الصفحات

البحث الذكي داخل المدونة

تحميل وطباعة هذه الصفحة

Print Friendly and PDF

الأربعاء، 8 يوليو 2026

الطعن 1653 لسنة 2 ق جلسة 20 / 4 / 1957 إدارية عليا مكتب فني 2 ج 2 ق 98 ص 955

جلسة 20 من إبريل سنة 1957

برياسة السيد/ السيد علي السيد رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة السيد إبراهيم الديواني والإمام الإمام الخريبي وعلي إبراهيم بغدادي ومصطفى كامل إسماعيل المستشارين.

------------------

(98)

القضية رقم 1653 لسنة 2 القضائية

(أ) نقل الموظف

 - جواز النقل من وظيفة إلى أخرى ما دامت الأخيرة ليست أقل درجة من الأولى - مثال.
(ب) موظف 

- نقله من وظيفة رئيس قلم جنائي بإحدى النيابات الجزئية إلى وظيفة كاتب بالنيابة الكلية بدرجته - من الملاءمات المتروكة لرئيس النيابة بحسبانه توزيعاً للعمل على كتاب النيابات - المادة 59 من قانون نظام القضاء.

----------------
1 - إن الجزاءات التي عددتها المادة 84 من القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة، ليس من بينها التنزيل في الوظيفة كما كان الحال قبل العمل بالقانون سالف الذكر. وقد أجازت المادة 47 من القانون المشار إليه النقل من وظيفة إلى أخرى ما دامت درجة الوظيفة المنقول إليها الموظف ليست أقل من درجة الوظيفة المنقول منها. فالقول بأن نقل المدعي من وظيفة رئيس قلم جنائي بإحدى النيابات الجزئية إلى وظيفة كاتب بالنيابة الكلية قد قصد به أن يكون بمثابة عقوبة توقع عليه إلى جانب الخصم من مرتبه، هو مذهب لا يستند إلى أساس سليم من القانون؛ ذلك أن المدعي قد نقل إلى وظيفة لا تقل درجتها عن درجة وظيفته الأولى، فلم يتضمن نقله أي تنزيل له في الدرجة.
2 - إن المادة 59 من القانون رقم 147 لسنة 1949 بشأن نظام القضاء تنص على أن: "رئيس كل محكمة يتولى توزيع الأعمال على كتابها وتحديد محل كل منهم وتعيين رؤساء الأقلام والكتاب الأول بالمحاكم الجزئية وكذلك نقل الكتاب وندبهم داخل دائرة المحكمة، ويتولى رئيس كل نيابة كلية هذه الأعمال بالنسبة لكتاب النيابات التابعين له". ومن ثم فإن نقل المدعي من وظيفة رئيس قلم جنائي بإحدى النيابات الجزئية إلى وظيفة كاتب بالنيابة الكلية بدرجته، لا يعدو أن يكون توزيعاً للأعمال على كتاب النيابات، فهو بهذه المثابة من الملاءمات المتروكة لتقدير رئيس النيابة حسبما يكون متفقاً مع الصالح العام، طبقاً للمادة 59 سالفة الذكر.


إجراءات الطعن

في 5 من يوليه سنة 1956 أودع السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة عريضة طعن في الحكم الصادر من المحكمة الإدارية بالإسكندرية بجلسة 29 من مايو سنة 1956 في الدعوى رقم 289 لسنة 3 القضائية المقامة من حامد محمد السويفي ضد وزارة العدل (النيابة العمومية)، القاضي: "بإلغاء القرار الصادر من السيد رئيس نيابة الإسكندرية بتاريخ 17/ 8/ 1954 فيما تضمنه من نقل المدعي من وظيفة رئيس القلم الجنائي بنيابة المنشية إلى وظيفة كاتب بنيابة الإسكندرية الكلية، مع إلزام الجهة الإدارية المصاريف ومبلغ 300 قرش مقابل أتعاب المحاماة ورفض ما عدا ذلك من الطلبات". وطلب السيد رئيس هيئة المفوضين، للأسباب التي استند إليها في عريضة طعنه، "قبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع إلغاء الحكم فيما قضى به من إلغاء أمر النقل المطعون فيه، والقضاء بعدم اختصاص القضاء الإداري بنظر الدعوى في هذا الشق". وقد أعلن هذا الطعن إلى وزارة العدل في 2 من سبتمبر سنة 1956، وإلى المطعون عليه في 10 من سبتمبر سنة 1956، وعين لنظره جلسة 23 من مارس سنة 1957، وفيها سمعت المحكمة ما رأت سماعه من إيضاحات على الوجه المبين بمحضر الجلسة، ثم أرجئ إصدار الحكم إلى جلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة تتحصل، حسبما يبين من أوراق الطعن، في أن المطعون عليه أقام دعواه يطلب فيها إلغاء القرار الصادر من السيد رئيس نيابة الإسكندرية في 17 من أغسطس سنة 1954 فيما قضى به من خصم ثلاثة أيام من راتبه، وكذلك إلغاءه فيما تضمن من نقله من وظيفة رئيس القلم الجنائي بنيابة المنشية إلى وظيفة كاتب بالنيابة الكلية.
وفي 29 من مايو سنة 1956 قضت المحكمة الإدارية بالإسكندرية "بإلغاء القرار الصادر من السيد رئيس نيابة الإسكندرية في 27 من أغسطس سنة 1954 فيما تضمنه من نقل المدعي من وظيفة رئيس القلم الجنائي بنيابة المنشية إلى وظيفة كاتب بنيابة الإسكندرية الكلية، مع إلزام الجهة الإدارية المصاريف ومبلغ 300 قرش مقابل أتعاب المحاماة، ورفض ما عدا ذلك من الطلبات". وأسست قضاءها على أنه "وإن نصت المادة 76 من قانون نظام القضاء بأن يعمل كتاب النيابة في كل محكمة تحت رقابة رئيس القلم الجنائي وهؤلاء جميعاً خاضعون لرئيس النيابة، فليس في ذلك دليل على أن وظيفة (رئيس القلم الجنائي) تختلف في طبيعتها عن وظيفة (كاتب) بالنيابة، خاصة متى كانت الأولى بإحدى النيابات الجزئية والثانية بنيابة كلية، بل كثيراً ما يكون الشاغل لوظيفة رئيس القلم ببعض النيابات الجزئية في درجة أدنى من درجة كثير من كتبة النيابات الكلية، ومن ثم فقد جاز في الظروف العادية نقل المدعي من وظيفة رئيس قلم بنيابة جزئية إلى وظيفة كاتب بالنيابة الكلية، دون أن يقال بأن في ذلك تنزيلاً له منطوياً على عقوبة مقنعة. غير أنه في الظروف التي صدر فيها القرار محل الطعن، وقد تصدر بنسبة أمور معينة إلى المدعي، رأى فيها السيد رئيس النيابة الذي أصدر القرار (ما يعتبر من المدعي إثارة للشبهة قبله ومتعارضاً مع ما يطلب من الموظف من البعد عن مواطن الظنون، الأمر الذي يقتضي مجازاته) وانتهى القرار إلى الخصم من مرتبه، ثم نقله إلى وظيفة كاتب بالنيابة الكلية، فإن في ذلك ما يشير بجلاء إلى أنه قصد بالإجراء الأخير أن يكون بمثابة عقوبة توقع عليه إلى جانب الخصم من مرتبه".
ومن حيث إن الطعن يقوم على أن قرار النقل المحكوم بإلغائه من القرارات الإدارية التي لا يقبل طلب إلغائها؛ وآية ذلك أن نقل المدعي من وظيفة رئيس قلم جنائي في نيابة جزئية إلى كاتب بالنيابة الكلية هو إجراء داخلي بحت يملكه رئيس النيابة المنوط به - بحكم القانون - الإشراف على أعمال النيابة العامة في حدود مدينة الإسكندرية باعتبارها وحدة لا تتجزأ.
ومن حيث إن المحكمة قد اعتبرت النقل يخفي جزاءً تأديبياً، وأنه صدر باطلاً لمخالفته للأوضاع المرسومة في قانون نظام القضاء في شأن تأديب موظفي النيابات.
ومن حيث إنه لا يلزم لكي يعتبر القرار الإداري بمثابة الجزاء التأديبي المقنع أن يكون متضمناً عقوبة من العقوبات التأديبية المعينة، وإلا لكان جزاءً تأديبياً صريحاً، وإنما يكفي أن تتبين المحكمة من ظروف الأحوال وملابساتها أن نية الإدارة اتجهت إلى عقاب الموظف، ولكن بغير اتباع الإجراءات والأوضاع المقررة لذلك، فانحرفت بسلطتها في القرار لتحقيق هذا الغرض المستتر، فيكون القرار بمثابة الجزاء التأديبي المقنع، ويكون عندئذ مشوباً بعيب إساءة استعمال السلطة ومخالفاً للقانون، أما إذا تبين أنها لم تنحرف بسلطتها لتحقيق مثل هذا الغرض الخفي، وإنما استعملتها في تحقيق المصلحة العامة التي أعد لها القرار، كان سليماً ومطابقاً للقانون [(1)].
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه قد ذهب إلى أن نقل المدعي من وظيفة رئيس قلم جنائي بإحدى النيابات الجزئية إلى وظيفة كاتب بالنيابة الكلية قد "قصد به أن يكون بمثابة عقوبة توقع عليه إلى جانب الخصم من مرتبه"، وهو مذهب لا يستند إلى أساس سيلم من القانون؛ ذلك أن المدعي قد نقل إلى وظيفة لا تقل درجتها عن درجة وظيفته الأولى فلم يتضمن نقله أي تنزيل له. ويجب التنبيه إلى أن الجزاءات التي عددتها المادة 84 من القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة - وهو الذي يحكم واقعة الدعوى - ليس من بينها التنزيل في الوظيفة كما كان الحال قبل العمل بالقانون سالف الذكر، كما أجازت المادة 47 من القانون المشار إليه النقل من وظيفة إلى أخرى ما دامت درجة الوظيفة المنقول إليها الموظف ليست أقل من درجة الوظيفة المنقول منها.
ومن حيث إن المادة 59 من القانون رقم 147 لسنة 1949 بشأن نظام القضاء تنص على أن "رئيس كل محكمة يتولى توزيع الأعمال على كتابها وتحديد محل كل مهم وتعيين رؤساء الأقلام والكتاب الأول بالمحاكم الجزئية وكذلك نقل الكتاب وندبهم داخل دائرة المحكمة، ويتولى رئيس كل نيابة كلية هذه الأعمال بالنسبة لكتاب النيابات التابعين له".
ومن حيث إنه يظهر من ذلك أن نقل المدعي من وظيفة رئيس قلم جنائي بإحدى النيابات الجزئية إلى وظيفة كاتب بالنيابة الكلية بدرجته لا يعدو أن يكون توزيعاً للأعمال على كتاب النيابات، فهو بهذه المثابة من الملاءمات المتروكة لتقدير رئيس النيابة حسبما يكون متفقاً مع الصالح العام طبقاً للمادة 59 من قانون نظام القضاء.
ومن حيث إنه لما تقدم يكون الحكم المطعون فيه فيما قضى به من إلغاء أمر النقل قد أخطأ في تطبيق القانون ويتعين إلغاؤه على الوجه المبين بالمنطوق.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه فيما قضى به من إلغاء قرار النقل، وبرفض الدعوى، وألزمت المدعي بالمصروفات.


[(1)] راجع السنة الأولى في هذه المجموعة بند 112 صفحة 924

الطعن 2294 لسنة 49 ق جلسة 9 / 4 / 1980 مكتب فني 31 ق 90 ص 483

جلسة 9 من إبريل سنة 1980

برئاسة السيد المستشار/ محمد عبد الواحد الديب نائب رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين محمد أحمد حمدي، وممدوح مصطفى حسن، وإبراهيم حسين رضوان، وراغب عبد القادر عبد الظاهر.

------------------

(90)
الطعن رقم 2294 لسنة 49 القضائية

(1) تفتيش "التفتيش بغير إذن". دفاع. "الإخلال بحق الدفاع. ما يوفره". نقض "أسباب الطعن. ما يقبل منها".
عدم جواز دخول المنازل إلا في الأحوال وبالكيفية المبينة بالقانون. مخالفة ذلك. بطلان. علة ذلك؟
(2) دفاع "الإخلال بحق الدفاع. ما يوفره". حكم "تسبيبه. تسبيب معيب" نقض "أسباب الطعن ما يقبل منها".
التأخير في الإدلاء بالدفاع. لا يدل حتماً على عدم جديته.
استعمال المتهم حقه في الدفاع عن نفسه لا يصح البتة نعته بعدم الجدية. التزام المحكمة بالنظر في طلبات التحقيق وأوجه دفاع المتهم. مخالفة ذلك. قصور وفساد في الاستدلال.

-------------------
1 - من المبادئ المقررة أن للمنازل حرمة فلا يجوز دخولها من رجال السلطات العامة أو المحققين إلا في الأحوال المبينة في القانون وبالكيفية المنصوص عليها فيه، وأن دخولها في غير هذه الأحوال هو أمر محظور يفضي بذاته إلى بطلان التفتيش وقد رسم القانون للقيام بتفتيش المنازل حدوداً وشروطاً لا يصح إلا بتحققها وجعل التفتيش متضمناً ركنين أولهما دخول المسكن وثانيهما البحث عن الأشياء والأوراق التي تفيد في كشف الحقيقة، وأن الضمانات التي قررها الشارع تنسحب على الركنين معاً بدرجة واحدة، ذلك بأن تفتيش منزل المتهمة يقوم على جملة أعمال تتعاقب في مجراها وتبدأ بدخول الضابط القضائي في المنزل المراد تفتيشه ويوجب الشارع في هذه الأعمال المتعاقبة منذ بدايتها إلى نهاية أمرها أن تتقيد بالقيود التي جعلها الشارع شروطاً لصحة التفتيش، ومن ثم إذا كان الموظف الذي دخل المنزل غير مأذون من سلطة التحقيق أو غير مرخص له من الشارع بدخوله في الأحوال المخصوصة بالنص عليها بطل دخوله وبطل معه كافة ما يلحق بهذا الدخول من أعمال الضبط والتفتيش.
2 - من المقرر أن التأخير في الإدلاء بالدفاع لا يدل حتماً على عدم جديته ما دام منتجاً ومن شأنه أن تندفع به التهمة أو يتغير به وجه الرأي في الدعوى، كما أن استعمال المتهم حقه المشروع في الدفاع عن نفسه في مجلس القضاء لا يصح البتة أن ينعت بعدم الجدية ولا أن يوصف بأنه جاء متأخراً لأن المحاكمة هي وقته المناسب الذي كفل فيه القانون لكل متهم حقه في أن يدلي بما يحق له من طلبات التحقيق وأوجه الدفاع وإلزام المحكمة النظر فيه وتحقيقه تجلية للحقيقة وهداية للصواب، وإذ ما كان الحكم المطعون فيه على ما سلف بيانه - قد خالف هذا النظر في الرد على الدفع المشار إليه اكتفاء بما ساقه من رد قاصر لا يسوغ به رفضه، فإنه يكون معيباً فضلاً عن قصوره بالفساد في استدلاله بما يستوجب نقضه والإحالة بغير حاجة لمناقشة أوجه الطعن الأخرى.


الوقائع

اتهمت النيابة العامة الطاعنة بأنها: أحرزت بغير قصد الاتجار أو التعاطي أو الاستعمال الشخصي جوهراً مخدراً (حشيش) في غير الأحوال المصرح بها قانوناً وطلبت إلى مستشار الإحالة إحالتها إلى محكمة الجنايات لمعاقبتها طبقاً للقيد والوصف الواردين بتقرير الاتهام، فقرر ذلك. ومحكمة جنايات المنصورة قضت حضورياً عملاً بمواد القانون رقم 182 لسنة 1960 المعدل بالقانون رقم 40 لسنة 1966 والبند 57 من الجدول رقم 1 الملحق مع تطبيق المادة 17 من قانون العقوبات بمعاقبة المتهمة بالحبس مع الشغل لمدة ستة شهور وتغريمها خمسمائة جنيه ومصادرة المخدر المضبوط. فطعنت المحكوم عليها في هذا الحكم بطريق النقض.... إلخ.


المحكمة

وحيث إن مما تنعاه الطاعنة على الحكم المطعون فيه أنه إذ دانها بجريمة إحراز مخدر قد شابه فساد في الاستدلال وقصور في التسبيب ذلك بأن المدافع عنها قد دفع ببطلان التفتيش إذ تم ضبطها وتفتيشها في منزل غير المأذون بتفتيشه، غير أن الحكم قد أطرحه برد غير سائغ. الأمر الذي يعيبه ويوجب نقضه.
وحيث إن البين من مطالعة الحكم المطعون فيه أنه حصل واقعة الدعوى في أن النيابة العامة أذنت بتفتيش منزل زوج الطاعنة لضبط ما يحرزه أو يحوزه من مواد مخدرة، ولدى تنفيذ الإذن توجه الضابط المأذون له إلى المسكن حيث كانت الطاعنة تقف في ردهته وما أن شاهدته حتى ألقت بلفافة سلوفانية تبين أنها تحوي مخدر الحشيش، وبتفتيشها عثر معها على كمية أخرى من ذات المخدر، كما يبين من مطالعة محضر جلسة المحاكمة أن الحاضر مع الطاعنة دفع ببطلان إجراءات تنفيذ الإذن وأسس ذلك على أن المنزل الذي تم فيه الضبط والتفتيش ليس هو المأذون بتفتيشه ويختلف عنوانه عن ذلك الذي صدر به الإذن، وقد رد الحكم على هذا الدفع في قوله "إن المتهمة لم تدع بالتحقيقات بأن المنزل الذي ضبطت فيه ليس هو منزل زوجها الصادر به إذن التفتيش، كما لم يدع الأخير ذلك عند سؤاله في تحقيق النيابة". لما كان ذلك، وكان من المبادئ المقررة أن للمنازل حرمة فلا يجوز دخولها من رجال السلطات العامة أو المحققين إلا في الأحوال المبينة في القانون وبالكيفية المنصوص عليها فيه، وأن دخولها في غير هذه الأحوال هو أمر محظور يفضي بذاته إلى بطلان التفتيش وقد رسم القانون للقيام بتفتيش المنازل حدوداً وشروطاً لا يصح إلا بتحققها وجعل التفتيش متضمناً ركنين أولهما دخول المسكن وثانيهما البحث عن الأشياء والأوراق التي تفيد في كشف الحقيقة، وأن الضمانات التي قررها الشارع تنسحب على الركنين معاً بدرجة واحدة، ذلك بأن تفتيش منزل المتهمة يقوم على جملة أعمال تتعاقب في مجراها وتبدأ بدخول الضابط القضائي في المنزل المراد تفتيشه ويوجب الشارع في هذه الأعمال المتعاقبة منذ بدايتها إلى نهاية أمرها أن تتقيد بالقيود التي جعلها الشارع شروطاً لصحة التفتيش، ومن ثم إذا كان الموظف الذي دخل المنزل غير مأذون من سلطة التحقيق أو غير مرخص له من الشارع بدخوله في الأحوال المخصوصة بالنص عليها بطل دخوله وبطل معه كافة ما يلحق بهذا الدخول من أعمال الضبط والتفتيش. لما كان ذلك وكان من المقرر أيضاً أن التأخير في الإدلاء بالدفاع لا يدل حتماً على عدم جديته ما دام منتجاً ومن شأنه أن تندفع به التهمة أو يتغير به وجه الرأي في الدعوى، كما أن استعمال المتهم حقه المشروع في الدفاع عن نفسه في مجلس القضاء لا يصح البتة أن ينعت بعدم الجدية ولا أن يوصف بأنه جاء متأخراً لأن المحاكمة هي وقته المناسب الذي كفل فيه القانون لكل متهم حقه في أن يدلي بما يحق له من طلبات التحقيق وأوجه الدفاع وإلزام المحكمة النظر فيه وتحقيقه تجلية للحقيقة وهداية للصواب، وإذ ما كان الحكم المطعون فيه على ما سلف بيانه - قد خالف هذا النظر في الرد على الدفع المشار إليه واكتفاء بما ساقه من رد قاصر لا يسوغ به رفضه، فإنه يكون معيباً فضلاً عن قصوره بالفساد في استدلاله بما يستوجب نقضه والإحالة بغير حاجة لمناقشة أوجه الطعن الأخرى.

