كفلها الدستور فى مواجهة التسلط أو التحامل. كذلك فإنه مما يناقض إدانة الشخص على أساس الإشتهار بالمعنى السابق، إفتراض براءة المتهم من التهمة الموجهة إليه إلى أن تخلص المحكمة إلى إدانته بصفة باتة بعد إقتناعها بالأدلة الكافية على ثبوتها بما لا يدع مجالاً لشبهة إنتفائها، و هى أدلة لا تدور إلا على الأفعال التى نسبتها النيابة العامة إليه بإعتبارها ركناً مادياً فى الجريمة. و لا كذلك الإشتهار، إذ لا يؤول إلى فعل محدد يكون مادة الجريمة أو موضوعها، و إنما يقوم على مجرد حالة لا تنشئها أو تتصل بها أفعال مادية قام الدليل عليها، يعبر بها الجانى عن إرادته الواعية الجازمة، متوسلاً بها إلى بلوغ النتيجة الإجرامية التى يبتغيها.


--- ٧ ---

الصورة الأخرى للإشتباه، و التى تقوم فى جوهرها على أحكام إدانة سابقة، فصلتها المادة ٥ المطعون عليها، و ذلك فيما قررته من أن كل من تزيد سنه على ثمانى عشرة سنة، يعد مشتبهاً فيه إذا كان قد حكم عليه أكثر من مرة فى إحدى الجرائم التى عينتها هذه المادة، بما مؤاده أنه حتى فى الأحوال التى يكون فيها الإشتباه مستنداً - فى مصدره - إلى تعدد الأحكام الصادرة فى الجرائم التى حددها القانون، فإن الإشتباه يظل جريمة بلا سلوك، إذ ليس شرطاً لقيامها أن يكون قد عاصرها أو إتصل بها فعل محدد، إيجابياً كان هذا الفعل أم سلبياً. و من ثم يكون مرد الإشتباه فى هذه الصورة إلى الخطورة الناجمة عن جرائم سابقة إرتكبها شخص معين، و ليغدو الإشتباه صفة ينشئها المشرع فى نفس قابلة لها بغية التحوط لأمن الجماعة و صون نظامها. و لا مرية فى أن إعتبار الشخص مشتبهاً فيه بناء على جرائمه السابقة إنما يناهض السياسة الجنائية القويمة، إذ هو أدعى إلى إنتباذه الجماعة التى يعيش فيها، و شقه عصا الطاعة عليها. و آية ذلك أن الخطورة الناجمة عن جرائمه السابقة، و التى يراد التحوط منها صوناً لمصالح الجماعة، لا تزيد عن كونها من العوامل التى تومئ إلى إحتمال إرتكابه فى المستقبل لجريمة غير معينة، و هى بذلك ترشح لمقارفتها، و لا تقطع بالإنزلاق فيها، و لا يجوز بالتالى أن يتعلق التجريم بها، إذ ليس ثمة علاقة حتمية بين إنغماس الشخص فى جرائم سابقة، و بين ترديه فى حمأتها و العودة إليها مرة أخرى. كذلك فإنه مما يناقض إفتراض البراءة أن يدان الشخص - لا عن جريمة بذاتها أتاها و تتحدد عقوبتها بالنظر إلى ماهيتها و ظروفها - بل بناء على محض إحتمال عودته إلى الإجرام، بما مؤداه أن الخطورة الإجرامية التى يعتبر الشخص بموجبها مشتبهاً فيه، قوامها عناصر مستمدة من ماضيه، و دليلها جرائمه السابقة، إذ تعتبر كاشفة عن خطورته هذه و قاطعة بها. و من ثم تكون سوابقه دامغة لحاضره، و ملطخة لمستقبله، بل و محددة لمجراه، و مدخلاً إلى إدانته عن جريمة قوامها الحالة الخطرة فى ذاتها، و هى حالة تنشئها الجرائم السابقة التى إرتكبها، و التى تم تنفيذ عقوباتها كاملة بالنسبة إليه. و هى بعد جريمة نص القانون على أن تتخذ فى شأنها التدابير المنصوص عليها فى مادته السادسة، و جميعها تدابير سالبة للحرية لها وطأة العقوبة و خصائصها، و قد إعتبرتها مادته العاشرة مماثلة لعقوبة الحبس فى تطبيق أحكام قانون العقوبات أو أى قانون آخر. هذا بالإضافة إلى أن توقيعها فى ذاته ينطوى على معاقبة الشخص أكثر من مرة عن فعل واحد، فقد حوكم عن جرائمه السابقة جميعها، و تم إستيفاء عقوبة كل منها، و ليس ثمة جريمة أخرى قارفها - قوامها فعل أو إمتناع - حتى تقام الدعوى الجنائية عنها، و إنما تحركها حالته الخطرة التى إفترض المشرع إرتكازها على سوابقه، و رتبها عليها. و لا ينال مما تقدم، قالة أن مواجهة النزعة الإجرامية الكامنة فيمن تتعدد سوابقه و كبحها، لازمها إعتباره مشتبهاً فيه توقياً لخطورته، ذلك أن محكمة الموضوع يكفيها أن تقدر بمناسبة الجريمة الأخيرة التى إرتكبها الجزاء الملائم لها مراعية فى ذلك ماضيه الإجرامى.


--- ٨ ---

مبدأ عدم جواز معاقبة الشخص مرتين عن فعل واحد، من المبادئ التى رددتها النظم القانونية على إختلافها، و يعتبر جزءاً من الحقوق الأساسية التى تضمنها الإتفاقيات الدولية لكل إنسان، و يخل إهداره بالحرية الشخصية التى يعتبر صونها من العدوان ضمانة جوهرية لأدمية الفرد و لحقه فى الحياة، ذلك أن الجريمة الواحدة لا تزر وزرين. و بإستيفاء من إرتكابها للعقوبة المقدرة لها - و هى عقوبة لا يفرضها المشرع جزافاً، و إنما يفرد لكل جريمة العقوبة التى يرتئيها مناسبة لها - فإن الحق فى القصاص يكون قد بلغ غاية الأمر فيه. و قد جرى قضاء المحكمة الدستورية العليا على أن خضوع الدولة للقانون محدد على ضوء مفهوم ديمقراطى، مؤداه ألا تخل تشريعاتها بالحقوق التى يعتبر التسليم بها فى الدول الديمقراطية مفترضاً أولياً لقيام الدولة القانونية، و ضمانة أساسية لصون حقوق الإنسان و كرامته و شخصيته المتكاملة، و يندرج تحتها طائفة من الحقوق تعتبر وثيقة الصلة بالحرية الشخصية التى كلفها الدستور فى مادته الحادية و الأربعين، و إعتبرها من الحقوق الطبيعية التى لا تمس، و من بينها ألا تكون العقوبة الجنائية التى توقعها الدولة بتشريعاتها مهينة فى ذاتها أو ممعنة فى قسوتها، أو منطوية على تقييد الحرية الشخصية بغير إنتهاج الوسائل القانونية السليمة، أو متضمنة معاقبة الشخص أكثر من مرة عن فعل واحد.


--- ٩ ---

متى كان الإشبتاه فى صورتيه المشار إليهما بنص المادة ٥ المطعون عليها، لا يعتبر فعلاً إتخذ مظهراً خارجياً ملموساً، و لا هو يقيد الحرية الشخصية بمراعاة الوسائل القانونية المتوافقة مع أحكام الدستور فى جوانبها الموضوعية و الإجرائية، أو يلتزم الضوابط التى أرسلتها هذه المحكمة فى شأن المحاكمة المنصفة، و من بينها إفتراض البراءة كحقيقة مستعصية على الجدل تمليها الشرعية الجنائية، و كان الإشتباه فى الصورة التى يقوم فيها على أحكام الإدانة السابقة يتمحض عن معاقبة الشخص مرتين عن فعل واحد، فإن المادة ٥ المشار إليها تكون مخالفة لأحكام المواد ٤١،٦٦،٦٧ من الدستور. و لازم ذلك بطلانها، و سقوط المواد ٦،١٣،١٥ من ذلك المرسوم بقانون المرتبطة بها بإعتبار أنها مترتبة عليها، و لا قوام لها بدونها، و لا يتصور إعمالها فى غيبتها، و ما كان المشرع ليقرها بمعزل عنها.


