الصفحات

البحث الذكي داخل المدونة

تحميل وطباعة هذه الصفحة

Print Friendly and PDF

الأحد، 26 أبريل 2026

حكم حجر الأم على ابنها الرشيد الذي طرأ عليه السفه دون حكم قضائي

تاريخ الفتوى: 17 يوليو 2024 م

رقم الفتوى: 8415

من فتاوى: الأستاذ الدكتور / شوقي إبراهيم علام

التصنيف: الحجر

السؤال:

ما حكم منع الابن الرشيد من التصرف في ماله دون حكم قضائي إذا طرأ عليه السفه بعد البلوغ؟ لأن ابني بلغ رشيدًا، وله مال خاص به، ثم طرأ عليه السفه بعد البلوغ فصار مبذِّرًا في ماله، فهل يجوز لي أن أمنعه من التصرف في ماله دون حكمٍ قضائيٍّ؟

الجواب:

لا يجوز للأم أن تحجر على ابنها الذي بلغ رشيدًا ثم طرأ عليه السفه دون حكمٍ قضائيٍّ، بل عليها أن ترفع الأمر إلى القضاء، وذلك لما لديه من سلطات واسعة في التحقيق والإثبات التي لا تتوفر لدى آحاد الناس، والتي بها يتوصل إلى ثبوت السفه من عدمه، وما يقضي به القاضي يتعين العمل به.


حفظ المال مقصد من مقاصد الشريعة الإسلامية

الأصل في الإنسان المكلف أنه أحق بماله يتصرف فيه كيفما شاء ما دام أهلًا للتصرف، بأن كان بالغًا عاقلًا رشيدًا، فإذا قام به عارضٌ من عوارض الأهلية، مُنِعَ من التصرف في ماله مُراعاةً لمصلحته وحِفظًا للمال من الضياع؛ إذ المقرَّر أنَّ حفظ المال مقصدٌ من المقاصد الكلية التي راعتها الشريعة الإسلامية وأمرت بالمحافظة عليه.

قال الشيخ محمد بن علي المكي المالكي في "تهذيب الفروق" (3/ 247، ط. عالم الكتب): [مقصود الشرع حفْظُ المال عن الضياع] اهـ.

ومن مظاهر ذلك: الحجر على السفيه، وهو الذي يصرف ماله في غير موضعه، ويُبذِّر في مصروفاته، ويضيع أمواله، ويتلفها بالإسراف، وذلك حتى لا يصبح في ضيقٍ من عيشه ويصبح عالةً على غيره، قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: 5].

قال الإمام القرطبي في "تفسيره" (5/ 30، ط. دار الكتب المصرية): [دلت الآية على جواز الحجر على السفيه، لأمر الله عز وجل بذلك في قوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾] اهـ.

بيان ضابط السفه عند الفقهاء

ضَبَطَ الفقهاءُ السفهَ بأنَّه: خفةٌ تعتري الإنسان فتحمله على العمل بخلاف مُوجَبِ الشرع والعقل مع قيام العقل، وَمَنْ عادَتُهُ التبذير والإسراف في المال، والتصرف فيه لا لغرضٍ، أو لغرضٍ لا يَعُدُّهُ العقلاء من أهل الديانة غرضًا، كالإلقاء في البحر، والإحراق بالنار، وشراء الحمام الطيارة بثمن غالٍ، والغبن الفاحش في التجارات من غير محمدةٍ، فهو السفيه، كما في "العناية شرح الهداية" لأكمل الدين البابرتي الحنفي (9/ 259، ط. دار الفكر).

حكم الحجر على السفيه الذي طرأ عليه السفه بعد بلوغه رشيدًا

قد اختلف الفقهاء في الحجر على السفيه الذي طرأ عليه السفه بعد بلوغه رشيدًا على مذهبين:

فذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنَّه يُحجَرُ عليه، ويُمنع من التصرف في المال، حتى يصير راشدًا مُحسنًا للتصرف، وهذا هو قول الصاحبين أبي يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية.

قال الإمام أبو الحسين القُدوري الحنفي في "مختصره" (ص: 95، ط. دار الكتب العلمية): [قال أبو يوسف ومحمد: يحجر على السفيه ويمنع من التصرف في ماله] اهـ.

وقال الإمام الحطَّاب المالكي في "مواهب الجليل" (5/ 64، ط. دار الفكر): [ويحجر على البالغ السفيه في ماله، وإن كان شيخًا، ولا يتولى الحجر إلا القاضي] اهـ.

وقال الإمام النووي الشافعي في "منهاج الطالبين" (ص: 124، ط. دار الفكر): [فلو بَذَّرَ بعد ذلك حُجِرَ عليه] اهـ.

قال العلَّامة الخطيب الشربيني شارحًا في "مغني المحتاج" (3/ 140، ط. دار الكتب العلمية): [(فلو بَذَّرَ بعد ذلك) أي: بعد بلوغه رشيدًا (حُجِرَ) أي حجر القاضي (عليه)] اهـ.

وقال الإمام البُهوتي الحنبلي في "كشاف القناع" (3/ 527، ط. دار الكتب العلمية): [(وإن فك عنه الحجر) بأن بلغ عاقلًا رشيدًا (فعاوده السفه) أعيد الحجر عليه (أو جُنَّ) بعد بلوغه ورشده (أُعِيدَ الحجر عليه) لأنَّ الحكم يدور مع علته] اهـ.

وذهب الإمام أبو حنيفة إلى: أنَّه لا يُحجَرُ عليه، ولا يُمنَعُ من التصرف في المال، فتصرفه في ماله جائزٌ، وإن كان مبذرًا مفسدًا يتلف ماله فيما لا غرض له فيه ولا مصلحة.

قال الإمام القدوري الحنفي في "مختصره" (ص: 95): [قال أبو حنيفة: لا يحجر على السفيه إذا كان بالغًا عاقلًا حرًّا، وتصرفه في ماله جائز، وإن كان مبذرًا مفسدًا يتلف ماله فيما لا غرض له فيه ولا مصلحة] اهـ.

والذي عليه أكثر أهل العلم: أنَّه يحجر على السفيه ولو طرأ عليه السفه بعد بلوغه رشيدًا، قال الإمام أبو الحسن ابن القطان في "الإقناع في مسائل الإجماع" (2/ 179، ط. الفاروق الحديثة): [الأكثر من أهل العلم يوجبون الحجر على الحر البالغ المُضَيِّعِ لماله صغيرًا كان أو كبيرًا] اهـ.

وقت ابتداء الحجر على السفيه، وما عليه القانون

ومع اتفاق الجمهور على ذلك، إلا أنَّهم اختلفوا في وقت ابتداءِ الحجرِ عليه، هل يكون بمجرد ظهور السفه، أم أنَّه يحتاج إلى حكم القاضي؟ على ثلاثة مذاهب، المُختَار منها للفتوى وما أخذ به القانون: أنَّه لا يثبت الحجر عليه إلا بحكم القاضي، وذلك أن التبذير والإسراف شيءٌ غير منضبط، ولا سبيل إلى ذلك إلا عن طريق القاضي؛ لاختلاف النظر فيه بين آحاد الناس، وما تختلف فيه الأنظار لابد من اللجوء فيه إلى القضاء كما قرره الإمام القرافي رحمه الله تعالى، وهو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية -في الأصح عندهم- والحنابلة، وهو قول أبي يوسف من الحنفية.

قال الإمام الكاساني الحنفي في "بدائع الصنائع" (7/ 169، ط. دار الكتب العلمية): [... هل يصير محجورًا عليه بنفس السفه أم يقف الانحجار على حجر القاضي؟ قال أبو يوسف: لا يصير محجورًا إلا بحجر القاضي] اهـ.

وقال الشيخ عليش المالكي في "منح الجليل" (6/ 95، ط. دار الفكر): [ويحجر على البالغ السفيه في ماله، وإن كان شيخًا، ولا يتولى الحجر إلا القاضي] اهـ.

وقال الإمام النووي الشافعي في "روضة الطالبين" (4/ 182، ط. المكتب الإسلامي): [فرعٌ: لو عاد التبذير بعدما بلغ رشيدًا، فوجهان:... وأصحهما: لا يعود، لكن يعيده القاضي] اهـ.

وقال الإمام البُهوتي الحنبلي في "شرح منتهى الإرادات" (2/ 178، ط. عالم الكتب): [ولا يَحجر عليه (ولا يَنظر في ماله إلا حاكمٌ) لاختلاف التبذير الذي هو سبب الحجر عليه ثانيًا فيحتاج إلى الاجتهاد] اهـ.

وهو ما نصَّ عليه قانون الولاية على المال رقم 119 لسنة 1952 في المادة 65، فقال: [يُحكم بالحجر على البالغ للجنون أو للعته أو للسفه أو للغفلة، ولا يُرفع الحجر إلا بحكمٍ، وتُقيم المحكمة على من يُحجر عليه قيِّمًا لإدارة أمواله وفقًا للأحكام المقررة في هذا القانون] اهـ.

الخلاصة

بناءً على ما سبق وفي واقعة السؤال: فلا يجوز للأم أن تحجر على ابنها الذي بلغ رشيدًا ثم طرأ عليه السفه دون حكمٍ قضائيٍّ، بل عليها أن ترفع الأمر إلى القضاء، وذلك لما لديه من سلطات واسعة في التحقيق والإثبات التي لا تتوفر لدى آحاد الناس، والتي بها يتوصل إلى ثبوت السفه من عدمه، وما يقضي به القاضي يتعين العمل به.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

حكم الاستعانة على قيادة السيارات والمركبات بتعاطي المخدرات

تاريخ الفتوى: 09 أغسطس 2025 م

رقم الفتوى: 8729

من فتاوى: فضيلة أ. د/ نظير محمد عياد - مفتي الجمهورية

التصنيف: أطعمة وأشربة

السؤال:

ما حكم الاستعانة على قيادة السيارات والمركبات بتعاطي المخدرات؟ فأنا أعمل سائق شاحنة، وأشاهد بعض زملاء المهنة يتعاطون أنواعًا من المخدرات، وعند مناقشتهم وجدتهم يبررون ذلك بأنها تعينهم على القيادة وتقلل الشعور لديهم بالإرهاق نتيجة المواصلة في العمل لمدد كبيرة ولمسافات طويلة، فأرجو بيان الحكم الشرعي في ذلك.

الجواب:

يجب شرعًا اجتناب المخدرات سواء كان الإنسان يقود مركبة أو لا، ومَن تعاطى شيئًا منها أثناء القيادة فهو أشد إثمًا وأعظم ضررًا وأخطر جُرْمًا.

وتشدد دار الإفتاء المصرية على السائقين ألا يقود أحدهم مركبته ويُسَيِّرها عبر الطرق إلا وهو في حال إفاقةٍ ونشاطٍ وقدرةٍ ورؤيةٍ ودرايةٍ لكي يراعي قواعد المرور ومعايير الأمان والسلامة المقررة في أنظمة تسيير المركبات ويتقيد بها، ويحدد السرعة المعقولة والمسافات الآمنة بينه وبين الآخرين. 

نعمة العقل وضرورة المحافظة عليه

امتن الله تعالى على الإنسان بنعمة العقل الذي به يكون الإدراك والتمييز، وعليه مدار التكليف، وشَرَع من الأحكام ما من شأنها حفظ العقل لدى كل إنسان؛ مما يحول بينه وبين أن تصيبه آفة تُعْجِزه أو تُتْلِفُه أو تجعل صاحبَه مصدرَ ضرر وأذى على المجتمع أو أن يكون أداة فساد فيه.

من أجل ذلك أوجب الشرع الشريف اجتنابَ كلِّ ما من شأنه تغييب عقل الإنسان وفقدان حسه ووعيه؛ وحرَّم ارتكاب ذلك باعتباره إلقاء بالنفس في المهالك؛ حيث قال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195].

قال العلامة الطاهر ابن عاشور في "التحرير والتنوير" (2/ 215، ط. الدار التونسية): [ووقوع فعل: (تُلْقُوا) في سياق النهي يقتضي عموم كل إلقاء باليد للتهلكة، أي: كل تسبب في الهلاك عن عمد، فيكون منهيًّا عنه محرمًا] اهـ.

