الصفحات

البحث الذكي داخل المدونة

تحميل وطباعة هذه الصفحة

Print Friendly and PDF

الثلاثاء، 13 أكتوبر 2026

الطعن 16587 لسنة 86 ق جلسة 11 / 12 / 2024 مكتب فني 75 ق 127 ص 829

 جلسة ۱۱ من ديسمبر سنة ۲۰۲٤

برئاسة السيد القاضي/ محمد سمير عبد الظاهر "نائب رئيس المحكمة "، وعضوية السادة القضاة/ حمادة شعبان السجيعي، محمد فاروق عبد الحميد "نائبي رئيس المحكمة" وحسام محمد عيد وهشام أحمد الفضالي.

-----------------

(۱۲۷)

الطعن رقم ۱٦٥۸۷ لسنة ۸٦ القضائية

(۱) محكمة الموضوع "سلطتها في فهم الواقع وتقدير الأدلة".

سلطة محكمة الموضوع في فهم الواقع في الدعوى وتقدير الأدلة والمستندات المقدمة. شرطه. إقامة قضائها على أسباب سائغة.

(۲) حكم "تسبيب الأحكام: ماهيته، التسبيب الكافي".

الحكم. وجوب أن تتضمن مدوناته ما يطمئن المطلع عليه أن المحكمة قد حصلت الواقع المطروح عليها ومحصت ما قدم إليها من أدلة وخلصت منها إلى ما انتهت إليه. علة ذلك.

(۳) عمل "أجر: مكافأة فائض ميزانية الجمعية التعاونية الزراعية بالبحيرة".

الأجر. ماهيته. كل ما يعطى للعامل لقاء عمله بموجب عقد العمل. المنحة. ماهيتها. كل ما يعطى للعامل جزاء كفاءته ومجهوداته أو في مناسبات محددة بصفة عامة ومستمرة وثابتة. دخولها في الأجر. شرطه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

۱ - المقرر – في قضاء محكمة النقض – أن لمحكمة الموضوع سلطة فهم الواقع في الدعوى وتقدير الأدلة المقدمة فيها متى أقامت قضاءها على أسباب سائغة لها أصلها الثابت بالأوراق.

۲ - المقرر – في قضاء محكمة النقض – أنه يجب أن يتضمن الحكم ما يطمئن المطلع عليه أن المحكمة حصلت فهم الواقع وأحاطت بعناصر الدعوى ومحصت الأدلة المقدمة فيها وبحثت دفاع الخصوم وواجهته بالرد الكافي السائغ المقبول.

۳ - المقرر – في قضاء محكمة النقض – أن الأجر هو كل ما يعطى للعامل لقاء عمله بموجب عقد العمل سواء أكان نقداً أو عيناً أو أسبوعياً أو يوميًا أو على أساس الساعة أو القطعة أو تبعًا للإنتاج أو بصورة عمولات أما ملحقات الأجر فمنها ما لا يستحقه العامل إلا إذا تحققت أسبابه فهي ملحقات غير دائمة وليست لها صفة الثبات والاستقرار، لما كان ذلك، وكان البين من الأوراق أن الطاعن يطالب بأحقيته في صرف المكافأة التي صرفت للعاملين بالجمعية بمناسبة تحقيق فائض في ميزانية الجمعية في السنة المالية ۲۰۱۳/۷/۱ حتى ۲۰۱٤/٦/۳۰ التي لم تصرف له لما نسب إليه من ارتكاب مخالفات مالية وهي مكافأة تحقق سببها بتحقيق الفائض، وإذا كان من المقرر أن تقدير مجلس إدارة الجمعية في صرف تلك المكافأة يرجع إلى تقديره طالما كانت قراراته تتسم بالعمومية والتجرد وتسري على العاملين جميعاً من دون تمييز بينهم، وكان الحكم المطعون فيه قد انتهى إلى عدم أحقية الطاعن في تلك المكافأة على سند من مجرد القول أن مجلس إدارة الجمعية قد كَوَّنَ لجنة لتوزيع ذلك الحافز ورأت اللجنة بعد دراسة المخالفات المالية المنسوبة للطاعن استبعاده منها فإنه فضل عدم تمحيصه لذلك الدليل المقدم من أحد الخصوم وبسطه للبحث فإنه قد شابه الإخلال بحق الدفاع.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المحكمــة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذي تلاه السيد القاضي المقرر، والمرافعة، وبعد المداولة.

حيث إن الطعن استوفى أوضاعه الشكلية.

وحيث إن الواقعات – على ما يبين من الحكم المطعون فيه وجميع الأوراق – تتحصل في أن الطاعن أقام الدعوى التي آل قيدها برقم ... لسنة ۲۰۱٤ عمال كلي دمنهور على المطعون ضدها بطلب الحكم بأحقيته في صرف جميع المستحقات المالية في المكافأة الخاصة بالعاملين لدى الجمعية من فائض الميزانية العمومية للسنة المالية من ۲۰۱۳/۷/۱ وحتى ۲۰۱٤/٦/۳۰ أسوة بباقي العاملين بها، وقال بياناً لها: إنه كان من العاملين لدى المطعون ضدها بوظيفة رئيس حسابات خلال الفترة من ۲۰۱۳/۷/۱ وحتى ۲۰۱٤/٥/۲۲ وقام بالتوقيع على جميع مستندات أنشطة الجمعية إلا أنه تم استبعاده من كشوف صرف مكافأة العاملين من فائض ميزانية العام المالي المنتهي في ۲۰۱٤/٦/۳۰ على الرغم من مشاركته مع بقية العاملين في تحقيق تلك الأرباح بما يستوجب مساواته بهم في صرفها فقد أقام الدعوى، حكمت المحكمة بأحقيته في صرف جميع المستحقات المالية في المكافأة الخاصة بحصة العاملين بالجمعية من أرباح الميزانية العمومية للسنة المالية من ۲۰۱۳/۷/۱ وحتى ۲۰۱٤/٦/۳۰ ، استأنفت المطعون ضدها هذا الحكم أمام محكمة استئناف الإسكندرية – مأمورية دمنهور – بالاستئناف رقم ... لسنة ۷۲ ق ، وبتاريخ ۲۰۱٦/۹/۲۷ قضت المحكمة بإلغاء الحكم المستأنف ورفض الدعوى طعن الطاعن في هذا الحكم بطريق النقض، وقدمت النيابة مذكرة أبدت فيه الرأي برفضه، وإذ عُرض الطعن على هذه المحكمة في غرفة مشورة فحددت جلسة لنظره وفيه التزمت النيابة رأيها.

وحيث إن مما ينعاه الطاعن على الحكم المطعون فيه الفساد في الاستدلال والخطأ في تطبيق القانون، وفي بيان ذلك يقول: إن الحكم المطعون فيه قضى برفض الدعوى في المطالبة بفائض أرباح الميزانية وأحقيته في صرف المكافأة مع أن قرار المطعون ضدها بحرمانه من مكافأة فائض الميزانية يمثل إساءة استعمال السلطة وإخلالا بمبدأ المساواة بينه وبين باقي العاملين بالجمعية ممن شارك معهم في الأنشطة التي نتج عنها تحقيق تلك الأرباح ذلك أن المخالفات المنسوب إليه ارتكابها كمسوغ لاستبعاده من صرفها تم حفظها جميعاً أمام جهات التحقيق في النيابة العامة والنيابة الإدارية لعدم ثبوت صحتها، مما يعيب الحكم ويستوجب نقضه.

حيث إن هذا النعي في محله؛ ذلك أنه من المقرر – في قضاء هذه المحكمة – أن لمحكمة الموضوع سلطة فهم الواقع في الدعوى وتقدير الأدلة المقدمة فيها متى أقامت قضاءها على أسباب سائغة لها أصلها الثابت بالأوراق، ومن المقرر أيضا أنه يجب أن يتضمن الحكم ما يطمئن المطلع عليه أن المحكمة حصلت فهم الواقع وأحاطت بعناصر الدعوى ومحصت الأدلة المقدمة فيها وبحثت دفاع الخصوم وواجهته بالرد الكافي السائغ المقبول، ومن المقرر – في قضاء هذه المحكمة – أن الأجر هو كل ما يعطى للعامل لقاء عمله بموجب عقد العمل سواء كان نقداً أو عيناً أو أسبوعياً أو يوميًا أو على أساس الساعة أو القطعة أو تبعًا للإنتاج أو بصورة عمولات أما ملحقات الأجر فمنها ما لا يستحقه العامل إلا إذا تحققت أسبابه فهي ملحقات غير دائمة وليست لها صفة الثبات والاستقرار، لما كان ذلك، وكان البين من الأوراق أن الطاعن يطالب بأحقيته في صرف المكافأة التي صرفت للعاملين بالجمعية بمناسبة تحقيق فائض في ميزانية الجمعية في السنة المالية ۲۰۱۳/۷/۱ حتى ۲۰۱٤/٦/۳۰ التي لم تصرف له لما نسب إليه من ارتكاب مخالفات مالية وهي مكافأة تحقق سببها بتحقيق الفائض، وإذا كان من المقرر أن تقدير مجلس إدارة الجمعية في صرف تلك المكافأة يرجع إلى تقديره طالما كانت قراراته تتسم بالعمومية والتجرد وتسري على العاملين جميعاً من دون تمييز بينهم، وكان الحكم المطعون فيه قد انتهى إلى عدم أحقية الطاعن في تلك المكافأة على سند من مجرد القول أن مجلس إدارة الجمعية قد شكل لجنة لتوزيع ذلك الحافز ورأت اللجنة بعد دراسة المخالفات المالية المنسوبة للطاعن استبعاده منها فإنه فضل عدم تمحيصه لذلك الدليل المقدم من أحد الخصوم وبسطه للبحث فإنه قد شابه الإخلال بحق الدفاع إذ لم يقسط دفاع الطاعن حقه بأنه تم حفظ الشكاوى المقدمة من المطعون ضده للنيابة العامة والنيابة الإدارية كما شابه الفساد في الاستدلال بما يوجب نقضه من دون حاجة لبحث باقي أوجه الطعن.

وحيث إن الموضوع صالح للفصل فيه، ولما تقدم، فإنه يتعين القضاء في موضوع الاستئناف رقم ... لسنة ۷۲ ق استئناف الإسكندرية – مأمورية دمنهور، بإلغاء الحكم المستأنف وتأييد حكم أول درجة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

ترتيب الحاضنات بعد الأم

تاريخ الفتوى: 01 سبتمبر 2015 م

رقم الفتوى: 3229

من فتاوى: الأستاذ الدكتور / شوقي إبراهيم علام

التصنيف: الحضانة

ترتيب الحاضنات بعد الأم

السؤال:

مَن الذي يلي الأم في الحضانة إذا سقطت عنها؟


الجواب:

أحق الناس بحضانة المحضون بعد أمه هي أمُّ أمِّه وإن عَلَت، فأم الأب وإن عَلَت، فالأخوات الشقيقات، فالأخوات لأم، فالأخوات لأب، فبنت الأخت الشقيقة، فبنت الأخت لأم، فالخالات بالترتيب المذكور في الأخوات، فبنت الأخت لأب، فبنت الأخ بالترتيب المذكور، فخالات الأم بالترتيب المذكور، فخالات الأب بالترتيب المذكور، فعمات الأم بالترتيب المذكور، فعمات الأب بالترتيب المذكور. فإذا لم توجد حاضنة من هؤلاء النساء أو لم يكن منهن أهل للحضانة أو انقضت مدة حضانة النساء انتقل الحق في الحضانة إلى العصبات من الرجال بحسب ترتيب الاستحقاق في الإرث، مع مراعاة تقديم الجد الصحيح على الإخوة.


التفاصيل....

المحتويات 


ترتيب الحاضنات بعد الأم

موقف القانون من ذلك

الخلاصة

 


ترتيب الحاضنات بعد الأم

الحضانة حق للمحضون، والأَوْلَى بها في سِنِيها الأُولى النساءُ؛ لصُلُوحِهنَّ فطريًّا وخِلقيًّا لهذه المهمة النبيلة في رعاية المحضون؛ فهنَّ أقدر مِن الرجال على رعاية المحضون في هذه السنِّ والعناية به والصبر عليه وعلى احتياجاته والبقاء معه بما يكفي لحسن نشأته وصلاح نَباتِه.

وأَولى النساء بذلك الأم، فإذا فُقِدَت أو عَجَزَت أو كانت متزوجة بأجنبي عن المحضون تحضن النساء مِن جانبها؛ كأمها وأختها بشرط عدم زواجهنَّ مِن أجنبي عن المحضون، فإن فُقِدنَ أو عَجَزنَ أو كنَّ متزوجات بأجنبي عن المحضون فالنساء من جانب أبي المحضون بشرط عدم زواجهن من أجنبي عن المحضون، فإن فُقِدنَ أو عَجَزنَ أو كنَّ متزوجات بأجنبي عن المحضون فالأولى بالحضانة حينئذٍ الأب.

والذي عليه المحققون من الحنفية: أن زواج الحاضنة بغير ذي رحم محرم للمحضون لا يُسقط بمجرده حضانتَها عنه حتى يثبت للقاضي أن زواجها يضر بمصلحة المحضون؛ لأن مدار الحضانة على نفع الولد، وكل ذلك مع رعاية عدم وجود ما يُعَكِّر على رعاية المحضون أو يُعَرِّض بدنه أو عقله للخطر، أو يشوِّش عليه ما يجب أن يتربى عليه من دِينٍ قويمٍ وعاداتٍ سليمة.

قال العلامة ابن عابدين الحنفي في حاشيته "رد المحتار على الدر المختار" (3/ 565، ط. دار الفكر): [فينبغي للمفتي أن يكون ذا بصيرة ليراعي الأصلح للولد، فإنه قد يكون له قريب مبغض له يتمنى موته ويكون زوج أمه مشفقًا عليه يعز عليه فراقه، فيريد قريبه أخذه منها ليؤذيه ويؤذيها أو ليأكل من نفقته أو نحو ذلك، وقد يكون له زوجة تؤذيه أضعاف ما يؤذيه زوج أمه الأجنبي، وقد يكون له أولاد يخشى على البنت منهم الفتنة لسكناها معهم، فإذا علم المفتي أو القاضي شيئًا من ذلك لا يحل له نزعه من أمه؛ لأن مدار أمر الحضانة على نفع الولد، وقد مر عن "البدائع": لو كانت الإخوة والأعمام غير مأمونين على نفسها أو مالها لا تسلم إليهم] اهـ.


موقف القانون من ذلك

قد أخذ القانون المصري بهذا الترتيب؛ فنص في المادة 20 من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 والمعدل بالقانون رقم 100 لسنة 1985 على أنه: [يثبت الحق في الحضانة للأم، ثم للمحارم من النساء، مقدمًا فيه من يدلي بالأم على من يدلي بالأب، ومعتبرًا فيه الأقرب من الجهتين على الترتيب التالي:

الأم، فأم الأم وإن عَلَت، فأم الأب وإن عَلَت، فالأخوات الشقيقات، فالأخوات لأم، فالأخوات لأب، فبنت الأخت الشقيقة، فبنت الأخت لأم، فالخالات بالترتيب المذكور في الأخوات، فبنت الأخت لأب، فبنت الأخ بالترتيب المذكور، فخالات الأم بالترتيب المذكور، فخالات الأب بالترتيب المذكور، فعمات الأم بالترتيب المذكور، فعمات الأب بالترتيب المذكور. فإذا لم توجد حاضنة من هؤلاء النساء، أو لم يكن منهن أهل للحضانة، أو انقضت مدة حضانة النساء انتقل الحق في الحضانة إلى العصبات من الرجال بحسب ترتيب الاستحقاق في الإرث، مع مراعاة تقديم الجد الصحيح على الإخوة] اهـ.


