المنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ : ۲۰۲٦/۱۰/۱۱
باسم الشعب
المحكمة الدستورية العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت العاشر من أكتوبر سنة ٢٠٢٦م، الموافق الثامن والعشرين من ربيع الآخر سنة ١٤٤٨هـ.
برئاسة السيد المستشار/ بولس فهمي إسكندر رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين: الدكتور عادل عمر شريف ومحمود محمد غنيم والدكتور محمد عماد النجار والدكتور عبد العزيز محمد سالمان وصلاح محمد الرويني ومحمد أيمن سعد الدين عباس نواب رئيس المحكمة
وحضور السيد المستشار الدكتور/ عماد طارق البشري رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد/ عبد الرحمن حمدي محمود أمين السر
أصدرت الحكم الآتي
في الدعوى المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم ٤٣ لسنة ٤٤ قضائية "دستورية"، بعد أن أحالت محكمة جنوب بنها الابتدائية -دائرة الجنح المستأنفة–بحكمها الصادر بجلسة ٢٨/٧/٢٠٢٢، ملف الاستئناف رقم ١٢٦١٥ لسنة ٢٠٢٢ جنح مستأنف
المقام من
أحمد عبد السلام أحمد أحمد الجمسي
ضد
الــنيــــابــــــة العــامــــــة
------------------
الإجـراءات
بتاريخ الخامس من سبتمبر سنة ٢٠٢٢، ورد إلى قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا ملف الاستئناف رقم ١٢٦١٥ لسنة ٢٠٢٢ جنح مستأنف جنوب بنها، بعد أن قضت محكمة جنوب بنها الابتدائية بوقف الاستئناف تعليقًا، وإحالة الأوراق إلى المحكمة الدستورية العليا، للفصل في دستورية نص المادة (٣٧٢ مكررًا) من قانون العقوبات المستبدل بها القانون رقم ١٦٤ لسنة ٢٠١٩، فيما تضمنه من جعل الحد الأدنى لعقوبة الحبس سنتين.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرًا برأيها.
ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وفيها قررت المحكمة إصدار الحكم بجلسة اليوم.
-----------------
المحكمــــة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع تتحصل –على ما يتبين من حكم الإحالة وسائر الأوراق– في أن النيابة العامة أسندت إلى المستأنف في الاستئناف المحال أنه في يوم ١٧/٦/٢٠٢١، بدائرة مركز القناطر الخيرية، تعدى على الأرض المملوكة للدولة، وذلك على النحو المبين بالأوراق، وقدمته إلى المحاكمة الجنائية في الدعوى رقم ٢٦٨٣٢ لسنة ٢٠٢١ جنح مركز القناطر، وطلبت عقابه بالمادة (٣٧٢ مكررًا) من قانون العقوبات. وبجلسة ١٢/٣/٢٠٢٢، حكمت محكمة أول درجة، غيابيًّا، بحبس المتهم سنتين مع الشغل وكفالة ألفي جنيه وغرامة مائة ألف جنيه ورد العقار المغتصب وما عليه من مبانٍ أو غِراس، ورد ما عاد عليه من منفعة. عارض وقضت المحكمة برفض المعارضة، فاستأنف الحكم بالاستئناف رقم ١٢٦١٥ لسنة ٢٠٢٢ جنح مستأنف جنوب بنها. وبجلسة ٢٨/٧/٢٠٢٢، حكمت المحكمة بوقف الاستئناف تعليقًا، وإحالة الأوراق إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في دستورية نص المادة (٣٧٢ مكررًا) من قانون العقوبات المستبدل بها القانون رقم ١٦٤ لسنة ٢٠١٩، فيما تضمنه من جعل الحد الأدنى لعقوبة الحبس سنتين، وذلك لمخالفته المواد (٥٤ و٩٢ و٩٤ و٩٦ و٩٩ و١٨٤ و١٨٦) من الدستور.
