الصفحات

البحث الذكي داخل المدونة

تحميل وطباعة هذه الصفحة

Print Friendly and PDF

السبت، 25 أبريل 2026

الطعن رقم 64 لسنة 44 ق دستورية عليا " دستورية " جلسة 7 / 3 / 2026

المنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ : ۸ / ۳ / ۲۰۲٦
باسم الشعب
المحكمة الدستورية العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت السابع من مارس سنة 2026م، الموافق السابع عشر من رمضان سنة 1447هـ.
برئاسة السيد المستشار/ بولس فهمي إسكندر رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين: الدكتور عادل عمر شريف ومحمود محمد غنيم والدكتور عبد العزيز محمد سالمان وطارق عبد العليم أبو العطا وصلاح محمد الرويني ومحمد أيمن سعد الدين عباس نواب رئيس المحكمة
وحضور السيد المستشار الدكتور/ عماد طارق البشري رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد/ عبد الرحمن حمدي محمود أمين السر
أصدرت الحكم الآتي
في الدعوى المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 64 لسنة 44 قضائية "دستورية"، بعد أن أحالت محكمة جنوب بنها الابتدائية -دائرة الجنح المستأنفة– بحكمها الصادر بجلسة 6/4/2022، ملف الاستئناف رقم 7634 لسنة 2022 جنح مستأنف جنوب بنها
المقام من
ياسر محمد علي حسنين
ضد
الــنيــــابــــــة العــامــــــة
----------------
الإجـراءات
بتاريخ الخامس عشر من ديسمبر سنة 2022، ورد إلى قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا ملف الاستئناف رقم 7634 لسنة 2022 جنح مستأنف جنوب بنها، بعد أن قضت محكمة جنوب بنها الابتدائية بوقف الاستئناف تعليقًا، وإحالة الأوراق إلى المحكمة الدستورية العليا؛ للفصل في دستورية نص الفقرة الثالثة من المادة (76) من قانون المرور الصادر بالقانون رقم 66 لسنة 1973، المستبدل بها قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 142 لسنة 2014، فيما تضمنه من جعل الحد الأدنى لعقوبة الحبس الوارد به ثلاث سنوات.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرًا برأيها.
ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وفيها قررت المحكمة إصدار الحكم بجلسة اليوم.
--------------
المحكمــــة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع تتحصل –على ما يتبين من حكم الإحالة وسائر الأوراق– في أن النيابة العامة أسندت إلى المتهم -المستأنف في الدعوى المحالة- أنه بتاريخ 13/10/2019، بدائرة قسم ثان شبرا الخيمة، أولاً: تسبب خطأ في قتل مجهولة الهوية، وكان ذلك ناشئًا عن إهماله ورعونته وعدم احترازه وعدم مراعاته للقوانين واللوائح والأنظمة، بأن قاد مركبة بحالة ينجم عنها الخطر، فأحدث إصابة للمجني عليها أودت بحياتها، وكان ذلك حال كونه تحت تأثير مخدر. ثانيًا: لم يلتزم بقواعد المرور وآدابه بأن قاد سيارة بحالة ينجم عنها الخطر. قيدت الواقعة جنحة ومخالفة برقم 36557 لسنة 2019 جنح قسم ثان شبرا الخيمة. وطلبت النيابة العامة معاقبته بالمادة (238/1و2) من قانون العقوبات، والمواد (1 و3 و4 و7 و63/1 و77 و78) من قانون المرور الصادر بالقانون رقـــم 66 لسنة 1973، المعدل بالقوانين أرقام: 210 لسنة 1980 و121 لسنة 2008 و59 لسنة 2014، والمادتين (2 و117) من لائحته التنفيذية. وبجلسة 18/1/2020، قضت المحكمة غيابيًّا بحبس المتهم ثلاث سنوات مع الشغل وكفالة خمسة آلاف جنيه والمصاريف. عارض المتهم في الحكم الغيابي. وبجلسة 18/7/2020، قضت المحكمة حضوريًّا برفض المعارضة وتأييد الحكم المعارض فيه. طعن المحكوم عليه –المستأنف في الدعوى المحالة– على الحكم أمام محكمة جنوب بنها، بالاستئناف رقم 7634 لسنة 2022 جنح مستأنف جنوب بنها. وحيث أمرت المحكمة بتعديل القيد والوصف بجعله جنحة بالمادة (76/1، 3) من القانون رقم 66 لسنة 1973، المعدل بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 142 لسنة 2014، بوصف أنه بتاريخ 13/10/2019، بدائرة قسم ثان شبرا الخيمة: قاد مركبة وهو تحت تأثير مخدر، وترتب على ذلك وفاة شخص مجهول الهوية. وبجلسة 6/4/2022، حكمت المحكمة بوقف الدعوى تعليقًا، وإحالة الأوراق إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في دستورية نص الفقرة الثالثة من المادة (76) من قانون المرور المار ذكره، المستبدل بها قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 142 لسنة 2014، فيما تضمنه من جعل الحد الأدنى لعقوبة الحبس الواردة به ثلاث سنوات؛ وذلك لمخالفته نصوص المواد (54 و92 و94 و96 و99 و184 و186) من الدستور.
وحيث إن المادة (76) من قانون المرور الصادر بالقانون رقم 66 لسنة 1973، المستبدل بها قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 142 لسنة 2014، تنص على أنه "مع عدم الإخلال بالتدابير المقررة في هذا القانون أو بأية عقوبة أشد في أي قانون آخر يعاقب كل من قاد مركبة وهو تحت تأثير مخدر أو مسكر أو السير عكس الاتجاه في الطريق العام داخل المدن أو خارجها بالحبس مدة لا تقل عن سنة.
فإذا ترتب على القيادة تحت تأثير مخدر أو المسكر أو السير عكس الاتجاه إصابة شخص أو أكثر يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنتين وغرامة لا تقل عن عشرة آلاف جنيه.
وإذا ترتب على ذلك وفاة شخص أو أكثر أو إصابته بعجز كلي يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ثلاث سنوات ولا تزيد على سبع سنوات وغرامة لا تقل عن عشرين ألف جنيه.
وفي جميع الأحوال يقضى بإلغاء رخصة القيادة ولا يجوز منح رخصة جديدة إلا بعد مرور مدة مساوية لمدة الحبس المقضي بها عليه".
وحيث إن المصلحة –وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية– مناطها أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الحكم في المسألة الدستورية المطروحة على بساط البحث أمام هذه المحكمة لازمًا للفصل في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها، المطروحة أمام محكمة الموضوع. والمحكمة الدستورية العليا وحدها هي التي تتحرى توافر شرط المصلحة في الدعوى المقامة أمامها أو المحالة إليها للتثبت من شروط قبولها.
وحيث إنه ولئن كانت المناعي التي أوردها حكم الإحالة قد انصبت في مجملها على العقوبة المقررة بالنص المحال، بيد أنه للارتباط الذي لا يقبل الفصل أو التجزئة بين الفعل المؤثم في ذلك النص والعقوبات المرصودة لذلك الفعل، فإنه وبحكم الاقتضاء العقلي يتعذر الفصل في دستورية التقدير العقابي بمنأى عن أن تُجيل المحكمة بصرها في شأن دستورية تجريم الأفعال الموجبة لإيقاع العقوبة، فيكون مطروحًا لزومًا على هذه المحكمة، ويمتد إليه نطاق الدعوى الدستورية.
متى كان ذلك، وكان الثابت بالأوراق أن المستأنف في الدعوى المحالة قد قُدم إلى المحاكمة الجنائية استنادًا إلى النص المحال، بعد أن عدلت محكمة الموضوع قيد ووصف الاتهام على النحو المار بيانه؛ ومن ثم فإن الفصل في دستورية هذا النص يكون له أثر مباشر وانعكاس أكيد على قضاء محكمة الموضوع في الاستئناف المطروح عليها، وتكون المصلحة في الدعوى المعروضة قد تحققت، ويتحدد نطاقها فيما تضمنه نص الفقرتين الأولى والثالثة من المادة (76) من قانون المرور الصادر بالقانون رقم 66 لسنة 1973، المستبدل بها قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 142 لسنة 2014، من معاقبة كل من قاد مركبة تحت تأثير مخدر وترتب على ذلك وفاة شخص أو أكثر أو إصابته بعجز كلي، بالحبس مدة لا تقل عن ثلاث سنوات ولا تزيد على سبع سنوات وغرامة لا تقل عن عشرين ألف جنيه.
وحيث إن حكم الإحالة ينعى على النص المحال – محددًا نطاقًا على ما سلف بيانه- أنه انتقص من سلطة قاضي الموضوع في تفريد العقوبة المقيدة للحرية، وتقديره المناسب لها، طبقًا للوقائع المطروحة، ووفقًا لظروف كل متهم، وذلك بجعل الحد الأدنى لعقوبة الحبس المقررة عن الأفعال المؤثمة بمقتضى هذا النص ثلاث سنوات، مع ما ينطوي عليه ذلك من غل يده وتقييد لسلطته التقديرية، بما يمثل انتهاكًا لاستقلال السلطة القضائية، وتدخلًا في شئون العدالة، بما يقيد الحرية الشخصية والحق في المحاكمة المنصفة، ويخرج العقوبة عن معقوليتها لعدم تناسبها مع الأفعال المؤثمة.
وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن العدالة - في غاياتها– لا تنفصل علاقاتها بالقانون باعتباره أداة تحقيقها، فلا يكون القانون منصفًا إلا إذا كان كافلًا لأهدافها، فإذا ما زاغ المشرع ببصره عنها، وأهدر القيم الأصيلة التي تحتضنها، كان منهيًا للتوافق في مجال تنفيذه، ومسقطًا كـل قيمة لوجوده، ومستوجبًا تغييره أو إلغاءه؛ ذلك أن العدالة الجنائية في جوهر ملامحها هي التي يتعين ضمانها من خلال قواعد محددة تحديدًا دقيقًا ومنصفًا، يتقرر على ضوئها ما إذا كان المتهم مدانًا أو بريئًا، وذلك منظور إليه في ضوء الموازنة بين مصلحة الجماعة في استقرار أمنها، ومصلحة المتهم في ألا تفرض عليه عقوبة تبلغ في شدتها حدًّا تفتقر معه إلى الصلة العضوية بجسامة فعله وظروف ارتكابه للجريمة، بحيث يظل التجريم مرتبطًا بالأغراض النهائية للقوانين العقابية.
وحيث إن تجريم المشرع لأي فعل أو امتناع يرتبط بالضرورة الاجتماعية التي اقتضتها ظروف الجماعة في مرحلة من مراحل تطورها؛ ذلك أن من المقرر -في قضاء هذه المحكمة- أن القانون الجنائي وإن اتفق مع غيره من القوانين في سعيها لتنظيم علائق الأفراد فيما بين بعضهم البعض، وعلى صعيد صلاتهم بمجتمعهم، فإن هذا القانون يفارقها في اتخاذه الجزاء الجنائي أداة لحملهم على إتيان الأفعال التي يأمرهم بها، أو التخلي عن تلك التي ينهاهم عن مقارفتها، وهو بذلك يتغيا أن يحدد، من منظور اجتماعي، ما لا يجوز التسامح فيه من مظاهر سلوكهم، بما مؤداه أن الجزاء على أفعالهم لا يكون مخالفًا للدستور إلا إذا كان مجاوزًا حدود الضرورة التي اقتضتها ظروف الجماعة في مرحلة من مراحل تطورها، فإذا كان مبررًا من وجهة اجتماعية انتفت عنه شبهة المخالفة الدستورية؛ ومن ثم يتعين على المشرع دومًا إجراء موازنة دقيقة بين مصلحة المجتمع والحرص على أمنه واستقراره من جهة، وحريات وحقوق الأفراد من جهة أخرى. ويتعين على المشرع -أيضًا- أن يصوغ النصوص العقابية بطريقة واضحة محددة لا خفاء فيها أو غموض، فلا تكون هذه النصوص شباكًا أو شراكًا يلقيها المشرع متصيدًا باتساعها أو بخفائها من يقعون تحتها أو يخطئون مواقعها. وتلك ضمانات غايتها أن يكون المخاطبون بالنصوص العقابية على بينة من حقيقتها، فلا يكون سلوكهم مجافيًا لها، بل اتساقًا معها ونزولًا عليها.
وحيث إن مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات غدا أصلًا ثابتًا كضمانة ضد التحكم، فلا يؤثم القاضي أفعالًا ينتقيها، ولا يقرر عقوباتها وفق اختياره، إشباعًا لنزوة أو انفلاتًا عن الحق والعدل، وصار التأثيم -من ثمَّ- عائدًا إلى المشرع؛ إذ يقرر للجرائم التي يستحدثها عقوباتها التي تناسبها. ويُفسر هذا المبدأ بأن القيم الجوهرية التي يصدر القانون الجنائي لحمايتها لا يمكن بلورتها إلا من خلال السلطة التشريعية التي انتخبها المواطنون لتمثيلهم، وأن تعبيرها عن إرادتهم يقتضيها أن تكون بيدها سلطة التقرير في شأن تحديد الأفعال التي يجوز تأثيمها وعقوباتها، لضمان مشروعيتها.
وحيث إن المقرر في قضاء هذه المحكمة أنه لا تجــــوز معاملة المتهمين بوصفهم نمطًا ثابتًا، أو النظر إليهم باعتبار أن صورة واحدة تجمعهم لتصبهم في قالبها، بما مؤداه أن الأصل في العقوبة هو تفريدها لا تعميمها، وتقرير استثناء من هذا الأصل -أيًّا كانت الأغراض التي يتوخاها– مؤداه أن المذنبين جميعهم تتوافق ظروفهم، وأن عقوبتهم يجب أن تكون واحدة لا تغاير فيها، وهو ما يعني إيقاع جزاء في غير ضرورة، بما يفقد العقوبة تناسبها مع وزن الجريمة وملابساتها، وبما يقيد الحرية الشخصية دون مقتضى؛ ذلك أن مشروعية العقوبة -من زاوية دستورية- مناطها أن يباشر كل قاضٍ سلطته في مجال التدرج بها وتجزئتها، تقديرًا لها، في الحدود المقررة قانونًا؛ فذلك وحده الطريق إلى معقوليتها وإنسانيتها جبرًا لآثار الجريمة من منظور موضوعي يتعلق بها وبمرتكبها، وأن حرمان من يباشرون تلك الوظيفة من سلطتهم في مجال تفريد العقوبة بما يوائم بين الصيغة التي أفرغت فيها ومتطلبات تطبيقها في كل حالة بذاتها؛ مؤداه بالضرورة أن تفقد النصوص العقابية اتصالهــــا بواقعها، فلا تنبض بالحياة، ولا يكون إنفاذها إلا عملًا مجردًا يعزلها عن بيئتها، دالًّا على قسوتها أو مجاوزتها حد الاعتدال، جامدًا فجًّا منافيًا لقيم الحق والعدل.
وحيث إن العقوبة التخييرية، أو استبدال عقوبة أخف أو تدبير احترازي بعقوبة أصلية أشد، عند توافر عذر قانوني جوازي مخفف للعقوبة، أو إجازة استعمال الرأفة في مواد الجنايات بالنزول بعقوبتها درجة واحدة أو درجتين إذا اقتضت أحوال الجريمة ذلك التبديل، عملًا بنص المادة (17) من قانون العقوبات، أو إيقاف تنفيذ عقوبتي الغرامة أو الحبس الذي لا تزيد مدته على سنة إذا رأت المحكمة من الظروف الشخصية للمحكوم عليه أو الظروف العينية التي لابست الجريمة ما يبعث على الاعتقـاد بعدم العودة إلى مخالفة القانون، على ما جرى به نص المادة (55) من قانون العقوبات، إنما هي أدوات تشريعية يتسـاند القاضي إليها- بحسب ظروف كل دعوى- لتطبيق مبدأ تفريد العقوبة؛ ومن ثم فإنه في الأحوال التي يمتنع فيها إعمال إحدى هذه الأدوات فإن الاختصاص الحصري بتفريد العقوبة المعقود للقاضي يكون قد استغلق عليه تمامًا، بما يفتئت على استقلاله ويسلبه حريته في تقدير العقوبة، ويفقده جوهر الوظيفة القضائية وينطوي على تدخل محظور في شئون العدالة.
وحيث إن تفريد عقوبة الغرامة يجنبها عيوبها باعتبارها أثقل على الفقراء منها على الأغنياء، وكان فرض تناسبها في شأن جريمة بذاتها، إنصافًا لواقعها وحال مرتكبها، يتحقق بوسائل متعددة يندرج تحتها أن تفاضل المحكمة الجنائية بين حدين أعلى وأدنى لتختار لكل حال ما يناسبها، وأن تأمر بوقف تنفيذها متى قام لديها ما يبرر ذلك.
وحيث إن النص المحال –محددًا نطاقًا على ما سلف– قد تغيا مصلحة اجتماعية جديرة بالحماية الجنائية، حاصلها صون حياة المارة ومرتادي الطرق، وسلامة أبدانهم، وضبط حركة المرور وانتظامها، من الآثار المترتبة على قيادة قائد مركبة غيب وعيه، وعطل إدراكه، وانتقص من قدراته العقلية، أثرًا لتعاطيه الإرادي مادة مخدرة، وهي غاية تتماهى مع ما أفصح عنه تقرير اللجنة الثامنة عشرة من مجلس النواب عن قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 142 لسنة 2014، بتعديل بعض أحكام قانون المرور الصادر بالقانون رقم 66 لسنة 1973 من "أن مصر تحتل المركز الأول في عدد ضحايا حوادث الطرق، حسب إحصائيات منظمة الصحة العالمية على مستوى الشرق الأوسط، بحوالي 13 ألف قتيل، و60 ألف مصاب سنويًّا، متصدرة قائمة الدول الأسوأ عالميًّا في حوادث الطرق بمعدل وفيات مرتفع جدًا. ووفقًا لبيانات البنك المركزي فإن شركات التأمين قامت بسداد 5,5 مليار جنيه، خلال الثلاث سنوات الماضية، تعويضات عن حوادث السيارات في مصر".
وحيث إن النص المحال قد عين عناصر الركن المادي للجريمة التي انتظمها، والتي تمثلت في قيادة مركبة – بالتعريف الوارد لها في قانون المرور ذاته– تحت تأثير مخدر، ويرتبط هذا الفعل المنطوي على جريمتين مستقلتين بعناصرهما بنتيجة هي وفاة شخص أو أكثر أو إصابته بعجز كلي، على أن يقارن ذلك الفعل وتلك النتيجة قصد جنائي عام قوامه علم الجاني بقيادته المركبة تحت تأثير مخدر، وقبوله تحقق هذه النتيجة؛ ومن ثم يكون النص المحال قد استوفى عناصر التجريم التي تطلبها الدستور، من حيث استهدافه مصلحة جديرة بالحماية الجنائية، وتحديد ركني الجريمة المادي والمعنوي على نحو قاطع لا لبس فيه ولا غموض، ولم يحل بين المتهم بهذه الجريمة وبين حقه الدستوري في نفي كل فعل ينسب إليه، ولم يقم قرينة ينقض بها أصل البراءة أو تقيد المحكمة الجنائية في إعمال سلطتها التقديرية في تمحيص الواقعة وتقدير أدلتها، في ضوء قواعد المحاكمة المنصفة؛ ومن ثم فإن التجريم الوارد في ذلك النص يكون قد استوى على قواعد الشرعية الدستورية.
وحيث إن العقوبة الأصلية التي رصدها النص المحال في فقرته الثالثة، وهى الحبس مدة لا تقل عن ثلاث سنوات ولا تزيد على سبع سنوات وغرامة لا تقل عن عشرين ألف جنيه، إنما تتناسب مع جسامة الجريمة مقترنة بالظرف المشدد الذي لابسها، باعتبار أن تحققه يستحيل معه الفعل إلى جريمة من جرائم الضرر، وعقوبة الحبس، باعتبارها الشق الأول من العقوبة الأصلية لهذه الجريمة، لا تستعصي على التفريد القضائي للعقوبة، كونها تقع بين حدين عينهما النص المحال، أدنى مدته ثلاث سنوات، وأقصى مدته سبع سنوات، ولا ينال من دستورية عقوبة الحبس المنصوص عليها في النص المحال عدم جواز إيقاف تنفيذها؛ ذلك أن النص الذي يحول دون وقف تنفيذ عقوبة الحبس المنصوص عليها في النص المحال هو نص المادة (55) من قانون العقوبات –غير المحال– فضلًا عن أن إيقاف تنفيذ العقوبة السالبة للحرية لا يُرد فحسب إلى قواعد التفريد القضائي للعقوبة التي تتسلط عليها محكمة الموضوع، وإنما يداخلها الغاية من تنفيذ العقوبة السالبة للحرية، ليوسد الدستور إلى المشرع –في حدود سلطته التقديرية– تحقيق التوازن بينهما على ضوء اعتبارات عدة، تتصدرها جسامة الجرم ومبلغ أثره المجتمعي من ناحية، وجدوى إيقاف تنفيذ العقوبة السالبة للحرية في إعادة تأهيل المحكوم عليه للانخراط في المجتمع مجددًا من ناحية أخرى. كما أن النص المحال لم يحل بين المحكمة الجنائية وبين سلطتها في إيقاف تنفيذ عقوبة الغرامة –الشق الثاني من العقوبة الأصلية– إذ رأت من ظروف المحكوم عليه ما يوجب ذلك؛ ومن ثم تغدو العقوبة الأصلية بشقيها قد سلمت من أية مثالب دستورية، ويكون الطعن في دستورية النص المحال –وفق نطاقه المحدد سلفًا– لا سند له، متعينًا رفضه.
وحيث إن النص المحال لا يخالف أي حكم آخر من أحكام الدستور؛ ومن ثم فإن المحكمة تقضي برفض الدعوى.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة برفض الدعوى.

