الصفحات

البحث الذكي داخل المدونة

تحميل وطباعة هذه الصفحة

Print Friendly and PDF

الأحد، 13 سبتمبر 2026

الطعن 135 لسنة 2 ق جلسة 15 / 6 / 1957 إدارية عليا مكتب فني 2 ج 3 ق 120 ص 1150

جلسة 15 من يونيه سنة 1957

برياسة السيد/ السيد علي السيد رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة السيد إبراهيم الديواني والإمام الإمام الخريبي وعلي إبراهيم بغدادي ومصطفى كامل إسماعيل المستشارين.

-----------------

(120)

القضية رقم 135 لسنة 2 القضائية

(أ) مجالس المديريات 

- تمتعها بالشخصية المعنوية - رئيس المجلس هو صاحب الصفة في المنازعة الإدارية وهو الذي توجه إليه الدعوى حتى تستكمل شكلها الصحيح.
(ب) اختصاص المحاكم الإدارية 

- تبعية مجالس المديريات لوزارة الداخلية - الدعاوى المرفوعة ضد هذه المجالس تختص بها المحكمة الإدارية لوزارة الداخلية لا المحكمة الإدارية لوزارة الشئون البلدية والقروية - حجة ذلك.
(جـ) اختصاص 

- البحث في مسألة الاختصاص سابق على البحث في شكل الدعوى.

----------------
1 - إن مجلس المديرية شخص إداري عام له الشخصية المعنوية وله ميزانيته المستقلة بحكم الدستور وبمقتضى القانون رقم 24 لسنة 1934 الصادر في 11 من يونيه سنة 1934 بوضع نظام لمجالس المديريات، وله بمقتضى المادة 61 من هذا القانون أهلية التقاضي، ويمثله في ذلك رئيسه طبقاً للمادة الأولى من اللائحة الصادرة من وزير الداخلية - بالتطبيق للمادة 77 من القانون المذكور - في 26 من سبتمبر سنة 1934 بالنظام الداخلي لمجالس المديريات ولطريقة السير في أعمالها؛ وبهذه المثابة يكون هو صاحب الصفة في المنازعة الإدارية، وهو الذي توجه إليه الدعوى حتى تستكمل شكلها الصحيح.
2 - إن المحكمة الإدارية المختصة بنظر المنازعات التي ترفع ضد مجلس المديرية هي المحكمة الإدارية لوزارة الداخلية، وليست المحكمة الإدارية لوزارة الشئون البلدية والقروية؛ ذلك أن مجالس المديريات تتبع في البنيان الإداري وزارة الداخلية كما يستفاد من نصوص القانون رقم 24 لسنة 1934 بوضع نظام هذه المجالس. هذا وإذا كان مجلس المديرية بحسب القانون المذكور يتصل بجهات الحكومة عموماً، ومنها وزارة الشئون البلدية والقروية، في شتى المرافق التعليمية والزراعية والري والمواصلات والصحة وغير ذلك من المرافق العامة المتعلقة بالمديرية، إلا أن هذا الاتصال لا يعدو أن يكون تعاوناً مع جميع تلك الجهات بحكم طبيعة وظيفة مجلس المديرية والغرض من إنشائه، دون أن يكون لهذا التعاون أثر في تحديد تبعية مجلس المديرية أساساً في البنيان الإداري لوزارة الداخلية.
3 - إن البحث في الاختصاص والفصل فيه يلزم أن يكون سابقاً على البحث في شكل الدعوى.


إجراءات الطعن

في 25 من يناير سنة 1956 أودع السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة سكرتيرية المحكمة عريضة طعن أمام هذه المحكمة قيد بجدولها تحت رقم 135 لسنة 2 القضائية في الحكم الصادر من المحكمة الإدارية لوزارات الصحة والشئون البلدية والقروية بجلسة 26 من نوفمبر سنة 1955 في الدعوى رقم 1390 لسنة 1 القضائية المقامة من محروس عبد الحميد مسلم ضد وزارة الشئون البلدية والقروية، القاضي "باستحقاق المدعي لتطبيق قواعد الإنصاف الصادرة في 30 من يناير سنة 1944 على حالته باعتباره من الخدمة الخارجين عن هيئة العمال، ومنحه مرتباً شهرياً 3 ج، وما يترتب على ذلك من آثار وفروق مالية". وطلب السيد رئيس هيئة المفوضين - للأسباب التي استند إليها في صحيفة طعنه - "قبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع القضاء بإلغاء الحكم فيما قضى به من استحقاق المدعي لراتب قدره ثلاثة جنيهات، والقضاء أصلياً بعدم قبول هذا الطلب، واحتياطياً برفضه، وإلزام المدعي المصروفات". وقد أعلن هذا الطعن إلى وزارة الشئون البلدية والقروية في 4 من فبراير سنة 1956، وإلى المطعون عليه في 8 منه. وعين لنظره أمام هذه المحكمة جلسة 18 من مايو سنة 1957. وقد أودع المطعون عليه مذكرة طلب فيها تأييد الحكم المطعون فيه. ولم تقدم الحكومة مذكرة ما بملاحظاتها في الميعاد القانوني. وفي 11 من مايو سنة 1957 أبلغ الطرفان بميعاد الجلسة التي عينت لنظر الطعن، وفيها سمعت المحكمة ما رأت سماعه من إيضاحات ذوي الشأن على الوجه المبين بمحضر الجلسة، ثم قررت إرجاء النطق بالحكم في الطعن إلى جلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة، حسبما يبين من أوراق الطعن، تتحصل في أن المطعون عليه رفع التظلم رقم 1317 لسنة 2 القضائية أمام اللجنة القضائية لوزارة الشئون البلدية والقروية بعريضة أودعها سكرتيرية اللجنة في 16 من يناير سنة 1954 طلب فيها تطبيق قواعد الإنصاف الصادرة في 30 من يناير سنة 1944 على حالته بوصفه معيناً منذ 27 من نوفمبر سنة 1950 خفيراً لدورة مياه مسجد المعابدة الشرقية مركز أبنوب مديرية أسيوط بمرتب قدره 150 قرشاً شهرياً. وقد ردت وزارة الشئون البلدية والقروية على هذا التظلم بأن المتظلم عين في وظيفة خفير دورة مياه في 27 من نوفمبر سنة 1950 بمكافأة ثابتة قدرها 500 م و1 ج شهرياً، وأن وظائف خفراء دورات المياه بالمساجد كانت مدرجة بميزانية تحسين الصحة القروية بالباب الثالث بمجالس المديريات حتى 30 من إبريل سنة 1945، ثم أدرجت بميزانية مصلحة الشئون القروية ابتداء من أول مايو سنة 1945 حتى آخر فبراير سنة 1950، ثم أعيد إدراجها بميزانية تحسين الصحة القروية بمجالس المديريات اعتباراً من أول مارس سنة 1950. وأوضحت الوزارة التطورات التي لحقت الميزانية في هذا الصدد والاعتمادات الخاصة بمكافآت خفراء دورات مياه المساجد، وانتهت إلى عدم جواز إنصاف هؤلاء الخفراء لانتهاء العمل بقواعد الإنصاف في تاريخ 9 من ديسمبر سنة 1944 طبقاً لتعليمات ديوان الموظفين. وقد أحيل هذا التظلم إلى المحكمة الإدارية لوزارات الصحة والشئون البلدية والقروية والأوقاف، عملاً بالقانون رقم 147 لسنة 1954. وبجلسة 26 من نوفمبر سنة 1955 قضت المحكمة المذكورة "باستحقاق المدعي لتطبيق قواعد الإنصاف الصادرة في 30 من يناير سنة 1944 على حالته باعتباره من الخدمة الخارجين عن هيئة العمال، ومنحه مرتباً شهرياً 3 ج، وما يترتب على ذلك من آثار وفروق مالية". وأقامت قضاءها على أن قواعد الإنصاف ليست مقصورة الأثر على المعينين قبل صدورها أو قبل 9 من ديسمبر سنة 1944، بل إنها جاءت عامة ومطلقة وغير مقيدة بقيد زمني؛ إذ لم ينص فيها على سريانها على الماضي فقط، ولا سيما القاعدة الخاصة بالخدم الخارجين عن هيئة العمال الذين قصد المشرع إنصافهم وتحسين حالهم؛ فوضع معياراً يقضي بألا تقل الأجور التي تدفع لهم أو لأي شخص يعمل في الحكومة عن ثلاثة جنيهات شهرياً، ومن تقل ماهيته عن ذلك ترفع إلى هذا القدر؛ ومن ثم يكون المدعي محقاً في طلبه، ويتعين تسوية حالته وفقاً لقواعد الإنصاف بمنحه هذا الحد الأدنى لتكاليف المعيشة، دون نظر إلى كونه معيناً بمكافأة شهرية ثابتة أو كون ميزانية مجالس المديريات لا تتحمل عبء تكاليف هذا الإنصاف؛ إذ للمجالس في مثل هذه الحالة أن تطلب المعونة المادية من الحكومة على أساس أنها تقوم بخدمة مرفق عام مما تضطلع به الدولة عادة. وقد طعن السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة في هذا الحكم بعريضة أودعها سكرتيرية هذه المحكمة في 25 من يناير سنة 1956 طلب فيها "قبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع القضاء بإلغاء الحكم فيما قضى به من استحقاق المدعي لراتب قدره ثلاثة جنيهات، والقضاء أصلياً بعدم قبول هذا الطلب، واحتياطياً برفضه وإلزام المدعي المصروفات". واستند في أسباب طعنه إلى أنه لما كان المدعي مستخدماً بمجالس المديريات التي تتولى - بناء على المادة الثانية من القانون رقم 62 لسنة 1947 بشأن تحسين الصحة القروية - إدارة المشروعات التي من شأنها تحسين الصحة القروية، فإنه كان يتعين عليه أن يرفع دعواه في مواجهة ممثل المجلس التابع له، أما وقد وجهها إلى وزارة الشئون البلدية والقروية فإنها تكون غير مقبولة لانتفاء الخصومة فيها. أما عن الموضوع فإن المادة 62 من لائحة النظام الداخلي لمجالس المديريات تقضي بسريان القواعد الخاصة بتعيين موظفي الحكومة ومستخدميها وترقيتهم وفصلهم وغير ذلك من شروط الخدمة على موظفي مجالس المديريات ومستخدميها وقد كان من حق المدعي وأمثاله من المستخدمين الخارجين عن الهيئة أن يمنحوا - طبقاً لقواعد الإنصاف - مرتباً شهرياً قدره ثلاثة جنيهات كحد أدنى لمهايا المعينين في الوظائف الخارجة عن الهيئة، إلا أن ذلك منوط بتوافر الاعتماد المالي اللازم لمواجهة التكاليف الناشئة عن تنفيذ مقتضى هذا الحكم، فإذا لم يتحقق ذلك فإن قواعد الإنصاف في هذا الخصوص تصبح عديمة الأثر بسبب افتقارها إلى المال اللازم للتنفيذ، وحتى يتم توافر الاعتماد المالي فإن طلب المدعي تقرير أحقيته في الإفادة من القواعد المذكورة لا يكون له سند من القانون. وإذ ذهب الحكم المطعون فيه غير هذا المذهب فإنه يكون قد خالف القانون، وتكون قد قامت به حالة من أحوال الطعن في الأحكام أمام المحكمة الإدارية العليا.
ومن حيث إنه ثابت من الأوراق أن المدعي مستخدم خارج الهيئة تابع لمجلس مديرية أسيوط، وهذا المجلس شخص إداري عام، له الشخصية المعنوية وله ميزانيته المستقلة بحكم الدستور وبمقتضى القانون رقم 24 لسنة 1934 الصادر في 11 من يونيه سنة 1934 بوضع نظام لمجلس المديريات، وله بمقتضى المادة 61 من هذا القانون أهلية التقاضي، ويمثله في ذلك رئيسه طبقاً للمادة الأولى من اللائحة الصادرة من وزير الداخلية - بالتطبيق للمادة 77 من القانون المذكور - في 26 من سبتمبر سنة 1934 بالنظام الداخلي لمجالس المديريات ولطريقة السير في أعمالها؛ وبهذه المثابة يكون هو صاحب الصفة في المنازعة، الإدارية، وهو الذي توجه إليه الدعوى. وهنا يجب التنبيه إلى أن المادة السادسة من القانون رقم 165 لسنة 1955 في شأن تنظيم مجلس الدولة تنص على أن "تكون لكل وزارة أو مصلحة عامة أو أكثر محكمة إدارية أو أكثر يعين عددها وتحدد دائرة اختصاص كل منها بقرار من رئيس مجلس الوزراء (رئيس الجمهورية) بناء على اقتراح رئيس مجلس الدولة". وقد صدر هذا القرار في 29 من مارس سنة 1955 معيناً عدد تلك المحاكم ومحدداً دائرة اختصاص كل منها. وقد جعل المناط في تحديد هذه الدائرة أساساً هو اختصاص الجهة الإدارية بالمنازعة أي اتصالها بها موضوعاً، لا بمجرد تبعية الموظف لها عند إقامة الدعوى إذا كان لا شأن لها بموضوع هذه المنازعة أصلاً؛ وذلك لحكمة واضحة هي أن الجهة الإدارية المختصة بالنزاع أي المتصلة به موضوعاً هي - بطبيعة الحال وبحكم قيامها على المرفق العام - التي تستطيع الرد على الدعوى وإعداد البيانات وتقديم المستندات الخاصة بها، وكذلك تسوية المنازعة صلحاً أو تنفيذ الحكم في ميزانيتها عند الاقتضاء. وعلى مقتضى ما تقدم، فإن المحكمة الإدارية المختصة بنظر هذه المنازعة هي المحكمة الإدارية لوزارة الداخلية وليست المحكمة الإدارية لوزارة الشئون البلدية والقروية؛ ذلك أن مجالس المديريات تتبع في البنيان الإداري وزارة الداخلية، كما يستفاد من نصوص القانون رقم 24 لسنة 1934 بوضع نظام هذه المجالس. هذا وإذا كان مجلس المديرية - بحسب القانون المذكور - يتصل بجهات الحكومة عموماً، ومنها وزارة الشئون البلدية والقروية، في شتى المرافق التعليمية والزراعية والري والمواصلات والصحة وغير ذلك من المرافق العامة الخاصة بالمديرية، إلا أن هذا الاتصال لا يعدو أن يكون تعاوناً مع جميع تلك الجهات بحكم طبيعة وظيفة مجلس المديرية والغرض من إنشائه، دون أن يكون لهذا التعاون أثر في تحديد تبعية مجلس المديرية أساساً في البنيان الإداري لوزارة الداخلية، حسبما سلف القول.
ومن حيث إنه لكل ما تقدم تكون المحكمة الإدارية لوزارة الداخلية هي المختصة بالمنازعات الخاصة بمجالس المديريات، كما أن هذه المنازعة يجب أن توجه أساساً إلى رئيس مجلس المديرية حتى تستكمل شكلها الصحيح. ولكن لما كان البحث في الاختصاص والفصل فيه يلزم أن يكون سابقاً على البحث في شكل الدعوى، فإنه يتعين إلغاء الحكم المطعون فيه، والقضاء بعدم اختصاص المحكمة الإدارية لوزارة الشئون البلدية والقروية بنظر الدعوى، وإحالتها وفقاً لنص المادة 135 من قانون المرافعات إلى المحكمة الإدارية لوزارة الداخلية للفصل فيها.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وبإلغاء الحكم المطعون فيه، وبعدم اختصاص المحكمة الإدارية لوزارة الشئون البلدية والقروية بنظر الدعوى، وباختصاص المحكمة الإدارية لوزارة الداخلية بها، وبإحالتها إليها للفصل فيها.

الطعن 952 لسنة 54 ق جلسة 3 / 12 / 1984 مكتب فني 35 ق 190 ص 852

جلسة 3 من ديسمبر 1984

برياسة السيد المستشار/ يعيش رشدي نائب رئيس المحكمة. وعضوية السادة المستشارين: محمد الصوفي ومسعد الساعي ومحمود البارودي وعادل عبد الحميد.

-----------------

(190)
الطعن رقم 952 لسنة 54 القضائية

(1) إثبات "بوجه عام". "محكمة الموضوع" "سلطتها في استخلاص الصورة الصحيحة لواقعة الدعوى".
حق محكمة الموضوع في استخلاص الصورة الصحيحة لواقعة الدعوى.
(2) محكمة ثاني درجة. حكم "تسبيبه. تسبيب غير معيب". قتل خطأ. إصابة خطأ.
محكمة ثاني درجة تحكم في الأصل على مقتضى الأوراق.
(3) محكمة الموضوع "سلطتها في تقدير الدليل". حكم "تسبيبه. تسبيب غير معيب". إثبات "شهود".
وزن أقوال الشهود. موضوعي. مفاد الأخذ بالشهادة؟
عدم سماع المحكمة. شهود الإثبات. لا يمنعها من الأخذ بأقوالهم التي أدلوا بها في التحقيقات الأولية ما دامت مطروحة على بساط البحث.
(4) محكمة الموضوع "سلطتها في تقدير الدليل". إثبات "شهود". حكم " تسبيبه. تسبيب غير معيب".
- حق المحكمة في الأخذ برواية ينقلها شخص عن آخر متى. رأت أن هذه الأقوال قد صدرت منه حقيقة وكانت تمثل الواقع في الدعوى.
(5) محكمة الموضوع "سلطتها في تقدير الدليل". حكم "تسبيبه. تسبيب غير معيب". نقض "أسباب الطعن ما لا يقبل منها".
الجدل الموضوعي في تقدير الدليل. غير جائز أمام النقض.
(6) مرور. عقوبة. جريمة. محكمة النقض "سلطتها في تصحيح الحكم". نقض "حالاته. مخالفة القانون".
- إدانة الطاعن عن الجريمة الثالثة وهي قيادة سيارة بدون رخصة قيادة بالمادة 75 من قانون المرور رقم 66 لسنة 1973 ومعاقبته بالغرامة خمسون جنيهاً, حال أنها لا تقل عن عشرة جنيهات ولا تزيد على خمسة وعشرين جنيهاً. خطأ في تطبيق القانون. على محكمة النقض التدخل لإصلاحه لمصلحة الطاعن طبقاً للمادة 35/ 2 من القانون 57 لسنة 1959 ولو لم يرد طعن بذلك في أسباب الطعن وذلك بنقض الحكم نقضاً جزئياً وتصحيحه وفقاً للقانون.