وحيث إن المادة (٣٧٢ مكررًا) من قانون العقوبات، المستبدل بها نص المادة الأولى من القانون رقم ١٦٤ لسنة ٢٠١٩، تنص على أن "كل من تعدى على أرض زراعية، أو أرض فضاء، أو مبانٍ مملوكة للدولة أو لأحد الأشخاص الاعتبارية العامة أو لوقف خيري أو لإحدى شركات القطاع العام أو لأي جهة أخرى ينص القانون على اعتبار أموالها من الأموال العامة أو في حيازة أي منها، وذلك بزراعتها أو غرسها أو إقامة إنشاءات عليها أو شغلها أو الانتفاع بها بأي صورة، يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تزيد على خمس سنوات وبغرامة لا تقل عن مائة ألف جنيه ولا تزيد على مليون جنيه. ويحكم على الجاني برد العقار المغتصب بما عليه من مبان أو غراس أو برده مع إزالة ما عليه من تلك الأشياء على نفقته، فضلًا عن دفع قيمة ما عاد عليه من منفعة
فإذا وقعت الجريمة بالتحايل، أو نتيجة تقديم إقرارات أو الإدلاء ببيانات غير صحيحة مع العلم بذلك، تكون العقوبة الحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تزيد على سبع سنوات وغرامة لا تقل عن مائة ألف جنيه ولا تزيد على مليون جنيه.
وتضاعف العقوبة المنصوص عليها في الفقرتين السابقتين في حالة العود".
وحيث إن المصلحة –وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية– مناطها أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الحكم في المسألة الدستورية المطروحة على بساط البحث أمام هذه المحكمة لازمًا للفصل في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها، المطروحة أمام محكمة الموضوع. والمحكمة الدستورية العليا وحدها هي التي تتحرى توافر شرط المصلحة في الدعوى المقامة أمامها أو المحالة إليها للتثبت من شروط قبولها.
وحيث إنه ولئن كانت المناعي التي أوردها حكم الإحالة قد انصبت في مجملها على عقوبة الحبس المقررة بالنص المحال، بيد أنه للارتباط الذي لا يقبل الفصل أو التجزئة بين الفعل المؤثم في ذلك النص والعقوبة الأصلية بشقيها من الحبس والغرامة المرصودة لذلك الفعل، فإنه وبحكم الاقتضاء العقلي يتعذر الفصل في دستورية تلك العقوبة بمنأى عن أن تُجيل المحكمة بصرها في شأن دستورية تجريم الأفعال الموجبة لإيقاع العقوبة الأصلية السالف بيانها، فيكون مطروحًا لزومًا على هذه المحكمة، ويمتد إليه نطاق الدعوى الدستورية.
متى كان ذلك، وكان الثابت بالأوراق أن المستأنف في الدعوى المحالة قد قُدم إلى المحاكمة الجنائية استنادًا إلى النص المحال، وقضي بإدانته بمقتضى النص ذاته، وتم إيقاع العقوبة الأصلية المنصوص عليها فيه بشقيها؛ ومن ثم فإن الفصل في دستورية هذا النص يكون له أثر مباشر وانعكاس أكيد على قضاء محكمة الموضوع في الاستئناف المطروح عليها، وتكون المصلحة في الدعوى المعروضة قد تحققت، ويتحدد نطاقها فيما نصت عليه الفقرة الأولى من المادة (٣٧٢ مكررًا) من قانون العقوبات المستبدل بها نص المادة الأولى من القانون رقم ١٦٤ لسنة ٢٠١٩ من أن "كل من تعدى على أرض زراعية أو أرض فضاء، بإقامة إنشاءات عليها، يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنتين وبغرامة لا تقل عن مائة ألف جنيه ولا تزيد على مليون جنيه"، دون غيرها من صور التجريم والعقوبات التكميلية المنصوص عليها في النص المحال.