الخلاصة

بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فإن أحق الناس بحضانة المحضون بعد أمه هي أمُّ أمِّه، ثم مَن بعدها مِن الحاضنات حسب الترتيب المذكور إذا توافرت شروط الحضانة.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

مرحلة انتهاء كفالة اليتيم

تاريخ الفتوى: 14 فبراير 2013 م

رقم الفتوى: 2401

من فتاوى: فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة محمد

التصنيف: الحضانة

مرحلة انتهاء كفالة اليتيم

السؤال:

ما السِّنُّ أو المَرحَلَة التي يبلغها اليتيم لتنتهي فيها كفَالتُه؟


الجواب:

كفالة اليتيم ممتدةٌ شرعًا إلى حين استغنائه بنفسه عن كافله؛ يدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ ضَمَّ يَتِيمًا بَيْنَ أَبَوَيْنِ مُسْلِمَيْنِ إِلَى طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ حَتَّى يَسْتَغْنِيَ عَنْهُ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ الْبَتَّةَ» رواه أحمد وغيره، وكذلك كفالة اليتيمة ممتدة حتى زواجها وتوفير مستلزماته لها، أما ذوو الاحتياجات الخاصة مِن الأيتام فتستمر كفالتهم ما داموا في حاجة لغيرهم، ويدخل في معنى اليُتْم مجهولُ النسب، بل هو أَوْلَى بالعناية؛ لأن العِلَّةَ في فضيلة كفالة اليتيم هي حِرْمانُه من أبيه، وهذه العلة مُتَحَقِّقَةٌ في مجهول النسب بصورةٍ أشد تأثيرًا في النفس وفي أمور الحياة التي تحتاج إلى مزيدٍ من العناية.


المقصود بكفالة اليتيم 

اليتيم في اللُّغة: (فَعِيلٌ) من اليُتْمِ، وهو في الأصل: الانفِراد؛ حيث صار مُنفرِدًا بعد وفاة أبيه، ويُطْلَق أيضًا على الغَفْلة والضعْف، ومن هذا المعنى سُمِّيَ اليتيم بذلك؛ لفقدانه أباه حين احتياجه إليه، كأنه أُغفِلَ فَضَاع؛ قال الأصمعي: [اليتيم من النَّاس: الَّذِي قد مَاتَ أَبوهُ، وَمن الْبَهَائِم: الَّذِي قد مَاتَت أمه] اهـ نقلًا عن "جمهرة اللغة" لابن دُرَيْد (1/ 411، ط. دار العلم للملايين)، وجاء في "المخصص" لابن سيده (4/ 207): [قال الطوسي: اليَتَم: الغَفْلة، ومنه اليتيم، كأنه أُغْفِل فضاعَ، والإجماع أن اليتيم الفرد، ويتم إذا انفرد ومنه (الدرة اليتيمة)] اهـ.

أما في الاصطلاح: فهو مَن مات أبوه وهو لم يبلغ الحلم. وكفالة اليتيم هي رعايته وتعهده بما يصلحه في نفسه وماله، قال الحافظ ابن الجوزي الحنبلي في "كشف المشكل من حديث الصحيحين" (2/ 282، ط. دار الوطن): [معناها: القيام بأمره وتربيته] اهـ.

وقال الإمام النووي في "رياض الصالحين" (ص 116، ط. مؤسسة الرسالة): [كافِل اليتيم: القائمُ بأموره] اهـ. قال شارحه العلامة ابن علان الصديقي الشافعي في "دليل الفالحين" (3/ 81، ط. دار المعرفة): [دينًا ودنيا، وذلك بالنفقة والكِسوة، والتربية والتأديب، وغير ذلك] اهـ.

وقد وَسَّع الفقهاء معناها حتى جعلوها شامِلةً لكُلِّ مَصلحةٍ لليتيم صغُرَتْ أم كَبُرَت؛ قال العلامة الزرقاني في "شرح الموطأ" (4/ 534، ط. مكتبة الثقافة الدينية): [مِن جملة كفالة اليتيم إصلاح شعره، وتسريحه، ودهنه] اهـ.

والكفالة على نوعين: ماليةٌ، وأدبية، وهي بنوعيها من أنواع التبرع، وهو: بَذْل الْمُكَلَّفِ مَالًا أَوْ مَنْفَعَةً لِغَيْرِهِ فِي الْحَالِ أَوِ الْمَآلِ بِلا عِوَضٍ، بِقَصْدِ الْبِرِّ وَالْمَعْرُوفِ غَالِبًا، وفي الكفالة المتعارَف عليها بين مؤسسات المجتمع المدني -والتي تقوم بها دُور الأيتام عمومًا- يبذل الكافل للمكفول المالَ والمنفعةَ معًا، فهي مُتَحَقِّقَةٌ شرعًا ويترتب عليها الثواب بحصول أَحَدِ نوعيها أو كليهما -الماليِّ منها والأدبيِّ-؛ قال الإمام النووي في "شرح مسلم" (18/ 113، ط. دار إحياء التراث العربي): [وهذه الفضيلة تحصل لمن كفله من مال نفسه أو من مال اليتيم بولايةٍ شرعية] اهـ.

ثواب كفالة اليتيم وبيان مرحلة انتهاء كفالة اليتيم

كفالة اليتيم من أجَلِّ الأعمال وأعظمها ثوابًا عند الله تعالى ورسولِه صلى الله عليه وآله وسلم؛ حيث ورد القرآن برعايته والقيام له بمصالحه والتحذير من أذيته وإهماله في أكثر من عشرين موضعًا، وأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن القائم بكفالة اليتيم في المقام الأسمى والمحل الأرفع الذي هو غاية كل مسلم محبٍّ لله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو: رفقة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الجنة؛ فأخرج البخاري في "صحيحه" عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا» وَقَالَ بِإِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى، وأخرج مسلمٌ في "صحيحه" عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «كَافِلُ الْيَتِيمِ له أو لِغَيْرِهِ أنا وهو كَهَاتَيْنِ في الْجَنَّةِ» وأشار بإصبعيه السبَّابَة والوُسْطَى.


وقد رتَّب الشرع الشريف هذا الأجر العظيم على كفالة اليتيم؛ لأنَّ في الكفالة جبرًا لضعْف اليتيم، وقيامًا مقامَ عائله الذي فقده، وإنما ينجبر الضعف باستغناء اليتيم عن غيره وقدرته على القيام بنفسه، وهذا يقتضي أنَّ الكفالة لا تتوقف بمجرد بلوغ اليتيم، بل تستمر حتى استغنائه عن الناس وبلوغه الحد الذي يكون فيه قادرًا على الاستقلال بشؤونه والاكتساب بنفسه؛ فالكفالة باقية ما بقيت الحاجة إليها، وأجْرها مُستَمِرٌّ ما دام مُقتَضِيها باقيًا.

وبذلك وردت نصوص الشريعة؛ فجعلت أحكام اليتم لا تنتهي ببلوغ اليتيم، وأن ما يترتب على وصف اليتم لا يرتفع عنه حتى يبلغ مبلغ الرشد ويصل حَدًّا يمكنه فيه الاستقلال بأموره والاكتساب بنفسه دون حاجة إلى غيره: فجاء في القرآن الكريم إطلاق اليُتْمِ على البالغين؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 6]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: 3]، قال الإمام أبو بكر الجصاص الحنفي في "أحكام القرآن" (2/ 338، ط. دار إحياء التراث العربي): [وسمَّاهم يتامى؛ لأحد معنيين: إما لقُرب عهدهم بالبلوغ، أو لانفرادهم عن آبائهم مع أن العادةَ في أمثالهم ضعفُهم عن التصرفِ لأنفسهم والقيامِ بتدبير أمورهم على الكمال حسب تصرف المتحنكين الذين قد جربوا الأمور واستحكمت آراؤُهم] اهـ.

وقال الإمام الزمخشري في "الكشَّاف" (1/ 463-464، ط. دار الكتاب العربي): [وحقُّ هذا الاسم (اليتيم) أن يقع على الصِّغار والكِبار؛ لبَقاء معنى الانفِراد عن الآباء، إلا أنَّه قد غلب أن يُسَمَّوْا به قبل أن يبلُغوا مبلغ الرِّجال، فإذا استغنَوْا بأنفسهم عن كافِل وقائم عليهم، وانتَصَبوا كُفَاةً يكفلون غيرهم ويقومون عليهم، زال عنهم هذا الاسم] اهـ.

وجاء في حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم تحديدُ أمد الكفالة: بأنه يمتد إلى حين استغناء اليتيم بنفسه عن كافله؛ فأخرج ابن المبارك في "الزهد"، وأبو داود الطيالسي والإمام أحمد وأبو يعلى في "مسانيدهم"، والطبراني في "المعجم الكبير" من حديث مالك -أو ابن مالك- رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ ضَمَّ يَتِيمًا بَيْنَ أَبَوَيْنِ مُسْلِمَيْنِ إِلَى طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ حَتَّى يَسْتَغْنِيَ عَنْهُ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ الْبَتَّةَ»، وإسناده حسنٌ كما قال الحافظان: المنذريُّ في "الترغيب والترهيب" (3/ 235، ط. دار الكتب العلمية)، والهيثميُّ في "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد" (8/ 161، ط. مكتبة القدسي)، وقال الحافظ البوصيري في "إتحاف الخيرة المهرة" (5/ 475، ط. دار الوطن): [ورواته ثقات] اهـ، ورواه الطبراني في "المعجم الأوسط" من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه، وكذلك ابن الفاخر الأصبهاني في "موجبات الجنة" وزاد: فضَمَّ عديٌّ سبعين يتيمًا إلى طعامه وشرابه حتى استغنَوْا عنه، ورواه عبد بن حُميد في "المنتخب" والحارث بن أبي أسامة في "مسنده" والخرائطي في "مكارم الأخلاق" من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، ورواه الحافظ أبو طاهر السِّلَفيُّ في "المشيخة البغدادية" من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري" (10/ 437، ط. دار المعرفة): [فيُستَفادُ منه أنَّ للكفالة المذكورة أمدًا] اهـ. وأخرج الإمام أحمد في "مسنده"، وأبو داود في "سننه"، وابن أبي الدنيا في "النفقة على العيال"، والطبراني في "المعجم الكبير"، والخرائطي في "مكارم الأخلاق"، عن عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أَنَا وَامْرَأَةٌ سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ كَهَاتَيْنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ -وجمع بين أصبعيه السبَّابة والوسطى- امْرَأَةٌ آمَتْ مِنْ زَوْجِهَا ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، حَبَسَتْ نَفْسَهَا عَلَى يَتَامَاهَا حَتَّى بَانُوا أَوْ مَاتُوا»، وأخرجه الخرائطي أيضًا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

قال الإمام ابن الأثير في "النهاية في غريب الحديث والأثر" (1/ 175، ط. المكتبة العلمية): [يُقال: أبان فلان بنته وبيَّنَها؛ إذا زوجها، وبانت هي؛ إذا تزوجت، وكأنه من البين: البعد، أي بعدت عن بيت أبيها، ومنه الحديث الآخر: «حَتَّى بَانُوا أوْ مَاتوا»] اهـ.

وقال العلامة القاري في "مرقاة المفاتيح" (8/ 3119، ط. دار الفكر): [أي: إلى أن كبروا وحصلت لهم الإبانة، أو وصلوا إلى مرتبة كمالهم، فإن البين من الأضداد بمعنى الفصل والوصل وقال شارح: أي حتى فضلوا، وزادوا قوة وعقلًا واستقلوا بأمرهم من البون وهو الفضل والمزية] اهـ.

وقال الشيخ صديق حسن خان القنوجي في "حسن الأسوة بما ثبت من الله ورسوله في النسوة" (ص 268، ط. مؤسسة الرسالة): [ومعنى بانوا: انفصلوا واستغنوا] اهـ.

وأخرج أبو الشيخ في "الثواب" والأصبهاني في "الترغيب والترهيب" والديلمي في "مسند الفردوس" من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «ثلاثةٌ فِي ظِلِّ العَرْشِ يَوْمَ القِيامَةِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهِ: واصِلُ الرَّحِمِ؛ يزِيدُ الله فِي رِزْقِهِ ويَمُدُّ فِي أجَلِهِ، وامْرَأةٌ ماتَ زَوْجها وَتَرَكَ عَلَيْها أيْتامًا صِغارًا فَقَالَتْ: لَا أتَزَوَّجُ؛ أُقِيمُ على أيْتامِي حَتَّى يَمُوتُوا أوْ يُغْنِيَهُمُ الله، وَعَبْدٌ صَنَعَ طَعامًا فأَضاف ضَيْفَهُ وأحْسَنَ نَفَقَتَهُ، فَدَعا عَلَيْهِ اليَتِيمَ والمِسْكِينَ فأَطَعَمَهُمْ لِوَجْهِ الله عزَّ وَجَلَّ»، وفي سنده ضعف، ويشهد له مَا قبلَه، وبذلك صرَّح حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما؛ فروى الإمام مسلم في "صحيحه" وغيرُه؛ أنَّ نَجْدَةَ الحَرُورِيَّ كتب إلى ابن عباس رضي الله عنهما يسأله؛ فكان فيما أجابه: وكتبْتَ تسألُني: متى ينقضي يُتْمُ اليتيم؟ فلعمري، إنَّ الرجلَ لَتَنْبُتُ لحيتُه وإنه لَضَعيفُ الأخذِ لنفسه، ضعيفُ العَطاء منها، فإذا أخذ لنفسه مِن صالح ما يأخذ الناس فقد ذهب عنه اليُتْمُ. قال الإمام الجصَّاص الحنفي في "أحكام القرآن" (2/ 338): [فأخبر ابن عباس رضي الله عنهما أن اسم اليتيم قد يلزمه بعد البلوغ إذا لم يستحكم رأيُه ولم يُؤنَس منه رشدُه؛ فجعل بقاء ضعف الرأي موجبًا لبقاء اسم اليتيم عليه] اهـ.

وقال القاضي عياض المالكي في "إكمال المعلم بفوائد مسلم" (6/ 207، ط. دار الوفاء): [ذهب مالك وأصحابه وكافة العلماء: إلى أن يُتْمَ اليتيم لا يخرجه مجرد البلوغ ولا علو السن؛ حتى يُؤنَسَ منه الرشد وضبطه المال، وهو قول الشافعي وأبي يوسف ومحمد بن الحسن وأحمد وإسحاق، وقال أبو حنيفة: إذا بلغ خمسًا وعشرين سنة دُفِعَ إليه مالُه وإن كان غير ضابط له] اهـ.

وقال الإمام النووي الشافعي في "شرح مسلم" (12/ 191): [وفي هذا دليلٌ للشافعي ومالك وجماهير العلماء أنَّ حكم اليُتْم لا ينقَطِع بمجرَّد البلوغ، ولا بعلوِّ السن، بل لا بُدَّ أن يظهر منه الرشد في دينه وماله، وقال أبو حنيفة: إذا بلغ خمسًا وعشرين سنة، زال عنه وصار رشيدًا يتصرَّف في ماله] اهـ. ويشهد لذلك الأصل اللغوي لاسم اليتيم؛ فليس في معناه لغةً ما يُفيدُ حدَّه بالبلوغ؛ فإن الانفراد والغفلة والضعف كلها معانٍ لا تتوقف على الصغر، وإن كانت تغلب فيه؛ ولذلك سمى العرب المرأة يتيمة حتى تتزوج، ومنهم مَن أطلق وصف اليتم على النساء من غير تقييد بالزواج.

يقول الإمام الجصاص في "أحكام القرآن" (2/ 338): [واسم اليتيم قد يقع على المنفرد عن أبيه وعلى المرأة المنفردة عن زوجها؛ قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «تُسْتَأْمَرُ الْيَتِيمَةُ فِي نَفْسِهَا»، وهي لا تستأمر إلا وهي بالغة، وقال الشاعر: إن القبور تنكح الأيامى ... النسوة الأرامل اليتامى، إلا أنه معلوم أنه إذا صار شيخًا أو كهلًا لا يُسَمَّى يتيمًا وإن كان ضعيفَ العقل ناقصَ الرأي، فلا بد مِن اعتبار قرب العهد بالصِّغَر، والمرأة الكبيرة المسنة تسمى يتيمة من جهة انفرادها عن زوج، والرجل الكبير المسن لا يُسَمَّى يتيمًا مِن جهة انفراده عن أبيه، وإنما كان كذلك لأن الأب يلي على الصغير ويدبر أمره ويحوطه في كنفه فسُمِّيَ الصغيرُ يتيمًا لانفراده عن أبيه الذي هذه حاله، فما دام على حال الضعف ونقصان الرأي يُسَمَّى يتيمًا بعد البلوغ، وأما المرأة فإنما سُمِّيَتْ يتيمةً لانفرادها عن الزوج الذي هي في حباله وكنفه، فهي وإن كبرت فهذا الاسم لازم لها؛ لأن وجود الزوج لها في هذه الحال بمنزلة الأب للصغير في أنه هو الذي يلي حفظها وحياطتها، فإذا انفردت عمن هذه حالُه معها سُمِّيَتْ يتيمةً كما سُمِّيَ الصغيرُ يتيمًا لانفراده عمن يدبر أمره ويكنفه ويحفظه؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: 34]، كما قال: ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: 127]، فجعل الرجل قيمًا على امرأته كما جعل ولي اليتيم قيِّمًا عليه] اهـ. وجاء في "تاج العروس" للعلامة الزبيدي (مادة يتم): [قال أبو سعيد: يقال للمرأة: يتيمة، لا يزول عنها اسم اليتم أبدًا، وأنشدوا: وينكح الأرامل اليتامى، وقال أبو عبيدة: تُدعَى يتيمةً ما لم تتزوج، فإذا تزوجَتْ زال عنها اسمُ اليُتْم، وكان المُفضَّل يُنشِد: أفاطمُ إنِّي هالكٌ فتَثَبَّتِي... ولا تجزعي كلُّ النساء يتيمُ، وفي التنزيل العزيز: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 2]، أيْ: أعطوهم أموالهم إذا آنستم منهم رشدًا، وسُمُّوا يتامى بعد أن أُونِس منهم الرشد بالاسم الأول الذي كان لهم قبل إيناسه منهم، وأصل اليتم بالضم والفتح: الانفراد، وقيل: الغفلة، والأنثى: يتيمة، فإذا بلغا زال عنهما اسمُ اليتم حقيقةً، وقد يطلق عليهما مجازًا بعد البلوغ، كما كانوا يسمون النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو كبير: يتيم أبي طالب؛ لأنه ربَّاه بعد موت أبيه.