-------------------
1 - من المقرر أن من حق محكمة الموضوع أن تستخلص من أقوال الشهود وسائر العناصر المطروحة أمامها على بساط البحث الصورة الصحيحة لواقعة الدعوى حسبما يؤدي إليه اقتناعها وأن تطرح ما يخالفها من صور أخرى ما دام استخلاصها سائغاً مستنداً إلى أدلة مقبولة في العقل والمنطق ولها أصلها في الأوراق، وهي في ذلك ليست مطالبة بالأخذ بالأدلة المباشرة بل لها أن تستخلص صورة الدعوى كما ارتسمت في وجدانها بطريق الاستنتاج والاستقراء وكافة الممكنات العقلية ما دام ذلك سليماً متفقاً مع حكم العقل والمنطق.
2 - محكمة ثاني درجة إنما تحكم في الأصل على مقتضى الأوراق وهي لا تجري من التحقيقات إلا ما ترى لزوماً لإجرائه ولا تلتزم إلا بسماع الشهود الذين كان يجب سماعهم أمام محكمة أول درجة.
3 - من المقرر أن وزن أقوال الشهود وتقدير الظروف التي يؤدون فيها شهادتهم وتعويل القضاء على أقوالهم مهما وجه إليها من مطاعن وحام حولها من الشبهات، كل ذلك مرجعه إلى محكمة الموضوع تنزله المنزلة التي تراها وتقدره التقدير الذي تطمئن إليه. وهي متى أخذت بشهاداتهم فإن ذلك يفيد أنها أطرحت جميع الاعتبارات التي ساقها الدفاع لحملها على عدم الأخذ بها، كما أن عدم سماع شهود الإثبات أمام المحكمة لا يحول من أن تعتمد في حكمها على أقوالهم التي أدلوا بها في التحقيقات الأولية ما دامت هذه الأقوال مطروحة على بساط البحث.
4 - من المقرر أنه ليس في القانون ما يمنع المحكمة من الأخذ برواية ينقلها شخص عن آخر متى رأت أن تلك الأقوال قد صدرت منه حقيقة وكانت تمثل الواقع في الدعوى.
5 - ومتى كان الطاعن لا ينازع في صحة ما نقله الحكم من أقوال الشاهدين فإن ما يثيره حول استدلال الحكم بأقوالهما ومع افتراض أن رواية الثاني منها منقولة، لا يعدو برمته أن يكون جدلاً موضوعياً في تقدير الدليل وفي سلطة المحكمة في استنباط معتقدها مما لا تجوز إثارته أمام محكمة النقض.
6 - لما كان الحكم المطعون فيه إذ دان الطاعن عن الجريمة الثالثة المسندة إليه وهي قيادة سيارة بدون رخصة قيادة وأعمل في حقه حكم المادة 75 من قانون المرور الصادر بالقانون رقم 66 لسنة 1973 - الذي يحكم واقعة الدعوى قبل تعديله بالقانون رقم 210 لسنة 1980 - والتي كانت تعاقب عن تلك الجريمة "بالحبس مدة لا تزيد على ثلاثة أشهر وبغرامة لا تقل عن عشرة جنيهات ولا تزيد على خمسة وعشرين جنيهاً أو بإحدى هاتين العقوبتين" قد قضى بتغريم الطاعن عن تلك الجريمة خمسين جنيهاً، فإنه يكون قد أخطأ في تطبيق القانون بمجاوزته الحد الأقصى لعقوبة الغرامة مما يقتضي من محكمة النقض إعمالاً لنص الفقرة الثانية من المادة 35 من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض الصادر بالقانون رقم 57 لسنة 1959 أن تتدخل لتصلح ما تردى فيه الحكم من هذا الخطأ لمصلحة الطاعن ولو لم يرد ذلك في أسباب الطعن، ومن ثم يتعين نقض الحكم المطعون فيه نقضاً جزئياً وتصحيحه بجعل الغرامة المقضى بها عن الجريمة الثالثة خمسة وعشرين جنيهاً ورفض الطعن فيما عدا ذلك.


الوقائع

اتهمت النيابة العامة الطاعن بأنه 1 - تسبب خطأ في موت..... و...... و ...... و....... وكان ذلك ناشئاً عن إهماله وعدم مراعاته للقوانين واللوائح بأن قاد المركبة رقم..... نقل القاهرة بدون رخصة قيادة وبحالة تعرض الأشخاص للخطر فانحرف بالمركبة إلى الطريق المضاد واصطدم بالمركبة رقم....... ملاكي إسكندرية وتسبب في إصابات المجني عليهم والتي أودت بحياتهم.
2 - تسبب خطأ في إصابة..... و...... و..... وكان ذلك بالكيفية سابقة الذكر.
3 - قاد سيارة بدون رخصة قيادة.
4 - قاد سيارة بحالة تعرض حياة الأشخاص للخطر. وطلبت عقابه بالمادتين 238/ 1، 3، 244/ 1 من قانون العقوبات والمواد 1، 2، 4، 34، 75/ 3، 77، 78، 79 من القانون رقم 66 لسنة 1973 والمادتين 2، 16 من اللائحة.
وقد ادعى كلاً من...... عن نفسه وبصفته ولياً شرعياً على أحفاده القصر ...... و...... و...... مدنياً قبل المتهم وشركة التامين الأهلية بإلزامهما متضامنين بأن يدفعا لهم مبلغ واحد وخمسين جنيهاً على سبيل التعويض المؤقت كما ادعى كلاً من..... و...... و..... و...... و ...... و...... مدنياً قبل المتهم وشركة التامين الأهلية بأن يدفعا متضامنين لهم مبلغ واحد وخمسين جنيهاً على سبيل التعويض المؤقت والمصاريف ومقابل أتعاب المحاماة.
ومحكمة جنح...... قضت حضورياً عملاً بمواد الاتهام مع تطبيق المادة 32 عقوبات بحبس المتهم سنة مع الشغل وبإلزامه بأن يؤدي بالتضامن مع شركة التامين الأهلية لكل من...... عن نفسه وبصفته ولياً شرعياً على أحفاده القصر..... و...... و...... مبلغ واحد وخمسين جنيهاً على سبيل التعويض المؤقت وإلزامه بأن يؤدي بالتضامن مع شركة التامين الأهلية لكل من...... و...... و..... و...... و..... و..... و...... مبلغ واحد وخمسين جنيهاً على سبيل التعويض المؤقت والمصروفات ومبلغ مائتي قرش مقابل أتعاب المحاماة وقدرت كفالة خمسين جنيهاً لإيقاف التنفيذ.
فاستأنف المحكوم عليه.
ومحكمة...... الابتدائية - بهيئة استئنافية - قضت حضورياً بقبول الاستئناف شكلاً وفي الموضوع بإجماع الآراء برفض استئناف المتهم وتأييد الحكم المستأنف مع إضافة غرامة للمتهم خمسين جنيهاً للتهمة الثالثة وألزمت المتهم بمصروفات الدعوى المدنية عن الدرجتين.
فقرر الأستاذ.... المحامي نائباً عن المحكوم عليه الطعن في هذا الحكم بطريق النقض..... إلخ.


المحكمة

حيث إن مبنى الطعن هو أن الحكم المطعون فيه إذ دان الطاعن بجرائم القتل والإصابة الخطأ وقيادة سيارة بطريقة تعرض الأرواح والأموال للخطر وبدون رخصة قيادة قد انطوى على خطأ في الإسناد وإخلال بحق الدفاع وفساد في الاستدلال، ذلك بأن الحكم الابتدائي المأخوذ بأسبابه بالحكم المطعون فيه أقام قضاءه على افتراض مؤداه أن الطاعن هو الذي كان يقود السيارة النقل وقت وقوع الحادث دون سائقها الذي توفي استناداً إلى أن معاينة الشرطة أسفرت عن تلفيات السيارة كانت من الجانب الأيمن حيث أصيب سائق السيارة بالإصابات التي أودت بحياته بينما لم تحدث بالطاعن أية إصابات وأطرحت المحكمة الشهادة الطبية المقدمة منه في هذا الخصوص استناداً إلى أنه لم يذكر وجود أية إصابات به لدى سؤاله بمحضر الشرطة، في حين أن الثابت من معاينة محرر المحضر أن كابينة السيارة النقل بها اعوجاج إلى جهة اليمين وأنه وجدت بقعة كبيرة من الدماء بأقصى يمين الطريق المؤدي إلى الإسكندرية أي بجوار عجلة قيادة السيارة النقل الأمر الذي يستفاد منه أن الصدمة اتجهت إلى يسار الكابينة حيث كان يجلس سائق السيارة المتوفى، كما أن الثابت من محضر الشرطة أن الطاعن ذكر لدى سؤاله أنه مصاب من الجهة اليمني، هذا إلى أن الحكم أثبت أن الطاعن لم يقدم مذكرات في حين أنه قدم مذكرة طلب فيها استدعاء شاهدي الإثبات ثم أن الطاعن طلب أمام محكمة ثاني درجة سماع هذين الشاهدين وكذلك محرر المحضر الذي سبق أن قررت المحكمة استدعاءه ومع ذلك فلم تجب المحكمة الطاعن إلى هذا الطلب، وأخيراً فعلى الرغم من أن الشاهدين لم يتقدما تلقائياً عقب الحادث لسماعهما ولم يدليا بشهادتهما أمام المحكمة بعد حلف اليمين وثبت من محاولة الطاعن إعلانهما أنه لم يستدل عليهما وقدم الطاعن ما يثبت أن أولهما فصل من الخدمة لسوء سلوكه وجاءت أقوال الشاهد الثاني منقولة فقد عول الحكم على أقوالهما، وكل ذلك يعيب الحكم المطعون فيه بما يستوجب نقضه.
وحيث إن الحكم الابتدائي المأخوذ بأسبابه والمكمل بالحكم المطعون فيه بين واقعة الدعوى بما تتوافر به جميع العناصر القانونية لجرائم القتل والإصابة الخطأ وقيادة السيارة بطريقة تعرض الأرواح والأموال للخطر وبدون رخصة قيادة التي دان الطاعن بها وأورد على ثبوتها في حقه أدلة سائغة من شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه الحكم عليها. لما كان ذلك، وكان ما يثيره الطاعن من أن الصدمة اتجهت إلى يسار كابينة السيارة النقل حيث كان يجلس السائق المتوفى مردوداً بما هو ثابت عكس ذلك من المفردات المضمومة من أنه تبين من معاينة السيارة النقل وجود "تطبيق الباب الأمامي الأيمن واعوجاج كابينة السيارة ناحية اليمين وتطبيق الرفرف الأمامي الأيمن وتطبيق حاجز التصادم الأمامي وتطبيق جانب صندوق السيارة من الجهة اليمنى, وكان الواضح من سياق قول الحكم تأييداً لإطراحه الشهادة الطبية التي قدمها الطاعن - والتي جاء بها أنه مصاب "بجروح سطحية وسحجات بجدار البطن من الجهة اليمنى" أن الطاعن لم يذكر وجود إصابات به لدى سؤاله بمحضر جمع الاستدلالات، الواضح أن الحكم إنما عنى بذلك محضر جمع الاستدلالات الذي حرر بتاريخ..... يوم الحادث والذي ثبت من المفردات أن الطاعن لم يذكر فيه شيئاً عن تلك الإصابات طبقاً لما سجله الحكم. لما كان ذلك، وكان من المقرر أن من حق محكمة الموضوع أن تستخلص من أقوال الشهود وسائر العناصر المطروحة أمامها على بساط البحث الصورة الصحيحة لواقعة الدعوى حسبما يؤدي إليه اقتناعها وأن تطرح ما يخالفها من صور أخرى ما دام استخلاصها سائغاً مستنداً إلى أدلة مقبولة في العقل والمنطق ولها أصلها في الأوراق، وهي في ذلك ليست مطالبة بالأخذ بالأدلة المباشرة بل لها أن تستخلص صورة الدعوى كما ارتسمت في وجدانها بطريق الاستنتاج والاستقراء وكافة الممكنات العقلية ما دام ذلك سليماً متفقاً مع حكم العقل والمنطق. وكان ما ساقه الحكم من أدلة منتجاً في اكتمال اقتناع المحكمة واطمئنانها إلى ما انتهى إليه من أن الطاعن هو الذي كان يقود السيارة النقل وقت وقوع الحادث دون سائقها الذي توفي فإن ما يثيره الطاعن في هذا الشأن لا يعدو في حقيقته أن يكون جدلاً موضوعياً في تقدير المحكمة للأدلة القائمة في الدعوى مما لا يجوز مصادرتها فيه لدى محكمة النقض لما كان ذلك، وكان الحكم قد عرض للمذكرة التي قدمها الطاعن بقوله "وحيث إن المتهم - الطاعن قدم مذكرة بدفاعه بجلسة..... طلب فيها أصلياً الحكم بعدم جواز نظر الدعويين الجنائية والمدنية وبراءته من الاتهام المنسوب إليه ورفض الدعوى المدنية ضده وإلزام المدعيين بالحق المدني بالمصاريف والأتعاب واحتياطياً استدعاء شهود الإثبات لمناقشتهم".. أما ما جاء بالحكم بعد ذلك من أن الطاعن لم يقدم مذكرات فهو خاص بالمرحلة اللاحقة لحجز الدعوى للحكم على ما هو ثابت من صريح مدوناته، ومن ثم فإن تعييب الحكم بالخطأ في الإسناد يكون في غير محله. لما كان ذلك وكان البين من الحكم الابتدائي ومحاضر جلسات المحاكمة أن المدافع عن الطاعن وأن طلب أمام محكمة أول درجة سماع أقوال شاهدي الإثبات إلا أنه لم يتمسك بهذا الطلب أمام محكمة ثاني درجة، كما أنه قرر في جلسة المرافعة الأخيرة التي صدر بها الحكم المطعون فيه أنه يترك للمحكمة أمر استدعاء محرر المحضر - الذي كان قد طلب منها سماع أقواله، وكانت محكمة ثاني درجة إنما تحكم في الأصل على مقتضى الأوراق وهي لا تجري من التحقيقات إلا ما ترى لزوماً لإجرائه ولا تلتزم إلا بسماع الشهود الذين كان يجب سماعهم أمام محكمة أول درجة، وإذ كان المدافع عن الطاعن يعتبر متنازلاً عن طلب سماع شاهدي الإثبات لسكوته عن التمسك به أمام المحكمة الاستئنافية وكانت تلك المحكمة لم تر من جانبها حاجة إلى سماع أقوال محرر المحضر الذي ترك المدافع عن الطاعن أمر سماع شهادته لها فإن النعي على الحكم بدعوى الإخلال بحق الدفاع يكون ولا محل له. لما كان ذلك وكان من المقرر أن وزن أقوال الشهود وتقدير الظروف التي يؤدون فيها شهادتهم وتعويل القضاء على أقوالهم مهما وجه إليها من المطاعن وحام حولها من الشبهات، كل ذلك مرجعه إلى محكمة الموضوع تنزله المنزلة التي تراها وتقدره التقدير الذي تطمئن إليه. وهي متى أخذت بشهادتهم فإن ذلك يفيد أنها أطرحت جميع الاعتبارات التي ساقها الدفاع لحملها على عدم الأخذ بها، كما أن عدم سماع شهود الإثبات أمام المحكمة لا يحول من أن تعتمد في حكمها على أقوالهم التي أدلوا بها في التحقيقات الأولية ما دامت هذه الأقوال مطروحة على بساط البحث وكان من المقرر كذلك أنه ليس في القانون ما يمنع المحكمة من الأخذ برواية ينقلها شخص عن آخر متى رأت أن تلك الأقوال قد صدرت منه حقيقة وكانت تمثل الواقع في الدعوى. وإذ كان الطاعن لا ينازع في صحة ما نقله الحكم من أقوال الشاهدين فإن ما يثيره حول استدلال الحكم بأقوالهما ومع افتراض أن رواية الثاني منهما منقولة، لا يعدو برمته أن يكون جدلاً موضوعياً في تقدير الدليل وفي سلطة المحكمة في استنباط معتقدها مما لا تجوز إثارته أمام محكمة النقض. لما كان ذلك وكان الحكم المطعون فيه إذ دان الطاعن عن الجريمة الثالثة المسندة إليه وهي قيادة سيارة بدون رخصة قيادة وأعمل في حقه حكم المادة 75 من قانون المرور الصادر بالقانون رقم 66 لسنة 1973 - الذي يحكم واقعة الدعوى قبل تعديله بالقانون رقم 210 لسنة 1980 - والتي كانت تعاقب عن تلك الجريمة "بالحبس مدة لا تزيد على ثلاثة أشهر وبغرامة لا تقل عن عشرة جنيهات ولا تزيد على خمسة وعشرين جنيهاً أو بإحدى هاتين العقوبتين" قد قضى بتغريم الطاعن عن تلك الجريمة خمسين جنيهاً، فإنه يكون قد أخطأ في تطبيق القانون بمجاوزته الحد الأقصى لعقوبة الغرامة مما يقتضي من محكمة النقض إعمالاً لنص الفقرة الثانية من المادة 35 من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض الصادر بالقانون رقم 57 لسنة 1959 أن تتدخل لتصلح ما تردى فيه الحكم من هذا الخطأ لمصلحة الطاعن ولو لم يرد ذلك في أسباب الطعن، ومن ثم يتعين نقض الحكم المطعون فيه نقضاً جزئياً وتصحيحه بجعل الغرامة المقضى بها عن الجريمة الثالثة خمسة وعشرين جنيهاً ورفض الطعن فيما عدا ذلك.

السبت، 12 سبتمبر 2026

الطعن 548 لسنة 3 ق جلسة 8 / 6 / 1957 إدارية عليا مكتب فني 2 ج 3 ق 119 ص 1138

جلسة 8 من يونيه سنة 1957

برياسة السيد/ السيد علي السيد رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة السيد إبراهيم الديواني والإمام الإمام الخريبي وعلي إبراهيم بغدادي ومصطفى كامل إسماعيل المستشارين.

------------------

(119)

القضية رقم 548 لسنة 3 القضائية

كادر العمال 

- النقل من وظيفة عامل عادي إلى وظيفة مساعد صانع - جوازه - كتاب دوري المالية في 16/ 10/ 1945.

--------------
أجاز كتاب دوري وزارة المالية رقم 234 - 9/ 53 الصادر في 16 من أكتوبر سنة 1945 في البند ثامناً (الترقيات) الفقرة قبل الأخيرة منه النقل من وظيفة عامل عادي إلى وظيفة مساعد صانع؛ حيث نصت الفقرة المذكورة على أن "العامل العادي إذا رقى رئيساً للعمال العاديين أو نقل لوظيفة مساعد صانع يمنح علاوة ترقية، ويتخذ تاريخ النقل إلى درجة مساعد صانع أساساً لحساب المدة التي تجوز ترقيته بعدها لدرجة صانع".