الطعن 1520 لسنة 2 ق جلسة 20 / 4 / 1957 إدارية عليا مكتب فني 2 ج 2 ق 97 ص 937

جلسة 20 من إبريل سنة 1957

برياسة السيد/ السيد علي السيد رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة السيد إبراهيم الديواني والإمام الإمام الخريبي وعلي إبراهيم بغدادي ومصطفى كامل إسماعيل المستشارين.

-----------------

(97)

القضية رقم 1520 لسنة 2 القضائية

(أ) عقد إداري 

- القاعدة التي تخضع لها العقود المدنية من وجوب تنفيذها بما يتفق وحسن النية - سريانها على العقود الإدارية - مثال.
(ب) عقد إداري 

- عدم تساوي مصالح الطرفين، إذ يجب أن يعلو الصالح العام على المصلحة الفردية الخاصة - للإدارية سلطة الإشراف والتوجيه على تنفيذ العقد، ولها الانفراد بتغيير شروطه أو إضافة جديد إليها بما تراه أكثر اتفاقاً مع الصالح العام - إذا وصل التعديل إلى حد الفسخ فللطرف الآخر الحق في التعويضات إذا اختلت الموازنة في الشروط المالية - سلطة الإدارة في إنهاء العقد للصالح العام مع تعويض الطرف الآخر عن الضرر - مثال.

---------------------
1 - إن العقود تخضع لأصل عام من أصول القانون، يقضي بأن يكون تنفيذها بطريقة تتفق مع ما يوجبه حسن النية، وهذا الأصل يطبق في العقود الإدارية، شأنها في ذلك شأن العقود المدنية. فإذا ثبت أن البضاعة الموردة تتفق مع المواصفات في التركيب، وأن الشوائب اللاحقة بها لا تؤثر على صلاحيتها للاستعمال، فلم يكن ثمة ما يحول - تطبيقاً لمبدأ تنفيذ العقود بحسن نية - دون قبول هذه الكميات الموردة.
2 - إن العقود الإدارية تتميز عن العقود المدنية بطابع خاص، مناطه احتياجات المرفق الذي يستهدف العقد تسييره وتغليب وجه المصلحة العامة على مصلحة الأفراد الخاصة، فبينما تكون مصالح الطرفين في العقود المدنية متوازية ومتساوية، إذا بها في العقود الإدارية غير متكافئة؛ إذ يجب أن يعلو الصالح العام على المصلحة الفردية الخاصة، وهذه الفكرة هي التي تحكم الروابط الناشئة عن العقد الإداري. ويترتب على ذلك أن للإدارة سلطة الإشراف والتوجيه على تنفيذ العقود، وأن لها دائماً حق تغيير شروط العقد وإضافة شروط جديدة، بما قد يتراءى لها أنه أكثر اتفاقاً مع الصالح العام دون أن يتحدى الطرف الآخر بقاعدة "أن العقد شريعة المتعاقدين"، كل ذلك بشرط ألا يصل التعديل إلى حد فسخ العقد كلية، وإلا جاز للطرف الآخر فسخه، وبشرط أن يكون له الحق في التعويضات إذا اختلت الموازنة في الشروط المالية، كما يترتب عليها كذلك أن للإدارة دائماً سلطة إنهاء العقد إذا قدرت أن هذا يقتضيه الصالح العام، وليس للطرف الآخر إلا الحق في التعويضات إن كان لها وجه، وهذا على خلاف الأصل في العقود المدنية التي لا يجوز أن يستقل أحد الطرفين بفسخها أو إنهائها دون إرادة الطرف الآخر. فإذا ثبت أن البوية المتعاقد عليها مع أحد أسلحة الجيش أصبحت غير صالحة للغرض المتعاقد من أجله عليها بسبب تغيير صنف الجلد المستعمل لأحذية الجنود، فللإدارة أن تتحلل من تعاقدها وتعمل سلطتها العامة في إنهاء العقد، مع تعويض المتعاقد عما أصابه من ضرر. فإذا اتضح أن هذا الصنف من البوية إنما صنع خصيصاً لأحذية الجنود قبل أن يتغير نظام هذه الأحذية، وأنه لا سبيل للانتفاع به بعرضه للبيع في الأسواق المحلية، فقد اختل التوازن المالي للعقد، وحق للمتعاقد أن يعوض عن رفض البوية. والتعويض بوجه عام مقياسه الضرر المباشر، وهو يشتمل على عنصرين جوهريين، هما الخسارة التي لحقت المضرور، والكسب الذي فاته.


