المنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ : ۲۰۲٦/۱۰/۱۱
باسم الشعب
المحكمة الدستورية العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت العاشر مــــن أكتوبر سنة ٢٠٢٦م، الموافق الثامن والعشرين من ربيع الآخر سنة ١٤٤٨هـ.
برئاسة السيد المستشار/ بولس فهمي إسكندر رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين: الدكتور محمد عماد النجار والدكتور طارق عبد الجواد شبل وخالد أحمد رأفت دسوقي والدكتورة فاطمة محمد أحمد الرزاز وصلاح محمد الرويني ومحمد أيمن سعد الدين عباس نواب رئيس المحكمة
وحضور السيد المستشار الدكتور/ عماد طارق البشري رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد/ عبد الرحمن حمدي محمود أمين السر
أصدرت الحكم الآتي
في الدعوى المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم ٤٦ لسنة ٤٦ قضائية "دستورية"، بعد أن أحالت المحكمة الإدارية العليا بحكمها الصادر بجلسة ٢٢/٦/٢٠٢٤، ملف الطعن رقم ٩٧٦٤١ لسنة ٦٩ قضائية "عليا"
المقام من
ياسر محمد شوقي محمد
ضد
رئيس المركز القومي لبحوث المياه
-----------------
الإجـراءات
بتاريخ السادس والعشرين من سبتمبر سنة ٢٠٢٤، ورد إلى قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا ملف الطعن رقم ٩٧٦٤١ لسنة ٦٩ قضائية "عليا"، نفاذًا لحكم المحكمة الإدارية العليا، الصادر بجلسة ٢٢/٦/٢٠٢٤، بوقف الطعن، وإحالة الأوراق إلى المحكمة الدستورية العليا، للفصل في دستورية نص المادة (٤١) من قرار رئيس الجمهورية رقم ٣١٦ لسنة ١٩٩٤ في شأن إعادة تنظيم المركز القومي لبحوث المياه.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، طلبت فيها الحكم بعدم قبول الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرًا برأيها.
ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وفيها قدم المركز المدعى عليه مذكرة، طلب فيها الحكم بعدم دستورية النص المحال، وقررت المحكمة إصدار الحكم بجلسة اليوم.
-------------------
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع تتحصل –على ما يتبين من حكم الإحالة وسائر الأوراق– في أن المدعي في الدعوى الموضوعية أقام أمام محكمة القضاء الإداري الدعوى رقم ١٥٨٤٢ لسنة ٧٧ قضائية، ضد المركز القومي لبحوث المياه، طالبًا الحكم بأحقيته في صرف المقابل النقدي لرصيد إجازاته الاعتيادية كاملًا، مع ما يترتب على ذلك من آثار، وفروق مالية؛ وذلك على سند من أنه كان يشغل وظيفة أستاذ باحث بمعهد بحوث الهيدروليكا، بالمركز سالف الذكر، وانتهت خدمته بالإحالة إلى المعاش بتاريخ ١٢/٩/٢٠٢٢. وإذ لم يحصل في أثناء مدة خدمته على الإجازات الاعتيادية السنوية المقررة له كاملة، نظرًا لحاجة العمل إليه، وامتنعت جهة الإدارة عن صرف المقابل النقدي لهذا الرصيد، بالمخالفة للمبادئ الدستورية الصادرة في هذا الشأن؛ فكانت دعواه. وبجلسة ٢٧/٣/٢٠٢٣، حكمت المحكمة بأحقية المدعي في الحصول على المقابل النقدي لرصيد إجازاته وقدرها ٥٠٣ أيام، ورفضت ما عدا ذلك من طلبات. وإذ لم يلق هذا القضاء قبولًا لدى المدعي في الدعوى الموضوعية؛ طعن عليه أمام المحكمة الإدارية العليا، بالطعن رقم ٩٧٦٤١ لسنة ٦٩ قضائية "عليا". وإذ تراءى لتلك المحكمة عدم دستورية نص المادة (٤١) من قرار رئيس الجمهورية رقم ٣١٦ لسنة ١٩٩٤ في شأن إعادة تنظيم المركز القومي لبحوث المياه، فيما تضمنه من وضع حد أقصى –أربعة أشهر- لما يجوز أن يحصل عليه عضو هيئة البحوث والوظائف المعاونة، من مقابل نقدي لرصيد إجازاته الاعتيادية، التي لم يستنفدها في أثناء الخدمة؛ فقررت وقف الطعن، وإحالة أوراقه إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في دستوريته، ناعية على النص المحال مخالفته المواد (١٢ و٣٢ و٣٤) من الدستور.