--- ١٠ ---

النصوص التى ينتظمها العمل التشريعى لا تعتبر - من زاوية العيوب الموضوعية - مهدرة بتمامها إلا إحدى حالتين:

أولاهما : إذا كان فصل النصوص التى أبطلتها المحكمة عما سواها متعذراً، و كان ملحوظاً عند إقرار المشرع للنصوص جميعها ما بينها من صلة حتمية تجعل ترابطها معاً، و إتصال أجزائها ببعض، حقيقة قانونية لا مراء فيها.

ثانيتهما : إذا كان متعذراً بعد إبطال المحكمة للنصوص المخالفة للدستور، أن تكفل النصوص المتبقية الوفاء بمقاصد التشريع، و غاياته.

---------------

--- المحكمة ---

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.

وحيث إن الوقائع - على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق - تتحصل في أن النيابة العامة كانت قد أقامت الدعوى الجنائية في القضية رقم ١ لسنة ١٩٨٧ جنح اشتباه طامية ضد المدعي بوصف أنه عد مشتبهاً فيه إذ سبق الحكم عليه أكثر من مرة في جرائم الاتجار بالمواد المخدرة، كما اشتهر عنه أنه اعتاد جرائم الاعتداء على النفس وطلبت النيابة معاقبته بالمواد ٥ /٧, ٦ , ٨، ٩، ١٦ من المرسوم بقانون رقم ٩٨ لسنة ١٩٤٥ بشأن المشردين والمشتبه فيهم. وأثناء نظر الدعوى أمام محكمة جنح اشتباه طامية، دفع المدعي بعدم دستورية مادتيه الخامسة والسادسة. وإذ قدرت المحكمة المذكورة جدية هذا الدفع فقد صرحت للمدعي بجلسة ٦ من ديسمبر سنة ١٩٨٧ بإقامة دعواه الدستورية، فأقام الدعوى الماثلة. وبجلسة ١٠ من يناير سنة ١٩٨٨ قررت محكمة الموضوع وقف الدعوى الجنائية لحين الفصل في الطعن بعدم الدستورية.

وحيث إن المادة ٥ من المرسوم بقانون رقم ٩٨ لسنة ١٩٤٥ بشأن المتشردين والمشتبه فيهم - تنص على أن "يعد مشتبهاً فيه كل شخص تزيد سنة على ثماني عشرة سنة حكم عليه أكثر من مرة في إحدى الجرائم الآتية أو اشتهر عنه - لأسباب مقبولة - أنه اعتاد ارتكاب بعض الجرائم أو الأفعال الآتية:

١- الاعتداء على النفس أو المال أو التهديد بذلك.

٢- الوساطة في إعادة الأشخاص المخطوفين أو الأشياء المسروقة أو المختلسة.

٣- تعطيل وسائل المواصلات أو المخابرات ذات المنفعة العامة.

٤- الاتجار بالمواد السامة أو المخدرات أو تقديمها للغير.

٥- تزييف النقود أو تزوير أوراق النقد الحكومية أو أوراق البنكنوت الجائز تداولها قانوناً في البلاد أو تقليد أو ترويج شيء مما ذكر.

٦- الجرائم المنصوص عليها في القانون رقم ١٠ لسنة ١٩٦١ في شأن مكافحة الدعارة.

٧- جرائم هروب المحبوسين وإخفاء الجناة، المنصوص عليها في الباب الثامن من الكتاب الثاني من قانون العقوبات.

٨- جرائم الاتجار في الأسلحة أو الذخائر.

٩- إعداد الغير لارتكاب الجرائم أو تدريبهم على ارتكابها ولو لم تقم جريمة نتيجة لهذا الإعداد أو التدريب.

١٠- إيواء المشتبه فيهم وفقاً لأحكام هذا القانون بقصد تهديد الغير أو فرض السيطرة عليه.

كما تنص المادة ٦ من ذات المرسوم بقانون على ما يأتي:

"يعاقب المشتبه فيه بأحد التدابير الآتية:

١- تحديد الإقامة في مكان معين.

٢- الوضع تحت مراقبة الشرطة.

٣- الإيداع في إحدى مؤسسات العمل التي تحدد بقرار من وزير الداخلية، ويكون التدبير لمدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تزيد على ثلاث سنوات، وفي حالة العود أو ضبط المشتبه فيه حاملاً أسلحة أو آلات أو أدوات أخرى من شأنها إحداث جروح أو تسهيل ارتكاب الجرائم، تكون العقوبة الحبس والحكم بأحد التدابير السابقة لمدة لا تقل عن سنة ولا تزيد على خمس سنوات.

٤- الإبعاد للأجنبي.

وحيث إن المدعي ينعي على المادتين ٥،٦ السالف بيانهما، مخالفتهما لنص المادتين ٦٦ و٦٧ من الدستور من عدة أوجه حاصلها أن الاشتباه ليس إلا حالة غير ظاهرة للحس أو العيان، كما أن الاشتهار يؤسس عادة على تقارير أجهزة الأمن، وكلاهما مرد الأمر فيه إلى حالة تقوم بالشخص منفصلة عن أية أفعال يكون قد أتاها. هذا بالإضافة إلى أن الاشتباه إنما يبعث إلى الحياة نظاماً قانونياً اختفى منذ أكثر من ثلاثين عاماً من القانون المقارن، ومؤداه معاقبة الشخص عن الفعل الواحد أكثر من مرة، وعن حالة قد تتوافر فيه قبل العمل بالنصوص التشريعية المطعون عليها.

وحيث إنه من المقرر أن لكل جزاء جنائي أثراً مباشراً يرتد إلى طبيعته، ويتمثل في حرمان الشخص من حقه في الحياة أو من حريته أو ملكه. ولقد كان هذا الجزاء عبر أطوار قائمة في التاريخ أداة طيعة للقهر والطغيان، محققاً للسلطة المستبدة أطماعها، ومبتعداً بالعقوبة عن أغراضها الاجتماعية. وكان منطقياً وضرورياً أن تعمل الدول المتمدينة على أن تقيم تشريعاتها الجزائية وفق أسس ثابتة تكفل بذاتها انتهاج الوسائل القانونية السليمة في جوانبها الموضوعية والإجرائية، لضمان ألا تكون العقوبة أداة قامعة للحرية عاصفة بها بالمخالفة للقيم التي تؤمن بها الجماعة في تفاعلها مع الأمم المتحضرة واتصالها بها. وكان لازماً - في مجال دعم هذا الاتجاه وتثبيته - أن تقرر الدساتير المعاصرة القيود التي ارتأتها على سلطان المشرع في مجال التجريم تعبيراً عن إيمانها بأن حقوق الإنسان وحرياته لا يجوز التضحية بها في غير ضرورة تمليها مصلحة اجتماعية لها اعتبارها، واعترافاً منها بأن الحرية في أبعادها الكاملة لا تنفصل عن حرمة الحياة، وأن الحقائق المريرة التي عايشتها البشرية على امتداد مراحل تطورها، تفرض نظاماً متكاملاً يكفل للجماعة مصالحها الحيوية، ويصون - في إطار أهدافه - حقوق الفرد وحرياته الأساسية بما يحول دون إساءة استخدام العقوبة تشويها لأغراضها. وقد تحقق ذلك بوجه خاص من خلال ضوابط صارمة، ومقاييس أكثر إحكاماً لتحديد ماهية الأفعال المنهي عن ارتكابها، بما يزيل غموضها، وعلى نحو يجرد المحكمة من السلطة التقديرية التي تقرر بها قيام جريمة أو فرض عقوبة بغير نص، كي تظل المصلحة الاجتماعية - في مدارجها العليا - قيداً على السلطة التشريعية تحرياً للشرعية في أبعادها الكاملة، واستشرافاً للعدالة في أعماق منابتها.