إجراءات الطعن

في 29 من مايو سنة 1956 أودع رئيس هيئة المفوضين طعناً في الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري (الهيئة الخامسة) بجلسة أول إبريل سنة 1956 في الدعوى رقم 6600 لسنة 8 القضائية المرفوعة من أحمد محمد الجبلي ضد وزارة الحربية والبحرية، القاضي: "(أولاً) بأحقية المدعي في استرداد قيمة التأمين المستحق له والخاص بعقد التوريد موضوع الدعوى، وبإلزام الحكومة بالمصروفات المناسبة. (ثانياً) برفض ما عدا ذلك من الطلبات. (ثالثاً) بالمقاصة في مقابل أتعاب المحاماة". وطلب رئيس هيئة المفوضين، للأسباب الواردة بعريضة الطعن، الحكم "بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه جزئياً فيما قضى به في الشق (ثانياً) من رفض طلب المدعي أحقيته في مبلغ 595 م و6832 ج وهو المبلغ الصافي المتأخر له بعد خصم ما رأت مصلحة الصناعة خصمه، وفي الشق الثالث منه، والقضاء بأحقية المدعي في هذا المبلغ، وإلزام الحكومة بما لم يحكم به من مصروفات الدعوى جميعها، وكذا مقابل أتعاب المحاماة". وقد أعلن الطعن للحكومة في 15 في يوليه سنة 1956، وللمدعي في 2 من أغسطس سنة 1956، وعين لنظره جلسة 27 من أكتوبر سنة 1956، ثم تداولت القضية بالجلسات إلى أن نظرت أخيراً بجلسة 23 من مارس سنة 1957، وفيها سمعت المحكمة ما رأت سماعه من إيضاحات، ثم أرجأت النطق بالحكم لجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة - حسبما يبين من الأوراق - تتحصل في أن المدعي أقام الدعوى رقم 6600 لسنة 8 القضائية أمام محكمة القضاء الإداري بصحيفة أودعت سكرتيريتها في 17 من إبريل سنة 1954 طالباً الحكم: "(أولاً) بأحقية الطالب في مبلغ 595 م و6832 ج وهو المبلغ الصافي المتأخر للطالب بعد خصم ما رأت مصلحة الصناعة خصمه مع فوائد هذا المبلغ بواقع 5% من تاريخ 29 من مارس سنة 1953 وهو تاريخ رد مصلحة الصناعة على السلاح، إذ كان يجب الصرف بعد هذا الرد فوراً، حتى السداد. (ثانياً) أحقية الطالب في استرداد مبلغ 761 م و1112 ج قيمة التأمين المدفوع منه مع فوائد هذا المبلغ حتى السداد، مع إلزام الحكومة بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة". وقال في بيان ذلك إنه بموجب عقد مؤرخ 10 من مارس سنة 1952 تعاقد المدعي مع سلاح الأسلحة والمهمات بالمعادي على توريد 282.855 علبة بوية سوداء للأحذية بسعر العلبة الواحدة 6/ 36 م على أن يتم توريد الكمية جميعها في ميعاد أقصاه 10 من نوفمبر سنة 1952. وقد قام المدعي بتنفيذ تعهداته، فورد أولاً 84244 علبة قبلت وصرف له ثمنها، ثم ورد بعد ذلك 209 ألف علبة أي بزيادة قدرها 10389 علبة عن باقي الكمية المتعاقد عليها وقدرها 198.611 علبة، وتم هذا التوريد على دفعات آخرها في 4 من نوفمبر سنة 1952. وقد رفض سلاح المهمات اعتماد هذه الدفعات على أساس ما جاء في نتيجة تحليل مصلحة الكيمياء من أن الصنف المورد مطابق للمواصفات، إلا أنه يحتوي على كمية قليلة من الرمل الناعم بدرجة لا تمنع صلاحيته للاستعمال. وبالرغم من أن تقرير مصلحة الكيمياء صريح في أن الصنف المورد صالح للاستعمال ومطابق للمواصفات، فقد أصر سلاح الأسلحة والمهمات على رفض اعتماد الصنف المورد، فتقدم المدعي إلى السلاح طالباً تطبيق الفقرة الثالثة من المادة الرابعة من البند الثامن من العقد، وهو أن يتقدم بطلب بقبول بضاعته مع قبوله خصم جزء من ثمنها نظير الفرق البسيط الموجود بالبضاعة والذي لا يؤثر على صلاحيتها للاستعمال. وقد قام السلاح ببحث هذا الطلب ووافق عليه بعد أن تثبت من حاجته للصنف، واتخذ الإجراءات اللازمة للتنفيذ، بأن أرسل في 21 من ديسمبر سنة 1952 إلى مصلحة الصناعة لتقدير قيمة التخفيض الذي تراه، فقامت المصلحة المذكورة بتقدير التخفيض عن كل دفعة موردة وأرسلت إلى السلاح بذلك في 29 من مارس سنة 1953. حدث أثناء ذلك أن قرر الجيش استبدال هذا النوع من البوية بنوع آخر نظراً لتغيير نوع الجلد الخاص بأحذية رجال الجيش، فرأى سلاح المهمات أن يعمل على الاستغناء عن الكميات المتعاقد عليها مع التجار عن هذا الصنف وأمثاله مما قرر الجيش استبدال غيره به، فأرسل إلى وزارة الحربية يستفتيها عما إذا كان من الممكن قانوناً إلغاء عقد التوريد المبرم مع الطالب، فطلبت الوزارة رأي إدارة الرأي المختصة في هذا الشأن، فردت الإدارة في 16 من أغسطس سنة 1953 بأنها لا ترى محلاً لإلغاء التعاقد مع الطالب، وأشارت بقبول الصنف المورد بعد تخفيض ثمنه طبقاً لما قررته مصلحة الصناعة، إلا أن السلاح لم ير العمل بما أشارت به إدارة الرأي المختصة، بالرغم من أنه يعلم أن الصنف المورد يعمل خصيصاً للجيش بناء على طلبه، وأن استعماله مقصور على الجيش المصري، ولا يستعمل في أي مكان آخر. ومما يثير الدهشة أن السلاح تعاقد مع كميل صواف على توريد 324500 علبة من نفس الصنف الذي ورده الطالب بسعر العلبة 59 م أي بضعف الثمن المتعاقد عليه مع الطالب. وبتاريخ 29 من يناير سنة 1954 أنذر الطالب السلاح بسداد المبالغ المستحقة له، فألفت الوزارة لجنة فنية للبت في الموضوع بصفة نهائية، فأرسلت اللجنة تستفتي إدارة الرأي المختصة فأصرت الإدارة على رأيها الأول. ولما كانت النية مبينة للإضرار بالطالب فقد ضرب السلاح بهذه الفتاوى عرض الحائط. من أجل ذلك أقام المدعي دعواه. وقد أودع مفوض الدولة تقريراً في الدعوى انتهى فيه إلي أحقية المدعي في ثمن 198611 علبة من البوية، وفي استرداد التأمين المدفوع مستنداً في ذلك بالنسبة لثمن البوية إلى أنه "يتضح من جماع ظروف الموضوع وملابساته والإجراءات التي اتخذت في شأنه، أن إرادة جهة الإدارة قد انعقدت في صورة واضحة على معاملة المدعي بالتطبيق للفقرة الثالثة من المادة الرابعة من البند الثامن من شروط المناقصة" وأن "الوضع القانوني القائم ما كان يسمح للإدارة بعد أن التقت إرادتها في صراحة مع إدارة المدعي على سلوك طريق معين منصوص عليه في شروط المناقصة لتنفيذ العقد أن تعدل عن الطريق الذي نشأ في ذمتها التزام بالتزامه في تنفيذ تعاقدها مع المدعي لسبب لاحق لم يكن للمدعي دخل في إحداثه (وهو تغيير زي الجنود)"، وبالنسبة لاسترداد التأمين إلى أن الوزارة لم تقرر مصادرة التأمين، فضلاً عن أنه ليس ثمة ما يبرر مصادرته. وقد قضت المحكمة في الدعوى بجلسة أول إبريل سنة 1956 "(أولاً) بأحقية المدعي في استرداد قيمة التأمين المستحق له والخاص بعقد التوريد موضوع الدعوى، وبإلزام الحكومة بالمصروفات المناسبة (ثانياً) وبرفض ما عدا ذلك من الطلبات (ثالثاً) وبالمقاصة في مقابل أتعاب المحاماة". وأقامت المحكمة قضاءها على أن المدعي ورد الكميات المتنازع عليها على سبع دفعات، أولها في 4 من يونيه سنة 1952، وآخرها في 4 من نوفمبر سنة 1952، وأن الذي تنطق به صحف تقارير المعمل الكيماوي المختص بفحص تلك الكميات جميعاً هو عبارة. "مرفوضة لعدم مطابقتها للعينة المقدمة من المدعي". ومعنى ذلك أن الدفعات السبع المشار إليها قد جاء تحليلها غير مطابق للعينة التي كان قد تقدم بها المدعي عند تقديم عطائه، والثابت أيضاً أن المتعهد تلقى إخطاراً بمشال الكميات المرفوضة في 29 من يونيه سنة 1952 و19 من يوليه سنة 1952 و3 من أغسطس سنة 1952، وأن سلاح الأسلحة والمهمات أنذر المدعي في 9 من نوفمبر سنة 1952 لسرعة توريد ما تبقى من كميات البوية التي تم التعاقد عليها في 10 من مارس سنة 1952 وأن السلاح أرسل للمدعي مرة أخرى في 29 من نوفمبر سنة 1952 (أي بعد انقضاء ميعاد التوريد) كتاباً يخطره بأنه تقرر رفض الكميات الموردة بناء على قرارات المعمل الكيماوي، ويطلب إليه مشال الكميات المرفوضة خلال ثمانية أيام، وإلا وقعت عليه غرامة أرضية. ويبين من ذلك أن "رفض الكميات الموردة لعدم مطابقتها للمواصفات كان على الدوام ومنذ البداية، ديدن إدارة سلاح المهمات، ولم تقتصر مرة واحدة في إخطار المتعهد بالرفض المسبب مع تكليفه بمشال المرفوض...", وأنه ولئن كان المدعي قد قدم شكوى إلى قسم الواردات بسلاح المهمات في 16 من يونيه سنة 1952 ينعى على مصلحة الكيمياء نتائج تحليليها ويرجو قبول الأصناف الموردة "متى كان التوريد مطابقاً من حيث القوام للعينة المقررة، فاختلاف النتائج في التحليل لا يجوز أن يؤدي حتماً إلى رفضها متى كان من الجائز قبولها"، فرفض طلبه، ثم أعاد الشكوى مرة أخرى في 7 من ديسمبر سنة 1952 طالباً قبول البوية مع تخفيض جزء من قيمتها حيث اتضحت صلاحيتها للاستعمال - لئن كان المدعي قد تقدم بذلك إلا أن قبولاً صريحاً لم يصادف هذا العرض، وأن "العلاقة القانونية التي تربط المدعي بإدارة سلاح المهمات إنما ينظمها العقد الإداري المبرم بينهما في 10 من مارس سنة 1952... وقد تضمنت قائمة شروط المناقصة أحكاماً تقضي بفحص الأصناف الموردة، فإذا وجدت غير مطابقة للشروط المتفق عليها رفضت، وعلى المتعهد أن يستردها، فإذا تأخر في استردادها أكثر من ثمانية أيام من تاريخ إخطاره بذلك حق للوزارة توقيع غرامة مقدارها 1% من قيمة المقادير التي رفضت عن كل أسبوع أو جزء من أسبوع... وأنه إذا رفضت بعض الأصناف كان من حق الوزارة وحدها الخيار بين أحد فروض ثلاثة، ولا يملك غيرها حق هذا الخيار، فلها أن تشتري أصنافاً على حساب المتعهد بدلاً من المرفوضة... أو أن تطلب إلى المتعهد أن يقدم في مهلة معينة بديلاً منها مع توقيع غرامة عليه، وأخيراً إذا تعذر الحصول على الأصناف على الوجه المبين آنفاً فللوزارة وحدها، وليس للمتعهد هذا الحق، قبول الأصناف التي لم تتوافر فيها الشروط المتفق عليها، على أن ينقص سعرها بنسبة يتفق عليها فيما بين المتعاقدين"، وأن "تنفيذ الالتزامات التعاقدية في عقود القانون الخاص التي تبرمها الإدارة، لا يجري على هدى نفس القواعد التي يتم فيها تنفيذ العقود الإدارية؛ ففي عقود القانون الخاص التي تبرمها الإدارة تطبق عند تنفيذ الالتزامات المتبادلة أحكام القانون الخاص المجردة كالتقنين المدني والتجاري والحال على خلاف ذلك تماماً في ميدان العقود الإدارية؛ إذ يصبح المتعاقد إلى حد كبير بمثابة المتضافر مع جهة الإدارة في الأخذ بناصر المرفق العام، والحرص على استمرار حركته وإدارة نشاطه، ولهذا الوضع أثره في تنفيذ الالتزام. فالمدعي المتعهد بالتوريد، وقد التزم في مواجهة الإدارة بعقد إداري خالص، يتعين عليه أن يقوم بتنفيذ التزاماته وفقاً لطائفة من القواعد والأصول هي أكثر شدة وأمعن دقة من تلك التي يجرى تطبيقها في ظل عقد من عقود القانون الخاص، والمصلحة العامة التي تهدف إلى انتظام سير المرفق العام تحرص على اتباع تفسير حازم لالتزامات من تعهد بالتوريد، وفي مقدمة تلك القواعد والأصول التي تحكم عقد التوريد الإداري قاعدة أن المصلحة العامة لانتظام سير المرفق العام لا يصح أن تتأثر في شيء بالمصلحة الخاصة التي قد تشغل بال المتعهد بالتوريد، وقد ارتضى أن يساهم بنصيب في نشاط ذلك المرفق العام، فعليه مضاعفة الدقة والحرص في تنفيذ ما تعهد به من التزامات"، وأن "كلاً من الفقه الإداري الفرنسي وقضاء مجلس الدولة هناك قد التقيا في مجال الالتزامات التي يفرضها عقد التوريد الإداري على المتعهدين عند القول بأنه إذا قام المتعهد بتوريد ما التزم به قبل جهات الإدارة فإن على هذه الأخيرة أن تفصح عن قبولها للمواد الموردة، ويكون ذلك عن طريق موظف أو لجنة خاصة تقرر ما إذا كانت الأصناف مطابقة تماماً للمواصفات المشروطة في العقد. فإذا جاءت المواد مخالفة تعين على جهة الإدارة ألا تتردد لحظة في رفضها، ويقول القضاء الإداري الفرنسي إن هذا الرفض يلزم المتعهد بأن يرفع فوراً وعلى نفقته تلك البضاعة المخالفة ليستبدلها بأخرى مطابقة للمواصفات المشروطة في المدة المقررة في التعاقد أو في تلك التي تقررها لجنة الفصح. ومن المسلم به أن مجرد التسليم وحده لا يبرئ ذمة المتعهد، وإنما يتعين للإبراء قبول الإدارية لها قبولاً صريحاً؛ ومن ثم فإذا رفضت الإدارة الاستلام اعتبر المتعهد كأنه لم يسلم شيئاً..."، وأنه "يخلص من كل ما تقدم وعلى ضوء المبادئ المشار إليها، أن الحكومة لم ترتكب خطأ يوجب مسئوليتها قبل المتعاقد معها في عقد توريد البوية السوداء للجزم وخلافه، وإنما هي التزمت جانب أحكام العقد، وطبقت بنود قائمة شروط المناقصة المحلية على أساس سليم من حسن النية في تفسير أحكام التعاقد، وقد قبلت من المتعهد جميع الأصناف والكميات التي أثبت التحليل سلامتها ومطابقتها للمواصفات... ولكنها - وهي الأمينة على حسن سير المرفق العام - رفضت قبول ما تعارض مع المواصفات من تلك المواد، وظلت تتمسك برأيها لم تحد عنه ولم ترجع فيه".
ومن حيث إن الطعن يقوم على أنه يبين من استعراض وقائع الموضوع أن ثمة أموراً أربعة تتابعت فيها، وحالت دون استلام السلاح للبضائع الموردة ودفع الثمن للمدعي وهي: 1 - توريد المتعهد للبوية المتعاقد عليها في الموعد المتفق عليه ولكن غير مطابقة للمواصفات، 2 - رفض الجهة الإدارية للبضاعة للسبب السابق في 29 من نوفمبر و6 من ديسمبر سنة 1952، 3 - عرض المدعي على الجهة الإدارية قبول البضاعة الموردة بتخفيض مناسب في ثمنها بعد أن اتضح من التحليل الكيماوي صلاحيتها للاستعمال، 4 - اتخاذ الجهة الإدارية الإجراءات في هذا الشأن. ولكن انتهى الأمر برفض البضاعة في 11 من إبريل سنة 1954، فما أثر هذه الأمور على صحة قيام المتعهد بتنفيذ التزامه؟.
عن الأمر الأول: إن التزام المتعهد بالتسليم في عقد التوريد يتضمن عمليات الغرض منها التثبت من أن التوريد كان كاملاً وأنه كان صحيحاً ومطابقاً للمواصفات، والثابت أن الذي حال دون استلام الأصناف الموردة هو ما كشفت عنه التحاليل من أن البوية الموردة، وإن كانت "ذات قوام مناسب" و"خاصية التسويد فيها متوسطة" و"تتفق مع مواصفات التركيب"، إلا أنها "تحتوي على كميات من الرمل الناعم تزيد عما هو موجود في العينة" بدرجة "لا تمنع من صلاحيتها للاستعمال". وهذا يعني أن البوية الموردة، وإن كانت غير مطابقة للمواصفات تماماً، إلا أنها صالحة للغرض الموردة من أجله، فهل يصلح ذلك سبباً يبرر توقف الإدارة عن إتمام إجراءات الاستلام؟. ثم يستطرد الطعن فيقول إن المبدأ الذي يهيمن على جميع العقود، سواء كانت من عقود القانون الخاص أو كانت من العقود الإدارية، هو أن تنفذ العقود بحسن نية على النحو الذي يتضمنه الحكم الوارد بالمادة 148 فقرة أ من القانون المدني. وتمشياً مع هذا المبدأ انتهى مجلس الدولة الفرنسي إلى قاعدة محصلها أنه طالما كان الصنف المورد صالحاً للخدمة المطلوبة فلا مبرر لرفضه لعدم مطابقته للمواصفات. ويتضح على هدى هذه القاعدة أن المتعهد سلم البضاعة تسليماً صحيحاً، وأن رفض الجهة الإدارية الاستلام مع ما قررته مصلحة الكيمياء من أن البوية "ذات قوام مناسب" وأنها "صالحة للاستعمال"، ومع ما قررته المخازن في 25 من ديسمبر سنة 1952 من حاجتها إليها مع تخفيض في ثمنها - إن رفض الجهة الإدارية الاستلام مع كل هذا قد جاء بسوء نية ومتجاوزاً فيه، فلا وزن له ولا اعتداد به في تنفيذ المتعهد لالتزامه. ولا يتعارض هذا المبدأ مع خيار الجهة الإدارية المنصوص عليه في الفقرة الرابعة من المادة الثامنة من العقد؛ إذ مناط تطبيق هذا النص أن تكون للمخالفة في المواصفات تأثير في صلاحية البضاعة الموردة للغرض المطلوبة من أجله. ولا يجدي التحدي في هذا الصدد بنص المادة 328 من لائحة المخازن والمشتريات التي خولت الجهة الإدارية وحدها بعد موافقة المالية الحق في قبول الصنف المخالف للشروط من جهة التحليل أو المواصفات ولو كان صالحاً للأغراض المطلوبة من أجلها، إذ لا تعدو هذه اللائحة أن تكون من الإجراءات الداخلية التي لا تؤثر على الالتزامات التعاقدية، والقواعد التي تحكم العقود الإدارية.
عن الأمر الثاني: أما وقد بان النسبة للأمر الأول أن الرفض كان معيباً ومتجاوزاً فيه - وهو أمر يخضع لتقدير قاضي العقد - فإن إلغاء القرار الصادر به مما يملكه القاضي.
عن الأمر الثالث: إنه ولئن كان المدعي هو الذي عرض على الجهة الإدارية قبول البضاعة الموردة مع تخفيض مناسب في ثمنها، إلا أن المصلحة لم تقبل هذا العرض؛ ومن ثم فلم يتم اتفاق بينهما في هذا الشأن. غير أن هذا التخفيض يخضع لرقابة قاضي العقد، وتقترح هيئة المفوضين الأخذ بنسب التخفيض التي قدرتها مصلحة الكيمياء.
عن الأمر الرابع: يتضح مما سبق بيانه أن المتعهد قدم البضاعة صالحة للاستلام، أي أنه قام فعلاً بتنفيذ التزامه، وتعتبر الجهة الإدارية وقد باشرت جميع الإجراءات اللازمة للاستلام، وقد استلمتها ضمنياً اعتباراً من التاريخ الذي يحدده قاضي العقد، لاحقاً بقليل - بمدة لا تتجاوز في نظر الهيئة أسبوعاً - من تاريخ إخطار المتعهد للجهة الإدارية بالاستلام في 7 من ديسمبر سنة 1952؛ ومن ثم يكون المتعهد على حق في الثمن المعين في العقد مخفضاً بالقدر الذي قدرته مصلحة الكيمياء. أما عن الفوائد المطالب بها فمن رأي هيئة المفوضين عدم استحقاق المدعي لشيء منها، إذ أن محل التزام الوزارة لم يكن مبلغاً من النقود. وإذ ذهب الحكم المطعون غير هذا المذهب، فإنه يكون قد خالف القانون.