إجراءات الطعن

في 6 من مارس سنة 1957 أودع رئيس هيئة المفوضين طعناً في الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري "الهيئة الثانية" بجلسة 9 من يناير سنة 1957 في الدعوى رقم 3390 لسنة 8 القضائية المرفوعة من وزارة الشئون البلدية والقروية ضد أحمد إبراهيم ضاحي وآخرين، القاضي "بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء قرار اللجنة القضائية المطعون فيه، وألزمت المطعون ضدهم بالمصروفات". وطلب رئيس هيئة المفوضين - للأسباب التي استند إليها في صحيفة الطعن - الحكم "بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه، والقضاء بتأييد قرار اللجنة القضائية، وإلزام الوزارة بالمصروفات". وقد أعلن الطعن للحكومة في 30 من مارس سنة 1957 وللخصوم في أول إبريل سنة 1957، وعين لنظره جلسة 11 من مايو سنة 1957، وفيها سمعت المحكمة ما رأت سماعه من الإيضاحات، ثم أرجأت النطق بالحكم لجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة تتحصل - حسبما يبين من الأوراق - في أن أحمد إبراهيم ضاحي قدم تظلماً للجنة القضائية لوزارة الشئون البلدية قيد برقم 2836 لسنة 1 القضائية طالباً وضعه في درجة صانع بعد مضي 5 سنوات من تاريخ تعيينه مساعد صانع، وقال في بيان ذلك إنه عين في مصلحة التنظيم في سنة 1934 بوظيفة عامل، وفي سنة 1943 نقل إلى مساعد نحات، وقد امتحن لوظيفة صانع ثلاث مرات في سنة 1945 وسنة 1946 وسنة 1947 ونجح في الامتحان وكلف بالقيام بأعمال هذه الوظيفة إلا أنه لم يرق إليها. وقد تقدم كل من دياب إسماعيل عطية وعبد الخالق إبراهيم أحمد بتظلم مماثل، قيد الأول برقم 2838 لسنة 1 القضائية، والثاني برقم 2846 لسنة 1 القضائية. وقد ردت الوزارة على التظلم الأول بأن المدعي عين بمصلحة التنظيم بمهنة عامل عادي في 19 من مايو سنة 1938 بأجر يومي قدره 50 م، وندب للعمل كمساعد نحات في أول مايو سنة 1943 بدون امتحان، وقد سويت حالته عند تطبيق كادر العمال في سنة 1945 على النحو الآتي: عامل من 19 من مايو سنة 1938 بأجر 100 م بالدرجة (100 م - 240 م)، مساعد نحات في أول مايو سنة 1941 بأجر 150 م بالدرجة (150 م - 240 م)، ثم بأجر 170 م في أول مايو سنة 1944، وبأجر 190 م في أول مايو سنة 1947، ثم بأجر 210 م في أول مايو سنة 1950 - إلا أن التسوية الصحيحة يجب أن تكون كما يلي: عامل من 19 من مايو سنة 1938 بأجر 100 م بالدرجة (100 م - 240 م) تصل في أول مايو سنة 1951 إلى 175 م. وقد تبين هذا الاختلاف عند تطبيق كتاب دوري المالية رقم ف 234/ 9/ 53 المؤرخ 17 من يوليه سنة 1951 والخاص بإعادة تسوية حالة مساعدي الصناع، فقامت المصلحة بحصر جميع الحالات المماثلة وحررت بشأنها للبلدية التي حررت بدورها لديوان الموظفين لأخذ رأيه ولم يصل الرد بعد، وأنه يبين من ذلك أن المدعي استولى على أكثر من حقه وأن الموضوع لا زال قيد البحث. وقد اتبعت مصلحة التنظيم في تسوية حالة المتظلمين الآخرين ما اتبعته في شأن المتظلم الأول. وبجلسة 7 من أكتوبر سنة 1953 قضت اللجنة "بأحقية كل من المتظلمين في تسوية حالته على أساس اعتباره في درجة مساعد صانع من تاريخ نقله إليها مع ما يترتب على ذلك من آثار"، واستندت اللجنة في ذلك إلى "أن كلاً من المتظلمين قد ندب للقيام بعمل مساعد صانع في سنة 1943 وسنة 1942 وسنة 1941 على التوالي، وظل يباشر عمل الوظيفة التي ندب إليها للآن؛ مما يكشف بجلاء عن أن نية الإدارة قد اتجهت بصفة نهائية إلى نقلهم إلى المهنة التي يباشرون عملها"؛ ذلك أن "الندب بطبيعته لا يكون إلا لغرض موقوت يستدعيه حسن القيام على الخدمة العامة الموكولة إلى المصلحة، فإن استطال أجله فإنه يستحيل إلى نقل متى بان بعد ذلك من ظروف الحال وملابساته بما لا يدع مجالاً للشك أن نية الإدارة قد اتجهت إلى أن يقوم الموظف أو العامل بعمله الجديد بصفة مستقرة وبشكل نهائي"، "وعلى ذلك فلا وجه لما تتحدى به المصلحة من أن كلاً من المتظلمين ليس له أن يفيد من قواعد كادر العمال باعتباره مساعد صانع على أساس أنه إنما انتدب إليها ما دام الواقع من الأمر أن ندب كل منهم طبقاً للتكييف القانوني السليم وتصرف الجهة الإدارية قد استحال إلى نقل نهائي؛ ومن ثم يتعين اعتبار كل منهم في درجة مساعد صانع من تاريخ نقله إليها وتسوية حالته على هذا الأساس". وبصحيفة أودعت سكرتيرية محكمة القضاء الإداري في 28 من يناير سنة 1954 طعنت الوزارة في قرار اللجنة القضائية سالف الذكر طالبة إلغاءه؛ مؤسسة طعنها على أنه "لم يصدر قرار بنقل المدعين إلى درجة مساعد صانع، وإنما كل الذي حدث هو انتداب فقط، والانتداب لا يخول العامل أي ميزة من المزايا المقررة للوظيفة المنتدب إليها، فضلاً عن أن الانتداب لا يرتب مركزاً قانونياً لا يجوز المساس به، يضاف إلى ذلك أن الترقية إلى درجة مساعد صانع تحتاج إلى عدة شروط منها وجود درجات خالية وتأدية امتحان أمام اللجنة الفنية المشكلة بمقتضى قرار وزاري، ولما كان المطعون ضدهم لم يؤدوا الامتحان المقرر ولا توجد درجات خالية؛ لذلك يكون قرار اللجنة على غير أساس". وقد رد المدعون على ذلك بأن شرطي وجود درجات خالية وتأدية الامتحان لا يكون إلا بالنسبة للتعيينات اللاحقة على صدور الكادر، أما النقل من عامل عادي إلى مساعد فإن البند الثامن من كتاب دوري المالية رقم (ن) 234/ 9/ 1953 يقضي بأن يمنح العامل عند نقله إلى مساعد صانع علاوة ترقية، ويتخذ تاريخ النقل إلى درجة مساعد صانع أساساً لحساب المدة التي تجوز ترقيته بعدها لدرجة صانع، ولم يشترط في هذه الحالة وجوب تأدية الامتحان ولا وجوب وجود درجات خالية - على أن المدعين قد أدوا فعلاً الامتحان؛ ومن ثم فمن حقهم الترقية إلى درجة صانع، كما ردد المدعون في مذكرتهم ما قررته اللجنة القضائية من أن الندب إذا استطال استحال إلى نقل. وبجلسة 9 من يناير سنة 1957 حكمت المحكمة "بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء قرار اللجنة القضائية المطعون فيه، وألزمت المطعون ضدهم بالمصروفات"، وأقامت المحكمة قضاءها على أن الندب "لا يعطي للموظف أو المستخدم أو العامل أي حق في الوظيفة التي يشغلها بهذه الصفة؛ لأن شغله لها ينقصه عنصر الدوام، كما أن القول بأنه من الجائز أن يتحول الانتداب إلى تعيين يفتح ثغرة ينفذ منها من يريد تعطيل الشروط التي وضعها المشرع للتوظف والترقية"، وأن "مساعد الصانع غير الحاصل على الشهادة الابتدائية أو ما يعادلها والموجود في الخدمة وله فيها أكثر من ثماني سنوات تفترض له ترقية.... ومعنى ذلك أنه يتعين وجود مساعد الصانع في الوظيفة وأن يكون شغله لها بالطريق القانوني الصحيح وهو ما ليس متوافراً في حالة المدعى عليهم؛ بسبب عدم تأديتهم الامتحان المشروط لشغل وظيفة مساعد صانع ولعدم استيفائهم باقي الشروط وإن كانت غير جوهرية كما هو الحال بالنسبة لشرطي تأدية الامتحان والتعيين في الوظيفة بصفة أصلية لا بطريق الندب أو تحت الاختبار".
ومن حيث إن الطعن يقوم على أن التكييف القانوني الصحيح لقرار ندب المدعين حسب الظروف المحيطة به هو أنه قرار تعيين في مهنة مساعد صانع، وأن الجهة الإدارية لم تنازع في وجود الدرجة عند التعيين، أي لم تنازع في شرعية قرار التعيين، وأن النزاع على التسوية كان في أساسه محدداً ويقوم على المهنة المعين عليها كل من المدعين، وهل هي مهنة عامل عادي أم مهنة مساعد صانع، أي كان النزاع قائماً على التكييف الحقيقي لقرار الندب وليس على وجود درجات لهذه المهنة في هذا التاريخ، أي لم تكن المنازعة على شرعية القرار الحقيقي بالتعيين. أما وأن التكييف القانوني لقرار الندب هو أنه قرار بالتعيين فإن التسوية الأولى تكون صحيحة، وسحبها مخالف للقانون.
ومن حيث إنه يبين من الأوراق أن المدعي الأول أحمد إبراهيم ضاحي التحق بخدمة مصلحة التنظيم عاملاً بقسم مباني بردورة بأجر يومي قدره خمسون مليماً اعتباراً من 19 من مايو سنة 1938. ويتضح من المذكرة المؤرخة 26 من فبراير سنة 1950 (صحيفة 103 من الجزء الثاني من ملف خدمة العامل المذكور) أنه "عين عاملاً في 19 من مايو سنة 1938 بأجر يومي قدره خمسون مليماً، ثم انتدب مساعد نحات في أول مايو سنة 1943 بأجر يومي قدره تسعون مليماً، ثم تعدلت أجرته في 30 من يناير سنة 1944 حسب قرار الإنصاف إلى ثلاثة جنيهات شهرياً، ثم تعدلت أجرته في أول مايو سنة 1945 حسب كادر العمال بمهنة مساعد نحات إلى 150 م يومياً، ثم منح علاوة دورية بعد ثلاث سنوات أي في أول مايو سنة 1948 قدرها عشرون مليماً، فأصبحت أجرته مائة وسبعين مليماً". وجاء بهذه المذكرة أن العامل المذكور يرجو ترقيته إلى مهنة نحات. وقد رفعت هذه المذكرة إلى مفتش الطرق في 27 من فبراير سنة 1950 بتأشيرة جاء بها أن "المذكور يعمل مساعد نحات ويطلب امتحانه لمهنة نحات فأرجو التفضل بالنظر"، فأحال مفتش الطرق المذكرة إلى رئيس المستخدمين في أول مارس سنة 1950 لإجراء اللازم، فرد رئيس المستخدمين في 4 من مارس سنة 1950 بأنه "لا تجوز ترقية المذكور في الوقت الحاضر؛ لأنه لم يمض في درجته الحالية المدة المقررة". وفي 27 من فبراير سنة 1952 قدم المذكور ملتمساً قال فيه إنه مساعد نحات، وإنه في سنة 1943 أدى الامتحان لمهنة نحات أمام لجنة فنية ونجح فيه، وأن زملاءه من مساعدي النحاتين ومساعدي البنائين ومساعدي الحجارة تعدلت درجاتهم إلى نحاتين وبنائين وحجارة، وطلب ترقيته إلى نحات أسوة بزملائه. وفي 6 من مارس سنة 1952 أعدت مذكرة لمفتش الطرق بحالته ومما ورد بها ما يأتي: أن "المذكور تعين في 19 من مايو سنة 1938 بصفة عامل بأجر قدره 50 م تعدلت في كادر سنة 1943 إلى (منتدب مساعد نحات)، وعند تنفيذ كادر العمال في أول مايو سنة 1945 تقدم المذكور بشكوى إلى لجنة الكادر العليا وضع على أساسها بمهنة مساعد نحات باعتماد سعادة المدير العام في 30 من مايو سنة 1946 المحفوظ بحسابات الطرق..."، وإن كانت إدارة المستخدمين أخيراً تعارض في هذه التسوية. وقد أحيل الموضوع إلى رئيس الحسابات في 8 من مارس سنة 1952 للفحص، فرد في 12 من مارس سنة 1952 بأنه حرر لقسم المستخدمين بشأن موضوع النحاتين ومساعديهم وصبية الحجارة للإفادة عما تم في الموضوع. ثم قدم المدعي بعد ذلك التماسين آخرين في 10 من مايو سنة 1952 ثم في 16 من ديسمبر سنة 1952 وقد رد على هذه الالتماسات بأن رد وزارة المالية على الحالات المختلف عليها - ومنها حالة النحاتين ومساعديهم - لم يرد بعد. وفي 27 من مايو سنة 1953 قدم المدعي تظلمه إلى اللجنة القضائية، وقد ردت المصلحة على التظلم بما سبق تبيانه، وختمت ردها بأن الموضوع لا زال قيد البحث. أما المدعي الثاني فقد اشتغل أولاً عاملاً في 26 من أغسطس سنة 1933، ثم نقل "قزاماً" بأجر يومي قدره 60 م من أول مارس سنة 1934، ثم عدلت حالته فاعتبر قزاماً في الدرجة من 90 م إلى 200 م من أول مايو سنة 1934، ثم انتدب مساعد بناء بأجر يومي 110 م من أول مايو سنة 1942، وفي 11 من مارس سنة 1946 قدم المذكور ملتمساً قال فيه إنه قائم الآن بعمل مساعد بناء ونظراً لكفايته ولخبرته العظيمة في أعمال البناء فإنه يرجو ترقيته لمهنة بناء وأنه مستعد لأداء الامتحان، وقد تأشر على الطلب من رئيسه بأنه يقوم بعمل بناء وهو مجتهد ومخلص في عمله. وقد أمر مهندس غرب القاهرة بامتحانه لمهنة بناء، وأحيل إلى الهندسة المختصة لامتحانه وذلك في 12 من مارس سنة 1946، ثم تأشر على الطلب بعد ذلك "بانتظار نتيجة بحث مثل هذه الحالات بلجنة الكادر وستطبق على الحالات المماثلة"، وفي 28 من مارس سنة 1946 أعاد المدعي الشكوى طالباً معاملته كبناء، وقد رفع مدير الأعمال المختص الشكوى إلى رئيس لجنة الكادر في 2 من إبريل سنة 1946 بالتأشيرة الآتية "أرجو العلم بأن المدعو دياب إسماعيل عطية معين قزاماً ومنتدب مساعد بناء بكادر العمال في سنة 1943 وقائم بهذا العمل فعلاً ومعين في أول مارس سنة 1943 واحتسبت أجرته حسب التعديل الجديد بكادر العمال على أساس 150 م يومياً، فالمرجو التكرم ببحث حالة المذكور من واقع ملف خدمته المرافق وتعديل أجرته على أساس المهنة التي يقوم بها فعلاً وهي مساعد بناء"، وفي 24 من يوليه سنة 1946 أعاد المدعي الشكوى فتأشر عليها في 30 من يوليه سنة 1946 بأنه "سبق امتحانه لمهنة بناء بهندسة غرب القاهرة في 12 من مارس سنة 1946 واقترح امتحانه بهندسة أخرى غير الهندسة التابع لها، وعليه أرجو امتحانه بهندسة قبلي القاهرة"، وفي 22 من سبتمبر سنة 1946 امتحن المذكور لمهنة بناء ونجح في الامتحان وطلب الحصول على موافقة المدير العام لترقيته إلى مهنة بناء، فأحيل الأمر إلى لجنة الكادر العليا فتأشر في 22 من نوفمبر سنة 1946 "بأن المذكور عدّل أولاً ثم تظلم فأعيد النظر في تعديله وأصبح مساعد بناء بأجر قدره 195 م بما فيه الخصم وهذا كل ما يمكن عمله له فأرجو حفظ الملف"، تظلم المدعي مرة أخرى في 18 من ديسمبر سنة 1946، فرفع مدير الأعمال التظلم إلى مفتش الطرق بالتأشيرة الآتية "المذكور بعاليه مهنته مساعد بناء، وامتحن لمهنة بناء في 22 من سبتمبر سنة 1946 ونجح ويطلب ترقيته لهذه المهنة"، فأشر مفتش الطرق بأن "ينتظر ستة أشهر"، وقد والى المدعي التظلم بعد ذلك في 25 من يناير سنة 1947، ثم في 6 من يوليه سنة 1947. وفي 7 من إبريل سنة 1948 أعدت مذكرة بحالته ورد بها أنه "يعين قزاماً في أول مارس سنة 1934 بأجر يومي قدره 60 م، وزيدت أجرته في أول سبتمبر سنة 1938 إلى 65 م ثم إلى 110 م في أول مايو سنة 1943، ورقي إلى مهنة مساعد بناء منتدب، وفي أول مايو سنة 1945 زيد أجره إلى 170 م بعد خصم 12% بوظيفة مساعد بناء حسب تعديل الكادر ثم زيد أجره إلى 190 م بعد خصم 12% في أول مايو سنة 1947، وقد امتحن المذكور لمهنة بناء ونجح حسب ما جاء بمذكرة حضرة مدير أعمال طرق قبلي المرفقة المؤرخة 21 من يوليه سنة 1947، والنتيجة محفوظة بحسابات الطرق". وقد تأشر بأن "ينتظر ثلاثة أشهر" لعدم وجود محلات خالية. وفي 8 من يوليه سنة 1948 رفعت مذكرة إلى مدير أعمال الطرق بوجود محل بناء خال لهندسة الغرب، فأشر مدير الأعمال بأن "تعمل مذكرة للمفتش بترقيته بناء في المحل الخالي إذا سمح دوره بذلك". وفي 22 من فبراير سنة 1950 تظلم المدعي مرة أخرى فأعدت مذكرة بحالته التي سبق بيانها، وقد أشر رئيس الحسابات في 21 من مايو سنة 1950 بأنه "بفحص الملف لم نعثر على نتيجة امتحان المذكور لمهنة بناء"، فرد عليه بأن "الأوراق الخاصة بنجاح المذكور في الامتحان أرسلت لحضرتكم في 14 من سبتمبر سنة 1947". وقد ورد بمذكرة لمفتش الطرق مؤرخة 30 من أغسطس سنة 1950 بأنه "لم يعثر على أوراق امتحان المدعي ومن يدعى بدوي عبد العزيز لترقيتهما إلى الدرجة الأعلى فضلاً عن أنه يشترط أن يكون الامتحان للترقية أمام اللجنة الفنية المشكلة بقرار وزاري وبشرط سماح البند والنسب المقررة في الكادر والأقدمية في الخدمة ووجود خلوات بالميزانية...". تظلم المدعي مرة أخرى في سبتمبر سنة 1950 ثم في 13 من يناير سنة 1951، وطلبت مذكرة بحالته، فأعدت مذكرة لا تخرج عما سبق إيراده. وفي 27 من فبراير سنة 1952 تظلم المدعي فرفع مدير الأعمال التظلم إلى مفتش الطرق بتأشيرة ورد بها "إن المذكور تعين في أول مارس سنة 1934 بمهنة قزام بأجر يومي قدره 60 م تعدلت في كادر سنة 1943 إلى (منتدب مساعد بناء) ووافقت لجنة الكادر العليا المعتمدة من المدير العام في 30 من مايو سنة 1946 على تعديل أجره إلى 170 م بعد خصم 12% وهو أجر مساعد بناء، غير أن إدارة المستخدمين لم توافق على التسوية التي عملت لمخالفتها للتعليمات والقوانين..."، ثم جاء بكتاب لرئيس حسابات الطرق إلى مدير الأعمال مؤرخ 12 من مارس سنة 1952 أن "تعليمات المدير العام بتاريخ أول مارس سنة 1952 تقضي بعدم العرض عن طلبات الترقيات ما دامت الشروط غير متوافرة"، فتقدم المدعي أخيراً بتظلمه إلى اللجنة القضائية.
أما المدعي الثالث، فقد عين في 29 من فبراير سنة 1936 "نفراً بقسم الأرصفة"، وفي 9 من فبراير سنة 1942 طلب تعيينه مساعد نحات فتأشر على الطلب بأنه "طلب تشغيل هذا العامل مع خمسة آخرين مساعدي نحاتين ورفع أجورهم فلم يوافق المدير بسبب الحالة الحاضرة". وقد أعاد الطلب في 16 من فبراير سنة 1943 فتأشر بأن "هذا العامل يشتغل فعلاً مساعد نحات، وهو يجيد عمله ويحسن جداً تعيينه مساعد نحات لأن عنده خبرة بعمله..."، ثم تأشر بعد ذلك بأن "الطالب كتب اسمه ضمن الكشف الذي قدم لتطبيق الكادر عليه فيحفظ لحين تحسين حالته بالكادر". وفي سنة 1943 عدلت حالته على النحو الآتي "عامل من 60 م - 120 م من أول مارس سنة 1936 بأجر يومي قدره 60 م، ثم 70 م من مايو سنة 1940، ثم منتدب مساعد نحات بأجر يومي 90 م من أول مايو سنة 1942. وفي 28 من مارس سنة 1946 طلب المدعي تعيينه نحاتاً وأبدى استعداده لأداء الامتحان فتأشر أولاً "بامتحانه لمهنة نحات"، ثم تأشر بعد ذلك بأنه "لا يمكن تغيير مهنة أي شخص الآن إلا بعد الانتهاء من الكادر...". وفي 23 من أغسطس سنة 1948 طلب منحه علاوة فتأشر بأن "العامل المذكور تعين في أول مارس سنة 1936 بوظيفة مساعد نحات بأجر يومي قدره 90 م، وتعدلت أجرته إلى 150 م بعد خصم 12% في أول مايو سنة 1945 ومنح علاوة دورية قدرها 15 م في أول مايو سنة 1946 فأصبحت أجرته 165 م بعد خصم 12%، ويستحق علاوة دورية في أول مايو سنة 1948"، وقد تأشر على شكوى أخرى للمدعي مؤرخة 5 من فبراير سنة 1949 بأن "المذكور وظيفته مساعد نحات ومنح علاوة دورية 15 م في أول مايو سنة 1946 وعلاوته المقبلة في أول مايو سنة 1949، أي بعد مضي ثلاث سنوات حسب نص الكادر". وفي 16 من نوفمبر سنة 1949 طلب مدير أعمال الطرق من رئيس الحسابات "الإفادة عن كيفية احتساب علاوة دورية 5 م للمذكور في أول مايو سنة 1949 مع الإحاطة بأن مهنته نحات وأجرته 165 م بعد خصم 12% من أول مايو سنة 1946"، فرد رئيس الحسابات في 20 من نوفمبر سنة 1949 بأن "هذا الرجل عدلته لجنة الكادر أولاً على أنه عامل معين من أول مايو سنة 1936 فمنح أجراً قدره 145 م بعلاوة دورية 15 م من أول مايو سنة 1946 وبعد أن قدم شكوى للجنة الكادر العليا قررت استحقاقه في أن يكون مساعد صانع أي مساعد نحات من أول مايو سنة 1941 (رقم 451 من الكشوف الأولى) وعدلته على هذا الأساس فمنح 170 م بعلاوة 20 م كل ثلاث سنوات يستحق أولاها من أول مايو سنة 1947، وهذا القرار جاء بعد أن منح العامل علاوة قدرها 15 م ولذا منح الآن التكملة وهي خمسة مليمات، أما علاوته الدورية فهي 20 م وسيمنحها من مايو سنة 1950". وفي 2 من مارس سنة 1952 طلب المدعي تعيينه نحاتاً وقد تأشر على هذا الطلب بأن "المذكور عين في أول مارس سنة 1936 بصفة عامل بأجرة قدرها 50 م تعدلت بكادر أول مارس سنة 1943 إلى منتدب مساعد نحات، وعند تنفيذ كادر العمال في أول مايو سنة 1945 تقدم المذكور بشكوى إلى لجنة الكادر العليا وضع على أساسها بمهنة مساعد نحات باعتماد المدير العام في 30 من مايو سنة 1946 المحفوظة بحسابات الطرق. ولم توافق إدارة المستخدمين على التسوية لمخالفتها للتعليمات والقوانين". وفي 12 من مارس سنة 1952 طلب مفتش الطرق من إدارة المستخدمين الإفادة عما تم في شأن تعديل حالة صبية النحاتين والمساعدين والنحاتين الذين سبق لقسم المستخدمين التحرير بشأنهم لوزارة المالية. وقد ورد بمذكرة رفعها مدير المستخدمين إلى وكيل المصلحة في 13 من مارس سنة 1952 في شأن المدعي ما يأتي "إن الشاكي عين بصفة عامل في أول مارس سنة 1936 ثم ندب للعمل بصفة مساعد نحات، وعند تنفيذ كادر سنة 1945 وضعته لجنة تنفيذ الكادر بمهنة مساعد نحات. ولما كان تنفيذ الكادر وتسوية الحالة تتم على أساس المهنة التي عين بها العامل والمهنة التي وصل إليها في أول مايو سنة 1945 فقد كان من رأينا أنه لا يجوز تسوية حالة العامل المذكور إلا على عامل؛ لأنه لم يرق لمهنة مساعد نحات، وندبه لهذه المهنة لا يعطيه الحق في الانتفاع بمزايا المهنة". وقد ورد "بكشف تعديل أجرة عامل طبقاً لما جاء بمكاتبات المالية رقم ف 234 - 9/ 53 الصادرة بتاريخ 26 من فبراير سنة 1951 و17 من يوليه سنة 1951 و8 من سبتمبر سنة 1951" أن حالة المدعي كانت كما يلي: "عامل بأجر يومي قدره 50 م من أول مارس سنة 1936 زيدت إلى 55 م من أول سبتمبر سنة 1942". ثم عدلت حالته طبقاً لكادر سنة 1943 إلى "مساعد نحات بأجر يومي 90 م من أول مايو سنة 1942"، وطبقاً لكادر سنة 1945 إلى "مساعد نحات بأحر يومي قدره 150 م من أول مايو سنة 1941 زيد إلى 170 م من أول مايو سنة 1944 وإلى 190 م من أول مايو سنة 1947 وإلى 210 م من أول مايو سنة 1950 وهي أجرته الحالية"، وطبقاً لمكاتبات المالية المشار إليها عدلت حالته كالآتي: "مساعد صانع بأجر يومي 150 م من أول مايو سنة 1941 يزاد إلى 200 م من أول مايو سنة 1943، وإلى 250 م من أول مايو سنة 1945 وإلى 270 م من أول مايو سنة 1947، ثم إلى 290 م من أول مايو سنة 1947 ثم إلى 300 م من أول مايو سنة 1950" وفي أول يونيه سنة 1953 تقدم المدعي بتظلمه إلى اللجنة القضائية. ومن حيث إنه ظاهر من البيان المتقدم أن كلاً من المدعين قد سويت حالته بالتطبيق لأحكام كادر العمال؛ فوضع كل منهم في درجة مساعد صانع، الأول اعتباراً من أول مايو سنة 1943، والثاني من أول مايو سنة 1942، والثالث من أول مايو سنة 1941؛ ومن ثم فلم يعد هناك محل لبحث ما إذا كان ندبهم لمهنة مساعد صانع ينقلب نقلاً إذا استطال، ما دام الثابت أنه قد تمت تسوية حالتهم فعلاً باعتبارهم مساعدي صناع من التواريخ السالف ذكرها. كما لا وجه للنعي على هذه التسوية بمخالفتها للقانون من وجهين: (الأول) أنه كان يجب أن تتم تسوية كل من المدعين على أساس المهنة التي عين بها وهي مهنة عامل، و(الثاني) أن الترقية إلى مساعد صانع تحتاج إلى عدة شروط منها وجود درجات خالية وأداء الامتحان أمام اللجنة الفنية المشكلة بمقتضى قرار وزاري - لا وجه لذلك كله؛ إذ أنه بالنسبة للوجه الأول، فقد أجاز كتاب دوري وزارة المالية رقم 234 - 9/ 53 الصادر في 16 من أكتوبر سنة 1945 في البند ثامناً (الترقيات) الفقرة قبل الأخيرة منه، النقل من وظيفة عامل عادي إلى وظيفة مساعد صانع؛ حيث نصت الفقرة المذكورة على أن "العامل العادي إذا رقي رئيساً للعمال العاديين أو نقل لوظيفة مساعد صانع يمنح علاوة ترقية ويتخذ تاريخ النقل إلى درجة مساعد صانع أساساً لحساب المدة التي تجوز ترقيته بعدها لدرجة صانع". وبالنسبة للوجه الثاني، فقد سبق لهذه المحكمة أن قضت (1) بأن تطبيق أحكام كادر العمال ينصرف إلى طائفتين متميزتين من عمال اليومية، لكل منهما وضع متباين عن الأخرى: (الطائفة الأولى) هي طائفة العمال الموجودين بالخدمة فعلاً وقت تنفيذه وقامت بهم شروطه، وهؤلاء يطبق عليهم بأثر رجعي، ومقتضى هذا الأثر أن تحسب لهم ترقيات اعتبارية في مواعيدها في الماضي دون توقف على وجود درجات خالية أو ارتباط باعتمادات مقررة؛ لقيام التسوية فيها على أساس فرضية محضة، ولأن الفروق المالية والنفقات المترتبة على إجراء هذه التسوية ووجهت جملتها باعتمادات خاصة. و(الطائفة الثانية) هي طائفة العمال الذين سينطبق عليهم الكادر مستقبلاً؛ كمن يحل موعد ترقيتهم بعد أول مايو سنة 1945 ولو كانوا معينين قبل هذا التاريخ وهؤلاء يخضعون في ترقيتهم لأحكام هذا الكادر بما أورده على الترقية من قيود، سواء من حيث وجوب مراعاة نسبة معينة لكل فئة من الصناع في القسم الواحد، أو من حيث التزام حدود اعتماد مالي معين، كما يخضعون للقواعد العامة للترقية من حيث ارتباطها بوجود درجات خالية. ولما كان المدعون ممن يندرجون في الطائفة الأولى، فإن الأمر في شأنهم لا يعدو أن يكون تسوية حالة بوضعهم في درجة مساعد صانع بعد فترة معينة لا يحتاج الأمر معها إلى وجود درجات خالية أو أداء امتحان، وإنما يستلزم الأمر ذلك بالنسبة للمعينين بعد أول مايو سنة 1945 أو لمن يحل موعد ترقيتهم بعد هذا التاريخ أيضاً.
ومن حيث إنه لكل ما تقدم يكون الطعن قد قام على أساس سليم لغير الأسباب التي أوردها، ويكون الحكم المطعون فيه قد وقع مخالفاً للقانون، ويتعين من أجل ذلك إلغاؤها.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه، وباعتبار المدعين مساعدي صناع: الأول من أول مايو سنة 1943، والثاني من أول مايو سنة 1942، والثالث من أول مايو سنة 1941، وما يترتب على ذلك من آثار بالتطبيق لكادر العمال، وألزمت الحكومة بالمصروفات.