الطعن رقم 98 لسنة 43 ق دستورية عليا " دستورية " جلسة 7 / 3 / 2026

المنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ : ۸ / ۳ / ۲۰۲٦
باسم الشعب
المحكمة الدستورية العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت السابع مــــن مارس سنة 2026م،الموافق السابع عشر من رمضان سنة 1447هـ.
برئاسة السيد المستشار/ بولس فهمي إسكندر رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين رجب عبد الحكيم سليم والدكتور محمد عماد النجار والدكتور طارق عبد الجواد شبل وخالد أحمد رأفت دسوقي والدكتورة فاطمة محمد أحمد الرزاز ومحمد أيمن سعد الدين عباس نواب رئيس المحكمة
وحضور السيد المستشار الدكتور/ عماد طارق البشري رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد/ عبد الرحمن حمدي محمود أمين السر
أصدرت الحكم الآتي
في الدعوى المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 98 لسنة 43 قضائية "دستورية"، بعد أن أحالت المحكمة الإدارية لمحافظتي الإسكندرية ومرسى مطروح بحكمها الصادر بجلسة 24/4/2021، ملف الدعوى رقم 3995 لسنة 67 قضائية
المقامة من
مجدي عبد الخالق هندي
ضــد
1- وزيــر الماليــــة
2- محافظ الإسكندرية
3- رئيس مصلحة الضرائب المصرية
--------------
الإجراءات
بتاريخ السادس عشر من ديسمبر سنة 2021، ورد إلى قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا ملف الدعوى رقم 3995 لسنة 67 قضائية، نفاذًا لحكم المحكمة الإدارية لمحافظتي الإسكندرية ومرسى مطروح، الصادر بجلسة 24/4/2021، بوقف الدعوى، وإحالة أوراقها إلى المحكمة الدستورية العليا، للفصل في دستورية نص المادة (61) من قانون الخدمة المدنية الصادر بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 18 لسنة 2015، ونص المادة (64) من قانون الخدمة المدنية الصادر بالقانون رقم 81 لسنة 2016.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، طلبت فيها الحكم، أصليًّا: بعدم قبول الدعوى، واحتياطيًّا: برفضها.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرًا برأيها.
ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وفيها قررت المحكمة إصدار الحكم بجلسة اليوم.
--------------
المحكمـــــة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع تتحصل –على ما يتبين من حكم الإحالة وسائر الأوراق– في أن المدعي في الدعوى الموضوعية أقام دعواه التي آل قيدها أمام المحكمة الإدارية لمحافظتي الإسكندرية ومرسى مطروح برقم 3995 لسنة 67 قضائية، ضد المدعى عليهم، طالبًا الحكم بأحقيته في صرف نصف أجره عن مدة حبسه احتياطيًّا على ذمة القضية رقم 5971 لسنة 2014 جنايات سيدي جابر، وأحقيته في صرف الحافز العام والإضافي عن تلك المدة؛ وذلك على سند من أنه كان يشغل وظيفة مأمور ضرائب بمصلحة الضرائب بالإسكندرية، وتم اتهامه جنائيًّا بانضمامه إلى جماعة أسست على خلاف القانون، وتم حبسه احتياطيًّا خلال الفترة من 6/9/2013 إلى 21/12/2016، على ذمة تلك القضية، التي قضي فيها بجلسة 15/12/2016، ببراءته مما نسب إليه من اتهامات، وصار ذلك الحكم نهائيًّا بعدم الطعن عليه. وإذ طلب المدعي صرف نصف أجره المحروم منه خلال مدة حبسه احتياطيًّا والحوافز المستحقة له وكافة المبالغ المالية التي صرفت لزملائه في العمل؛ أثرًا للقضاء النهائي ببراءته من الاتهامات المسندة إليه في تلك القضية، فقد رفضت جهة الإدارة طلبه؛ استنادًا إلى نص المادتين (61) من قانون الخدمة المدنية الصادر بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 18 لسنة 2015، و(64) من قانون الخدمة المدنية الصادر بالقانون رقم 81 لسنة 2016. وإذ تراءى لمحكمة الموضوع أن نص المادتين المشار إليهما، فيما تضمنتاه من حرمان الموظف الذي يُحبس احتياطيًّا، أو تنفيذًا لحكم جنائي غير نهائي من الحصول على نصف أجره المحروم منه خلال مدة حبسه الاحتياطي، ولو لم تثبت مسئوليته الجنائية أو التأديبية، يخالف نصوص المواد (53 و95 و96) من الدستور؛ فقد أوقفت نظر الدعوى وأحالت أوراقها إلى هذه المحكمة للفصل في دستوريتهما.
وحيث إن المحكمة الدستورية العليا سبق أن قضت بجلسة 4/11/2023، في الدعوى رقم 100 لسنة 43 قضائية "دستورية": "بعدم دستورية نص الفقرة الأولى من المادة (64) من قانون الخدمة المدنية الصادر بالقانون رقم 81 لسنة 2016، فيما تضمنه من حرمان الموظف الذي يُحبس احتياطيًّا من نصف أجره عن مدة حبسه، في مجال سريانه على حالات انتفاء المسئولية الجنائية بحكم نهائي، أو قرار قضائي لا يجـوز الطعن عليه". وقد نُشر الحكم بالجريدة الرسمية - العدد 44 (مكرر) في 4/11/2023. ولما كان مقتضى نص المادة (195) من الدستور، والمادتين (48 و49) من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979، أن يكون للأحكام والقرارات الصادرة من هذه المحكمة حجية مطلقة في مواجهة الكافة، وبالنسبة إلى الدولة بسلطاتها المختلفة؛ باعتبارها قولًا فصلًا في المسألة المقضي فيها، لا يقبل تأويلًا ولا تعقيبًا، وهي حجية تحول بذاتها دون المجادلة فيها، أو إعادة طرحها عليها من جديد لمراجعتها؛ الأمر الذي يتعين معه الحكم باعتبار الخصومة منتهية في هذا الشق من الدعوى، والاكتفاء بإيراد هذا القضاء في الأسباب دون المنطوق.
وحيث إن المادة (61) من قانون الخدمة المدنية الصادر بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 18 لسنة 2015، تنص على أن "كل موظف يُحبس احتياطيًّا أو تنفيذًا لحكم جنائي يُوقف عن عمله، بقوة القانون مدة حبسه، ويحرم من نصف أجره إذا كان الحبس احتياطيًّا أو تنفيذًا لحكم جنائي غير نهائي، ويُحرم من كامل أجره إذا كان الحبس تنفيذًا لحكم جنائي نهائي.
وإذا لم يكن من شأن الحكم الجنائي إنهاء خدمة الموظف يُعرض أمره عند عودته إلى عمله على السلطة المختصة لتقرير ما يُتبع في شأن مسئوليته التأديبية".
وحيث إن المصلحة في الدعوى الدستورية، وهـي شــرط لقبولهـا، مناطها -على ما جرى عليه قضاء هذه المحكمة- أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يؤثر الحكم في المسألة الدستورية على الطلبات المرتبطة بها، المطروحة على محكمة الموضوع، ويستوي في شأن توافر المصلحة أن تكون الدعوى قد اتصلت بالمحكمة عن طريــــق الدفــــع، أو عن طريق الإحالة، والمحكمة الدستورية العليا هي وحدها التي تتحرى توافر شرط المصلحة في الدعوى الدستورية، للتثبت من شروط قبولها. متى كان ذلك، وكان النزاع المردد أمام محكمة الموضوع ينصب على طلب المدعي الحكم بأحقيته في صرف نصف أجره المحروم منه خلال مدة حبسه احتياطيًّا، وذلك لصدور حكم نهائي ببراءته من الاتهامات المسندة إليه، وكان حرمانه من صرف نصف أجره خلال الفترة من 13/3/2015 إلى 20/1/2016، مرده إلى نص المادة (61) من قانون الخدمة المدنية الصادر بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 18 لسنة 2015؛ ومن ثم فإن الفصل في دستورية هذا النص يكون ذا أثر وانعكاس أكيد على الدعوى الموضوعية، وقضاء محكمة الموضوع فيها، وتتحقق به المصلحة المباشرة في الدعوى المعروضة، ويتحدد نطاقها فيما تضمنه ذلك النص من حرمان الموظف الذي يُحبس احتياطيًّا من نصف أجره عن مدة حبسه، في مجال سريانه على حالات انتفاء المسئولية الجنائية بحكم نهائي، أو قرار قضائي لا يجوز الطعن عليه.
وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن قرار مجلس النواب رقم 1 لسنة 2016 بعدم الموافقة على قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 18 لسنة 2015 بإصدار قانون الخدمة المدنية، واعتماد نفاذه خلال الفترة من 12/3/2015 إلى 20/1/2016، لا يُعد –في ذاته– عملاً تشريعيًّــا مما يخضع للرقابة القضائية التي تباشرها هذه المحكمة بمقتضى نص المادة (192) من الدستور، وإنما يُعد عملًا برلمانيًّا يتولاه مجلس النواب، في نطاق الاختصاص المحجوز للمجلس بتقدير عدم ملاءمة إقرار التشريع الاستثنائي واعتماد نفاذه خلال الفترة السابقة؛ كون ذلك يمثل جوهر الولاية التشريعية التي اؤتُمِن عليها، بمقتضى نص المادتين (101 و156) من الدستور، إلا أن ذلك لا يخل بولاية المحكمة الدستورية العليا في بسط رقابتها القضائية على دستورية نصوص القرارات بقوانين، التي لم يتم إقرارها، إذا رأى المجلس اعتماد نفاذها في الفترة السابقة، شريطة أن يكون لها محل من التطبيق على وقائع الدعوى الموضوعية التي اتصلت بهذه المحكمة من خلال الدعوى الدستورية المعروضة عليها.
وحيث إن النص المحال –في النطاق المتقدم– أقام قرينة قانونية قاطعة على ثبوت مخالفة الموظف الذي يُحبس احتياطيًّا لالتزامه الوظيفي، وخروجه على مقتضى واجبات وظيفته، بما يوجب مجازاته بالحرمان من نصف أجره خلال مدة حبسه، وهو جزاء لا يجوز سحبه أو إلغاؤه، متى انتفت مسئولية الموظف الجنائية عن الاتهام المنسوب إليه، بحكم نهائي أو قرار قضائي لا يجوز الطعن فيه، حتى ولو لم يشكل الفعل في ذاته مخالفة تأديبية مما تنتظمها أحكام قانون الخدمة المدنية المشار إليه.