وحيث إن حكم الإحالة ينعى على النص المحال –محددًا نطاقًا على ما سلف بيانه- انتقاصه من سلطة قاضي الموضوع في تفريد العقوبة المقيدة للحرية، وتقديره المناسب فيها، طبقًا للوقائع المطروحة، ووفقًا لظروف كل متهم، وذلك بجعل الحد الأدنى لعقوبة الحبس المقررة عن الأفعال المؤثمة بمقتضى هذا النص سنتين، بما مؤداه عدم جواز إيقاف تنفيذ عقوبة الحبس الواردة بها وتعطيلًا لحكم المادة (٥٥) من قانون العقوبات، مع ما ينطوي عليه ذلك من غل يد القاضي وتقييد سلطته التقديرية؛ بما يمثل انتهاكًا لاستقلال السلطة القضائية، وتدخلًا في شئون العدالة، بما ينال من الحرية الشخصية والحق في المحاكمة المنصفة، ويخرج العقوبة عن معقوليتها لعدم تناسبها مع الأفعال المؤثمة.
وحيث إن قضاء هذه المحكمة د جرى على أن العدالة - في غاياتها– لا تنفصل علاقاتها بالقانون باعتباره أداة تحقيقها، فلا يكون القانون منصفًا إلا إذا كان كافلًا لأهدافها، فإذا ما زاغ المشرع ببصره عنها، وأهدر القيم الأصيلة التي تحتضنها، كان منهيًا للتوافق في مجال تنفيذه، ومسقطًا كـل قيمة لوجوده، ومستوجبًا تغييره أو إلغاءه؛ ذلك أن العدالة الجنائية في جوهر ملامحها هي التي يتعين ضمانها من خلال قواعد محددة تحديدًا دقيقًا، ومنصفًا، يتقرر على ضوئها ما إذا كان المتهم مدانًا أو بريئًا، وذلك منظور إليه في ضوء الموازنة بين مصلحة الجماعة في استقرار أمنها، ومصلحة المتهم في ألا تفرض عليه عقوبة تبلغ في شدتها حدًّا تفتقر معه إلى الصلة العضوية بجسامة فعله وظروف ارتكابه للجريمة، بحيث يظل التجريم مرتبطًا بالأغراض النهائية للقوانين العقابية.
وحيث إن تجريم المشرع لأي فعل أو امتناع يرتبط بالضرورة الاجتماعية التي اقتضتها ظروف الجماعة في مرحلة من مراحل تطورها؛ ذلك أن من المقرر-في قضاء هذه المحكمة- أن القانون الجنائي وإن اتفق مع غيره من القوانين في سعيها لتنظيم علائق الأفراد فيما بين بعضهم البعض، وعلى صعيد صلاتهم بمجتمعهم، فإن هذا القانون يفارقها في اتخاذه الجزاء الجنائي أداة لحملهم على إتيان الأفعال التي يأمرهم بها، أو التخلي عن تلك التي ينهاهم عن مقارفتها، وهو بذلك يتغيا أن يحدد، من منظور اجتماعي، ما لا يجوز التسامح فيه من مظاهر سلوكهم، بما مؤداه أن الجزاء على أفعالهم لا يكون مخالفًا للدستور، إلا إذا كان مجاوزًا حدود الضرورة التي اقتضتها ظروف الجماعة في مرحلة من مراحل تطورها، فإذا كان مبررًا من وجهة اجتماعية انتفت عنه شبهة المخالفة الدستورية؛ ومن ثم يتعين على المشرع دومًا إجراء موازنة دقيقة بين مصلحة المجتمع والحرص على أمنه واستقراره من جهة، وحريات وحقوق الأفراد من جهة أخرى.