بيان المراد بالمخدرات وأثرها على الإنسان

المخدرات جمع مُخَدِّر، وهو مأخوذ من الخَدَر (بالتحريك)، ويطلق في اللغة على عدة معان كالظلمة والضعف والفتور والكسل والستر، كما في "المجموع المغيث" لأبي موسى الأصبهاني (مادة "خدر" 1/ 554، ط. دار المدني)، و"تاج العروس" للمرتضى الزبيدي (مادة "خدر" 11/ 141، ط. دار الهداية).

والمخدِّر اصطلاحًا: "مادة تُسَبِّب في الإنسان والحيوان فقدان الوعي بدرجات متفاوتةٍ" كما في "المعجم الوسيط" لمجمع اللغة العربية بالقاهرة (باب الخاء، 1/ 220، ط. دار الدعوة).

ومن الجهة القانونية فالمخدرات تشمل كلَّ مادةٍ طبيعية أو تركيبية أُدرِجَت في جداول وأحكام القانون رقم 182 لسنة 1960م وتعديلاته اللاحقة في شأن مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها، وما يُضاف إليه من مواد أولًا بأول بحسب ما يصدر من قرارات الجهة المختصة.

ولا يخفى ما للمخدرات من أثر ضارٍّ على العقل والجسد البشريين، يدل على ذلك تلك الحالة التي تغشى عقل المتعاطي وتؤثر سلبًا على تفكيره وتوازنه وتوَلِّد في أعصابه الكسل والثِّقل والفتور، مما يجعل المخدرات أيًّا كان نواعها في حُكْم المسكرات بجامع تغير العقل أو التأثير عليه من وجه، والضرر بالعقل والجسم وما تسببه من أمراض وآثار ضارة خطيرة ومتنوعة من وجه آخر.

وقد أكد صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي على أن مخدر الحشيش -على سبيل المثال- يحتوي على مادة تسبب الهلاوس والضلالات والعديد من الاضطرابات النفسية، كما يسبب تعاطي مخدر الحشيش تليف الرئة، وانخفاضا في ضغط الدم، وضمور خلايا المخ، وضعف القدرة الجنسية، وأنه -وفقا لتقرير الأمم المتحدة- فإن السائقين الذين يقودون تحت تأثير مخدر الحشيش تزداد احتمالية تسببهم في الحوادث بمقدار ثلاثة أضعاف مقارنة بغيرهم من السائقين نظرًا لتأثير الحشيش على إدراك المسافات والزمن.

بيان الأصل في حرمة تناول المخدرات

الأصل في حرمة تناول المخدرات بشتى أنواعها ما روته أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها، قالت: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلِّ مسكرٍ ومُفَترٍ» أخرجه الإمام أحمد وأبو داود، وإسناده حسن كما قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري" (10/ 44، ط. دار المعرفة). و"المُفَتِّر" كما قال ابن الأثير في "النهاية في غريب الحديث والأثر" (3/ 408، ط. المكتبة العلمية) في ضبطه: [الذي إذا شرب أحمى الجسد وصار فيه فتور، وهو ضعف وانكسار. يقال: أفتر الرجل فهو مفتر: إذا ضعفت جفونه وانكسر طرفه] اهـ.

وقال العلامة محمد بن علي بن حسين المكي المالكي في "تهذيب الفروق" (1/ 216، ط. عالم الكتب، مطبوع مع "الفروق" للإمام القرافي): [فسَّر غير واحد التفتيرَ باسترخاء الأطراف وتخدرها وصيرورتها إلى وهنٍ وانكسارٍ] اهـ.

والمفتر حكمه حكم المُسْكِر؛ وذلك لأن القاعدة الأصولية تُقَرِّر أنه: "إذا ورد النهي عن شيئين مقترنين ثم نصَّ على حكم النهي عن أحدهما من حرمة أو غيرها أُعطِيَ الآخرُ ذلك الحكم بدليل اقترانهما في الذكر والنهي، وفي الحديث المذكور ذكر المُفَتِّر مقرونًا بالمسكر، وتقرَّر عندنا تحريم المسكر بالكتاب والسُّنَّة والإجماع فيجب أن يُعطَى المفتر حكمه بقرينة النهي عنهما مقترنين" كما جاء في "تهذيب الفروق" للعلامة محمد بن علي بن حسين المكي المالكي (1/ 216).

كما أن المُسْكِر والمُخَدِّر يجتمعان في عِلةٍ مؤثرة وهي تغييب العقل أو التأثير عليه؛ رغم وجود عموم مطلق بينهما؛ إذ كلُّ مخدرٍ مسكر وليس كلُّ مسكرٍ مخدرا، ذلك لأن "الإسكار يُطْلَق ويُراد به مطلق تغطية العقل، وهذا إطلاق أعم، ويُطلق ويُراد به تغطية العقل مع نشأة وطرب، وهذا إطلاق أخص وهو المراد من الإسكار" كما قال شيخ الإسلام ابن حجر الهيتمي الشافعي في "الفتاوى الفقهية الكبرى" (4/ 230، ط. المكتبة الإسلامية).

كما أنَّ ما ورد من اختلاف بين الفقهاء في عَدِّ المخدرات من المسكرات أو من المفسدات -كما في "الفروق" للإمام القرافي (1/ 217) في الفرق الأربعين بين قاعدة المسكرات وقاعدة المرقدات وقاعدة المفسدات- كان وفق معارف هاتيك الأزمان بحسب ما ثبت لديهم من جانب الوجود والتجربة، وإنما الذي أثبته العلم في العصر الحديث أن المخدرات فيها مفاسد الخمر ومضاره، بل قد تزيد عليها؛ حيث تسبب الإدمان حيث يُعتبر مرضًا خطيرًا له بُعد بيولوجي ونفسي على الإنسان، بالإضافة إلى الأضرار الخطيرة بالمجتمع؛ مما يجعل الجزم بتحريمها قليها وكثيرها وكافة أنواعها هو الأقرب للأدلة والقواعد الشرعية، والأوفق للمقاصد الكلية المقررة حفظ العقل وحماية المجتمع وتأمينه من أي إخلال أو عبث.

تجريم القانون المصري لتعاطي المخدرات

قد جرَّم المشرع المصري تعاطي المخدرات؛ حيث نصت المادة (39- الفقرة الأولى، والثانية) من القانون رقم 182 لسنة 1960م -والمستبدلة بالمادة الأولى من القانون رقم (122) لسنة 1989م- على: [يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة وبغرامة لا تقل عن ألف جنيه ولا تجاوز ثلاثة آلاف جنيه كلُّ مَن ضُبِطَ في مكان أعد أو هُيِّئَ لتعاطي الجواهر المخدرة وذلك أثناء تعاطيها مع علمه بذلك. وتزداد العقوبة إلى مثلها إذا كان الجوهر المخدر الذي قدم هو الكوكايين أو الهيروين أو أي من المواد الواردة بالقسم الأول من الجدول رقم(1)] اهـ.

حكم الاستعانة على قيادة السيارات والمركبات بتعاطي المخدرات

يظهر ممَّا سبق وجوب اجتناب المخدرات أيًّا كان نوعها، وحرمة تعاطيها بأي وسيلة كانت سواء كان الإنسان يقود مركبة أو آلة أو لا؛ بل تشتد هذه الحرمة إذا كان التعاطي للمخدر أثناء القيادة وتسيير المركبة -كما في مسألتنا-، لما يترتب عليه من خطر بالغ وضرر شديد محقق للسائق نفسه ولغيره ممن يركب معه أو مَن يُشاركونه في السير على الطريق، في الأرواح وفي الممتلكات العامة والخاصة؛ ذلك أن المركبة أيًّا كان نوعها ما هي إلا آلة في يد السائق ولا تتحرك البتة إلا بفعلٍ منه، ولا بد أن يسير وفق الأصل الفقهي الذي يقرر أن "المرور في طريق العامة مباحٌ بشرط السلامة".

قال الإمام المرغيناني الحنفي في "الهداية" (4/ 479، ط. دار إحياء التراث العربي): [الأصل أن المرور في طريق المسلمين مباحٌ مُقيدٌ بشرطِ السلامة؛ لأنه يتصرف في حقِّه من وجه وفي حقِّ غيره من وجهٍ لكونه مشتركًا بين كلِّ الناس] اهـ.

وقال الإمام السرخسي الحنفي في "المبسوط" (26/ 188، ط. دار المعرفة): [وما يكون حقًّا للجماعة يُباح لكلِّ واحدٍ استيفاؤه بشرط السلامة؛ لأنَّ حقَّه في ذلك يمكنه من الاستيفاء، ودفع الضرر عن الغير واجبٌ عليه فيُقَيد بشرط السلامة؛ ليعتدل النظر من الجانبين] اهـ.

موقف القانون المصري من القيادة تحت تأثير المخدرات

قد منع قانون المرور المصري رقم 66 لسنة 1973م، والمعدل بالقانون 155 لسنة 1999م مَن قاد مركبة وهو تحت تأثير مادة مخدرة أو مُسْكِرة من السير والقيادة، ووضع له جملة من العقوبات؛ حيث نصت المادة (66) منه على: [يُحْظَر قيادة أية مركبة على مَن كان واقعًا تحت تأثير خمر أو مخدر وإلا سحبت رخصة قيادته إداريًّا لمدة تسعين يومًا، ولضباط وأمناء ومساعدي الشرطة والمرور عند الاشتباه فحص حالة قائد المركبة بالوسائل الفنية التي يحددها وزير الداخلية بالاتفاق مع وزير الصحة، أو إحالته إلى أقرب مقر شرطة أو مرور لإحالته إلى أقرب جهة طبية مختصة؛ لفحصه فإذا امتنع أو لجأ إلى الهرب سحبت رخصته إداريًّا للمدة المذكورة، وعند ارتكاب ذات الفعل خلال سنة تلغى الرخصة إداريًّا لمدة ستة أشهر في الحالتين، فإذا تكرر ذلك سحبت الرخصة نهائيًّا، ولا يجوز إعادة الترخيص قبل انقضاء سنة على الأقل من تاريخ السحب] اهـ.

كما نصت المادة (76) منه على: [مع عدم الإخلال بالتدابير المقررة في هذا القانون أو بأية عقوبة أشد في أي قانون آخر، يُعاقب كلُّ مَن قَادَ مركبةً وهو تحت تأثير مخدر أو مسكر بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر ولا تزيد على سنة وبغرامة لا تقل عن خمسمائة جنية ولا تزيد على ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين، وتُضاعف العقوبة عند العود إلى الفعل ذاته خلال سنة من تاريخ الحكم النهائي بالإدانة] اهـ.

الرد على دعوى أن تعاطي المخدرات يعين على القيادة

ما ذُكِر في السؤال على لسان السائقين من كون تعاطي المخدرات يعينهم على القيادة ويقلل من الشعور بالإرهاق فدعوى تنطوي على الفساد والأذى، وتخفي وراءها أضرارًا ومخاطر جمة؛ بل إن ذلك محض تزيين الشيطان للمعصية والجريمة المتعدية؛ لأنه والحال هذه لا يُعَدُّ اضطرارًا يقتضي تغيير الحكم من الحرمة إلى الإباحة كأكل الميتة، فكان من قبيل إزالة ضرر متوهَّم بضرر ظاهر متحقق، وهذا غير جائز، وقد تقرر أن "الضرر يُزال"، وهي قاعدة كلية عليها مدار الإسلام وأحكامه.

إنما الواجب في مثل هذه الحالة أن يُعرض الإنسان على الطبيب المختص ليقرر له العلاج المناسب ويُقَدِّم له النصائح والتعليمات الطبية اللازمة لمعالجة العَرَض المُشْتَكَى منه، فلا كانت المخدرات للإنسان فيها شفاءٌ؛ ولأن "الله تعالى لم يجعل شفاءنا فيما حُرِّم علينا" كما قال الإمام الجصاص الحنفي في "شرح مختصر الطحاوي" (2/ 38، ط. دار البشائر الإسلامية).