وحيث إن قضاء المحكمة الدستورية العليا قد اطرد على أن الدستور هو القانون الأعلى الذي يرسي القواعد والأصول التي يقوم عليها نظام الحكم، ويقرر الحريات والحقوق العامة، ويرتب الضمانات الأساسية لحمايتها، ويحدد لكل من السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية وظائفها وصلاحياتها، ويضع الحدود والقيود الضابطة لنشاطها، بما يحــول دون تدخل أي منها في أعمال السلطة الأخرى أو مزاحمتها في ممارسة اختصاصاتها التي ناطها الدستور بها.
وحيث إن الدستور قد اعتمد بمقتضى نص المادة (4) منه مبدأ العدل، باعتباره إلى جانب مبدأي المساواة وتكافؤ الفرص أساسًا لبناء المجتمع وصون وحدته الوطنية، يستلهمه المشرع وهو بصدد مباشرة سلطته في التشريع. وإذا كان الدستور -على ما جرى عليه قضاء هذه المحكمة– قد خلا من تحديد معنى العدالة، فإن المقصود بها ينبغي أن يتمثل فيما يكون حقًّا وواجبًا، سواء في علائق الأفراد فيما بينهم، أو في نطاق صلاتهم بمجتمعهم، بما مؤداه أن العدالة –في غايتها– لا تنفصل علاقاتها بالقانون باعتباره أداة تحقيقها، فلا يكون القانون منصفًا إلا إذا كان كافلًا لأهدافها، فإذا ما زاغ المشرع ببصره عنها، وأهدر القيم الأصيلة التي تحتضنها، كان مُنهيًا للتوافق في مجال تنفيذه، ومسقطًا كل قيمة لوجوده، ومُستوجبًا تغييره أو إلغاءه.
وحيث إن الدساتير المصرية المتعاقبة قد عنيت بتنظيم الوظيفة العامة؛ إذ حرص دستور 1923، ومن بعده دستور 1930، على أن يعهد للمصريين وحدهم بالوظائف العامة، مدنية كانت أو عسكرية، ولا يولى الأجانب هذه الوظائف إلا في أحوال استثنائية يعينها القانون، وأجمعت الدساتير الصادرة سنوات: 1956 و1958 و1964، على أن الوظائف العامة تكليف للقائمين بها، ويستهدف موظفو الدولة في أداء أعمال وظائفهم خدمة الشعب، واعتبر دستور 1971 الوظائف العامة حقًّا للمواطنين، وتكليفًا للقائمين بها لخدمة الشعب، وتكفل الدولة حمايتهم، وقيامهم بأداء واجباتهم في رعاية مصالح الشعب، واتخذ دستور سنة 2014 – القائم - من الكفاءة، وعدم المحاباة أو الوساطة أساسًا لحق المواطنين في شغل الوظائف العامة، مع اعتبار شغلهم لها تكليفًا لخدمة الشعب، واعتد بكفالة الدولة حقوقهم وحمايتهم، فلا يجوز فصلهم بغير الطريق التأديبي، إلا في الأحوال التي يحددها القانون، مقابل التزامهم بأداء واجباتهم في رعاية مصالح الشعب - مبينًا فيما تقدم - الضوابط المتعينة في تنظيم الوظيفة العامة، بداية من طبيعة شغلها بين الحق والتكليف، مرورًا بشروط ذلك الشغل وموانعه، انتهاء بحقوق الشاغلين لها والتزاماتهم، على نحو يضحى معه التزام التنظيم القانوني للوظيفة العامة تلك الضوابط مناطًا لدستوريته، فيما تكون مخالفتها موطئًا لوقوع تنظيمها في حومة العوار الدستوري.
وحيث إن النص في المادة (54) الذي استحدثه الدستور الصادر عام 2014، ضمن باب الحقوق والحريات والواجبات العامة، على أن ينظم القانون حالات استحقاق التعويض، الذي تلتزم الدولة بأدائه عن الحبس الاحتياطي، أو عن تنفيذ عقوبة صدر حكم بات بإلغاء الحكم المنفذة بموجبه، مؤداه أن التزام الدولة بالتعويض في الأحوال المار بيانها صار أمرًا مقضيًّا، وهو ما انتظمته أحكام قانون الإجراءات الجنائية الصادر بالقانون رقم 174 لسنة 2025، والمرجأ العمل بأحكامه حتى الأول من أكتوبر سنة 2026، مبينًا أحوال التعويض عن الحبس الاحتياطي، والأحوال التي تنتفي فيها المسئولية الجنائية للمحبوس احتياطيًّا بصورة باتة، ومقررًا أن طلب التعويض عن الحبس الاحتياطي يرفع بالطرق المعتادة لرفع الدعاوى، ويتبع في شأن إجراءاته والحكم فيه والطعن عليه القواعد المنصوص عليها في قانون المرافعات المدنية والتجارية. ولا كذلك الحال لمن حرمه التشريع الذي يحكم العلاقات الوظيفية للمخاطبين بقانون الخدمة المدنية، والتي تُعد من علاقات القانون العام، من استئداء نصف أجره الوظيفي المحروم منه خلال مدة حبسه الاحتياطي، فيما لو انتفت مسئوليته الجنائية بصورة نهائية، عن الوقائع التي حُبس عنها؛ إذ يغدو استرداد الموظف نصف أجره الذي حُرم منه -والحال كذلك– بمثابة تعويض عما حاق به من خسارة، تلتزمه الجهة الإدارية التي يعمل بها؛ إنفاذًا للالتزام المنصوص عليه بالمادة (54) من الدستور، فيما يكون حصوله على باقي عناصر التعويض –في حالات استحقاقه– رهنًا بالعمل بأحكام قانون الإجراءات الجنائية سالف الذكر.
وحيث إن افتراض البراءة –على ما جرى به قضاء هذه المحكمة– لا يتمحض عن قرينة قانونية، ولا هو من صورها؛ ذلك أن القرينة القانونية تقوم على تحويل للإثبات من محله الأصلي، ممثلًا في الواقعة مصدر الحق المدعى به، إلى واقعة أخرى قريبة منها متصلة بها، وهذه الواقعة البديلة هي التي يُعد إثباتها إثباتًا للواقعة الأولى بحكم القانون. وليس الأمر كذلك بالنسبة إلى البراءة التي افترضها الدستور؛ فليس ثمة واقعة أحلها الدستور محل واقعة أخرى وأقامها بديلًا عنها، وإنما يؤسس افتراض البراءة على الفطرة التي جُبل الإنسان عليها، فقد ولد حرًّا مبرَّأً من الخطيئة أو المعصية، ويفترض على امتداد مراحل حياته أن أصل البراءة ما زال كامنًا فيه، مصاحبًا له فيما يأتيه من أفعال، إلى أن تنقض محكمة الموضوع بقضاء بات لا رجعة فيه هذا الافتراض.
وحيث إن مفاد نص المادة (97) من الدستور أن ضمان الدستور لحق التقاضي مؤداه ألا يعزل الناس جميعهم، أو فريق منهم، أو أحدهم من النفاذ إلى جهة قضائية، تكفل بتشكيلها وقواعد تنظيمها ومضمون القواعد الموضوعيـة والإجرائية المعمول بها أمامها حدًّا أدنى من الحقوق، التي لا يجوز إنكارها عمن يلجون أبوابها؛ ضمانًا لمحاكمتهم إنصافًا. وكان لحق التقاضي غاية نهائية يتوخاها، تمثلها الترضية القضائية التي يناضل المتقاضون من أجل الحصول عليها، لجبر الأضرار التي أصابتهم من جراء العدوان على حقوق يطلبونها، فإن أرهقها المشرع بقيود تعسر الحصول عليها، أو تحول دونها، كان ذلك إخلالًا بالحماية التي كفلها الدستور لهذا الحق. ولا ينفك عن حق التقاضي حق الدفاع أصالة، أو بالوكالة، الذي كفله أيضًا الدستور في المادة (98) منه، باعتبار أن ضمانة الدفاع لا يمكن فصلها أو عزلها عن حق التقاضي؛ ذلك أنهما يتكاملان ويعملان معًا في دائرة الترضية القضائية التي يعتبر اجتناؤها غاية نهائية للخصومة القضائية، فلا قيمة لحق التقاضي ما لم يكن متساندًا لضمانة الدفاع مؤكدًا لأبعادها، عاملًا من أجل إنفاذ مقتضاها. كذلك لا قيمة لضمانة الدفاع بعيدًا عن حق النفاذ إلى القضاء، وإلا كان القول بها، وإعمالها واقعًا وراء جدران صامتة.
وحيث إن النص المحال بما تضمنه من حرمان الموظف الذي يُحبس احتياطيًّا من نصف أجره على الرغم من انتفاء مسئوليته الجنائية بحكم نهائي، أو قرار قضائي لا يجوز الطعن فيه، إنما يفتئت على مبدأ العدالة، بحسبان التنظيم القانوني لأجر الموظف العام لا يقتصر –فقط– على ما يؤديه من أعمال وواجبات وظيفية، وإنما يتقرر ليستوفي الموظف العام متطلباته الاجتماعية، ويسد احتياجاته الأسرية، وهو ما أكده المشرع في العديد من الاستثناءات التي قررها على قاعدة الأجر مقابل العمل، وهي استثناءات ترنو في مضمونها إلى تحقيق غاية أسمى تتمثل في الحرص على الجوانب الإنسانية والاجتماعية والأسرية للموظف العام، من خلال منحه أجره الوظيفي، متى ثبت أن انقطاعه عن العمل كان لسبب يخرج عن إرادته.
وحيث إن النص المحال افتقر إلى ضمانة جوهرية مقررة لشاغل الوظيفة العامة؛ هي حصوله على أجره المقرر لوظيفته كلما كان مهيأً لأداء العمل المنوط به، دون أن ينال من هذه الضمانة عدم أدائه العمل لحبسه احتياطيًّا، ما دامت قد انتفت مسئوليته الجنائية بصورة نهائية عن ارتكاب الفعل الذي نُسب إليه، ليغدو إهدار الضمانة السالف بيانها إخلالًا من النص المحال بكفالة الدولة لحقوق شاغلي الوظائف العامة، والتفاتًا منه عما أضفاه الدستور عليها من حماية، فضلًا عن اتخاذه من حبس الموظف احتياطيًّا قرينة قانونية قاطعة على ثبوت إخلاله بالتزامه الوظيفي، دون مراعاة لانتفاء الرابطة المنطقية بين الأمرين، ما دامت قد انتفت عن الموظف المسئولية الجنائية بصورة نهائية، مما يكون معه النص المحال قد أخل بأصل البراءة، التي توثقها حجية الشيء المحكوم فيه، أو الأمر المقضي به، بحسب الأحوال.
وحيث إن النص المحال قوض حق الموظف العام الذي يُحبس احتياطيًّا، وانتفت مسئوليته الجنائية على نحو نهائي، في المطالبة باسترداد نصف أجره الذي حرم منه خلال مدة حبسه؛ جبرًا للضرر المادي الذي أصابه، فإن ذلك يُشكل إهدارًا لأصل البراءة، وعدوانًا على استقــــــلال القضاء والحق في التقاضي، وحق الدفاع، وتعطيلًا للحق في التعويض عن الحبس الاحتياطي الذي ألزم الدستور الدولة بأدائه. يُضاف إلى ما تقدم أن حرمان الموظف من استرداد نصف أجره إنما يُشكل افتئاتًا على الملكية الخاصة؛ ومن ثم يكون النص المحال قد جاء مخالفًا للمواد (4 و14 و33 و35 و54 و95 و96 و97 و98 و184) من الدستور، مما يتعين معه القضاء بعدم دستوريته.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بعدم دستورية نص الفقرة الأولى من المادة (61) من قانون الخدمة المدنية الصادر بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 18 لسنة 2015، فيما تضمنه من حرمان الموظف الذي يُحبس احتياطيًّا من نصف أجره عن مدة حبسه، في مجال سريانه على حالات انتفاء المسئولية الجنائية بحكم نهائي أو قرار قضائي لا يجوز الطعن عليه.