وحيث إن المادة (٤١) من قرار رئيس الجمهورية رقم ٣١٦ لسنة ١٩٩٤ في شأن إعادة تنظيم المركز القومي لبحوث المياه، تنص على أن:
"يستحق أعضاء هيئة البحوث والوظائف المعاونة إجازة عارضة لمدة سبعة أيام في السنة وذلك بسبب طارئ يتعذر معه الحصول على أي إجازة أخرى.
ويستحق أعضاء هيئة البحوث والوظائف المعاونة إجازة اعتيادية سنوية بأجر كامل لا يدخل في حسابها أيام عطلات الأعياد والمناسبات الرسمية فيما عدا العطلات الأسبوعية وذلك على الوجه التالي:
١٥ يومًا في السنة الأولى وذلك بعد مضي ستة أشهر من تاريخ استلام العمل.
٢١ يومًا لمن أمضى سنة كاملة.
٣٠ يومًا لأعضاء هيئة البحوث ولمن أمضى ١٠ سنوات كاملة في الخدمة عدا الأساتذة الباحثين.
٤٥ يومًا للأساتذة الباحثين ولمن تجاوز سنه الخمسين.
ويجب في جميع الأحوال التصريح بإجازة اعتيادية لمدة ستة أيام متصلة، ولا يجوز تقصير أو تأجيل الإجازة الاعتيادية أو إنهاؤها إلا لأسباب قومية تقتضيها مصلحة العمل.
ويحتفظ عضو هيئة البحوث والوظائف المعاونة برصيد إجازاته الاعتيادية على أنه لا يجوز أن يحصل على إجازة اعتيادية من هذا الرصيد بما يجاوز ستين يومًا في السنة بالإضافة إلى الإجازة الاعتيادية المستحقة له عن تلك السنة.
فإذا انتهت خدمته قبل استنفاد رصيده من الإجازات الاعتيادية استحق عن هذا الرصيد أجره الأساسي مضافاً إليه العلاوات الخاصة التي كان يتقاضاها عند انتهاء خدمته وذلك بما لا يجاوز أجر أربعة أشهر ولا تخضع هذه المبالغ لأي ضرائب أو رسوم".
وحيث إن المصلحة في الدعــوى الدستورية، وهي شرط لقبولها، مناطهـا –على ما جرى عليه قضاء هذه المحكمة– أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يؤثر الحكم في المسألة الدستورية على الطلبات المرتبطة بها والمطروحة على محكمة الموضوع، ويستوي في شأن توافر المصلحة أن تكون الدعوى قد اتصلت بالمحكمة عن طريق الدفع أو عن طريق الإحالة. لما كان ذلك، وكان النزاع الموضوعي يتعلق بمقدار رصيد الإجازات الاعتيادية التي يستحق عنها المدعـي مقابلًا نقديًّا عند انتهاء خدمته بالمركز المدعى عليه، وكان النص المحال هــو ما يحول دون إجابة المدعي لطلبه؛ ومن ثم فإن الفصل في دستوريته يكون له أثره المباشر وانعكاسه الأكيد على الدعوى الموضوعية، والطلبات المطروحة بها، وقضاء محكمة الموضوع فيها. ويتحدد نطاق الدعوى الدستورية فيما تضمنه نص الفقرة الأخيرة من المادة (٤١) من قرار رئيس الجمهورية رقم ٣١٦ لسنة ١٩٩٤، في شأن إعادة تنظيم المركز القومي لبحوث المياه، من استحقاق عضو هيئة البحوث مقابلًا نقديًّا عن رصيده من الإجازات الاعتيادية التي لم يستنفدها قبل انتهــاء خدمته، لا يجاوز أربعة أشهر، دون ما تضمنه النص من أحكام أخرى.