وفي الحديث: «تُسْتَأْمَرُ الْيَتِيمَةُ في نَفْسِهَا، فإنْ سَكَتَتْ فَهُوَ إِذْنُهَا» رواه أبو داود وغيره، أراد باليتيمة: البكرَ البالغةَ التي مات أبوها قبل بلوغها، فلزمها اسمُ اليتم، فدُعِيَتْ به وهي بالغةٌ مجازًا، وفي حديث الشعبي: أنَّ امرأة جاءت إليه، فقالت: إني امرأة يتيمة، فضحك أصحابه، فقال: النساء كلهن يتامى؛ أي: ضعائف] اهـ.

وقال العلامة الحرالي: [اليتم: فقدان الأب حين الحاجة، ولذلك أثبَتَه مُثْبِتٌ في الذَّكَر إلى البلوغ، والأنثى إلى الثيوبة، لبَقاء حاجتها بعد البلوغ] اهـ. نقلًا عن "تاج العروس" (مادة يتم).

وقال العلامة أبو البقاء الكفوي في "الكليات" (ص 978، ط. مؤسسة الرسالة): [كلُّ شيءٍ فرد يَعزُّ نظيره فهو يتيمٌ، وحقُّ هذا الاسم أن يقع على الصغار والكبار؛ لبقاء الانفراد عن اعتبار الأخذ والإعطاء من الولي بالنظر إلى حال نفسه، إلا أنَّه غلب أن يُسَمَّى به قبلَ أن يبلغ مبلغ الرجال، فإذا بلغ زال عنه هذا الاسم، وعلى وفق هذا ورد عرف الشرع] اهـ.

ولا يعارض ذلك قولُ النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لا يُتمَ بَعْدَ احتلامٍ» رواه أبو داود وغيره، فإنَّ نفْيَ اليُتْم فيه بعد الاحتلام يُقصَد به نفيُ أحكام الصِّغَرِ عن اليتيم إذا بلغ، فهو مسوق للتفريق بين أحكام الصغار والكبار؛ حيث إن اليتيم إذا بلغ الحُلُمَ جرَتْ عليه أحكام الرجل البالغ المحتلم المكلَّف؛ فتتوجه إليه التكاليف الشرعية إلزامًا والتزامًا، ولا يكون وصف اليتم حينئذٍ حائلًا بينه وبين ما قد يترتب عليه من مسؤولية ومؤاخذة؛ فهو بيانٌ للأحكام الشرعية لا نفيٌ لاسم اليتم عنه.

يقول الإمام الزمخشري في "الكشَّاف" (1/ 463-464): [وأمَّا قوله عليه الصلاة السلام: «لَا يُتْمَ بَعْدَ الْحُلُمِ» فما هو إلا تعليمُ شريعةٍ، لا لغة؛ يعني: أنه إذا احتلم لم تجرِ عليه أحكام الصِّغار] اهـ.

واليتيم يكون أحوج ما يكون إلى الكفالة رعايةً وكفايةً وإصلاحًا في المرحلة التي تلي البلوغ؛ إذ هي أكثر مراحل العمر حرجًا، بل إن الواقع يشهد بأن توقف الكفالة في هذه السن قد يكون سببًا في ضياعه وانقلابه على المجتمع الذي تركه دون أن يضع قدمه على الطريق أو تكتمل له عناصر النجاح، فكفالة اليتيم لا تتوقف ببلوغه، وإن زال عنه وصف اليُتْم عُرْفًا، أو بالتكليف الشرعي الذي يُقصد به خروجُه عن حد الصِّغَر، وإنما تستمر بعد بلوغه إلى وقت حصول رشده؛ كما في إيتاء الأموال في قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 6]، وذلك يتحقق بحصول الأهلية الكاملة لليتيم، التي تبيح له أن يباشر كافة التصرفات بنفسه، وتسقط بها وصاية غيره عليه، وتنتهض بها مسؤوليتُه الكاملة عن كل ما يصدر عنه مِن أعمال، ويخرج بها اليتيم عن وصف القاصر.

فتحصل من ذلك: أن الشريعة قصدت بكفالة اليتيم رعايتَه في جميع شؤون حياته ومعيشته مأكلًا ومشربًا وملبسًا ومسكنًا وتأديبًا وتعليمًا وتثقيفًا وزواجًا، وغير ذلك من ضروريات الحياة وحاجياتها؛ كما يصنع الوالدان بولدهما سواءً بسواءٍ؛ حتى يصل إلى مرحلة الاستقلال التامة نفسيًّا واجتماعيًّا وماليًّا بحيث يكون قادرًا على بناء أسرته قائمًا بشؤونه مُنفِقًا على نفسه وعلى من يعول.

وتحديد المرحلة أو السنِّ التي يتم فيها استقلالُ اليتيم بنفسه رعايةً وكفايةً واكتسابًا بحيث تنتهي كفالته عندها هو أمرٌ يخضع لحالته وقدراته الذاتية واستعداده النفسي، كما يخضع للعرف والنظام المجتمعي وطبيعة العصر الذي يحيا فيه، وهذا كما عليه المحققون من الفقهاء في حد العطاء في الزكاة، فيجوز إعطاءُ الإنسان من الزكاة حتى تُخرِجه من حدِّ الحاجة إلى حدِّ الغنى، بل ويُعطى عند جماعةٍ مِن الفقهاء ما يُغنيه عمرَه كلَّه بتقدير العمر الغالب لأمثاله؛ وهذا يقتضي أنَّ كفالة الأيتام تشمل توفيرَ فُرَصِ العمل لهم، فإن كان استعدادُ اليتيم متوائمًا مع الجانب الحِرفي أُنفِقَ عليه حتى يتقن الحرفة التي يمكنه أن يتمهَّر فيها، ثم أُعطِيَ من الآلات في حرفته ما يكفيه لتمام نفقته، وإن كان صاحب عِلْمٍ أُعطيَ من المال ما يُغنِيه ويُفَرِّغه لهذا العلم من كُتُب وأُجرة تعلُّم ومعلِّم وغيرها، ومن ذلك مِنَح التفرغ التي تُعطَى لِمَن أراد الحصول على مؤهل علمي معين يناسب كفاءته العلمية وقدرته العقلية، أو حتى لمن يحتاج إلى هذا المؤهل العلمي للانسلاك في وظيفة تُدِر عليه دخلًا يكفيه ومَن يعوله؛ حيث اقتضت طبيعة العصر وابتناء الوظائف وفرص العمل فيه على المؤهلات العلمية أن صار المؤهل بالنسبة له كالآلة بالنسبة للحِرَفي علاوة على ما يكتسبه في ذلك من علم يفيده ويفيد أمته، وكذلك اليتيمة تَظَلُّ في الكفالة حتى تتزوَّج، ويُنفَق عليها في توفير جهازها وإحضار مستلزمات زواجها، وكذلك ذوو الاحتياجات الخاصة مِن الأيتام؛ يبقون في الكفالة ما بقيَ احتياجُهم لغيرهم... وهكذا.

الخلاصة

على ذلك: فكفالة اليتيم والصرف عليه ومَن في حُكْمِه -كمجهول الأبوين- لا ينبغي أن ينقطع بمُجَرَّد بُلُوغِه الحُلُم، أو بُلُوغِه سِنًّا أكبر مع كونه ما زال مُحتاجًا إلى من ينفق عليه ويقف بجانبه، بل يستمر الصرف عليه إلى أن يصل إلى بَرِّ الأمان ويعتمد على نفسه؛ كأن يلتحق بإحدى الوظائف، أو يحوز من المشاريع ما يُدِرُّ دخلًا منتظمًا يكفيه ومَن يعوله، وكذلك اليتيمة أو مَن في حُكْمِها -كمجهولة الأبوين- يَظَلُّ الإنفاق عليها مستمرًّا حتى تتزوج بما يشمل توفير جهازها ومستلزمات زواجها.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

حكم استضافة الأب لولده المحضون

تاريخ الفتوى: 03 مايو 2016 م

رقم الفتوى: 3612

من فتاوى: أمانة الفتوى

التصنيف: الحضانة

حكم استضافة الأب لولده المحضون

السؤال:

ما حكم استضافة الأب لابنه الذي هو في حضانة أمه؟

الجواب:

الحضانة وتنظيمها إنما هي وسيلةٌ لحماية المحضون ورعايته، والقيام بحقوقه والعناية بشئونه، حتى إن الحاضنة إذا أرادت إسقاط الحضانة لا تَسقُط، وكل هذا حتى لا يضيع المحضون، الذي هو الغاية والمقصد مِن تنظيم شئون الحضانة، فليست الحضانة ساحةً لِكَيْدِ المُطَلِّق ضد مُطَلَّقَته أو لِمَكْرِ المُطَلَّقَة بِمُطَلِّقِها على حساب مَصلحة المحضون، بل هي وِلَايةٌ للتربية؛ غرضها الاهتمام بالصغير وضمان مصلحته والقيـام على شئونه، وقد أناطها الشرع الشريف بالأمن على المحضون في شخصه ودِينه وخُلُقه، ومِن جهةٍ أخرى فهي مجالٌ جَيِّدٌ لِتَعْوِيدِ النفس على العطاء والبذل وإنكار الذات.

والقانون المُنَظِّم للحضانة والمُستَقى مِن الشريعة الغَرَّاء مقصده تحقيق هذا الغرض، ويُدَنْدِنُ حول هذا الهدف، فعندما لا تُسعِف حَرْفِيَّةُ القوانين في تحقيق هذا المطلوب تَبقى رُوحُ القانون مَطِيَّةً للقاضي المُتَمَكِّن المُتَشَبِّعِ بأغراض الشارع ومقاصده للوصول إلى ذلك المطلوب.

وبِناءً على ذلك: فإنه يجوز للقاضي أن يَسمح للأب باستضافة المحضون في الأيام المناسِبَة لذلك؛ كيومٍ في الأسبوع، ومُدَّةٍ مناسبةٍ في إجازتَي نصف العام الدراسي ونهايته وأعيادِ السنة المختلفة إذا أذنت الحاضنة في ذلك، حسبما يراه محققًا للمصلحة والعدل في ذلك كله؛ فعند القاضي مِن الصلاحية المُخَوَّلة له ما يجعله يقضي بذلك وهو مُرتاحُ الضمير مُطمَئنُّ البال ما دام الهدف مِن ذلك هو تحقيقَ المَنشود مِن شريعة الحضانة المُحكَمة، ورعاية المحضون على الوجه الأكمل.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

حكم نفقة الأب على أبنائه الذين لا مال لهم ولا كسب

تاريخ الفتوى: 19 ديسمبر 2006 م

رقم الفتوى: 2059

من فتاوى: فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة محمد

التصنيف: النفقات

حكم نفقة الأب على أبنائه الذين لا مال لهم ولا كسب

السؤال:

إذا كان الأب له معاش، وله ابن في مراحل التعليم، فهل النفقة على الأب أم على ابنه الأكبر الذي لم يؤدِّ الخدمة العسكرية؛ لأنه عائل الأسرة؟ وهل على الأب نفقة ابنته البالغة التي لا تجد عملًا؟


الجواب:

اتفق الفقهاء على وجوب إنفاق الأب على أولاده إذا كانوا معسرين لا مال لهم ولا كسب؛ لقول الله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233]، ولا يسقط ذلك عنه إلا إذا كان عاجزًا بحيث تكون نفقته على غيره.

وعليه: فيجب على الأب المذكور أن يُنفق على ابنه الذي هو في مراحل التعليم وعلى ابنته البالغة التي لا تجد عملًا، وإن كان المعاش لا يكفي فيُكمِل ابنُه الأكبر على قدر استطاعته، وله أن يرجع بعد ذلك على الأب بما أنفقه على أخيه وأخته إن أيسر.

 

وجوب إنفاق الأب على أبنائه

اتفق الفقهاء على وجوب إنفاق الأب على الولد المباشر؛ لقول الله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233]، والمولود له هو الأب، فأوجب الله تعالى عليه رزق النساء من أجل الولد؛ فلأن تجب عليه نفقة الولد من باب أَولى، ولقوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لهند امرأة أبي سفيان رضي الله عنها في الحديث الذي رواه البخاري وغيره عن عائشة رضي الله تعالى عنها: «خُذِي ما يَكفِيكِ ووَلَدَكِ بالمَعرُوف».

فلولا أنَّ إنفاق الآباء على الأبناء حق ما أباح لها النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم الأخذ من ماله؛ لحرمة مال المسلم.


شروط وجوب نفقة الأب على أبنائه

شرط وجوب هذه النفقة على الأب أن يكون ميسورًا أو قادرًا على الكسب بما يزيد على نفقة نفسه، ولا يسقط وجوب النفقة إلا إذا كان الأب عاجزًا بحيث تكون نفقته على غيره من الأصول والفروع، فإنه في هذه الحالة يسقط الوجوب عنه ويُعَدُّ في حكم المعدوم؛ لأنه لا يسوغ أن تجب عليه نفقة غيره وهو يأخذ النفقة من غيره.

وعلى هذا قالوا بالنسبة لنفقة الولد على أبيه، إنه لا يشارك الأب في الإنفاق على ابنه أحد؛ لأنه منسوب إليه، وهو جزء منه، فالإنفاق عليه لا يسقط عنه، فلذلك كان إحياء ولده واجبًا عليه لا يسقط عنه إلا عند العجز.

نفقة الأولاد في حالة عدم وجود الأب أو كان معسرا

إن كان مُعْسِرًا وليس له كسب يؤمر مَن تجب عليه النفقة لو لم يكن الأب موجودًا كالجد والأخ والعم وأبنائهما بالإنفاق، وتكون النفقة دَيْنًا على الأب يرجع عليه مَن أنفق عند اليسار.

متى تجب النفقة للأولاد

النفقة تجب للأولاد إذا كانوا معسرين لا مال لهم ولا كَسب، فمن كان قادرًا على الكسب لا تجب نفقته على أبيه؛ والطالب في مراحل تعليمه في مجتمعاتنا المعاصرة يكون عاجزًا عن الكسب لانشغاله بالطلب الذي يؤهله في المستقبل للكسب.


حكم نفقة الحواشي

المعمول به في الفتوى والقضاء أن النفقة تجب على الحواشي، وهم الأقارب من غير عمودَي النسب: كالإخوة والأخوات وأولادهم والأخوال والخالات والأعمام والعمات من كل ذي رحم محرم؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: 233]، وفي قراءة ابن مسعود الشاذة "وعلى الوارث ذي الرحم المحرم مثل ذلك"، وهو مذهب الحنفية بشرط اليسار بها، لا القدرة على الكسب؛ لأن وجوب نفقات الأقارب من قبيل الصلات، والصلات لا تجب على غير ذَوِي اليسار، ويشترط أيضًا أن تكون قد ثبتت بقضاء القاضي؛ قال في "بدائع الصنائع" (4/35، ط. دار الكتب العلمية): [والثالِثُ -أي مِن شروط المنفَق عليه- أَنَّ الطَّلَبَ والخُصُومةَ بين يَدَي القاضِي في أَحَدِ نَوعَي النَّفَقةِ، وهي نَفَقةُ غيرِ الوِلادِ، فلا تَجِبُ بدُونِهِ؛ لأَنَّها لا تَجِبُ بدُونِ قَضاءِ القاضِي، والقَضاءُ لا بد له مِن الطَّلَبِ والخُصُومةِ] اهـ.