الخلاصة

بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فيجب شرعًا اجتناب المخدرات سواء كان الإنسان يقود مركبة أو لا، ومَن تعاطى شيئًا منها أثناء القيادة فهو أشد إثمًا وأعظم ضررًا وأخطر جُرْمًا. وتشدد دار الإفتاء المصرية على السائقين ألا يقود أحدهم مركبته ويُسَيِّرها عبر الطرق إلا وهو في حال إفاقةٍ ونشاطٍ وقدرةٍ ورؤيةٍ ودرايةٍ لكي يراعي قواعد المرور ومعايير الأمان والسلامة المقررة في أنظمة تسيير المركبات ويتقيد بها، ويحدد السرعة المعقولة والمسافات الآمنة بينه وبين الآخرين.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

الطعن رقم 29 لسنة 42 ق دستورية عليا " منازعة تنفيذ" جلسة 7 / 3 / 2026

المنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ : ⁦۸/۳/۲۰۲٦⁩

باسم الشعب

المحكمة الدستورية العليا

بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت السابع من مارس سنة 2026م، الموافق السابع عشر من رمضان سنة 1447هـ.

برئاسة السيد المستشار/ بولس فهمي إسكندر رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين: رجب عبد الحكيم سليم والدكتور محمد عماد النجار والدكتور طارق عبد الجواد شبل وخالد أحمد رأفت دسوقي والدكتورة فاطمة محمد أحمد الرزاز ومحمد أيمن سعد الدين عباس نواب رئيس المحكمة

وحضور السيد المستشار الدكتور/ عماد طارق البشري رئيس هيئة المفوضين

وحضور السيد/ عبد الرحمن حمدي محمود أمين السر

أصدرت الحكم الآتي

في الدعوى المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 29 لسنة 42 قضائية "منازعة تنفيذ"

المقامة من

عــــادل قطــــب محمد دياب

ضد

1- رئيس الجمهوريـــــة

2- رئيس مجلس الـوزراء

3- وزيــــر العـــــدل

4- ورثة / صلاح السيد خليل، وهم:

- سهام محمد عبد المنعم غــزال

- محمد صلاح السيد خليــــل

- أحمد صلاح السيد خليــــل

- أميرة صلاح السيد خليــــل

- مصطفى صلاح السيد خليل

--------------

الإجراءات

بتاريخ السادس عشر من نوفمبر سنة 2020، أودع المدعي صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا، طلبًا للحكم، بصفة مستعجلة: بوقف تنفيذ حكم محكمة النقض الصادر بجلسة 2/11/2020، في الطعن رقم 11166 لسنة 89 قضائية، وفى الموضوع: بعدم الاعتداد به، والاستمرار في تنفيذ حكمي المحكمة الدستورية العليا، الصادر أولهما بجلسة 1/4/2017، في الدعوى رقم 150 لسنة 33 قضائية "دستورية"، والصادر ثانيهما بجلسة 1/2/2020، في الدعوى رقم 32 لسنة 41 قضائية "منازعة تنفيذ".

وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، طلبت فيها الحكم بعدم قبول الدعوى.

وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرًا برأيها.

ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وفيها قررت المحكمة إصدار الحكم بجلسة اليوم.

-------------

المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.

حيث إن الوقائع تتحصل –على ما يتبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق– في أن المدعى عليهم رابعًا، قد أقاموا أمام محكمة دمنهور الابتدائية الدعوى رقم 31 لسنة 2009 مدني كلي مساكن، بطلب الحكم بإخلاء المدعي من الشقة المبينة بالأوراق، وتسليمها لهم خالية مما يشغلها، أو إلزامه بتوفير مسكن ملائم لهم بالعقار ملكه، استنادًا إلى نص الفقرة الثانية من المادة (22) من القانون رقم 136 لسنة 1981 في شأن بعض الأحكام الخاصة بتأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر. وبجلسة 23/11/2010، حكمت المحكمة بإخلائه من الشقة موضوع عقد الإيجار المؤرخ 13/4/1985، والمبينة به وبصحيفة الدعوى، وتسليمها خالية مما يشغلها. لم يرتض المدعي الحكم؛ فطعن عليه أمام محكمة استئناف الإسكندرية "مأمورية دمنهور" بالاستئناف رقم 6875 لسنة 66 قضائية. وبجلسة 26/3/2019، قضت تلك المحكمة برفضه وتأييد الحكم المستأنف؛ فأقام أمام محكمة النقض الطعن رقم 11166 لسنة 89 قضائية. وبجلسة 2/11/2020، قررت المحكمة –في غرفة مشورة– عدم قبول الطعن.

وإذ ارتأى المدعي أن حكم محكمة النقض آنف البيان قد خالف حكمي المحكمة الدستورية العليا الصادر أولهما بجلسة 1/4/2017، في الدعوى رقم 150 لسنة 33 قضائية "دستورية"، والآخر بجلسة 1/2/2020، في الدعوى رقم 32 لسنة 41 قضائية "منازعة تنفيذ"، وأن ذلك الحكم لم يُعمل آثار حكمي المحكمة الدستورية العليا المنازع في تنفيذهما، ويُشكل - من ثم - عقبة تحول دون تنفيذ هذين الحكمين؛ فقد أقام الدعوى المعروضة.

وحيث إن منازعة التنفيذ -على ما جرى به قضاء هذه المحكمة- قوامها أن يكون التنفيذ قد اعترضته عوائق تحول قانونًا -بمضمونها أو أبعادها- دون اكتمال مداه، وتعطل أو تقيد اتصال حلقاته وتضاممها، بما يعرقل جريان آثاره كاملة دون نقصان، ومن ثم تكون عوائق التنفيذ القانونية هي ذاتها موضوع منازعة التنفيذ أو محلها؛ تلك المنازعة التي تتوخى في ختام مطافها إنهاء الآثار المصاحبة لتلك العوائق، أو الناشئة عنها، أو المترتبة عليها، ولا يكون ذلك إلا بإسقاط مسبباتها وإعدام وجودها؛ لضمان العودة بالتنفيذ إلى حالته السابقة على نشوئها. وكلما كان التنفيذ متعلقًا بحكم صدر عن المحكمة الدستورية العليا فإن حقيقة مضمونه، ونطاق القواعد القانونية التي يضمها، والآثار المتولدة عنها في سياقها، وعلى ضوء الصلة الحتمية التي تقوم بينها، هي التي تحدد جميعها شكل التنفيذ وصورته الإجمالية، وما يكون لازمًا لضمان فعاليته. بيد أن تدخل المحكمة الدستورية العليا -وفقًا لنص المادة (50) من قانونها الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979- لهدم عوائق التنفيذ التي تعترض أحكامها، وتنال من جريان آثارها في مواجهة الأشخاص الاعتباريين والطبيعيين جميعهم، دون تمييز؛ بلوغًا للغاية المبتغاة منها في تأمين حقوق الأفراد وصون حرياتهم، يفترض ثلاثة أمور، أولها: أن تكون هذه العـــــوائق -سواء بطبيعتها أو بالنظر إلى نتائجها– ولو كانت تشريعًا أو حكمًا قضائيًّا أو قرارًا إداريًّا أو عملًا ماديًّا، حائلة دون تنفيذ أحكامها أو مقيدة لنطاقها. ثانيها: أن يكون إسنادها إلى تلك الأحكام وربطها منطقيًّا بها ممكنًا، فإذا لم تكن لها بها من صلة فإن خصومة التنفيذ لا تقوم بتلك العوائق، بل تعتبر غريبة عنها، منافية لحقيقتها وموضوعها. ثالثها: أن منازعة التنفيذ لا تعد طريقًا للطعن في الأحكام القضائية، وهو ما لا تمتد إليه ولاية هذه المحكمة.

وحيث إن المقرر في قضاء المحكمة الدستورية العليا أن الحجية المطلقة للأحكام الصادرة منها في الدعاوى الدستورية، طبقًا لما نصت عليه المادة (195) من الدستور، والمادتان (48 و49) من قانونها الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979، يقتصر نطاقها على النصوص التشريعية التي كانت مثارًا للمنازعة حول دستوريتها، وفصلت فيها المحكمة فصلًا حاسمًا بقضائها، ولا تمتد إلى غير تلك النصوص، حتى لو تطابقت في مضمونها، كما أن قوة الأمر المقضي لا تلحق سوى منطوق الحكم، وما اتصل بهذا المنطوق من الأسباب اتصالًا حتميًّا، بحيث لا تقوم له قائمة من دونها.

وحيث إن الحجية المطلقة لأحكام المحكمة الدستورية العليا في دعاوى التنازع ومنازعات التنفيذ، على ما جرى به نص المادة (195) من الدستور، إنما تلحق –نطاقًا– بما قد تتضمنه هذه الأحكام من تقريرات دستورية، تعرض لنصوص –بذاتها– من الوثيقة الدستورية لها محل من الإعمال على وقائع النزاع الموضوعي، ومؤدية لزومًا إلى الفصل في موضوعه، بما يعكس بيان هذه المحكمة لمؤدى تلك النصوص وإفصاحها عن دلالتها، فيكون إلزامها للكافة وجميع سلطات الدولة، بما أقرته في شأنها من مفاهيم متعينًا.

وحيث إن المقرر في قضاء المحكمة الدستورية العليا أن صدور حكم من إحدى محاكم جهة من جهات القضاء في النزاع الموضوعي المردد أمامها بالمخالفة لنص تشريعي لا يعدو أن يكون وجهًا من أوجه مخالفة ذلك الحكم للقانون، وإنه ولئن جاز تصحيحه بالطعن عليه أمام المحكمة الأعلى بتلك الجهة القضائية فإنه لا يصلح –بحسب الأصل– أن يكون عقبة تحول دون تنفيذ الحكم الصادر من المحكمة الدستورية العليا برفض الدعوى المقامة طعنًا على دستورية ذلك النص، أو صدور حكم بعدم قبول الدعوى المقامة أمام هذه المحكمة طعنًا عليه، مما يستنهض ولايتها لإزالة تلك العقبة؛ ذلك أن قضاءها برفض الدعوى إنما يكشف عن ثبوت الشرعية الدستورية لذلك النص من تاريخ العمل به، ولا تجاوز الحجية المطلقة لذلك الحكم النطاق الدستوري المحكوم فيه، لتستطيل إلى تقييد سلطة محاكم الموضوع في تحديد أحوال انطباق النص التشريعي المقضي بدستوريته على الأنزعة الموضوعية المرددة أمامها، والفصل فيها، كذلك فإن الحكم بعدم قبول الدعوى لا يحوز حجية بشأن دستورية النص المقضي فيه، وذلك كله ما لم يكن الحكم الصادر برفض الدعوى الدستورية أو بعدم قبولها قد شيد على تأويل النص التشريعي على نحو يجنبه القضاء بعدم دستوريته؛ إذ يتعين على محاكم الموضوع في هذه الحالة أن تلتزم في تطبيقها لذلك النص بالتأويل الذي أعملته المحكمة الدستورية العليا بشأنه، فإن خالفته كان حكمها يُشكل عقبة في تنفيذ قضاء هذه المحكمة.

وحيث إن المحكمة الدستورية العليا قد قضت بجلسة 1/4/2017، في الدعوى رقم 150 لسنة 33 قضائية "دستورية" – المنازع في تنفيذه - بعدم قبول الدعوى المقامة طعنًا على نصوص المواد (1 و2 و3) من القانــــون رقم 4 لسنة 1996 بشأن سريان أحكام القانون المدني على الأماكن التي لم يسبق تأجيرها والأماكن التي انتهت أو تنتهي عقود إيجارها دون أن يكون لأحد حق البقاء فيها، تأسيسًا على انتفاء المصلحة الشخصية المباشرة للمدعي، بحسبانه قد أفاد من النصوص القانونية المطعون عليها، ولم يُضار منها البتة، ومن ثم فلا يكون للقرار الصادر من محكمة النقض –في غرفة مشورة– في الطعن رقم 11166 لسنة 89 قضائية من صلة بحكم هذه المحكمة المنازع في تنفيذه، لتنحل الدعوى المعروضة إلى طعن على ذلك الحكم، مما يخرج عن ولاية هذه المحكمة؛ الأمر الذي يتعين معه القضاء بعدم قبول الدعوى في هذا الشق منها.