ومن حيث إنه يبين من الأوراق أنه في 10 من مارس سنة 1952 رسا على المدعي عطاء مناقصة توريد 282855 رطل بوية سوداء للجزم و7530 بوية سوداء للتنمير طبقاً للعينة رقم 11323/ 51 واشترط على أن يكون التوريد على دفعات لا تقل الدفعة عن عشرة آلاف علبة، ويكون توريد أول دفعة بعد شهر من تاريخ التعاقد، على أن يتم التوريد بأكمله في بحر ثمانية شهور من تاريخ الإخطار. وقد قام المدعي بتوريد 84244 رطلاً من البوية ثبت من التحليل مطابقتها للعينة فقبلت وصرف إليه ثمنها. وفي 22 من إبريل سنة 1952 ورد المدعي 54 ألف رطل بوية بموجب المحضر رقم 1344، وبفحص عينة بمعرفة مصلحة الكيمياء قررت المصلحة المذكورة في 9 من يونيه سنة 1952 رفضها؛ لعدم مطابقتها للعينة رقم 11323/ 51، وقد أخطر المدعي بذلك في 29 من يونيه سنة 1952، واستلم الأصناف المرفوضة في 14 من يوليه سنة 1952 بتصريح مرور رقم 15. وقد والى المدعي بعد ذلك توريد الكميات الآتية:
45000 رطلاً في 4 من يونيه سنة 1951 بالمحضر رقم 1689 - 36000 رطلاً في 11 من يونيه سنة 1952 بالمحضر رقم 1740 - 45000 رطلاً في 13 من أغسطس سنة 1952 بالمحضر رقم 302 - 9000 رطلاً في 21 من أغسطس سنة 1952 بالمحضر رقم 341 - 45000 رطلاً في 25 من أكتوبر سنة 1952 بالمحضر رقم 728 - 21000 رطلاً في 4 من نوفمبر سنة 1952 بالمحضر رقم 729 - 8000 رطلاً في 4 من نوفمبر سنة 1952 بالمحضر رقم 793، وقد حللت عينة من الكمية الأولى في 13 من يوليه سنة 1952، ومن الكمية الثانية في 15 من يوليه سنة 1952 وكانت نتيجة التحليل كالآتي:
"رفض لعدم مطابقتها للعينة من حيث القوام". فأعيد تحليل عينة ثانية من الكمية الأولى في 4 من سبتمبر سنة 1952، وكانت النتيجة: "مقبولة لمطابقتها للعينة السابق تحليلها والمواصفات"، ثم أعيد تحليل عينة ثالثة من الكمية الأولى وعينة ثانية من الكمية الثانية وكانت نتيجة التحليل كالآتي: "العينة ذات قوام مناسب وخاصية التسويد فيها متوسطة وتتفق مع المواصفات في التركيب فيما عدا أنها تحتوي على كمية من الرمل الناعم تزيد عما هو موجود في العينة المعتمدة بدرجة لا تمنع من صلاحيتها للاستعمال". وكذلك كانت نتيجة تحليل عينات باقي الكمية الموردة. وقد رأى سلاح المهمات رفض الكميات جميعاً وأخطر المدعي في 29 من نوفمبر سنة 1952 بمشال الكميات الموردة بالمحاضر أرقام 341 و302 و1689 و1740، ولما أن علم المدعي برفض البوية التي وردها - وقبل أن يخطر بذلك رسمياً - أرسل في 24 من نوفمبر سنة 1952 تلغرافاً يقول فيه: "إن قرار مصلحة الكيمياء بخصوص البوية السوداء للجزم لصالحنا. فإذا رأيتم عكس ذلك فنرجو تحويله للجنة تحكيم فنية من مصلحتي الصناعة والكيمياء للتثبت حيث إنهما جهتا الاختصاص للمسائل الفنية..."، وفي التاريخ نفسه أرسل كتاباً يؤيد فيه ما ورد بالبرقية، ويقول إنه صنع هذه البوية خصيصاً للجيش ورفضه يضر به أبلغ الضرر، ثم أضاف إلى ذلك: "أن تقرير مصلحة الكيمياء يعترف بأنه بالرغم من وجود كمية من الرمل الناعم أزيد مما بالعينة المعتمدة بدرجة لا تمنع من صلاحيتها للاستعمال، أي أنه يرى التجاوز عن هذه الزيادة البسيطة، حيث إنها لا تؤثر على صلاحية البوية للاستعمال. لذلك ورغبة منا في حل الموضوع ودياً، نقبل خصم جزء من قيمة البضاعة... وأملنا كبير في أن تكون هناك روح للتعاون بين التاجر والسلاح... وإننا مع مزيد الأسف مضطرين لتحميل السلاح مسئولية وجود البضاعة بمخازنه عرضة للتلف أو المؤثرات الجوية أو خلافه...". وفي 7 من ديسمبر سنة 1952 أرسل المدعي كتاباً آخر إلى إدارة سلاح المهمات إلحاقاً بكتابه سالف الذكر يقول فيه: "نرجو الإحاطة بأن هذه الشكوى سارية على جميع محاضر البوية السوداء للجزم الموجودة بالسلاح، ويعتبر هذا إقراراً منا بذلك، وقبولاً منا لمبدأ تخفيض الثمن لقبول الصنف عن جميع الكميات". وفي 23 من ديسمبر سنة 1952 أرسل السلاح كتاباً إلى مصلحة الصناعة يطلب إليها بعد الاطلاع على قرارات المعمل الكيماوي "تقدير التخفيض اللازم نظير الخلاف الموضح بقرارات المعمل، علماً بأن المخازن في حاجة لهذه البوية كجواب التموين المؤرخ 15 من ديسمبر سنة 1952... وإعادة جميع الأوراق بعد تقدير التخفيض". فردت مصلحة الصناعة في 29 من مارس سنة 1953 بأنها "تقدر الخصم في جملة ثمن بوية الجزم السوداء الموردة إلى سلاح الأسلحة والمهمات كما يلي: المحضر رقم 1740 بواقع 5.7% من الثمن، المحضر رقم 302 بواقع 9.7%، المحضر رقم 341 بواقع 11.4%، المحضر رقم 762 بواقع 5.8% المحضر رقم 793 بواقع 6.7% المحضر رقم 728 بواقع 5.3%. أما عن كمية البوية التي فحصت بموجب المحضر رقم 1689 فقد جاء في خطاب مصلحة الكيمياء المؤرخ 3 من فبراير سنة 1953 إلى هذه المصلحة أن العينة المرسلة إليها، والتي تمثل البوية الموردة بموجب هذا المحضر كانت عبارة عن 4 علب تحتوي ثلاثة منها على عجينة قوامها مناسب، وأما العلبة الرابعة فقد وجدت جافة ففحصت على حدة. وترى هذه المصلحة بناء على الأرقام الواردة في خطاب مصلحة الكيمياء المشار إليها فرز العلب الجافة واستبعادها وخصم 1% من جملة الثمن". وقد حدث في يناير سنة 1953، وقبل أن يرد رد مصلحة الصناعة في شأن تقدير نسبة التخفيض في ثمن البوية، أن تقرر أن يستبدل بالبوية المتعاقد عليها مع المدعي بوية من نوع آخر بسبب تغيير زي الجنود، فقرر سلاح المهمات صرف النظر عن تخفيض ثمن البوية وحرر إلى الوزارة يسألها الرأي في إمكان فسخ التعاقد عن الكميات التي كان يعتزم النظر في أمر تخفيض ثمنها، وقد دارت مكاتبات بين إدارة السلاح والوزارة في شأن قيام المدعي بالتوريد في الميعاد المحدد، وما إذا كان قد قام بتوريد كميات بدلاً من الكميات المرفوضة؛ وقد ورد بكتاب السلاح إلى وكيل وزارة الحربية للشئون المالية والإدارية في هذا الصدد ما يأتي "... ويبين من ذلك أن المتعهد قام بالتوريد في الميعاد المحدد وبديهي أنه لم يقم بتوريد بدل المرفوض نظراً لأنه لم يستلم الرسائل المرفوضة، كما أنه طلب النظر في قبولها بتخفيض، وفعلاً قام السلاح بالاتصال بوزارة التجارة في هذا الشأن في 23 من ديسمبر سنة 1953 وورد رد مصلحة الصناعة بالموافقة على قبولها بالتخفيض. وحيث إننا سبق أن بينا بمذكرتنا المؤرخة 27 من يناير سنة 1953 أن هذا الصنف من ضمن الأصناف التي تقرر إلغاؤها وطلبنا النظر في أمر إلغاء التعاقد...". وقد عرضت الوزارة الأمر على إدارة الرأي المختصة بكتابها المؤرخ 2 من يونيه سنة 1953، وبعد أن بحثت الإدارة المذكورة الأمر من كافة نواحيه ردت في 12 من أغسطس سنة 1953 بأنها لا ترى محلاً لإلغاء التعاقد مع المتعهد بالنسبة إلى 198611 علبة، على أن يراعى تخفيض ثمنها وفقاً لما أشارت به مصلحة الصناعة. وقد طلبت الوزارة رأي السلاح في الموضوع بعد فتوى إدارة الرأي المشار إليها في 30 من أغسطس سنة 1953، فرد السلاح في 7 من سبتمبر سنة 1953 بأنه "سبق أن أوضح رأيه في الموضوع وهو عدم الحاجة إلى هذا الصنف، والأمر مفوض للوزارة في هذا الشأن". ثم طلبت الوزارة إلى إدارة السلاح عن طريق رياسة الإمدادات والتموين الاتصال بالمصالح ذات الميزانيات المنفصلة، فاتصلت الإدارة بمصلحة السجون فصرفت 10000 علبة كما طلبت مصلحة السواحل 20400 علبة، واعتذرت إدارة أسلحة ومهمات البوليس. أعادت الوزارة الكتابة إلى السلاح في 30 من ديسمبر سنة 1953 طالبة البت في الموضوع بمعرفة السلاح، وإخطار المتعهد بما يستقر عليه الرأي، وقد ردت إدارة السلاح في 5 من يناير سنة 1954 بأن "السلاح على استعداد للموافقة على قبول الكميات الموردة رغم ما بها من مخالفات، وصرف قيمتها إلى المتعهد إذا ما اشترطت الوزارة على المصالح المستهلكة لهذا الصنف ضرورة صرفه من السلاح كالحدود والسواحل والقوات المرابطة والبوليس، لا سيما وأن فتوى مجلس الدولة في هذا الصدد تعتبر استشارية، وقد استند المجلس في قراره على اتصال السلاح بمصلحة الصناعة وكانت المخازن وقتذاك في حاجة ماسة إلى هذا الصنف، وقد تغير الموقف بعد ذلك وأصبحت المخازن في غير حاجة إلى هذا الصنف..". وقد كتبت الوزارة إلى إدارة السلاح في أول فبراير سنة 1954 بأنها ترى أن إلغاء التعاقد "لا يكون في صالح الحكومة إلا إذا كان لدى السلاح المبررات والأسانيد القانونية التي تبرر موقفه بعد الرأي الذي أبداه مجلس الدولة، ولذلك يجب أن يدقق السلاح في هذا الأمر. والوزارة ترى أن يقوم السلاح فوراً بتشكيل لجنة يحضرها مندوب مجلس الدولة للبحث في هذا الموضوع ووضع تقرير نهائي بخصوصه، لكي لا تتحمل الحكومة مصاريف لا مبرر لها". وقد شكلت اللجنة المشار إليها وانتهت إلى إعادة عرض الموضوع على مجلس الدولة على ضوء ما ورد بمحضرها. وقد عرض الأمر على شعبة الأشغال العامة بمجلس الدولة فرأت بكتابها للوزارة المؤرخ 15 من مارس سنة 1954 أنها لا ترى محلاً للعدول على الرأي الذي سبق الإفتاء به. وانتهت الوزارة بعد ذلك كله إلى وجوب رفض الكميات التي لا تقبل، وأرسلت إلى إدارة سلاح الأسلحة والمهمات كتاباً في 23 من مارس سنة 1954، ومما ورد بذلك الكتاب ما يأتي "... نرى الأخذ بما أبديتموه من وجوب رفض الرسالات التي لم تقبل إلى الآن علماً بأنه وإن كان كتاب شعبة الأشغال العامة بمجلس الدولة في هذا الشأن قد أشار بأن الرفض قد يعرض الوزارة للتعويض، إلا أننا نرى من جانبنا أنه - حتى لو صح هذا - فإن ما تتعرض له الوزارة في هذه الحالة لا يوازي خسارة الصفقة بأكملها بعد أن أصبح لا نفع منها ولا سبيل إلى استهلاكها كما أننا في الوقت نفسه لا نرى أن الوزارة قد ارتكبت غير ما يبيحه لها القانون من رفض الصنف إذا خالف المواصفات، بغض النظر عن الصلاحية من عدمها لأن هذا أمر تقديري للمصلحة ذات الشأن، كما أن حق الوزارة في رفض الصنف إذا خالف المواصفات ليس منصوصاً عليه فقط في لائحة المخازن كما فهمت شعبة الرأي... ولكنه حق نص عليه في صلب العقد الذي ارتضاه المتعهد".
ومن حيث إنه بجلسة 23 من فبراير سنة 1957 رأت المحكمة تنويراً للدعوى وقبل الفصل فيها الاستعلام من مصلحة الكيمياء عما يلي:
"1 - هل كانت البوية الموردة من المدعي موضوع النزاع تصلح للأغراض المقصودة منها بالنسبة لأحذية الجيش، حتى بعد تغيير نظام هذه الأحذية في يناير سنة 1953 - 2 هل يصلح هذا الصنف من البوية للاستعمال العادي في السوق بحالته في يناير سنة 1953 ثم بحالته الآن أم لا، وهل تتأثر قيمته في السوق الحر زيادة أو نقصاً ونسبة ذلك في كل حال". وقد ردت المصلحة في 4 من مارس سنة 1957 بأن "البوية السوداء للجزم الموردة إلى سلاح الأسلحة والمهمات خلال سنة 1952 تنقسم إلى قسمين ( أ ) المجموعة المأخوذة منها العينات المرسلة إلى المعمل والصادر عنها تقارير رقم 4221/ 52 و4576/ 52 و5444/ 52 و5445/ 52 و6201/ 52 و6518/ 52 وهذه تعتبر غير صالحة للاستعمال عموماً (ب) المجموعة المأخوذة منها العينات المرسلة إلى المعمل والصادر عنها تقارير رقم 8177/ 52 و8178/ 52 و8179/ 52 و8768/ 52 و9244/ 52 و9245/ 52 و11010/ 52 و11870/ 52 و12372/ 52 و12430/ 52، وهذه تعتبر صالحة للاستعمال لأحذية الجيش قبل تغيير نظام هذه الأحذية في يناير سنة 1953، أما بعد تغيير هذا النظام فتعتبر غير صالحة للاستعمال، والمفروض أن الجلد المستعمل في أحذية الجيش قبل يناير سنة 1953 هو الجلد النفراني الخام الذي يستعمل به هذا الصنف من البوية، وان الجلد الذي استعمل بعد هذا التاريخ هو الجلد المحبب ذو السطح المصقول نوعاً والذي لا تصلح له هذه البوية. وهذا النوع من البوية، لا يستعمل إطلاقاً في السوق الملحية، ولم يكن مستعملاً بها منذ عشرات السنين، وكان استعماله مقتصراً على الجيش فقط، ومن المشكوك فيه أن يتواجد من يشتريه في السوق الحر حالياً، علاوة على أن جودته لا بد أن تكون قد تأثرت بمضي هذه المدة الطويلة، حيث قد مضى على تاريخ صنعه أربع سنوات (1953 - 1957) وعلى ذلك لا مجال للمناقشة في قيمة هذه البوية في السوق الملحية". ويبين من الأوراق أن الكميات موضوع هذا النزاع هي الصادر عنها التقارير 8768/ 52 و9244/ 52 و9245/ 52 و11010/ 52 و11870/ 52 و12372/ 52 و12430/ 52 وجميعها على ما ورد بكتاب مصلحة الكيمياء سالف الذكر صالحة للاستعمال، وهذه الكميات هي الموردة بالمحاضر أرقام 1689 و1740 و302 و341 و728 و792 و793 على ما سلف البيان.
ومن حيث إن العقود تخضع لأصل عام من أصول القانون، يقضي بأن يكون تنفيذها بطريقة تتفق مع ما يوجبه حسن النية، وهذا الأصل يطبق في العقود الإدارية شأنها في ذلك شأن العقود المدنية.
ومن حيث إنه يبين من تقارير مصلحة الكيمياء أن نتيجة تحليل عينات الكميات موضوع هذه المنازعة، كانت كما يلي: "العينة ذات قوام مناسب وخاصية التسويد فيها متوسطة وتتفق مع المواصفات في التركيب فيما عدا أنها تحتوي على كمية من الرمل الناعم تزيد عما هو موجود في العينة المعتمدة بدرجة لا تمنع من صلاحيتها للاستعمال". ومؤدى ذلك أن البضاعة الموردة تتفق مع المواصفات في التركيب، وأن كمية الرمل الزائدة لا تؤثر على صلاحيتها للاستعمال. وإذ كان الأمر كذلك فلم يكن هناك ما يحول - تطبيقاً لمبدأ تنفيذ العقود بحسن نية - دون قبول هذه الكميات الموردة، خصوصاً وقد قبل المدعي تخفيض الثمن بالنسبة التي تقررها مصلحة الكيمياء، والظاهر من الأوراق أن سلاح المهمات قد استجاب فعلاً لطلب المدعي تخفيض السعر، ولم يكن لديه مانع من قبول البوية لحاجته إليها، لولا أن قام لديه سبب جديد يدعو إلى عدم قبول هذه البوية، وهذا السبب هو عدم حاجة السلاح لهذا الصنف بالذات بسبب تغيير زي الجنود.
ومن حيث إن العقود الإدارية تتميز عن العقود المدنية بطابع خاص، مناطه احتياجات المرفق الذي يستهدف العقد تسييره، وتغليب وجه المصلحة العامة على مصلحة الأفراد الخاصة، فبينما تكون مصالح الطرفين في العقود المدنية متوازية ومتساوية، إذا بها في العقود الإدارية غير متكافئة؛ إذ يجب أن يعلو الصالح العام على المصلحة الفردية الخاصة، وهذه الفكرة هي التي تحكم الروابط الناشئة عن العقد الإداري. ويترتب على ذلك أن للإدارة سلطة الإشراف والتوجيه على تنفيذ العقود، وأن لها دائماً حق تغيير شروط العقد وإضافة شروط جديدة بما قد يتراءى لها أنه أكثر اتفاقاً مع الصالح العام دون أن يتحدى الطرف الآخر بقاعدة "أن العقد شريعة المتعاقدين"، كل ذلك بشرط ألا يصل التعديل إلى حد فسخ العقد كلية، وإلا جاز للطرف الآخر فسخه، وبشرط أن يكون له الحق في التعويضات إذا اختلت الموازنة في الشروط المالية، كما يترتب عليها كذلك أن للإدارة دائماً سلطة إنهاء العقد إذا قدرت أن هذا يقتضيه الصالح العام، وليس للطرف الآخر إلا الحق في التعويضات إن كان لها وجه، وهذا على خلاف الأصل في العقود المدنية التي لا يجوز أن يستقل أحد الطرفين بفسخها أو إنهائها دون إرادة الطرف الآخر.
ومن حيث إنه ترتيباً على هذه القواعد القانونية المستقرة كان يمكن للإدارة أن تتحلل من تعاقدها وتعمل سلطتها العامة في إنهاء العقد، بعد إذ أصبحت البوية غير صالحة للغرض المتعاقد من أجله عليها بسبب تغيير صنف الجلد المستعمل لأحذية الجنود، وذلك دون حاجة إلى التمحل بعدم مطابقة هذه البوية للعينة، إذ أن البوية على ما ورد بنتيجة تحليل عيناتها صالحة للاستعمال في الغرض المعدة له، بل لقد أكدت ذلك مصلحة الكيمياء في ردها أخيراً على استعلام المحكمة، حيث قررت أن هذه البوية "تعتبر صالحة للاستعمال لأحذية الجيش قبل تغيير نظام هذه الأحذية في يناير سنة 1953".
ومن حيث إنه لم يبق بعد ذلك سوى البحث فيما إذا كان قد اختل التوازن المالي للعقد؛ نتيجة لرفض البوية التي وردها المدعي، أو بعبارة أخرى هل أصاب المدعي ضرر بسبب هذا الرفض.
ومن حيث إن مصلحة الكيمياء قد قررت في كتابها إلى المحكمة السالف ذكره أن "هذا النوع من البوية لا يستعمل إطلاقاً في السوق المحلية، ولم يكن مستعملاً بها منذ عشرات السنين وكان استعماله مقصوراً على الجيش فقط، ومن المشكوك فيه أن يتواجد من يشتريه في السوق الحر حالياً علاوة على أن جودته لا بد أن تكون قد تأثرت بمضي هذه المدة الطويلة حيث قد مضى على تاريخ صنعه أربع سنوات (1953 - 1957)، وعلى ذلك فلا مجال للمناقشة في قيمة هذه البوية في السوق الملحية". ومفاد ذلك أن هذا الصنف من البوية إنما صنع خصيصاً لأحذية الجنود قبل أن يتغير نظام هذه الأحذية في يناير سنة 1953، وأنه لا سبيل للانتفاع به بعرضه للبيع في الأسواق الملحية؛ ومن ثم فقد اختل التوازن المالي للعقد وحق المدعي أن يعوض عن رفض البوية. والتعويض بوجه عام مقياسه الضرر المباشر، وهو يشتمل على عنصرين جوهريين: هما الخسارة التي لحقت المضرور، والكسب الذي فاته. وتقدير التعويض - في خصوصية هذا النزاع، وبمراعاة العنصرين سالفي الذكر - يتمثل في ثمن البوية المرفوضة طبقاً لعقد التوريد مخفضاً وفقاً للنسب التي قدرتها مصلحة الكيمياء في كتابها المؤرخ 29 من مارس سنة 1953 السابق الإشارة إليه، وعلى أساس أن الحكومة لا تلزم إلا بالتعويض عن باقي الكمية التي كان متفقاً على توريدها بعد استنزال ما سبق توريده، وهذا الباقي هو 198611 علبة، فيكون ثمنها - بمراعاة نسبة التخفيض المشار إليها - مبلغ 595 م و6832 ج وهو ما يتعين القضاء به مع المصروفات المناسبة، والفوائد بواقع 4% من تاريخ المطالبة الرسمية حتى تمام الوفاء.
ومن حيث إنه لما تقدم يكون الحكم المطعون فيه قد وقع مخالفاً للقانون، ويتعين إلغاؤه، ويكون الطعن قد قام على أساس سليم من القانون.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه في شقيه الثاني والثالث، وبإلزام الحكومة بأن تدفع للمدعي مبلغ 595 م و6832 ج. ستة آلاف وثمانمائة واثنين وثلاثين جنيهاً وخمسماية خمسة وتسعين مليماً، وفوائده بواقع 4% سنوياً من تاريخ المطالبة الحاصلة في 17 من إبريل سنة 1954 لغاية الوفاء، مع المصروفات المناسبة، ومبلغ ألف قرش مقابل أتعاب المحاماة، ورفضت ما عدا ذلك.