الخلاصة

على ذلك وفي واقعة السؤال: تجب نفقة الابن الذي في مراحل التعليم والبنت البالغة التي لا تجد عملًا في أي مكان على الأب الذي له معاش إذا كان المعاش يكفي لنفقتهما، فإن لم يكفِ ما معه إلا لبعض ذلك فليُنفِقه عليهما على أن يُكمِل ذلك ابنه الأكبر إن كان قادرًا، فإن لم يكن معاش الأب يكفي لهذه النفقة فيقوم بها ابنه الأكبر إن أمكنه ويرجع على الأب بما أنفقه في الحالتين إن أيسر.


والله سبحانه وتعالى أعلم.

الشروط الواجب توفراها في الأم الحاضنة

تاريخ الفتوى: 20 سبتمبر 2011 م

رقم الفتوى: 2685

من فتاوى: أمانة الفتوى

التصنيف: الحضانة

الشروط الواجب توفراها في الأم الحاضنة

السؤال:

ما الشروط الواجب توافرها في الحاضنة -أم الأطفال- في حالة الانفصال؟

الجواب:

الأصل في الحاضنة والأم على وجه الخصوص أنها صالحة لحضانة الصغير؛ وذلك لأن الله تعالى جبلها على وفور الشفقة وكمال الرعاية لطفلها، وقد عاينت في ولادته الموت، فهي حريصة عليه كحرصها على نفسها أو أشد، وعلى من يدعي خلاف ذلك عِبء إثباته بما تثبت به الدعوى قضاءً؛ لأنه ناقل عن الأصل.


ومن المقرر شرعًا وعليه جرى العمل إفتاءً وقضاءً أنه يشترط في الحاضنة من النساء: البلوغ؛ ويكون بالحيض أو ببلوغ خمس عشرة سنة، والعقل: فلا حضانة لمجنونة؛ وذلك لأن كلًّا من الصغير والمجنون لا يستطيع القيام بشئون نفسه، فأولى ألا يستطيع القيام بشئون غيره، والقدرة على القيام بشئون الصغير: فلا تصلح المرأة الطاعنة في السن أو المشلولة لحضانة الصغير، والأمانة: ومعناها ألا تسلك الحاضنة سلوكًا يضيع معه نفس الصغير أو دينه أو أدبه؛ كأن تكون فاسقة فسقًا يضيع معه الصغير، أو تهمل في تربيته إهمالًا يخرج عن المسموح به عرفًا في تربية الصغار، وألا تقيم الحاضنة بالمحضون مع مُبْغِضٍ له، وألا تكون متزوجة بغير ذي رحم محرم للصغير؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي» أخرجه أبو داود في "سننه".

والذي عليه المحققون من الحنفية: أن زواج الحاضنة بغير ذي رحم محرم للمحضون لا يُسقط بمجرده حضانتَها عنه حتى يثبت للقاضي أن زواجها يضر بمصلحة المحضون؛ لأن مدار الحضانة على نفع الولد؛ قال العلامة ابن عابدين الحنفي في حاشيته "رد المحتار على الدر المختار" (3/ 565، ط. دار الفكر): [فينبغي للمفتي أن يكون ذا بصيرة ليراعي الأصلح للولد، فإنه قد يكون له قريب مبغض له يتمنى موته ويكون زوج أمه مشفقًا عليه يعز عليه فراقه فيريد قريبه أخذه منها ليؤذيه ويؤذيها، أو ليأكل من نفقته أو نحو ذلك، وقد يكون له زوجة تؤذيه أضعاف ما يؤذيه زوج أمِّه الأجنبي، وقد يكون له أولاد يخشى على البنت منهم الفتنة لسكناها معهم، فإذا علم المفتي أو القاضي شيئًا من ذلك لا يحلُّ له نزعه من أمه؛ لأن مدار أمر الحضانة على نفع الولد، وقد مر عن "البدائع": لو كانت الإخوة والأعمام غير مأمونين على نفسها، أو مالها لا تسلم إليهم] اهـ.

ويشترط في الحاضنة أيضًا: أن تكون خالية من الأمراض المعدية؛ مثل الجذام والبرص، ويُرجَع للمختصين في تحديد الأمراض التي فيها خطر على المحضون من غيرها، ويشترط إسلام الحاضنة إذا بلغ المحضون سنًّا يُخشَى عليه فيها أن يألف الكفر أو يعتاد عليه.

غير أننا ننبه إلى أن إثبات عدم صلاحية الحاضنة لفقدها شرط الحضانة هو أمر موكول إلى القاضي؛ فلا يصح لإنسان أن يحكم بنفسه بعدم صلاحية حاضنة لحضانة طفلها ثم يبني على ذلك أحكامًا دون أن يستند إلى حكم قضائي.

ولا يجوز له أن يتَّخذ حكمه الشخصي تُكَأَةً ولا أن يستند حتى إلى فتوى أو رأي فقهي لنزع المحضون من حاضنته دون قضاء القاضي؛ إذ ليس من مهمة المفتي أو العالم التثبت من صحة الوقائع، واستشهاد الشهود، واستجلاب البينات والقرائن، وإنما ذلك شأن القاضي.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

الطعن 13718 لسنة 88 ق جلسة 17 / 12 / 2024 مكتب فني 75 ق 131 ص 862

جلسة ۱۷ من ديسمبر سنة ۲۰۲٤

برئاسة السيـد القاضي/ معتز أحمد مبروك " نائب رئيس المحكمة "، وعضوية السادة القضاة/ حازم المهندس سيد، محمد الشرقاوي، هشام عطية وأمجد حسام الدين "نواب رئيس المحكمة".

----------------

(۱۳۱)

الطعن رقم ۱۳۷۱۸ لسنة ۸۸ القضائية

(۱ - ٤) إيجار" خصائص عقد الإيجار". عقد" تحديد موضوع العقد: تفسير العقد" " المسئولية العقدية". محكمة الموضوع " سلطتها بالنسبة للمنازعات الناشئة عن العقود: سلطتها في تفسير العقد".

(۱) العقد. ماهيته. قانون المُتعاقدين. مؤداه. الخطأ في تطبيق نصوصه خطأ في تطبيق القانون. أثره. امتناع نقضه أو تعديله من أي من المُتعاقدين أو القاضي. عبارات العقد الواضحة. التزام القاضي بها وألا ينحرف عنها بدعوى تفسيرها. المادتان ١٤٧، ١/١٥٠ مدني.

(۲) الالتزام بالأجرة. أساسه ومداه. الأجرة مُقابل الانتفاع. م ٥٥۸ مدني.

(۳) ترك المُستأجر العين المؤجرة قبل المدة المُحددة لانتهاء عقد الإيجار. إخلال بالتزامه التعاقدي. أثره. جواز رجوع المؤجر عليه بالتعويض. أساسه. المسئولية العقدية إذا تمسك بالعقد أو المسئولية التقصيرية إذا طلب الفسخ. عدم جواز المُطالبة بالأجرة في الحالتين عن المدة المتبقية في العقد. علته. عدم انتفاع المُستأجر بالعين المؤجرة بعد تركه لها. أثره. انحصار طلب المؤجر في التعويض وفقًا لنوع المسئولية. تقديره. بالضرر المتوقع إذا رجع بالمسئولية العقدية وبالضرر المتوقع وغير المتوقع إذا رجع بالمسئولية التقصيرية.

(٤) ثبوت من عقد الإيجار سند الدعوى النص على جواز إبداء المُستأجر رغبته في إنهاء ذلك العقد بعد مرور مدة لا تقل عن ثلاث سنوات. ثبوت ترك المطعون ضده عين التداعي قبل انتهاء السنة الثالثة. إخلال بالتزامه التعاقدي. جواز مُطالبة الطاعنة له بالتعويض عنه لا مُطالبته بالأجرة عن المدة المتبقية التي لم ينتفع بها. قضاء الحُكم المطعون فيه المؤيد والمُكمل للحُكم الابتدائي برفض طلب الطاعنة الأجرة عن المدة المتبقية بعد استخلاصه من العقد عدم النص صراحة على التزام المطعون ضده بدفع القيمة الإيجارية عن تلك المدة. صحيح. التزامه بالمعنى الواضح بعبارات العقد وعرضه لعناصر الضرر المادي والأدبي التي لحقت بالطاعنة وتقديره التعويض وفقًا لذلك بالإضافة إلى قيمة استهلاك الغاز والمياه عن الشهر الأخير. النعي عليه. على غير أساس.

(٥ - ۸) حُكم " تسبيب الأحكام: ضوابط التسبيب: ماهية التسبيب والغاية منه، موضوع الدعوى وطلبات الخصوم والأدلة الواقعية والحُجج القانونية" "حُجية الأحكام: حُجية الحُكم الجنائي". قوة الأمر المقضي" نطاقها: حُجية الحُكم الجنائي".

(٥) حُجية الحُكم الجنائي أمام المحاكم المدنية. شرطه. فصله فصلًا لازمًا في وقوع الفعل المكون للأساس المشترك بين الدعويين والوصف القانوني لهذا الفعل ونسبته إلى فاعله. فصل المحكمة الجنائية في هذه المسائل بحُكم باتٍ. أثره. امتناع المحكمة المدنية مخالفة الحُكم الجنائي فيما سبق فصله فيه. اقتصار الحُجية على منطوق الحُكم بالإدانة أو البراءة وأسبابه المؤدية إليه دون الأسباب التي لم تكن ضرورية للحُكم. المادتان ٤٥٦ إجراءات جنائية، ۱۰۲ إثبات.

(٦) الحُكم. وجوب اشتماله على ما يطمئن المُطلع عليه إلى أن المحكمة محصت الأدلة ودرست أوراق الدعوى عن بصر وبصيرة.

(۷) الأحكام. وجوب ابتناءها على أسباب واضحة تنم عن تحصيلها فهم الواقع في الدعوى بما له من سند من الأوراق والبيانات المُقدمة وقيام الـدليل عـلـى الحقيقة التي اقتنعت بها والذي من شأنه أن يؤدي إلى النتيجة التي انتهت إليها.

(۸) ثبوت من مدونات الحُكم الابتدائي المؤيد بالحُكم المطعون فيه قضاءه برفض طلب الطاعنة التعويض عن إتلاف المطعون ضده لعين التداعي استنادًا لبراءته في الجنحة المُقامة عن تلك الواقعة دون استعراض أسباب الحُكم القاضي بالبراءة وصولًا لبيان الأساس المشترك بين الدعويين الجنائية والمدنية. قضاء الحُكم المطعون فيه بتأييد الحُكم الابتدائي لأسبابه دون بيان المصدر الذي استخلص منه تلك الحُجية. قصور وفساد.

(۹ - ۱٤) استئناف" نطاق الاستئناف: الأثر الناقل للاستئناف" " الحُكم في الاستئناف". التزام "انقضاء الالتزام: انقضاء الالتزام بما يعادل الوفاء: المقاصة القانونية، المقاصة القضائية". دعوى" نطاق الدعوى: الطلبات في الدعوى: تحديدها بما يطلب الخصم الحُكم له به". نقض "حالات الطعن بالنقض: الحُكم بشيء لم يطلبه الخصوم أو بأكثر مما طلبوه". نظام عام.

(۹) لا قضاءٍ إلا في خصومةٍ ولا خصومةٍ بغير دعوى بطلبات مُدعاة. م ٦۳ مرافعات. التزام المحكمة بطلبات الخصوم في الدعوى. خروجها عن هذا النطاق. فصلِ في غير خصومة. أثره. مخالفة الحُكم للنظام العام.

(۱۰) الاستئناف. أثره. نقل الدعوى إلى محكمة الاستئناف بحالتها التي كانت عليها قبل صدور الحُكم المُستأنف لمـا رُفع عنه الاستئناف فقط. مفاده. عدم جواز فصلها في أمر غير مطروح عليها. م ۲۳۲ مرافعات.

(۱۱) المقاصة قانونية أم قضائية. ماهيتها. حق مُقرر للمدين يتمسك بموجبه بانقضاء الالتزام المُستحق عليه لدائنه دون تنفيذه عينًا نظير انقضاء ما هو مُستحق له قبل الدائن. مقتضاه. وجود التزامين متماثلين في المحل ولو اختلفا في السبب.

(۱۲) المقاصة القانونية. توافر شروطها من كون الالتزام المُقابل مُستحق الأداء وعدم المنازعة في وجوده أو مِقداره والتمسك بها ممن له مصلحة فيها. أثره. حدوثها بقوة القانون ووجوب القضاء بها وجواز التمسك بها لأول مرة أمام محكمة الاستئناف. علة ذلك.

(۱۳) تخلف أحد شروط المقاصة القانونية. مقتضاه. اعتبارها مقاصة قضائية. التزام المحكمة بتقدير كلا الدينين ومدي المنازعة فيهما قبل إجراء المقاصة. مناطه. طلبها في صورة دعوى أصلية أو طلب عارض أمام محكمة أول درجة.

(۱٤) ثبوت من مدونات الحُكم المطعون فيه تحديد المطعون ضده لطلباته في الاستئناف بإلغاء حُكم أول درجة والقضاء بعدم قبول الدعوى لرفعها من غير وعلى غير ذي صفة وعدم قبولها لرفعها قبل الأوان وعلى غير سندٍ من القانون ورفضها لانتفاء الخطأ الموجب للتعويض واحتياطيًا ندب خبير. مؤداه. تحديد نطاق الخصومة بينه وبين الطاعنة. لازمه. عدم جواز خروج المحكمة على نطاق الطلبات فيها. قضاء الحُكم المطعون فيه باستنزال قيمة مبلغ التأمين المدفوع من المطعون ضده للطاعنة من جملة المبالغ المقضي بها بالحُكم الابتدائي وجعل الفوائد ٤% بدلاً من ٥% دون طلب منه. مخالفة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

۱ - المُقرر– في قضاء محكمة النقض – أن النص في المادتين ۱٤۷، ۱/۱٥۰ من القانون المدني يدل على أن العقد هو قانون المُتعاقدين والخطأ في تطبيق نصوصه خطأ في تطبيق القانون ويمتنع على أي من المُتعاقدين نقض العقد أو تعديله، كما يمتنع ذلك على القاضي وعليه أن يلتزم بعبارات العقد الواضحة باعتبارها تعبيرًا صادقًا عن الإدارة المشتركة للمُتعاقدين فلا يجوز له الانحراف عنها بدعوى تفسيرها.

۲ - المُقرر - في قضاء محكمة النقض – أن أساس الالتزام بالأجرة ومداه تحكمه القواعد العامة التي تقضي بأن الأجرة مُقابل الانتفاع إعمالاً لأحكام المادة ٥٥۸ من القانون المدني.

۳ - إذا تَرَكَ المُستأجر العين المؤجرة قبل المدة المُحددة لانتهاء عقد الإيجار فإنه يكون قد أخل بالتزامه التعاقدي مما يجوز معه للمؤجر الرجوع عليه بالتعويض استنادًا للمسئولية العقدية إذا تمسك المؤجر بالعقد أو استنادًا للمسئولية التقصيرية إذا طلب الفسخ وفي الحالتين لا يطالب بالأجرة التي كان يستحقها لو اكتملت مدة العقد، لأن الأجرة مُقابل انتفاع المُستأجر بالعين المؤجرة، وهو لم ينتفع بها بعد تركه لها، ومن ثم ينحصر طلبه في التعويض وفقًا لنوع المسئولية التي اختار الرجوع بموجبها فيقدر التعويض بالضرر المتوقع إذا رجع بالمسئولية العقدية وبالضرر المتوقع وغير المتوقع إذا رجع بالمسئولية التقصيرية.