وحيث إن النطاق الحقيقي لمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، المنصوص عليه في المادة (٩٥) من الدستور، إنما يتحدد على ضوء عدة ضمانات، يأتي على رأسها وجوب صياغة النصوص العقابية بطريقة واضحة محددة لا خفاء فيها أو غموض، فلا تكون هذه النصوص شباكًا أو شراكًا يلقيها المشرع، متصيدًا باتساعها أو بخفائها من يقعون تحتها أو يخطئون مواقعها، وهي ضمانات غايتها أن يكون المخاطبون بالنصوص العقابية على بينة من حقيقتها، فلا يكون سلوكهم مجافيًا لها، بل اتساقًا معها ونزولًا عليها. وكان الدستور قد دل بهذه المادة على أن لكل جريمة ركنًا ماديًّا لا قوام لها بغيره، يتمثل أساسًا في فعل أو امتناع وقع بالمخالفة لنص عقابي مفصحًا بذلك عن أن ما يركن إليه القانون الجنائي ابتداء، في زواجره ونواهيه، هو مادية الفعل المؤاخذ على ارتكابه، إيجابيًّا كان هذا الفعل أم سلبيًّا؛ ذلك أن العلائق التي ينظمها هذا القانون في مجال تطبيقه على المخاطبين بأحكامه، محورها الأفعال ذاتها في علاماتها الخارجية ومظاهرها الواقعية، وخصائصها المادية؛ إذ هي مناط التأثيم وعلته، وهي التي يتصور إثباتها ونفيها، وهي التي يتم التمييز على ضوئها بين الجرائم بعضها عن بعض، وهي التي تديرها محكمة الموضوع على حكم العقل لتقييمها وتقدير العقوبة المناسبة لها، بل إنه في مجال تقدير توافر القصد الجنائي فإن محكمة الموضوع لا تعزل نفسها عن الواقعة محل الاتهام التي قام الدليل عليها قاطعًا واضحًا، ولكنها تجيل بصرها فيها منقبة من خلال عناصرها عما قصد إليه الجاني حقيقة من وراء ارتكابها؛ ومن ثم تعكس هذه العناصر تعبيرًا خارجيًّا وماديًّا عن إرادة واعية، لا يتصور وفقًا لأحكام الدستور أن توجد جريمة في غيبة ركنها المادي، ولا إقامة الدليل على توافر علاقة السببية بين مادية الفعل المؤثم والنتائج التي أحدثها بعيدًا عن حقيقة هذا الفعل ومحتواه، ولازم ذلك أن كل مظاهر التعبير عن الإرادة البشرية وليس النيات التي يضمرها الإنسان في أعماق ذاته تعتبر واقعة في منطقة التجريم كلما كانت تعكس سلوكًا خارجيًّا مؤاخذًا عليه قانونًا، فإذا كان الأمر غير متعلق بأفعال أحدثتها إرادة مرتكبها، وتم التعبير عنها خارجيًّا في صور مادية لا تخطئها العين، فليس ثمة جريمة.
وحيث إن مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات غدا أصلًا ثابتًا وضمانًا ضد التحكم، فلا يؤثم القاضي أفعالًا ينتقيها، ولا يقرر عقوباتها وفق اختياره، إشباعًا لنزوة أو انفلاتًا عن الحق والعدل، وصار التأثيم من ثمَّ عائدًا إلى المشرع؛ إذ يقرر للجرائم التي يستحدثها عقوباتها التي تناسبها. ويُفسر هذا المبدأ بأن القيم الجوهرية التي يصدر القانون الجنائي لحمايتها لا يمكن بلورتها إلا من خلال السلطة التشريعية التي انتخبها المواطنون لتمثيلهم، وأن تعبيرها عن إرادتهم يقتضيها أن تكون بيدها سلطة التقرير في شأن تحديد الأفعال التي يجوز تأثيمها وعقوباتها، لضمان مشروعيتها.