الطعن 1654 لسنة 2 ق جلسة 13 / 4 / 1957 إدارية عليا مكتب فني 2 ج 2 ق 96 ص 924

جلسة 13 من إبريل سنة 1957

برياسة السيد/ السيد علي السيد رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة السيد إبراهيم الديواني والإمام الإمام الخريبي وعلي إبراهيم بغدادي ومصطفى كامل إسماعيل المستشارين.

-----------------

(96)

القضية رقم 1654 لسنة 2 القضائية

(أ) تقادم - انقطاع مدته 

- طلب المساعدة القضائية لا يقطع مدة التقادم في مجال القانون الخاص.
(ب) تقادم 

- في مجال القانون العام يقوم الطلب أو التظلم الموجه من الموظف إلى الإدارة مقام المطالبة القضائية في قطع مدة التقادم - طلب المساعدة القضائية يقطع مدة التقادم في هذا المقام - حجة ذلك.
(جـ) تقادم 

- انقطاع مدته بطلب المساعدة القضائية - عدم سريان التقادم أو الميعاد حتى تاريخ صدور القرار في طلب المساعدة القضائية، سواء بالقبول أو الرفض، ثم حساب الميعاد من هذا التاريخ.
(د) موظف 

- تعيينه تحت الاختبار - المادة 19 من قانون نظام موظفي الدولة - مصير التعيين رهين بتحقق شرط اللياقة للنهوض بأعباء الوظيفة العامة - فصله إذا تخلف الشرط خلال فترة الاختبار - المرجع في تقدير الصلاحية هو إلى الوقت الذي يتم فيه وزنها والحكم عليها.