الطعن رقم 1 لسنة 28 ق دستورية عليا " منازعة تنفيذ " جلسة 7 / 3 / 2026

المنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ : ۸ / ۳ / ۲۰۲٦
باسم الشعب
المحكمة الدستورية العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت السابع من مارس سنة 2026م،الموافق السابع عشر من رمضان سنة 1447هـ.
برئاسة السيد المستشار/ بولس فهمي إسكندر رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين: الدكتور عادل عمر شريف ومحمود محمد غنيم والدكتور عبد العزيز محمد سالمان وعلاء الدين أحمد السيد وصلاح محمد الرويني ومحمد أيمن سعد الدين عباس نواب رئيس المحكمة
وحضور السيد المستشار الدكتور/ عماد طارق البشري رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد/ عبد الرحمن حمدي محمود أمين السر
أصدرت الحكم الآتي
في الدعوى المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 1 لسنة 28 قضائية "منازعة تنفيذ"
المقامة من
ورثة/ عاطف ميخائيل بدوي شنودة، وهم:
عايدة بدوي الشحات جرجس بدوي، عن نفسها وبصفتها وصية على ولديها القاصرين: (كيرلس ورفقة عاطف ميخائيل بدوي شنودة)
ضــــد
1-رئيس الجمهورية
2- وزير العــــــــــــــــــــدل
3-رئيس هيئة قضايا الدولة
---------------
الإجراءات
بتاريخ التاسع عشر من يناير سنة 2006، أودع مورث المدعين صحيفة هذه الدعوى، قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا، طالبًا الحكم بعدم الاعتداد بحكم المحكمة الإدارية العليا الصادر بجلسة 9/5/2004، في الطعن رقم 167 لسنة 49 قضائية "عليا"، وبالاستمرار في تنفيذ أحكام المحكمة الدستورية العليا الصادرة في الدعاوى أرقام: 193 لسنة 19 قضائية "دستورية"، و154 لسنة 21 قضائية "دستورية"، و5 لسنة 22 قضائية "منازعة تنفيذ"، و1 لسنة 23 قضائية "منازعة تنفيذ"، وما يترتب على ذلك من آثار.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، طلبت فيها الحكم بعدم قبول الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرًا برأيها، أعقبته بتقريرين تكميليين، بعد أن أعادت المحكمة الدعوى إليها لاستكمال التحضير.
ونُظرت الدعوى بجلسة 5/10/2024، وفيها قدم الحاضر عن مورث المدعين صورة قيد وفاته، وطلب تصحيح شكل الدعوى، فصرحت المحكمة، وأودع المدعون صحيفة تصحيح شكل الدعوى، وتمسكوا فيها بطلبات مورثهم وبجلسة 3/1/2026، قررت المحكمة إصدار الحكم بجلسة اليوم.
--------------
المحكمــــة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع تتحصل –على ما يتبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – في أن مورث المدعين عُين بهيئة قضايا الدولة، واستمر بها إلى أن حصل على درجة نائب في عام 1982. وبتاريخ 13/3/1985، أصدر وزير العدل القرار رقم 1345 لسنة 1985، باعتباره مستقيلًا من وظيفته؛ لانقطاعه عن العمل اعتبارًا من 29/12/1984، فتظلم من هذا القرار أمام لجنة التأديب والتظلمات بالهيئة بالتظلم رقم 15 لسنة 1985، طالبًا بصفة مستعجلة: وقف تنفيذ ذلك القرار، وفى الموضوع: إلغاءه، وبجلسة 4/11/1985، قررت لجنة التأديب والتظلمات رفض التظلم موضوعًا. وبتاريخ 29/11/1998، أعاد مورث المدعين تظلمه إلى اللجنة المشار إليها، طالبًا إلغاء القرار الصادر منها بجلسة 4/11/1985، في التظلم المار ذكره، والأمر بإعادة التظلم إلى اللجنة السالف ذكرها، للفصل فيه مجددًا؛ تأسيسًا على أن تلك اللجنة كان يرأسها رئيس الهيئة، الذي سبق له –بصفته رئيسًا للتفتيش الفني– أن حرر المذكرة المحالة لوزير العدل، باعتبار مورث المدعين مستقيلًا. وإذ قضت المحكمة الدستورية العليا في الدعوى رقم 162 لسنة 19 قضائية "دستورية": "بعدم دستورية نص المادة (25) من قانون تنظيم هيئة قضايا الدولة الصادر بالقانون رقم 75 لسنة 1963، وذلك فيما تضمنه من أن يرأس لجنة التأديب والتظلمات رئيس الهيئة، الذي طلب من وزير العدل أن يقيم الدعوى التأديبية ...."، فأصدرت اللجنة المشار إليها قرارها بجلسة 3/5/1999، بعدم قبول التظلم، وشيدت قرارها على أن حجية حكم المحكمة الدستورية العليا المشار إليه تقتصر على تشكيل لجنة التأديب والتظلمات بمناسبة فصلها في الدعاوى التأديبية، ولا تتعداها إلى تشكيل اللجنة حال نظرها طلبًا من الطلبات الأخرى، التي تدخل في ولايتها. وعلى إثر صدور حكم المحكمة الدستورية العليا في الدعوى رقم 193 لسنة 19 قضائية "دستورية" أقام مورث المدعين أمام المحكمة الإدارية العليا الطعن رقم 167 لسنة 49 قضائية "عليا" بطلب الحكم، أصليًّا: بإلغاء قرار وزير العدل رقم 1345 لسنة 1985، فيما تضمنه من إنهاء خدمته، واحتياطيًّا: بإلزام المدعى عليهم في تلك الدعوى بالتعويض. وبجلسة 9/5/2004، حكمت المحكمة بعدم اختصاصها، ولائيًّا، بنظر الطعن في قرار إنهاء الخدمة، وفى طلب التعويض، بقبوله شكلًا، وبرفضه موضوعًا، فأقام مورث المدعين الدعوى رقم 254 لسنة 52 قضائية "عليا"، بطلب الحكم ببطلان وانعدام الحكم الصادر من المحكمة الإدارية العليا المشار إليه، فقضت تلك المحكمة بجلسة 23/2/2013، بعدم قبول الدعوى.
وإذ ارتأى المدعون أن حكم المحكمة الإدارية العليا في الطعن رقم 167 لسنة 49 قضائية "عليا" قد صدر مصادمًا لأحكام المحكمة الدستورية العليا الصادرة في الدعاوى أرقام: 193 لسنــة 19 قضائيــة "دستوريــة"، و154 لسنة 21 قضائية "دستورية"، و5 لسنــة 22 قضائية "منازعـة تنفيذ"، و1 لسنة 23 قضائية "منازعة تنفيذ"، ويُشكل عقبة تعوق تنفيذ أحكام المحكمة الدستورية العليا في الدعاوى المشار إليها؛ فقد أقام الدعوى المعروضة.
وحيث إن منازعة التنفيذ – على ما جرى به قضاء هذه المحكمة – قوامها أن التنفيذ قد اعترضته عوائق تحول قانونًا – بمضمونها أو أبعادها – دون اكتمال مداه، وتعطل أو تقيد اتصال حلقاته وتضامها بما يعرقل جريان آثاره كاملة دون نقصان؛ ومن ثم تكون عوائق التنفيذ القانونية هي ذاتها موضوع منازعة التنفيذ أو محلها؛ تلك المنازعة التي تتوخى في ختام مطافها إنهاء الآثار المصاحبة لتلك العوائق، أو الناشئة عنها، أو المترتبة عليها، ولا يكون ذلك إلا بإسقاط مسبباتها وإعدام وجودها، لضمان العودة بالتنفيذ إلى حالته السابقة على نشوئها. وكلما كان التنفيذ متعلقًا بحكم صدر عن المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية نص تشريعي، فإن حقيقة مضمونه، ونطاق القواعد القانونية التي يضمها، والآثار المتولدة عنها في سياقها، وعلى ضوء الصلة الحتمية التي تقوم بينها، هي التي تحدد جميعها شكل التنفيذ وصورته الإجمالية، وما يكون لازمًا لضمان فعاليته. بيد أن تدخل المحكمة الدستورية العليا – وفقًا لنص المادة (50) من قانونها الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979 – لهدم عوائق التنفيذ التي تعترض أحكامها، وتنال من جريان آثارها في مواجهة الأشخاص الاعتباريين والطبيعيين جميعهم، دون تمييز، بلوغًا للغاية المبتغاة منها في تأمين حقوق الأفراد وصون حرياتهم، يفترض ثلاثة أمور، أولها: أن تكون هذه العوائق –سواء بطبيعتها أو بالنظر إلى نتائجها– حائلة دون تنفيذ أحكامها أو مقيدة لنطاقها. ثانيها: أن يكون إسنادها إلى تلك الأحكام، وربطها منطقيًّا بها ممكنًا، فإذا لم تكن لها بها من صلة فإن خصومة التنفيذ لا تقوم بتلك العوائق، بل تعتبر غريبة عنها، منافية لحقيقتها وموضوعها. ثالثها: أن منازعة التنفيذ لا تعد طريقًا للطعن في الأحكام القضائية، وهو ما لا تمتد إليه ولاية هذه المحكمة.
وحيث إن منازعة التنفيذ تدور وجودًا وعدمًا مع نطاق حجية الحكم الصادر من المحكمة الدستورية العليا، ولا تتعداه إلى غيره من النصوص التشريعية، ولو تشابهت معها؛ ذلك أن الحجية المطلقة للأحكام الصادرة في موضوع الدعوى الدستورية يقتصر نطاقها على النصوص التشريعية التي كانت مثارًا للمنازعة حول دستوريتها وفصلت فيها المحكمة فصلًا حاسمًا بقضائها، دون تلك التي لم تكن مطروحة على المحكمة، ولم تفصل فيها بالفعل، فلا تمتد إليها تلك الحجية. على أن يكون مفهومًا أنه لا يحوز من الحكم تلك الحجية المطلقة سوى منطوقه وما هو متصل بهذا المنطوق من أسباب اتصالًا حتميًّا، بحيث لا تقوم له قائمة إلا بها، ومن ثم لا يجوز الارتكان إلى تلك الأسباب إلا حال تعلق العقبة التي تحول دون تنفيذ الحكم الدستوري بما يقضى به بذلك الحكم مرتبطًا بأسبابه. وعلى ذلك، لا يجوز نزع أسباب الحكم من سياقها أو الاعتداد بها بذاتها دون المنطوق، للقول بأن هناك عقبات تحول دون سريان تلك الأسباب.
وحيث إن الحجية المطلقة لأحكام المحكمة الدستورية العليا في دعاوى التنازع ومنازعات التنفيذ، على ما جرى به نص المادة (195) من الدستور، إنما تلحق –نطاقًا– بما قد تتضمنه هذه الأحكام من تقريرات دستورية تعرض لنصوص –بذاتها– من الوثيقة الدستورية، لها محل من الإعمال على وقائع النزاع الموضوعي، ومؤدية –لزومًا– إلى الفصل في موضوعه، بما يعكس بيان هذه المحكمة لمؤدى تلك النصوص الدستورية، وإفصاحها عن دلالتها، فيكون إلزامها للكافة وجميع سلطات الدولة، بما أقرته في شأنها من مفاهيم، متعينًا. ولا كذلك الحال بالنسبة لغيرها من عناصر الحكم في دعاوى التنازع ومنازعات التنفيذ، التي تقضي المحكمة الدستورية العليا في أولاهما بوصفها محكمة تنازع، وفي الأخرى باعتبارها قضاء تنفيذ، وذلك دون إخلال بثبوت قوة الأمر المقضي فيه لمنطوق الحكم الصادر في أي من تلك الدعاوى، والأسباب المرتبطة به ارتباطًا حتميًّا، قبل أطراف خصومة الموضوع، وفي مواجهة جميع المخاطبين بتنفيذه وإعمال آثاره.
وحيث إن المحكمة الدستورية العليا قضت بجلسة 6/5/2000، في الدعوى رقم 193 لسنة 19 قضائية "دستورية"، بعدم دستورية نص المادة (25) من قانون هيئة قضايا الدولة الصادر بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 75 لسنة 1963، فيما تضمنه من إسناد الفصل في طلبات إلغاء القرارات الإدارية المتعلقة بشئون أعضاء هيئة قضايا الدولة وطلبات التعويض المترتبة عليها للجنة التأديب والتظلمات.
وقضت هذه المحكمة بجلسة 4/8/2001، في الدعوى رقم 5 لسنة 22 قضائية "منازعة تنفيذ"، "أولًا: بعدم دستورية نص الفقرة الثانية من المادة (25) من قانون هيئة قضايا الدولة الصادر بالقرار بالقانون رقم 75 لسنة 1963 معدلًا بالقانون رقم 88 لسنة 1998 فيما تضمنه من اختصاص لجنة التأديب والتظلمات بالهيئة بالفصل في طلبات إلغاء القرارات الإدارية النهائية المتعلقة بشئون أعضاء الهيئة وطلبات التعويض عنها. ثانيًا: .....".
كما قضت هذه المحكمة بجلسة 14/4/2002، في الدعوى رقم 1 لسنة 23 قضائية "منازعة تنفيذ": "بالمضي في تنفيذ حكم المحكمة الدستورية العليا الصادر بجلسة 9/9/2000، في الدعوى رقم 151 لسنة 21 قضائية "دستورية" وما يترتب على ذلك من آثار". وقضت بجلسة 16/3/2003، في الدعوى رقم 154 لسنة 21 قضائية "دستورية": "أولًا: بعدم دستورية قرار وزير الصحة رقم 41 لسنة 1989 بتعديل بعض أحكام اللائحة الأساسية لصندوق تحسين الخدمة ودعم البحوث المشتركة بالهيئة القومية للرقابة والبحوث الدوائية الصادرة بالقرار رقم 697 لسنة 1984. ثانيًا: بسقوط قرار رئيس مجلس إدارة الهيئة القومية للرقابة والبحوث الدوائية رقم 48 لسنة 1989 الصادر في 6/3/1989".
وحيث إن مورث المدعين سبق أن أقام الدعوى رقم 5 لسنة 36 قضائية "منازعة تنفيذ" ضد خصوم الدعوى المعروضة – بصفاتهم-، طلبًا للحكم بالطلبات ذاتها المرددة في هذه الدعوى بالاستمرار في تنفيذ الحكم الصادر من المحكمة الدستورية العليا في الدعوى رقم 193 لسنة 19 قضائية "دستورية"؛ ومن ثم تكون الدعوى السابقة والدعـوى المعروضة قـد اتحدتا خصومًا ومحلًّا وسببًا؛ الأمر الذي يتعين معه الحكم بعدم جواز نظر الدعوى المعروضة –في هذا الشق منها-، لسابقة الفصل فيها بالحكم الصادر في الدعوى رقم 5 لسنة 36 قضائية "منازعة تنفيذ"، مع الاكتفاء بإيراد ذلك في الأسباب دون المنطوق.
إذ كان ما تقدم، وكان الثابت بالأوراق أن موضوع الخصومة التي طرحت على المحكمة الإدارية العليا في الطعن رقم 167 لسنة 49 قضائية "عليا" يتعلق بطلب مورث المدعين إلغاء قرار وزير العدل بإنهاء خدمته والتعويض عن ذلك، وهو أمر منبت الصلة بأحكام المحكمة الدستورية العليا الصادرة في الدعاوى أرقام: 154 لسنة 21 قضائية "دستورية"، و5 لسنة 22 قضائية "منازعة تنفيذ"، و1 لسنة 23 قضائية "منازعة تنفيذ"، بما لازمه أن الحكم المصور عقبة في التنفيذ لا يعد عائقًا يحول دون تنفيذ أحكام هذه المحكمة المنازع في تنفيذها، المار بيانها؛ ومن ثم فإن خصومة التنفيذ المعروضة لا تقوم بذلك العائق، مما يتعين معه القضاء بعدم قبول الدعوى.
فلهــذه الأسبــاب
حكمت المحكمة بعدم قبول الدعوى، وألزمت المدعين المصروفات.