وحيث إن حكم الإحالة ينعى على النص المحال مخالفته أحكام الدستور؛ إذ حرم عضو هيئة البحوث بالمركز القومي لبحوث المياه من استحقاق المقابل النقدي الكامل لرصيد إجازاته الاعتيادية عند انتهاء خدمته، ولو كان عدم حصوله عليها راجعًا إلى جهة العمل أو إلى مقتضياتها، بما يهدر حقه في التعويض، ويمثل عدوانًا على أحد عناصر ذمته المالية التي كفل الدستور حمايتها باعتبارها من الأموال التي تمتد إليها الحماية المقررة للملكية الخاصة.
وحيث إن من المقرر في قضاء هذه المحكمة أن لكل حق أوضاعًا يقتضيها، وآثارًا يرتبها، من بينها -في مجال حق العمل- ضمان الشروط التي يكون أداء العمل في نطاقها منصفًا وإنسانيًّا ومواتيًا، فلا تنتزع هذه الشروط قسرًا من محيطها، ولا ترهق بفحواها بيئة العمل ذاتها؛ أو تناقض بأثرها ما ينبغي أن يرتبط حقًّا وعقلًا بالشـروط الضرورية لأداء العمل بصورة طبيعية لا تحامل فيها؛ ومن ثم لا يجوز أن تنفصل الشروط التي يتطلبها المشرع لمباشرة عمل أو أعمال بذواتها عن متطلبات ممارستها، وإلا كان تقريرها انحرافًا بها عن غايتها، يستوي في ذلك أن يكون سندها علاقة عقدية أو رابطة لائحية.
وحيث إن الدستور خول سلطة التشريع بنص المادة (١٢) منه تنظيم حق العمل، إلا أنه لا يجوز لها أن تعطل جوهره، ولا أن تتخذ من حمايتها للعامل موطئًا لإهدار حقوق يمتلكها، وعلى الأخص تلك التي تتصل بالأوضاع التي ينبغي أن يُمارس العمل فيها، ويندرج تحتها الحق في الإجازة الاعتيادية السنوية التي لا يجوز لجهة العمل أن تحجبها عن عامل يستحقها، وإلا كان ذلك منها عدوانًا على صحته البدنية والنفسية، وإخلالًا بأحد التزاماتها الجوهرية التي لا يجوز للعامـل بدوره أن يتسامح فيها، ونكولًا عن الحدود المنطقية التـي ينبغي وفقًا للدستور أن تكون إطارًا لحق العمل، واستتارًا بتنظيم هذا الحق للحد من مداه.
وحيث إن المشرع قد صاغ -في هذا الإطار- بنص المادة (٤١) المشار إليها، حق أعضاء هيئة البحوث في الإجازة الاعتيادية السنوية، فغدا بذلك حقًّا مقررًا لهم بنص القانون، يظل قائمًا ما بقيت الرابطة الوظيفية قائمة، محددًا لتلك الإجازة مددًا تختلف باختلاف مدة خدمتهم، ولم يُجز تقصيرها أو تأجيلها أو إنهاءها إلا لأسباب قوية تقتضيها مصلحة العمل، كما أجاز لأعضاء هيئة البحوث أن يحتفظوا بما قد يكون لهم من رصيد الإجازات الاعتيادية السنوية مع وضع ضوابط معينة للحصول عليها، بحيث لا يجوز لهم الحصول على إجازة من هذا الرصيد تزيد على ستين يومًا في السنة الواحدة. فإذا انتهت خدمة أعضاء هيئة البحوث، ولهم رصيد من تلك الإجازات فإنهم يستحقون بدلًا نقديًّا عن هذا الرصيد، بيد أن المشرع قيد اقتضاء هذا البدل بشرطين، أولهما: ألا تجاوز مدة الرصيد التي يُستحق عنها البدل النقدي أربعة أشهر، وثانيهما: حساب هذا البدل على أساس الأجر الأساسي عند انتهاء الخدمة مضافًا إليه العلاوات الخاصة.