(1) راجع السنة الأولى من هذه المجموعة بنود 14 و27 و57 صفحات 103 و224 و469.

الطعن 1828 لسنة 2 ق جلسة 8 / 6 / 1957 إدارية عليا مكتب فني 2 ج 3 ق 118 ص 1128

جلسة 8 من يونيه سنة 1957

برياسة السيد/ السيد علي السيد رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة السيد إبراهيم الديواني والإمام الإمام الخريبي وعلي إبراهيم بغدادي ومصطفى كامل إسماعيل المستشارين.

-----------------

(118)

القضية رقم 1828 لسنة 2 القضائية

جنسية مصرية 

- منحها بحكم الفقرة الخامسة من المادة الأولى من القانون رقم 160 لسنة 1950 للرعايا العثمانيين الذين كانوا يقيمون عادة بالأراضي المصرية في 5/ 11/ 1914 وحافظوا على تلك الإقامة حتى 10/ 3/ 1929 - المقصود بالإقامة في حكم هذه الفقرة - عدم سريانها على الإقامة بالسودان.

------------------
إن الفقرة الخامسة من المادة الأولى من القانون رقم 160 لسنة 1950 الخاص بالجنسية المصرية تنص على ما يأتي: "المصريون هم..... (5) الرعايا العثمانيون الذين كانوا يقيمون عادة في الأراضي المصرية في 5 من نوفمبر سنة 1914 وحافظوا على تلك الإقامة حتى تاريخ 10 من مارس سنة 1929 سواء أكانوا بالغين أم قصر". والمشرع، إذ فرض الجنسية المصرية بحكم القانون - بالفقرة سالفة الذكر - على أساس مجرد الإقامة وحدها في البلاد المصرية، إنما فرضها على اعتبار أن من نص عليهم في الفقرة المذكورة، وقد أقاموا بالبلاد منذ 5 من نوفمبر سنة 1914 وحافظوا على تلك الإقامة حتى 10 من مارس سنة 1929، قد اتجهت نيتهم فعلاً إلى التوطن فيها بصفة نهائية، ورتبوا معيشتهم ومصالحهم على هذا الأساس، وأنهم بذلك قد اندمجوا في المجتمع المصري وأحسوا بأحاسيس أهله وشاركوا المصريين مشاعرهم وأمانيهم بحكم تأثرهم بوسط البلاد التي استقروا فيها، وأصبح لهم ما للمصريين وعليهم ما عليهم، يخضعون للقوانين المصرية ويتمتعون بما يتمتع به المصريون من حقوق بلا تمييز أو فارق بينهم. والإقامة في السودان - أياً كانت الروابط والصلات الوثيقة التي تربط البلدين - لا تتوافر فيها كل هذه الاعتبارات التي كانت في الواقع من الأمر هي المناط في فرض الجنسية بقوة القانون على أساس الإقامة وحدها بالبلاد المصرية طوال الفترة التي حددها، فكان يلزم كي تعتبر الإقامة في السودان كالإقامة في مصر قانوناً سواء بسواء - من حيث اكتساب الجنسية المصرية فرضاً - أن يقرر ذلك نص قانوني صريح، ولا يغني عنه العبارة التي وردت في ختام المذكرة الإيضاحية للقانون رقم 160 لسنة 1950 من أن "تعبير المملكة المصرية يشمل أيضاً الأراضي السودانية دون حاجة لإثبات نص خاص بذلك في القانون ذاته....."؛ ذلك أنه يتضح بجلاء من تقصي المراحل التشريعية لهذا القانون، وتتبع المناقشات البرلمانية في شأنه، أن هذه العبارة إنما كانت للتعبير عما كان يجيش في الصدور وقتذاك، من أنه لا يقبل التفريق بين المصري والسوداني، وعما كان يتمناه الجميع من أن تنبسط الجنسية المصرية على السوداني كأخيه المصري سواء بسواء، ولكن لم يغب عن الأذهان عندئذ أن ثمة من الموانع ما يحول دون جعل تلك الأمنية حقيقة قانونية نافذة ملزمة، فتحاشى المشرع المصري النص على ذلك في القانون ذاته، تفادياً لما يترتب عليه من إشكالات، وهذا واضح بوجه خاص من تطور المناقشات بمجلس الشيوخ، ثم تغيرت الظروف والأوضاع بعد ذلك واستقل السودان، فكان من الطبعي ألا يتعرض القانون رقم 391 لسنة 1956 الخاص بالجنسية المصرية لهذا الأمر، لا في مواده ولا في مذكرته الإيضاحية.