وحيث إن الدستور - في اتجاهه إلى ترسم النظم المعاصرة ومتابعة خطاها، والتقيد بمناهجها التقدمية - نص في المادة ٦٦ منه على أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون، ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لصدور القانون الذي ينص عليها، وكان الدستور قد دل بهذه المادة على أن لكل جريمة ركناً مادياً لا قوام لها بغيره يتمثل أساساً في فعل أو امتناع وقع بالمخالفة لنص عقابي، مفصحاً بذلك عن أن ما يركن إليه القانون الجنائي ابتداء في زواجره ونواهيه هو مادية الفعل المؤاخذ على ارتكابه، إيجابياً كان هذا الفعل أم سلبياً، ذلك أن العلائق التي ينظمها هذا القانون في مجال تطبيقه على المخاطبين بأحكامه محورها الأفعال ذاتها، في علاماتها الخارجية، ومظاهرها الواقعية، وخصائصها المادية، إذ هي مناط التأثيم وعلته، وهي التي يتصور إثباتها ونفيها، وهي التي يتم التمييز على ضوئها بين الجرائم بعضها البعض، وهي التي تديرها محكمة الموضوع على حكم العقل لتقييمها وتقدير العقوبة المناسبة لها. بل إنه في مجال تقدير توافر القصد الجنائي، فإن المحكمة لا تعزل نفسها عن الواقعة محل الاتهام التي قام الدليل عليها قاطعاً واضحاً، ولكنها تجيل بصرها فيها منقبة من خلال عناصرها عما قصد إليه الجاني حقيقة من وراء ارتكابها. ومن ثم تعكس هذه العناصر تعبيراً خارجياً ومادياً عن إرادة واعية.

ولا يتصور بالتالي وفقاً لأحكام الدستور أن توجد جريمة في غيبة ركنها المادي، ولا إقامة الدليل على توافر علاقة السببية بين مادية الفعل المؤثم والنتائج التي أحدثها بعيداً عن حقيقة هذا الفعل ومحتواه. ولازم ذلك أن كل مظاهر التعبير عن الإرادة البشرية - وليس النوايا التي يضمرها الإنسان في أعماق ذاته - تعبير واقعة في منطقة التجريم كلما كانت تعكس سلوكاً خارجياً مؤاخذاً عليه قانوناً، فإذا كان الأمر غير متعلق بأفعال أحدثتها إرادة مرتكبها، وتم التعبير عنها خارجياً في صورة مادية لا تخطئها العين، فليس ثمة جريمة.

وحيث إنه فضلاً عما تقدم، فإن الأصل وفقاً لنص المادة ٦٦ من الدستور هو أن يكون لكل جريمة عقوبة محددة ينص القانون عليها في صلبه، أو تتقرر - على الأقل - وفقاً للحدود التي يبينها. كذلك، فإن من القواعد المبدئية التي يتطلبها الدستور في القوانين الجزائية أن تكون درجة اليقين التي تنتظم أحكامها في أعلى مستوياتها، وأظهر في هذه القوانين منها في أية تشريعات أخرى، ذلك أن القوانين الجزائية تفرض على الحرية الشخصية أخطر القيود وأبلغها أثراً، ويتعين بالتالي - ضماناً لهذه الحرية - أن تكون الأفعال التي تؤثمها هذه القوانين محددة بصورة قاطعة بما يحول دون التباسها بغيرها، وبمراعاة أن تكون دوماً جلية واضحة في بيان الحدود الضيقة لنواهيها، ذلك أن التجهيل بها أو انبهامها في بعض جوانبها لا يجعل المخاطبين بها على بينة من حقيقة الأفعال التي يتعين عليهم تجنبها. كذلك فإن غموض مضمون النص العقابي مؤداه أن يحال بين محكمة الموضوع وبين إعمال قواعد منضبطة تعين لكل جريمة أركانها وتقرر عقوبتها بما لا خفاء فيه، وهي قواعد لا ترخص فيها وتمثل إطاراً لعملها لا يجوز تجاوزه، ذلك أن الغاية التي يتوخاها الدستور هي أن يوفر لكل مواطن الفرص الكاملة لمباشرة حرياته في إطار من الضوابط التي قيدها بها. ولازم ذلك أن تكون القيود على الحرية التي تفرضها القوانين الجزائية، محددة بصورة يقينية لأنها تدعو المخاطبين بها إلى الامتثال لها كي يدفعوا عن حقهم في الحياة، وكذلك عن حرياتهم تلك المخاطر التي تعكسها العقوبة. ولقد كان غموض القوانين الجزائية مرتبطاً من الناحية التاريخية بإساءة استخدام السلطة، وكان أمراً مقضياً أن يركن المشرع إلى مناهج جديدة في الصياغة لا تنزلق إلى تلك التعبيرات المرنة أو الغامضة أو المتميعة المحملة بأكثر من معنى والتي تنداح معها دائرة التجريم بما يوقع محكمة الموضوع في محاذير واضحة قد تنتهي بها - في مجال تطبيقها للنصوص العقابية - إلى ابتداع جرائم لا يكون المشرع قد قصد حقيقة إلى إنشائها، وإلى مجاوزة الحدود التي اعتبرها الدستور مجالاً حيوياً لمباشرة الحقوق والحريات التي كفلها. وهو ما يخل في النهاية بالضوابط الجوهرية التي تقوم عليها المحاكمة المنصفة وفقاً لنص المادة ٦٧ من الدستور، والتي عرفتها هذه المحكمة بأنها تعكس نظاماً متكامل الملامح يتوخى بالأسس التي يقوم عليها صون كرامة الإنسان وحماية حقوقه وحرياته الأساسية، ويحول بضماناته دون إساءة استخدام العقوبة بما يخرجها عن أهدافها.

وحيث إنه إذ كان ما تقدم، وكانت خاصية الوضوح واليقين في القوانين الجزائية غايتها ضمان الحرية الفردية في مواجهة التحكم انطلاقاً من إيمان الأمم المتحضرة بحرمة الحياة الخاصة، وبوطأة القيود التي تنال من الحرية الشخصية، لضمان أن تباشر كل دولة السلطة المخولة لها - في مجال فرض العقوبة صوناً للنظام الاجتماعي - بمراعاة الأغراض النهائية للقوانين العقابية التي ينافيها أن تكون إدانة المتهم هدفاً مقصوداً لذاته. متى كان ذلك، فإن انتفاء الغموض في هذه القوانين يقع في نطاق مجموعة القيم التي تكفل لحقوق المتهم الحد الأدنى من الحماية التي لا يجوز النزول عنها أو الانتقاص منها.

وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن القواعد المبدئية التي تقوم عليها المحاكمة المنصفة - وإن كانت إجرائية في الأصل - إلا أن تطبيقها في مجال الدعوى الجنائية - وعلى امتداد حلقاتها - يؤثر بالضرورة في محصلتها النهائية، ويندرج تحتها أصل البراءة كقاعدة أولية توجبها الفطرة وتفرضها حقائق الأشياء. متى كان ذلك، وكان افتراض البراءة يمثل أصلاً ثابتاً يتعلق بالتهمة الجنائية من ناحية إثباتها وليس بنوع العقوبة المقررة لها، وكان هذا الأصل يمتد إلى كل فرد سواء أكان مشتبهاً فيه أم كان متهماً باعتباره قاعدة أساسية في النظام الاتهامي أقرتها الشرائع جميعها - لا لتكفل بموجبها الحماية للمذنبين - وإنما لتدرأ بمقتضاها العقوبة عن كل فرد إذا كانت التهمة الموجهة إليه قد أحاطتها الشبهات بما يحول دون التيقن من مقارفة المتهم للواقعة محل الاتهام الجنائي. متى كان ذلك، وكان الاتهام الجنائي - في ذاته - لا يزحزح أصل البراءة، بل يلازم الفرد دوماً ولا يزايله سواء في مرحلة ما قبل المحاكمة أو أثناءها، وعلى امتداد حلقاتها، وأيا كان الزمن الذي تستغرقه إجراءاتها، فقد غدا دحض أصل البراءة ممتنعاً بغير الأدلة التي تبلغ قوتها الإقناعية - في مجال ثبوت التهمة - مبلغ الجزم واليقين، بما لا يدع مجالاً معقولاً لشبهة انتفائها وبشرط أن تكون دلالتها قد استقرت حقيقتها بحكم استنفد طرق الطعن فيه، وصار باتاً.