وحيث إن المشرع تغيا من ضمان حق أعضاء هيئة البحوث في إجازة اعتيادية سنوية، بالشروط التي حددها، أن يستعيدوا خلالها قواهم المادية والمعنوية، ولا يجوز -تبعًا لذلك- أن ينزل عضو هيئة البحوث عنها، ولو كان هذا النزول ضمنيًّا بالامتناع عن طلبها؛ إذ هي فريضة اقتضاها المشرع من كل عضو من أعضاء هيئة البحوث وجهة الإدارة، فلا يملك أيهما إهدارها كليًّا أو جزئيًّا إلا لأسباب قوية تقتضيها مصلحة العمل، ولا أن يدعي عضو هيئة البحوث أنه بالخيار بين طلبها أو تركها، وإلا كان التخلي عنها إنهاكًا لقواه، وتبديدًا لطاقاته، وإضرارًا بمصلحة العمل ذاتها التي يتعذر صونها مع الاستمـرار فيه دون انقطاع. فالحق في الإجازة الاعتيادية السنوية يتصل بقيمة العمل وجدواه، وينعكس بالضرورة على كيان الجماعة، ويمس مصالحها العليا؛ صونًا لقواها الإنتاجية البشرية، بل إن المشرع اعتبر حصول عضو هيئة البحوث على إجازة اعتيادية لمدة ستة أيام متصلة كل سنة أمرًا لا يجوز الترخيص في منعه، أو التذرع دون تمامه بدواعي مصلحة العمل، وهو ما يقطع بأن الحق في تلك الإجازة يتصل بقيمة العمل وجدواه، وينعكس بالضرورة على كيان الجماعة ويمس مصالحها العليا، صونًا لقوتها الإنتاجية البشرية.
وحيث إن المشرع قد دل بالفقرة الأخيرة من المادة (٤١) من قرار رئيس الجمهورية رقم ٣١٦ لسنة ١٩٩٤ المشار إليه، على أن عضو هيئة البحوث لا يجوز أن يتخذ من تلك الإجازة وعاءً ادخاريًّا من خلال ترحيل مددها التي تراخى في استعمالها، ثم تجميعها ليحصل بعد انتهاء خدمته على ما يقابلها من الأجر. وكان ضمان المشرع لمصلحة العمل ذاتها قد اقتضى أن يرد عليه سوء قصده، فلم يُجز له أن يحصل على ما يساوي أجر هذا الرصيد إلا عن مدة لا تجاوز أربعة أشهر، وهي بعد مدة قدَّر المشرع أن قصرها يعتبر كافلًا للإجازة السنوية غايتها، فلا تفقد مقوماتها أو تتعطل وظائفها. بيد أن هذا الحكم لا ينبغي أن يسري على إطلاقه، بما مؤداه أنه كلما كان فوات الإجازة راجعًا إلى جهة العمل، أو لأسباب اقتضتها ظروف أدائه دون أن يكون لإرادة عضو هيئة البحوث دخل فيها، كانت جهة العمل مسئولة عن تعويضه عنهــا، فيجوز للأخير عندئذ -وكأصل عام- أن يطلبها جملة فيما جاوز ستة أيام كل سنة، إذا كان اقتضاء ما تجمع من إجازاته السنوية على هذا النحو ممكنًا عينًا، وإلا كان التعويض النقدي عنها واجبًا، تقديرًا بأن المدة التي امتد إليها الحرمان من استعمال تلك الإجازة مردها إلى جهة العمـــل، فكان لزامًا أن تتحمل وحدها تبعة ذلك.
وحيث إن الحق في هذا التعويض لا يعدو أن يكون من العناصر الإيجابية للذمة الماليـة لعضو هيئة البحوث، مما يندرج في إطـار الحقـوق التي كفلتهـا المادتان (٣٣ و٣٥) من الدستور، اللتان صان بهما المشرع حق الملكية الخاصة، التي جرى قضاء هذه المحكمة على اتساعها للأموال بوجه عام؛ ومن ثم انصرافها إلى الحقوق الشخصيـة والعينيـة جميعهـا. متى كان ذلك، فإن حرمان عضو هيئة البحوث من التعويض المكافـئ للضـرر والجابر له يكون مخالفًا للحماية الدستورية المقررة للملكية الخاصة.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بعدم دستورية نص الفقرة الأخيرة من المادة (٤١) من قرار رئيس الجمهورية رقم ٣١٦ لسنة ١٩٩٤ في شأن إعادة تنظيم المركز القومي لبحوث المياه، فيما تضمنه من وضع حد أقصى للمقابل النقدي لرصيد الإجازات الاعتيادية السنوية التي لم يستنفدها عضو هيئة البحوث حتى انتهاء خدمته، لا يجاوز أجر أربعة أشهر، متى كان الحرمان من الإجازة، فيما جاوز من رصيدها هذا الحد، راجعًا إلى أسباب اقتضتها مصلحة العمل.