وحيث إن المحكمة الدستورية العليا قد قضت بجلسة 1/2/2020، في الدعوى رقم 32 لسنة 41 قضائية "منازعة تنفيذ" –المنازع في تنفيذه– بعدم قبول الدعوى المقامة من المدعي بطلب الحكم بعدم الاعتداد بحكم محكمة دمنهور الابتدائية الصادر في الدعوى رقم 31 لسنة 2009 مدني كلي مساكن، المؤيد بحكم محكمة استئناف الإسكندرية –مأمورية دمنهور– في الاستئناف رقم 6875 لسنة 66 قضائية، والاستمرار في تنفيذ حكم المحكمة الدستورية العليا الصادر في الدعوى رقم 150 لسنة 33 قضائية "دستورية" المار ذكره، وأسست هذه المحكمة قضاءها على سند من أن النزاع الموضوعي لا يزال مطروحًا أمام محكمة النقض في الطعن رقم 11166 لسنة 89 قضائية، ولم يكن - وقتئذ - قد فصل فيه بعد.

متى كان ما تقدم، وكان البين من مطالعة قضاء هذه المحكمة في الدعوى رقم 32 لسنة 41 قضائية "منازعة تنفيذ" أنه لم يتضمن أية تقريرات دستورية تتوافر في شأنها شرائط الاحتجاج بها في مواجهة قرار محكمة النقض المصور عقبة في تنفيذ حكم المحكمة الدستورية العليا المار بيانه، كما لم يـتعرض هذا الحكم –المنازع في تنفيذه– لنصوص بذاتها من الوثيقة الدستورية، لها محل من الإعمال على وقائع النزاع الموضوعي، ومؤدية– لزومًا– إلى الفصل في موضوعه؛ ومن ثم فلا يكون لقضاء محكمة النقض – في غرفة مشورة – من صلة بحكم هذه المحكمة في منازعة التنفيذ المار بيانها، الأمر الذي يتعين معه عدم قبول الدعوى برمتها.

وحيث إنه عن الطلب العاجل بوقف تنفيذ قرار محكمة النقض المصور عقبة في التنفيذ، المار بيانه، فإنه يُعد فرعًا من أصل النزاع المعروض. وإذ انتهت هذه المحكمة –فيمـا تقـدم- إلى القضاء بعدم قبول الدعـوى فإن قيامها بمباشرة اختصاص البت في طلب وقف التنفيذ –طبقًا لنص المادة (50) من قانونها الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979– يكون قد بات غير ذي موضوع.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بعدم قبول الدعوى، وألزمت المدعي المصروفات.

الطعن رقم 206 لسنة 29 ق دستورية عليا " دستورية " جلسة 7 / 3 / 2026

المنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ : ⁦۸/۳/۲۰۲٦⁩

باسم الشعب

المحكمة الدستورية العليا

بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت السابع من مارس سنة 2026م،الموافق السابع عشر من رمضان سنة 1447هـ.

برئاسة السيد المستشار/ بولس فهمي إسكندر رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين: رجب عبد الحكيم سليم والدكتور محمد عماد النجار والدكتور طارق عبد الجواد شبل وخالد أحمد رأفت دسوقي والدكتورة فاطمة محمد أحمد الرزاز ومحمد أيمن سعد الدين عباس نواب رئيس المحكمة

وحضور السيد المستشار الدكتور/ عماد طارق البشري رئيس هيئة المفوضين

وحضور السيد/ عبد الرحمن حمدي محمود أمين السر

أصدرت الحكم الآتي

في الدعوى المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 26 لسنة 42 قضائية "منازعة تنفيذ"

المقامة من

محمود محمد عبد الظاهر محمود

ضد

1-وزيــــر العــــدل

2- النــائــب العــام

3- وزير الداخلية

4-مدير مصلحة السجون

--------------

الإجراءات

بتاريخ الثامن عشر من أكتوبر سنة 2020، أودع المدعي صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا، طالبًا الحكم، بصفة مستعجلة: بوقف تنفيذ وإنهاء الآثار الجنائية لحكم محكمة النقض الصادر بجلسة 6/6/2018، في الطعن رقم 15050 لسنة 86 قضائية، وحكم محكمة جنايات الجيزة الصادر بجلسة 18/1/2016، في الجناية رقم 15848 لسنة 2013 قسم الوراق، المقيدة برقم 3203 لسنة 2013 كلي شمال الجيزة، والاستمرار في تنفيذ مقتضى دلالة حكم المحكمة الدستورية العليا الصادر بجلسة 6/2/2016، في الدعوى رقم 62 لسنة 35 قضائية "منازعة تنفيذ"، فيما تضمنه من رجعية أثر الحكم الصادر بعدم الدستورية في النصوص العقابية ليشمل الأحكام الصادرة بالإدانة استنادًا إليها ولو كانت باتة.

وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، طلبت فيها الحكم بعدم قبول الدعوى.

وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرا برأيها.

ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وفيها قررت المحكمة إصدار الحكم بجلسة اليوم.

------------

المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.

حيث إن الوقائع تتحصل –على ما يتبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق– في أن النيابة العامة قدمت المدعي إلى المحاكمة الجنائية في الجناية رقم 15848 لسنة 2013 قسم الوراق، المقيدة برقم 3203 لسنة 2013 كلي شمال الجيزة، متهمة إياه بأنه بتاريخ 4/8/2013، بدائرة قسم الوراق بمحافظة الجيزة: ارتكب جنايات القتل العمد، وإحراز سلاح ناري "فرد خرطوش" بغير ترخيص، وذخيرة مما تستعمل عليه. وبجلسة 18/1/2016، حكمت المحكمة حضوريًّا بمعاقبته بالسجن المؤبد عما أسند إليه. طعن المدعي على الحكم أمام محكمة النقض بالطعن رقم 15050 لسنة 86 قضائية. وبجلسة 6 /6/ 2018، قضت المحكمة برفض الطعن. وإذ ارتأى المدعي أن حكم محكمة جنايات الجيزة وحكم محكمة النقض المار ذكرهما خالفا أحكام القانون؛ لصدورهما في جرائم نسب إليه ارتكابها وقت أن كان مجندًا لدى هيئة الشرطة، منتزعين بذلك اختصاص القضاء العسكري بمحاكمة المجندين؛ بحسبانه قاضيهم الطبيعي، وأن حكم المحكمة الدستورية العليا الصادر بجلسة 6/2/2016، في الدعوى رقم 62 لسنة 35 قضائية "منازعة تنفيذ" الذي تضمن تقريرًا قانونيًّا يفيد رجعية أثر الحكم الصادر بعدم دستورية النصوص العقابية، ليشمل الأحكام الصادرة بالإدانة ولو كانت باتة، يوجب تدخل هذه المحكمة للقضاء بعدم الاعتداد بحكمي محكمة جنايات الجيزة ومحكمة النقض المار ذكرهما.

وحيث إن المقرر في قضاء هذه المحكمة أن قوام منازعة التنفيذ التي تختص المحكمة الدستورية العليا بالفصـل فيها، وفقًا لنص المادة (50) من قانونها الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979، أن تعترض تنفيذ حكمها عوائق تحول قانونًا –بمضمونها- دون اكتمال مداه، أو تقيد اتصال حلقاته، بما يعرقل جريان آثاره كاملة أو يحد منها، ومن ثم تكون هذه العوائق هي محل منازعة التنفيذ التي تستهدف إنهاء الآثار القانونية الناشئة عنها أو المترتبة عليها، وتتدخل المحكمة الدستورية العليا لإزاحة هذه العوائق التي يُفترض أن تكون قد حالت فعلًا، أو من شأنها أن تحول دون تنفيذ أحكامها تنفيذًا صحيحًا مكتملًا، وسبيلها في ذلك الأمر بالمضي في تنفيذ أحكامها، وعدم الاعتداد بذلك الحائل الذي عطل مجراه. بيد أن تدخل هذه المحكمة لهدم عوائق التنفيذ التي تعترض أحكامها، وتنال من جريان آثارها في مواجهة الأشخاص الطبيعيين والاعتباريين جميعهم دون تمييز، يفترض ثلاثة أمور، أولها: أن تكون هذه العوائق - سواء بطبيعتها أو بالنظر إلى نتائجها - حائلة دون تنفيذ أحكامها أو مقيدة لنطاقها، وثانيها: أن يكون إسنادها إلى تلك الأحكام وربطها بها منطقيًّا وممكنًا، فإذا لم تكن لها بها من صلة فإن خصومة التنفيذ لا تقوم بتلك العوائق، بل تعتبر غريبة عنها، منافية لحقيقتها وموضوعها، وثالثها: أن منازعة التنفيذ لا تُعد طريقًا للطعن في الأحكام القضائية، وهو ما لا تمتد إليه ولاية هذه المحكمة.

وحيث إن الحجية المطلقة لأحكام المحكمة الدستورية العليا، في دعاوى التنازع ومنازعات التنفيذ، على ما جرى به نص المادة (195) من الدستور، إنما تلحَق -نطاقًا- بما قد تتضمنه هذه الأحكام من تقريرات دستورية، تعرض لنصوص -بذاتها- من الوثيقة الدستورية، لها محل من الإعمال على وقائع النزاع الموضوعي، ومؤدية –لزومًا- إلى الفصل في موضوعه، بما يعكس بيان هذه المحكمة لمؤدى تلك النصوص الدستورية، وإفصاحها عن دلالتها، فيكون إلزامها للكافة وجميع سلطات الدولة، بما أقرته في شأنها من مفاهيم، متعينًا، ولا كذلك الحال بالنسبة لغيرها من عناصر الحكم في دعاوى التنازع ومنازعات التنفيذ، التي تقضي المحكمة الدستورية العليا في أولاها بوصفها محكمة تنازع، وفى الأخرى باعتبارها قضاء تنفيذ، وذلك دون إخلال بثبوت قوة الأمر المقضي فيه لمنطوق الحكم الصادر في أي من تلك الدعاوى، والأسباب المرتبطة به ارتباطًا حتميًّا، قِبل أطراف خصومة الموضوع، وفي مواجهة جميع المخاطبين بتنفيذه، وإعمال آثاره.

وحيث إن المحكمة الدستورية العليا قضت بحكمها الصادر بجلسة 6/2/2016، في الدعوى رقم 62 لسنة 35 "منازعة تنفيذ"، بعدم قبول الدعوى المقامة طلبًا للحكم بعدم الاعتداد بأحكام محكمة جنح النزهة الصادرة في الجنح أرقام: 20162 و20165 و20166 لسنة 2011؛ عن جريمة إعطاء شيكات بسوء نية لا تقابلها أرصدة قائمة وقابلة للسحب، استنادًا إلى نص المادتين (473 و497)، والبندين (أ، د) من الفقرة (1) من المادة (534) من قانون التجارة الصادر بالقانون رقم 17 لسنة 1999.

لما كان ذلك، وكان الحكمان المصوران عقبة في سبيل تنفيذ حكم المحكمة الدستورية العليا الصادر بجلسة 6/2/2016، في الدعوى رقم 62 لسنة 35 قضائية "منازعة تنفيذ"، يتعلقان بجرائم القتل العمد، وحيازة سلاح ناري وذخيرة بدون ترخيص، وهو اتهام منبت الصلة بجريمة إعطاء شيك بدون رصيد، موضوع الدعوى المنازع في تنفيذ حكمها، وكان ذلك الحكم لم يتضمن أية تقريرات دستورية تعرض لنصوص –بذاتها- من الوثيقة الدستورية، كان لها محل من الإعمال على أي من الحكمين المصورين عقبة في التنفيذ، منطوقًا وأسبابًا، والذي تستقل الخصومة الصادرة فيه، بموضوعها وأطرافها، عن الحكم الصادر من المحكمة الدستورية العليا في منازعة التنفيذ آنفة الذكر؛ ومن ثم فإن الحكم الصادر من محكمة النقض بجلسة 6/6/2018، والحكم الصادر من محكمة جنايات الجيزة بجلسة 18/1/2016، لا يكون لهما من صلة بالحكم المنازع في تنفيذه، الذي تثبت قوة الأمر المقضي فيه لمنطوقه، في مواجهـة أطرافه والمخاطبين بتنفيذه، ولا تتعدى إلى سواهـم، ولا تبارح ما فصل فيه من حقوق إلى غيرها مما يكون محلًّا لمنازعات التنفيذ الأخرى، وتبعًــا لذلك فإنهما لا يُعدان عقبة في تنفيذ حكم هذه المحكمة المنازع في تنفيذه؛ مما لزامه القضاء بعدم قبول الدعوى.