-------------------
1 - الرأي الغالب في مجال القانون الخاص أن الطلب الذي يقدم إلى لجنة المساعدة القضائية للإعفاء من رسوم الدعوى ولتعيين محام لا يرقى إلى مرتبة الإجراء القاطع للتقادم.
2 - لئن كان مفاد النصوص المدنية أن المطالبة التي تقطع التقادم هي المطالبة القضائية دون غيرها، إلا أن مقتضيات النظام الإداري قد مالت بالقضاء الإداري إلى تقرير قاعدة أكثر تيسيراً في علاقة الحكومة بموظفيها بمراعاة طبيعة هذه العلاقة والتدرج الرياسي الذي تقوم عليه، وأن المفروض في السلطة الرياسية إنصاف الموظف بتطبيق القانون في أمره تطبيقاً صحيحاً حتى ينصرف إلى عمله هادئ البال دون الالتجاء إلى القضاء؛ فقرروا أنه يقوم مقام المطالبة القضائية في قطع التقادم الطلب أو التظلم الذي يوجهه الموظف إلى السلطة المختصة متمسكاً فيه بحقه طالباً أداءه، وليس من شك في أن هذا يصدق من باب أولى على طلب المساعدة القضائية للدعوى التي يزمع صاحب الشأن رفعها على الإدارة؛ إذ هو أقوى في معنى الاستمساك بالحق والمطالبة بأدائه وأمعن في طلب الانتصاف من مجرد الطلب أو التظلم الذي يقدمه الموظف إلى الجهة الإدارية، بل هو في الحق يجمع بين طبيعة التظلم الإداري من حيث الإفصاح بالشكوى من التصرف الإداري وبين طبيعة التظلم القضائي من حيث الاتجاه إلى القضاء طلباً للانتصاف؛ إذ لم يمنعه عن إقامة الدعوى رأساً سوى عجزه عن أداء الرسوم التي يطلب إعفاءه منها وسوى عجزه عن توكيل محام، فلا أقل، والحالة هذه، من أن يترتب على طلب المساعدة القضائية نفس الأثر المترتب على مجرد الطلب أو التظلم الإداري من حيث قطع التقادم أو قطع ميعاد رفع دعوى الإلغاء، خصوصاً وأن طلب المساعدة القضائية يبلغ للإدارة، وبهذا التبليغ يتصل علمها بتظلم صاحب الشأن فتستطيع أن تنصفه إن رأت أنه على حق، وذلك بغير حاجة إلى الاستمرار في الإجراءات القضائية، فتنتهي المنازعة في مراحلها الأولى، ويتحقق بذلك نفس الغرض المقصود من التظلم الإداري، أما إذا لم تر ذلك وقبل الطلب، فإن الأمر ينتهي في المآل إلى إقامة الدعوى.
3 - إن الأمر المترتب على طلب المساعدة القضائية (من حيث قطع التقادم أو ميعاد دعوى الإلغاء) يظل قائماً ويقف سريان التقادم أو الميعاد لحين صدور القرار في الطلب سواء بالقبول أو الرفض؛ إذ أن نظر الطلب قد يستغرق زمناً يطول أو يقصر بحسب الظروف وحسبما تراه الجهة القضائية التي تنظر الطلب تحضيراً له حتى يصبح مهيأ للفصل فيه، شأنه في ذلك شأن أية إجراءات اتخذت أمام أية جهة قضائية وكان من شأنها أن تقطع التقادم أو سريان الميعاد؛ إذ يقف هذا السريان طالما كان الأمر بيد الجهة القضائية المختصة بنظره، ولكن إذا ما صدر القرار، وجب رفع الدعوى خلال الميعاد القانوني محسوباً من تاريخ صدوره، فإن كانت دعوى إلغاء تعين أن يكون خلال الستين يوماً التالية.
4 - نصت الفقرة الثالثة من المادة 19 من قانون نظام موظفي الدولة على أن يكون التعيين في الوظائف التي أشارت إليها "تحت الاختبار لمدة سنة على الأقل وسنتين على الأكثر، فإن لم يتم الموظف مدة الاختبار على ما يرام فصل من وظيفته". واللياقة للنهوض بأعباء الوظيفة العامة هي شرط الصلاحية للبقاء فيها، وهو شرط مقرر للمصلحة العامة ويجري إعماله طوال فترة الاختبار؛ ومن ثم فإن مصير تعيين الموظف يكون رهيناً بتحقق هذا الشرط، فإذا اتضح عدم لياقته قبل انقضاء هذه الفترة ساغ فصله. ولا يعد الفصل في هذه الحالة من قبيل الفصل التأديبي لانتفاء هذه الصفة عنه، ولا من قبيل أسباب انتهاء خدمة الموظف أو المستخدم لخروجه من عداد هذه الأسباب، بل يقع نتيجة لتخلف شرط من الشروط المعلق عليها مصير التعيين. وإذ كانت صلاحية الموظف تتخصص بالزمان وبنوع العمل المسند إليه، فإن المرجع في تقديرها هو إلى الوقت الذي يتم فيه وزنها والحكم عليها، دون اعتداد بما قد يكون من أمرها في الماضي؛ لأن الصلاحية ليست صفة لازمة، بل قد تزايل صاحبها، وقد تختلف باختلاف نوع العمل المنظور إلى الصلاحية فيه؛ ومن ثم فلا عبرة بما قدمه المدعي للتدليل على صلاحيته لعمله في الماضي ما دامت التقارير عن عمله الذي عين فيه أخيراً تحت الاختبار قد أثبتت عدم لياقته لهذا العمل.


إجراءات الطعن

في 5 من يوليه سنة 1956 أودع السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة سكرتيرية المحكمة عريضة طعن أمام هذه المحكمة قيد بجدولها تحت رقم 1654 لسنة 2 القضائية في الحكم الصادر من المحكمة الإدارية لشئون القصر الجمهوري ورياسة مجلس الوزراء ووزارات الداخلية والخارجية والعدل بجلسة 6 من مايو سنة 1956 في الدعوى رقم 664 لسنة 2 القضائية المقامة من محمد تاج أحمد هندي ضد الجامع الأزهر، القاضي: "بعدم قبول الدعوى وألزمت المدعي المصروفات". وطلب السيد رئيس هيئة المفوضين للأسباب التي استند إليها في صحيفة طعنه "قبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع القضاء بإلغاء الحكم المطعون فيه وإعادة القضية إلى المحكمة الإدارية للفصل فيها من جديد". وقد أعلن هذا الطعن إلى الجامع الأزهر في 4 من أغسطس سنة 1956 وإلى المطعون لصالحه في 6 منه، وعين لنظره أمام هذه المحكمة جلسة 12 من يناير سنة 1957. وقد أودع المطعون لصالحه مذكرة بملاحظاته طلب فيها "الحكم بإلغاء الحكم المطعون فيه، وذلك مع إلزام الجامع الأزهر المصروفات". ولم يقدم الجامع الأزهر مذكرة ما. وفي 25 من نوفمبر سنة 1956 أبلغ الطرفان بميعاد الجلسة التي عينت لنظر الطعن، وفيها سمعت المحكمة ما رأت سماعه من إيضاحات ذوي الشأن على الوجه المبين بمحضر الجلسة، ثم قررت إرجاء النطق بالحكم إلى جلسة 9 من فبراير سنة 1957، وبهذه الجلسة قررت إعادة القضية للمرافعة لجلسة 16 من مارس سنة 1957، ثم أرجأت النطق بالحكم إلى جلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
( أ ) عن قبول الدعوى:
من حيث إن الحكم المطعون فيه - الصادر من المحكمة الإدارية لشئون القصر الجمهوري ورياسة مجلس الوزراء ووزارات الداخلية والخارجية والعدل بجلسة 6 من مايو سنة 1956 في الدعوى رقم 664 لسنة 2 القضائية المقامة من محمد تاج أحمد هندي ضد الجامع الأزهر بعريضة مودعة سكرتيرية المحكمة في 13 من أغسطس سنة 1955 بطلب الحكم بإلغاء القرار الصادر من فضيلة شيخ الجامع الأزهر في 15 من فبراير سنة 1955 بفصل المدعي من الخدمة مع إلزام فضيلته بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة، والقاضي بعدم قبول الدعوى وبإلزام المدعي بالمصروفات - قد أقام قضاءه على أن المدعي تظلم من قرار فصله إلى فضيلة شيخ الأزهر في 19 من فبراير سنة 1955، فلما لم يسفر تظلمه عن نتيجة تقدم في 28 من مارس سنة 1955 بطلب إلى لجنة المساعدة القضائية لإعفائه من رسوم دعوى يقيمها ضد الجامع الأزهر، وقد قيد هذا الطلب تحت رقم 909 لسنة 2 القضائية ثم قدم تظلماً ثانياً إلى شيخ الجامع الأزهر في 29 من إبريل سنة 1955، وبجلسة 21 من يوليه سنة 1955 أصدرت لجنة المساعدة القضائية قرارها بقبول الطلب. وقد أقام دعواه بمقتضى هذا القرار بصحيفة أودعها سكرتيرية المحكمة في 13 من أغسطس سنة 1955 طلب فيها الحكم بإلغاء القرار الصادر بفصله. ولما كان طلب المعافاة من الرسوم القضائية ليس له من أثر في قطع مدة سقوط دعوى الإلغاء، فإنه يتعين عدم الاعتداد بالطلب المقدم من المدعي كسبب من أسباب قطع مدة سقوط هذه الدعوى؛ ذلك أن ميعاد الستين يوماً المقررة لرفع دعوى الإلغاء إنما قصد به استقرار المراكز القانونية بسرعة الفصل في الطعون التي توجه إلى القرار الإداري المنشئ لهذه المراكز. ولما لم يكن ثمة قيد زمني للفصل في طلب المعافاة، وقد تطول إجراءاته فتظل المراكز القانونية معلقة؛ فإن في ترتيب الأثر القاطع لمدة سقوط دعوى الإلغاء على طلب المعافاة تفويتاً للقصد الذي حدا بالمشرع إلى تحديد ميعاد الستين يوماً لرفع الدعوى المذكورة. والثابت أن القرار المطعون فيه صدر في 15 من فبراير سنة 1955 وأن المدعي علم به على الأقل في تاريخ تقديم تظلمه الأول في 19 من فبراير سنة 1955. وقد ردت الجهة الإدارية برفض هذا التظلم في مذكرتها التي علم بها المدعي في جلسة 16 من مايو سنة 1955 التي كانت محددة لنظر طلب المعافاة، وهو التاريخ الذي ينتهي فيه انقطاع مدة سقوط الحق في رفع الدعوى، بحيث كان يتعين عليه رفعها خلال الستين يوماً التالية، أي في أجل غايته 16 من يوليه سنة 1955، ولما كان لم يرفع دعواه إلا في 13 من أغسطس سنة 1955، فإنها تكون غير مقبولة لرفعها بعد الميعاد القانوني.
ومن حيث إنه في 5 من يوليه سنة 1956 أودع السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة عريضة طعن في هذا الحكم طلب فيها "قبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع القضاء بإلغاء الحكم المطعون فيه وإعادة القضية إلى المحكمة الإدارية للفصل فيها من جديد". واستند في أسباب طعنه إلى أن العيب الذي أصاب الحكم المطعون فيه هو التزامه النصوص المدنية، مع أنه ليس ثمة ما يوجب تطبيق هذه النصوص على المنازعة الإدارية التي تختلف في طبيعتها عن المنازعة الخاصة التي وضع القانون المدني في الأصل ليحكمها. ولما كانت القواعد الإدارية قد سكتت عن بيان أثر طلب المعافاة على المواعيد المقررة بها؛ فلا مندوحة للقضاء الإداري بحكم طبيعة وظيفته من استكمال هذه الأحكام بما يحقق الغرض الذي استهدفه المشرع من تقرير هذه الوسيلة كإجراء يقوم مقام الرسوم في رفع الدعوى؛ وإذ ذهب الحكم المطعون فيه غير هذا المذهب فإنه يكون قد خالف القانون، وتكون قد قامت به إحدى حالات الطعن في الأحكام أمام المحكمة الإدارية العليا.
ومن حيث إن المطعون لصالحه أودع سكرتيرية المحكمة مذكرة بملاحظاته نعى فيها على الحكم المطعون فيه أخذه بأحكام القانون المدني في تحديد الآثار القانونية المترتبة على طلب المعافاة أمام جهات القضاء الإداري. وأضاف أنه إذا كان التظلم الإداري معتبراً سبباً من أسباب قطع التقادم، فليس يقبل ألا يكون كذلك التظلم إلى جهة القضاء الإداري. وإذا كان القانون رقم 165 لسنة 1955 قد أوجب التظلم في صدد قرارات معينة فليس من شأن هذا إهدار أثر طلب المعافاة، ولا سيما أن التظلم الوجوبي مقصور على نسبة محدودة من القرارات الإدارية هي تلك الصادرة في شأن الموظفين العموميين. ولما كان طلب المعافاة أقرب إلى الإجراءات القضائية منه إلى التظلم الإداري، وكان من حق الإدارة أن تسحب قراراتها في الميعاد المقرر للطعن بالإلغاء، ولا يزال للتظلم مكانه؛ فإنه يكون مجافياً للتفسير السليم ألا تترتب على طلب المعافاة آثار قانونية. على أن إشارة القانون رقم 165 لسنة 1955 إلى نظام الإعفاء وتحديد جهة الاختصاص فيه لا يمكن أن يكون القصد منه سوى أن يعتبر الفقر قوة قاهرة قاطعة للتقادم أو مانعة من السقوط. والقول بغير ذلك معناه أن المشرع أراد إيهام المعوزين، فدفعهم إلى أن يسلكوا هذا السبيل ثم رتب على مسلكهم سقوط حقوقهم. وخلص من هذا إلى طلب "الحكم بإلغاء الحكم المطعون فيه، وذلك مع إلزام الجامع الأزهر المصروفات".
ومن حيث إنه ولئن كانت المادة 383 من القانون المدني تنص على أنه "ينقطع التقادم بالمطالبة القضائية ولو رفعت الدعوى إلى محكمة غير مختصة، وبالتنبيه وبالحجز وبالطلب الذي يتقدم به الدائن لقبول حقه في تفليس أو في توزيع وبأي عمل يقوم به الدائن للتمسك بحقه أثناء السير في إحدى الدعاوى"، وكان الرأي الغالب في مجال القانون الخاص أن الطلب الذي يقدم إلى لجنة المساعدة القضائية للإعفاء من رسوم الدعوى ولتعيين محام لا يرقى إلى مرتبة الإجراء القاطع للتقادم - إلا أنه يجب التنبيه إلى ما سبق أن قررته هذه المحكمة من أن روابط القانون العام تختلف في طبيعتها عن روابط القانون الخاص، وأن قواعد القانون المدني قد وضعت لتحكم روابط القانون الخاص، ولا تطبق وجوباً على روابط القانون العام إلا إذا وجد نص يقضي بذلك، فإن لم يوجد فلا يلتزم القضاء الإداري بتطبيق القواعد المدنية حتماً وكما هي، وإنما تكون له حريته واستقلاله في ابتداع الحلول المناسبة للروابط القانونية التي تنشأ في مجال القانون العام بما يتلاءم مع طبيعتها، وبما يكون أوفق لحسن سير المرافق العامة. وعلى هدى ذلك سبق أن قررت هذه المحكمة أنه ولئن كان مفاد النصوص المدنية أن المطالبة التي تقطع التقادم هي المطالبة القضائية دون غيرها، إلا أن مقتضيات النظام الإداري قد مالت بالقضاء الإداري إلى تقرير قاعدة أكثر تيسيراً في علاقة الحكومة بموظفيها بمراعاة طبيعة هذه العلاقة والتدرج الرياسي الذي تقوم عليه، وأن المفروض في السلطة الرياسية إنصاف الموظف بتطبيق القانون في أمره تطبيقاً صحيحاً حتى ينصرف إلى عمله هادئ البال دون الالتجاء إلى القضاء؛ فقرروا أنه يقوم مقام المطالبة القضائية في قطع التقادم الطلب أو التظلم الذي يوجهه الموظف إلى السلطة المختصة متمسكاً فيه بحقه طالباً أداءه. وليس من شك في أن هذا يصدق من باب أولى على طلب المساعدة القضائية للدعوى التي يزمع صاحب الشأن رفعها على الإدارة؛ إذ هو أقوى في معنى الاستمساك بالحق والمطالبة بأدائه، وأمعن في طلب الانتصاف من مجرد الطلب أو التظلم الذي يقدمه الموظف إلى الجهة الإدارية، بل هو في الحق يجمع بين طبيعة التظلم الإداري من حيث الإفصاح بالشكوى من التصرف الإداري، وبين طبيعة التظلم القضائي من حيث الاتجاه إلى القضاء طلباً للانتصاف؛ إذ لم يمنعه عن إقامة الدعوى رأساً سوى عجزه عن أداء الرسوم التي يطلب إعفاءه منها وسوى عجزه عن توكيل محام، فلا أقل - والحالة هذه - من أن يترتب على طلب المساعدة القضائية نفس الأثر المترتب على مجرد الطلب أو التظلم الإداري من حيث قطع التقادم أو قطع ميعاد رفع دعوى الإلغاء، هذا ومما تجدر الإشارة إليه أن طلب المساعدة القضائية يبلغ للإدارة، وبهذا التبليغ يتصل علمها بتظلم صاحب الشأن فتستطيع أن تنصفه إن رأت أنه على حق وذلك بغير حاجة إلى الاستمرار في الإجراءات القضائية، فتنتهي المنازعة في مراحلها الأولى، ويتحقق بذلك نفس الغرض المقصود من التظلم الإداري، أما إذا لم تر ذلك وقبل الطلب، فإن الأمر ينتهي في المآل إلى إقامة الدعوى. وغني عن البيان أن الأثر المترتب على طلب المساعدة القضائية، من حيث قطع التقادم أو ميعاد دعوى الإلغاء. يظل قائماً، ويقف سريان التقادم أو الميعاد لحين صدور القرار في الطلب سواء بالقبول أو الرفض؛ إذ أن نظر الطلب قد يستغرق زمناً يطول أو يقصر بحسب الظروف وحسبما تراه الجهة القضائية التي تنظر الطلب. تحضيراً له حتى يصبح مهيأ للفصل فيه، شأنه في ذلك شأن أية إجراءات اتخذت أمام أية جهة قضائية وكان من شأنها أن تقطع التقادم أو سريان الميعاد؛ إذ يقف هذا السريان طالما كان الأمر بيد الجهة القضائية المختصة بنظره. ولكن إذا ما صدر القرار وجب رفع الدعوى خلال الميعاد القانوني محسوباً من تاريخ صدوره، فإن كانت دعوى إلغاء، تعين أن يكون خلال الستين يوماً التالية.
ومن حيث إنه يبين من الأوراق أن القرار المطعون فيه صدر في 15 من فبراير سنة 1955، فتظلم منه المدعي لفضيلة شيخ الجامع الأزهر في 19 من فبراير سنة 1955 وفي 29 من إبريل سنة 1955، ثم قدم طلب المساعدة القضائية إلى محكمة القضاء الإداري في 28 من مارس سنة 1955، أي قبل العمل بأحكام القانون رقم 165 لسنة 1955 في شأن تنظيم مجلس الدولة، الذي جعل التظلم من مثل هذا القرار وانتظار الميعاد المقرر للفصل فيه وجوبياً. وقد أحيل طلب المدعي إلى المحكمة الإدارية المختصة فصدر قرار لجنة المساعدة القضائية في 21 من يوليه سنة 1955، ثم رفع دعواه أمام المحكمة المذكورة بإيداع صحيفتها في 13 من أغسطس سنة 1955، أي خلال الستين يوماً؛ ومن ثم تكون دعواه مقبولة لرفعها في الميعاد القانوني، ويكون الحكم المطعون فيه قد أخطأ في تأويل القانون وتطبيقه متعيناً إلغاؤه.
(ب) عن الموضوع:
ومن حيث إن الدعوى صالحة للفصل فيها.
ومن حيث إن المدعي أقام هذه المنازعة قائلاً إنه التحق في أول مارس سنة 1952 بمعهد بني سويف الديني الأهلي مدرساً للعلوم الرياضية، وعندما ضم هذا المعهد إلى الجامع الأزهر في سنة 1954 استغنى عن خدماته بحجة أنه لم يعين من قبل الأزهر على الرغم من أن المعهد المذكور كان تحت الإشراف الفني لهذا الأخير. فلما تشكي لديوان الموظفين رأى الديوان وجوب معاملته بأحكام القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة؛ وبناء على هذا أعاد الأزهر تعيينه في معهد ملوى الديني اعتباراً من 10 من يناير سنة 1955، بيد أنه عاد فقرر إخلاء طرفه في 15 من فبراير سنة 1955 استناداً إلى تقرير وضعه عنه السيد مراقب العلوم المساعد في 12 من يناير سنة 1955 أي بعد تعيينه بيوم واحد. وقد وقع هذا القرار مخالفاً للقانون؛ لأن مجرد وضع موظف على اعتماد لا يجعله قابلاً للفصل في أية لحظة؛ ذلك أن المصرف المالي الذي يرصد لمرتب الوظيفة لا يمكن أن يؤثر في المركز القانوني للموظف، فالموظف المعين على اعتماد يتمتع بكافة الضمانات المكفولة في قانون التوظف. ولم يذهب الأزهر إلى أن سبب الفصل هو نفاد الاعتماد المالي، بل استند في تبرير هذا الفصل إلى تقرير يبخس كفاية المدعي وخلقه، وهو أمر يخضع التحقق منه لرقابة المحكمة، وقد وضع هذا التقرير ولم يمض على تعيين المذكور في معهد ملوى سوى يوم واحد، وانصب على مسائل خلقية ونفسية مع أن التقارير السابقة تشهد بصلاحيته وامتيازه. وأضاف المدعي في مذكرتين له بعد ذلك أنه يعتبر على أسوأ الظروف مستخدماً خارجاً عن الهيئة، وأن وضعه على اعتماد لا يمكن أن ينفي عنه هذه الصفة؛ ومن ثم فإن فصله يجب أن يستند إلى الأحكام الواردة في الباب الثاني من قانون التوظف، أي إما أن يكون فصلاً تأديبياً لجريمة تأديبية ارتكبها أو فصلاً بسبب إلغاء الوظيفة أي انتهاء الاعتماد، ولم يقم به أي من هذين السببين. هذا إلى أن سلطة الإدارة في فصل الموظفين المؤقتين مقيدة بناء على قرار مجلس الوزراء الصادر في 31 من ديسمبر سنة 1953 بألا يكون هذا الفصل إلا في حالة سوء السلوك الشديد، وقد عجز الأزهر عن تقديم الدليل على ذلك. وإنما السبب الحقيقي في الفصل هو رغبة شيخ معهد ملوى في تعيين شخص آخر محله تعسفاً منه في استعمال سلطته. وخلص المدعي من هذا إلى طلب الحكم بإلغاء القرار الصادر في 15 من فبراير سنة 1955 بفصله من الخدمة، مع إلزام الجامع الأزهر بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة.
ومن حيث إن الجامع الأزهر رد على هذه الدعوى بأن المدعي تقدم في 27 من نوفمبر سنة 1954 بطلب استخدام التمس فيه تعيينه مدرساً في المعاهد الحرة بوصفه حاصلاً على دبلوم المدارس الصناعية الثانوية (صناعة سبك المعادن) في سنة 1952. وبناء على اقتراح السيد مراقب العلوم بالأزهر مكن المذكور في 5 من يناير سنة 1955 من العمل مدرساً للرياضة بمعهد ملوى، ووافق فضيلة شيخ الجامع الأزهر على تعيينه مدرساً للرياضة بالمعهد المشار إليه بمكافأة قدرها 500 م و7 ج شهرياً على بند إعانة المعاهد الحرة من تاريخ مباشرته العمل. ثم صدر قرار فضيلته رقم 26 في 9 من يناير سنة 1955 بتعيينه. وقد قدم السيد مراقب العلوم المساعد في 12 من فبراير سنة 1955 تقريراً عن حالته أوضح به أن من عادته التواني عن حضور دروسه وأن غالباً لا يدخل فصله إلا إذا نبه أن لديه درساً على الرغم من وجود جدول معه وأنه ضعيف النفس إلى حد بعيد، واقترح السيد المراقب فصله حرصاً على صالح التعليم وسمعة مدرسي الأزهر. وبناء على هذا التقرير وافق فضيلة شيخ الأزهر في 14 من فبراير سنة 1955 على فصله وأصدر قراراً رقم 124 في 15 من فبراير سنة 1955 بفصله من الخدمة اعتباراً من ذلك التاريخ. ولما كان المذكور معيناً بمكافأة شهرية على بند إعانة المعاهد الحرة؛ فإنه لا يخضع لأحكام القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة في نظام التعيين أو التأديب أو الفصل؛ ذلك أنه إنما عين تعييناً مؤقتاً بمكافأة تتوقف على مقدار الاعتماد المدرج بالميزانية، ولهذا يمكن الاستغناء عنه إذا ما ثبت عدم صلاحيته.
ومن حيث إنه يبين من الأوراق أنه بعد أن تسلم المدعي عمله في 11 من يناير سنة 1955 بمعهد ملوى عقب تعيينه مدرساً للرياضة بالمعهد المذكور كتب مراقب العلوم المساعد في 12 من فبراير سنة 1955 تقريراً عنه ذكر فيه أنه زار المعهد في 8 من فبراير سنة 1955 وبناء على رغبة مشيخة الأزهر في تعرف حالته استفسر عنه من فضيلة شيخ المعهد فأجابه من جهة التدريس أن "من عادته التواني عن حضور دروسه وغالباً لا يدخل فصله إلا إذا نبه أن لديه درساً على الرغم من وجود جدول معه، وهو معني بشكليات لا تفيد طلبته في قليل أو كثير، وعنايته بها مضيعة لوقت الطلبة ولاستفادتهم من دروسهم. وضرب لذلك مثلاً هو تحتيمه على كل طالب إحضار "كشكول" كبير يخططه الطالب خطوطاً معينة بألوان معينة، وفي انتظار إحضار الطالب للكشكول وللأقلام الملونة وللمداد ذي اللون الخاص يشير سيادته على الطلبة في عمل تمريناتهم وحلول مسائلهم في أوراق أو كراسات إضافية. وعلى الرغم من أن غالبية الطلبة لم تحضر ما طلبه الأستاذ لأنها أشياء تكلفهم ما ليس في طاقتهم؛ فإن حضرته لم يضع حداً أو نهاية لهذا الموضوع وما زال ينتظر وما زالت الطلبة تسوف ولن تستجيب، ولا يعلم مدى هذا الانتظار إلا الله". كما أوضح من جهة الحالة الاجتماعية أن "الأستاذ ضعيف النفس إلى حد بعيد، يتعب فضيلة شيخ المعهد وزملاءه بسوء تصرفه وعدم إدراكه لمبادئ الذوق. ويتظاهر دائماً بالفقر والحاجة، وتحت هذا المظهر يسيء إلى زملائه ويثقل عليهم". وأضاف المراقب في تقريره قوله "ولقد استفسرت من حضرات مدرسي المعهد جميعاً فوافقوا فضيلة الشيخ على شهادته في الأستاذ، ثم لما ناقشته في الموضوع أيقنت أن جميع حضراتهم على صواب، ورأيي أن الأستاذ المذكور لن يفلح فيه توجيه. فاعتقادي أنه مصاب بضعف تفكير". وقد عقب السيد مراقب العلوم بالأزهر على هذا التقرير في 14 من فبراير سنة 1955، وهو الذي سبق أن اقترح في 5 من يناير سنة 1955 تمكين المدعي من العمل، بعبارة "حرصاً على صالح التعليم وسمعة مدرسي الأزهر أقترح فصل الأستاذ المذكور". فوافق على ذلك فضيلة شيخ الجامع الأزهر في التاريخ ذاته، ثم أصدر قراره رقم 124 بفصل المدعي اعتباراً من يوم 15 من فبراير سنة 1955 "لصالح العمل".
ومن حيث إن القرار رقم 26 الصادر من فضيلة شيخ الجامع الأزهر في 9 من يناير سنة 1955 قضى بتعيين المدعي، وهو حاصل على دبلوم المدارس الصناعية الثانوية في سنة 1952، مدرساً للرياضة بمعهد ملوى بمكافأة قدرها 7.5 ج شهرياً على بند إعانة المعاهد الحرة باب 2 مصروفات عامة من تاريخ مباشرته العمل. وقد تم تعيين المذكور بالمكافأة الشهرية على اعتمادات هذا البند بصفة مؤقتة على غير درجة وبغير عقد وذلك تحت الاختبار؛ ومن ثم فإنه يخضع في فترة الاختبار هذه لحكم المادتين السادسة والثامنة من المرسوم الصادر في 8 من إبريل سنة 1931 بشأن لائحة استخدام المدرسين والموظفين وإجازاتهم وتأديبهم بالجامع الأزهر والمعاهد الدينية العلمية الإسلامية. وتنص المادة السادسة على أن لشيخ الجامع الأزهر سلطة تعيين المدرس أو الموظف المنتخب بعد موافقة مجلس الأزهر الأعلى في الدرجة وبالمرتب اللذين يقررهما المجلس المذكور لمدة سنة تحت الاختبار من تاريخ مباشرة العمل، ويجوز مد مدة الاختبار سنة أخرى عند الاقتضاء بموافقة المجلس الأعلى. كما تنص على أنه: "ويجوز فصل المدرس أو الموظف قبل انقضاء مدة الاختبار إذا ظهر عدم لياقته للوظيفة التي يشغلها". وتجعل لشيخ الجامع حق تثبيت المدرس أو الموظف في وظيفته بعد انقضاء مدة الاختبار وظهور قيامه بواجبه على وجه مرض، وبعد موافقة مجلس الأزهر الأعلى. أما المادة الثامنة فتجيز عند الحاجة تعيين مدرسين من غير العلماء - كالمدعي - لتدريس الحساب والجبر والهندسة والجغرافيا والتاريخ العام والتاريخ الطبيعي والرسم والكيمياء والطبيعة وتدبير الصحة والتربية الوطنية وعلم النفس بشرط أن تتوافر فيهم شروط الاستخدام في الحكومة وأن يكونوا حائزين لشهادة عليا في الفنون التي يناط بهم تدريسها، على أن يكون تعيينهم تحت الاختبار طبقاً للأوضاع المبينة في المادة السادسة المتقدم ذكرها. ولما كان لا تعارض بين هذه الأحكام في نطاق التعيين الحاصل تحت الاختبار وبين أحكام القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة الذي نصت الفقرة الثالثة من المادة 19 منه على أن يكون التعيين في الوظائف التي أشارت إليها "تحت الاختبار لمدة سنة على الأقل وسنتين على الأكثر، فإن لم يتم الموظف مدة الاختبار على ما يرام فصل من وظيفته"، وكانت اللياقة للنهوض بأعباء الوظيفة العامة هي شرط الصلاحية للبقاء فيها، وهو شرط مقرر للمصلحة العامة ويجري إعماله طوال فترة الاختبار؛ فإن مصير تعيين الموظف يكون رهيناً بتحقق هذا الشرط. فإذا اتضح عدم لياقته قبل انقضاء هذه الفترة ساغ فصله، ولا يعد الفصل في هذه الحالة من قبيل الفصل التأديبي لانتفاء هذه الصفة عنه، ولا من قبيل أسباب انتهاء خدمة الموظف أو المستخدم لخروجه من عداد هذه الأسباب، بل يقع نتيجة لتخلف شرط من الشروط المعلق عليها مصير التعيين. وإذ كانت صلاحية الموظف تتخصص بالزمان وبنوع العمل المسند إليه، فإن المرجع في تقدير هذه الصلاحية هو إلى الوقت الذي يتم فيه وزنها والحكم عليها، دون اعتداد بما قد يكون من أمرها في الماضي؛ لأن الصلاحية ليست صفة لازمة بل قد تزايل صاحبها وقد تختلف باختلاف نوع العمل المنظور إلى الصلاحية فيه. ومن ثم فلا عبرة بما قدمه المدعي من شهادات للتدليل على صلاحيته لعمله في الماضي ما دام تقرير مراقبة العلوم بالأزهر عن عمله الذي عين فيه أخيراً تحت الاختبار قد أثبت عدم لياقته لهذا العمل، وقد صدر قرار فصله بناء على هذه التقارير ممن يملك هذا الحق وهو شيخ الجامع الأزهر، وذلك لصالح العمل والتعليم وحرصاً على سمعة مدرسي الأزهر؛ ولذا فإن قرار الفصل هذا يكون قد صدر صحيحاً مطابقاً للقانون وتكون الدعوى بطلب إلغائه في غير محلها حقيقة بالرفض.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وبإلغاء الحكم المطعون فيه، وبقبول الدعوى وبرفضها موضوعاً، وألزمت المدعي بمصروفاتها.