وحيث إن البين من نص المادة ٥ المطعون عليها أن للاشتباه صورتين يمثل الاشتهار إحداهما وتفصح عن أخراهما سوابق متعددة مردها إلى أحكام إدانة سابقة، أما الصورة الأولى - وهي الاشتهار - فقد نظمتها المادة ٥ المشار إليها وذلك بنصها على أن كل من تزيد سنه على ثماني عشرة سنة يعتبر مشتبهاً فيه إذا اشتهر عنه أنه اعتاد ارتكاب بعض الجرائم أو الأفعال التي حددتها هذه المادة حصراً، وكان الاشتباه بهذا المعنى - وطبقاً لما جرى عليه القضاء في مجال تطبيقه - ليس وصفاً دائماً أو مؤبداً، ولا يعتبر في مبناه مرتبطاً بفعل يحس به في الخارج، ولا هو واقعة مادية تمثل سلوكاً محدداً أتاه الجاني، ودفعها إلى الوجود، لتقام عليه الدعوى الجنائية من أجل ارتكابها، وإنما قوامه حالة خطرة كامنه فيه مرجعها إلى شيوع أمره بين الناس باعتباره من الذين اعتادوا مقارفة جرائم وأفعال مما عينتها المادة ٥ المطعون عليها، وهي حالة رتب المشرع على تحققها بالنسبة إليه محاسبته وعقابه، وأجاز التدليل عليها بالأقوال أو السوابق أو التقارير الأمنية بعد أن قدر أن جميعها تعتبر كاشفة عن الصلة بين حاضره وماضيه، وقاطعة في توكيد خطورته. متى كان ذلك، وكان هذا الاتجاه التشريعي يقوم على افتراض لا محل له، ويناهض نصوص الدستور التي تعتد بالأفعال وحدها باعتبارها مناط التأثيم وعلته، ولأنها دون غيرها هي التي يجوز إثباتها ونفيها، وهي التي يتصور أن تكون محل تقدير محكمة الموضوع، وأن تكون عقيدتها بالبناء عليها، وكان لا شبهة في أن الأقوال التي تتردد في شأن شخص معين، وكذلك السوابق أو التقارير أياً كان وزنها، لا تنزل منزلة الأفعال التي يجوز إسنادها إلى مقارفها، ولا هي قاطعة في اتجاه إرادته وانصرافها إلى ارتكابها، وقد تنقصها الدقة أو تفتقر إلى الموضوعية، وكان من المقرر أنه لا يجوز - في أية حال - أن تكون مصائر الناس معلقة على غير أفعالهم، أما أقوال الآخرين في حقهم فلا يملكون لها دفعاً، ولا سبيل لهم عليها؛ لتعلقها بما شاع عنهم، وقد تحيط بهم زوراً وبهتاناً، وكان الاشتهار بالمعنى الذي قصد إليه النص المطعون فيه يعتبر - في ذاته - مكوناً لجريمة لا يعاصرها فعل أو أفعال بعينها، وهو فوق هذا يجهل بماهية الأفعال التي يتعين على المخاطبين بالقوانين الجزائية توقيها وتجنبها، والتي يوقعهم ارتكابها في حومة المخالفة لنواهيها، فإن الاشتهار - وفقاً لما جرى به النص المطعون فيه - لا يكون محدداً ماهية الأفعال المنهي عنها بصورة قاطعة، ومفتقراً بالتالي إلى خاصية اليقين التي لا يجوز أن تتحلل القوانين الجزائية منها، ومنصرفاً كذلك إلى حالة خطرة تستمد عناصرها من السوابق أو الأقوال أو غيرها، وجميعها لا ترقى إلى مرتبة الفعل ولا يقوم هو بها، ومن ثم يقصر الاشتهار عن أن يكون من الأفعال التي يجوز تجريمها وفقاً لضوابط الدستور وضماناته التي يؤدي الإخلال بها إلى اقتحام الحرية الشخصية في مجالاتها الحيوية، وإلى الانتقاص من الحقوق التي كلفها الدستور في مواجهة التسلط أو التحامل. كذلك فإنه مما يناقض إدانة الشخص على أساس الاشتهار بالمعنى السابق، افتراض براءة المتهم من التهمة الموجهة إليه إلى أن تخلص المحكمة إلى إدانته بصفة باتة بعد اقتناعها بالأدلة الكافية على ثبوتها بما لا يدع مجالاً لشبهة انتفائها، وهي أدلة لا تدور إلا على الأفعال التي نسبتها النيابة العامة إليه باعتبارها ركناً مادياً في الجريمة. ولا كذلك الاشتهار، إذا لا يؤول إلى فعل محدد يكون مادة الجريمة أو موضوعها، وإنما يقوم على مجرد حالة لا تنشئها أو تتصل بها أفعال مادية قام الدليل عليها يعبر بها الجاني عن إرادته الواعية الجازمة، متوسلاً بها إلى بلوغ النتيجة الإجرامية التي يبتغيها.

وحيث إنه عن الصورة الأخرى للاشتباه والتي تقوم في جوهرها على أحكام إدانة سابقة، فقد فصلتها المادة ٥ المطعون عليها وذلك فيما قررته من أن كل من تزيد سنه على ثماني عشرة سنة، يعد مشتبهاً فيه إذا كان قد حكم عليه أكثر من مرة في إحدى الجرائم التي عينتها هذه المادة، بما مؤداه أنه حتى في الأحوال التي يكون فيها الاشتباه مستنداً - في مصدره - إلى تعدد الأحكام الصادرة في الجرائم التي حددها القانون، فإن الاشتباه يظل جريمة بلا سلوك، إذ ليس شرطاً لقيامها أن يكون قد عاصرها أو اتصل بها فعل محدد إيجابياً كان هذا الفعل أم سلبياً. ومن ثم يكون مرد الاشتباه في هذه الصورة إلى الخطورة الناجمة عن جرائم سابقة ارتكبها شخص معين ليغدو الاشتباه صفة ينشئها المشرع في نفس قابلة لها بغية التحوط لأمن الجماعة وصون نظامها. ولا مرية في أن اعتبار الشخص مشتبها فيه بناء على جرائمه السابقة إنما يناهض السياسة الجنائية القويمة، إذ هو أدعى إلى انتباذه الجماعة التي يعيش فيها وشقه عصا الطاعة عليها. وآية ذلك أن الخطورة الناجمة عن جرائمه السابقة والتي يراد التحوط منها صوناً لمصالح الجماعة، لا تزيد عن كونها من العوامل التي تومئ إلى "احتمال" ارتكابه في المستقبل لجريمة غير معينة، وهي بذلك ترشح لمقارفتها، ولا تقطع بالانزلاق فيها، ولا يجوز بالتالي أن يتعلق التجريم بها. إذ ليس ثمة علاقة حتمية بين انغماس الشخص في جرائم سابقة، وبين ترديه في حمأتها والعودة إليها مرة أخرى. كذلك فإنه مما يناقض افتراض البراءة أن يدان الشخص لا عن جريمة بذاتها أتاها وتتحدد عقوبتها بالنظر إلى ماهيتها وظروفها، بل بناء على محض احتمال عوته إلى الإجرام. بما مؤداه أن الخطورة الإجرامية التي يعتبر الشخص بموجبها مشتبهاً فيه قوامها عناصر مستمدة من ماضيه، ودليلها جرائمه السابقة إذ تعتبر كاشفة عن خطورته هذه وقاطعة بها، ومن ثم تكون سوابقه دامغة لحاضره، وملطخة لمستقبله، بل ومحددة لمجراه، ومدخلاً إلى إدانته عن جريمة قوامها الحالة الخطرة في ذاتها، وهي حالة تنشئها الجرائم السابقة التي ارتكبها والتي تم تنفيذ عقوباتها كاملة بالنسبة إليه. وهي بعد جريمة نص القانون على أن تتخذ في شأنها التدابير المنصوص عليها في مادته السادسة، وجميعها تدابير سالبة للحرية لها وطأة العقوبة وخصائصها، وقد اعتبرتها مادته العاشرة مماثلة لعقوبة الحبس في تطبيق أحكام قانون العقوبات أو أي قانون آخر. هذا بالإضافة إلى أن توقيعها في ذاته ينطوي على معاقبة الشخص أكثر من مرة عن فعل واحد، فقد حوكم عن جرائمه السابقة جميعها وتم استيفاء عقوبة كل منها، وليس ثمة جريمة أخرى قارفها - قوامها فعل أو امتناع - حتى تقام الدعوى الجنائية عنها، وإنما تحركها حالته الخطرة التي افترض المشرع ارتكازها على سوابقه ورتبها عليها. ولا ينال مما تقدم قالة أن مواجهة النزعة الإجرامية الكامنة فيمن تتعدد سوابقه وكبحها، لازمها اعتباره مشتبهاً فيه توقياً لخطورته، ذلك أن محكمة الموضوع يكفيها أن تقدر بمناسبة الجريمة الأخيرة التي ارتكبها الجزاء الملائم لها مراعية في ذلك ماضيه الإجرامي.