الطعن 9868 لسنة 91 ق جلسة 22 / 2 / 2023 مكتب فني 74 ق 37 ص 240

جلسة 22 من فبراير سنة 2023
برئاسة السيد القاضي / إسماعيل عبد السميع "نائب رئيس المحكمة"، وعضوية السادة القضاة / سمير عبد المنعم، الدسوقي الخولي، خالد مدكور وعادل فتحي "نواب رئيـس المحكمة".
----------------
(37)
الطعن رقم 9868 لسنة 91 القضائية
(1- 4) عمل "علاقة عمل: العاملون في المؤسسات الصحفية".
(1) مؤسسة أخبار اليوم. تمتعها بالشخصية الاعتبارية المستقلة. رئيس مجلس إدارتها. ممثلها أمام القضاء. م 58 ق 96 لسنة 1996 بشأن تنظيم الصحافة. مؤداه. مسئوليتها عن الوفاء بمستحقات المطعون ضدهم السبعة الأول. اختصام المطعون ضدهم مدير الإدارة المالية بقطاع الإعلانات بمؤسسة أخبار اليوم ونقيب الصحفيين ورئيس المجلس الأعلى للصحافة بصفاتهم في الطعن بالنقض. غير مقبول.
(2) أحكام قانون تنظيم الصحافة 96 لسنة 1996 وقانوني العمل 137 لسنة 1981، 12 لسنة 2003 ولائحة الأجور التي يضعها مجلس إدارة أي من المؤسسات القومية الصحفية وتعتمدها جمعيتها العمومية. اعتبارها الأساس في تنظيم العلاقة بين هذه المؤسسات والعاملين بها. عدم جواز مطالبة العامل بأجر يجاوز الأجر المنصوص عليه بلائحة الأجور. الاستثناء. إقرار المؤسسة زيادتها. أثره.
(3) إقرار مؤسسة أخبار اليوم بصحيفة الطعن بأن حافز المؤسسة يعتبر بديلًا لكافة الحوافز التي تصرفها للعاملين بها في كافة القطاعات. مناطه. عدم استثناء العاملين بقطاع الإعلانات من صرف هذا الحافز. قضاء الحكم المطعون فيه للمطعون ضدهم السبعة الأول العاملين بقطاع الإعلانات بهذا الحافز. صحيح.
(4) مجلس إدارة مؤسسة أخبار اليوم. المختص بوضع لائحة الأجور. اعتمادها من جمعيتها العمومية. مؤداه. اعتبارها ملزمة للمؤسسة والعاملين لديها. م 63 ق 96 لسنة 1996. خلو الأوراق مما يثبت مصادقة مجلس الإدارة على قرار صرف عمولة مكمل الحد الأقصى للعاملين بقطاعات الإعلانات أو اعتماده من الجمعية العمومية لها. أثره. بطلان القرار. مقتضاه. إلزام المطعون ضدهم العاملين لدى الطاعنة أخبار اليوم بردها لها. مخالفة الحكم المطعون فيه هذا النظر ورفض دعوى الطاعنة برد تلك المبالغ. مخالفة للقانون.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- المقرر- في قضاء محكمة النقض – أن مفاد المادة 58 من القانون رقم 96 لسنة 1996 بشأن تنظيم الصحافة والتي رفعت الدعوى في ظل العمل بأحكامه أن المؤسسة الطاعنة (أخبار اليوم) تتمتع بالشخصية الاعتبارية المستقلة، ويمثلها رئيس مجلس إدارتها أمام القضاء، ولما كان المطعون ضدهم السبعة الأول من العاملين لدى الطاعنة وأنها هي المسئولة عن الوفاء بمستحقاتهم المالية، فإن المطعون ضدهم من الثامن حتى العاشر لا يكون لهم صفة في النزاع، ويضحى اختصامهم في الطعن غير مقبول.
2- مؤدى النص في المادتين 56، 63/ 4 من القانون رقم 96 لسنة 1996 بشأن تنظيم الصحافة - المنطبق على واقعة النزاع – يدل على أن أحكام قانون تنظيم الصحافة المشار إليه وقانون العمل الخاص الصادر بالقانون 137 لسنة 1981 ومن بعده قانون العمل الصادر بالقانون رقم 12 لسنة 2003 ولائحة الأجور التي يضعها مجلس إدارة أي من المؤسسات القومية الصحفية وتعتمدها جمعيتها العمومية هي الأساس في تنظيم العلاقة بين هذه المؤسسات والعاملين بها، وأنه لا يجوز للعامل المطالبة بأجر يجاوز الأجر المنصوص عليه بلائحة الأجور إلا إذا قررت المؤسسة زيادة هذه الأجور فيكون قرارها في هذه الحالة ملزمًا لها.
3- إذ كانت المؤسسة الطاعنة (أخبار اليوم) قد أقرت بصحيفة الطعن أن قرار مجلس إدارتها رقم 46 لسنة 2011 نص في المادة السادسة منه على أن "حافز المؤسسة يعتبر بديلًا لكافة الحوافز التي تصرفها المؤسسة للعاملين بها في كافة القطاعات"، ومقتضى ذلك أن هذا القرار لم يستثني العاملين بقطاع الإعلانات من صرف هذا الحافز، ولما كان هذا القرار ملزمًا للمؤسسة الطاعنة، فإن الحكم المطعون فيه إذ قضى للمطعون ضدهم السبعة الأول العاملين بقطاع الإعلانات بهذا الحافز اعتبارًا من 1/1/2013 لايكون قد خالف القانون.
4- مفاد المادة 63 من قانون تنظيم الصحافة المشار إليه - وعلى نحو ما سلف بيانه - (القانون رقم 96 لسنة 1996) أن مجلس إدارة المؤسسة الطاعنة هو المختص بوضع لائحة الأجور، وأن هذه اللائحة ملزمة للمؤسسة والعاملين لديها متى اعتمدت من جمعيتها العمومية، ولما كان المطعون ضدهم السبعة الأول قد أقروا بصحيفة الدعوى أن المشرف العام على قطاعات الإعلانات هو الذي أصدر القرار المقرر لصرف عمولة مكمل الحد الأقصى للعاملين بقطاعات الإعلانات اعتبارًا من 1/7/2010 وإذ خلت الأوراق مما يثبت أن مجلس إدارة الطاعنة المختص بتقرير نظام الأجور قد صادق على هذا القرار، أو ما يثبت اعتماده من الجمعية العمومية للطاعنة ، فإن هذا القرار يكون باطلًا حابط الأثر، ويكون ما صرف للمطعون ضدهم من مبالغ مالية نفاذًا لهذا القرار فاقدًا لسنده القانوني، ويتعين القضاء بإلزامهم بردها للطاعنة بذات القدر الثابت بسجلات صرف الأجور لدى الطاعنة، وإذ خالف الحكم المطعون فيه هذا النظر وقضى برفض دعوى الطاعنة بمقولة عدم وجود نص لائحي يلزم هؤلاء المطعون ضدهم برد هذه المبالغ، فإنه يكون قد خالف القانون.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المحكمــة
بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع التقرير الذي تلاه السيد القاضي المقرر، والمرافعة، وبعد المداولة.
حيث إن الوقائع -على ما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر الأوراق- تتحصل في أن المطعون ضدهم السبعة الأول أقاموا الدعوى رقم .... لسنة 2013 عمال شمال القاهرة الابتدائية على الطاعنة -مؤسسة أخبار اليوم-، والمطعون ضدهم من الثامن حتى العاشر بطلب الحكم بإلزامها والمطعون ضده الثامن أن يؤديا لكل واحد منهم عمولة مكمل الحد الأقصى بواقع 7500 جنيه اعتبارًا من 1/1/2013 وحافز المؤسسة اعتبارًا من 1/1/2012 تأسيسًا على أنهم من العاملين بقطاع الإعلانات لدى المؤسسة الطاعنة التي امتنعت عن صرف المستحق لهم من عمولة مكمل الحد الأقصى وحافز المؤسسة رغم سبق صرفهم لعمولة مكمل الحد الأقصى في الفترة السابقة عن 1/1/2013 نفاذًا للقرار الصادر من المشرف العام على قطاع الإعلانات بتاريخ 28/3/2010 ورغم أن قرار مجلس إدارة الطاعنة بصرف حافز للعاملين لديها اعتبارًا من 1/1/2012 كان عامًا ولم يستثن قطاع الإعلانات من صرف هذا الحافز، كما ادعت الطاعنة فرعيًا بطلب الحكم بإلزام المطعون ضدهم السبعة الأول برد العمولة التي صرفت لهم نفاذًا لقرار المشرف على قطاع الإعلانات لبطلان هذا القرار لصدوره من غير مختص، ندبت المحكمة خبيرًا في الدعوى، وبعد أن قدم تقريره حكمت بتاريخ 29/11/2018 برفض الدعوى الفرعية، وفي الدعوى الأصلية بإلزام الطاعنة أن تؤدي للمطعون ضدهم السبعة الأول حافز المؤسسة المقرر بقرار الطاعنة رقم 26 لسنة 2011 اعتبارًا من يناير سنة 2012 ورفضت ما عدا ذلك من طلبات، استأنف المطعون ضدهم السبعة الأول هذا الحكم بالاستئناف رقم .... لسنة 22 ق القاهرة، كما استأنفته الطاعنة أمام ذات المحكمة بالاستئناف رقم.... لسنة 23 ق، وبعد أن ضمت المحكمة الاستئنافين حكمت بتاريخ 7/4/2021 بتعديل الحكم المستأنف إلى القضاء بإلزام الطاعنة أن تؤدي للمطعون ضدهم السبعة الأول حافز المؤسسة المقرر بقرارها رقم 46 لسنة 2011 اعتبارًا من 1/1/2013 وتأييده فيما عدا ذلك. طعنت الطاعنة في هذا الحكم بطريق النقض، وقدمت النيابة مذكرة أبدت فيها الرأي بعدم قبول الطعن بالنسبة للمطعون ضدهم من الثامن حتى العاشر، وفي الموضوع برفض الطعن، عُرض الطعن على هذه المحكمة - في غرفة مشورة - فحددت جلسة لنظره وفيها التزمت النيابة رأيها.
وحيث إن مبنى الدفع المُبدى من النيابة بعدم قبول الطعن بالنسبة للمطعون ضدهم من الثامن حتى العاشر أن لا صفة لهم في النزاع، وأن الطاعنة يمثلها رئيس مجلس إدارتها أمام القضاء.
وحيث إن هذا الدفع سديد، ذلك أن مفاد المادة 58 من القانون رقم 96 لسنة 1996 بشأن تنظيم الصحافة والتي رفعت الدعوى في ظل العمل بأحكامه أن المؤسسة الطاعنة تتمتع بالشخصية الاعتبارية المستقلة، ويمثلها رئيس مجلس إدارتها أمام القضاء، ولما كان المطعون ضدهم السبعة الأول من العاملين لدى الطاعنة وأنها هي المسئولة عن الوفاء بمستحقاتهم المالية، فإن المطعون ضدهم من الثامن حتى العاشر لا يكون لهم صفة في النزاع، ويضحى اختصامهم في الطعن غير مقبول.
وحيث إن الطعن - فيما عدا ما تقدم- قد استوفى أوضاعه الشكلية.
وحيث إن الطعن أقيم على سبب واحد تنعى به الطاعنة على الحكم المطعون فيه مخالفة القانون والخطأ في تطبيقه، إذ قضى للمطعون ضدهم السبعة الأول بحافز المؤسسة المقرر بقرار مجلس إدارتها رقم 46 لسنة 2011 وبرفض دعواها الفرعية بطلب إلزام هؤلاء المطعون ضدهم برد ما صرف لهم من عمولة مكمل الحد الأقصى عن المدة من 1/7/2010 حتى 30/11/2012 رغم عدم سريان قرار تقرير حافز المؤسسة على المطعون ضدهم لحصولهم على الحوافز المقررة للعاملين بقطاع الإعلانات ورغم إقرار الحكم بأسبابه أن القرار الصادر من المشرف على قطاع الإعلانات المعمول به اعتبارًا من 1/7/2010 بتقرير عمولة مكمل الحد الأقصى للعاملين بهذا القطاع صدر باطلًا لعدم اعتماده من مجلس إدارتها المختص بتقرير النواحي المالية للعاملين لديها، وهو ما يعيب الحكم ويستوجب نقضه.
وحيث إن الشق الأول من هذا النعي بخصوص ما قضى به الحكم المطعون فيه بأحقية المطعون ضدهم السبعة الأول في حافز المؤسسة اعتبارًا من 1/1/2013 فهو في غير محله، ذلك أن النص في المادة 56 من القانون رقم 96 لسنة 1996 بشأن تنظيم الصحافة - المنطبق على واقعة النزاع - على أن " ينظم العلاقة بين المؤسسات القومية الصحفية وجميع العاملين بها من صحفيين وإداريين وعمال أحكام عقد العمل الفردي المنصوص عليها في قانون العمل ..."، والنص في المادة 63 من ذات القانون على أن " تختص الجمعية العمومية للمؤسسة الصحفية القومية بما يلي: 1-... 2-... 3-... 4-إقرار اللوائح الخاصة بالأجور أو غيرها التي يضعها مجلس الإدارة بشرط الالتزام بقواعد الحد الأدنى للأجور التي يضعها المجلس الأعلى للصحافة ... " يدل على أن أحكام قانون تنظيم الصحافة -المشار إليه- وقانون العمل الخاص الصادر بالقانون 137 لسنة 1981 ومن بعده قانون العمل الصادر بالقانون رقم 12 لسنة 2003 ولائحة الأجور التي يضعها مجلس إدارة أي من المؤسسات القومية الصحفية وتعتمدها جمعيتها العمومية هي الأساس في تنظيم العلاقة بين هذه المؤسسات والعاملين بها، وأنه لا يجوز للعامل المطالبة بأجر يجاوز الأجر المنصوص عليه بلائحة الأجور إلا إذا قررت المؤسسة زيادة هذه الأجور فيكون قرارها في هذه الحالة ملزمًا لها؛ لما كان ذلك، وكانت المؤسسة الطاعنة قد أقرت بصحيفة الطعن أن قرار مجلس إدارتها رقم 46 لسنة 2011 نص في المادة السادسة منه على أن "حافز المؤسسة يعتبر بديلًا لكافة الحوافز التي تصرفها المؤسسة للعاملين بها في كافة القطاعات"، ومقتضى ذلك أن هذا القرار لم يستثن العاملين بقطاع الإعلانات من صرف هذا الحافز، ولما كان هذا القرار ملزمًا للمؤسسة الطاعنة، فإن الحكم المطعون فيه إذ قضى للمطعون ضدهم السبعة الأول العاملين بقطاع الإعلانات بهذا الحافز اعتبارًا من 1/1/2013 لا يكون قد خالف القانون، ويضحى ما تثيره الطاعنة في هذا الخصوص على غير أساس.
وحيث إن الشق الثاني من هذا النعي بخصوص ما قضى به الحكم المطعون فيه من رفض دعوى الطاعنة الفرعية بطلب إلزام المطعون ضدهم برد ما صرف لهم من عمولة مكمل الحد الأقصى في المدة من 1/7/2010 حتى 30/11/2012 فهو في محله، ذلك أن مفاد المادة 63 من قانون تنظيم الصحافة المشار إليه -وعلى نحو ما سلف بيانه- أن مجلس إدارة المؤسسة الطاعنة هو المختص بوضع لائحة الأجور، وأن هذه اللائحة ملزمة للمؤسسة والعاملين لديها متى اعتمدت من جمعيتها العمومية، ولما كان المطعون ضدهم السبعة الأول قد أقروا بصحيفة الدعوى أن المشرف العام على قطاعات الإعلانات هو الذي أصدر القرار المقرر لصرف عمولة مكمل الحد الأقصى للعاملين بقطاعات الإعلانات اعتبارًا من 1/7/2010 وإذ خلت الأوراق مما يثبت أن مجلس إدارة الطاعنة المختص بتقرير نظام الأجور قد صادق على هذا القرار، أو ما يثبت اعتماده من الجمعية العمومية للطاعنة، فإن هذا القرار يكون باطلًا حابط الأثر، ويكون ما صرف للمطعون ضدهم من مبالغ مالية نفاذًا لهذا القرار فاقدًا لسنده القانوني، ويتعين القضاء بإلزامهم بردها للطاعنة بذات القدر الثابت بسجلات صرف الأجور لدى الطاعنة، وإذ خالف الحكم المطعون فيه هذا النظر وقضى برفض دعوى الطاعنة بمقولة عدم وجود نص لائحي يلزم هؤلاء المطعون ضدهم برد هذه المبالغ، فإنه يكون قد خالف القانون بما يوجب نقضه في هذا الخصوص.
وحيث إن الموضوع في خصوص ما نقض من الحكم المطعون فيه صالح للفصل فيه، ولما تقدم يتعين الحكم في الاستئناف رقم .... لسنة 23 ق القاهرة بإلغاء الحكم المستأنف في خصوص ما قضى به من رفض دعوى الطاعنة، والقضاء بإلزام المطعون ضدهم السبعة الأول أن يدفعوا للطاعنة ما صرف لهم من عمولة مكمل الحد الأقصى نفاذًا لقرار المشرف العام على قطاعات الإعلانات المعمول به اعتبارًا من 1/7/2010 بذات القدر الثابت بسجلات صرف الأجور لدى الطاعنة، وتأييد الحكم المطعون فيه فيما عدا ذلك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حكم تطليق الولي زوجة المحجور عليه بسبب الجنون