وحيث إن المقرر في قضاء هذه المحكمة أنه لا تجــــوز معاملة المتهمين بوصفهم نمطًا ثابتًا، أو النظر إليهم باعتبار أن صورة واحدة تجمعهم لتصبهم في قالبها، بما مؤداه أن الأصل في العقوبة هو تفريدها لا تعميمها، وتقرير استثناء من هذا الأصل -أيًّا كانت الأغراض التي يتوخاها– مؤداه أن المذنبين جميعهم تتوافق ظروفهم، وأن عقوبتهم يجب أن تكون واحدة لا تغاير فيها، وهو ما يعني إيقاع جزاء في غير ضرورة، بما يفقد العقوبة تناسبها مع وزن الجريمة وملابساتها، وبما يقيد الحرية الشخصية دون مقتضى؛ ذلك أن مشروعية العقوبة -من زاوية دستورية- مناطها أن يباشر كل قاضٍ سلطته في مجال التدرج بها وتجزئتها، تقديرًا لها، في الحدود المقررة قانونًا، فذلك وحده الطريق إلى معقوليتها وإنسانيتها جبرًا لآثار الجريمة من منظور موضوعي يتعلق بها وبمرتكبها، وأن حرمان من يباشرون تلك الوظيفة من سلطتهم في مجال تفريد العقوبة بما يوائم بين الصيغة التي أفرغت فيها ومتطلبات تطبيقها في كل حالة بذاتها؛ مؤداه بالضرورة أن تفقد النصوص العقابية اتصالهــــا بواقعها، فلا تنبض بالحياة، ولا يكون إنفاذها إلا عملًا مجردًا يعزلها عن بيئتها، دالًّا على قسوتها أو مجاوزتها حد الاعتدال، جامدًا فجًّا منافيًا لقيم الحق والعدل.
وحيث إن العقوبة التخييرية، أو استبدال عقوبة أخف أو تدبير احترازي بعقوبة أصلية أشد، عند توافر عذر قانوني جوازي مخفف للعقوبة، أو إجازة استعمال الرأفة في مواد الجنايات بالنزول بعقوبتها درجة واحدة أو درجتين إذا اقتضت أحوال الجريمة ذلك التبديل، عملًا بنص المادة (١٧) من قانون العقوبات، أو إيقاف تنفيذ عقوبتي الغرامة أو الحبس الذي لا تزيد مدته على سنة، إذا رأت المحكمة من الظروف الشخصية للمحكوم عليه أو الظروف العينية التي لابست الجريمة ما يبعث على الاعتقـاد بعدم العودة إلى مخالفة القانون، على ما جرى به نص المادة (٥٥) من قانون العقوبات، إنما هي أدوات تشريعية يتسـاند القاضي إليها- بحسب ظروف كل دعوى- لتطبيق مبدأ تفريد العقوبة؛ ومن ثم فإنه في الأحوال التي يمتنع فيها إعمال إحدى هذه الأدوات فإن الاختصاص الحصري بتفريد العقوبة المعقود للقاضي يكون قد استغلق عليه تمامًا، بما يفتئت على استقلاله ويسلبه حريته في تقدير العقوبة، ويفقده جوهر الوظيفة القضائية وينطوي على تدخل محظور في شئون العدالة.
وحيث إن تفريد عقوبة الغرامة يجنبها عيوبها باعتبارها أثقل على الفقراء منها على الأغنياء، وكان فرض تناسبها في شأن جريمة بذاتها، إنصافًا لواقعها وحال مرتكبها، يتحقق بوسائل متعددة يندرج تحتها أن تفاضل المحكمة الجنائية بين حدين أعلى وأدنى لتختار لكل حال ما يناسبها، وأن تأمر بوقف تنفيذها متى قام لديها ما يبرر ذلك.