وحيث إنه متى كان ما تقدم، وكان مبدأ عدم جواز معاقبة الشخص مرتين عن فعل واحد، من المبادئ التي رددتها النظم القانونية على اختلافها، ويعتبر جزءاً من الحقوق الأساسية التي تضمنها الاتفاقيات الدولية لكل إنسان، ويخل إهداره بالحرية الشخصية التي يعتبر صونها من العدوان، ضمانة جوهرية لآدمية الفرد ولحقه في الحياة، ذلك أن الجريمة الواحدة لا تزر وزرين. وباستيفاء من ارتكبها للعقوبة المقدرة لها - وهي عقوبة لا يفرضها المشرع جزافاً، وإنما يفرد لكل جريمة العقوبة التي يقدر أنها مناسبة لها - فإن الحق في القصاص يكون قد بلغ غاية الأمر فيه. وقد جرى قضاء هذه المحكمة على أن خضوع الدولة للقانون محدد على ضوء مفهوم ديموقراطي مؤداه ألا تخل تشريعاتها بالحقوق التي يعتبر التسليم بها في الدول الديمقراطية مفترضاً أولياً لقيام الدولة القانونية، وضمانة أساسية لصون حقوق الإنسان وكرامته وشخصيته المتكاملة، ويندرج تحتها طائفة من الحقوق تعتبر وثيقة الصلة بالحرية الشخصية التي كفلها الدستور في مادته الحادية والأربعين واعتبرها من الحقوق الطبيعية التي لا تمس، ومن بينها ألا تكون العقوبة الجنائية التي توقعها الدولة بتشريعاتها مهينة في ذاتها أو ممعنة في قسوتها، أو منطوية على تقييد الحرية الشخصية بغير انتهاج الوسائل القانونية السليمة، أو متضمنة معاقبة الشخص أكثر من مرة عن فعل واحد، وكان الاشتباه في صورتيه المشار إليهما بنص المادة ٥ المطعون عليها لا يعتبر فعلاً اتخذ مظهراً خارجياً ملموساً، ولا هو يقيد الحرية الشخصية بمراعاة الوسائل القانونية المتوافقة مع أحكام الدستور في جوانبها الموضوعية والإجرائية، أو يلتزم الضوابط التي أرستها هذه المحكمة في شأن المحاكمة المنصفة، ومن بينها افتراض البراءة كحقيقة مستعصية على الجدل تمليها الشرعية الجنائية، وكان الاشتباه في الصورة التي يقوم فيها على أحكام الإدانة السابقة، يتمحض عن معاقبة الشخص مرتين عن فعل واحد، فإن المادة ٥ المشار إليها تكون مخالفة لأحكام المواد ٤١، ٦٦، ٦٧ من الدستور.

وحيث إنه إذ كان ما تقدم، وكانت النصوص التي ينتظمها العمل التشريعي لا تعتبر - من زاوية العيوب الموضوعية - مهدرة بتمامها إلا في إحدى حالتين:

أولاهما: إذا كان فصل النصوص التي أبطلتها المحكمة عما سواها متعذراً، وكان ملحوظاً عند إقرار المشرع للنصوص جميعها ما بينها من صلة حتمية تجعل ترابطها معاً واتصال أجزائها ببعض، حقيقة قانونية لا مراء فيها.

ثانيتهما: إذا كان متعذراً بعد إبطال المحكمة للنصوص المخالفة للدستور، أن تكفل النصوص المتبقية الوفاء بمقاصد التشريع، وغاياته.

وحيث إنه إذ كان ذلك، وكان إبطال هذه المحكمة نص المادة ٥ من القانون المطعون عليه مؤداه زوال النصوص الأخرى المرتبطة بها، باعتبار أنها مترتبة عليها، ولا قوام لها بدونها، ولا يتصور إعمالها في غيبتها، وما كان المشرع ليقرها بمعزل عن المادة ٥ المشار إليها أو استقلالاً عنها، فإن أحكام المواد ٦، ١٣، ١٥ من هذا القانون تكون مع مادته الخامسة كلاً لا يتجزأ وتسقط تبعاً لها.

الجمعة، 28 أغسطس 2026

القضية 332 لسنة 23 ق جلسة 8 / 5 / 2005 دستورية عليا مكتب فني 11 ج 1 دستورية ق 293 ص 1757

جلسة 8 مايو سنة 2005

برئاسة السيد المستشار/ ممدوح مرعي - رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين: ماهر البحيري وعدلي محمود منصور وعلي عوض محمد صالح وإلهام نجيب نوار ومحمد عبد العزيز الشناوي وماهر سامي يوسف وحضور السيد المستشار/ نجيب جمال الدين علما - رئيس هيئة المفوضين وحضور السيد/ ناصر إمام محمد حسن - أمين السر.

-----------------

قاعدة رقم (293)
القضية رقم 332 لسنة 23 قضائية "دستورية"