تاريخ الفتوى: 19 سبتمبر 2010 م
رقم الفتوى: 4218
من فتاوى: فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة محمد
التصنيف: الحجر
السؤال:
هل يجوز لوَلِيّ المحجور عليه لجنون أن يُطَلِّق عليه زوجته لو كان في هذا الطلاق مصلحة أو دفع مضرة عن المجنون؟

الجواب:
ليس لولي المحجور عليه أن يطلق عليه زوجتَه بسبب الجنون؛ فالأصل في الطلاق أنه حقٌّ للزوج وحده؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّمَا الطَّلَاقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ»، فإن رأى الوليُّ أن في الطلاق مصلحةً للمحجور عليه أو دفعَ مضرةٍ عنه؛ فله في هذه الحالة رفع الأمر إلى القاضي للنظر فيه؛ فالقاضي وحده هو من يملك  إيقاع الطلاق في مثل هذه الحالة إذا تَحَقَّق عنده ما يوجب الطلاق شرعًا.
 

بيان عوارض الأهلية التي تقتضي ولاية الولي 
مِن المقرَّر فقهًا أن الأهلية شرط شرعي لاعتبار التصرفات الإنسانية التي اشترط الشرع العقلَ لصحتها؛ كالإيجاب والقبول ونحوهما؛ لأن هذه التصرفات متوقفة على القصد الصحيح، وهو لا يوجد إلا مع العقل.

وقد تكلم الأصوليون في كتبهم عما يسمى بـ(عوارض الأهلية)، وهي: الخصال أو الآفات التي تَعرِض للإنسان فتؤَثِّر على أهليته بالزوال أو بالنقصان، وذكروا أن مِن عوارض الأهلية السماوية -أي: التي ليس للعبد فيها اختيار-: الجنون، وهو: اختلال القوة المميزة بين الأمور الحسنة والقبيحة المُدرِكة للعواقب بأن لا يظهر آثارها وتتعطل أفعالها، وتَحَقُّقُه في شخصٍ ما مانع من تحلِّيه أهلية الأداء، فلا تترتب على تصرفاته آثارها الشرعية. "شرح التلويح على التوضيح" للعلامة سعد الدين التفتازاني (2/ 331، ط. صبيح).

وبسبب هذا الاختلال فإن الشرع قد أثبت سلطة ولاية أمر المجنون للغير؛ لأجل تحقيق الحفظ والصيانة له، وبموجب هذه السلطة يقوم الولي برعاية شؤون المُولى عليه المتعلقة بشخصه.

بيان حكم تزويج الولي للمجنون الذي تحت ولايته
من التصرفات التي يجوز للولي إيقاعها: تزويج المجنون الذي تحت ولايته؛ لمصلحة إعفافه أو إيوائه وحفظه وصيانته.

قال الإمام النووي في "الروضة" (5/ 435، ط. دار عالم الكتب): [إن كان المجنون كبيرًا لم يُزوَّج لغير حاجة، ويُزوَّج للحاجة، وذلك بأن تظهر رغبته فيهن بدورانه حولهن وتعلقه بهن ونحو ذلك، أو بأن يحتاج إلى مَن يخدمه ويتعهده ولا يجد في محارمه من يُحَصِّل هذا.. أو بأن يتوقع شفاؤه بالنكاح، وإذا جاز تزويجه تولاه الأب ثم الجد ثم السلطان دون سائر العصبات، كولاية المال، وإن كان المجنون صغيرًا لم يصح تزويجه على الصحيح] اهـ.

بيان حكم تطليق الولي للمجنون الذي تحت ولايته
أما الطلاق: فالأصل أنه حَقٌّ يملكه الزوج وحده؛ لما رواه ابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِنَّمَا الطَّلَاقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ»، فلا يملك أحدٌ غير الزوج طلاق امرأته إلا إذا فوَّضه هو في ذلك، فيجوز حينئذٍ؛ لأن الأصل أن يتصرف الإنسان بنفسه، لكن هذا الأصل فيمن تصح عبارته، ولذلك فإن المجنون لا يصح طلاقه حال جنونه، ويصح ويعتبر حال إفاقته؛ وقد روى الأربعة -واللفظ للنسائي- عن علي وعائشة رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبُرَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ أَوْ يُفِيقَ».

بيان أراء الفقهاء في حكم تطليق الولي للمجنون
قد اختلف الفقهاء: هل للولي أن يطلق زوجة المجنون الذي تحت ولايته عليه؟ فذهب الجمهور إلى أنه ليس له ذلك، وهو مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة.
يقول الإمام السرخسي الحنفي في كتابه "المبسوط" (25/ 24، ط. دار المعرفة، بيروت): [ولو كان للصبي امرأة فخلعها أبوه أو أجنبي أو طلَّقها أو أعتق عبده, ثم أجاز الصبي بعد ما كبر فهو باطل؛ لأنه لا مجيز لهذا التصرف عند وقوعه، فالطلاق والعتاق محض ضرر عاجل في حقه فلا يعتبر فيه عقله ولا ولاية الولي عليه؛ لأن ثبوت الولاية عليه لتوفير المنفعة له لا للإضرار به] اهـ.
وقد ذكر الحنفية أن المجنون حال جنونه كالصبي في أحكامه -كما يستفاد من "رد المحتار" للعلامة ابن عابدين (3/ 25، ط. دار الكتب العلمية)-؛ وليس ذلك إلا لاشتراكهما في فقدان أهلية الأداء، والجنونُ والصغرُ من الأسباب الموجبة للحَجر.
وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في "أسنى المطالب" من كتب الشافعية (2/ 212، ط. دار الكتاب الإسلامي): [(فرعٌ: لا يعاملُ الطفلَ وصيٌّ).. والقاضي وأمينه كالوصي، والمجنون والسفيه كالطفل.. (ولا يُطلِّق زوجته ولا يخالعها)؛ لأن الطلاق لمن أخذ بالساق] اهـ.
وقال العلامة البُهوتي في "شرح منتهى الإرادات" من كتب الحنابلة (3/ 59، ط. عالم الكتب): [(وليس لأب صغيرة أن يخالع) زوجها (من مالها) كغيره من الأولياء؛ لأنه لا حظ لها فيه، (ولا لأب) زوج صغير أو مجنون أو (سيدهما)، أي: الصغير والمجنون (أن يخالعا أو يطلِّقا عنهما)، أي: الصغير والمجنون؛ لحديث: «الطَّلاقُ لمَن أخذَ بالسَّاقِ»] اهـ.
ومستند هذا القول: أن الأصل أن الطلاق بيد الذي يحل له الفرج -كما أشار إليه حديث ابن ماجه السابق-، ولأنه إسقاط لحَقِّ المجنون فلم يملكه الوَلِيّ؛ كالإبراء من الدَّين، وإسقاط القصاص، ولأن طَرِيقَهُ الشهوةُ فلم يدخل في الولاية. "المغني" (7/ 270، ط. دار إحياء التراث العربي).
وقد نُقِل عن بعض السلف جواز تطليق الولي زوجة المجنون الذي تحت ولايته إن كان في ذلك مصلحة له؛ قال عطاء: يُطَلِّق وَلِيّ المُوَسوَس، ولينظر عسى أن يفيق، وقال سعيد بن المسيب: طلاق المعتوه المغلوب على عقله ليس بشيء، طلاقه إلى وَليِّه. "مصنف ابن أبي شيبة" (4/ 27).

وهو أيضًا قول المالكية؛ جاء في "مختصر خليل وشرحه" للعلامة الخرشي (4/ 17، ط. دار الفكر): [(ص) وموجبه -أي: الخلع- زوج مكلف. (ش) أي: وموجب العوض على ملتزمه من زوجة أو غيرها زَوجٌ مُكَلَّف، أي: صدور الطلاق مِن زوج.. فلا يجب العوض بطلاق صبي ولا مجنون، وبعبارة وموجبه: أي: طلاق الخلع، أي: موقعه، لا العوض.. (ولو سفيهًا).. (ص) أو وَلِيّ صغير أبًا أو سيدًا أو غيرهما (ش) أي: كما يوجبه طلاق زوج مكلَّف يوجبه أيضًا وَلِيّ صغير، أي: صدور طلاق منه، كان الولي أبًا أو سيدًا أو وصيًّا أو سلطانًا أو مقام سلطان على وجه النظر -أي: المصلحة- في الجميع، ويلزم الصغير طلقة بائنة.. ومثل الصغير المجنون؛ فالنظر لوليه] اهـ.

والخُلع طلاقٌ عند المالكية كما هو معلوم. "مواهب الجليل" للحطاب (4/ 19، ط. دار الفكر)، و"الشرح الصغير" لسيدي أحمد الدردير (2/ 518 مع "حاشية الصاوي"، ط. دار المعارف).