٤ - إذ كان الثابت بالبند الرابع من عقد الإيجار سند الدعوى حسبما أورده الحُكم المطعون فيه في مدوناته أنه " من المتفق عليه بين الطرفين أن مدة العقد هي تسع سنوات تبدأ من ۲۰۱٤/٦/۱ وتنتهي في ۲۰۲۳/٥/۳۱ على أنه يجوز للطرف الثاني المُستأجر إبداء رغبته في إنهاء ذلك العقد بعد مرور مدة لا تقل عن ثلاث سنوات من العقد ...." وكان الثابت بالأوراق أن المُستأجر "المطعون ضده" تَرَكَ عين التداعي قبل إنهاء السنة الثالثة من العقد بما يُعد إخلالاً منه لالتزامه التعاقدي يجوز معه للطاعنة مُطالبته بالتعويض عنه لا مُطالبته بالأجرة عن المدة المتبقية التي لم ينتفع بها بعد تركه عين التداعي، وكان الحُكم المطعون فيه المؤيد والمُكمل للحُكم الابتدائي قد عَرَضَ البند الرابع من العقد، واستخلص منه أنه لم ينص صراحةً على التزام المطعون ضده بدفع القيمة الإيجارية عن المدة المتبقية على انقضاء السنة الثالثة للعقد في حالة إنهائه قبل فواتها منتهيًا بذلك إلى رفض طلب الطاعنة بالأجرة المتبقية فإنه يكون قد انتهى إلى النتيجة الصحيحة ولا مخالفة فيها للقانون، لأنه التزم بالمعني الواضح بعبارات العقد كما عَرَضَ لعناصر الضرر المادي والأدبي التي لحقت بالطاعنة من جراء إنهاء العقد قبل انتهاء مدته بإرادته المنفردة دون اتخاذ الإجراءات القانونية وعما فاتها من كسبٍ وما لحقها من خسارةٍ وقدر التعويض وفقًا لما يتناسب وتلك الأضرار في حدود السلطة التقديرية لمحكمة الموضوع، كما ألزمه بقيمة استهلاك الغاز والمياه عن شهر يوليه تأسيسًا على أن المطعون ضده تَرَكَ العين المؤجرة في۲۰۱٦/۷/۳۰، فإن النعي على الحُكم المطعون فيه في هذا الشأن يكون على غير أساس.

٥ - المُقرر– في قضاء محكمة النقض – أن مؤدى نص المادتين ٤٥٦ من قانون الإجراءات الجنائية و۱۰۲ من قانون الإثبات أن الحُكم الصادر في المواد الجنائية لا تكون له حُجية مُلزمة في الدعوى المدنية أمام المحاكم المدنية إلا إذا كان قد فَصَلَ فصلًا لازمًا في وقوع الفعل المكون للأساس المشترك بين الدعويين الجنائية والمدنية وفي الوصف القانوني لهذا الفعل ونسبته إلى فاعله فإذا فَصَلَت المحكمة الجنائية بحُكم باتٍ في هذه المسائل امتنع على المحاكم المدنية مخالفة الحُكم الجنائي فيما سبق له الفَصل فيه وتقتصر هذه الحُجية على منطوق الحُكم الصادر بالإدانة أو البراءة وعلى أسبابه المؤدية إليه بالنسبة لما كان موضوع المحاكمة دون أن تلحق الحُجية الأسباب التي لم تكن ضرورية للحُكم بهذه البراءة أو الإدانة.

٦ - المُقرر– في قضاء محكمة النقض – أن الحُكم يجب أن يكون فيه بذاته ما يطمئن المُطلع عليه أن المحكمة قد مَحصت الأدلة التي قُدمت إليها وحَصلت منها ما تؤدي إليه وذلك بعد استعراض هذه الأدلة والتعليق عليها بما يُنبئ عن بحث ودراسة أوراق الدعوى عن بصر وبصيرة.

۷ - المُقرر– في قضاء محكمة النقض – أن الأحكام يجب أن تكون مبنية على أسباب واضحة جلية تنم عن تحصيل المحكمة فهم الواقع في الدعوى بما له سند من الأوراق والبيانات المُقدمة إليها ودون مخالفة للثابت فيها وأن الحقيقة التي اقتنعت بها قد قام دليلها الذي يتطلبه القانون ومن شأنه أن يؤدي إلى النتيجة التي انتهى إليها قضاؤها.

۸ - إذ كان الثابت من مدونات الحُكم الابتدائي المؤيد بالحُكم المطعون فيه أنه قَضَىَ برفض طلب الطاعنة التعويض عن إتلاف المطعون ضده لعين التداعي لأنه قُضى ببراءته في الحُكم الصادر في الجنحة رقم .... لسنة ۲۰۱۷ جنح مُستأنف مصر الجديدة المُقامة عن تلك الواقعة إلا أن الحُكم لم يستعرض أسباب الحُكم القاضي بالبراءة وصولاً لبيان الأساس المشترك بين الدعويين الجنائية والمدنية الذي فَصَلَ فيه الحُكم الجنائي حتى يمتنع عليه كمحكمة مدنية مخالفة حُجيته، وإذ قَضَىَ الحُكم المطعون فيه بتأييد الحُكم الابتدائي لأسبابه ولم يبين المصدر الذي استخلص منه تلك الحُجية التي أقام عليها قضاءه حتى يتأتى لمحكمة النقض أن تبسط رقابتها على سداده، فإنه يكون معيبًا بالقصور في التسبيب والفساد في الاستدلال.

۹ - المُقرر– في قضاء محكمة النقض – أنه لا قضاءٍ إلا في خصومةٍ، وكان لا خصومةٍ بغير دعوى يقيمها مُدعيها ويحدد طلباته فيها – حسبما نصت عليه المادة ٦۳ من قانون المرافعات – ويتعين على المحكمة الالتزام بما يطلبه الخصوم لأنه أمر نابع من طبيعة وظيفة القضاء بوصفه احتكامًا بين مُتخاصمين على حق مُتنازع عليه فإذا ما خرجت المحكمة عن هذا النطاق ورد حُكمها على غير محل ووقع باطلًا بطلانًا أساسيًا ومن ثم مخالفًا للنظام العام مخالفة تعلو على سائر ما عداها من صور الخطأ في الحُكم فيما يدخل في نطاق الخصومة المطروحة علي المحكمة.

۱۰ - المُقرر– في قضاء محكمة النقض – أن الاستئناف وفقًا لنص المادة ۲۳۲ من قانون المرافعات ينقل الدعوى إلى محكمة ثاني درجة بحالتها التي كانت عليها قبل صدور الحُكم المُستأنف بالنسبة لما رُفع عنه الاستئناف فقط، فلا يجوز لمحكمة الاستئناف أن تتعرض للفصل في أمر غير مطروح عليها.

۱۱ - المُقرر– في قضاء محكمة النقض – أن مفاد نص المادة ۳٦۲ من القانون المدني أن المقاصة القانونية هي انقضاء الالتزام بما يعادل الوفاء وهي حق مقرر للمدين في أن يتمسك بانقضاء الالتزام المُستحق عليه لدائنه دون تنفيذه عينًا نظير انقضاء ما هو مُستحق له قبل هذا الدائن وهو ما يقتضي وجود التزامين متقابلين في المحل ولو كان لكل منهما سبب مُغاير لسبب الالتزام المقابل.

۱۲ - المُقرر– في قضاء محكمة النقض – أنه إذا توافرت شروطها (المقاصة القانونية) بأن كان الالتزام المُقابل مُستحق الأداء وليس محلًا للمنازعة في الوجود أو المِقدار، وتمسك به من له مصلحة فيها أحدثت أثرها بقوة القانون، ووجب على القاضي الحُكم بها وكان للمدين أن يتمسك بها باعتبارها دفعًا موضوعيًا ولو لأول مرة أمام محكمة الاستئناف إذ ليس من شأن هذا الدفاع أن يغير من موضوع الدعوى المطروحة.

۱۳ - المُقرر– في قضاء محكمة النقض – أنه إذا تخلف أحد شروط المقاصة القانونية بأن كان وجود الالتزام المُقابل أو مِقداره محل منازعة كانت المقاصة في حقيقتها مقاصة قضائية باعتبار أن شرط الخلو من النزاع ومعلومية المِقدار هو الشرط الوحيد الذي يحسمه القضاء فيتحقق بصدور حُكمه الشرط وتلتزم المحكمة في سبيل إجرائها لتلك المقاصة بتقدير كلٍّ من الدينين ومدى المنازعة فيه وأثرها عليه ثم تجرى المقاصة بموجبها بعد ذلك ما دام أن المتمسك بها قد طلبها في صورة دعوى أصلية أو طلب عارض أمام محكمة أول درجة.

۱٤ - إذ كان الثابت من مدونات الحُكم المطعون فيه أن المطعون ضده حدد طلباته في الاستئناف رقم .... لسنة ۲۲ ق القاهرة بإلغاء حُكم محكمة أول درجة فيما قَضَىَ به والقضاء بعدم قبول الدعوى لرفعها من غير ذي صفة وعلى غير ذي صفة وعدم قبول الدعوى لرفعها قبل الأوان وعلى غير سندٍ من القانون، ورفض الدعوى لانتفاء الخطأ الذي يوجب التعويض في حقه، واحتياطيًا ندب خبير لتحقيق عناصر الدعوى، فإنه يكون قد حدد نطاق الخصومة بينه وبين الطاعنة، وبالتالي لا يجوز للمحكمة الخروج على نطاق الطلبات في الخصومة إلا أن الحُكم المطعون فيه أقام قضاءه باستنزال قيمة مبلغ التأمين المدفوع منه للطاعنة من جملة المبالغ المقضي بها بالحُكم الابتدائي كما قَضَىَ بجعل مِقدار الفوائد ٤% بدلاً من ٥% فإنه يكون قد قَضَىَ بما لم يطلبه المطعون ضده، ومن ثم خالف القانون.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المحكمــة

بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع التقرير الـذي تـلاه السيد القاضي المُقرر، والمرافعة، وبعد المداولة.

حيث إن الطعن استوفى أوضاعه الشكلية.

وحيث إن الوقائع – على ما يبين من الحُكم المطعون فيه وسائر الأوراق – تتحصل في أن الطاعنة أقامت على المطعون ضده الدعوى رقم .... لسنة ۲۰۱٦ محكمة شمال القاهرة الابتدائية بطلب الحُكم بإلزامه بسداد مبلغ مِقداره ۸۲۹,٥۲٥,۰٥ جنيهًا مع الفوائد القانونية ومِقدارها ٥% من تاريخ المُطالبة القضائية حتى السداد ومبلغ خمسمائة ألف جنيه تعويضًا عن الأضرار المادية والأدبية وما فاتها من كسبٍ وما لحقها من خسارةٍ وما لحق العين المؤجرة من إتلاف عمدي، على سندٍ من: أنه بموجب عقد الإيجار مُحدد المدة مؤرخ ۲۰۱٤/٥/۱۲ استأجر المطعون ضده منها العين محل النزاع بغرض استغلالها في نشاط مطعم ومقهى لمدة تسع سنوات تبدأ من ۲۰۱٤/٦/۱ وتنتهي في ۲۰۲۳/٥/۳۱ بقيمة إيجارية شهرية مِقدارها سبعون ألف جنيه بزيادة سنوية مقدارها ٥%، إلا أنه تَرَكَ عين التداعي بتاريخ ۲۰۱٦/۷/۳۰ بالمخالفة للبند الرابع من العقد آنف البيان وبدون إخطارها مُحدثًا عمدًا التلفيات الثابتة بالمحضر رقم .... لسنة ۲۰۱٦ جنح مصر الجديدة، ولم يقم بسداد قيمة استهلاك الكهرباء والمياه والغاز والضرائب بأنواعها ورسوم تجديد الترخيص المُستحقة عليه فأقامت الدعوى، حَكَمَت المحكمة بإلزام المطعون ضده بأن يؤدي للطاعنة مبلغ ثلاثة وثلاثين ألفًا وأربعة جنيهات وثلاثين قرشًا، ومبلغ ثلاثمائة وخمسين ألف جنيه على سبيل التعويض والفوائد بواقع ٥% من تاريخ صيرورة الحُكم نهائيًا ورفضت ما عدا ذلك من طلبات، بحُكم استأنفته الطاعنة برقم .... لسنة ۲۱ ق القاهرة "مأمورية شمال القاهرة"، كما استأنفه المطعون ضده برقم .... لسنة ۲۲ ق أمام ذات المحكمة، وبعد أن ضمت المحكمة الاستئنافين للارتباط قَضَتَ في الاستئناف الأول برفضه وفي موضوع الاستئناف الثاني بتعديل الحُكم المُستأنف بجعل المبلغ المقضي هو مبلغ مِقداره ۱۷۳,۰۰٤,۳۰ جنيه وجعل نسبة الفوائد بواقع ٤% والتأييد فيما عدا ذلك، طَعَنَت الطاعنة في هذا الحُكم بطريق النقض وأودعت النيابة مذكرة أبدت فيها الرأي بنقض الحُكم المطعون فيه نقضًا جزئيًا، وإذ عُرض الطعن على هذه المحكمة – في غرفة مشورة – حددت جلسة لنظره، وفيها التزمت النيابة رأيها.

وحيث إن الطعن أُقيم على أربع أسباب تنعي الطاعنة بالأول والثاني والوجه الثاني من السبب الرابع منها على الحُكم المطعون فيه الخطأ في تطبيق القانون والفساد في الاستدلال والقصور في التسبيب والتناقض، إذ قَضَىَ برفض طلبها إلزام المطعون ضده بمبلغ ۷۷۱۷٥۰ جنيهًا نظير القيمة الإيجارية عن المدة المتبقية على انقضاء السنة الثالثة من العقد لخلوه مما يفيد صراحةً التزام المطعون ضده بأداء تلك القيمة عن تلك المدة في حالة إنهاء العقد قبل فواتها رغم مخالفة ذلك للثابت بالبند الرابع من ذلك العقد بعدم جواز ترك العين قبل انقضاء ثلاث سنوات من تاريخ تحريره كحد أدنى، وبالتالي أحقيتها في اقتضاء الأجرة عن المدة المتبقة وقيمة استهلاك التيار الكهربائي والغاز عن شهري يوليو وأغسطس، مما يُعيبه ويستوجب نقضه.

وحيث إن هذا النعي في غير محله؛ ذلك أن النص في المادة ۱٤۷ من القانون المدني على أن" العقد شريعة المُتعاقدين، فلا يجوز نقضه أو تعديله إلا باتفاق الطرفين" والنص في المادة ۱/۱٥۰ من ذات القانون على أنه" إذ كانت عبارات العقد واضحة، فلا يجوز الانحراف عنها عن طريق تفسيرها للتعرف على إدارة المُتعاقدين" يدل وعلى ما هو مُقرر / في قضاء هذه المحكمة – أن العقد هو قانون المُتعاقدين والخطأ في تطبيق نصوصه خطأ في تطبيق القانون ويمتنع على أي من المُتعاقدين نقض العقد أو تعديله كما يمتنع ذلك على القاضي وعليه أن يلتزم بعبارات العقد الواضحة باعتبارها تعبيرًا صادقًا عن الإدارة المشتركة للمُتعاقدين فلا يجوز له الانحراف عنها بدعوى تفسيرها، ومن المُقرر أن أساس الالتزام بالأجرة ومداه تحكمه القواعد العامة التي تقضي بأن الأجرة مُقابل الانتفاع إعمالاً لأحكام المادة ٥٥۸ من القانون المدني، من ثم إذا تَرَكَ المُستأجر العين المؤجرة قبل المدة المُحددة لانتهاء عقد الإيجار فإنه يكون قد أخل بالتزامه التعاقدي مما يجوز معه للمؤجر الرجوع عليه بالتعويض استنادًا للمسئولية العقدية إذا تمسك المؤجر بالعقد أو استنادًا للمسئولية التقصيرية إذا طلب الفسخ وفي الحالتين لا يطالب بالأجرة التي كان يستحقها لو اكتملت مدة العقد، لأن الأجرة مُقابل انتفاع المُستأجر بالعين المؤجرة، وهو لم ينتفع بها بعد تركه لها، ومن ثم ينحصر طلبه في التعويض وفقًا لنوع المسئولية التي اختار الرجوع بموجبها فيقدر التعويض بالضرر المتوقع إذا رجع بالمسئولية العقدية وبالضرر المتوقع وغير المتوقع إذا رجع بالمسئولية التقصيرية؛ لما كان ذلك، وكان الثابت بالبند الرابع من عقد الإيجار سند الدعوى حسبما أورده الحُكم المطعون فيه في مدوناته أنه " من المتفق عليه بين الطرفين أن مدة العقد هي تسع سنوات تبدأ من ۲۰۱٤/٦/۱ وتنتهي في ۲۰۲۳/٥/۳۱ على أنه يجوز للطرف الثاني المُستأجر إبداء رغبته في إنهاء ذلك العقد بعد مرور مدة لا تقل عن ثلاث سنوات من العقد ...." وكان الثابت بالأوراق أن المُستأجر "المطعون ضده" تَرَكَ عين التداعي قبل إنهاء السنة الثالثة من العقد بما يُعد إخلالاً منه لالتزامه التعاقدي يجوز معه للطاعنة مُطالبته بالتعويض عنه لا مُطالبته بالأجرة عن المدة المتبقية التي لم ينتفع بها بعد تركه عين التداعي، وكان الحُكم المطعون فيه المؤيد والمُكمل للحُكم الابتدائي قد عَرَضَ البند الرابع من العقد، واستخلص منه أنه لم ينص صراحة على التزام المطعون ضده بدفع القيمة الإيجارية عن المدة المتبقية على انقضاء السنة الثالثة للعقد في حالة إنهائه قبل فواتها منتهيًا بذلك إلى رفض طلب الطاعنة بالأجرة المتبقية فإنه يكون قد انتهى إلى النتيجة الصحيحة ولا مخالفة فيها للقانون، لأنه التزم بالمعني الواضح بعبارات العقد كما عَرَضَ لعناصر الضرر المادي والأدبي التي لحقت بالطاعنة من جراء إنهاء العقد قبل انتهاء مدته بإرادته المنفردة دون اتخاذ الإجراءات القانونية وعما فاتها من كسبٍ وما لحقها من خسارةٍ وقدر التعويض وفقًا لما يتناسب وتلك الأضرار في حدود السلطة التقديرية لمحكمة الموضوع، كما ألزمه بقيمة استهلاك الغاز والمياه عن شهر يوليه تأسيسًا على أن المطعون ضده تَرَكَ العين المؤجرة في۲۰۱٦/۷/۳۰، فإن النعي على الحُكم المطعون فيه في هذا الشأن يكون على غير أساس.