(1) دعوى دستورية "المصلحة الشخصية المباشرة: مناطها".
مناط المصلحة في الدعوى الدستورية أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الفصل في المسألة الدستورية لازماً للفصل في الطلبات المرتبطة بها المطروحة على محكمة الموضوع - مؤداه ألا تقبل الخصومة الدستورية من غير الأشخاص الذين ينالهم الضرر من جراء سريان النص المطعون فيه. فإذا لم يكن هذا النص قد طبق أصلاً على من ادعى مخالفته للدستور، أو كان من غير المخاطبين بأحكامه، أو كان قد أفاد من مزاياه أو كان الإخلال بالحقوق التي يدعيها لا يعود إليه، دل ذلك على انتفاء المصلحة الشخصية المباشرة. ذلك أن إبطال النص التشريعي في هذه الصور جميعها لن يحقق للمدعي أية فائدة عملية يمكن أن يتغير بها مركزه القانوني بعد الفصل في الدعوى الدستورية.
(2) عدالة اجتماعية "حق الدول في اقتضاء الضريبة - يجب موازنته بالعدالة الاجتماعية".
يتخذ النظام الضريبي، من العدالة الاجتماعية - مضموناً وإطاراً، حق الدولة في اقتضاء الضريبة لتنمية مواردها، ولإجراء ما يتصل بها من آثار عرضية، ينبغي أن يقابل بحق الملتزمين بها وفق أسس موضوعية، يكون إنصافها نافياً لتحيفها، وحيدتها ضماناً لاعتدالها، بما مؤداه أن مصلحتها هذه ينبغي موازنتها بالعدالة الاجتماعية بوصفها مفهوماً مقيداً لنصوص هذا القانون.
(3) جزاء "التزامه الحدود التي يقتضيها صون المصلحة الضريبية".
لا يجوز أن تعمد الدولة استيفاء لمصلحتها في اقتضاء دين الضريبة - إلى تقرير جزاء، يكون مجاوزاً الحدود المنطقية التي يقتضيها صون مصلحتها الضريبية.
(4) دستور "عدل - مفهومه".
الدستور قرن العدل بكثير من النصوص التي تضمنها، ليكون قيداً على السلطة التشريعية في المسائل التي تناولتها هذه النصوص، العدالة تتوخى التعبير عن القيم الاجتماعية السائدة في مجتمع معين خلال فترة زمنية محددة.
(5) تشريع "نص المادة 178 من قانون الضرائب على الدخل - جزاء - حالات مختلفة".
الممولون الخاضعون للضريبة على إيرادات النشاط التجاري والصناعي يلتزمون عملاً بالنص الطعين عند الحكم عليهم بالإدانة في الأحوال المنصوص عليها في المادة 178 من قانون الضرائب على الدخل بأداء ثلاثة أمثال الضريبة التي نسب إليهم التهرب من أدائها. وكان ما توخاه المشرع من تقرير هذا التعويض هو الحمل على إيفائها في الموعد المحدد قانوناً وبمقدارها الحقيقي إلى الخزانة العامة لضمان تحصيلها، فإن معنى العقوبة يكون ماثلاً في ذلك التعويض، ذلك أن المتهربين من أداء الضريبة يلتزمون بثلاثة أمثالها في كل الأحوال سواء أكان عدم الوفاء راجعاً إلى التخلف عن تقديم إخطار مزاولة النشاط أو بسبب استعمال إحدى الطرق الاحتيالية الواردة بنص المادة (178) من القانون. وسواء أكان ذلك ناشئاً عن عمد أو إهمال أو عن فعل غير مقترن بأيهما، متصلاً بالغش والتحايل أو مجرداً منهما، واقعاً مرة واحدة أو متعدداً، متصلاً بنشاط واحد أو أكثر، إذ يتعين دوماً أداء ثلاثة أمثال الضريبة بالكامل أياً كانت المخالفة المنسوبة إلى الممول وظروف ارتكابها. وكان ينبغي على المشرع أن يفرق في هذا الجزاء بين الحالات المختلفة الواردة بالنص.
(6) مبدأ خضوع الدولة للقانون "معناه - تناسب الجزاء مع الأفعال".
مبدأ خضوع الدولة للقانون - يعني أن مضمون القاعدة القانونية التي تسمو في الدولة القانونية عليها، وتتقيد هي بها، لضمان ألا تنزل الدولة القانونية بالحماية التي توفرها لحقوق مواطنيها وحرياتهم، عن الحدود الدنيا لمتطلباتها المقبولة بوجه عام في الدول الديمقراطية، ويندرج تحتها، ألا يكون الجزاء على أفعالهم، إفراطاً، بل متناسباً معها، ومتدرجاً بقدر خطورتها ووطأتها على الصالح العام، فلا يكون هذا الجزاء إعناتاً.

-------------------
1 - مناط المصلحة في الدعوى الدستورية - وهي شرط لقبولها - أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الفصل في المسألة الدستورية لازماً للفصل في الطلبات المرتبطة بها المطروحة على محكمة الموضوع، وأن هذا الشرط يتغيا أن تفصل المحكمة الدستورية العليا في الخصومة الدستورية من جوانبها العملية وليس من معطياتها النظرية، أو تصوراتها المجردة. وهو كذلك يقيد تدخلها في تلك الخصومة القضائية، ويحدد نطاقها، فلا تمتد لغير المطاعن التي يؤثر الحكم بصحتها أو بطلانها على النزاع الموضوعي، وبالقدر اللازم للفصل فيه، ومؤداه ألا تقبل الخصومة الدستورية من غير الأشخاص الذين ينالهم الضرر من جراء سريان النص المطعون فيه. فإذا لم يكن هذا النص قد طبق أصلاً على من ادعى مخالفته للدستور، أو كان من غير المخاطبين بأحكامه، أو كان قد أفاد من مزاياه أو كان الإخلال بالحقوق التي يدعيها لا يعود إليه، دل ذلك على انتفاء المصلحة الشخصية المباشرة. ذلك أن إبطال النص التشريعي في هذه الصور جميعها لن يحقق للمدعي أية فائدة عملية يمكن أن يتغير بها مركزه القانوني بعد الفصل في الدعوى الدستورية.
2 - يمتد النظام الضريبي في جمهورية مصر العربية، ليحيط بها في إطار من قواعد القانون العام، متخذاً من العدالة الاجتماعية - وعلى ما تنص عليه المادة (38) من الدستور - مضموناً وإطاراً، وهو ما يعني بالضرورة، أن حق الدولة في اقتضاء الضريبة لتنمية مواردها، ولإجراء ما يتصل بها من آثار عرضية، ينبغي أن يقابل بحق الملتزمين بها وفق أسس موضوعية، يكون إنصافها نافياً لتحيفها، وحيدتها ضماناً لاعتدالها، بما مؤداه أن قانون الضريبة العامة، وإن توخى حماية المصلحة الضريبية للدولة باعتبار أن الحصول على إيرادها هدفاً مقصوداً منه ابتداء، إلا أن مصلحتها هذه ينبغي موازنتها بالعدالة الاجتماعية بوصفها مفهوماً وإطاراً مقيداً لنصوص هذا القانون.
3 - ولا يجوز أن تعمد الدولة كذلك - استيفاء لمصلحتها في اقتضاء دين الضريبة - إلى تقرير جزاء على الإخلال بها، يكون مجاوزاً - بمداه أو تعدده - الحدود المنطقية التي يقتضيها صون مصلحتها الضريبية وإلا كان هذا الجزاء غلواً وإفراطاً، منافياً بصورة ظاهرة لضوابط الاعتدال، واقعاً عملاً - وبالضرورة - وراء نطاق العدالة الاجتماعية، ليختل مضمونها بما ينافي القيود التي فرضها الدستور في مجال النظام الضريبي.
4 - الدستور قرن العدل بكثير من النصوص التي تضمنها، ليكون قيداً على السلطة التشريعية في المسائل التي تناولتها هذه النصوص، وأنه وإن خلا من تحديد لمعنى العدالة في تلك النصوص إلا أن المقصود بها ينبغي أن يتمثل فيما يكون حقاً وواجباً سواء في علائق الأفراد فيما بينهم، أو في نطاق صلاتهم بمجتمعهم، بحيث يتم دوماً تحديدها من منظور اجتماعي، ذلك أن العدالة تتوخى - بمضمونها - التعبير عن القيم الاجتماعية السائدة في مجتمع معين خلال فترة زمنية محددة.
5 - الممولين الخاضعين للضريبة على إيرادات النشاط التجاري والصناعي يلتزمون عملاً بالنص الطعين عند الحكم عليهم بالإدانة في الأحوال المنصوص عليها في المادة 178 من قانون الضرائب على الدخل - فضلاً عن العقوبة الجنائية بالسجن - بأداء ثلاثة أمثال الضريبة التي نسب إليهم التهرب من أدائها. وكان ما توخاه المشرع من تقرير هذا التعويض - منظوراً في ذلك إلى مداه - هو الحمل على إيفائها في الموعد المحدد قانوناً وبمقدارها الحقيقي إلى الخزانة العامة لضمان تحصيلها، والتقليل من تكلفة جبايتها، فلا يتخلى عن الوفاء بها الممولون الملتزمون بها وإلا كان ردعهم لازماً، فإن معنى العقوبة يكون ماثلاً في ذلك التعويض - وإن لم يكن عقاباً بحتاً - وهو ما ظهر بوضوح من خلال وحدة مقداره، ذلك أن المتهربين من أداء الضريبة يلتزمون بثلاثة أمثالها في كل الأحوال سواء أكان عدم الوفاء راجعاً إلى التخلف عن تقديم إخطار مزاولة النشاط أو بسبب استعمال إحدى الطرق الاحتيالية الواردة بنص المادة (178) من القانون. وسواء أكان ذلك ناشئاً عن عمد أو إهمال أو عن فعل غير مقترن بأيهما، متصلاً بالغش والتحايل أو مجرداً منهما، واقعاً مرة واحدة أو متعدداً، متصلاً بنشاط واحد أو أكثر، إذ يتعين دوماً أداء ثلاثة أمثال الضريبة بالكامل أياً كانت المخالفة المنسوبة إلى الممول وظروف ارتكابها. وكان ينبغي على المشرع أن يفرق في هذا الجزاء بين الحالات المختلفة الواردة بالنص.
6 - مبدأ خضوع الدولة للقانون - محدداً على ضوء مفهوم ديمقراطي - يعني أن مضمون القاعدة القانونية التي تسمو في الدولة القانونية عليها، وتتقيد هي بها، إنما يتحدد على ضوء مستوياتها التي التزمتها الدول الديمقراطية باضطراد في مجتمعاتها، واستقر العمل باضطراد على انتهاجها في مظاهر سلوكها على تباينها، لضمان ألا تنزل الدولة القانونية بالحماية التي توفرها لحقوق مواطنيها وحرياتهم، عن الحدود الدنيا لمتطلباتها المقبولة بوجه عام في الدول الديمقراطية، ويندرج تحتها، ألا يكون الجزاء على أفعالهم - جنائياً كان أم مدنياً، أم تأديبياً، أم مالياً - إفراطاً، بل متناسباً معها، ومتدرجاً بقدر خطورتها ووطأتها على الصالح العام، فلا يكون هذا الجزاء إعناتاً.