ويرى بعض الحنابلة جواز أن يُطَلِّق وَلِيُّ المجنون عليه، لكن ليس ذلك في عموم الأولياء، بل هو عندهم في خصوص الأب دون غيره ممن يملك التزويج؛ كوَصِيّ الأب والحاكم؛ لأنها ولاية يستفيد بها المجنون ملك البُضع، فجاز أن يملك بها إزالته. "المغني" (7/ 41).

بيان موقف القانون المصري وفتوى دار الإفتاء في حكم تطليق ولِيّ المجنون 
القانون المصري لم يُصَرِّح في مواده بحُكم تطليق ولِيّ المجنون على من تحت ولايته، إلا أن الفقه القانوني سار على مذهب الجمهور. انظر: "موسوعة الفقه والقضاء في الأحوال الشخصية" للمستشار محمد عزمي البكري (4/ 20، ط. دار محمود)، وقد جاء في المذكرة الإيضاحية لتعديلات قانون الأحوال الشخصية رقم (100) لسنة 1985م أن الأحكام القانونية الخاصة بالأحوال الشخصية إن لم يُنَص عليها فإنه يُحكَم فيها بأرجح الأقوال من مذهب أبى حنيفة، ما عدا ما استثني مِن ذلك. وهو ما أفتت به دار الإفتاء المصرية سابقًا؛ فقد جاء في الفتوى الصادرة عن مفتي الديار المصرية الأسبق ورأس السادة الحنفية في زمانه الشيخ بكري الصدفي بتاريخ جمادى الأولى 1328هـ ما نَصُّه: [مَن فيه أهلية الطلاق هو: الزوج العاقل البالغ المستيقظ، فلا يقع طلاق والد الصغير ولا طلاق المجنون ولا طلاق النائم ولا طلاق الصبي ولو مراهقًا] اهـ، وبنحوه في فتوى أخرى للشيخ حسن مأمون -المفتي الأسبق- بتاريخ أول رمضان 1378هـ الموافق 10 مارس 1959م.

الخلاصة
على ذلك: فليس للولي أن يطلِّق زوجة المحجور عليه لجنون، وإن رأى ذلك فله رفع الأمر إلى القاضي للنظر فيه، فالقاضي وحده هو من يملك إيقاع الطلاق في مثل هذه الحالة إذا تَحَقَّق عنده ما يوجب الطلاق شرعًا.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

حكم دفع الزكاة لدار الأيتام من أجل كفالة طفل

تاريخ الفتوى: 03 فبراير 2025 م

رقم الفتوى: 8551

من فتاوى: فضيلة أ. د/ نظير محمد عياد - مفتي الجمهورية

التصنيف: الزكاة

السؤال:

ما حكم دفع الزكاة لدار الايتام من أجل كفالة طفل؟ فأنا أتبرع لإحدى دور الرعاية بهدف كفالة طفل من الأيتام أو فاقدي الرعاية الأبوية ممن ترعاهم الجمعية. فهل يجوز تخصيص هذا المبلغ من زكاة المال؟

الجواب:

اليتيم الذي لا يملك ما يفي باحتياجاته مصرفٌ من مصارف الزكاة، يجوز دفع الزكاة له إن كان بالغًا عاقلًا رشيدًا، وإن كان صغيرًا ضعيفًا دُفعت الزكاة لكافله القائم بأمر رعايته وسد حاجته المادية من طعام وشراب وكسوة، والمعنوية من تربية وإصلاح وتهذيب، والقائمون على دور الأيتام والعاملون عليها هم في حكم ولي اليتيم من جهة الرعاية والعناية به، ومن ثمَّ فيجوز احتساب ما يتبرع به المسلم لإحدى دور الرعاية بهدف كفالة طفل من الأيتام أو فاقدي الرعاية الأبوية -من مال الزكاة بشرط أن تكون النية عند الإخراج هي الزكاة لا محض الصدقة أو التبرع.

بيان فضل كفالة اليتيم

حث الإسلام على كفالة اليتيم ورعايته والإحسان إليه، وبشر كافله والقائم على أمره بالجنة، قال صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ ضَمَّ يَتِيمًا بَيْنَ أَبَوَيْنِ مُسْلِمَيْنِ حَتَّى يَسْتَغْنِيَ، فَقَدْ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ» أخرجه الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، وأبو يعلى في "مسانيدهم"، والطبراني في معجمَيْه "الكبير" و"الأوسط"، والبيهقي في "شعب الإيمان"؛ بل بمرافقة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ كَهَاتَيْنِ فِي الْجَنَّةِ» وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى. رواه البخاري.

ويستوي في الأمر بكفالة اليتيم ورعايته اجتماعيًّا وتربويًّا من كان غنيًّا أو فقيرًا.

حكم دفع الزكاة لليتيم إذا كان فقيرا محتاجا

إذا كان اليتيم فقيرًا محتاجًا بأن لم يكن له مال يكفي احتياجاته، زاد على الأمر بكفالته ورعايتِه: استحقاقه للزكاة؛ لدخوله دخولًا أوليًّا في مصرف الفقراء والمساكين في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 60]؛ وذلك لِمَا اجتمع عليه من عوامل الضعف: ضعف اليتم، وضعف الصغر، وضعف الفقر، وما يلزم عن ذلك من احتياجات مادية ونفسية وعقلية، فكان أحق بالزكاة وأولى من غيره ممن لم يجتمع فيه كل هذا الضعف.

قال الإمام ابن الملقن في "التوضيح لشرح الجامع الصحيح" (10/ 303، ط. دار النوادر): [قال ابن المسيب: أَوْلَى الناس بزكاة مالي: يتيمٌ، ومن كان مني] اهـ.

فإذا كان اليتيم الفقير بالغًا عاقلًا رشيدًا دُفعت إليه الزكاة لإعانته على القيام بأمر نفسه، وإن كان صغيرًا ضعيفًا دُفعت الزكاة لكافله القائم بأمر رعايته وسد حاجته المادية من طعام وشراب وكسوة، والمعنوية من تربية وإصلاح وتهذيب.

حكم دفع الزكاة لدور رعاية الأطفال الأيتام

دور رعاية الأيتام مؤسسات تكفلت بأمر الأيتام الذين فقدوا الأوصياء عليهم من أسرهم، وتعهدت باحتضانهم ورعايتهم والقيام على سد حاجتهم وتهذيبهم، فأصبحت بذلك بمثابة الولي عليهم، فكان دفع الزكاة إليها هو سبيل الكفالة المالية لمن تعول من أيتام وفقراء.

قال العلامة السمرقندي الحنفي في "تحفة الفقهاء" (1/ 308، ط. دار الكتب العلمية): [وذكر في "العيون" عن أبي يوسف أن من عال يتيمًا فجعل يكسوه ويطعمه وينوي به عن زكاة ماله قال: يجوز، وقال محمد: ما كان من كسوة يجوز، وما كان من طعام لا يجوز إلا ما دفع إليه، وهذا مما لا خلاف فيه بينهما في الحقيقة، فإن أبا يوسف لم يرد إلا الإطعام على طريق الإباحة ولكن على وجه التمليك إن كان اليتيم عاقلًا يدفع إليه، وإن لم يكن عاقلًا يقبض عنه بطريق النيابة ثم يطعمه ويكسوه؛ لأن قبض الولي كقبضه] اهـ.

وقال الامام الحطاب الرُّعيني المالكي في "مواهب الجليل" (2 /347، ط. دار الفكر): [تقدم عن البرزلي أن اليتيمة تعطى من الزكاة ما تصرفه في ضروريات النكاح والأمر الذي يراه القاضي حسنًا في حق المحجور، فعلى هذا فمن ليس معها من الأمتعة والحلي ما هو من ضروريات النكاح تعطى من الزكاة من باب أولى، فتأمله، والله أعلم] اهـ.

وقال العلامة تقي الدين الحصني الشافعي في "كفاية الأخيار" (1/ 507، ط. دار الخير): [لو كان اليتيم مسكينًا أعطي بسهم اليتيم؛ لأنه صفة لازمة، والمسكنة زائلة. قاله الماوردي، قلت: وفيه نظر؛ لأن اليتم صفة محققة الزوال عند الحياة لا محالة بالبلوغ، والمسكنة قد تستمر إلى الممات إلا أن يزول اللزوم في الحال. والله أعلم] اهـ.

قال العلامة البهوتي الحنبلي في "كشاف القناع" (5/ 175، ط. وزارة العدل): [(وإن تبرع) المزكِّي (بنفقة قريب) لا تلزمه نفقته (أو) بنفقة (يتيم أو غيره) من الأجانب (ضمَّه إلى عياله، جاز دفعها إليه) لوجود المقتضي] اهـ.

حكم اشتراط نية الزكاة عند التبرع لدور رعاية الأيتام

يشترط لصحة اعتبار المتبرع به من الزكاة توفر نية الزكاة حال الإعطاء لا أن تتأخر عنه، والنية محلها القلب فلا يشترط التلفظ بها، فإذا أراد الإنسان أن يتبرع لإحدى دور الأيتام وأراد أن يحتسب هذا التبرع من زكاة ماله، فيشترط لذلك أن تسبق نية الزكاة إخراج المال، ولا يجوز أن تكون النية لاحقة له؛ لأن الزكاة عبادة يشترط لصحتها توفر النية حال الإعطاء، فلا يسقط عن المكلف فرض الزكاة إن أخرج المال الواجب عليه دون أن ينوي أنه زكَّاه، وعلى ذلك تواردت نصوص الفقهاء.

قال العلامة فخر الدين الزيلعي الحنفي في "تبيين الحقائق" (1/ 257، ط. المطبعة الأميرية): [وشرط أدائها نية مقارنة للأداء أو لعزل ما وجب أو تصدق بكله) أي شرط صحة أداء الزكاة نية مقارنة للأداء أو لعزل مقدار الواجب أو تصدق بجميع النصاب؛ لأنها عبادة فلا تصح بدون النية] اهـ.

وقال الإمام ابن عبد البر المالكي في "الكافي في فقه أهل المدينة" (1/ 302، ط. مكتبة الرياض الحديثة): [لا يجزئ إخراج الزكاة إلا بنية عند إخراجها وقسمتها] اهـ.

قال العلامة الدميري الشافعي في "النجم الوهاج" (3/ 255، ط. دار المنهاج): [(وتجب النية)؛ لعموم حديث: «الأعمال بالنيات»، ومقصوده: أن النية هنا ركن -كالصلاة- ومحلها القلب على الأصح كما تقدم... فلو تصدق بجميع ماله ولم ينو الزكاة لم تسقط عنه الزكاة عندنا] اهـ.

قال الإمام ابن قدامة الحنبلي في "المغني" (2/ 476، ط. مكتبة القاهرة): [مسألة: قال: (ولا يجوز إخراج الزكاة إلا بنية)] اهـ.

الخلاصة

بناء على ذلك وفي واقعة السؤال: فإن اليتيم الذي لا يملك ما يفي باحتياجاته مصرفٌ من مصارف الزكاة، يجوز دفع الزكاة له إن كان بالغًا عاقلًا رشيدًا، وإن كان صغيرًا ضعيفًا دُفعت الزكاة لكافله القائم بأمر رعايته وسد حاجته المادية من طعام وشراب وكسوة، والمعنوية من تربية وإصلاح وتهذيب، والقائمون على دور الأيتام والعاملون عليها هم في حكم ولي اليتيم من جهة الرعاية والعناية به، ومن ثمَّ فيجوز لكَ احتساب ما تتبرع به لإحدى دور الرعاية بهدف كفالة طفل من الأيتام أو فاقدي الرعاية الأبوية -من مال الزكاة بشرط أن تكون نيتك عند الإخراج هي الزكاة لا محض الصدقة أو التبرع.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