وحيث إن الطاعنة تنعى بالسبب الثالث على الحُكم المطعون فيه مخالفة الثابت بالأوراق والإخلال بحق الدفاع، إذ قَضَىَ بتأييد الحُكم الابتدائي برفض طلبها التعويض عن إتلاف المطعون ضده لعين التداعي لثبوت براءته في الجنحة رقم .... لسنة ۲۰۱۷ جنح مُستأنف مصر الجديدة المُقامة عن تلك الواقعة رغم إحالة محكمة جنح أول درجة الدعوى المدنية للمحكمة المُختصة بما يدل على أن طلب التعويض لم يُفصل فيه أمام تلك المحكمة، وبما يخالف الثابت في أوراق تلك الجنحة ومعاينة الشرطة من حدوث تلك التلفيات، فإنه يكون معيبًا بما يستوجب نقضه.

وحيث إن هذا النعي في محله؛ ذلك أن المُقرر / في قضاء هذه المحكمة – أن مؤدى نص المادتين ٤٥٦ من قانون الإجراءات الجنائية و۱۰۲ من قانون الإثبات أن الحُكم الصادر في المواد الجنائية لا تكون له حُجية مُلزمة في الدعوى المدنية أمام المحاكم المدنية إلا إذا كان قد فَصَلَ فصلًا لازمًا في وقوع الفعل المكون للأساس المشترك بين الدعويين الجنائية والمدنية وفي الوصف القانوني لهذا الفعل ونسبته إلى فاعله فإذا فَصَلَت المحكمة الجنائية بحُكم باتٍ في هذه المسائل امتنع على المحاكم

المدنية مخالفة الحُكم الجنائي فيما سبق له الفصل فيه وتقتصر هذه الحُجية على منطوق الحُكم الصادر بالإدانة أو البراءة وعلى أسبابه المؤدية إليه بالنسبة لما كان موضوع المحاكمة دون أن تلحق الحُجية الأسباب التي لم تكن ضرورية للحُكم بهذه البراءة أو الإدانة، وأنه من المُقرر أن الحُكم يجب أن يكون فيه بذاته ما يطمئن المُطلع عليه أن المحكمة قد مَحصت الأدلة التي قُدمت إليها وحَصلت منها ما تؤدي إليه وذلك بعد استعراض هذه الأدلة والتعليق عليها بما يُنبئ عن بحث ودراسة أوراق الدعوى عن بصر وبصيرة، وأن الأحكام يجب أن تكون مبنية على أسباب واضحة جلية تنم عن تحصيل المحكمة فهم الواقع في الدعوى بما له سندٍ من الأوراق والبيانات المُقدمة إليها ودون مخالفة للثابت فيها وأن الحقيقة التي اقتنعت بها قد قام دليلها الذي يتطلبه القانون ومن شأنه أن يؤدي إلى النتيجة التي انتهى إليها قضاؤها؛ لما كان ذلك، وكان الثابت من مدونات الحُكم الابتدائي المؤيد بالحُكم المطعون فيه أنه قَضَىَ برفض طلب الطاعنة التعويض عن إتلاف المطعون ضده لعين التداعي لأنه قُضي ببراءته في الحُكم الصادر في الجنحة رقم .... لسنة ۲۰۱۷ جنح مُستأنف مصر الجديدة المُقامة عن تلك الواقعة إلا أن الحُكم لم يستعرض أسباب الحُكم القاضي بالبراءة وصولاً لبيان الأساس المشترك بين الدعويين الجنائية والمدنية الذي فَصَلَ فيه الحُكم الجنائي حتى يمتنع عليه كمحكمة مدنية مخالفة حُجيته، وإذ قَضَىَ الحُكم المطعون فيه بتأييد الحُكم الابتدائي لأسبابه ولم يبين المصدر الذي استخلص منه تلك الحُجية التي أقام عليها قضاءه حتى يتأتى لمحكمة النقض أن تبسط رقابتها على سداده، فإنه يكون معيبًا بالقصور في التسبيب والفساد في الاستدلال.

وحيث إن الطاعنة تنعى بالوجهين الأول والثالث من السبب الرابع على الحُكم المطعون فيه البطلان، إذ قَضَىَ بما لم يطلبه الخصوم بأن خصم مبلغ التأمين من جملة المبالغ المقضي بها في الحُكم الابتدائي، كما عَدَلَ الفوائد القانونية المقضي بها من ٥% إلى ٤% دون أن يتمسك المطعون ضده بذلك في صحيفة استئنافه أو في دفاعه، بما يُعيبه ويستوجب نقضه.

وحيث إن هذا النعي سديد؛ ذلك أن المُقرر أنه لا قضاءٍ إلا في خصومةٍ، وكان لا خصومةٍ بغير دعوى يقيمها مُدعيها ويحدد طلباته فيها – حسبما نصت عليه المادة ٦۳ من قانون المرافعات – ويتعين على المحكمة الالتزام بما يطلبه الخصوم لأنه أمر نابع من طبيعة وظيفة القضاء بوصفه احتكامًا بين مُتخاصمين على حق مُتنازع عليه فإذا ما خرجت المحكمة عن هذا النطاق ورد حُكمها على غير محل ووقع باطلاً بطلانًا أساسيًا ومن ثم مخالفًا للنظام العام مخالفة تعلو على سائر ما عداها من صور الخطأ في الحُكم فيما يدخل في نطاق الخصومة المطروحة علي المحكمة، وأن الاستئناف وفقاً لنص المادة ۲۳۲ من قانون المرافعات ينقل الدعوى إلى محكمة ثاني درجة بحالتها التي كانت عليها قبل صدور الحُكم المُستأنف بالنسبة لما رُفع عنه الاستئناف فقط، فلا يجوز لمحكمة الاستئناف أن تتعرض للفصل في أمر غير مطروح عليها، وأن المُقرر أن مفاد نص المادة ۳٦۲ من القانون المدني أن المقاصة القانونية هي انقضاء الالتزام بما يعادل الوفاء وهي حق مُقرر للمدين في أن يتمسك بانقضاء الالتزام المُستحق عليه لدائنه دون تنفيذه عينًا نظير انقضاء ما هو مُستحق له قبل هذا الدائن وهو ما يقتضي وجود التزامين متقابلين في المحل ولو كان لكل منهما سبب مُغاير لسبب الالتزام المُقابل، فإذا توافرت شروطها بأن كان الالتزام المُقابل مُستحق الأداء وليس محلاً للمنازعة في الوجود أو المِقدار، وتمسك به من له مصلحة فيها أحدثت أثرها بقوة القانون، ووجب على القاضي الحُكم بها وكان للمدين أن يتمسك بها باعتبارها دفعًا موضوعيًا ولو لأول مرة أمام محكمة الاستئناف إذ ليس من شأن هذا الدفاع أن يغير من موضوع الدعوى المطروحة، فإذا تخلف أحد شروط المقاصة القانونية بأن كان وجود الالتزام المُقابل أو مِقداره محل منازعة كانت المقاصة في حقيقتها مقاصة قضائية باعتبار أن شرط الخلو من النزاع ومعلومية المِقدار هو الشرط الوحيد الذي يحسمه القضاء فيتحقق بصدور حُكمه الشرط وتلتزم المحكمة في سبيل إجرائها لتلك المقاصة بتقدير كلٍّ من الدينين ومدى المنازعة فيه وأثرها عليه ثم تجرى المقاصة بموجبها بعد ذلك ما دام أن المتمسك بها قد طلبها في صورة دعوى أصلية أو طلب عارض أمام محكمة أول درجة؛ لما كان ذلك، وكان الثابت من مدونات الحُكم المطعون فيه أن المطعون ضده حدد طلباته في الاستئناف رقم .... لسنة ۲۲ ق القاهرة بإلغاء حُكم محكمة أول درجة فيما قَضَىَ به والقضاء بعدم قبول الدعوى لرفعها من غير ذي صفة وعلى غير ذي صفة وعدم قبول الدعوى لرفعها قبل الأوان وعلى غير سند من القانون، ورفض الدعوى لانتفاء الخطأ الذي يوجب التعويض في حقه، واحتياطيًا ندب خبير لتحقيق عناصر الدعوى، فإنه يكون قد حدد نطاق الخصومة بينه وبين الطاعنة، وبالتالي لا يجوز للمحكمة الخروج على نطاق الطلبات في الخصومة إلا أن الحُكم المطعون فيه أقام قضاءه باستنزال قيمة مبلغ التأمين المدفوع منه للطاعنة من جملة المبالغ المقضي بها بالحُكم الابتدائي كما قَضَىَ بجعل مِقدار الفوائد ٤% بدلاً من ٥% فإنه يكون قد قَضَىَ بما لم يطلبه المطعون ضده، ومن ثم خالف القانون.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الطعن 2654 لسنة 91 ق جلسة 26 / 4/ 2023 مكتب فني 74 ق 35 ص 375

جلسة ۲٦ من أبريل سنة ۲۰۲۳

برئاسة السيد القاضي / أحمد عبد الودود نائب رئيس المحكمة وعضوية السادة القضاة / إبراهيم عبد الله ، عطية أحمد عطية ، سامح أبو باشا ومحمد عبد الله الجندي نواب رئيس المحكمة .

----------------

(۳٥)

الطعن رقم ۲٦٥٤ لسنة ۹۱ القضائية

(۱) حكم " بيانات التسبيب " " تسبيبه . تسبيب غير معيب ".

بيان الحكم واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية للجرائم التي دان الطاعنين بها وإيراده على ثبوتها في حقهم أدلة سائغة تؤدي إلى ما رتبه عليها . لا قصور .

عدم رسم القانون شكلاً لصياغة الحكم . كفاية أن يكون مجموع ما أورده مؤدياً لتفهم الواقعة بأركانها وظروفها .

مثال .

(۲) إثبات " خبرة " . حكم " ما لا يعيبه في نطاق التدليل " .

عدم إيراد تقرير الخبير بكامل أجزائه . لا ينال من سلامة الحكم .

مثال .

(۳) إثبات " اعتراف " . نقض " أسباب الطعن . ما لا يقبل منها " .

النعي بعدم إيراد الحكم مضمون اعتراف الطاعن حال سرده لأدلة الثبوت . غير مقبول . علة ذلك ؟

(٤) إثبات " شهود " . حكم " ما لا يعيبه في نطاق التدليل ".

إحالة الحكم في بيان شهادة الشاهد إلى ما أورده من أقوال شاهد آخر . لا يعيبه . ما دامت متفقة مع ما استند إليه منها . اختلافهما في بعض التفصيلات التي لم يوردها . غير مؤثر في سلامته . علة ذلك ؟

(٥) استدلالات . محكمة الموضوع " سلطتها في تقدير جدية التحريات " . نقض " أسباب الطعن . ما لا يقبل منها " .

للمحكمة التعويل على التحريات باعتبارها معززة لما ساقته من أدلة . النعي في هذا الشأن .

جدل موضوعي . غير جائز أمام محكمة النقض .

اطمئنان المحكمة إلى صحة التحريات . كفايته لاطراح الدفع بعدم جديتها .

(٦) دفوع " الدفع ببطلان القبض والتفتيش " . دفاع " الإخلال بحق الدفاع . ما لا يوفره " . نقض " أسباب الطعن . ما لا يقبل منها " .

الدفع ببطلان القبض والتفتيش لحصولهما قبل صدور الأمر بالضبط . موضوعي . كفاية اطمئنان المحكمة لوقوعهما بناءً على الأمر للأدلة التي أوردتها .

الجدل الموضوعي في تقدير الدليل . غير جائز أمام محكمة النقض .

(۷) إثبات " شهود " . حكم " ما لا يعيبه في نطاق التدليل " .

من يقوم بإجراء باطل . لا تقبل منه الشهادة عليه . حد ذلك ؟

تعويل المحكمة على أقوال ضابط الواقعة . لا يعيبه . متى انتهت لصحة إجراءاته .

(۸) محكمة الموضوع " سلطتها في تقدير صحة الاعتراف " . حكم " تسبيبه . تسبيب غير معيب ".

تقدير صحة الاعتراف في المسائل الجنائية وقيمته في الإثبات وأنه قد انتُزِع من الطاعن بطريق الإكراه . موضوعي . حد ذلك ؟

(۹) قبض . نقض " المصلحة في الطعن ".

نعي الطاعن عدم عرضه على النيابة العامة خلال أربع وعشرين ساعة من القبض عليه . غير مجد . متى لم يدع أن هذا الإجراء أسفر عن دليل منتج في الدعوى . علة ذلك ؟

(۱۰) حكم " ما لا يعيبه في نطاق التدليل " . محكمة الموضوع " سلطتها في استخلاص الصورة الصحيحة لواقعة الدعوى ".

التناقض الذي يعيب الحكم ويبطله . ماهيته ؟

نعي الطاعنين على الحكم بالتناقض رغم اعتناقه صورة واحدة لكيفية وقوع الحادث . منازعة في الصورة التي اعتنقتها المحكمة للواقعة وجدل موضوعي في سلطتها في استخلاصها مما تستقل بالفصل فيه بغير معقب .

(۱۱) دفوع " الدفع بنفي التهمة " . دفاع " الإخلال بحق الدفاع . ما لا يوفره ".

الدفع بانتفاء الصلة بالواقعة والمضبوطات . موضوعي . لا يستوجب رداً . استفادته من أدلة الثبوت التي أوردها الحكم .

(۱۲) محكمة الموضوع " سلطتها في تقدير الدليل " . نقض " أسباب الطعن . ما لا يقبل منها ".

تقدير الدليل . موضوعي . المجادلة في هذا الشأن . غير جائزة أمام محكمة النقض . حد ذلك ؟

(۱۳) محكمة الموضوع " سلطتها في استخلاص الصورة الصحيحة لواقعة الدعوى " . دفاع " الإخلال بحق الدفاع . ما لا يوفره " .

نعي الطاعنين بعدم انطباق الواقعة عليهم بجميع قيودها وأوصافها . منازعة في الصورة التي اعتنقتها المحكمة وجدل موضوعي في سلطتها في استخلاصها مما تستقل به بغير معقب .

عدم التزام المحكمة بتعقب المتهم في مناحي دفاعه الموضوعي والرد عليها استقلالاً . قضاؤها بالإدانة لأدلة الثبوت التي أوردتها . مفاده : اطراحها .

(۱٤) حكم " ما لا يعيبه في نطاق التدليل " .