وحيث إنه عن طلب وقف تنفيذ الحكمين المصورين عقبة في التنفيذ، وإنهاء آثارهما الجنائية، فإنه يُعد فرعًا من أصل النزاع في الدعوى المعروضة. وإذ انتهت المحكمة فيما تقدم إلى القضاء بعدم قبول الدعوى؛ فإن قيامها بمباشرة اختصاص البت في هذا الطلب، طبقًا لنص المادة (50) من قانونها الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979، يكون قد بات غير ذي موضوع.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بعدم قبول الدعوى، وألزمت المدعي المصروفات.

وصية وديون على المحكوم عليه بالعته

تاريخ الفتوى: 04 مارس 1913 م

رقم الفتوى: 4230

من فتاوى: فضيلة الشيخ بكري الصدفي

التصنيف: الحجر

السؤال:

رجل في ‏حال صحته وسلامة عقله أوصى لابن ابنه بمثل ‏نصيب ابنه المتوفَّى قبله في جميع ما يكون متروكًا ‏عنه يوم موته، وحرّر بذلك إشهادًا لدى قاض ‏شرعي، ثم قام أحد أولاد الموصي وقدَّم إلى مدير ‏المديرية عرضًا يذكر أن والده بلغ من العمر نحو ‏خمس وتسعين سنة، وبهذا السبب صار معتوهًا، ‏وبناءً على ذلك طُلِبَ الموصي أمام القاضي، ‏وبامتحانه وجد على حسب ما ذكره ابنه المذكور، ‏وبذلك حكم القاضي عليه بالعته، وكان بين العته ‏وثبوت العته أقل من سنة، وسلَّم جميع ما يمتلكه إلى ‏قيم عينه المجلس، ثم توفي الموصي المذكور على ‏هذه الحالة بعد مدة أقل من سنة أيضًا، وبين طرء ‏العته والوفاة نحو سنة ونصف، وأجرى الورثة ‏تقسيم التركة بينهم على حسب الفريضة الشرعية، ‏إلا أن بعض الورثة تبرع له بشيء معين، وصار ‏كل منهم يتصرف فيما آل له من بيع وشراء ورهن ‏مدة تزيد عن خمس عشرة سنة من غير منازع ولا ‏مخاصم تلك المدة، والآن قام رجل يدَّعي أن له ديونًا ‏قبل الموصى له المذكور، وينازع الورثة بقيمة ‏الوصية المذكورة، فهل تكون الوصية المذكورة ‏باطلة؟ أفيدوا الجواب، ولكم الثواب.‏

الجواب:

في "الخانية" ما نصه: رجلٌ أوصى بوصية، ثم أخذه ‏الوسواس، وصار معتوها، فمكث كذلك، ثم مات بعد ‏ذلك؟ قال محمد رحمه الله تعالى: وصيته باطلة. انتهى.

وفي "رد المحتار" بعد نقلٍ هذا ما نصه: وانظر: هل تعتبر فيه المدة المعتبرة في الجنون؟ ‏والظاهر نعم؛ إذ لا فرق بينهما. اهـ.

وفي "التنوير" ‏وشرحه "الدر المختار شرح تنوير الأبصار وجامع البحار": أوصى بوصيةٍ، ثم جُنّ؟ إن أطبق الجنون ‏حتى بلغ ستة أشهر بطلت، وإلا لا. انتهى.

وفي ‏"الأنقروية" بعد كلام ما نصه: والفتوى على أنه لا ‏يوقَّت فيه بشيء، بل مفوضٌ إلى رأي القاضي كما ‏هو قول أبي حنيفة، وإن مسَّت الحاجة إلى التوقيت ‏فالفتوى على أن الجنون المطبق في حق التصرفات ‏يقدر بِسَنَةٍ؛ لأنه لَمَّا حال عليه الفصولُ الأربعةُ ولم ‏يفق منه علم استحكام جنونه حينئذ. انتهى.

ومن ذلك يُعلَم أنه حيث كان الأمر كما ذكر في هذا ‏السؤال، وجرينا على التوقيت بِسَنَةٍ عند الاحتياج ‏إليه، ومضت المدةُ المذكورةُ في السؤال على ‏الموصي المذكور وهو معتوهٌ ثم مات كذلك كانت ‏هذه الوصية باطلة.

والله سبحانه وتعالى أعلم.‏

الطعن 16263 لسنة 80 ق جلسة 22 / 2 / 2023 مكتب فني 74 ق 33 ص 217

جلسة 22 من فبراير سنة 2023
برئاسة السيد القاضي/ حسني عبد اللطيف "نائب رئيس المحكمة"، وعضوية السادة القضاة/ ربيع محمد عمر، محمد شفيع الجرف، جمال سلام "نواب رئيس المحكمة" ونصر أبو سديرة.
--------------
(33)
الطعن رقم 16263 لسنة 80 القضائية
(1- 4) إيجار "القواعد العامة في الإيجار: دعاوى الإيجار: دعوى صحة عقد الإيجار". تزوير "الحكم في الادعاء بالتزوير: عدم جواز الحكم بصحة المحرر أو بتزويره وفي الموضوع معًا". دعوى "أنواع من الدعاوى: دعوى التزوير".
(1) عدم جواز الحكم بصحة الورقة أو تزويرها وفي الموضوع معًا. وجوب التقيد بهذه القاعدة أمام محكمتي الدرجة الأولى والثانية وسواء كان الحكم من الأخيرة بالتأييد أو الإلغاء. م 44 إثبات.
(2) دعوى التزوير الأصلية. وجوب رفعها قبل رفع دعوى موضوعية بالمحرر خشية التمسك به. م 59 إثبات. اختلافها عن دعوى التزوير الفرعية. مؤداه. عدم جواز القضاء بصحة الورقة أو تزويرها وفي الموضوع معًا في الدعوى الأخيرة. م 44 إثبات. إقامة دعوى تزوير أصلية وإبداء المدعى فيها طلبًا عارضًا يعتبر نتيجة لازمة للحكم الصادر فيها. أثره. توفر علة القاعدة المنصوص عليها في المادة 44 إثبات.
(3) دعوى صحة ونفاذ عقد الإيجار. لازمها. وجوب بحث المحكمة ما يثار فيها من أسباب تتعلق بوجود العقد أو انعدامه وصحته أو بطلانه.
(4) إقامة المطعون ضده الأول دعواه بطلب رد وبطلان عقد الإيجار المحرر بينه وبين الطاعنة وإبداء الأخيرة طلبًا عارضًا بصحة ونفاذ هذا العقد. مقتضاه. صيرورة الطلب العارض قائمًا على الطلب الأصلي ومترتبًا عليه ونتيجة لازمة له. أثره. تحقق علة القاعدة المنصوص عليها بالمادة 44 إثبات من وجوب الفصل بصحة العقد أو تزويره قبل الفصل في موضوع الدعوى. مخالفة الحكم المطعون فيه هذا النظر وقضاؤه في دعوى التزوير وموضوع الطلب العارض معًا بمقولة تهدم الطلب العارض من أساسه نتيجة لقضائه برد وبطلان العقد المدعى تزويره. مخالفة للقانون.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- المقرر- في قضاء محكمة النقض – أنه تطبيقًا لنص المادة ٤٤ من قانون الإثبات أنه لا يجوز الحكم بصحة الورقة أو تزويرها وفي الموضوع معًا بل يجب أن يكون القضاء في الادعاء بالتزوير سابقًا على الحكم في موضوع الدعوى لا فرق في ذلك بين أن يكون الادعاء بتزوير المحرر أمام محكمة أول درجة أو أمام محكمة ثاني درجة أو أن يكون القضاء في أيهما صادرًا بصحة المحرر أو برده، أو أن يكون الحكم من محكمة ثاني درجة بالتأييد أو بالإلغاء.
2- المقرر- في قضاء محكمة النقض – أنه وإن كان مفاد المادة ٥٩ من ذات القانون (قانون الإثبات) أن دعوى التزوير الأصلية ترفع قبل رفع دعوى موضوعية بالمحرر خشية التمسك به وهو ما يميزها عن دعوى التزوير الفرعية التي ترفع أثناء سير الدعوى التي يتمسك فيها الخصم بالسند المطعون فيه على نحو ما أفصحت عنه المادة ٤٩ من ذات القانون مما لازمه ألا يكون في دعوى التزوير الأصلية ثمة موضوع غير التزوير وهو ليس كذلك في دعوى التزوير الفرعية التي تتعلق بالدليل المقدم في الدعوى وقد تتعدد الأدلة على إثبات الحق ونفيه، ومن ثم فإن القضاء بصحة المحرر أو تزويره في الدعوى الأولى تنتهي به الخصومة والقضاء بذلك في الدعوى الثانية مرحلة يتلوها القضاء فيما طلبه المتمسك بالسند، ومن ثم حظر المشرع في المادة ٤٤ سالفة البيان الحكم بصحة الورقة أو تزويرها وفي الموضوع معًا حتى لا يحرم الخصم من أن يقدم ما عسى أن يكون لديه من أدلة أخرى في الموضوع إلا أنه إذا رفعت دعوى التزوير الأصلية وأبدى المدعى طلبًا عارضًا فيها يعتبر نتيجة لازمة للحكم الصادر فيها فإن دعوى التزوير الأصلية يكون قد اتسع نطاقها بالطلب العارض ولا يعدو أن يكون المحرر المطعون عليه دليلًا في الطلب العارض، ومن ثم فإن العلة التي توخاها المشرع في المادة ٤٤ من قانون الإثبات تكون قائمة.
3- المقرر- في قضاء محكمة النقض - أن الدعوى بصحة ونفاذ عقد الإيجار هي دعوى موضوعية تستلزم أن تبحث المحكمة فيها موضوع العقد وصحته وتتحقق من استيفاء الشروط اللازمة لانعقاده ويتسع نطاقها لبحث كافة ما يثار فيها من أسباب تتعلق بوجود العقد أو انعدامه وصحته أو بطلانه.
4- إذ كان البين من الأوراق أن المطعون ضده الأول أقام دعواه بطلب رد وبطلان عقد الإيجار المؤرخ 1/1/1988 كما وجهت الطاعنة طلبًا عارضًا بصحة ونفاذ العقد سالف البيان والمدعى بتزويره، وكان الطلب العارض قائمًا على الطلب الأصلي ويترتب عليه ونتيجة لازمة له ومرتبطًا به بصلة لا تقبل الانفصام، إذ إن الحكم في طلب صحة ونفاذ العقد متوقف على الحكم بصحة هذا العقد أو تزويره، مما تتحقق معه العلة التي من أجلها أوجبت المادة ٤٤ من قانون الإثبات أن يكون الحكم بصحة المحرر أو تزويره سابقًا على الحكم في موضوع الدعوى، وإذ خالف الحكم المطعون فيه هذا النظر وقضى في دعوى التزوير وموضوع الطلب العارض معًا مؤيدًا في ذلك الحكم المستأنف قولًا منه بتهدم الطلب العارض من أساسه نتيجة لقضائه برد وبطلان العقد المدعى بتزويره، فإنه يكون معيبًا (بمخالفة القانون).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المحكمــة
بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع التقرير الذي تلاه السيد القاضي المقرر، والمرافعة، وبعد المداولة.
حيث إن الطعن استوفى أوضاعه الشكلية.
وحيث إن الوقائع- على ما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر أوراق الطعن - تتحصل في أن المطعون ضده الأول أقام على الطاعنة الدعوى رقم .... لسنه ۲۰۰۷ مدني شمال القاهرة الابتدائية بطلب الحكم برد وبطلان عقد الإيجار المؤرخ 1/1/1988، وقال بيانًا لدعواه إنه بموجب هذا العقد استأجر زوجها منه الشقتين محل التداعي، وإذ ترك لها العين بعد طلاقها فقامت بتزوير العقد، فقد أقام الدعوى، وجهت الطاعنة طلبًا عارضًا للمطعون ضدهم بصحة ونفاذ العقد سالف البيان. ندبت المحكمة قسم أبحاث التزييف والتزوير خبيرًا في الدعوى، وبعد أن أودع تقريره حكمت بتاريخ 22/2/2010 في الدعوى الأصلية برد وبطلان عقد الإيجار محل التداعي، وفي الطلب العارض برفضه. استأنفت الطاعنة هذا الحكم بالاستئناف رقم .... لسنة ١٤ ق القاهرة، وبتاريخ 15/8/2010 قضت المحكمة بتأیید الحكم المستأنف. طعنت الطاعنة في هذا الحكم بطريق النقض، وقدمت النيابة مذكرة أبدت فيها الرأي بنقض الحكم المطعون فيه، وإذ عُرض الطعن على هذه المحكمة- في غرفة مشورة - حددت جلسة لنظره، وفيها التزمت النيابة رأيها.
وحيث إن مما تنعاه الطاعنة على الحكم المطعون فيه بالسبب الأول مخالفة القانون، وفي بيان ذلك تقول إن الحكم الابتدائي قضى برد وبطلان عقد الإيجار المؤرخ 1/1/1988 وفي الموضوع معًا بحكم واحد بالمخالفة للمادة رقم ٤٤ من قانون الإثبات، وإذ أيده الحكم المطعون فيه، فإنه يكون معيبًا بما يستوجب نقضه.
وحيث إن هذا النعي سديد، ذلك أن من المقر- في قضاء هذه المحكمة - تطبيقًا لنص المادة ٤٤ من قانون الإثبات أنه لا يجوز الحكم بصحة الورقة أو تزويرها وفي الموضوع معًا، بل يجب أن يكون القضاء في الادعاء بالتزوير سابقًا على الحكم في موضوع الدعوى لا فرق في ذلك بين أن يكون الادعاء بتزوير المحرر أمام محكمة أول درجة أو أمام محكمة ثاني درجة أو أن يكون القضاء في أيهما صادرًا بصحة المحرر أو برده، أو أن يكون الحكم من محكمة ثاني درجة بالتأييد أو بالإلغاء، وأنه وإن كان مفاد المادة ٥٩ من ذات القانون أن دعوى التزوير الأصلية ترفع قبل رفع دعوى موضوعية بالمحرر خشية التمسك به، وهو ما يميزها عن دعوى التزوير الفرعية التي ترفع أثناء سير الدعوى التي يتمسك فيها الخصم بالسند المطعون فيه على نحو ما أفصحت عنه المادة ٤٩ من ذات القانون، مما لازمه ألا يكون في دعوى التزوير الأصلية ثمة موضوع غير التزوير وهو ليس كذلك في دعوى التزوير الفرعية التي تتعلق بالدليل المقدم في الدعوى وقد تتعدد الأدلة على إثبات الحق ونفيه، ومن ثم فإن القضاء بصحة المحرر أو تزويره في الدعوى الأولى تنتهي به الخصومة والقضاء بذلك في الدعوى الثانية مرحلة يتلوها القضاء فيما طلبه المتمسك بالسند، ومن ثم حظر المشرع في المادة ٤٤ سالفة البيان الحكم بصحة الورقة أو تزويرها وفي الموضوع معًا حتى لا يحرم الخصم من أن يقدم ما عسى أن يكون لديه من أدلة أخرى في الموضوع إلا أنه إذا رفعت دعوى التزوير الأصلية وأبدى المدعى طلبًا عارضًا فيها يعتبر نتيجة لازمة للحكم الصادر فيها، فإن دعوى التزوير الأصلية يكون قد اتسع نطاقها بالطلب العارض ولا يعدو أن يكون المحرر المطعون عليه دليلًا في الطلب العارض، ومن ثم فإن العلة التي توخاها المشرع في المادة ٤٤ من قانون الإثبات تكون قائمة، كما أن المقرر- في قضاء هذه المحكمة - أن الدعوى بصحة ونفاذ عقد الإيجار هي دعوى موضوعية تستلزم أن تبحث المحكمة فيها موضوع العقد وصحته وتتحقق من استيفاء الشروط اللازمة لانعقاده ويتسع نطاقها لبحث كافة ما يثار فيها من أسباب تتعلق بوجود العقد أو انعدامه وصحته أو بطلانه؛ لما كان ذلك، وكان البين من الأوراق أن المطعون ضده الأول أقام دعواه بطلب رد وبطلان عقد الإيجار المؤرخ 1/1/1988 كما وجهت الطاعنة طلبًا عارضًا بصحة ونفاذ العقد سالف البيان والمدعى بتزويره، وكان الطلب العارض قائمًا على الطلب الأصلي ويترتب عليه ونتيجة لازمة له ومرتبطًا به بصلة لا تقبل الانفصام، إذ إن الحكم في طلب صحة ونفاذ العقد متوقف على الحكم بصحة هذا العقد أو تزويره، مما تتحقق معه العلة التي من أجلها أوجبت المادة ٤٤ من قانون الإثبات أن يكون الحكم بصحة المحرر أو تزويره سابقًا على الحكم في موضوع الدعوى، وإذ خالف الحكم المطعون فيه هذا النظر وقضى في دعوى التزوير وموضوع الطلب العارض معًا مؤيدًا في ذلك الحكم المستأنف قولًا منه بتهدم الطلب العارض من أساسه نتيجة لقضائه برد وبطلان العقد المدعى بتزويره، فإنه يكون معيبًا، مما يوجب نقضه لهذا السبب دون حاجة لبحث باقي أسباب الطعن، وعلى أن يكون مع النقض الإحالة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الطعن رقم 206 لسنة 29 ق دستورية عليا " دستورية " جلسة 7 / 3 / 2026

 المنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ : ۸ / ۳ / ۲۰۲٦

باسم الشعب

المحكمة الدستورية العليا

بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت السابع من مارس سنة 2026م،الموافق السابع عشر من رمضان سنة 1447هـ.

برئاسة السيد المستشار/ بولس فهمي إسكندر رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين: الدكتور عادل عمر شريف ومحمود محمد غنيم والدكتور عبد العزيز محمد سالمان وطارق عبد العليم أبو العطا وعلاء الدين أحمد السيد وصلاح محمد الرويني نواب رئيس المحكمة

وحضور السيد المستشار الدكتور/ عماد طارق البشري رئيس هيئة المفوضين

وحضور السيد/ عبد الرحمن حمدي محمود أمين السر

أصدرت الحكم الآتي

في الدعوى المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 206 لسنة 29 قضائية "دستورية"

المقامة من

1- عادل صلاح الدين أحمد محمود

2- نجوى عبد العال سليمان أحمــــد

3- ندا عادل صلاح الدين أحمد محمود

4- عاطـــــف سعيـــد إبراهيـــــم

5- صلاح سعيد إبراهيم الديب

6- سماسم عبد العظيم محمـــــد

ضد

1- رئيس الجمهوريـــــــــة

2- وزير الماليــــــــــة

3- رئيس مجلس الوزراء

4- وزير التضامن الاجتماعي

5- مدير عام منطقة التأمينات الاجتماعية بالمنوفيـة

6- مدير مكتب التأمينات الاجتماعية بمدينة السادات

7- رئيس مجلس إدارة الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي

---------------

الإجـراءات

بتاريخ الثاني عشر من سبتمبر سنة 2007، أودع المدعون صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا، طالبين الحكم بعدم دستورية نص الفقرة الأخيرة من المادة (150) من قانون التأمين الاجتماعي الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975، والقرارات الوزارية المنظمة لها.

وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرتين، طلبت في ثانيتهما الحكم، أولًا: بعدم اختصاص المحكمة ولائيًّا بنظر الدعوى بشأن مخالفة النص المطعون فيه لنصوص قانون العمل، ثانيًا: بعدم قبول الدعوى بالنسبة للنعي بمخالفة النص المطعون فيه لمبادئ الشريعة الإسلامية، ثالثًا: برفض الدعوى فيما جاوز ذلك.

وقدمت الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي مذكرة، طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.

وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرًا برأيها.

ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وفيها قدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، طلبت فيها، أصليًّا: الحكم بعدم قبول الدعوى، واحتياطيًّا: الحكم بالطلبات الواردة بمذكرة دفاعها السابقة، وقررت المحكمة إصدار الحكم بجلسة اليوم.

--------------

المحكمــــة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.

حيث إن الوقائع تتحصل –على ما يتبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق– في أن نجلاء مهدي عطية، عن نفسها وبصفتها وصية على ابنتها القاصر، أقامت أمام محكمة شبين الكوم الابتدائية الدعوى رقم 206 لسنة 2000 مدني كلي، ضد الهيئة المدعى عليها السابعة، وآخر، طالبة الحكم بإلزامهما صرف الحقوق التأمينية المقررة بقانون التأمين الاجتماعي الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975، جراء وفاة عادل راضي حسن، زوجها ووالد ابنتها القاصر، نتيجة إصابته بتاريخ 30/3/2000، في أثناء وبسبب عمله بالشركة المملوكة للمدعين. وجاء بتقرير الخبير الذي ندبته المحكمة أن مورث المدعية ليس من العاملين الدائمين بالشركة، وإنما هو عامل من عمال المقاولات، بأجر يومي، وقامت الشركة بالتأمين على عملية البناء التي أصيب فيها. وبجلسة 24/2/2005، حكمت المحكمة بإلزام الهيئة المدعى عليها السابعة بصرف معاش شهري وتعويض إضافي للمدعية في تلك الدعوى. وعلى إثر ذلك الحكم قامت الهيئة بمطالبة المدعين بسداد مبلغ 156886,19 جنيهًا، الذي يمثل القيمة الرأسمالية للمعاش والمستحقات التأمينية الأخرى والفوائد، وفقًا لأحكام المواد (128 و129 و130) من قانون التأمين الاجتماعي المشار إليه. اعترض المدعون على تلك المطالبة لدى لجنة فحص المنازعات بالهيئة. وإذ رُفض اعتراضهم؛ فأقاموا أمام محكمة شبين الكوم الابتدائية الدعوى رقم 4490 لسنة 2006 مدني كلي حكومة، ضد المدعى عليهم عدا الأول والثالث، طالبين الحكم ببراءة ذمتهم من المبلغ محل المطالبة، على سند من عدم اختصامهم في الدعوى رقم 206 لسنة 2000 مدني كلي شبين الكوم، وأن مورث المدعية في الدعوى المشار إليها لم يكن ضمن العاملين الدائمين بالشركة، وإنما هو عامل مقاولات بأجر يومي، قامت الشركة بسداد المستحقات التأمينية عن قيمة عملية البناء التي أصيب فيها على النحو المقرر قانونًا. وفي أثناء نظر الدعوى قدم المدعون مذكرة ضمنوها دفعًا بعدم دستورية الفقرة الأخيرة من المادة (150) من قانون التأمين الاجتماعي الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975، بعد تعديلها بالقانون رقم 91 لسنة 2002 -وصحته لسنة 2003 – والقرارات الوزارية المنظمة لها. وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية الدفع، وصرحت لهم بإقامة الدعوى الدستورية؛ فأقاموا الدعوى المعروضة، ناعين على النص المطعون فيه إلزام صاحب العمل أن يؤدي إلى الصندوق المختص القيمة الرأسمالية للمعاش والمستحقات التأمينية الأخرى المترتبة على ثبوت علاقة العمل، مما يخالف أحكام المواد (2 و7 و8 و17 و34) من دستور سنة 1971، ويخالف -أيضًا- أحكام قانون العمل الصادر بالقانون رقم 12 لسنة 2003، بافتراضه استمرار علاقة العمل مدى الحياة، حال أن صاحب العمل يملك إنهاء علاقة العمل بإرادته المنفردة مع تعويض العامل.

وحيث إن الفقرة الأخيرة من المادة (150) من قانون التأمين الاجتماعي الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975، المستبدل بها المادة الرابعة من القانون رقم 91 لسنة 2003 بزيادة المعاشات وتعديل بعض أحكام قوانين التأمين الاجتماعي، تنص على أنه "واستثناءً من قواعد وأحكام الاشتراكات يلتزم صاحب العمل بأن يؤدي للصندوق المختص القيمة الرأسمالية للمعاش وكذا المستحقات التأمينية الأخرى المترتبة على ثبوت علاقة العمل".