الطعن 1650 لسنة 2 ق جلسة 13 / 4 / 1957 إدارية عليا مكتب فني 2 ج 2 ق 95 ص 908

جلسة 13 من إبريل سنة 1957

برياسة السيد/ السيد علي السيد رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة السيد إبراهيم الديواني والإمام الإمام الخريبي وعلي إبراهيم بغدادي ومصطفى كامل إسماعيل المستشارين.

------------------

(95)

القضية رقم 1650 لسنة 2 القضائية

(أ) ترقية 

- صدور الحكم بإلغاء قرار الترقية فيما تضمنه من تخطي رافع الدعوى - صدور قرارات أخرى بالترقية قبل النطق بالحكم - كيفية تنفيذ حكم الإلغاء إذا كان من ألغيت ترقيته يستحق الترقية بدوره في أول قرار - إلغاء ترقية آخر من رقي في كل قرار ليحل محله فيه آخر من رقي في القرار الأسبق، وذلك بغير حاجة للطعن من جانب أحدهم بالإلغاء في أي من القرارات الصادرة بين تاريخ القرار المحكوم بإلغائه وبين صدور حكم الإلغاء وتنفيذه.
(ب) ترقية 

- الحكم الصادر بالإلغاء - ليس من أثره أن يعتبر المحكوم لصالحه مرقى بذات الحكم - لا بد من صدور قرار إداري جديد - ليس للمحكمة أن تحدد للإدارة وقتاً معيناً لإجراء هذه الترقية مهما وجد من الدرجات الشاغرة - سلطة الإدارة التقديرية في ذلك.

-------------------

1 - إذا صدر حكم لصالح موظف بإلغاء قرار الترقية المطعون فيه فيما تضمنه من تخطيه فيها، وكانت قد صدرت قرارات تالية بالترقية قبل أن يصدر حكم الإلغاء، وكان من ألغيت ترقيته يستحق الترقية بدوره في أول قرار، فإن وضع الأمور في نصابها السليم يقتضي أن يرقى المذكور في أول قرار تالٍ بحسب دوره في ترتيب الأقدمية بالنسبة إلى المرقين في هذا القرار التالي، وهكذا بالنسبة إلى سائر القرارات الأخرى الصادرة بعد ذلك. ولما كان حكم الإلغاء يستتبع إلغاء كل ما يترتب على القرار الملغي من آثار في الخصوص الذي انبنى عليه الحكم المذكور وعلى الأساس الذي أقام عليه قضاءه، فإن أثر هذا الحكم يقتضي تصحيح الأوضاع بالنسبة إلى القرارات التالية؛ ذلك أن كل قرار منها يتأثر حتماً بإلغاء القرار السابق عليه، ما دامت الترقيات فيها جميعاً مناطها الدور في ترتيب الأقدمية عند النظر في الترقية، فيترتب على تنفيذ حكم الإلغاء أن تلغى ترقية آخر من رقي في كل قرار ليحل محله فيه آخر من رقي في القرار الأسبق ما دام دوره في الأقدمية يسمح بترقيته في أول قرار تالٍ، مع إسناد تاريخ ترقية كل من المذكورين إلى التاريخ المعين في القرار الذي كان يستحق الترقية فيه. وعلى هذا الأساس يستقر الوضع على إلغاء ترقية آخر المرقين في آخر قرار؛ وذلك كله دون حاجة إلى الطعن من جانب أحد من هؤلاء بالإلغاء في أي من القرارات الصادرة خلال المدة من تاريخ صدور القرار الأول المحكوم بإلغائه حتى تاريخ صدور الحكم القاضي بهذا الإلغاء وتنفيذه؛ إذ أن من شأن هذا الحكم أن يزعزع جميع المراكز القانونية غير السليمة التي ترتبت على صدور الفرار الذي وقعت فيه المخالفة القانونية، وذلك حتى ينال كل موظف - نتيجة لإعادة تنظيم هذه المراكز على مقتضى الحكم - ما كان يستحقه بصورة عادية لو لم ترتكب هذه المخالفة؛ إذ لو اقتصر التنفيذ على إلغاء ترقية آخر من رقي في القرار المحكوم بإلغائه دون المساس بالقرارات التالية المترتبة عليه لا نبني على ذلك تخلف هذا الموظف الذي سبق أن اتجهت نية الإدارة إلى ترقيته ورقته بالفعل إلى ما بعد زملائه الأحدث منه في ترتيب الأقدمية ممن رقوا بهذه القرارات على الرغم مما شابها من عيب، الأمر الذي يجافي الأوضاع الإدارية السليمة.
2 - أثر حكم الإلغاء هو إعدام القرار الملغي في الخصوص الذي حدده الحكم بحسب ما إذا كان الإلغاء شاملاً أو جزئياً، وليس من أثر الحكم أن يعتبر من صدر لصالحه مرقى بذات الحكم، وإلا كان ذلك بمثابة حلول المحكمة محل الإدارة في عمل هو من صميم اختصاصها، بل لا بد من صدور قرار إداري جديد ينشىء المراكز القانونية في هذا الشأن على مقتضى ما قضت به المحكمة. وليس للمحكمة أن تلزم جهة الإدارة بإجراء الترقية في وقت معين مهما وجد من الدرجات الشاغرة؛ إذ لا تملك المحكمة أن تنصب نفسها مكان الإدارة في تقدير ملاءمة إجراء أو عدم إجراء الترقية في تاريخ معين، وهي ملاءمة تستقل جهة الإدارة بالترخيص في تقديرها بحسب ظروف الأحوال ومقتضيات الصالح العام وحاجة العمل باعتبار ذلك من مناسبات إصدار القرار الإداري.