إجراءات الطعن

في 11 من سبتمبر سنة 1956 أودع رئيس هيئة المفوضين طعناً في الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري (الهيئة الأولى) بجلسة 24 من يوليه سنة 1956 في الدعوى رقم 3963 لسنة 9 القضائية المرفوعة من يوسف أسعد ناتال ضد وزارة الداخلية، القاضي "بإلغاء القرار الصادر من وزارة الداخلية في 7 من فبراير سنة 1955 بتكليف المدعي بمغادرة البلاد، وإلزام الحكومة بالمصروفات". وطلب - للأسباب التي استند إليها في عريضة الطعن - الحكم "بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه، ورفض دعوى المدعي، مع إلزامه بالمصروفات". وقد أعلن الطعن للحكومة في 18 من سبتمبر سنة 1956 وإلى المدعي في 29 من سبتمبر سنة 1956 وعين لنظره جلسة 30 من مارس سنة 1957، وفيما سمعت المحكمة ما رأت سماعه من الإيضاحات، ثم أرجأت النطق بالحكم لجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة، حسبما يبين من الأوراق، تتحصل في أن المدعي أقام الدعوى رقم 3963 لسنة 9 القضائية أمام محكمة القضاء الإداري بصحيفة أودعت سكرتيرية المحكمة في 5 من سبتمبر سنة 1955، قال فيها إنه ولد في حلب سنة 1895؛ ومن ثم فهو من الرعايا العثمانيين، وقد وفد إلى مصر سنة 1909 وحافظ على إقامته فيها إلى سنة 1926، وقد تزوج في سنة 1925 من سيدة مصرية، وفي سنة 1926 سافر إلى السودان وأنشأ شركة تجارية كبيرة، وفي نهاية سنة 1934 أصيب بمرض خطير فحضر إلى مصر للعلاج والاستشفاء، ولما شفى من مرضه عاد إلى السودان لاستئناف نشاطه التجاري. وفي سنة 1947 عاوده المرض فحضر إلى مصر مرة أخرى للاستشفاء، ولما لم تمكنه صحته من الرجوع إلى السودان رتب حياته على الإقامة في مصر على أن يباشر فيها شئونه التجارية في السودان. وقد تسلم المدعي إخطاراً من وزارة الداخلية بمغادرة البلاد في أول سبتمبر سنة 1955. ولما كان المدعي يعتبر مصرياً؛ إذ أنه من الرعايا العثمانيين وقد أقام في مصر منذ سنة 1909 إلى سنة 1955 وتعتبر إقامته في السودان إقامة في مصر، فضلاً عن أن له أخوين حصل كلاهما على الجنسية المصرية، ولما كانت صحته لا تسمح بالعودة إلى السودان، فقد أقام المدعي هذه الدعوى طالباً الحكم أولاً: بوقف تنفيذ قرار الإبعاد الصادر من وزير الداخلية، وثانياً: الحكم بإلغاء القرار المذكور واعتبار المدعي مصرياً وأحقيته في الحصول على شهادة مثبتة لجنسيته المصرية. واحتياطياً منحه إقامة عشر سنوات في مصر حتى يتم شفاؤه. وقد ردت الحكومة على الدعوى بأن المدعي غير معين الجنسية وقد ولد بحلب سنة 1896، وفي 7 من يناير سنة 1954 تقدمت ضده شكوى بأنه يقيم في البلاد بطريقة غير قانونية وأنه لم يجدد إقامته منذ حضوره سنة 1947، وقد تحرر محضر بأقوال المدعي ذكر فيه أنه حضر إلى مصر سنة 1909 هو وعائلته بدون جواز سفر، وأقام بها حتى سنة 1916، ثم سافر إلى السودان وأقام بها حتى سنة 1925؛ حيث حضر إلى مصر وتزوج من سيدة يدعي أنها مصرية وعاد بها إلى السودان، واستخرج سنة 1930 جواز سفر سوداني وأصبح سوداني الجنسية، ثم حضر إلى مصر مرة أخرى سنة 1946، وقرر بالمحضر أنه لا يتذكر إذا كان قد حصل على تأشيرة دخول أم لا. وبالاطلاع على جواز سفره تبين أنه جواز سفر سوداني رقم 9269 صادر من الخرطوم في 14 من فبراير سنة 1948، وليس به أية تأشيرات تفيد حصوله على إقامة بمصر أو على تأشيرة دخول قانونية. وبناء على ذلك نبهت عليه الإدارة بمغادرة البلاد تطبيقاً لنص المادة 9 من المرسوم بقانون رقم 74 لسنة1952؛ حيث لا حق له في الإقامة بالبلاد، وقد غادر البلاد فعلاً في 30 من أغسطس سنة 1954: إلا أنه عاد في أول يناير سنة 1955 وقدم طلباً للحصول على إقامة خاصة له ولزوجته. ولما بحث طلبه تبين أنه لا يستحق الإقامة بالبلاد، فنبه عليه بمغادرة البلاد في 7 من فبراير سنة 1955، فتقدم بعدة تظلمات رفضت جميعها، فطلب إمهاله بحجة أنه مريض فأحيل إلى القومسيون الطبي، فقرر أن حالته لا تمنعه من مغادرة البلاد. وبجلسة أول نوفمبر سنة 1955 قضت المحكمة بوقف تنفيذ القرار المطعون فيه، ثم بجلسة 24 من يوليه سنة 1956 قضت المحكمة "بإلغاء القرار الصادر من وزارة الداخلية في 7 من فبراير سنة 1955 بتكليف المدعي بمغادرة البلاد، وألزمت الحكومة بالمصروفات". وأقامت المحكمة قضاءها على "أن القانون رقم 160 لسنة 1950 الخاص بالجنسية المصرية قضى في مادته الأولى أن المصريين هم..... (5) الرعايا العثمانيون الذين كانوا يقيمون عادة في الأراضي المصرية في 5 من نوفمبر سنة 1914 وحافظوا على تلك الإقامة حتى تاريخ 10 من مارس سنة 1929 سواء أكانوا بالغين أم قصر. وبتطبيق هذا النص على حالة المدعي على ضوء ما تقدم يتعين اعتباره مصرياً؛ فهو من أصل عثماني دخل البلاد منذ سنة 1909 وحافظ على الإقامة فيها حتى 10 من مارس سنة 1929، ولا يؤثر في ذلك أنه أقام بعض الوقت في السودان؛ لأن الوضع السياسي في هذا التاريخ وحتى صدور القانون رقم 160 لسنة 1950 كان يسمح باعتبار السودان جزءاً من مصر، ليس له كيان مستقل عنها سياسياً، ولم يكن لأهله جنسية خاصة، ومن ثم كانت الإقامة فيه فيما يتعلق باكتساب الجنسية المصرية في حكم الإقامة في مصر سواء بسواء؛ ويؤيد ذلك أن المشرع حرص على إبراز هذا المعنى في المذكرة الإيضاحية للقانون رقم 160 لسنة 1950...."، وأنه "متى ثبت أن المدعي مصري الجنسية فإن القرار الصادر بإبعاده وتكليفه بمغادرة البلاد في أول سبتمبر سنة 1955 استناداً إلى المرسوم بقانون رقم 74 لسنة 1952 الخاص بإقامة الأجانب يكون مخالفاً للقانون حقيقاً بالإلغاء".
ومن حيث إن الطعن يقوم على أنه "ولئن كانت وجهة النظر المصرية تعتبر السودان جزءاً من مصر، إلا أن هذا الحق الطبعي كانت تنازع الدولة المصرية فيه دولة أجنبية اغتصبت السلطة على هذا الإقليم، وكانت من نتيجة هذه المنازعة أن سيادة القوانين المصرية تعطلت، فلم تكن تمتد إلى إقليم السودان، ولذلك كيف علماء القانون الدولي بحق الحالة في السودان بأنها حالة إقليم متنازع عليه، وقالوا إنه لا يدخل في ملكية الدولتين أو إحداهما، وإنما هو إقليم متنازع عليه منفصل عن إقليم الدولتين تفرد له إدارة خاصة تتولاها هيئة تشترك فيها حكومتا الدولتين اللتين تقومان بالحكم. ومؤدى هذا أن جنسية إحدى الدولتين لا تكون لرعايا هذا الإقليم"، وأنه "لم يرد نص صريح في قوانين الجنسية المصرية يخرج على هذا الأصل المقرر في القانون الدولي، وأن ما جاء في المذكرة الإيضاحية للقانون رقم 160 لسنة 1950 ليس له قوة التشريع، والأصل أن المذكرة الإيضاحية عمل فردي غير صادر من المشرع فليس من شأنها أن تخلق قاعدة لم يقررها المشرع أو تقيم حكماً خاصاً أو تطلق نصاً مقيداً، وعلى هذا الأساس انحصرت سيادة التشريع المصري على الإقليم المصري بمعناه الضيق واضطرت الحكومة المصرية في 17 من مايو سنة 1902 أن تعقد مع حكومة السودان معاهدة خاصة بتسليم المجرمين. وغني عن البيان أن السيادة المصرية مظهرها حق الدولة في أن تنظم المهاجرة من إقليمها، وأن تستبقى في جنسيتها أفراد رعايا المهاجرين، وأن تكلفهم بدفع الضرائب التي تفرضها عليهم، وأن تطلبهم للخدمة العسكرية، وأن تجندهم للدفاع عنها، وحقها في أن تسن التشريعات اللازمة لها، وأن تخضع لها جميع الأشخاص المقيمين على الإقليم سواء في ذلك الرعايا والأجانب، وكل هذه المظاهر معطلة الأثر بالنسبة لإقليم السودان"، وأنه "لما كانت التشريعات مرتبطاً تطبيقها بتطبيق قانون الجنسية، فإن الإقامة المعتبرة قانوناً هي تلك الإقامة على الإقليم الذي تكون سيادة الدولة عليه كاملة بحيث تملك مراقبة الدخول إليه والإبعاد عنه". وإذ ذهب الحكم المطعون فيه غير هذا المذهب فإنه يكون قد خالف القانون.
ومن حيث إنه يبين من الأوراق أنه في 7 من يناير سنة 1954 قدمت شكوى لإدارة الجوازات والجنسية بأن المدعي حضر إلى مصر من السودان بتأشيرة صالحة لمدة أربعة أشهر، وأنه استمر في الإقامة في البلاد دون ترخيص بذلك من الجهات المختصة، وقد جرى البحث عن محل إقامة المدعي إلى أن عثر عليه، وفي محضر محرر في 20 من مارس سنة 1954 سئل عما ورد بالشكوى فقرر ما يأتي "أنا حضرت سنة 1909 من سوريا مع عائلتي بدون جواز سفر واستمرت إقامتي بمصر إلى سنة 1916، ثم سافرت إلى السودان وأقمت به حتى سنة 1925 كنت أزور خلال هذه الفترة مصر، ثم تزوجت من مصرية وأخذتها وعدت إلى السودان واستخرجت جواز سفر سوداني سنة 1930 بناء على إقامتي الطويلة بالسودان وأصبحت سوداني الجنسية، ثم استمرت إقامتي حتى سنة 1946 بالسودان، وحضرت بجواز سفر سوداني إلى مصر ولا أتذكر إذا كنت حصلت على تأشيرة بالدخول أم لا، والمهم أنى أنا حضرت إلى مصر سنة 1946 ومكثت بها إلى الآن. وكان جواز سفري الأول قد انتهى فأرسلته بالبريد إلى الخرطوم لأحد أصدقائي وقام باستخراج جواز سفر جديد باسمي سنة 1948 وأرسله إليَّ بالبريد". ثم سئل عن مهنته ومم يتعيش فقال "أنا ليس لي عمل بمصر وأما بالسودان فلي محل تجارة مني فاتورة ببلدة النهود، ولي شريك هناك موجود بالمحل". وقد وجد معه جواز سفر سوداني رقم 9269 صادر بالخرطوم في 14 من فبراير سنة 1948 باسمه وليس على الجواز أية تأشيرة تفيد حصوله على إقامة بالبلاد أو دخوله بطريقة قانونية، وقد أخلى سبيله بالضمان المالي، وكلف بالسفر خلال أسبوعين، ونظراً لانتهاء صلاحية جواز سفره فقد طلب المدعي من وكالة حكومة السودان بالقاهرة تجديد جواز سفره فردت عليه في 27 من مارس سنة 1954 بأنها تأسف لعدم تجديده لأنه لم يتحصل على الجنسية السودانية، وأنه يمكنه الاتصال مباشرة بوزارة الداخلية السودانية. وفي 24 من إبريل سنة 1954 قدم المدعي طلب امتداد إقامة لمدة ستة أشهر للعلاج، وذكر في الطلب أنه سوداني مسيحي ومهنته تاجر بالنهود وأنه ليس له أي عمل في مصر سوى أملاكه بالسودان وأنه حضر إلى مصر سنة 1947 عن طريق الشلال. وفي 4 من أغسطس سنة 1954 طلب منحه تذكرة مرور مصرية ليتمكن من السفر إلى السودان لتسوية موضوع حصوله على جواز سفر سوداني حيث كان يقيم منذ سنة 1916 إلى أن حضر إلى مصر سنة 1947، فرخص له وغادر الشلال في 30 من أغسطس سنة 1954. وفي أول يناير سنة 1955 عاد المدعي إلى مصر، وتقدم بطلب للحصول على إقامة خاصة له ولزوجته، ولما كانت التعليمات تقضي بعدم الترخيص لمن كلف بالسفر بالدخول خلال سنة من مغادرته البلاد فقد كلف المدعي في 7 من فبراير سنة 1955 بمغادرة البلاد خلال أسبوعين وقد تعهد بتنفيذ ذلك في المهلة المحددة له. وفي 19 من مارس سنة 1955 تقدم المدعي بطلب إقامة لمدة عشر سنوات، وكرر في طلبه ما سبق أن ذكره من حضوره إلى مصر سنة 1909 وإقامته فيها إلى سنة 1926 - وقد سبق أن قرر أنه أقام فيها إلى سنة 1916 - ثم سفره إلى السودان ثم حضوره إلى مصر سنة 1947، وأيد أقواله بشهادة صادرة من بطريركية الأرمن الكاثوليك في 16 من فبراير سنة 1955 بأنه قدم مع والديه إلى مصر سنة 1909 وأنه كان مقيماً بالقاهرة مع والدته طول المدة التي كانت فيها الجمعية الخيرية تتولى إعانة هذه العائلة، أي من سنة 1909 إلى يونيه سنة 1926، وأن المدعي منذ زواجه في سنة 1925 حتى تاريخ تحرير الشهادة كان مقيماً بالقاهرة، إلا أنه كان يتردد بين حين وآخر على السودان لمباشرة أعماله. كما قدم شهادة من كنيسة الأرمن الكاثوليك بحلب تفيد أنه ولد في حلب سنة 1896، وقد رأت الإدارة إمهاله شهراً إلى أن تبحث حالته، ثم انتهت بعد بحث حالته إلى أن إقامته المنقطعة بمصر لا تشفع له في الإقامة فكلف بمغادرة البلاد.
ومن حيث إنه يبين من استظهار حالة المدعي، على النحو السابق تفصيله، أنه ولد في حلب سنة 1896، وحضر إلى مصر مع والديه سنة 1909، وأنه سافر إلى السودان في سنة 1916 بنية التوطن نهائياً فيه؛ وآية ذلك أنه أقام في السودان إقامة مستمرة منذ سنة 1916 إلى سنة 1947 دون أن يحضر إلى مصر، وأنه اشترك خلال هذه المدة في تأسيس شركة تجارية، واتسع نشاطه التجاري في تلك البلاد - على ما يبين من الشهادات المقدمة لبعض التجار بمصر والسودان - ونمى ثروته، ولم يحضر إلى مصر في سنة 1947 إلا بقصد العلاج، كما حصل على جواز سفر سوداني، وتمسك في جميع مراحل النزاع بينه وبين إدارة الجوازات والجنسية بأنه سوداني الجنسية، بل إنه في طلبه الأخير الذي قدمه للإدارة في 19 من مارس سنة 1955 التمس منحه إقامة لمدة عشر سنوات، وهذه الإقامة لا يطلبها إلا الأجنبي.
ومن حيث إن الفقرة الخامسة من المادة الأولى من القانون رقم 160 لسنة 1950 الخاص بالجنسية المصرية تنص على ما يأتي: "المصريون هم.... (5) الرعايا العثمانيون الذين كانوا يقيمون عادة في الأراضي المصرية في 5 من نوفمبر سنة 1914 وحافظوا على تلك الإقامة حتى تاريخ 10 من مارس سنة 1929 سواء أكانوا بالغين أم قصر".
ومن حيث إن مثار هذه المنازعة هو ما إذا كانت إقامة المدعي بالسودان في الفترة من سنة 1916 إلى سنة 1947 تعتبر إقامة في البلاد المصرية؛ ومن ثم يكون المدعي قد توافرت في حقه شروط الفقرة الخامسة من المادة الأولى سالفة الذكر، وهي الإقامة في البلاد من 5 من نوفمبر سنة 1914 إلى 10 من مارس سنة 1929، أم أنها لا تعتبر كذلك.
ومن حيث إن المشرع، إذ فرض الجنسية المصرية بحكم القانون - بالفقرة سالفة الذكر - على أساس مجرد الإقامة وحدها في البلاد المصرية، إنما فرضها على اعتبار أن من نص عليهم في الفقرة المذكورة، وقد أقاموا بالبلاد منذ 5 من نوفمبر سنة 1914 وحافظوا على تلك الإقامة حتى 10 من مارس سنة 1929، قد اتجهت نيتهم فعلاً إلى التوطن فيها بصفة نهائية ورتبوا معيشتهم ومصالحهم على هذا الأساس، وأنهم بذلك قد اندمجوا في المجتمع المصري وأحسوا بأحاسيس أهله وشاركوا المصريين مشاعرهم وأمانيهم بحكم تأثرهم بوسط البلاد التي استقروا فيها وأصبح لهم ما للمصريين وعليهم ما عليهم، يخضعون للقوانين المصرية ويتمتعون بما يتمتع به المصريون من حقوق بلا تمييز أو فارق بينهم. والإقامة في السودان - أياً كانت الروابط والصلات الوثيقة التي تربط البلدين - لا تتوافر فيها كل هذه الاعتبارات التي كانت في الواقع من الأمر هي المناط في فرض الجنسية بقوة القانون، على أساس الإقامة وحدها بالبلاد المصرية طوال الفترة التي حددها فكان يلزم كي تعتبر الإقامة في السودان كالإقامة في مصر قانوناً سواء بسواء - من حيث اكتساب الجنسية المصرية فرضاً - أن يقرر ذلك نص قانوني صريح، ولا يغني عنه العبارة التي وردت في ختام المذكرة الإيضاحية للقانون رقم 160 لسنة 1950 من أن "تعبير المملكة المصرية يشمل أيضاً الأراضي السودانية دون حاجة لإثبات نص خاص بذلك في القانون ذاته...."؛ ذلك أنه يتضح بجلاء من تقصي المراحل التشريعية لهذا القانون وتتبع المناقشات البرلمانية في شأنه، أن هذه العبارة إنما كانت للتعبير عما كان يجيش في الصدور وقتذاك؛ من أنه لا يقبل التفريق بين المصري والسوداني، وعما كان يتمناه الجميع من أن تنبسط الجنسية المصرية على السوداني كأخيه المصري سواء بسواء، ولكن لم يغب عن الأذهان عندئذ أن ثمة من الموانع ما يحول دون جعل تلك الأمنية حقيقة قانونية نافذة ملزمة، فتحاشى المشرع المصري النص على ذلك في القانون ذاته؛ تفادياً لما يترتب عليه من إشكالات. وهذا واضح بوجه خاص من تطور المناقشات بمجلس الشيوخ بجلسة 9 من مايو سنة 1950؛ إذ بعد أن تمسك أحد الشيوخ بوجوب النص على ذلك في القانون ذاته حتى تكون له قوته الملزمة النافذة أصر المقرر على الرأي العكسي، وحسم الموقف شيخ آخر عندما بصر المجلس بالنتائج بقوله "لأن هذه مسألة لها ذيولها فحكومة السودان لم تهتد حتى الآن إلى تعريف لكلمة سوداني وكثيراً ما حدث أن دخل السودان من البلاد المجاورة عدد من أهاليها وأقاموا به فهل يعتبر هؤلاء... سودانيين أو غير سودانيين... لذلك أرى أن لا داعي للنص على هذا في مشروع القانون؛ لأنه يوقعناً في إشكالات عديدة في المستقبل..."، وإزاء ذلك لم يسع الشيخ الذي كان متمسكاً بوجوب النص في صلب القانون إلا أن يعدل عن موقفه، وإن كان على مضض على حسب تعبيره، واكتفى بإثبات تلك العبارة المعبرة وقتذاك عما كان يجيش في الصدور في محاضر اللجنة البرلمانية وعلى لسان مقررها، وبترديدها في المذكرة الإيضاحية، لا على أنها حقيقة قانونية لها قوتها الملزمة النافذة، ولكن كأمنية كان يتمناها الجميع، كما كانوا يتمنون وقتذاك أن تزول الظروف المانعة من تحقيقها. وقد تغيرت الظروف والأوضاع بعد ذلك واستقل السودان الشقيق، فكان من الطبعي ألا يتعرض القانون رقم 391 لسنة 1956 الخاص بالجنسية المصرية لهذا الأمر، لا في مواده ولا في مذكرته الإيضاحية.
ومن حيث إنه يخلص من كل ما تقدم أن ادعاء المدعي، وهو سوري الأصل، اكتسابه الجنسية المصرية على أساس اعتبار إقامته في السودان كإقامته في مصر سواء بسواء في هذا الشأن، لا يقوم على سند أصيل من القانون، ويكون الحكم - والحالة هذه - قد وقع مخالفاً للقانون فيتعين إلغاؤه، والقضاء برفض الدعوى.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه، وبرفض الدعوى، وألزمت المدعي بالمصروفات.

الطعن 1017 لسنة 54 ق جلسة 27 / 11 / 1984 مكتب فني 35 ق 189 ص 849

جلسة 27 من نوفمبر سنة 1984

برياسة السيد المستشار/ عبد الرحيم نافع - نائب رئيس المحكمة. وعضوية السادة المستشارين: حسن غلاب، محمد أحمد حسن والسيد عبد المجيد العشري والصاوي يوسف.