نعي الطاعنين على الحكم مخالفة الثابت بالأوراق والخطأ في الإسناد . غير مقبول . علة ذلك ؟

مثال .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

۱ - لما كان الحكم المطعون فيه بيَّن واقعة الدعوى بما مؤداه : ( .... أنه بتاريخ .... توجه المجني عليهما / .... إلى سوق .... كونهما من تجار المواشي مستقلين سيارة ربع نقل قيادة المتهم الرابع المحكوم عليه غيابياً .... والذي سبق له تكوين تشكيل عصابي مع كل من المتهميـن .... لسرقة تجار المواشي ، وحال عودة المجني عليهما إلى بلدتهما .... مركز .... بعد الانتهاء من أعمالهما بالسوق مستقلين السيارة قيادة المتهم الرابع سالف الذكر في الساعات الأولى من اليوم التالي .... وبناءً على اتفاق بين قائد السيارة وباقي المتهمين ظهر ثلاثتهم مستقلين دراجة بخارية وجميعهم ملثَّمين واعترضوا السيارة بالتهديد بسلاحٍ ناري عبارة عن فرد خرطوش إحراز المتهم / .... ، وبعد وقوف السيارة قام المتهم / .... بتحطيم زجاج السيارة بعصا شوم إحرازه ثمّ أكرهوا المجني عليهما على الترجُّل مهددين إياهما بالأسلحة لإخراج ما معهما من أموال ، فأخرج المجني عليه الأول مبلغ مائتي جنيه من ملابسه فقام المتهم / .... بالتعدي عليه على رأسه بالعصا ( الشومة ) فسقط أرضاً فاقداً للوعي ، فقام المجني عليه الثاني بإخراج ما معه من أموالٍ وهي مبلغ سبعة عشر ألف جنيه فأخذوا الأموال واستقلوا الدراجة وفروا هاربين ، وبضبط المتهم الرابع قائد السيارة بناءً على أمر الضبط الصادر من النيابة العامة أقرَّ بالاتفاق مع باقي المتهمين على ارتكاب الواقعة ، وبضبط باقي المتهمين أرشد المتهم / .... عن الدراجة البخارية المستخدمة والشال الذي كان يتلثم به أحد المتهمين وتم العثور على مبلغ سبعة عشر ألف جنيه مع المتهم / .... متبقي من المبلغ المسروق وتمّ ضبط السلاح الناري وعدة طلقات مع المتهم / .... ، وقد أقرَّ المتهم / .... بتحقيقات النيابة العامة بارتكاب الواقعة بالصورة السالف بيانها مع باقي المتهمين .... ) ، وأورد الحكم على ثبوتها في حق الطاعنين أدلة استمدها من أقوال شهود الإثبات الذين حصَّل أقوالهم بما يتطابق وما أثبته بياناً لواقعة الدعوى والمؤيدة بتحريات الشرطة وممَّا ثبت من تقرير الطب الشرعي للمجني عليه الأول ومن تقرير الأدلة الجنائية وهي أدلة سائغة من شأنها أن تؤدي إلى ما رتّبه الحكم عليها ، وكان القانون لم يرسم شكلاً يصوغ فيه الحكم بيان الواقعة والظروف التي وقعت فيها فمتى كان مجموع ما أورده الحكم كافياً لتفهم الواقعة بأركانها وظروفها حسبما استخلصتها المحكمة – كما هو الحال في الدعوى المطروحة – كان ذلك محققاً لحكم القانون . لمَّا كان ذلك ، وكان الحكم المطعون فيه قد أورد مؤدى الأدلة التي تساند إليها في بيانٍ وافٍ يكفي للتدليل على ثبوت الصورة التي اقتنعت بها المحكمة واستقرت في وجدانها ، فإنه ينحسر عن الحكم دعوى القصور والإبهام ويكون منعى الطاعنين في هذا الشأن غير سديد .

۲ - لمّا كان الحكم قد أورد مؤدى تقرير الطب الشرعي وأبرز ما جاء به من أنَّ : ( .... إصابة المجني عليه بالرأس جائزة الحدوث وفق تصويره وبتاريخ يتفق وتاريخ الواقعة ) ، وكان ذلك يكفي لتبرير اقتناعه بالإدانة ويحقق مراد الشارع الذي استوجبه في المادة ۳۱۰ من قانون الإجراءات الجنائية – في خصوص هذه الدعوى – من دعوى بيان مؤدى الأدلة التي يستند إليها الحكم الصادر بالإدانة ، لما هو مقرر من أنه لا ينال من سلامة الحكم عدم إيراده تقرير الخبير بكامل أجزائه ، فإن النعي على الحكم بشأن ذلك يكون غير سديد.

۳ - من المقرر أن المحكمة غير ملزمة بإيراد مؤدى الدليل الذي تستند إليه في موضع معين من الحكم ، إذ إنَّ القانون لم يلزمها بشكل معين أو ترتيب حال سرد الأدلة ما دام له أصل ثابت في الأوراق ، ومن ثمّ فإن ما يثيره الطاعنون من عدم إيراد مضمون اعتراف الطاعن الثالث حال سرد المحكمة لأدلة الثبوت وإيراد هذا الاعتراف حال بيانها لواقعة الدعوى لا يكون مقبولاً .

٤ - من المقرر أنه لا يعيب الحكم أن يُحيل في بيان شهادة شاهد إلى ما أورده من أقوال شاهد آخر ما دامت أقوالهما متفقة مع ما استند إليه الحكم منها ولا يؤثر في هذا النظر اختلاف الشهود في بعض التفصيلات التي لم يوردها الحكم وذلك بأنَّ لمحكمة الموضوع في سبيل تكوين عقيدتها أن تعتمد على ما تطمئن إليه من أقوال الشاهد وأن تطرح ما عداها وفي عدم إيراد الحكم لهذه التفصيلات ما يفيد اطراحه لها ، ومن ثم فإن منعى الطاعنين في هذا الصدد يكون غير سديد .

٥ - من المقرر أنَّ للمحكمة أن تُعوِّل في تكوين عقيدتها على ما جاء بتحريات الشرطة باعتبارها قرينة معززة لما ساقته من أدلة أساسية ، فإنَّ ما ينعاه الطاعنون على الحكم من تعويله على تحريات الشرطة بمفردها باعتبارها دليلاً أساسياً ينحل إلى جدل موضوعي في سلطة محكمة الموضوع في تقدير أدلة الدعوى ممَّا يخرج عن رقابة محكمة النقض . لمَّا كان ذلك ، وكان الحكم قد اطرح الدفع بعدم جدية التحريات استناداً إلى اطمئنان المحكمة إلى صحة التحريات وجديتها ومساندتها كقرينة لباقي الأدلة في الدعوى ، وهو ما يُعَد كافياً للرد على ما أُثير في هذا الصدد ويكون منعاهم في هذا الشأن ولا محل له.

٦ - من المقرر أنَّ الدفع بصدور الأمر بالضبط والإحضار بعد الضبط والتفتيش هو دفاع موضوعي يكفي للرد عليه اطمئنان المحكمة إلى وقوع الضبط بناءً على الأمر الصادر من النيابة العامة به أخذاً بالأدلة التي أوردتها ، وكانت المحكمة قد اطمأنت إلى أقوال مأمور الضبط القضائي وصحة تصويره للواقعة وأن الضبط كان بناءً على إذن النيابة العامة بالضبط والإحضار ، ولمَّا كانت المحكمة قد ردَّت على هذا الدفع واطرحته في منطقٍ سائغٍ ، فإن ما يثيره الطاعنون في هذا الصدد ينحل إلى جدل موضوعي في تقدير الدليل وهو ما تستقل به محكمة الموضوع ولا تجوز مجادلتها فيه أو مصادرة عقيدتها بشأنه أمام محكمة النقض.

۷ - من المقرر أنَّ الأصل أنَّ من يقوم بإجراءٍ باطل لا تُقبل منه الشهادة عليه ولا يكون ذلك إلا عند قيام البطلان وثبوته ومتى كان لا بطلان فيما قام به الضابط من إجراءات فإنه لا تثريب على المحكمة إن هي عوَّلت على أقواله ضمن ما عولت عليه في إدانة الطاعنين ، ويكون النعي على الحكم في هذا الشأن غير قويم .

۸ - لمَّا كان الحكم المطعون فيه قد رد على الدفع ببطلان اعتراف الطاعن الثالث بتحقيقات النيابة العامة لصدوره تحت تأثير الإكراه المادي والمعنوي برد ٍسائغ ٍوكافٍ في مجموعه في اطراح هذا الدفع ، وكان من المقرر أن َّالاعتراف في المسائل الجنائية من العناصر التي تملك محكمة الموضوع كامل الحرية في تقدير صحتها وقيمتها في الإثبات ولها دون غيرها البحث في صحة ما يدعيه المتهم من أنَّ الاعتراف المعزو إليه قد اُنتزُع منه بطريق الإكراه ، ومتى تحققت أنَّ الاعتراف سليم ممَّا يشوبه واطمأنت إليه كان لها أن تأخذ به بلا مُعقِّبٍ عليها ما دامت تُقيم ذلك على أسبابٍ سائغة – كما هو الحال في الدعوى المطروحة – فإنَّ منعى الطاعنين في هذا الخصوص يكون في غير محله.

۹ - من المقرر أنه لا جدوى ممَّا يثيره الطاعن الثالث من عدم عرضه على النيابة العامة خلال أربع وعشرين ساعة من القبض عليه بالمخالفة لنص المادة ۳٦ من قانون الإجراءات الجنائية بفرض صحته طالما أنه لا يدعي أن تأخره عن العرض على النيابة العامة خلال تلك المدة قد أسفر عن دليلٍ منتج ٍمن أدلة الدعوى ، وكانت المادة ٣٦ من قانون الإجراءات الجنائية لم ترتب البطلان على عدم مراعاة أحكامها ممَّا يجعل الأمر بشأنها راجعاً إلى تقدير محكمة الموضوع لسلامة الإجراءات التي اتخذها مأمور الضبط القضائي ، فإنَّ النعي على الحكم في هذا الصدد لا يكون قويماً .

۱۰ - من المقرر أنَّ التناقض الذي يعيب الحكم ويُبطله هو الذي يقع بين أسبابه بحيث ينفي بعضها ما أثبته البعض الآخر ولا يُعرف أي الأمرين قصدته المحكمة ، وكان الحكم المطعون فيه قد اعتنق صورة واحدة لكيفية وقوع الحادث وساق على ثبوتها في حق الطاعنين أدلة من شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه الحكم عليها ، فإنَّ في ذلك ما يكفي لحمل قضائه بالإدانة على الوجه الذي انتهى إليه ممَّا تنتفي معه قالة التناقض ولا يعدو ما يثيره الطاعنون في هذا الشأن أن يكون منازعة في الصورة التي اعتنقتها المحكمة للواقعة وجدلاً موضوعياً في سلطة محكمة الموضوع في استخلاص صورة الواقعة كما ارتسمت في وجدانها ممَّا تستقل بالفصل فيه بغير مُعقِّب ، ومن ثمَّ فإن ما يثيره الطاعنون في هذا الصدد يكون غير سديد .

۱۱ - من المقرر أن الدفع بانتفاء الصلة بالواقعة وبالمضبوطات هو دفاعٌ موضوعي لا يستوجب رداً مستقلاً من المحكمة ما دام الرد يُستفاد ضمناً من أدلة الثبوت التي أوردها الحكم .

۱۲ - من المقرر أنَّ تقدير الدليل موكولٌ لمحكمة الموضوع وأنه متى اقتنعت به واطمأنت إليه فلا مُعقِّبٌ عليها في ذلك ، ولمَّا كانت الأدلة التي أوردها الحكم من شأنها أن تؤدي إلى ما رُتِّب عليها من ثبوت مقارفة الطاعنين لما أُسند إليهم ، فإن ما يثيرونه من خلو الأوراق من ثمَّة دليلٍ قِبَلهم لا يعدو أن يكون جدلاً في واقعة الدعوى وتقدير أدلتها ممَّا تستقل به محكمة الموضوع ولا تجوز إثارته أمام محكمة النقض .

۱۳ - من المقرر أن المنازعة في الواقعة بجميع قيودها وأوصافها لا تعدو أن تكون منازعة في الصورة التي اعتنقتها المحكمة للواقعة وجدلاً موضوعياً في سلطة محكمة الموضوع في استخلاص صورة الواقعة كما ارتسمت في وجدانها ممَّا تستقل بالفصل فيه بغير مُعقِّبٍ ، هذا إلى أنّ محكمة الموضوع غير ملزمة بتعقب المتهم في مناحي دفاعه الموضوعي والرد على كل شبهة يثيرها استقلالاً إذ في قضائها بالإدانة استناداً إلى أدلة الثبوت التي أوردتها ما يفيد ضمناً أنها اطرحتها ولم تُعوِّل عليها ، ومن ثم يكون النعي بشأن ذلك غير مقبول .

۱٤ - لمّا كان الثابت من الاطلاع على المفردات المضمومة أنه بإعادة سؤال المجني عليهما بتحقيقات النيابة العامة لعرض المبلغ المالي والشال والأسلحة المضبوطة بحوزة المتهمين تعرفا على تلك المضبوطات وقررا أن المبلغ هو باقي المبلغ المسروق منهما وأن الأسلحة هي بذاتها المستخدمة في الواقعة ، وكان البيِّن من الحكم المطعون فيه أنه لم ينسب إلى المجني عليهما أنهما تعرفا على المتهمين أو تمكنا من تحديد أشخاصهم حال ارتكاب الواقعة ، فإنّ النعي بمخالفة الثابت بالأوراق والخطأ في الإسناد لا يكون مقبولاً .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الوقائـع

اتهمت النيابة العامة كلاً من ۱ / .... ( طاعن ) ۲ / .... ( طاعن ) ۳ / .... ( طاعن ) ٤ / .... بأنهم : /

المتهمون جميعاً :

- سرقوا المنقولات المبينة وصفاً وقيمة بالتحقيقات والمملوكة للمجني عليهما / .... وكان ذلك بأحد الطرق العامة ليلاً بأن قام المتهم الأول بإشهار سلاح ناري ( فرد محلي الصنع ) في وجه المجني عليهما لتهديدهما وقام المتهم الثاني بإحداث إصابة المجني عليه الأول الموصوفة بتقرير الطب الشرعي باستخدام سلاح أبيض ( عصا شوم ) حال تواجد باقي المتهمين على مسرح الواقعة وتمكنوا بتلك الوسيلة القسرية من شل مقاومتهما وسرقتهما على النحو المبين بالتحقيقات .

المتهم الأول :

- أحرز بغير ترخيص سلاحاً نارياً غير مششخن محلي الصنع على النحو المبين بالتحقيقات .

- أحرز ذخائر ( خمس طلقات ) ممَّا تُستخدم في السلاح الناري آنف البيان حال كونه غير مرخص له بحيازته أو إحرازه على النحو المبين بالتحقيقات .

المتهم الثاني :

- أحرز سلاحين أبيضين ( مطواة ، عصا شوم ) دون مسوغ قانوني أو مبرر من الضرورة المهنية أو الحرفية على النحو المبين بالتحقيقات .

- أتلف عمداً المنقول ( زجاج سيارة ) المملوك للمجني عليه / .... وقد ترتب على ذلك ضرر مالي قيمته أكثر من خمسين جنيهاً على النحو المبين بالتحقيقات .

وأحالتهم إلى محكمة جنايات .... لمعاقبتهم طبقاً للقيد والوصف الوارديـن بأمر الإحالة .

والمحكمة المذكورة قضت حضورياً للأول والثاني والثالث وغيابياً للرابع عملاً بالمادتين ۳۱٤ ، ۲/۳٦۱،۱ من قانون العقوبات ، والمواد ۱/۱ ، ٦ ، ۲٥ مكرراً/۱ ، ٤/۲٦،۱ ، ۱/۳۰ من القانون ٣٩٤ لسنة ١٩٥٤ المعدل بالقوانين ٢٦ لسنة ۱۹۷۸ ، ١٦٥ لسنة ١٩٨١ ، ٦ لسنة ٢٠١٢ والبندين رقمي ( ٥ ، ۷ ) من الجدول رقم (۱) والجدول رقم (٢) الملحقين بالقانون الأول ، مع إعمال المادة ٣٢ من قانون العقوبات ، بمعاقبتهم بالسجن المشدد لمدة عشر سنوات عما أُسند إليهم وبمصادرة الأسلحة المضبوطة وألزمتهم بالمصاريف الجنائية .