وتنص المادة الخامسة من القانون رقم 91 لسنة 2003 المشار إليه على أن "ينشر هذا القانون في الجريدة الرسمية، ويُعمل به اعتبارًا من 1/7/2003".

وحيث إن من المقرر في قضاء هذه المحكمة أن شرط المصلحة الشخصية المباشرة يتغيا أن تفصل المحكمة الدستورية العليا في الخصومة الدستورية من جوانبها العملية وليس من معطياتها النظرية، فلا تفصل في غير المسائل الدستورية التي يؤثر الحكم فيها على النزاع الموضوعي، ويتحدد مفهوم هذا الشرط باجتماع عنصرين، أولهما: أن يقيم المدعي في الحدود التي اختصم فيها النص المطعون فيه الدليل على أن ضررًا واقعيًّا قد لحق به، سواء أكان مهددًا بهذا الضرر أم كان قد وقع فعلًا، ويتعين دومًا أن يكون الضرر المدعى به مباشرًا، منفصلًا عن مجرد مخالفة النص المطعون فيه للدستور، مستقلًّا بالعناصر التي يقوم عليها، ممكنًا تصوره ومواجهته بالترضية القضائية تسوية لآثاره. والآخر: أن يكون هذا الضرر عائدًا إلى النص المطعون فيه، وليس ضررًا متوهمًا أو منتحلًا أو مجهلًا، فإذا لم يكن هذا النص قد طبق أصلًا على من ادعى مخالفته للدستور، أو كان من غير المخاطبين بأحكامه، أو كان الإخلال بالحقوق التي يدعيها لا يعود إليه، دل ذلك على انتفاء المصلحة الشخصية المباشرة؛ ذلك أن إبطال النص التشريعي في هذه الصور جميعها لن يحقق للمدعي أية فائدة عملية يمكن أن يتغير بها مركزه القانوني، بعد الفصل في الدعوى الدستورية، عما كان عليه قبلها.

وحيث إن قوانين التأمين الاجتماعي المتعاقبة قد صدرت مقررة الحق في المعاش، ومبينة حالات استحقاقه وقواعد منحه وشروط اقتضائه، فإن لازم ذلك -على ما جرى به قضاء هذه المحكمة- أن الحق في المعاش متى توافر أصل استحقاقه وفقًا للقانون، فإنه ينهض التزامًا على الجهة التي تقرر عليها مترتبًا في ذمتها بقوة القانون، بحيث إذا توافرت في المؤمن عليه الشروط التي تطلبها القانون لاستحقاق المعاش استقر مركزه القانوني بالنسبة إلى هذا المعاش بصفة نهائية، ولا يجوز من بعد التعديل في العناصر التي قام عليها أو الانتقاص منه؛ ذلك أن المساس به بعد اكتماله ليس إلا هدمًا لوجوده، وإحداثًا لمركز قانوني جديد يستقل عن المركز السابق الذي نشأ مستوفيًا لشرائطه بما يخل بالحقوق التي رتبها بإنكار موجباتها.

وحيث إن من المقرر، وفقًا للمبادئ الدستورية المتواضع عليها، أن أحكام القوانين لا تسري إلا على ما يقع من تاريخ نفاذها، ولا تنعطف آثارها على ما وقع قبلها، ما لم ينص القانون على خلاف ذلك، مما مؤداه عدم جواز انسحاب تطبيق القانون الجديد على ما يكون قد انعقد قبل العمل به من تصرفات، أو تحقق من أوضاع؛ إذ يحكم هذه وتلك القانون الذي كان معمولًا بأحكامه وقت وقوعها، إعمالًا لمبدأ عدم رجعية القوانين.

متى كان ما تقدم، وكان الثابت بالأوراق أن النزاع الموضوعي ينصب على طلب المدعين الحكم ببراءة ذمتهم من مطالبة الهيئة المدعى عليها السابعة بسداد القيمة الرأسمالية للمعاش، المحتسب على سند من الحكم الصادر بجلسة 24/2/2005، في الدعوى رقم 206 لسنة 2000 مدني كلي شبين الكوم، الذي قضى بثبوت علاقة العمل مع العامل لديهم/ عادل راضي حسن، حتى وفاته في 1/4/2000، وبإلزام الهيئة بصرف المعاش وكافة المستحقات التأمينية للورثة؛ ومن ثم فإن واقعة العمل واستحقاق الاشتراكات التأمينية والمعاش المستحق عنها نشأت واكتملت وأنتجت آثارها قبل 1/7/2003 - تاريخ العمل بالقانون رقم 91 لسنة 2003 المشار إليه -؛ مما مؤداه أن التعديل الذي استحدثه المشرع على النص المطعون فيه - والذي لم يتضمن حكمًا يقضي بسريانه على الوقائع التي حدثت قبل تاريخ العمل به - لا يسري على واقعة النزاع الموضوعي، وتظل الاشتراكات التأمينية المستحقة عنها خاضعة لحكم المادة (150) من قانون التأمين الاجتماعي الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975 ، قبل أن يُستبدل بفقرتها الأخيرة القانون رقم 91 لسنة 2003. وبهذه المثابة، لا يكون المدعون من المخاطبين بأحكام النص المطعون فيه؛ وتبعًا لذلك فإن الفصل في دستوريته لن يكون ذا أثر أو انعكاس على طلباتهم في الدعوى الموضوعية، وقضاء محكمة الموضوع فيها، مما تنتفي معه المصلحة الشخصية المباشرة للمدعين في الدعوى المعروضة، ولزامه القضاء بعدم قبولها.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بعدم قبول الدعوى، ومصادرة الكفالة، وألزمت المدعين المصروفات ومبلغ مائتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة.

الطعن رقم 4 لسنة 47 ق دستورية عليا " دستورية " جلسة 7 / 3 / 2026

المنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ : ۸ / ۳ / ۲۰۲٦

جمهورية مصر العربيــة

المحكمة الدستورية العليا

محضر جلسة

بالجلسة المنعقدة في غرفة مشورة يوم السبت السابع من مارس سنة 2026م، الموافق السابع عشر من رمضان سنة 1447هـ.

برئاسة السيد المستشار/ بولس فهمي إسكندر رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين: الدكتور عادل عمر شريف ومحمود محمد غنيم والدكتور عبد العزيز محمد سالمان وطارق عبد العليم أبو العطا وعلاء الدين أحمد السيد وصلاح محمد الرويني نواب رئيس المحكمة

وحضور السيد المستشار الدكتور/ عماد طارق البشري رئيس هيئة المفوضين

وحضور السيد/ عبد الرحمن حمدي محمود أمين السر

أصدرت القرار الآتي

في الدعوى المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 4 لسنة 47 قضائية "دستورية"

المقامة من

-1هلانة بخيت عطية

-2سامح وهبة رزق

-3فؤاد وهبة رزق

-4سامية عوض سلامة

-5 فادي عزيز عبودة

ضد

-1رئيس مجلس الوزراء

-2وزير العــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدل

-3 أمين عام محكمة الزقازيق الابتدائية

-4رئيس قلم المطالبة بمحكمة الزقازيق

بطلب الحكم بعدم دستورية البند "تاسعًا" من المادة (75) من القانون رقم 90 لسنة 1944 بالرسوم القضائية ورسوم التوثيق في المواد المدنية.

-------------

المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.

حيث إن هذه المحكمة سبق أن حسمت المسألة الدستورية المثارة في هذه الدعوى المعروضة، بالنسبة لنص الفقرة التاسعة من المادة (75) من القانون رقم 90 لسنة 1944 المار ذكره، وذلك بحكمها الصادر بجلسة 5/5/2001، في الدعوى رقم 136 لسنة 21 قضائية "دستورية"، حيث قضت برفض الدعوى، وقد نُشر هذا الحكم في الجريدة الرسمية - العدد (20) في 17/5/2001، وكان مقتضى نص المادة (195) من الدستور، والمادتين (48 و49) من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979، أن يكون للأحكام والقرارات الصادرة منها حجية مطلقة في مواجهة الكافة، وبالنسبة إلى الدولة بسلطاتها المختلفة، باعتبارها قولًا فصلًا لا يقبل تأويلًا ولا تعقيبًا من أية جهة كانت، وهي حجية تحول دون المجادلة فيها، أو السعي إلى إعادة طرحها عليها من جديد لمراجعتها؛ ومن ثم تغدو الدعوى المعروضة غير مقبولة.

لذلك

قررت المحكمة -في غرفة مشورة- عدم قبول الدعوى، ومصادرة الكفالة، وألزمت المدعين المصروفات.