إجراءات الطعن

في أول يوليه سنة 1956 أودع السيد رئيس مفوضي الدولة سكرتيرية المحكمة عريضة طعن أمام هذه المحكمة قيد بجدولها تحت رقم 1650 لسنة 2 القضائية في الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري (الهيئة الثالثة) بجلسة 3 من مايو سنة 1956 في الدعوى رقم 4716 لسنة 8 القضائية المقامة من الدكتور فارس حنا داود ضد كل من وزارة الصحة وجامعة القاهرة وكلية طب قصر العيني القاضي "بقبول الطعن شكلاً وفي الموضوع بإلغاء قرار اللجنة القضائية المطعون فيه وبإرجاع أقدمية المدعي في الدرجة الخامسة إلى 31 من ديسمبر سنة 1950 وما يترتب على ذلك من آثار وألزمت الحكومة بالمصروفات، وطلب السيد رئيس هيئة المفوضين، للأسباب التي استند إليها في صحيفة طعنه، الحكم بقبول هذا الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه والقضاء بإرجاع أقدمية المتظلم إلى تاريخ أول قرار صدر بالترقية إلى الدرجة الخامسة بعد صدور قرار الترقية موضوع الحكم الصادر في الدعوى رقم 729 سنة 5 قضائية وإلزام الحكومة المصروفات". وقد أعلن هذا الطعن إلى كل من جامعة القاهرة وكلية طب القصر العيني في 13 و20 من أغسطس سنة 1956 وإلى المطعون عليه في 9 منه، وعين لنظره أمام هذه المحكمة جلسة 26 من يناير سنة 1957. وقد أودع المطعون عليه سكرتيرية المحكمة ثلاث مذكرات بملاحظاته، ولم تقدم جهة الإدارة مذكرات ما في الميعاد القانوني. وفي 15 من يناير سنة 1957 أبلغ الطرفان بميعاد الجلسة، وفيها سمعت المحكمة إيضاحات ذوي الشأن على الوجه المبين بمحضر الجلسة. ثم تداولت القضية بالجلسات، وبجلسة 16 من مارس سنة 1957. قررت المحكمة إرجاء النطق بالحكم إلى جلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة تتحصل، حسبما يبين من أوراق الطعن، في أن المطعون عليه رفع إلى اللجنة القضائية لوزارة الصحة العمومية التظلم رقم 2741 لسنة 1 القضائية بعريضة أودعها سكرتيرية اللجنة في 26 من يوليه سنة 1953 ذكر فيها أن وزارة الصحة العمومية أصدرت في 31 من ديسمبر سنة 1950 القرار الوزارة رقم 2249 بترقيته هو وثلاثة من زملائه إلى الدرجة الخامسة بالأقدمية المطلقة اعتباراً من ذلك التاريخ، وكان ترتيبه الثالث من بين الأربعة المرقين. وقد استصدر مساعد الصيدلي حسن أحمد مسعود حكماً من محكمة القضاء الإداري بجلسة أول يناير سنة 1953 في الدعوى رقم 729 لسنة 5 القضائية قضى بإلغاء قرار وزير الصحة المتقدم ذكره فيما تضمنه من تخطي المحكوم لصالحه في الترقية إلى الدرجة الخامسة الفنية. وفي 27 من إبريل سنة 1953 أصدر وزير الصحة القرار رقم 404 بترقية اثنين من الصيادلة بمصلحة المستشفيات الجامعية إلى الدرجة الخامسة اعتباراً من تاريخ صدوره. وعقب إعلان الوزارة بالحكم الصادر لصالح مساعد الصيدلي حسن أحمد مسعود صدر القرار الوزاري رقم 961 في 23 من يونيه سنة 1953 بإلغاء القرار رقم 404 الصادر في 27 من إبريل سنة 1953. وفي 29 من يونيه سنة 1953 صدر القرار الوزاري رقم 1073 بإلغاء القرار رقم 2249 الصادر في 31 من ديسمبر سنة 1950 فيما تضمنه من ترقية المتظلم إلى الدرجة الخامسة وبإعادة هذا الأخير إلى الدرجة السادسة مع إلغاء القرار الوزاري رقم 887 الصادر في 3 من يونيه سنة 1953 بمنحه علاوة اعتباراً من أول مايو سنة 1953 وتسوية حالته على هذا الأساس مع تحصيل ما سبق صرفه إليه زيادة على ما حددته له هذه التسوية. وقد جاء هذا القرار مخالفاً للقانون، لأن القرار المتضمن ترقيته قد صدر على أساس الأقدمية المطلقة في وزارة الصحة بأسرها كوحدة واحدة لا انفصال بين ميزانية مصالحها المختلفة. ولما كان ترتيبه الثالث بين الأربعة المرقين بهذا القرار، فقد كان التنفيذ السليم لحكم محكمة القضاء الإداري يقتضي إلغاء ترقية آخر من رقي بالقرار المذكور وهو الصيدلي وديع صليب يوسف، ولا سيما أن الحكم لم يفرق بين صيادلة المستشفيات الجامعية وصيادلة قسم رعاية الطفل، بل اعتبرهما وحدة واحدة، وحدد أقدمية مساعد الصيدلي حسن أحمد مسعود على أساس مراعاة الأقدمية بالنسبة إلى الوزارة بأسرها. وخلص المتظلم من هذا إلى طلب إلغاء القرار الوزاري رقم 1073 الصادر من وزير الصحة العمومية في 29 من يونيه سنة 1953 فيما تضمنه من إلغاء ترقيته إلى الدرجة الخامسة من 31 من ديسمبر سنة 1950 بالقرار الوزاري رقم 2249، وما تضمنه من إعادته إلى الدرجة السادسة، وكذا ما تضمنه من إلغاء القرار الوزاري رقم 887 الصادر في 3 من يونيه سنة 1953 بمنحه علاوة دورية من أول مايو سنة 1953 وما يترتب على ذلك من آثار. وقد ردت وزارة الصحة العمومية على هذا التظلم بأن المتظلم التحق بالخدمة بوظيفة صيدلي اعتباراً من 23 من أكتوبر سنة 1946 وقد صدر القرار الوزاري رقم 2249 في 31 من ديسمبر سنة 1950 بترقيته إلى الدرجة الخامسة هو وآخرين بالأقدمية اعتباراً من تاريخ صدوره. وبجلسة أول يناير سنة 1953 صدر حكم محكمة القضاء الإداري في الدعوى المرفوعة من مساعد الصيدلي حسن أحمد مسعود بإلغاء هذا القرار الوزاري فيما تضمنه من تخطي المحكوم لصالحه في الترقية إلى الدرجة المذكورة. ولما كان المتظلمين هو أحدث صيدلي في الأقدمية في المستشفيات الجامعية بالنسبة إلى من رقوا معه بالقرار ذاته، قد صدر القرار الوزاري رقم 1073 في 29 من يونيه سنة 1953 بإلغاء ترقيته تنفيذاً للحكم وكذا بإلغاء القرار الوزاري رقم 887 الصادر في 30 من مايو سنة 1953 بمنحه علاوة اعتباراً من أول مايو سنة 1953 وذلك تمشياً مع منطوق الحكم؛ إذ أن قرار 31 من ديسمبر سنة 1950 تناول ترقية أربعة من الصيادلة إلى الدرجة الخامسة بالأقدمية، منهم ثلاثة بمصلحة المستشفيات الجامعية وواحد بالديوان العام. وقد كانت ميزانية مصلحة المستشفيات الجامعية مستقلة وقتذاك عن الديوان العام. كما أن المتظلم كان أحدث الصيادلة الثلاثة المرقين بمصلحة المستشفيات الجامعية بالقرار المشار إليه. وانتهت الوزارة من هذا إلى طلب رفض التظلم. وبجلسة أول نوفمبر سنة 1953 أصدرت اللجنة القضائية قرارها برفض التظلم مع إلزام المتظلم بالمصروفات. واستندت في ذلك إلى أن تنفيذ الأحكام الصادرة بالإلغاء تختلف تبعاً لما إذا كان الإلغاء مجرداً أو نسبياً، ففي الحالة الأولى يلزم إلغاء القرار فعلاً وإعادة الموظف المرقى إلى مركزه الذي كان فيه قبل صدور القرار الملغي، وفي الحالة الثانية يصبح مفروضاً على الإدارة أن ترد للطاعن المركز القانوني الذي يستحقه، وأن تمنحه ما يكون قد فاته من مزايا مترتبة عليه. وقد تصطدم الإدارة بعقبة في التنفيذ إذا لم توجد درجة شاغرة يمكن تسوية حالة الطاعن عليها، وعندئذ تضطر إلى إلغاء ترقية أحدث المرقين في القرار الملغى. ولما كان الحكم الصادر في الدعوى رقم 729 لسنة 5 القضائية قد قضى بإلغاء القرار المطعون فيه إلغاءً نسبياً، وكان المتظلم أحدث المرقين في مصلحة المستشفيات الجامعية التي انفردت بميزانية مستقلة، فإن الوزارة تكون قد أصابت إذ ألغت ترقيته وسوت حالة المحكوم لصالحه على درجته. وقد طعن المتظلم في قرار اللجنة القضائية هذا أمام محكمة القضاء الإداري بالدعوى رقم 4716 لسنة 8 الفضائية بعريضة أودعها سكرتيرية المحكمة في 2 من مارس سنة 1954 طلب فيها الحكم "بإلغاء قرار اللجنة القضائية لوزارة الصحة العمومية في التظلم رقم 2741 لسنة 1 القضائية والقضاء بإلغاء القرار الوزاري رقم 1073 الصادر في 29 يونيه سنة 1953 من السيد المعلن إليه فيما تضمنه من إلغاء ترقية الطالب إلى الدرجة الخامسة اعتباراً من 31 ديسمبر سنة 1950، وإعادته إلى الدرجة السادسة، وفيما تضمنه من إلغاء القرار المانح للعلاوة الدورية - وما يترتب على ذلك من آثار مع إلزام المعلن إليه بالمصاريف ومقابل أتعاب المحاماة". وأقام حجته في ذلك على أن الوزارة عندما أعلنت في 8 من فبراير سنة 1953 بالحكم الصادر لصالح مساعد الصيدلي حسن أحمد مسعود كانت لديها درجتان خامسة خاليتان، وكان في وسعها تخصيص إحدى هاتين الدرجتين لتسوية حالة هذا الأخير عليها، إلا أنها أصدرت في 27 من إبريل سنة 1953 القرار الوزاري رقم 404 بترقية اثنين من الصيادلة على الدرجتين المذكورتين، ثم عادت فألغت هذا القرار الصادر في ديسمبر سنة 1950 دون ما سبب يبرر ذلك، كما أنه كانت هناك درجة خامسة في الكادر الفني العالي خالية في تاريخ سابق على 31 من ديسمبر سنة 1950 ومخصصة لكيماوي، وكان يمكن ترقية مساعد الصيدلي حسن أحمد مسعود إليها. على أن الوزارة ألغت ترقية المدعي وأبقت مع ذلك على الترقيات اللاحقة لها التي تناولت زملاء له يلونه في الأقدمية، وبذلك وضعته في وضع شاذ جعل من هم أحدث منه يسبقونه في الترقية إلى الدرجة الخامسة، مع أن الحكم لم يصدر بإلغاء ترقيته بالذات التي تمت مستوفية لكافة شرائطها. هذا إلى أن الوزارة افترضت أنه أحدث المرقين بمصلحة المستشفيات الجامعية في حين أن هناك ثلاثة من الصيادلة جميعهم بالمصلحة المذكورة وقد رقوا إلى الدرجة الخامسة على الرغم من أنهم أحدث منه في الأقدمية. وإذا صح أن ميزانية مصلحة المستشفيات الجامعية مستقلة بدرجاتها، إلا أن الوزارة جرت على اعتبار المصالح التابعة لها وحدة واحدة، ولم يطبق نظلم اللامركزية إلا بمقتضى قرار مجلس الوزراء الصادر في 24 من أغسطس سنة 1952، وقد أخذ بمبدأ أن الوزارة وحدة واحدة عند تطبيق قواعد التنسيق وكذا عند توزيع درجات التعزيز وعند ترتيب الصيادلة في قرارات الترقية. ولما كان القرار الصادر بترقية المدعي إلى الدرجة الخامسة قد اكتسب حصانة في تقرير أسبقيته على الصيدلي وديع صليب يوسف؛ إذ جاء ترتيبه فيه الثالث بينما جاء ترتيب هذا الأخير الرابع، فإنه ما كان يجوز إلغاء ترقيته؛ لأن أحدث المرقين ليس هو بل الصيدلي وديع صليب يوسف. وقد ردت الوزارة على ذلك بأنها أصدرت في 27 من إبريل سنة 1953 القرار الوزاري رقم 404 بترقية اثنين من الصيادلة بمصلحة المستشفيات الجامعية إلى الدرجة الخامسة، وعقب إعلانها بالحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري والوارد لمصلحة المستشفيات الجامعية في 19 من مايو سنة 1953 صدر القرار الوزاري رقم 161 في 23 من يونيه سنة 1953 بإلغاء القرار الوزاري رقم 404 سالف الذكر. وفي 21 من يونيه سنة 1953 صدر القرار الوزاري رقم 1073 بإلغاء القرار رقم 2249 الصادر في 31 من ديسمبر سنة 1950 فيما تضمنه من ترقية المدعي إلى الدرجة الخامسة وإعادته إلى الدرجة السادسة وذلك تنفيذاً لحكم محكمة القضاء الإداري؛ لأن المذكور صيدلي في مستشفى المنيل الجامعي التابع لمصلحة المستشفيات الجامعية وهي مصلحة مستقلة لها ميزانيتها الخاصة، وهو أحدث الصيادلة بالمصلحة المذكورة المرقين إلى الدرجة الخامسة في القرار المشار إليه، ولم تكن ثمة درجات خامسة لصيادلة خالية بالمصلحة، كما أن الحكم الصادر لصالح مساعد الصيدلي حسن أحمد مسعود لم يبلغ إليها إلا بعد اعتماد القرار الوزاري رقم 404. أما الدرجة الخامسة المخصصة لكيماوي بالمصلحة فقد شغلت بكيماوي لا بصيدلي. وأما من رقوا بعد المدعي وهم أحدث منه خدمة فأولهم وهو فتحي مرقس سيف قد رقي في 23 من فبراير سنة 1952 إلى الدرجة الخامسة، ولم يتناول منطوق حكم محكمة القضاء الإداري هذا القرار بالإلغاء. وبعد أن نقل المذكور بوظيفته ودرجته من ميزانية مستشفيات جامعة القاهرة إلى ميزانية وزارة الصحة (الديوان العام - قسم الصيدليات) من أول يوليه سنة 1955 أصبح لا يوجد بين صيادلة مستشفيات جامعة القاهرة من هو أحدث من المدعي خدمة. وبجلسة 3 من مايو سنة 1956 قضت محكمة القضاء الإداري (الهيئة الثالثة) في هذه الدعوى "بقبول الطعن شكلاً وفي الموضوع بإلغاء قرار اللجنة القضائية المطعون فيه وبإرجاع أقدمية المدعي في الدرجة الخامسة إلى 31 ديسمبر سنة 1950 وما يترتب على ذلك من آثار وألزمت الحكومة بالمصروفات". وأسست قضاءها على أن واجب الإدارة - وهي تقوم بتنفيذ الأحكام الصادرة بالإلغاء النسبي - هو أن ترد إلى المحكوم له مركزه القانوني وتمنحه ما يكون قد فاته بسبب تخطيه، ولا يستلزم ذلك حتماً إلغاء ترقية من رقي بالقرار الملغي نسبياً طالما كان في الإمكان تصحيح الوضع على درجة خالية عند التنفيذ، فإن لم توجد فإن التنفيذ الصحيح يكون بإلغاء ترقية آخر من رقي إلى ذات الدرجة وإن لم ينص الحكم على ذلك؛ لأن دعاوى الإلغاء هي من الدعاوى العينية، والأحكام الصادرة فيها لها حجية على الكافة من شأنها زعزعة جميع المراكز القانونية التي ترتبت بالقرار المطعون فيه والقرارات التالية له. والثابت من الأوراق أنه قبل أن يصدر قرار إلغاء ترقية المدعي إلى الدرجة الخامسة وقرار منحه العلاوة المترتبة على هذه الترقية كانت توجد درجتان خامسة شاغرتان خاصتان بمصلحة المستشفيات الجامعية. وما دام الأمر كذلك فلم يكن ثمة موجب لإلغاء ترقية المدعي في الوقت الذي كانت توجد فيه درجة شاغرة يمكن أن يرقى عليها المحكوم لصالحه؛ ومن ثم يكون القرار الوزاري رقم 1073 الصادر في 29 من يونيه سنة 1953 قد وقع مخالفاً للقانون، ولما كان المدعي قد رقي إلى الدرجة الخامسة بعد ذلك، فإنه يتعين الحكم بإرجاع أقدميته فيها إلى 31 من ديسمبر سنة 1950 وما يترتب على ذلك من آثار. وقد طعن السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة في هذا الحكم بعريضة أودعها سكرتيرية هذه المحكمة في أول يوليه سنة 1956، واستند في أسباب طعنه إلى أنه، ولئن كان الحكم الصادر في الدعوى رقم 729 لسنة 5 القضائية قد قضى بإلغاء قرار 31 من ديسمبر سنة 1950 فيما تضمنه من تخطي المحكوم لصالحه في الترقية إلى الدرجة الخامسة، إلا أن مفاد هذا الإلغاء الجزئي أن الحكم قد ألغي تخطي الإدارة للمحكوم لصالحه في الترقية، أي ألغي ترقية آخر المرقين بالقرار موضوع الحكم، وهي الترقية التي وقع بها التخطي؛ ومن ثم فإن تنفيذ الحكم يقتضي حتماً إلغاء ترقية آخر المرقين بالقرار موضوع الحكم، ولو كانت هناك درجات خالية وقت التنفيذ أو قرارات ترقية تالية للقرار المذكور؛ إذ لا يجوز إلزام الإدارة بترقية المحكومة لصالحه إلى درجة خالية وقت تنفيذ الحكم، وإرجاع أقدميته فيها إلى تاريخ القرار المحكوم بإلغائه مع إبقاء ترقية آخر المرقين، لأن هذا الإلزام يعد خروجاً على مقتضى الحكم. أما إن فعلت الإدارة ذلك فإن هذا يكون من الملاءمات المتروكة لتقديرها والتي تترخص فيها دون إلزام عليها. كما أنه إذا كانت هناك قرارات ترقية تالية للقرار موضوع الحكم، فإن تنفيذ الحكم لا يجوز أن يمسها بل تظل بمنجاة من الإلغاء لأن آثار الأحكام تتحدد بموضوعها، وهذه القرارات لم تكن موضوعاً للدعوى التي صدر فيها الحكم. بيد أن هذا لا يمنع آخر المرقين بالقرار الملغي من الطعن بالإلغاء في أول قرار ترقية صدر بعد القرار المذكور على اعتبار أنه يسبق المرقين فيه بحسب دوره في الأقدمية. ويجرى ميعاد الطعن بالنسبة إليه في هذه الحالة من اليوم الذي يتحدد فيه مركزه القانوني إزاء هذا القرار، أي من يوم إعلانه بقرار إلغاء ترقيته أو علمه علماً يقينياً بهذا الإلغاء. ولما كان تظلم المدعي قد شمل أيضاً قرارات الترقية التالية للقرار موضوع الحكم، فإنه يرد على أول قرار ترقية بعد هذا الأخير ويكون قد رفع في الميعاد القانوني. ولما كانت الوزارة لم تجحد سبق أقدمية المدعي لأقدمية المرقين بهذا القرار، فإنه يكون على حق في طلب إلغاء أول ترقية صدرت بعد القرار موضوع الحكم، وذلك فيما تضمنه من تخطيه في الترقية بحسب دوره في الأقدمية. وإذ كان قد رقي بالفعل إلى الدرجة الخامسة فإن حقه يقتصر على إرجاع أقدميته في الدرجة المذكورة إلى تاريخ أول قرار ترقية صدر بعد قرار الترقية المحكوم بإلغائه. وإذ ذهب الحكم المطعون فيه غير هذا المذهب فإنه يكون قد وقع مخالفاً للقانون متعيناً الطعن فيه أمام المحكمة الإدارية العليا. وانتهى السيد رئيس هيئة المفوضين من هذا إلى طلب "الحكم بقبول الطعن شكلاً وفي الموضوع بإلغاء الحكم الطعون فيه والقضاء بإرجاع أقدمية المتظلم إلى تاريخ أول قرار صدر بالترقية إلى الدرجة الخامسة بعد صدور قرار الترقية موضوع الحكم الصادر في الدعوى رقم 729 سنة 5 قضائية وإلزام الحكومة المصروفات". وقد قدم المطعون عليه ثلاث مذكرات بملاحظاته صمم فيها على طلب تأييد الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري، واستند في ذلك إلى أن طبيعة المنازعة التي فصل فيها الحكم هي التي توضح المدى الحقيقي لتنفيذ حكم الإلغاء الجزئي، فالحكم عندما يقضي بإلغاء قرار فيما تضمنه من تخطي الطاعن في الترقية لا يلغي القرار الإيجابي ذاته، بل القرار السلبي بالامتناع عن ترقية المذكور؛ ومن ثم فإنه يكفي لاعتبار أن الحكم الصادر بالإلغاء النسبي قد نفذ تنفيذاً صحيحاً أن يرقى من صدر لصالحه الحكم على أية درجة، على أن تسحب ترقيته إلى تاريخ صدور القرار المطعون فيه، دون حاجة إلى إلغاء ترقية آخر المرقين بهذا القرار. أما إذا لم توجد درجة خالية فلا معدى عن الإلغاء لإيجاد درجة يرقى عليها المحكوم له. وقد كانت توجد درجة خالية عند إصدار قرار الترقية في 31 من ديسمبر سنة 1950 ولم تجد الإدارة من يستحق الترقية إليها من الصيادلة لعدم إتمامهم المدة القانونية، كما أن مساعد الصيدلي حسن أحمد مسعود لم يكن في نظرها مستوفياً شروط الترقية، ولذا فإنه لا يمكن القول بأن ترقية آخر المرقين وهو المطعون عليه هي التي حالت دون ترقية المساعد المذكور. هذا إلى أن حجية حكم الإلغاء على الكافة أو طبيعته العينية، وإن اقتصرت على نطاق القرار الذي صدر الحكم بإلغائه، إلا أنه يترتب عليها زعزعة المراكز القانونية التي ولدتها القرارات التالية لتماسكها وترابطها جميعاً. بيد أنه يتعين على الإدارة عند تنفيذ هذا الحكم أن تحافظ على ترتيب الموظفين الطبعي فلا يتخطى آخر المرقين بالقرار المطعون فيه من هو أحدث منه عهداً بالخدمة ممن لم ترقه الإدارة إلا على أساس أن من ألغيت ترقيته قد استوفى حقه في الترقية، وذلك دون حاجة إلى إلزام هذا الأخير بأن يطعن في قرارات الترقية اللاحقة للقرار الذي حكم بإلغائه. ولما كانت الوزارة قد التزمت قاعدة انتظام صيادلة كافة المصالح التابعة لها في كشف أقدمية واحد؛ وطبقت هذه القاعدة بالفعل في القرار رقم 2249، فإنه ما كان يجوز لها عند تنفيذ الحكم أن تسلك قاعدة أخرى تقوم على اعتبار هذه المصالح مستقلة عن بعضها بسبب انفراد كل منها بميزانية مستقلة، ولا سيما أن الحكم الصادر في الدعوى رقم 729 لسنة 5 القضائية لم يقم أية تفرقة بين الصيادلة التابعين لمصلحة المستشفيات الجامعية أو غيرها، بل إن مساعد الصيدلي حسن أحمد مسعود كان قد رقي إلى الدرجة الخامسة في 7 من مارس سنة 1953 قبل تنفيذ الحكم في 29 من يونيه سنة 1953، وكان في وسع الإدارة أن ترد أقدميته في هذه الدرجة إلى تاريخ صدور القرار المطعون فيه دون حاجة إلى إلغاء ترقية المطعون عليه. كما أن الدرجة الخامسة التي كانت خالية في 31 من ديسمبر سنة 1950 ظلت كذلك شاغرة حتى صدور الحكم في القضية رقم 729 لسنة 5 القضائية وإعلانه. وإذا كانت قد شغلت مع أخرى في 27 من إبريل سنة 1953، فإن الترقية إلى هاتين الدرجتين قد سحبت في الميعاد القانوني وبذلك عادت الدرجتان خاليتين وقت تنفيذ الحكم، وكان يتعين على الإدارة أن ترقى إلى أولاهما من صدور الحكم لصالحه بدلاً من إلغاء ترقية المطعون عليه ووضعه بعد زملائه الأحدث منه عهداً الذين رقوا بعد ترقيته الملغاة. ولا وجه للتذرع بالملاءمة في هذا المقام، إذ لا ترخص للإدارة في تنفيذ الحكم تنفيذاً صحيحاً، ولا سيما بعد أن سجلت الإدارة على نفسها انصراف إرادتها إلى ترقية المطعون عليه. وقد أودعت الحكومة سكرتيرية المحكمة في 30 من مارس سنة 1957 مذكرة بملاحظاتها قالت فيها إن شغل الدرجات الخالية من إطلاقات الإدارة التي لها مطلق الحرية في تقدير ملاءمتها، ولا إلزام عليها في ذلك، فإذا لم ترق المحكوم لصالحه لإحدى الدرجات الخالية، وإنما ألغت ترقية آخر المرقين ورقت بدلاً منه المحكوم لصالحه، فإن تصرفها هذا يقع سليماً من الناحية القانونية؛ لأنه هو الذي يستلزمه الحكم. ولا أثر للحكم فيما يتعلق بالقرارات التالية للقرار موضوع هذا الحكم؛ لأن هذه القرارات لم تكن في وقت ما موضوع الدعوى التي صدر فيها الحكم ولا موضوعاً لطعن خاص. وقد كان في استطاعة المطعون عليه الذي ألغيت ترقيته أن يطعن في أول قرار ترقية صدر بعد القرار الملغي، ولكنه لم يفعل مقتصراً على الطعن في كيفية تنفيذ الحكم السابق، ومن ثم فإن دعواه تكون غير قائمة على أساس سليم من القانون. وخلصت الحكومة من هذا إلى طلب الحكم "بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه، وإلزام المطعون ضده المصروفات ومقابل الأتعاب".
ومن حيث إنه يؤخذ مما تقدم أن مثار النزاع هو تحديد مدى أثر الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري (الدائرة الثالثة) بجلسة أول يناير سنة 1953 في الدعوى رقم 729 لسنة 5 القضائية المقامة من حسن أحمد مسعود ضد وزارة الصحة العمومية، القاضي "بإلغاء القرار الصادر بتاريخ 31 من ديسمبر سنة 1950 من وزير الصحة العمومية فيما تضمنه من تخطي المدعي في الترقية إلى الدرجة الخامسة الفنية...."، وكيفية تنفيذ مقتضى هذا الحكم سواء بالنسبة إلى القرار المحكوم بإلغائه أو بالنسبة إلى قرارات الترقية اللاحقة له والتي لم تكن محل طعن من الدكتور فارس حنا داود، وهل لهذا الأخير - وقد ألغت الإدارة ترقيته إلى الدرجة الخامسة الفنية التي حصل عليها بالقرار الوزاري رقم 2249 الصادر في 31 من ديسمبر سنة 1950 وذلك تنفيذاً للحكم المشار إليه - الحق في الترقية إلى أية درجة خالية أو تخلو دون قيد أو شرط؟.
ومن حيث إن القرار الصادر بالترقية ينشىء المركز القانوني في هذه الترقية بآثاره في نواح عدة، سواء من ناحية رفع الموظف إلى الدرجة العالية أي المرقى إليها، أو من ناحية التاريخ الذي تبدأ منه هذه الترقية، وكذلك من ناحية الموازنة في ترتيب الأقدمية في الترقية بين ذوي الشأن؛ فيتعين - والحالة هذه - عند تنفيذ حكم الإلغاء على النحو المذكور أن يكون تنفيذه موزوناً بميزان القانون في كافة تلك النواحي والآثار، وذلك وضعاً للأمور في نصابها السليم ومنعاً من الإخلال بالحقوق والمراكز القانونية بين ذوي الشأن بعضهم مع بعض [(1)].
ومن حيث إن الحكم الصادر بإلغاء ترقية قد يكون شاملاً لجميع أجزاء القرار الصادر بهذه الترقية، وبذلك ينعدم القرار كله ويعتبر كأن لم يكن بالنسبة إلى جميع المرقين. وقد يكون جزئياً منصباً على خصوص معين - كما هو الحال في الحكم المتقدم ذكره - فيتحدد مداه على مقتضى ما استهدفه. فإذا كان قد انبنى على أن أحداً ممن كان دوره في الأقدمية يجعله محقاً في الترقية قبل غيره ممن يليه، فألغي القرار فيما تضمنه من ترك صاحب الدور في هذه الترقية فيكون المدى قد تحدد على أساس إلغاء ترقية التالي في ترتيب الأقدمية ووجوب صدور قرار بترقية من تخطي في دوره وبإرجاع أقدميته في هذه الترقية إلى التاريخ المعين لذلك في القرار الذي ألغي إلغاءً جزئياً على هذا النحو. أما من ألغيت ترقيته فيعتبر وكأن لم يرق في القرار الملغي [(1)].
ومن حيث إنه إذا كانت قد صدرت قرارات تالية بالترقية قبل أن يصدر حكم الإلغاء، كما هو الحال في خصوصية هذا النزاع، وكان من ألغيت ترقيته - حسبما سلف إيضاحه - يستحق الترقية بدوره في أول قرار، فغني عن البيان أن وضع الأمور في نصابها السليم يقتضي أن يرقى المذكور في أول قرار تالٍ بحسب دوره في ترتيب الأقدمية بالنسبة إلى المرقين في هذا القرار التالي وهكذا بالنسبة إلى سائر القرارات الأخرى الصادرة بعد ذلك. ولما كان حكم الإلغاء يستتبع إلغاء كل ما ترتب على القرار الملغي من آثار في الخصوص الذي انبنى عليه الحكم المذكور وعلى الأساس الذي أقام عليه قضاءه فإن أثر هذا الحكم يقتضي تصحيح الأوضاع بالنسبة إلى القرارات التالية؛ ذلك أن كل قرار منها يتأثر حتماً بإلغاء القرار السابق عليه ما دامت الترقيات فيها جميعاً مناطها الدور في ترتيب الأقدمية عند النظر في الترقية، فيترتب على تنفيذ حكم الإلغاء أن تلغى ترقية آخر من رقي في كل قرار ليحل محله فيه آخر من رقي في القرار الأسبق ما دام دوره في الأقدمية يسمح بترقيته في أول قرار تالٍ، مع إسناد تاريخ ترقية كل من المذكورين إلى التاريخ المعين في القرار الذي كان يستحق الترقية فيه. وعلى هذا الأساس يستقر الوضع على إلغاء ترقية آخر المرقين في آخر قرار، وذلك كله دون حاجة إلى الطعن من جانب أحد من هؤلاء بالإلغاء في أي من القرارات الصادر خلال المدة من تاريخ صدور القرار الأول المحكوم بإلغائه حتى تاريخ صدور الحكم القاضي بهذا الإلغاء وتنفيذه؛ إذ أن من شأن هذا الحكم أن يزعزع جميع المراكز القانونية غير السليمة التي ترتبت على صدور القرار الذي وقعت فيه المخالفة القانونية، وذلك حتى ينال كل موظف - نتيجة لإعادة تنظيم هذه المراكز على مقتضى الحكم - ما كان ليستحقه بصورة عادية لو لم ترتكب هذه المخالفة؛ إذ لو اقتصر التنفيذ على إلغاء ترقية آخر من رقي في القرار المحكوم بإلغائه دون المساس بالقرارات التالية المترتبة عليه لا نبني على ذلك تخلف هذا الموظف الذي سبق أن اتجهت نية الإدارة إلى ترقيته ورقته بالفعل إلى ما بعد زملائه الأحدث منه في ترتيب الأقدمية ممن رقوا بهذه القرارات على الرغم مما شابها من عيب، الأمر الذي يجافي الأوضاع الإدارية السليمة.
ومن حيث إنه لا وجه لما ذهب إليه الحكم المطعون فيه من الإبقاء على ترقية المدعي في التاريخ المعين في القرار الملغي الصادر في 31 من ديسمبر سنة 1950 وإرجاع أقدميته في الدرجة الخامسة التي رقي إليها بعد ذلك إلى هذا التاريخ مع ما يترتب على ذلك من آثار بمقولة إنه كانت توجد درجتان خامستان شاغرتان بمصلحة المستشفيات الجامعية وقت تنفيذ الحكم وكان يمكن ترقية المدعي إلى إحداهما، كما لا وجه لما يذهب إليه هذا الأخير من أنه كانت توجد في التاريخ المشار إليه درجة خامسة خالية لم تشغلها الإدارة عندئذ وظلت كذلك حتى صدور الحكم لصالح حسن أحمد مسعود وإعلانه إلى الوزارة وكان يتعين ترقية المذكور إليها بدلاً من إلغاء ترقية المدعي - لا وجه لذلك؛ لأن أثر حكم الإلغاء هو إعدام القرار الملغي في الخصوص الذي حدده الحكم بحسب ما إذا كان الإلغاء شاملاً أو جزئياً، وليس من أثر الحكم أن يعتبر من صدر لصالحه مرقى بذات الحكم وإلا كان ذلك بمثابة حلول المحكمة محل الإدارة في عمل هو من صميم اختصاصها، بل لا بد من صدور قرار إداري جديد ينشىء المراكز القانونية في هذا الشأن على مقتضى ما قضت به المحكمة. وليس للمحكمة أن تلزم جهة الإدارة بإجراء الترقية في وقت ميعن مهما وجد من الدرجات الشاغرة؛ إذ لا تملك المحكمة أن تنصب نفسها مكان الإدارة في تقدير ملاءمة إجراء أو عدم إجراء الترقية في تاريخ معين وهي ملاءمة تستقل جهة الإدارة بالترخص في تقديرها بحسب ظروف الأحوال ومقتضيات الصالح العام وحاجة العمل باعتبار ذلك من مناسبات إصدار القرار الإداري.
ومن حيث إن المدعي كما تقرر الوزارة هو أحدث صيدلي في الأقدمية في مصلحة المستشفيات الجامعية بالنسبة إلى من رقوا معه في القرار الوزاري رقم 2249 الصادر في 31 من ديسمبر سنة 1950 وعددهم أربعة، ثلاثة منهم يتبعون المستشفيات الجامعية والرابع يشغل وظيفة بالديوان العام. ولما كانت ميزانية المستشفيات الجامعية مستقلة وقتذاك عن الديوان العام وكان المحكوم لصالحه ينتمي إلى وحدة المستشفيات المذكورة، فإن إلغاء ترقية المدعي بوصفة أحدث الصيادلة المرقين بهذه الوحدة تنفيذاً للحكم دون التعرض للمساس بترقية زميله التابع لديوان عام الوزارة يكون قد وقع مطابقاً للقانون؛ لاستقلال كل من هاتين الجهتين بدرجاتها وبترقيات موظفيها. ولا يغير من صحة هذا النظر المتفق وأوضاع الميزانية في ذلك الحين كون الوزارة قد جرت خطأ على خلافه في وقت من الأوقات؛ إذ ليس للمدعي أن يتمسك بوجوب الاستمرار في هذا الخطأ ما دام القانون قد طبق في حقه هو تطبيقاً صحيحاً.
ومن حيث إنه لا منازعة في أن المدعي يسبق في ترتيب الأقدمية من يلونه ممن رقوا بالقرارات التالية لقرار ترقيته المحكوم بإلغائه؛ ومن ثم فإنه يكون مستحقاً للترقية إلى الدرجة الخامسة قبل من رقوا بأول قرار صدر بالترقية إلى هذه الدرجة في المصلحة التابع لها بعد 31 من ديسمبر سنة 1950. ولما كان قد رقي بالفعل إلى الدرجة المذكورة اعتباراً من 21 من نوفمبر سنة 1953 فإنه يتعين إلغاء الحكم المطعون فيه وإرجاع أقدمية المدعي في الدرجة الخامسة إلى تاريخ أول قرار صدر بالترقية إلى تلك الدرجة بعد صدور قرار ترقيته موضوع الحكم الصادر في الدعوى رقم 729 لسنة 5 القضائية.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه، وباعتبار أقدمية المدعي في الدرجة الخامسة راجعة إلى التاريخ المعين للترقية إلى هذه الدرجة في أول قرار تالٍ للقرار الصادر في 31 من ديسمبر سنة 1950، وألزمت الحكومة بالمصروفات.


(1) راجع الحكم الصادر بجلسة 16/ 3/ 1957 في القضية 1611 لسنة 2 من (بند 72 من هذه المجموعة).