الإجراءات

بتاريخ الخامس والعشرين من نوفمبر سنة 2001، ورد إلى قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا ملف الدعوى رقم 2839 لسنة 2001 جنايات الحامول والمقيدة برقم 36 لسنة 2001 كلي كفر الشيخ، بعد أن قضت محكمة جنايات كفر الشيخ بوقفها وإحالة الأوراق إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في دستورية الفقرة الأولى من المادة (181) والمادة (195) من قانون الضرائب على الدخل الصادر بالقانون رقم 157 لسنة 1981.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم أولاً: - بعدم قبول الدعوى بالنسبة لنص المادة (195) من القانون رقم 157 لسنة 1981، وثانياً: - برفض الدعوى فيما يتعلق بنص الفقرة الأولى من المادة (181) من القانون المذكور.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونُظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع - على ما يبين من حكم الإحالة وسائر الأوراق - تتحصل في أن النيابة العامة أحالت السيد/ علي عبد العاطي السحماوي إلى محكمة جنايات كفر الشيخ متهمة إياه بتهربه من أداء الضرائب عن أرباحه التجارية عن نشاطه من استغلال مزرعة سمكية عن السنوات من 1989 حتى 1999، وذلك باستعمال إحدى الطرق الاحتيالية بأن أخفى نشاطه عن مصلحة الضرائب ولم يخطرها عند بدء مزاولته للنشاط، وعدم تقديمه للإقرارات الضريبية عن السنوات المذكورة، وعدم حصوله على البطاقة الضريبية خلال الميعاد المحدد قانوناً. وطلبت النيابة العامة معاقبته بمواد الاتهام الواردة بأمر الإحالة ومنها نص الفقرة الأولى من المادة (181) من قانون الضرائب على الدخل الصادر بالقانون رقم 157 لسنة 1981، وإذ تراءى للمحكمة عدم دستورية ذلك النص وكذا نص المادة (195) من القانون المشار إليه، فقد قررت بجلسة 6/ 9/ 2001 وقف السير في الدعوى وإحالة الأوراق للمحكمة الدستورية العليا للفصل في دستورية النصين المذكورين.
وحيث إن المادة (181) من قانون الضرائب على الدخل تنص في فقرتها الأولى على أنه "في حالة الحكم بالإدانة في الأحوال المنصوص عليها في المادتين (178، 179) من هذا القانون يقضى بتعويض يعادل ثلاثة أمثال ما لم يؤد من الضرائب المستحقة".
وتنص المادة (195) من القانون المذكور على أن "يخصص وزير المالية نسبة من حصيلة الغرامات والتعويضات التي يتم تحصيلها نتيجة الصلح مع الممولين مقابل التنازل عن رفع الدعوى العمومية أو المحكوم بها نهائياً طبقاً لأحكام هذا القانون، وتؤول هذه الحصيلة إلى صندوق الرعاية الاجتماعية والصحية للعاملين بمصلحة الضرائب وأسرهم ومن أحيل أو يحال منهم إلى التقاعد وأسرهم....".
وحيث إن قضاء هذه المحكمة جرى على أن مناط المصلحة في الدعوى الدستورية - وهي شرط لقبولها - أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الفصل في المسألة الدستورية لازماً للفصل في الطلبات المرتبطة بها المطروحة على محكمة الموضوع، وأن هذا الشرط يتغيا أن تفصل المحكمة الدستورية العليا في الخصومة الدستورية من جوانبها العملية وليس من معطياتها النظرية، أو تصوراتها المجردة. وهو كذلك يقيد تدخلها في تلك الخصومة القضائية، ويحدد نطاقها، فلا تمتد لغير المطاعن التي يؤثر الحكم بصحتها أو بطلانها على النزاع الموضوعي، وبالقدر اللازم للفصل فيه، ومؤداه ألا تقبل الخصومة الدستورية من غير الأشخاص الذين ينالهم الضرر من جراء سريان النص المطعون فيه. فإذا لم يكن هذا النص قد طبق أصلاً على من ادعى مخالفته للدستور، أو كان من غير المخاطبين بأحكامه، أو كان قد أفاد من مزاياه أو كان الإخلال بالحقوق التي يدعيها لا يعود إليه، دل ذلك على انتفاء المصلحة الشخصية المباشرة. ذلك أن إبطال النص التشريعي في هذه الصور جميعها لن يحقق للمدعي أية فائدة عملية يمكن أن يتغير بها مركزه القانوني بعد الفصل في الدعوى الدستورية عما كان عليه قبلها.
لما كان ما تقدم، وكان نص المادة (195) من قانون الضرائب على الدخل يتناول بالتنظيم كيفية التصرف في حصيلة الغرامات والتعويضات التي يتم تحصيلها من الممولين وفقاً لأحكام القانون، ولا شأن له بموضوع المخالفات المنسوبة للمتهم في الدعوى الموضوعية، ولم يرد ذكره بأمر الإحالة الصادر من النيابة العامة، فإن قضاء هذه المحكمة بعدم دستورية النص المذكور - بفرض صحة المطاعن الموجهة إليه - لن يكون ذا أثر على النزاع الموضوعي، لتغدو المصلحة في الطعن عليه منتفية، وتكون الدعوى في هذا الشق منها غير مقبولة.
وحيث إن حكم الإحالة ينعى على نص المادة (181) من قانون الضرائب على الدخل السالف ذكرها أموراً ثلاثة، أولها: - أن ما قرره من تعويض - يوازي ثلاثة أمثال ما لم يؤد من ضرائب - جاء مبالغاً فيه، ومناهضاً لروح العدالة التي يقوم عليها النظام الضريبي ويؤكد عليها الدستور في عديد من المواد. وثانيها: - أنه ألزم الممول بسداد الضريبة التي تهرب منها بالإضافة إلى ثلاثة أمثالها كتعويض، الأمر الذي قد يترتب عليه مصادرة وعاء الضريبة بالكامل بل قد يتجاوزه إلى باقي أموال الممول بما يشكل اعتداء على حق الملكية. وثالثها: - أن المشرع ألزم الممول الخاضع للنص الطعين بأداء هذا التعويض دون منح القاضي أية سلطة تقديرية في تحديد التعويض المناسب لمقدار الضرر الذي أصاب الخزانة العامة، في حين خالف هذا الأسلوب في عديد من القوانين المنظمة للجرائم المالية أو القوانين الضريبية مثل قانون الضريبة العامة على المبيعات والذي قرر تعويضاً لا يجاوز مثل الضريبة، بما يعد إخلالاً من المشرع بمبدأ المساواة أمام القانون.