الطعن 7111 لسنة 82 ق جلسة 22 / 3 / 2023 مكتب فني 74 ق 57 ص 369

جلسة 22 من مارس سنة 2023
برئاسة السيد القاضي / إسماعيل عبد السميع "نائب رئيس المحكمة"، وعضوية السادة القضاة / سمير عبد المنعم، الدسوقي الخولي، خالد مدكور وطارق تميرك "نواب رئيـس المحكمة".
------------------
(57)
الطعن رقم 7111 لسنة 82 القضائية
عمل "عقد العمل: التزامات وسلطة صاحب العمل".
إلزام صاحب العمل بتحرير عقد عمل للعامل. مناطه. تضمنه الأجر المتفق عليه وطريقة وموعد الوفاء به. تقاعسه عن ذلك. مؤداه. للعامل وحده الحق في إثبات علاقة العمل بكافة طرق الإثبات. تقدير أجره. المادتان 32، 36 ق العمل 12 لسنة 2003. اطراح الحكم المطعون فيه شهادة شاهدي الطاعنة بثبوت علاقة العمل بينها وبين المطعون ضدها استنادًا لتعارضها مع أقوال الطاعنة بشأن تحديد الأجر رغم أن الاختلاف في تحديد الأجر لا ينفي ثبوت علاقة العمل. فساد ومخالفة للقانون. علة ذلك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مؤدى النص في المادتين ۳۲، ٣٦ من قانون العمل الصادر بالقانون رقم ١٢ لسنة ۲۰۰۳ أن المشرع ألزم صاحب العمل بتحرير عقد عمل للعامل يتضمن الأجر المتفق عليه وطريقة وموعد الوفاء به، فإن تقاعس صاحب العمل عن الوفاء بهذا الالتزام كان للعامل وحده الحق في إثبات علاقة العمل بكافة شروطها بكافة طرق الإثبات بما فيها شهادة الشهود، ويكون تقدير أجره في هذه الحالة وفقًا للمنصوص عليه باتفاقية العمل الجماعي أو لائحة المنشأة، فإن لم تتضمن اللائحة أو الاتفاقية تحديدًا للأجر تم تقديره بأجر المثل إن وجد، وإلا قدر طبقًا لعرف المهنة فإن لم يوجد عرف تولت المحكمة تقديره وبما لا يقل عن الحد الأدنى للأجور المقررة بمعرفة المجلس القومي للأجور؛ لما كان ذلك، وكان الثابت من شهادة شاهدي الطاعنة أمام محكمة أول درجة أنها التحقت بالعمل بأجر تدرج من ۲۸۰ جنيهًا شهريًا إلى ٧٥٠ جنيهاً إلى ١٠٤٠ جنيهًا، وأنها استمرت في العمل حتى اضطرت لتركه في سنة ۲۰۰۹ بسبب رفض المطعون ضدها التأمين عليها، وإذ أطرح الحكم المطعون فيه الدليل المستمد من شهادة هذين الشاهدين بشأن ثبوت علاقة العمل بين الطاعنة والمطعون ضدها المدة من 1/11/2004 حتى 15/7/2009 بمقولة تعارضها مع أقوال الطاعنة بشأن تحديد الأجر، رغم أن الاختلاف في تحديد الأجر لا يكفي لإطراح الدليل المستمد من هذه الشهادة بشأن ثبوت علاقة العمل، إذ إن المشرع تولى بيان كيفية تحديد الأجر في حالة عدم وجود عقد عمل مكتوب على نحو ما سلف، فإنه يكون فضلًا عما شابه من فساد في الاستدلال قد خالف القانون.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المحكمــة
بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع التقرير الذي تلاه السيد القاضي المقرر، والمرافعة، وبعد المداولة.
حيث إن الطعن استوفى أوضاعه الشكلية.
وحيث إن الوقائع -على ما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر الأوراق- تتحصل في أن الطاعنة وبعد أن تعذر على مكتب العمل المختص تسوية النزاع بينها وبين المطعون ضدها - شركة .... للملابس الجاهزة - أقامت عليها الدعوى رقم .... لسنة ۲۰۰۹ عمال الإسكندرية الابتدائية انتهت فيها إلى طلب الحكم بإلزام المطعون ضدها أن تحرر عقد عمل لها عن مدة عملها لديها المدة من 1/11/2004 حتى 15/7/2009 وإعادتها إلى عملها وصرف ما لم يصرف لها من مستحقات وأن تؤدي إليها تعويضًا جابرًا للأضرار الناجمة عن فصلها من العمل والمقابل النقدي عن إجازاتها السنوية غير المستنفدة والاشتراك عنها بالهيئة القومية للتأمين الاجتماعي تأسيسًا على أنها التحقت بالعمل لديها اعتبارًا من 1/11/2004 بأجر مقداره (٧٥۰ جنيهًا) شهريًا، واستمرت في العمل حتى اضطرت لتركه في 15/7/2009 بسبب رفض المطعون ضدها تحرير عقد عمل لها والاشتراك عنها بالتأمينات الاجتماعية، ومن ثم فقد أقامت الدعوى بطلباتها سالفة البيان، أحالت المحكمة الدعوى إلى التحقيق، وبعد أن استمعت إلى شاهدي الطاعنة وشاهدي المطعون ضدها حكمت بتاريخ 27/2/2011 بإلزام المطعون ضدها بتحرير عقد عمل للطاعنة عن مدة عملها لديها من 1/11/2004 حتى 15/7/2009 والاشتراك عنها في التأمين الاجتماعي، وأن تؤدي إليها مبلغ (٢٦٢٥ جنيهًا) المقابل النقدي عن إجازاتها السنوية غير المستنفدة ورفضت ما عدا ذلك من طلبات. استأنفت المطعون ضدها هذا الحكم بالاستئناف رقم .... لسنة ٦٧ ق الإسكندرية، كما استأنفته الطاعنة أمام ذات المحكمة بالاستئناف رقم .... لسنة ٦٧ ق، وبعد أن ضمت المحكمة الاستئنافين حكمت بتاريخ 29/2/2012 بإلغاء الحكم المستأنف ورفض الدعوى. طعنت الطاعنة في هذا الحكم بطريق النقض، وقدمت النيابة مذكرة أبدت فيها الرأي بنقض الحكم المطعون فيه، عُرض الطعن على هذه المحكمة - في غرفة المشورة - فحددت جلسة لنظره وفيها التزمت النيابة رأيها.
وحيث إن مما تنعاه الطاعنة على الحكم المطعون فيه مخالفة القانون والفساد في الاستدلال، إذ قضى برفض دعواها بمقولة عدم اطمئنان المحكمة لشهادة شاهديها لتناقض هذه الشهادة مع أقوالها بشأن الأجر الذي كانت تتقاضاه، رغم أن شهادة شاهديها لا يوجد ثمة تعارض بينها وبين أقوالها بشأن واقعة ثبوت علاقة العمل المدة من 1/11/2004 حتى 15/7/2009 لدى الشركة المطعون ضدها، وأيضًا بشأن واقعة سبب إنهاء الخدمة التي تمثلت في رفض المطعون ضدها تحرير عقد عمل لها والاشتراك عنها في التأمين الاجتماعي، وهو ما يعيب الحكم ويستوجب نقضه.
وحيث إن هذا النعي في محله، ذلك أن النص في المادة (۳۲) من قانون العمل الصادر بالقانون رقم ١٢ لسنة ۲۰۰۳ على أن "يلتزم صاحب العمل بتحرير عقد العمل كتابة باللغة العربية من ثلاث نسخ، يحتفظ صاحب العمل بواحدة ويسلم نسخة للعامل وتودع الثالثة مكتب التأمينات الاجتماعية المختص. ويجب أن يتضمن العقد على الأخص البيانات الآتية: (أ) ... (ب)... (ج) ... (د) الأجر المتفق عليه وطريقة وموعد أدائه ... وإذا لم يوجد عقد مكتوب، للعامل وحده إثبات حقوقه بكافة طرق الإثبات ..."، والنص في المادة (٣٦) من ذات القانون على أن "يحدد الأجر وفقًا لعقد العمل الفردي أو اتفاقية العمل الجماعي أو لائحة المنشأة، فإذا لم يحدد الأجر بأي من هذه الطرق استحق العامل أجر المثل إن وجد، وإلا قدر الأجر طبقًا لعرف المهنة في الجهة التي يؤدي فيها العمل، فإن لم يوجد عرف تولت المحكمة العمالية المنصوص عليها في المادة (٧١) من هذا القانون تقدير الأجر وفقًا لمقتضيات العدالة، وذلك كله مع مراعاة حكم المادتين (35،34) من هذا القانون." يدل على أن المشرع ألزم صاحب العمل بتحرير عقد عمل للعامل يتضمن الأجر المتفق عليه وطريقة وموعد الوفاء به، فإن تقاعس صاحب العمل عن الوفاء بهذا الالتزام كان للعامل وحده الحق في إثبات علاقة العمل بكافة شروطها بكافة طرق الإثبات بما فيها شهادة الشهود، ويكون تقدير أجره في هذه الحالة وفقًا للمنصوص عليه باتفاقية العمل الجماعي أو لائحة المنشأة، فإن لم تتضمن اللائحة أو الاتفاقية تحديدًا للأجر تم تقديره بأجر المثل إن وجد، وإلا قدر طبقًا لعرف المهنة، فإن لم يوجد عرف تولت المحكمة تقديره وبما لا يقل عن الحد الأدنى للأجور المقررة بمعرفة المجلس القومي للأجور؛ لما كان ذلك، وكان الثابت من شهادة شاهدي الطاعنة أمام محكمة أول درجة أنها التحقت بالعمل بأجر تدرج من ۲۸۰ جنيهًا شهريًا إلى ٧٥٠ جنيهًا إلى ١٠٤٠ جنيهًا، وأنها استمرت في العمل حتى اضطرت لتركه في سنة ۲۰۰۹ بسبب رفض المطعون ضدها التأمين عليها، وإذ أطرح الحكم المطعون فيه الدليل المستمد من شهادة هذين الشاهدين بشأن ثبوت علاقة العمل بين الطاعنة والمطعون ضدها المدة من 1/11/2004 حتى 15/7/2009 بمقولة تعارضها مع أقوال الطاعنة بشأن تحديد الأجر، رغم أن الاختلاف في تحديد الأجر لا يكفي لإطراح الدليل المستمد من هذه الشهادة بشأن ثبوت علاقة العمل، إذ إن المشرع تولى بيان كيفية تحديد الأجر في حالة عدم وجود عقد عمل مكتوب على نحو ما سلف، فإنه يكون فضلًا عما شابه من فساد في الاستدلال قد خالف القانون بما يوجب نقضه دون حاجة لبحث باقي أوجه الطعن، وإذ حجبه هذا الخطأ عن بحث موضوع استئناف الطاعنة، فإنه يتعين أن يكون مع النقض الإحالة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حكم الوصية لأحد الورثة من ذوي الهمم

تاريخ الفتوى: 26 ديسمبر 2013 م

رقم الفتوى: 5938

من فتاوى: الأستاذ الدكتور / شوقي إبراهيم علام

التصنيف: الوصية

السؤال:

ما حكم الوصية لوارثٍ من ذوي الهمم؟ وهو يعاني من إصابة تمنعه من الحركة.

الجواب:

لا مانع شرعًا مِن أن يوصي الإنسان بشيءٍ مِن ميراثه لذوي الهمم من ورثته، بل إنه يثاب شرعًا على هذه الوصية؛ لأنه بذلك يغنيهم عن سؤال الناس وانتظار إحسانهم.

الوصية: هي التَّبرُّع المضاف لِمَا بعد الموت. ومعنى كونه مضافًا لِمَا بعد الموت: أنَّ نفاذ هذا التبرع لا يكون إلَّا بعد موت المُوصِي، وهي جائزةٌ لغير الوارث اتفاقًا.

وفي جواز الوصية للوارث خلافٌ بين الفقهاء؛ بناء على تفسير الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجه، عن عمرو بن خارجة رضي الله عنه مرفوعًا، وأخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وحسَّنه وابن ماجه، من حديث أبي أمامة رضي الله عنه مرفوعًا: «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ»، وأخرجه الإمام الدارقطني مِن حديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما مرفوعًا بلفظ: «لَا تَجُوزُ وصيةٌ لِوَارثٍ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الوَرَثَةُ» وحَسَّنَهُ الحافظ ابن حجر، كما أخرجه الدارقطني أيضًا مِن حديث عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جده رضي الله عنهما بلفظ: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ إِلَّا أَنْ يُجِيزَ الْوَرَثَةُ».

ومجموع هذه الطرق والروايات وغيرها يقتضي أنَّ هذا الحديث صحيحٌ ثابتٌ.

والحديث يحتمل أكثر مِن معنى:

- فيحتمل أن الوصية للوارث باطلةٌ ولا تصح أصلًا، وبذلك قال المزني وداود الظاهري والتقي السبكي.

- ويحتمل أن إجازة الوصية للوارث موقوفةٌ على إذن الورثة، وبذلك قال جمهور العلماء، وحُكِيَ عليه الإجماع.

- ويحتمل أن معناه نفي وجوب التوصية لا نفي صحتها أو لزومها إذا صَدَرَت، وأن الوصية للوارث جائزةٌ وصحيحةٌ بِنَصِّ قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيۡكُمۡ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوۡتُ إِنْ تَرَكَ خَيۡرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعۡرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 180]، وهذا قول الإمام الهادي والناصر وأبي طالب وأبي العباس كما حكاه عنهم صاحب "البحر" مِن الهادوية؛ محتجين بأن نسخ الوجوب لا يستلزم نسخ الجواز.

وبهذا الرأي الأخير أخذ القانون المصري: فأجاز في مادته 37 بالقانون رقم 71 لسنة 1946م الوصية للوارث؛ فجاء فيها: [تصح الوصية بالثلث للوارث وغيره، وتنفذ مِن غير إجازة الورثة، وتصح بما زاد على الثلث ولا تنفذ الزيادة إلا إذا أجازها الورثة بعد وفاة الموصي وكانوا من أهل التبرع عالمين بما يجيزونه] اهـ.

ومِن المعلوم أن حُكم الحاكم يرفع الخلاف، وأن لولي الأمر أن يتخير ما شاء مِن أقوال المجتهدين، والعمل به واجبٌ، والخروج عنه حرامٌ؛ لأنه مِن قبيل الافتيات على الإمام، فمَن أوصى لوارثٍ في الديار المصرية نفذت وصيته ووجب العمل بها لذلك.

وقد يَخصُّ الإنسانُ بعضَ مَن سيَصيرون ورثتَه أو غيرَهم بشيءٍ زائدٍ في التصرف حال الحياة أو الوصية بعد الوفاة لمعنًى صحيحٍ مُعتَبَرٍ شرعًا؛ كمُوَاسَاةٍ في حاجَةٍ، أو مَرَضٍ، أو بَلَاءٍ، أو إعاقةٍ، أو كَثرَةِ عِيَالٍ، أو لِضَمَانِ حَظِّ صِغَارٍ أو لمُكافأةٍ على بِرٍّ وإحسانٍ، أو لمَزيدِ حُبٍّ، أو لمُساعَدَةٍ على تَعليمٍ، أو زواجٍ، أو غيرِ ذلك، ولا يَكونُ بذلك مُرتكِبًا للجَور أو الحَيف؛ لِوُجُودِ عِلَّة التفضيل، وبهذا يُعَلَّلُ ما وُجِد مِن تفضيلِ بَعضِ الصحابةِ رضي الله تعالى عنهم لِنَفَرٍ مِن ورثتهم على نَفَرٍ آخَر، كما رُويَ ذلك عن أبي بَكرٍ وعائشة رضي الله تعالى عنهما وغيرِهما، وبهذا يُفهَم اختيارُ الجمهورِ لِاستِحبابِ المُسَاواةِ بين الأولادِ في العَطِيَّةِ وعَدَمِ قولِهم بالوجوب.

على أنه يُرَاعَى في الوصية المستحبة ألَّا تئُول إلى تضييع الورثة وتركهم فقراء؛ بل لا بُدَّ أن تُتَوَخَّى الموازنةُ بين الحقوق وجبر الخواطر؛ فعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: عادني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع مِن وجعٍ أشفيتُ منه على الموت، فقلت: يا رسول الله، بلغَني ما ترى مِن الوجع، وأنا ذو مالٍ، ولا يرثني إلَّا ابنةٌ لي واحدة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: «لَا»، قلت: أفأتصدق بشطره؟ قال: «لَا»، ثم قال: «الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ؛ إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ» متفقٌ عليه.

وقد روى سعيد بن منصور في "التفسير"، وابن أبي الدنيا في "إصلاح المال"، وأبو عبد الله الحسين المروزي في "البر والصلة" عن الإمام الشعبي أنه قال: "ما مِن مالٍ أعظم أجرًا مِن مالٍ يتركه الرجل لولده، يغنيهم به عن الناس".

وبناءً على ذلك: فإنه لا مانع شرعًا مِن أن يوصي الإنسان بشيءٍ مِن ميراثه لذوي الهمم من ورثته، بل إنه يثاب شرعًا على هذه الوصية؛ لأنه بذلك يغنيهم عن سؤال الناس وانتظار إحسانهم.

والله سبحانه وتعالى أعلم.