-----------------

(189)
الطعن رقم 1017 لسنة 54 القضائية

إخفاء أشياء مسروقة. قصد جنائي. دفوع "الدفع بعدم العلم بأن المضبوطات متحصلة من جناية". اختلاس. إثبات "بوجه عام". نقض "نظر الطعن والحكم فيه". محكمة النقض "سلطتها" "نظرها الطعن والحكم فيه".
تقدير أدلة الدعوى. موضوعي. إفصاح المحكمة عن أسباب الأخذ بها أو إطراحها. أثره؟ التعاقد بالشراء عن المضبوطات الواردة في سيارة حكومية يمكن حمله على أنها مختلسة. وعلى نقيضه في تأكيد أنها مشتراة من مزاد عام. أثر ذلك على ثبوت تحقيق علم الطاعن بأحد الاحتمالين؟. الهرب أثر الضبط: لا يسلس إلى هذا العلم.

إغفال الحكم بيان فحوى الحديث الذي دار بين الطاعن والسائق. أثره؟

-------------------
إذ كان الحكم المطعون فيه بعد أن حصل واقعة الدعوى وأدلتها عرض لدفاع الطاعن بانتفاء علمه بأن الأسلاك المضبوطة متحصلة من جناية اختلاس وأطرحه مثبتاً هذا العلم في حقه بما مضمونه، أن هذه الأسلاك قد نقلت إلى محل الطاعن في سيارة حكومية ودفع جانباً من ثمنها وكان ينبغي عليه الاطلاع على مستندات حصول البائع عليها من مزاد عام كما أن هربه أثر الضبط والحديث الذي دار بينه وبين سائق السيارة يدل على أنه يعلم بأن السائق موظف بهيئة حكومية. لما كان ذلك، ولئن كان من المقرر أن لمحكمة الموضوع سلطة تقدير أدلة الدعوى فلها أن تأخذ بها أو تطرحها دون بيان العلة - إلا أنها متى أفصحت عن الأسباب التي من أجلها أخذت بها أو أطرحتها فإنه يلزم أن يكون ما أوردته واستدلت به مؤدياً لما رتب عليها من نتائج من غير تعسف في الاستنتاج ولا تنافر مع حكم العقل ويكون لمحكمة النقض مراقبتها في ذلك. لما كان ذلك وكان ما ساقه الحكم فيما تقدم تدليلاً على توافر علم الطاعن بأن الأسلاك متحصلة من جناية اختلاس - لا يؤدي في جملته أو تفصيله إلى ثبوت هذا العلم الذي يجب أن يكون يقينياً في حق الطاعن، ذلك أن تعاقده بالشراء على المضبوطات التي وردت في سيارة حكومية - كما يمكن حمله على أنها مختلسة يمكن حمله على نقيضه في تأكيد أنها مشتراة من مزاد عام بما لا يلزم عنه بالضرورة ثبوت تحقق علم الطاعن بأحد الاحتمالين، كما أن الهرب أثر الضبط لا يسلس إلى هذا العلم - هذا إلى أن إغفال الحكم بيان فحوى الحديث الذي دار بين الطاعن والسائق قد أوصد وجه استدلاله به في تحقق علم الطاعن على النحو المعتبر قانوناً. لما كان ذلك وكان ما استدل به الحكم لا يؤدي إلى النتيجة التي انتهى إليها فإنه يكون قد قصر استدلاله بما يعيبه ويوجب نقضه، وذلك دون حاجة لبحث سائر أوجه الطعن.


الوقائع

اتهمت النيابة العامة الطاعن بأنه أخفى الأشياء المختلسة والمتحصلة من جرائم اختلاس مع علمه بذلك وبأنها مملوكة لهيئة كهرباء مصر. وطلبت عقابه طبقاً لمواد الاتهام.
ومحكمة جنايات القاهرة قضت حضورياً عملاً بالمواد 44 مكرر، 112 من قانون العقوبات مع إعمال المادة 17 من ذات القانون بمعاقبة المتهم بالسجن لمدة ثلاث سنوات.
فطعن المحكوم عليه في هذا الحكم بطريق النقض.... إلخ.


المحكمة

حيث إنه مما ينعاه الطاعن على الحكم المطعون فيه أنه إذ دانه بجريمة إخفاء أشياء متحصلة من جناية اختلاس مع علمه بذلك. فقد شابه الفساد في الاستدلال. ذلك بأن المدافع عنه تمسك بانتفاء ركن العلم بأن الأسلاك المضبوطة متحصلة من جناية اختلاس إذ أنه اشتراها ممن يتجر في مثلها وأفهمه البائع أنها مشتراة من مزاد عام فضلاً عن أنها لا تحوي علامات مميزة تفيد أنها مملوكة للدولة، وأطرح الحكم هذا الدفاع وأقام قضاءه بتوافره علم الطاعن على أدلة لا تؤدي إلى ما رتبه عليها ولا تكفي لحمل قضائه مما يعيبه ويوجب نقضه.
وحيث إن الحكم المطعون فيه بعد أن حصل واقعة الدعوى وأدلتها عرض لدفاع الطاعن بانتفاء علمه بأن الأسلاك المضبوطة متحصلة من جناية اختلاس وطرحه مثبتاً هذا العلم في حقه بما مضمونه، أن هذه الأسلاك قد نقلت إلى محل الطاعن في سيارة حكومية ودفع جانباً من ثمنها وكان ينبغي عليه الاطلاع على مستندات حصول البائع عليها من مزاد عام كما أن هربه أثر الضبط والحديث الذي دار بينه وبين سائق السيارة يدل على أنه يعلم بأن السائق موظف بهيئة حكومية. لما كان ذلك، ولئن كان من المقرر أن لمحكمة الموضوع سلطة تقديرية أدلة الدعوى فلها أن تأخذ بها أو تطرحها دون بيان العلة - إلا أنها متى أفصحت عن الأسباب التي من أجلها أخذت بها أو أطرحتها فإنه يلزم أن يكون ما أوردته واستدلت به مؤدياً لما رتب عليها من نتائج من غير تعسف في الاستنتاج ولا تنافر مع حكم العقل ويكون لمحكمة النقض مراقبتها في ذلك. لما كان ذلك، وكان ما ساقه الحكم فيما تقدم تدليلاً على توافر علم الطاعن بأن الأسلاك متحصلة من جناية اختلاس - لا يؤدي في جملته أو تفصيله إلى ثبوت هذا العلم الذي يجب أن يكون يقينياً في حق الطاعن، ذلك أن تعاقده بالشراء على المضبوطات التي وردت في سيارة حكومية - كما يمكن حمله على أنها مختلسة يمكن حمله على نقيضه في تأكيد أنها مشتراة من مزاد عام بما لا يلزم عنه بالضرورة ثبوت تحقق علم الطاعن بأحد الاحتمالين، كما أن الهرب أثر الضبط لا يسلس إلى هذا العلم - هذا إلى أن إغفال الحكم بيان فحوى الحديث الذي دار بين الطاعن والسائق قد أوصد وجه استدلاله به في تحقيق علم الطاعن على النحو المعتبر قانوناً. لما كان ذلك وكان ما استدل به الحكم لا يؤدي إلى النتيجة التي انتهى إليها فإنه يكون قد قصر استدلاله بما يعيبه ويوجب نقضه، وذلك دون حاجة لبحث سائر أوجه الطعن.

الطعن 302 لسنة 50 ق جلسة 13 / 11 / 1980 مكتب فني 31 ق 191 ص 989

جلسة 13 من نوفمبر سنة 1980

برياسة السيد المستشار/ صلاح نصار نائب رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: حسن جمعه، وأحمد محمود هيكل، وأحمد أبو زيد، والدكتور علي فاضل.

-----------------

(191)
الطعن رقم 302 لسنة 50 القضائية

(1) دفوع. "الدفع بقوة الشيء المحكوم فيه". "الدفع بعدم جواز نظر الدعوى لسبق الفصل فيها". دفاع. "الإخلال بحق الدفاع. ما لا يوفره". حكم. "تسبيبه. تسبيب غير معيب". "حجيته". إثبات. "قوة الأمر المقضي".
شروط صحة الدفع بقوة الشيء المحكوم فيه. اتحاد الموضوع والسبب والأشخاص في محاكمة نهائية سابقة. مع المحاكمة التالية. مثال لتسبيب سائغ في رفض الدفع بقوة الشيء المحكوم فيه.
(2) نقض. "الطعن بالنقض". "ما لا يجوز الطعن فيه من الأحكام" 

ليس للطاعن أن يثير شيئاً عن الحكم المستأنف لأول مرة أمام محكمة النقض.
(3) دفاع. "الإخلال بحق الدفاع. ما لا يوفره". حكم. "تسبيبه. تسبيب غير معيب".
تحصيل حكم أول درجة لدفاع الطاعن، والرد عليه، تأييد محكمة ثاني درجة للحكم المذكور لأسبابه دون التعرض لهذا الدفاع. مفاده. إطراحه.
(4) إجراءات. "إجراءات المحاكمة". دفاع. "الإخلال بحق الدفاع. ما لا يوفره". حكم. "تسبيبه. تسبيب غير معيب". أحداث. محكمة النقض "سلطتها".
الدفع بأن المتهم كان حدثاً وقت وقوع الجريمة. اتصاله بالولاية. جواز إثارته في أية مرحلة من مراحل الدعوى ولو لأول مرة أمام محكمة النقض. ولهذه المحكمة القضاء فيه من تلقاء نفسها. شرط ذلك: أن تكون عناصر المخالفة ثابتة في الحكم بغير حاجة إلى إجراء تحقيق موضوعي.
(5) إثبات. "بوجه عام". "أوراق رسمية". أوراق رسمية. أحداث.
جواز الاعتداد بالبطاقة الشخصية في تقدير سن الحدث. أساس ذلك. أنها وثيقة رسمية. م 32 من القانون رقم 31 لسنة 1974 بشأن الأحداث.

------------------
1 - حيث إن الحكم الابتدائي المؤيد لأسبابه بالحكم المطعون فيه بين واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية لجريمة القتل الخطأ التي دان الطاعن بها وأورد على ثبوتها في حقه أدلة سائغة من شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه عليها وقد عرض الحكم الصادر في المعارضة الابتدائية للدفع بعدم جواز نظر الدعوى لسبق الفصل فيها ورد عليه بقوله "وحيث إنه عن دفع المتهم بعدم جواز نظر الدعوى لسابقة الفصل فيها في الجناية رقم 46 لسنة 1972 كلي المنيا بجلسة 25/ 4/ 1973 فهو في غير محله إذ الثابت من الأوراق أن الحكم المشار إليه صدر من محكمة أمن الدولة العليا ولم يقره السيد رئيس الجمهورية عن التهمة الماثلة وأمر بتاريخ 3/ 7/ 1974 بإعادة محاكمة عن هذه التهمة أمام هيئة أخرى وقد تم ذلك بالفعل وقضت محكمة أمن الدولة العليا بجلسة 18/ 2/ 1975 غيابياً بعدم اختصاصها بنظر الدعوى وإحالتها إلى محكمة الجنح المختصة فأحيلت إلى هذه المحكمة حيث أصدرت بهيئة أخرى الحكم المعارض فيه". لما كان ذلك. وكان من المقرر أنه يشترط لصحة الدفع بقوة الشيء المحكوم فيه في المسائل الجنائية أن يكون هناك حكم بات سبق صدوره في محاكمة جنائية معينة يتحد موضوعها وسببها وأشخاصها مع المحاكمة التالية؛ وإذ كان يبين من المفردات المضمومة أن ما أورده الحكم في هذا الشأن له معينه الصحيح من الأوراق، وكان الحكم الصادر من محكمة أمن الدولة العليا في جريمة القتل الخطأ موضوع الدعوى الماثلة قد ألغي، فإن ما انتهى إليه الحكم الابتدائي المؤيد لأسبابه بالحكم المطعون فيه من رفض هذا الدفع يكون متفقاً وصحيح القانون.
2 - ليس للمتهم أن يثير شيئاً عن الحكم المستأنف لأول مرة أمام محكمة النقض.
3 - لما كان الحكم الابتدائي المؤيد لأسبابه والمكمل بالحكم المطعون فيه قد حصل دفاع الطاعن في خصوص دفعه سالف البيان وأطرحه بأسباب سائغة التزم فيها التطبيق القانوني الصحيح فإن تأييد الحكم المطعون فيه للحكم الابتدائي لأسبابه يفيد إطراح المحكمة لهذا الدفاع.
4 - عما يثيره الطاعن من أنه كان حدثاً وقت وقوع الجريمة بما يجعل محكمة الجنح العادية غير مختصة بمحاكمته الأمر الذي لم تفطن إليه محكمة ثاني درجة، فإنه ولئن كان هذا الدفع مما يتصل بالولاية وهو متعلق بالنظام العام ويجب على المحكمة أن تحكم به من تلقاء نفسها ويجوز الدفع به في أي حالة تكون عليها الدعوى ولو لأول مرة أمام محكمة النقض ولها أن تقضي هي فيه من تلقاء نفسها بغير طلب وتنقض الحكم لمصلحة المتهم طبقاً للحق المقرر لها بمقتضى الفقرة الثانية من المادة 35 من القانون رقم 57 لسنة 1959 في شأن حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض إلا أن ذلك مشروط بأن تكون عناصر المخالفة ثابتة في الحكم المطعون فيه بغير حاجة إلى إجراء تحقيق موضوعي.
5 - لما كانت البطاقة الشخصية تعتبر دليلاً على صحة البيانات الواردة فيها طبقاً لنص المادة 51 من القانون رقم 260 سنة 1960 في شأن الأحوال المدنية فهي تعد من قبيل الوثيقة الرسمية التي يعتد بها في تقدير سن الحدث طبقاً لنص المادة 32 من القانون رقم 31 لسنة 1974 بشأن الأحداث.


الوقائع

اتهمت النيابة العامة الطاعن بأنه: تسبب خطأ في موت....... وكان ذلك ناشئاً عن إهماله وعدم احترازه ومخالفته للقوانين بأن أطلق عياراً نارياً في حفل عرس ولم يتخذ الحيطة الكافية عند إطلاقه فانحرف المقذوف وأصاب المجني عليه بالإصابات المبينة بالتقرير الطبي والتي أودت بحياته، وطلبت عقابه بالمادة 238/ 1 من قانون العقوبات، ومحكمة جنح مركز العدوة الجزئية قضت غيابياً عملاً بمادة الاتهام بحبس المتهم ستة أشهر مع الشغل وكفالة عشرة جنيهات لوقف التنفيذ. فعارض وقضي في المعارضة بقبولها شكلاً ورفضها موضوعاً وتأييد الحكم المعارض فيه. فاستأنف، ومحكمة المنيا الابتدائية - بهيئة استئنافية - قضت حضورياً بقبول الاستئناف شكلاً وفي الموضوع برفضه وتأييد الحكم المستأنف. فطعن المحكوم عليه في هذا الحكم بطريق النقض... إلخ.


المحكمة

حيث إن مبنى الطعن هو أن الحكم المطعون فيه إذ دان الطاعن بجريمة القتل الخطأ قد أخطأ في تطبيق القانون وشابه إخلال بحق الدفاع وقصور في التسبيب وانطوى على البطلان، ذلك بأن الطاعن دفع أمام محكمة الموضوع بعدم جواز نظر الدعوى لسبق الفصل فيها إلا أن محكمة أول درجة - رفضت هذا الدفع على غير سند من صحيح القانون ودون أن تتيح له إبداء دفاعه الموضوعي. واعتنق الحكم المطعون فيه أسباب الحكم الابتدائي وأغفل الرد على هذا الدفع. هذا فضلاً عن أن الطاعن كان وقت الحادث حدثاً فلا تختص بمحاكمته سوى محكمة الأحداث كل ذلك مما يعيب الحكم ويستوجب نقضه.
وحيث إن الحكم الابتدائي المؤيد لأسبابه بالحكم المطعون فيه بين واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية لجريمة القتل الخطأ التي دان الطاعن بها وأورد على ثبوتها في حقه أدلة سائغة من شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه عليها وقد عرض الحكم الصادر في المعارضة الابتدائية للدفع بعدم جواز نظر الدعوى لسبق الفصل فيها ورد عليه بقوله "وحيث إنه عن دفع المتهم بعدم جواز نظر الدعوى لسابقة الفصل فيها في الجناية رقم 46 لسنة 1972 كلي المنيا بجلسة 25/ 4/ 1973 فهو في غير محله إذ الثابت من الأوراق أن الحكم المشار إليه صدر من محكمة أمن الدولة العليا ولم يقره السيد رئيس الجمهورية عن التهمة الماثلة وأمر بتاريخ 3/ 7/ 1974 بإعادة محاكمته عن هذه التهمة أمام هيئة أخرى وقد تم ذلك بالفعل وقضت محكمة أمن الدولة العليا بجلسة 18/ 2/ 1975 غيابياً بعدم اختصاصها بنظر الدعوى وإحالتها إلى محكمة الجنح المختصة فأحيلت إلى هذه المحكمة حيث أصدرت بهيئة أخرى الحكم المعارض فيه". لما كان ذلك، وكان من المقرر أنه يشترط لصحة الدفع بقوة الشيء المحكوم فيه في المسائل الجنائية أن يكون هناك حكم بات سبق صدوره في محاكمة جنائية معينة يتحد موضوعها وسببها وأشخاصها مع المحاكمة التالية، وإذ كان يبين من المفردات المضمومة أن ما أورده الحكم في هذا الشأن له معينه الصحيح من الأوراق، وكان الحكم الصادر من محكمة أمن الدولة العليا في جريمة القتل الخطأ موضوع الدعوى الماثلة قد ألغي، فإن ما انتهى إليه الحكم الابتدائي المؤيد لأسبابه بالحكم المطعون فيه من رفض هذا الدفع يكون متفقاً وصحيح القانون، ويضحى منعى الطاعن في هذا الشأن غير سديد. وما يثيره من أن محكمة أول درجة لم تتح له إبداء دفاعه الموضوعي فغير مقبول، لما هو مقرر من أنه ليس للمتهم أن يثير شيئاً عن الحكم المستأنف لأول مرة أمام محكمة النقض فضلاًَ عن أن الثابت من الاطلاع على محاضر جلسات المحاكمة والمفردات المضمومة أن الطاعن مثل عند نظر معارضته الابتدائية بجلسة 27/ 11/ 1977 وفيها حجزت المحكمة الدعوى للحكم وصرحت بتقديم مذكرات فاقتصر الطاعن في دفاعه المكتوب على التحدث عن الدفع بعدم جواز نظر الدعوى لسبق الفصل فيها، وبعد صدور الحكم في المعارضة استأنف ومثل أمام المحكمة الاستئنافية التي لم تحل دون إتمامه لدفاعه أو تحدد له نطاقه أو تجزئه عليه، ومن ثم فإنه لم يحرم من إبداء دفاعه الموضوعي ولم يمس له حق بما تنتفي معه دعوى الإخلال بحق الدفاع. لما كان ذلك، وكان الحكم الابتدائي المؤيد لأسبابه والمكمل بالحكم المطعون فيه قد حصل دفاع الطاعن في خصوص دفعه سالف البيان وأطرحه بأسباب سائغة التزم فيها التطبيق القانوني الصحيح فإن تأييد الحكم المطعون فيه للحكم الابتدائي لأسبابه يفيد إطراح المحكمة لهذا الدفاع وما يثره الطاعن من دعوى القصور يكون على غير أساس. وعما يثيره الطاعن من أنه كان حدثاً وقت وقوع الجريمة بما يجعل محكمة الجنح العادية غير مختصة بمحاكمته الأمر الذي لم تفطن إليه محكمة ثاني درجة، فإنه ولئن كان هذا الدفع مما يتصل بالولاية وهو متعلق بالنظام العام ويجب على المحكمة أن تحكم به من تلقاء نفسها ويجوز الدفع به في أي حالة تكون عليها الدعوى ولو لأول مرة أمام محكمة النقض ولها أن تقضي هي فيه من تلقاء نفسها بغير طلب وتنقض الحكم لمصلحة المتهم طبقاً للحق المقرر لها بمقتضى الفقرة الثانية من المادة 35 من القانون رقم 57 لسنة 1959 في شأن حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض إلا أن ذلك مشروط بأن تكون عناصر المخالفة ثابتة في الحكم المطعون فيه بغير حاجة إلى إجراء تحقيق موضوعي. لما كان ذلك، وكانت مدونات الحكم فضلاً عن أنها خالية مما ينتفي به موجب اختصاص محكمة الجنح العادية قانوناً بمحاكمة الطاعن وليس فيها ما يظاهر ما يدعيه الطاعن من أنه كان حدثاً وقت مقارفته الجريمة المسندة إليه فإن الثابت من المفردات التي أمرت المحكمة بضمها أن الطاعن رفع إشكالاً في تنفيذ الحكم المطعون فيه ومثل أمام محكمة الإشكال وأقر بأنه لم يكن حدثاً وقت وقوع الجريمة واطلعت المحكمة على بطاقته الشخصية وتبين لها أنه من مواليد 10/ 8/ 1953، ولما كانت البطاقة الشخصية تعتبر دليلاً على صحة البيانات الواردة فيها طبقاً لنص المادة 51 من القانون رقم 260 سنة 1960 في شأن الأحوال المدنية فهي تعد من قبيل الوثيقة الرسمية التي يعتد بها في تقدير سن الحدث طبقاً لنص المادة 32 من القانون رقم 31 لسنة 1974 بشأن الأحداث وإذ كانت الجريمة المسندة للطاعن قد وقعت بتاريخ 7/ 1/ 1972 فإن سنه وقت ارتكاب الجريمة التي دين بها تكون قد تجاوزت الثماني عشرة المحددة كحد أقصى سن للحدث ومن ثم فإن الحكم يكون قد صدر من المحكمة المختصة بمحاكمته ويصبح النعي على الحكم في هذا الخصوص غير سديد. لما كان ما تقدم، فإن الطعن برمته يكون على غير أساس متعيناً رفضه موضوعاً.