وحيث إن هذا النعي سديد في جوهره ذلك أن السلطة التشريعية هي التي تقبض بيدها على زمام الضريبة العامة، إذ تتولى بنفسها تنظيم أوضاعها بقانون يصدر عنها، متضمناً تحديد وعائها وأسس تقديره، وبيان مبلغها، والملتزمين بأدائها، وقواعد ربطها وتحصيلها وتوريدها، وكيفية أدائها، وضوابط تقادمها، وما يجوز أن يتناولها من الطعون اعتراضاً عليها، ونظم خصم بعض المبالغ أو إضافتها لحسابها، وغير ذلك مما يتصل ببنيان هذه الضريبة عدا الإعفاء منها إذ يجوز أن يتقرر في الأحوال التي يبينها القانون. وإلى هذه العناصر جميعها يمتد النظام الضريبي في جمهورية مصر العربية، ليحيط بها في إطار من قواعد القانون العام، متخذاً من العدالة الاجتماعية - وعلى ما تنص عليه المادة (38) من الدستور - مضموناً وإطاراً، وهو ما يعني بالضرورة، أن حق الدولة في اقتضاء الضريبة لتنمية مواردها، ولإجراء ما يتصل بها من آثار عرضية، ينبغي أن يقابل بحق الملتزمين بها وفق أسس موضوعية، يكون إنصافها نافياً لتحيفها، وحيدتها ضماناً لاعتدالها، بما مؤداه أن قانون الضريبة العامة، وإن توخي حماية المصلحة الضريبية للدولة باعتبار أن الحصول على إيرادها هدفاً مقصوداً منه ابتداء، إلا أن مصلحتها هذه ينبغي موازنتها بالعدالة الاجتماعية بوصفها مفهوماً وإطاراً مقيداً لنصوص هذا القانون، فلا يكون دين الضريبة - بالنسبة إلى من يلتزمون بها - متمخضاً عقاباً بما يخرجها عن بواعثها الأصلية والعرضية، ويفقدها مقوماتها بالتالي لتنحل عدماً.
ولا يجوز أن تعمد الدولة كذلك - استيفاء لمصلحتها في اقتضاء دين الضريبة - إلى تقرير جزاء على الإخلال بها، يكون مجاوزاً - بمداه أو تعدده - الحدود المنطقية التي يقتضيها صون مصلحتها الضريبية وإلا كان هذا الجزاء غلواً وإفراطاً، منافياً بصورة ظاهرة لضوابط الاعتدال، واقعاً عملاً - وبالضرورة - وراء نطاق العدالة الاجتماعية، ليختل مضمونها بما ينافي القيود التي فرضها الدستور في مجال النظام الضريبي.
وحيث إن الدستور قرن العدل بكثير من النصوص التي تضمنها، ليكون قيداً على السلطة التشريعية في المسائل التي تناولتها هذه النصوص، وأنه وإن خلا من تحديد لمعنى العدالة في تلك النصوص إلا أن المقصود بها ينبغي أن يتمثل فيما يكون حقاً وواجباً سواء في علائق الأفراد فيما بينهم، أو في نطاق صلاتهم بمجتمعهم، بحيث يتم دوماً تحديدها من منظور اجتماعي، ذلك أن العدالة تتوخى - بمضمونها - التعبير عن القيم الاجتماعية السائدة في مجتمع معين خلال فترة زمنية محددة.
وحيث إن ما تقدم مؤداه أن العدالة - في غاياتها - لا تنفصل علاقتها بالقانون باعتباره أداة تحقيقها، فلا يكون القانون منصفاً إلا إذا كان كافلاً لأهدافها، فإذا ما زاغ المشرع ببصره عنها، وأهدر القيم الأصيلة التي تحتضنها، كان منهياً للتوافق في مجال تنفيذه، ومسقطاً كل قيمة لوجوده، ومستوجباً تغييره أو إلغاءه. ومن ثم فقد جرى قضاء هذه المحكمة على أن شرعية الجزاء - جنائياً كان أم تأديبياً أم مدنياً - لا يمكن ضمانها إلا إذا كان متناسباً مع الأفعال التي أثمها المشرع أو منعها في غير ما غلو أو إفراط.
وحيث إن الممولين الخاضعين للضريبة على إيرادات النشاط التجاري والصناعي يلتزمون عملاً بالنص الطعين عند الحكم عليهم بالإدانة في الأحوال المنصوص عليها في المادة 178 من قانون الضرائب على الدخل - فضلاً عن العقوبة الجنائية بالسجن - بأداء ثلاثة أمثال الضريبة التي نسب إليهم التهرب من أدائها. وكان ما توخاه المشرع من تقرير هذا التعويض - منظوراً في ذلك إلى مداه - هو الحمل على إيفائها في الموعد المحدد قانوناً وبمقدارها الحقيقي إلى الخزانة العامة لضمان تحصيلها، والتقليل من تكلفة جبايتها، فلا يتخلى عن الوفاء بها الممولون الملتزمون بها وإلا كان ردعهم لازماً، فإن معنى العقوبة يكون ماثلاً في ذلك التعويض - وإن لم يكن عقاباً بحتاً - وهو ما ظهر بوضوح من خلال وحدة مقداره، ذلك أن المتهربين من أداء الضريبة يلتزمون بثلاثة أمثالها في كل الأحوال سواء أكان عدم الوفاء راجعاً إلى التخلف عن تقديم إخطار مزاولة النشاط أو بسبب استعمال إحدى الطرق الاحتيالية الواردة بنص المادة (178) من القانون. وسواء أكان ذلك ناشئاً عن عمد أو إهمال أو عن فعل غير مقترن بأيهما، متصلاً بالغش والتحايل أو مجرداً منهما، واقعاً مرة واحدة أو متعدداً، متصلاً بنشاط واحد أو أكثر، إذ يتعين دوماً أداء ثلاثة أمثال الضريبة بالكامل أياً كانت المخالفة المنسوبة إلى الممول وظروف ارتكابها. وكان ينبغي على المشرع أن يفرق في هذا الجزاء بين الحالات المختلفة الواردة بالنص.
وحيث إن مبدأ خضوع الدولة للقانون - محدداً على ضوء مفهوم ديمقراطي - يعني أن مضمون القاعدة القانونية التي تسمو في الدولة القانونية عليها، وتتقيد هي بها، إنما يتحدد على ضوء مستوياتها التي التزمتها الدول الديمقراطية باضطراد في مجتمعاتها، واستقر العمل باضطراد على انتهاجها في مظاهر سلوكها على تباينها، لضمان ألا تنزل الدولة القانونية بالحماية التي توفرها لحقوق مواطنيها وحرياتهم، عن الحدود الدنيا لمتطلباتها المقبولة بوجه عام في الدول الديمقراطية، ويندرج تحتها، ألا يكون الجزاء على أفعالهم - جنائياً كان أم مدنياً، أم تأديبياً، أم مالياً - إفراطاً، بل متناسباً معها، ومتدرجاً بقدر خطورتها ووطأتها على الصالح العام، فلا يكون هذا الجزاء إعناتاً.
متى كان ما تقدم، وكان التعويض المقرر بالنص الطعين جزاء على المخالفات الواردة بالمادة (178) من القانون جاء مفرطاً وغير مناسب للنوعيات المختلفة من هذه المخالفات على النحو السالف بيانه منافياً بالتالي لضوابط العدالة الاجتماعية التي يقوم عليها النظام الضريبي في الدولة ومنتقصاً من العناصر الإيجابية للذمة المالية للممولين الخاضعين لأحكامه، فإن النص المطعون فيه يكون مخالفاً لأحكام المواد (34، 38، 65) من الدستور.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بعدم دستورية نص الفقرة الأولى من المادة (181) من قانون الضرائب على الدخل الصادر بالقانون رقم 157 لسنة 1981 فيما تضمنه من إلزام من يحكم بإدانته في الأحوال المنصوص عليها في المادة (178) من القانون المذكور بتعويض يعادل ثلاثة أمثال ما لم يؤد من الضرائب المستحقة.