فطعن المحكوم عليهم عدا الرابع في هذا الحكم بطريق النقض .... إلخ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المحكمة

حيث ينعى الطاعنون على الحكم المطعون فيه إذ دانهم بجريمة السرقة بالإكراه بالطريق العام مع التعدد وحمل أسلحة ودان الأول بجريمتي إحراز سلاح ناري غير مششخن وذخيرته بغير ترخيص ودان الثاني بإحراز سلاحين أبيضين دون مسوغ والإتلاف العمدي قد شابه القصور والتناقض في التسبيب والفساد في الاستدلال والإخلال بحق الدفاع ومخالفة الثابت بالأوراق ؛ ذلك أنه لم يُبين واقعة الدعوى المستوجبة للعقوبة وظروفها بياناً كافياً تتحقق به أركان الجرائم التي دان الطاعنين بها وأدلة الثبوت عليها ، وجاءت أسبابه في صيغة عامة مُبهمة ، وعول الحكم في الإدانة على ما ورد بالتقرير الطبي الشرعي دون إيراد مضمونه وفحواه بالمخالفة لنص المادة ۳۱۰ من قانون الإجراءات الجنائية ، كما أورد الحكم المطعون فيه حال بيانه لواقعة الدعوى مضمون اعتراف الطاعن الثالث ولم يورد ذلك الاعتراف أو مضمونه حال سرده لأدلة الثبوت ، وأحال في بيان شهادة الشاهد الثاني إلى ما أورده من أقوال الشاهد الأول رغم اختلاف وتناقض ما شهد به كلٌ منهما بما يخالف الثابت بالأوراق ، واتخذ الحكم المطعون فيه من التحريات وأقوال مُجريها دليلاً أساسياً على الإدانة مُطرحاً الدفع ببطلان تلك التحريات وعدم جديتها بما لا يسوغ ، وقام دفاع الطاعنين على الدفع ببطلان القبض والتفتيش وما تلاهما من إجراءات لحصولهما قبل صدور أمر الضبط والإحضار ، وبطلان اعتراف الطاعن الثالث بتحقيقات النيابة العامة كونه وليد إكراه مادي ومعنوي ، وبطلان حجز الطاعن الثالث لعدم عرضه على النيابة العامة خلال ٢٤ ساعة من القبض عليه ، وبتناقض وتهاتر أسباب الحكم بشأن قائد الدراجة البخارية وبشأن ما أورده الحكم من اعتراف الطاعن الثالث بالتحقيقات بارتكاب الواقعة مع باقي الطاعنين إلا أنه عاد وأورد أن الطاعنين جميعاً أنكروا ما نُسب إليهم بالتحقيقات ، وانتفاء صلة الطاعنين بالواقعة والمضبوطات ، وخلو الأوراق من دليلٍ قِبَلهم ، والمنازعة في الواقعة برمَّتها وعدم انطباقها عليهم بجميع قيودها وأوصافها إلا أنَّ الحكم ردَّ على بعض هذه الدفوع بما لا يصلح رداً والتفت عن باقي الدفوع دون رد ، ونسب الحكم إلى المجني عليهما أنَّ الطاعنين استوقفوهما بالطريق العام مشهرين الأسلحة النارية والبيضاء في وجهيهما وتمكنوا بذلك من سرقتهما بينما خلت أقوال المجني عليهما بالتحقيقات وبجلسة المحاكمة من تحديد شخصية المتهمين أو التعرف عليهم كونهم كانوا ملثمين وقت ارتكاب الواقعة ، كما نسب الحكم قيادة السيارة إلى من يُدعى / .... في حين خلت الأوراق من هذا الاسم بما يشوب الحكم بالخطأ في الإسناد ومخالفة الثابت بالأوراق ، كل ذلك مما يعيب الحكم ويستوجب نقضه .

وحيث إنَّ الحكم المطعون فيه بيَّن واقعة الدعوى بما مؤداه : ( .... أنه بتاريخ .... توجه المجني عليهما / .... إلى سوق .... كونهما من تجار المواشي مستقلين سيارة ربع نقل قيادة المتهم الرابع المحكوم عليه غيابياً .... والذي سبق له تكوين تشكيل عصابي مع كل من المتهمين .... لسرقة تجار المواشي ، وحال عودة المجني عليهما إلى بلدتهما .... مركز .... بعد الانتهاء من أعمالهما بالسوق مستقلين السيارة قيادة المتهم الرابع سالف الذكر في الساعات الأولى من اليوم التالي .... وبناءً على اتفاق بين قائد السيارة وباقي المتهمين ظهر ثلاثتهم مستقلين دراجة بخارية وجميعهم ملثَّمين واعترضوا السيارة بالتهديد بسلاحٍ ناري عبارة عن فرد خرطوش إحراز المتهم / .... ، وبعد وقوف السيارة قام المتهم / .... بتحطيم زجاج السيارة بعصا شوم إحرازه ثمّ أكرهوا المجني عليهما على الترجُّل مهددين إياهما بالأسلحة لإخراج ما معهما من أموال ، فأخرج المجني عليه الأول مبلغ مائتي جنيه من ملابسه فقام المتهم / .... بالتعدي عليه على رأسه بالعصا ( الشومة ) فسقط أرضاً فاقداً للوعي ، فقام المجني عليه الثاني بإخراج ما معه من أموالٍ وهي مبلغ سبعة عشر ألف جنيه فأخذوا الأموال واستقلوا الدراجة وفروا هاربين ، وبضبط المتهم الرابع قائد السيارة بناءً على أمر الضبط الصادر من النيابة العامة أقرَّ بالاتفاق مع باقي المتهمين على ارتكاب الواقعة ، وبضبط باقي المتهمين أرشد المتهم / .... عن الدراجة البخارية المستخدمة والشال الذي كان يتلثم به أحد المتهمين وتم العثور على مبلغ سبعة عشر ألف جنيه مع المتهم / .... متبقي من المبلغ المسروق وتمّ ضبط السلاح الناري وعدة طلقات مع المتهم / .... ، وقد أقرَّ المتهم / .... بتحقيقات النيابة العامة بارتكاب الواقعة بالصورة السالف بيانها مع باقي المتهمين .... ) ، وأورد الحكم على ثبوتها في حق الطاعنين أدلة استمدها من أقوال شهود الإثبات الذين حصَّل أقوالهم بما يتطابق وما أثبته بياناً لواقعة الدعوى والمؤيدة بتحريات الشرطة وممَّا ثبت من تقرير الطب الشرعي للمجني عليه الأول ومن تقرير الأدلة الجنائية وهي أدلة سائغة من شأنها أن تؤدي إلى ما رتّبه الحكم عليها ، وكان القانون لم يرسم شكلاً يصوغ فيه الحكم بيان الواقعة والظروف التي وقعت فيها فمتى كان مجموع ما أورده الحكم كافياً لتفهم الواقعة بأركانها وظروفها حسبما استخلصتها المحكمة – كما هو الحال في الدعوى المطروحة – كان ذلك محققاً لحكم القانون . لمَّا كان ذلك ، وكان الحكم المطعون فيه قد أورد مؤدى الأدلة التي تساند إليها في بيانٍ وافٍ يكفي للتدليل على ثبوت الصورة التي اقتنعت بها المحكمة واستقرت في وجدانها ، فإنه ينحسر عن الحكم دعوى القصور والإبهام ويكون منعى الطاعنين في هذا الشأن غير سديد . لمّا كان ذلك ، وكان الحكم قد أورد مؤدى تقرير الطب الشرعي وأبرز ما جاء به من أنَّ : ( .... إصابة المجني عليه بالرأس جائزة الحدوث وفق تصويره وبتاريخ يتفق وتاريخ الواقعة ) ، وكان ذلك يكفي لتبرير اقتناعه بالإدانة ويحقق مراد الشارع الذي استوجبه في المادة ۳۱۰ من قانون الإجراءات الجنائية – في خصوص هذه الدعوى – من دعوى بيان مؤدى الأدلة التي يستند إليها الحكم الصادر بالإدانة ، لما هو مقرر من أنه لا ينال من سلامة الحكم عدم إيراده تقرير الخبير بكامل أجزائه ، فإن النعي على الحكم بشأن ذلك يكون غير سديد . لمّا كان ذلك ، وكانت المحكمة غير ملزمة بإيراد مؤدى الدليل الذي تستند إليه في موضع معين من الحكم ، إذ إنَّ القانون لم يلزمها بشكل معين أو ترتيب حال سرد الأدلة ما دام له أصل ثابت في الأوراق ، ومن ثمّ فإن ما يثيره الطاعنون من عدم إيراد مضمون اعتراف الطاعن الثالث حال سرد المحكمة لأدلة الثبوت وإيراد هذا الاعتراف حال بيانها لواقعة الدعوى لا يكون مقبولاً . لمّا كان ذلك ، وكان من المقرر أنه لا يعيب الحكم أن يُحيل في بيان شهادة شاهد إلى ما أورده من أقوال شاهد آخر ما دامت أقوالهما متفقة مع ما استند إليه الحكم منها ولا يؤثر في هذا النظر اختلاف الشهود في بعض التفصيلات التي لم يوردها الحكم وذلك بأنَّ لمحكمة الموضوع في سبيل تكوين عقيدتها أن تعتمد على ما تطمئن إليه من أقوال الشاهد وأن تطرح ما عداها وفي عدم إيراد الحكم لهذه التفصيلات ما يفيد اطراحه لها ، ومن ثم فإن منعى الطاعنين في هذا الصدد يكون غير سديد . لمَّا كان ذلك ، وكان من المقرر أنَّ للمحكمة أن تُعوِّل في تكوين عقيدتها على ما جاء بتحريات الشرطة باعتبارها قرينة معززة لما ساقته من أدلة أساسية ، فإنَّ ما ينعاه الطاعنون على الحكم من تعويله على تحريات الشرطة بمفردها باعتبارها دليلاً أساسياً ينحل إلى جدل موضوعي في سلطة محكمة الموضوع في تقدير أدلة الدعوى ممَّا يخرج عن رقابة محكمة النقض . لمَّا كان ذلك ، وكان الحكم قد اطرح الدفع بعدم جدية التحريات استناداً إلى اطمئنان المحكمة إلى صحة التحريات وجديتها ومساندتها كقرينة لباقي الأدلة في الدعوى ، وهو ما يُعَد كافياً للرد على ما أُثير في هذا الصدد ويكون منعاهم في هذا الشأن ولا محل له . لمَّا كان ذلك ، وكان من المقرر أنَّ الدفع بصدور الأمر بالضبط والإحضار بعد الضبط والتفتيش هو دفاع موضوعي يكفي للرد عليه اطمئنان المحكمة إلى وقوع الضبط بناءً على الأمر الصادر من النيابة العامة به أخذاً بالأدلة التي أوردتها ، وكانت المحكمة قد اطمأنت إلى أقوال مأمور الضبط القضائي وصحة تصويره للواقعة وأن الضبط كان بناءً على إذن النيابة العامة بالضبط والإحضار ، ولمَّا كانت المحكمة قد ردَّت على هذا الدفع واطرحته في منطقٍ سائغٍ ؛ فإن ما يثيره الطاعنون في هذا الصدد ينحل إلى جدل موضوعي في تقدير الدليل وهو ما تستقل به محكمة الموضوع ولا تجوز مجادلتها فيه أو مصادرة عقيدتها بشأنه أمام محكمة النقض . لمَّا كان ذلك ، وكان من المقرر أنَّ الأصل أنَّ من يقوم بإجراءٍ باطل لا تُقبل منه الشهادة عليه ولا يكون ذلك إلا عند قيام البطلان وثبوته ومتى كان لا بطلان فيما قام به الضابط من إجراءات فإنه لا تثريب على المحكمة إن هي عوَّلت على أقواله ضمن ما عولت عليه في إدانة الطاعنين ؛ ويكون النعي على الحكم في هذا الشأن غير قويم . لمَّا كان ذلك ، وكان الحكم المطعون فيه قد رد على الدفع ببطلان اعتراف الطاعن الثالث بتحقيقات النيابة العامة لصدوره تحت تأثير الإكراه المادي والمعنوي برد سائغ وكاف في مجموعه في اطراح هذا الدفع ، وكان من المقرر أن َّالاعتراف في المسائل الجنائية من العناصر التي تملك محكمة الموضوع كامل الحرية في تقدير صحتها وقيمتها في الإثبات ولها دون غيرها البحث في صحة ما يدعيه المتهم من أنَّ الاعتراف المعزو اليه قد اُنتزُع منه بطريق الإكراه ، ومتى تحققت أنَّ الاعتراف سليم ممَّا يشوبه واطمأنت إليه كان لها أن تأخذ به بلا مُعقِّبٍ عليها ما دامت تُقيم ذلك على أسبابٍ سائغة – كما هو الحال في الدعوى المطروحة – فإنَّ منعى الطاعنين في هذا الخصوص يكون في غير محله . لمَّا كان ذلك ، وكان لا جدوى ممَّا يثيره الطاعن الثالث من عدم عرضه على النيابة العامة خلال أربع وعشرين ساعة من القبض عليه بالمخالفة لنص المادة ۳٦ من قانون الإجراءات الجنائية بفرض صحته طالما أنه لا يدعي أن تأخره عن العرض على النيابة العامة خلال تلك المدة قد أسفر عن دليلٍ منتج من أدلة الدعوى ، وكانت المادة ٣٦ من قانون الإجراءات الجنائية لم ترتب البطلان على عدم مراعاة أحكامها ممَّا يجعل الأمر بشأنها راجعاً إلى تقدير محكمة الموضوع لسلامة الإجراءات التي اتخذها مأمور الضبط القضائي ، فإنَّ النعي على الحكم في هذا الصدد لا يكون قويماً . لمَّا كان ذلك ، وكان من المقرر أنَّ التناقض الذي يعيب الحكم ويُبطله هو الذي يقع بين أسبابه بحيث ينفي بعضها ما أثبته البعض الآخر ولا يُعرف أي الأمرين قصدته المحكمة ، وكان الحكم المطعون فيه قد اعتنق صورة واحدة لكيفية وقوع الحادث وساق على ثبوتها في حق الطاعنين أدلة من شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه الحكم عليها ، فإنَّ في ذلك ما يكفي لحمل قضائه بالإدانة على الوجه الذي انتهى إليه ممَّا تنتفي معه قالة التناقض ولا يعدو ما يثيره الطاعنون في هذا الشأن أن يكون منازعة في الصورة التي اعتنقتها المحكمة للواقعة وجدلاً موضوعياً في سلطة محكمة الموضوع في استخلاص صورة الواقعة كما ارتسمت في وجدانها ممَّا تستقل بالفصل فيه بغير مُعقِّب ، ومن ثمَّ فإن ما يثيره الطاعنون في هذا الصدد يكون غير سديد . لمَّا كان ذلك ، وكان الدفع بانتفاء الصلة بالواقعة وبالمضبوطات هو دفاعٌ موضوعي لا يستوجب رداً مستقلاً من المحكمة ما دام الرد يُستفاد ضمناً من أدلة الثبوت التي أوردها الحكم . لمَّا كان ذلك ، وكان من المقرر أنَّ تقدير الدليل موكولٌ لمحكمة الموضوع وأنه متى اقتنعت به واطمأنت إليه فلا مُعقِّبٌ عليها في ذلك ، ولمَّا كانت الأدلة التي أوردها الحكم من شأنها أن تؤدي إلى ما رُتِّب عليها من ثبوت مقارفة الطاعنين لما أُسند إليهم ؛ فإن ما يثيرونه من خلو الأوراق من ثمَّة دليلٍ قِبَلهم لا يعدو أن يكون جدلاً في واقعة الدعوى وتقدير أدلتها ممَّا تستقل به محكمة الموضوع ولا تجوز إثارته أمام محكمة النقض . لمَّا كان ذلك ، وكانت المنازعة في الواقعة بجميع قيودها وأوصافها لا تعدو أن تكون منازعة في الصورة التي اعتنقتها المحكمة للواقعة وجدلاً موضوعياً في سلطة محكمة الموضوع في استخلاص صورة الواقعة كما ارتسمت في وجدانها ممَّا تستقل بالفصل فيه بغير مُعقِّبٍ ، هذا إلى أنّ محكمة الموضوع غير ملزمة بتعقب المتهم في مناحي دفاعه الموضوعي والرد على كل شبهة يثيرها استقلالاً إذ في قضائها بالإدانة استناداً إلى أدلة الثبوت التي أوردتها ما يفيد ضمناً أنها اطرحتها ولم تُعوِّل عليها ؛ ومن ثم يكون النعي بشأن ذلك غير مقبول . لمّا كان ذلك ، وكان الثابت من الاطلاع على المفردات المضمومة أنه بإعادة سؤال المجني عليهما بتحقيقات النيابة العامة لعرض المبلغ المالي والشال والأسلحة المضبوطة بحوزة المتهمين تعرفا على تلك المضبوطات وقررا أن المبلغ هو باقي المبلغ المسروق منهما وأن الأسلحة هي بذاتها المستخدمة في الواقعة ، وكان البيِّن من الحكم المطعون فيه أنه لم ينسب إلى المجني عليهما أنهما تعرفا على المتهمين أو تمكنا من تحديد أشخاصهم حال ارتكاب الواقعة ، فإنّ النعي بمخالفة الثابت بالأوراق والخطأ في الإسناد لا يكون مقبولاً . لمّا كان ما تقدَّم ، فإن الطعن برمته يكون على غير أساس متعيناً رفضه موضوعاً .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