الطعن 1789 لسنة 2 ق جلسة 8 / 6 / 1957 إدارية عليا مكتب فني 2 ج 3 ق 117 ص 1115

جلسة 8 من يونيه سنة 1957

برياسة السيد/ السيد علي السيد رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة السيد إبراهيم الديواني والإمام الإمام الخريبي وعلي إبراهيم بغدادي ومصطفى كامل إسماعيل المستشارين.

-------------------

(117)

القضية رقم 1789 لسنة 2 القضائية

(أ) مرافعات 

- القانون رقم 345 لسنة 1956 في شأن تنظيم الجامعات - تحريمه الطعن بالإلغاء أو وقف التنفيذ أمام أية هيئة قضائية في القرارات والأوامر الصادرة من الهيئات الجامعية في شئون طلابها - استعماله كلمة "الطعن" في هذا الصدد لا يمنع من اعتباره من القوانين المعالجة للاختصاص لا المنظمة لطرق الطعن في الأحكام - العبرة بمقصود الشارع - المقصود بعبارة "الطعن" في هذا المقام، الدعوى التي موضوعها طلب إلغاء قرار صادر من الهيئات الجامعية في شئون طلابها أو وقف تنفيذه.
(ب) طعن 

- القضاء الإداري لا يعتبر بالنسبة للجهة الإدارية درجة أعلى من درجات التقاضي، بل الجهتان مستقلتان في اختصاصهما المتعلق بالوظيفة - طلب الإلغاء أو وقف التنفيذ هو في حقيقته دعوى مبتدأة بالنسبة للقرار الإداري.
(ج) اختصاص 

- القانون هو الأداة التي أنشأت مجلس الدولة وحددت اختصاصه، وهو الأداة التي توسع أو تضيق هذا الاختصاص - المادة 291 من القانون رقم 345 لسنة 1956 تعتبر معدلة لاختصاص مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري.
(د) مرافعات 

- القانون المعدل للاختصاص يسري على ما لم يكن قد قفل باب المرافعة فيه من الدعاوى قبل تاريخ العمل به - القانون الملغى لولاية جهات القضاء في نوع من المنازعات يسري على ما لم يفصل فيه من الدعاوى حتى ولو كان باب المرافعة قد قفل فيها قبل العمل به.
(هـ) مرافعات 

- إلغاء الوسيلة القضائية ليس معناه إلغاء أصل الحق في ذاته - دليل ذلك - مثال.
(و) جامعة 

- القانون رقم 345 لسنة 1956 في شأن تنظيم الجامعات - تحريمه الطعن بالإلغاء أو وقف التنفيذ أمام أية هيئة قضائية في القرارات والأوامر الصادرة من الهيئات الجامعية في شئون طلابها - القول بعدم دستوريته - في غير محله - المقصود بمبدأ المساواة أمام القانون.

----------------
1 - لفهم ما إذا كان القانون الجديد هو في حقيقته قانون متعلق بالاختصاص أم قانون متعلق بتنظيم طرق الطعن أمام درجات التقاضي في حكم المادة الأولى من قانون المرافعات، لا يجب الوقوف عند مجرد التعبيرات والألفاظ التي ترد في صياغة القانون الجديد، بل يجب التحري عن مقصود الشارع؛ لأن من الأصول المسلمة في التفسير أن العبرة بالمعاني لا بالألفاظ والمباني. وعلى هدى ذلك، فإن الشارع إذ نص في المادة 291 من القانون رقم 345 لسنة 1956 في شأن تنظيم الجامعات على أنه "لا يجوز الطعن بالإلغاء أو وقف التنفيذ أمام أية جهة قضائية في القرارات والأوامر الصادرة من الهيئات الجامعية في شئون طلابها"، إنما عنى بعبارة "الطعن" الدعوى التي ترفع أمام القضاء والتي يكون موضوعها طلب إلغاء قرار صادر من الهيئات الجامعية في شئون طلابها أو وقف تنفيذه، ولم يقصد من تلك العبارة أي معنى خاص بتنظيم الطعن في الأحكام أمام درجات التقاضي، بل قصد إلى عزلها عن نظر مثل هذه المنازعات، أو بعبارة أخرى أنها لا تختص بها؛ وآية ذلك أن الشارع قد يستعمل عبارة "عدم جواز النظر" أو "عدم سماع الدعوى" أو "عدم قبولها"، وهو يقصد في الحقيقة من هذه العبارات ليس تقرير حكم خاص بشكل الدعوى أو بموضوعها، وإنما تقرير حكم معدل للاختصاص. ونجد استعمال هذه العبارات بالمعنى المذكور (أي بمعنى التعديل في الاختصاص) مردداً في قوانين عدة، يكفي الإشارة في هذا المقام إلى ما كان خاصاً باختصاص مجلس الدولة، فمثلاً استعمل القانونان رقما 112 لسنة 1946 بإنشاء مجلس الدولة و9 لسنة 1949 الخاص بهذا المجلس عبارة "لا تقبل" الطلبات المتعلقة بعمل من أعمال السيادة؛ بمعنى أن القضاء الإداري لا يختص بنظرها؛ ولذا استعمل الشارع في القانون رقم 165 لسنة 1955 بتنظيم مجلس الدولة في المادة 12 منه عبارة "لا يختص" مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري بالنظر في الطلبات المتعلقة بأعمال السيادة، أي باللفظ الأدق في التعبير عن المعنى المقصود.
2 - إن القضاء الإداري لا يعتبر بالنسبة للجهة الإدارية درجة أعلى من درجات التقاضي، بل الجهتان مستقلتان في اختصاصهما الوظيفي. وطلب إلغاء القرار الإداري أو وقف تنفيذه إنما يكون بالنسبة للقرارات الإدارية النهائية. فالمفروض - والحالة هذه - أن القرار الإداري يستنفد جميع مراحله في درجات السلم الإداري حتى يصبح نهائياً قبل اللجوء إلى القضاء الإداري بطلب إلغائه أو وقف تنفيذه، وهذا الطلب هو في حقيقته دعوى قضائية مبتدأة بالنسبة إلى القرار الإداري.
3 - إن المادة 291 من القانون رقم 345 لسنة 1956 في شأن تنظيم الجامعات إنما تقرر حكماً جديداً يعدل من اختصاص مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري، وذلك بحذف نظر هذه الدعاوى من اختصاصه. ومن المعلوم أن هذا الاختصاص يحدده القانون سواء بالزيادة أو بالنقصان، فالقانون هو الأداة التي أنشأته كهيئة وحددت اختصاصه، وهو الأداة التي قد تقيد تنظيمه وتوسع من اختصاصه أو تضيقه.
4 - إن المادة الأولى من قانون المرافعات قد رددت في صدرها أصلاً مسلماً، وهو أن نصوص قوانين المرافعات الجديدة تسري بأثر حال على ما لم يكن قد فصل فيه من الدعاوى أو تم من الإجراءات قبل تاريخ العمل به، ثم أخرجت تلك المادة من هذا النطاق الأسباب الملطفة التي نصت عليها في فقراتها الثلاث، بالقيود والشروط التي ذكرتها؛ للحكمة التشريعية التي كشفت عنها المذكرة الإيضاحية. من ذلك ما أشارت إليه الفقرة الأولى من أن القوانين الجديدة "المعدلة" للاختصاص تسري على ما لم يكن قد قفل باب المرافعة فيه من الدعاوى قبل تاريخ العمل بها. وترتيباً على ما تقدم، إذا جاء القانون الجديد ملغياً ولاية جهات القضاء في نوع من المنازعات فإنه يسري على المنازعات التي لم يفصل فيها، حتى ولو كان باب المرافعة قد قفل فيها قبل العمل به؛ لأن مثل هذه الحالة إذا كانت لا تخضع لحكم الفقرة الأولى من المادة الأولى، فإن صدر هذه المادة ينطبق عليها.
5 - إن إلغاء الوسيلة القضائية ليس معناه إلغاء أصل الحق ذاته؛ ذلك أنه يجب عدم الخلط بين أصلين لا تعارض بينهما، وهما: (أولاً) الحق شيء ووسيلة المطالبة شيء آخر، و( ثانياً) أن القانون هو الذي يحدد وسيلة المطالبة بالحق ويعين الجهة التي يلجأ إليها صاحب الحق لاقتضاء حقه، قضائية كانت هذه الجهة أو غير قضائية. فالحق هو سلطة أو مزية يقررها القانون لصاحب الشأن، وهو يظل كامناً ساكناً ولا ينشط ولا يتحرك إلا إذا اعتدى عليه. وسكونه في حالة عدم الاعتداء ونشاطه وتحركه في حالة الاعتداء هما مظهران وحالتان لشيء واحد، ولكن حتى في حالة النشاط والتحرك عند الاعتداء ليس من المحتم أن تكون وسيلة اقتضاء الحق أو رده إلى نصابه هي المطالبة القضائية وحدها، أو أمام جهة قضائية معينة دون أخرى، بل قد تكون غير الوسيلة القضائية، أو قد تكون وسيلة قضائية بوجه معين أو بآخر أمام جهة معينة أو أخرى، كل ذلك حسبما يحدده القانون ويعينه. وآية ذلك كله أن الحق قد يعتدى عليه فينشط في الصورة المتحركة، ومع ذلك لا يلزم أن يلجأ صاحب الحق إلى المحاكم لاقتضائه، فقد يلجأ إلى الجهات الإدارية أو إلى النيابة العامة بطريق الشكوى، فيرد الحق إلى نصابه دون أن يضطر إلى اللجوء إلى القضاء، حتى ولو كانت وسيلة الالتجاء إليه متاحة له من الأصل، مما يؤكد أن إلغاء الوسيلة القضائية ليس معناه إلغاء أصل الحق في ذاته، كما أن الحق قد يعترف به القانون ويقرره ومع ذلك لا يكفله بمطالبة قضائية؛ فالالتزام الطبيعي من جانب الدائن حق وإن كان غير مكفول بدعوى قضائية، فإذا وفاه المدين لما استطاع هذا الأخير أن يسترد ما أداه، ولو أنه لم يكن حقاً لكان المدين في حل من أن يسترد ما أداه، على أساس أنه وفاء بغير سبب، فيحق له أن يسترد ما دفعه بدون حق. ويخلص من ذلك أن ترتيب الحق وتقريره شيء وتحديد الوسيلة القانونية لاقتضائه شيء آخر، كما أن القانون قد يعين جهة غير المحاكم يلجأ إليها صاحب الحق لاقتضاء حقه، كالجهات الإدارية ومنها الهيئات الجامعية وكالجهات الإدارية ذات الاختصاص القضائي، بل وقد يحظر اللجوء إلى المحاكم، كل ذلك حسبما يقرره القانون في هذا الشأن. وعلى هدى ما تقدم، فإن المادة 291 لا تهدر أو تمس أصل حق الطلاب في فرص الدخول في الامتحانات أو في غيرها حسبما تقرره القوانين واللوائح الجامعية، وإنما تمنع فقط أية جهة قضائية من نظر الدعاوى التي يكون موضوعها طلبات إلغاء أو وقف تنفيذ القرارات الصادرة من الجامعة في شئون طلابها، دون الإخلال بأصل حق الطلبة في اللجوء إلى الجهات الأخرى كالهيئات الجامعية أو الرياسية بالنسبة لها، لاقتضاء حقوقهم بحسب القوانين واللوائح، إن كان لهم في ذلك وجه حق، ولو كانت هذه الحقوق قد رفعت بشأنها دعاوى إلغاء أو وقف تنفيذ، وأصبحت المحاكم غير مختصة بنظرها بمقتضى تلك المادة، ما دامت هي لم تمس أصل الحقوق المذكورة في ذاتها، ولم تقرر إلغاءها بأثر رجعي، كما أنه ما زال لهؤلاء الطلبة الحق في الالتجاء إلى القضاء بدعوى التعويض عن تلك القرارات إن كان لذلك وجه؛ إذ الذي منع من اختصاص القضاء هو الوسيلة القضائية بطلب الإلغاء ووقف التنفيذ فقط.
6 - لا وجه للنعي على نص المادة 291 من القانون رقم 345 لسنة 1956 في شأن تنظيم الجامعات بأنه غير دستوري بمقولة إنه حرم الطلبة من اللجوء إلى قاضيهم الطبعي وهو القضاء الإداري، في حمايتهم من اعتداء الإدارة بإلغاء القرارات أو وقف تنفيذها، ولا بمقولة إنه يهدر مبدأ المساواة أمام القضاء، لأنه حرم طائفة من الأفراد وهم الطلبة من الالتجاء إلى القضاء الإداري بطلب الإلغاء أو وقف التنفيذ في الوقت الذي يسمح به لغيرهم من الأفراد - لا وجه لذلك كله؛ لأن من المسلم كأصل دستوري أن القانون هو الذي يرتب جهات القضاء ويحدد نطاق ولايتها ويوزع الاختصاص بينها، كما أنه هو الذي يقرر الحقوق ويحدد وسائل المطالبة بها، قضائية كانت أو غير قضائية، ولا يلزم حتماً أن تكون تلك الوسيلة قضائية، أو أن تكون قضائية على وجه معين كطلب الإلغاء أو وقف التنفيذ دون وجه آخر كطلب التعويض، بل المرد في ذلك كله إلى ما يرتبه القانون ويحدده وبالشروط والأوضاع التي يقررها؛ لأنه هو الأداة الدستورية التي تملك ذلك كله في حدود الدستور، وبغير خروج على مبادئه. كما أن من المسلمات كذلك كأصل دستوري أن المقصود بالمساواة أمام القضاء هو عدم التفرقة بين أفراد الطائفة الواحدة إذا تماثلت مراكزهم القانونية. والمادة 291 إذ أخرجت من اختصاص القضاء الإداري النظر في طلبات إلغاء أو وقف تنفيذ القرارات الصادرة من الهيئات الجامعية في شئون طلابها إنما عدلت هذا الاختصاص ليسري في حق طائفة الطلبة جميعاً، لا فرق من هذه الناحية بين فرد من هذه الطائفة وآخر، فهم جميعاً سواء أمام القضاء في هذا الشأن، وهذا هو المقصود بالمساواة أمام القضاء في حقهم من الناحية الدستورية، ولكن لا يمكن أن تفهم المساواة أمام القضاء بالقياس بينهم وبين طائفة أخرى من الأفراد لا شأن لهم في النظم الجامعية لعدم التماثل في المراكز القانونية.