وحيث إن النص المحال –محددًا نطاقًا على ما سلف– قد جرم أفعال التعدي على أراضي الدولة؛ استجابة لضرورات اجتماعية واقتصادية مؤداها حماية الملكية العامة ممثلة في الأراضي الزراعية والفضاء والحيلولة دون الاعتداء عليها، بما يضمن قيام الدولة بالتزاماتها الدستورية بحسن استغلال هذه الملكية وصيانتها وحمايتها، باعتبارها الأساس الأول الذي ترتكن إليه الدولة في القيام بالمشروعات التي تحقق من خلالها القيام بواجبها الدستوري تجاه وضع خطة قومية شاملة لمواجهة مشكلة العشوائيات، بإعادة التخطيط وتوفير البنية الأساسية والمرافق، وتحسين نوعية الحياة والصحة العامة للمواطنين، وتحقيق الأمن الغذائي، وتحقيق التنمية الزراعية، وسائر المشروعات التي يمكن أن تكون ملكيتها للأراضي الزراعية أو الفضاء مساعدة لها في نفاذها، وقد أبان النص المحال في غير خفاء أو غموض عناصر الركن المادي للجريمة التي انتظمها، ومن بينها إقامة إنشاءات على الأراضي الزراعية والفضاء المملوكة للدولة، على أن يقارن ذلك الفعل والنتيجة قصد جنائي عام، قوامه علم الجاني بأن الأراضي التي يقيم عليها المنشآت هي أراضٍ مملوكة للدولة، واتجاه إرادته إلى النتيجة المباشرة، وقبوله النتيجة المحتملة؛ ومن ثم يكون النص المحال قد استوفى عناصر التجريم التي تطلبها الدستور، من حيث استهدافه مصلحة جديرة بالحماية الجنائية، وتحديد ركني الجريمة المادي والمعنوي على نحو قاطع لا لبس فيه ولا غموض، ولم يحل بين المتهم بهذه الجريمة وبين حقه الدستوري في نفي كل فعل ينسب إليه بكافة وسائل الإثبات الجنائي، ولم يُقم قرينة ينقض بها أصل البراءة أو تقيد المحكمة الجنائية في إعمال سلطتها التقديرية في تمحيص الواقعة وتقدير أدلتها، في ضوء قواعد المحاكمة المنصفة؛ ومن ثم فإن التجريم الوارد في النص يكون قد استوى على قواعد الشرعية الدستورية.
وحيث إن العقوبة الأصلية التي رصدها النص المحال، وهي الحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تزيد على خمس سنوات، وغرامة لا تقل عن مائة ألف جنيه ولا تجاوز مليون جنيه، إنما تتناسب مع جسامة الجريمة العمدية المتمثلة في التعدي بالبناء على الأراضي المملوكة للدولة، باعتبار أن تحققه يستحيل معه الفعل إلى جريمة من جرائم الضرر، وعقوبة الحبس، باعتبارها الشق الأول من العقوبة الأصلية لهذه الجريمة، لا تستعصي على التفريد القضائي للعقوبة، كونها تقع بين حدين: أدنى حدده النص بسنتين، وأقصى حدده بخمس سنوات. ولا ينال من دستورية عقوبة الحبس المنصوص عليها في النص المحال عدم جواز إيقاف تنفيذها؛ ذلك أن النص الذي يحول دون وقف تنفيذ عقوبة الحبس المنصوص عليها في النص المحال هو نص المادة (٥٥) من قانون العقوبات –غير المحال– فضلًا عن أن إيقاف تنفيذ العقوبة السالبة للحرية لا يُردّ فحسب إلى قواعد التفريد القضائي للعقوبة التي تتسلط عليها محكمة الموضوع، وإنما يداخلها الغاية من تنفيذ العقوبة السالبة للحرية، ليوسد الدستور إلى المشرع –في حدود سلطته التقديرية– تحقيق التوازن بينهما على ضوء اعتبارات عدة، تتصدرها جسامة الجرم ومبلغ أثره المجتمعي من ناحية، وجدوى إيقاف تنفيذ العقوبة السالبة للحرية في إعادة تأهيل المحكوم عليه للانخراط في المجتمع مجددًا من ناحية أخرى. كما أن النص المحال لم يحل بين المحكمة الجنائية وبين سلطتها في إيقاف تنفيذ عقوبة الغرامة –الشق الثاني من العقوبة الأصلية– إذا رأت من ظروف المحكوم عليه ما يوجب ذلك؛ ومن ثم تغدو العقوبة الأصلية بشقيها قد سلمت من أية مثالب دستورية، ويكون الطعن على دستورية النص المحال –وفق نطاقه المحدد سلفًا– لا سند له، متعينًا رفضه.
وحيث إن النص المحال لا يخالف أي حكم آخر من أحكام الدستور؛ ومن ثم فإن المحكمة تقضي برفض الدعوى.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة برفض الدعوى.