إجراءات الطعن

في 25 من أغسطس سنة 1956 أودع السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة طعناً في الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري (الهيئة لأولى) بجلسة 26 من يونيه سنة 1956 في الدعوى رقم 587 لسنة 10 القضائية المقامة من حسين كامل أحمد الشافعي ومن معه ضد وزارة التربية والتعليم وآخرين، القاضي "برفض الدعوى، وألزمت المدعين بالمصروفات". وطلب رئيس هيئة المفوضين للأسباب المبينة بصحيفة الطعن الحكم "بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع إلغاء الحكم المطعون فيه، وإلغاء القرار المطعون فيه، وإلزام الحكومة بالمصروفات". وقد أعلن الطعن إلى وزارة التربية والتعليم في 3 من سبتمبر سنة 1956، وإلى جامعة القاهرة في 4 منه، وإلى المطعون لصالحهم في 8 منه، وعين لنظره جلسه 2 من مارس سنة 1957، وفيها سمعت المحكمة الإيضاحات على الوجه المبين بالمحضر، وأرجئ إصدار الحكم إلى جلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة، حسبما يبين من الأوراق، تتحصل في أن المطعون لصالحهم أقاموا دعواهم بصحيفة أودعت سكرتيرية محكمة القضاء الإداري في 17 من ديسمبر سنة 1955 طلبوا فيها: (أولاً) الحكم بصفة مستعجلة بوقف تنفيذ قرار مجلس جامعة القاهرة الصادر في 7 من ديسمبر سنة 1955 بعدم الموافقة على اقتراح مجلس كلية التجارة منح المدعين فرصة التقدم للامتحان في السنة الثالثة مع أحقيتهم لدخول هذا الامتحان. (ثانياً) في الموضوع الحكم بإلغاء القرار السابق مع إقرار أحقيتهم لدخول الامتحان في السنة الثالثة مع إلزام المدعى عليهم بالمصروفات. وقد عين لنظر طلب وقف التنفيذ جلسة 27 من ديسمبر سنة 1955، ثم أجل لجلسة 3 من يناير سنة 1956، وفيها قضت المحكمة برفض هذا الطلب. وبعد تحضير الدعوى حدد لنظر الموضوع جلسة أول مايو سنة 1956، وفيها أرجأت المحكمة النطق بالحكم لجلسة 26 من يونيه سنة 1956؛ حيث قضت "برفض الدعوى، وألزمت المدعين بالمصروفات". وأسست قضاءها على أن المدعين قد رسبوا عامين متتاليين وهم داخل الكلية، ثم فضلوا التقدم للامتحان من الخارج وتركوا باختيارهم فرصة الرسوب الثالثة في داخل الكلية، فهم بذلك قد تنازلوا بمحض رغبتهم عن ممارسة هذه الفرصة في حينها؛ ومن ثم يسقط حقهم فيها، كما أنهم رسبوا بعد ذلك سنتين متواليتين من خارج الكلية؛ وبذلك استنفدوا فرص الرسوب الممنوحة لهم في داخل الكلية وفي خارجها، ولم يمنح القانون مجلس الكلية سلطة التعديل والتبديل فيما نص عليه من فرص الرسوب، وإنما قصرت اللائحة الداخلية في المادة 13 منها سلطة المجلس على الترخيص بفرصة واحدة (وهي فرصة ثالثة للطلبة المقيدين داخل الكلية)؛ ومن ثم فلا يملك مجلس الكلية الترخيص للمدعين بفرصة رابعة من داخل الكلية ولا بفرصة ثالثة من خارجها ولا أن يستبدل فرصة من الداخل بأخرى من الخارج؛ وبذلك يعتبر اقتراح مجلس الكلية منح المدعين فرصة ثالثة خارج الكلية تصرفاً مخالفاً للقانون، ولا يجدي المدعين قولهم بأن مجلس الكلية جرى على منح أمثالهم هذه الفرصة؛ إذ لا يجوز التحدي في هذا المقام بعرف جرى على خلاف القانون، يضاف إلى ذلك أن تصرف مجلس الكلية في شأن المدعين إن هو إلا مجرد اقتراح رفع لمجلس الجامعات للموافقة عليه فرفضه، ومع التسليم جدلاً بأنه قرار وليس اقتراحاً فإنه قد صدر باطلاً بطلاناً مطلقاً لصدوره من سلطة لا تملك إصداره؛ ومن ثم فلا يكتسب حصانة بفوات ميعاد سحبه.
ومن حيث إن مبنى الطعن أن مجلس كلية التجارة قرر في 29 من سبتمبر سنة 1955 منح المدعين فرصة ثالثة للتقدم للامتحان، ولم يعترض مجلس الجامعة على هذا القرار إلا في 7 من ديسمبر سنة 1955 أي بعد فوات ميعاد السحب، ولا يغير من هذا النظر جريان عبارة قرار مجلس الكلية في صيغة اقتراح بالمنح؛ ذلك أن مجلس الكلية - كما سلف البيان - هو الذي يملك وحده دون معقب رخصة منح فرص التقدم للامتحانات للطلبة الراسبين طبقاً للائحة سنة 1954. وإذا كانت لائحة سنة 1954 لا تجيز منح أمثال المدعين فرصة ثالثة خارج الكلية، فإن قرارات مجلس الكلية الصادرة على خلاف ذلك - وإن كانت معيبة - إلا أنها تتصف بصفة القرار الإداري كتصرف قانوني، فلا تنزل إلى حد غصب السلطة، ولا تنحدر إلى مجرد الفعل المادي المعدوم الأثر قانوناً، بل تلحقها الحصانة ويزول عيبها بفوات مواعيد سحبها؛ وإذ ذهب الحكم المطعون فيه غير هذا المذهب فإنه يكون قد وقع مخالفاً للقانون.
ومن حيث إن هذه المحكمة سبق أن قضت (1) بأن نص المادة 291 من القانون رقم 345 لسنة 1956 في شأن تنظيم الجامعات المصرية إذ قضى بأنه "لا يجوز الطعن بالإلغاء أو وقف التنفيذ أمام أية جهة قضائية في القرارات والأوامر الصادرة من الهيئات الجامعية في شئون طلابها" لا يهدف إلى مجرد تنظيم طرق الطعن، سواء بالنسبة إلى القرارات الإدارية التي عناها أو الأحكام الصادرة في شأنها مما يدخل في نطاق الفقرة الثالثة من المادة الأولى من قانون المرافعات المدنية والتجارية التي تجعل الفاصل الزمني بين نفاذ القانون القديم والقانون الجديد في مجال التطبيق من حيث الزمان هو تاريخ صدور الحكم المطعون فيه، بل تقصد المادة 291 المشار إليها إلى منع أية جهة قضائية من نظر أية منازعة يكون موضوعها طلب إلغاء القرارات أو الأوامر الصادرة من الهيئات الجامعية في شئون طلابها أو وقف تنفيذها، مما يندرج في نطاق الفقرة الأولى من المادة الأولى من القانون المذكور، التي تجعل الفاصل بين مجالي تطبيق القانون القديم والجديد من حيث الزمان هو تاريخ إقفال باب المرافعة في الدعوى؛ لأن الفقرة الثالثة تفترض بداهة بقاء الاختصاص لجهة القضاء للفصل فيه، وغاية الأمر أنها تنظم طرق الطعن أمام درجات التقاضي في تلك الجهة، أما إذا امتنع عليها ذلك لأنها أصبحت معزولة بجميع درجاتها عن نظر المنازعة برمتها بمقتضى النص الجديد ممنوعة من سماعها، وجب النزول على حكم الفقرة الأولى من المادة الأولى من قانون المرافعات، باعتبار أن القانون الجديد هو قانون معدل للاختصاص فيكون نافذاً بالنسبة للدعاوى المنظورة ما دام لم يقفل باب المرافعة فيها. وهنا يجب التنبيه إلى أنه لتفهم ما إذا كان القانون الجديد هو في حقيقته قانون متعلق بالاختصاص أم قانون متعلق بتنظيم طرق الطعن أمام درجات التقاضي، لا يجب الوقوف عند مجرد التعبيرات والألفاظ بل يجب التحري عن مقصود الشارع؛ لأن من الأصول المسلمة في التفسير أن العبرة بالمعاني لا بالألفاظ والمباني. وعلى هدى ذلك فإن الشارع - إذ استعمل في المادة 291 عبارة لا يجوز الطعن بالإلغاء أو وقف التنفيذ - إنما عنى بعبارة "الطعن" الدعوى التي ترفع أمام القضاء والتي يكون موضوعها طلب إلغاء قرار صادر من الهيئات الجامعية في شئون طلابها أو وقف تنفيذه، ولم يقصد من تلك العبارة أي معنى خاص بتنظيم الطعن في الأحكام أمام درجات التقاضي؛ يقطع في ذلك أن القضاء الإداري لا يعتبر بالنسبة للجهة الإدارية درجة أعلى من درجات التقاضي، بل الجهتان مستقلتان في اختصاصهما الوظيفي، وطلب إلغاء القرار الإداري أو وقف تنفيذه إنما يكون بالنسبة للقرارات الإدارية النهائية، فالمفروض - والحالة هذه - أن القرار الإداري يستنفد جميع مراحله في درجات السلم الإداري حتى يصبح نهائياً قبل اللجوء إلى القضاء الإداري بطلب إلغائه أو وقف تنفيذه، وهذا الطلب هو في حقيقته دعوى قضائية مبتدأة بالنسبة إلى القرار الإداري. كما عنى الشارع من جهة أخرى بالعبارة التي استعملها من أنه لا يجوز الطعن بالإلغاء أو وقف التنفيذ أمام أية جهة قضائية في القرارات والأوامر الصادرة من الهيئات الجامعية في شأن طلابها معنى واحداً هو عزلها عن نظر مثل هذه المنازعات، أو بعبارة أخرى أنها لا تختص بها؛ وآية ذلك أن الشارع قد يستعمل عبارة "عدم جواز النظر" أو "عدم سماع الدعوى" أو "عدم قبولها"، وهو يقصد في الحقيقة من هذه العبارات ليس تقرير حكم خاص بشكل الدعوى أو بموضوعها، وإنما تقرير حكم معدل للاختصاص، ونجد استعمال هذه العبارات بالمعنى المذكور (أي بمعنى التعديل في الاختصاص) مردداً في قوانين عدة، يكفي الإشارة في هذا المقام إلى ما كان خاصاً باختصاص مجلس الدولة: فمثلاً استعمل القانونان رقما 112 لسنة 1946 بإنشاء مجلس الدولة و9 لسنة 1949 الخاص بهذا المجلس عبارة "لا تقبل" الطلبات المتعلقة بعمل من أعمال السيادة، بمعنى أن القضاء الإداري لا يختص بنظرها؛ ولذا استعمل الشارع في القانون رقم 165 لسنة 1955 بتنظيم مجلس الدولة في المادة 12 منه عبارة "لا يختص" مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري بالنظر في الطلبات المتعلقة بأعمال السيادة، أي باللفظ الأدق في التعبير عن المعنى المقصود. وكل ما تقدم قاطع في الدلالة على أن المادة 291 إنما قررت حكماً جديداً يعدل من اختصاص جهات القضاء الإداري ويهدف إلى عزلها عن نظر المنازعات التي عنتها.
ومن حيث إنه لا غناء في القول بأن المقصود بالقوانين المعدلة للاختصاص هي القوانين التي تغير الولاية القضائية أو الاختصاص النوعي أو المحلي دون أن تلغى محكمة أو تزيل جهة قضاء، أي تلك التي توزع الاختصاص الوظيفي أو النوعي أو المحلي بين جهات القضاء أو بين فروع تلك الجهات، دون القوانين التي تلغى محكمة أو تزيل جهة قضاء، ولا في القول بأن تلك المادة تخرج من نطاق تعديل الاختصاص بشأن تلك القرارات، أي إلى حد إهدار الحق الموضوعي ذاته، والمساس بالحق المكتسب الذي كان قد نشأ للمدعين بإقامتهم هذه الدعوى قبل نفاذ المادة المذكورة، بحيث لا يجوز المساس به إلا بنص خاص يقرر الأثر الرجعي - لا غناء في ذلك كله؛ لأن المادة 291 - كما سلف القول - إنما تقرر حكماً جديداً يعدل من اختصاص مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري، وذلك بحذف نظر هذه الدعاوى من اختصاصه. ومن المعلوم أن هذا الاختصاص يحدده القانون سواء بالزيادة أو بالنقصان؛ فالقانون هو الأداة التي أنشأته كهيئة وحددت اختصاصه، وهو الأداة التي قد تقيد تنظيمه وتوسع من اختصاصه أو تضيقه. على أنه لا جدوى من المجادلة في خصوصية النزاع فيما إذا كانت تلك المادة هي من النصوص القانونية المعدلة للاختصاص على مقتضى الفقرة الأولى من المادة الأولى من قانون المرافعات، أو هي بمثابة النص الملغى لجهات القضاء في هذا النوع من المنازعات؛ لأنه لو كان المفهوم منها أنها على المعنى الأخير لأحدثت أثرها حتماً بمجرد نفاذ القانون، وبالنسبة للدعاوى التي قفل فيها باب المرافعة، أي إلى نتيجة أشد، وقد صرحت بذلك المذكرة الإيضاحية، وهذا في الواقع من الأمر تطبيق للأصل المسلم الذي ردده صدر المادة الأولى من قانون المرافعات، وهو أن نصوص هذا القانون تسري بأثر حال على ما لم يكن قد فصل فيه من الدعاوى أو تم من الإجراءات قبل تاريخ العمل به، وإنما أخرجت تلك المادة من هذا النطاق الأسباب الملطفة التي نصت عليها في فقراتها الثلاث، بالقيود والشروط التي ذكرتها؛ للحكمة التشريعية التي كشفت عنها المذكرة الإيضاحية في خصوص كل فقرة من هذه الفقرات.
كما لا غناء في القول بأن مدلول المادة 291 يخرج من نطاق معنى تعديل الاختصاص إلى معنى إهدار الحق الموضوعي في ذاته، وهو حق الطلبة في التقاضي بشأن تلك القرارات، فلا يمكن المساس بحقهم في الدعوى التي كانوا قد أقاموها قبل نفاذه بدون نص خاص يقرر الأثر الرجعي - لا غناء في ذلك؛ لأنه يجب عدم الخلط بين أصلين لا تعارض بينهما، وهما: (أولاً) أن الحق شيء ووسيلة المطالبة به شيء آخر، و(ثانياً) أن القانون هو الذي يحدد وسيلة المطالبة بالحق ويعين الجهة التي يلجأ إليها صاحب الحق لاقتضائه حقه، قضائية كانت هذه الجهة أو غير قضائية، فالحق هو سلطة أو مزية يقررها القانون لصاحب الشأن، وهو يظل كامناً ساكناً لا ينشط ولا يتحرك إلا إذا اعتدى عليه، وسكونه في حالة عدم الاعتداء ونشاطه وتحركه في حالة الاعتداء هما مظهران وحالتان لشيء واحد، ولكن حتى في حالة النشاط والتحرك عند الاعتداء ليس من المحتم أن تكون وسيلة اقتضاء الحق أو رده إلى نصابه هي المطالبة القضائية وحدها، أو أمام جهة قضائية معينة دون أخرى، بل قد تكون غير الوسيلة القضائية أو قد تكون وسيلة قضائية بوجه معين أو بآخر أمام جهة معينة أو أخرى، كل ذلك حسبما يحدده القانون ويعينه. وآية ذلك كله أن الحق قد يعتدى عليه فينشط في الصورة المتحركة، ومع ذلك لا يلزم أن يلجأ صاحب الحق إلى المحاكم لاقتضائه؛ فقد يلجأ إلى الجهات الإدارية أو إلى النيابة العامة بطريق الشكوى فيرد الحق إلى نصابه دون أن يضطر إلى اللجوء إلى القضاء حتى ولو كانت وسيلة الالتجاء إليه متاحة له من الأصل، مما يؤكد أن إلغاء الوسيلة القضائية ليس معناه إلغاء أصل الحق في ذاته. وآية أخرى أن الحق قد يعترف به القانون ويقرره ومع ذلك لا يكفله بمطالبة قضائية؛ فالالتزام الطبيعي من جانب الدائن حق وإن كان غير مكفول بدعوى قضائية، فإذا وفاه المدين لما استطاع أن يسترد ما أداه، ولو أنه لم يكن حقاً لكان المدين في حل من أن يسترد ما أداه على أساس أنه وفاء بغير سبب، فيحق له أن يسترد ما دفعه بدون حق. ويخلص من ذلك أن ترتيب الحق وتقريره شيء وتحديد الوسيلة القانونية لاقتضائه شيء آخر، كما أن القانون قد يعين جهة غير المحاكم يلجأ إليها صاحب الحق لاقتضاء حقه، كالجهات الإدارية - ومنها الهيئات الجامعية - وكالجهات الإدارية ذات الاختصاص القضائي، بل وقد يحظر اللجوء إلى المحاكم كل ذلك حسبما يقرره القانون في هذا الشأن. وعلى هدى ما تقدم فإن المادة 291 لا تهدر أو تمس أصل حق الطلاب في فرص الدخول في الامتحانات أو في غيرها حسبما تقرره لهم القوانين واللوائح الجامعية، وإنما تمنع فقط أية جهة قضائية من نظر الدعاوى التي يكون موضوعها طلبات إلغاء أو وقف تنفيذ القرارات الصادرة من الجامعة في شئون طلابها، دون الإخلال بأصل حق الطلبة في اللجوء إلى الجهات الأخرى، كالهيئات الجامعية أو الرياسية بالنسبة لها، لاقتضاء حقوقهم بحسب القوانين واللوائح، إن كان لهم في ذلك وجه، حتى ولو كانت هذه الحقوق قد رفعت بشأنها دعاوى إلغاء أو وقف تنفيذ وأصبحت المحاكم غير مختصة بنظرها بمقتضى تلك المادة، ما دامت هي لم تمس أصل الحقوق المذكورة في ذاتها ولم تقرر إلغاءها بأثر رجعي، كما أنه ما زال لهؤلاء الطلبة الحق في الالتجاء إلى القضاء بدعوى التعويض عن تلك القرارات، إن كان لذلك وجه؛ إذ الذي منع من اختصاص القضاء هو الوسيلة القضائية بطلب الإلغاء ووقف التنفيذ فقط.
ومن حيث إنه لا وجه للنعي على نص تلك المادة بأنه غير دستوري؛ بمقولة إنه حرم الطلبة من اللجوء إلى قاضيهم الطبعي، وهو القضاء الإداري، في حمايتهم من اعتداء الإدارة، بإلغاء القرارات أو وقف تنفيذها، ولا بمقولة إنه يهدر مبدأ المساواة أمام القضاء؛ لأنه حرم طائفة من الأفراد - وهم الطلبة - من الالتجاء إلى القضاء الإداري بطلب الإلغاء أو وقف التنفيذ في الوقت الذي يسمح به لغيرهم من الأفراد - لا وجه لذلك كله؛ لأن من المسلم كأصل دستوري أن القانون هو الذي يرتب جهات القضاء ويحدد نطاق ولايتها ويوزع الاختصاص بينها، كما أنه هو الذي يقرر الحقوق ويحدد وسائل المطالبة بها، قضائية كانت أو غير قضائية، ولا يلزم حتماً أن تكون تلك الوسيلة قضائية، أو أن تكون قضائية على وجه معين، كطلب الإلغاء أو وقف التنفيذ، دون وجه آخر، كطلب التعويض، بل المرد في ذلك كله إلى ما يرتبه القانون ويحدده وبالشروط والأوضاع التي يقررها؛ لأنه هو الأداة الدستورية التي تملك ذلك كله في حدود الدستور، وبغير خروج على مبادئه. كما أن من المسلمات كذلك كأصل دستوري أن المقصود بالمساواة أمام القضاء هو عدم التفرقة بين أفراد الطائفة الواحدة إذا تماثلت مراكزهم القانونية، والمادة 291 - إذ أخرجت من اختصاص القضاء النظر في طلبات إلغاء أو وقف تنفيذ القرارات الصادرة من الهيئات الجامعية في شئون طلابها - إنما عدلت هذا الاختصاص ليسري في حق طائفة الطلبة جميعاً، لا فرق من هذه الناحية بين فرد من هذه الطائفة وآخر، فهم جميعاً سواء أمام القضاء في هذا الشأن، وهذا هو المقصود بالمساواة أمام القضاء في حقهم من الناحية الدستورية، ولكن لا يمكن أن تفهم المساواة أمام القضاء بالقياس بينهم وبين طائفة أخرى من الأفراد لا شأن لهم بالنظم الجامعية؛ لعدم التماثل في المراكز القانونية.
ومن حيث إنه لكل ما تقدم يتعين إلغاء الحكم المطعون فيه، والقضاء بعدم اختصاص القضاء الإداري بنظر الدعوى، مع إلزام الحكومة بمصروفاتها، ما دام هذا المنع قد جاء بعد رفعها نزولاً على حكم قانون جديد معدل للاختصاص، وكان غير ممنوع رفع الدعوى في ظل القانون القديم.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وبإلغاء الحكم المطعون فيه، وبعدم اختصاص القضاء الإداري بنظر الدعوى، وألزمت الحكومة بالمصروفات.


(1) راجع الجزء الأول من السنة الثانية من هذه المجموعة، بند 15، صفحة 122.