أمين السر رئيس المحكمة

السبت، 25 أبريل 2026

الطعن رقم 64 لسنة 44 ق دستورية عليا " دستورية " جلسة 7 / 3 / 2026

المنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ : ۸ / ۳ / ۲۰۲٦
باسم الشعب
المحكمة الدستورية العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت السابع من مارس سنة 2026م، الموافق السابع عشر من رمضان سنة 1447هـ.
برئاسة السيد المستشار/ بولس فهمي إسكندر رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين: الدكتور عادل عمر شريف ومحمود محمد غنيم والدكتور عبد العزيز محمد سالمان وطارق عبد العليم أبو العطا وصلاح محمد الرويني ومحمد أيمن سعد الدين عباس نواب رئيس المحكمة
وحضور السيد المستشار الدكتور/ عماد طارق البشري رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد/ عبد الرحمن حمدي محمود أمين السر
أصدرت الحكم الآتي
في الدعوى المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 64 لسنة 44 قضائية "دستورية"، بعد أن أحالت محكمة جنوب بنها الابتدائية -دائرة الجنح المستأنفة– بحكمها الصادر بجلسة 6/4/2022، ملف الاستئناف رقم 7634 لسنة 2022 جنح مستأنف جنوب بنها
المقام من
ياسر محمد علي حسنين
ضد
الــنيــــابــــــة العــامــــــة
----------------
الإجـراءات
بتاريخ الخامس عشر من ديسمبر سنة 2022، ورد إلى قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا ملف الاستئناف رقم 7634 لسنة 2022 جنح مستأنف جنوب بنها، بعد أن قضت محكمة جنوب بنها الابتدائية بوقف الاستئناف تعليقًا، وإحالة الأوراق إلى المحكمة الدستورية العليا؛ للفصل في دستورية نص الفقرة الثالثة من المادة (76) من قانون المرور الصادر بالقانون رقم 66 لسنة 1973، المستبدل بها قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 142 لسنة 2014، فيما تضمنه من جعل الحد الأدنى لعقوبة الحبس الوارد به ثلاث سنوات.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرًا برأيها.
ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وفيها قررت المحكمة إصدار الحكم بجلسة اليوم.
--------------
المحكمــــة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع تتحصل –على ما يتبين من حكم الإحالة وسائر الأوراق– في أن النيابة العامة أسندت إلى المتهم -المستأنف في الدعوى المحالة- أنه بتاريخ 13/10/2019، بدائرة قسم ثان شبرا الخيمة، أولاً: تسبب خطأ في قتل مجهولة الهوية، وكان ذلك ناشئًا عن إهماله ورعونته وعدم احترازه وعدم مراعاته للقوانين واللوائح والأنظمة، بأن قاد مركبة بحالة ينجم عنها الخطر، فأحدث إصابة للمجني عليها أودت بحياتها، وكان ذلك حال كونه تحت تأثير مخدر. ثانيًا: لم يلتزم بقواعد المرور وآدابه بأن قاد سيارة بحالة ينجم عنها الخطر. قيدت الواقعة جنحة ومخالفة برقم 36557 لسنة 2019 جنح قسم ثان شبرا الخيمة. وطلبت النيابة العامة معاقبته بالمادة (238/1و2) من قانون العقوبات، والمواد (1 و3 و4 و7 و63/1 و77 و78) من قانون المرور الصادر بالقانون رقـــم 66 لسنة 1973، المعدل بالقوانين أرقام: 210 لسنة 1980 و121 لسنة 2008 و59 لسنة 2014، والمادتين (2 و117) من لائحته التنفيذية. وبجلسة 18/1/2020، قضت المحكمة غيابيًّا بحبس المتهم ثلاث سنوات مع الشغل وكفالة خمسة آلاف جنيه والمصاريف. عارض المتهم في الحكم الغيابي. وبجلسة 18/7/2020، قضت المحكمة حضوريًّا برفض المعارضة وتأييد الحكم المعارض فيه. طعن المحكوم عليه –المستأنف في الدعوى المحالة– على الحكم أمام محكمة جنوب بنها، بالاستئناف رقم 7634 لسنة 2022 جنح مستأنف جنوب بنها. وحيث أمرت المحكمة بتعديل القيد والوصف بجعله جنحة بالمادة (76/1، 3) من القانون رقم 66 لسنة 1973، المعدل بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 142 لسنة 2014، بوصف أنه بتاريخ 13/10/2019، بدائرة قسم ثان شبرا الخيمة: قاد مركبة وهو تحت تأثير مخدر، وترتب على ذلك وفاة شخص مجهول الهوية. وبجلسة 6/4/2022، حكمت المحكمة بوقف الدعوى تعليقًا، وإحالة الأوراق إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في دستورية نص الفقرة الثالثة من المادة (76) من قانون المرور المار ذكره، المستبدل بها قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 142 لسنة 2014، فيما تضمنه من جعل الحد الأدنى لعقوبة الحبس الواردة به ثلاث سنوات؛ وذلك لمخالفته نصوص المواد (54 و92 و94 و96 و99 و184 و186) من الدستور.
وحيث إن المادة (76) من قانون المرور الصادر بالقانون رقم 66 لسنة 1973، المستبدل بها قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 142 لسنة 2014، تنص على أنه "مع عدم الإخلال بالتدابير المقررة في هذا القانون أو بأية عقوبة أشد في أي قانون آخر يعاقب كل من قاد مركبة وهو تحت تأثير مخدر أو مسكر أو السير عكس الاتجاه في الطريق العام داخل المدن أو خارجها بالحبس مدة لا تقل عن سنة.
فإذا ترتب على القيادة تحت تأثير مخدر أو المسكر أو السير عكس الاتجاه إصابة شخص أو أكثر يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنتين وغرامة لا تقل عن عشرة آلاف جنيه.
وإذا ترتب على ذلك وفاة شخص أو أكثر أو إصابته بعجز كلي يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ثلاث سنوات ولا تزيد على سبع سنوات وغرامة لا تقل عن عشرين ألف جنيه.
وفي جميع الأحوال يقضى بإلغاء رخصة القيادة ولا يجوز منح رخصة جديدة إلا بعد مرور مدة مساوية لمدة الحبس المقضي بها عليه".
وحيث إن المصلحة –وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية– مناطها أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الحكم في المسألة الدستورية المطروحة على بساط البحث أمام هذه المحكمة لازمًا للفصل في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها، المطروحة أمام محكمة الموضوع. والمحكمة الدستورية العليا وحدها هي التي تتحرى توافر شرط المصلحة في الدعوى المقامة أمامها أو المحالة إليها للتثبت من شروط قبولها.
وحيث إنه ولئن كانت المناعي التي أوردها حكم الإحالة قد انصبت في مجملها على العقوبة المقررة بالنص المحال، بيد أنه للارتباط الذي لا يقبل الفصل أو التجزئة بين الفعل المؤثم في ذلك النص والعقوبات المرصودة لذلك الفعل، فإنه وبحكم الاقتضاء العقلي يتعذر الفصل في دستورية التقدير العقابي بمنأى عن أن تُجيل المحكمة بصرها في شأن دستورية تجريم الأفعال الموجبة لإيقاع العقوبة، فيكون مطروحًا لزومًا على هذه المحكمة، ويمتد إليه نطاق الدعوى الدستورية.
متى كان ذلك، وكان الثابت بالأوراق أن المستأنف في الدعوى المحالة قد قُدم إلى المحاكمة الجنائية استنادًا إلى النص المحال، بعد أن عدلت محكمة الموضوع قيد ووصف الاتهام على النحو المار بيانه؛ ومن ثم فإن الفصل في دستورية هذا النص يكون له أثر مباشر وانعكاس أكيد على قضاء محكمة الموضوع في الاستئناف المطروح عليها، وتكون المصلحة في الدعوى المعروضة قد تحققت، ويتحدد نطاقها فيما تضمنه نص الفقرتين الأولى والثالثة من المادة (76) من قانون المرور الصادر بالقانون رقم 66 لسنة 1973، المستبدل بها قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 142 لسنة 2014، من معاقبة كل من قاد مركبة تحت تأثير مخدر وترتب على ذلك وفاة شخص أو أكثر أو إصابته بعجز كلي، بالحبس مدة لا تقل عن ثلاث سنوات ولا تزيد على سبع سنوات وغرامة لا تقل عن عشرين ألف جنيه.
وحيث إن حكم الإحالة ينعى على النص المحال – محددًا نطاقًا على ما سلف بيانه- أنه انتقص من سلطة قاضي الموضوع في تفريد العقوبة المقيدة للحرية، وتقديره المناسب لها، طبقًا للوقائع المطروحة، ووفقًا لظروف كل متهم، وذلك بجعل الحد الأدنى لعقوبة الحبس المقررة عن الأفعال المؤثمة بمقتضى هذا النص ثلاث سنوات، مع ما ينطوي عليه ذلك من غل يده وتقييد لسلطته التقديرية، بما يمثل انتهاكًا لاستقلال السلطة القضائية، وتدخلًا في شئون العدالة، بما يقيد الحرية الشخصية والحق في المحاكمة المنصفة، ويخرج العقوبة عن معقوليتها لعدم تناسبها مع الأفعال المؤثمة.
وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن العدالة - في غاياتها– لا تنفصل علاقاتها بالقانون باعتباره أداة تحقيقها، فلا يكون القانون منصفًا إلا إذا كان كافلًا لأهدافها، فإذا ما زاغ المشرع ببصره عنها، وأهدر القيم الأصيلة التي تحتضنها، كان منهيًا للتوافق في مجال تنفيذه، ومسقطًا كـل قيمة لوجوده، ومستوجبًا تغييره أو إلغاءه؛ ذلك أن العدالة الجنائية في جوهر ملامحها هي التي يتعين ضمانها من خلال قواعد محددة تحديدًا دقيقًا ومنصفًا، يتقرر على ضوئها ما إذا كان المتهم مدانًا أو بريئًا، وذلك منظور إليه في ضوء الموازنة بين مصلحة الجماعة في استقرار أمنها، ومصلحة المتهم في ألا تفرض عليه عقوبة تبلغ في شدتها حدًّا تفتقر معه إلى الصلة العضوية بجسامة فعله وظروف ارتكابه للجريمة، بحيث يظل التجريم مرتبطًا بالأغراض النهائية للقوانين العقابية.
وحيث إن تجريم المشرع لأي فعل أو امتناع يرتبط بالضرورة الاجتماعية التي اقتضتها ظروف الجماعة في مرحلة من مراحل تطورها؛ ذلك أن من المقرر -في قضاء هذه المحكمة- أن القانون الجنائي وإن اتفق مع غيره من القوانين في سعيها لتنظيم علائق الأفراد فيما بين بعضهم البعض، وعلى صعيد صلاتهم بمجتمعهم، فإن هذا القانون يفارقها في اتخاذه الجزاء الجنائي أداة لحملهم على إتيان الأفعال التي يأمرهم بها، أو التخلي عن تلك التي ينهاهم عن مقارفتها، وهو بذلك يتغيا أن يحدد، من منظور اجتماعي، ما لا يجوز التسامح فيه من مظاهر سلوكهم، بما مؤداه أن الجزاء على أفعالهم لا يكون مخالفًا للدستور إلا إذا كان مجاوزًا حدود الضرورة التي اقتضتها ظروف الجماعة في مرحلة من مراحل تطورها، فإذا كان مبررًا من وجهة اجتماعية انتفت عنه شبهة المخالفة الدستورية؛ ومن ثم يتعين على المشرع دومًا إجراء موازنة دقيقة بين مصلحة المجتمع والحرص على أمنه واستقراره من جهة، وحريات وحقوق الأفراد من جهة أخرى. ويتعين على المشرع -أيضًا- أن يصوغ النصوص العقابية بطريقة واضحة محددة لا خفاء فيها أو غموض، فلا تكون هذه النصوص شباكًا أو شراكًا يلقيها المشرع متصيدًا باتساعها أو بخفائها من يقعون تحتها أو يخطئون مواقعها. وتلك ضمانات غايتها أن يكون المخاطبون بالنصوص العقابية على بينة من حقيقتها، فلا يكون سلوكهم مجافيًا لها، بل اتساقًا معها ونزولًا عليها.
وحيث إن مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات غدا أصلًا ثابتًا كضمانة ضد التحكم، فلا يؤثم القاضي أفعالًا ينتقيها، ولا يقرر عقوباتها وفق اختياره، إشباعًا لنزوة أو انفلاتًا عن الحق والعدل، وصار التأثيم -من ثمَّ- عائدًا إلى المشرع؛ إذ يقرر للجرائم التي يستحدثها عقوباتها التي تناسبها. ويُفسر هذا المبدأ بأن القيم الجوهرية التي يصدر القانون الجنائي لحمايتها لا يمكن بلورتها إلا من خلال السلطة التشريعية التي انتخبها المواطنون لتمثيلهم، وأن تعبيرها عن إرادتهم يقتضيها أن تكون بيدها سلطة التقرير في شأن تحديد الأفعال التي يجوز تأثيمها وعقوباتها، لضمان مشروعيتها.
وحيث إن المقرر في قضاء هذه المحكمة أنه لا تجــــوز معاملة المتهمين بوصفهم نمطًا ثابتًا، أو النظر إليهم باعتبار أن صورة واحدة تجمعهم لتصبهم في قالبها، بما مؤداه أن الأصل في العقوبة هو تفريدها لا تعميمها، وتقرير استثناء من هذا الأصل -أيًّا كانت الأغراض التي يتوخاها– مؤداه أن المذنبين جميعهم تتوافق ظروفهم، وأن عقوبتهم يجب أن تكون واحدة لا تغاير فيها، وهو ما يعني إيقاع جزاء في غير ضرورة، بما يفقد العقوبة تناسبها مع وزن الجريمة وملابساتها، وبما يقيد الحرية الشخصية دون مقتضى؛ ذلك أن مشروعية العقوبة -من زاوية دستورية- مناطها أن يباشر كل قاضٍ سلطته في مجال التدرج بها وتجزئتها، تقديرًا لها، في الحدود المقررة قانونًا؛ فذلك وحده الطريق إلى معقوليتها وإنسانيتها جبرًا لآثار الجريمة من منظور موضوعي يتعلق بها وبمرتكبها، وأن حرمان من يباشرون تلك الوظيفة من سلطتهم في مجال تفريد العقوبة بما يوائم بين الصيغة التي أفرغت فيها ومتطلبات تطبيقها في كل حالة بذاتها؛ مؤداه بالضرورة أن تفقد النصوص العقابية اتصالهــــا بواقعها، فلا تنبض بالحياة، ولا يكون إنفاذها إلا عملًا مجردًا يعزلها عن بيئتها، دالًّا على قسوتها أو مجاوزتها حد الاعتدال، جامدًا فجًّا منافيًا لقيم الحق والعدل.
وحيث إن العقوبة التخييرية، أو استبدال عقوبة أخف أو تدبير احترازي بعقوبة أصلية أشد، عند توافر عذر قانوني جوازي مخفف للعقوبة، أو إجازة استعمال الرأفة في مواد الجنايات بالنزول بعقوبتها درجة واحدة أو درجتين إذا اقتضت أحوال الجريمة ذلك التبديل، عملًا بنص المادة (17) من قانون العقوبات، أو إيقاف تنفيذ عقوبتي الغرامة أو الحبس الذي لا تزيد مدته على سنة إذا رأت المحكمة من الظروف الشخصية للمحكوم عليه أو الظروف العينية التي لابست الجريمة ما يبعث على الاعتقـاد بعدم العودة إلى مخالفة القانون، على ما جرى به نص المادة (55) من قانون العقوبات، إنما هي أدوات تشريعية يتسـاند القاضي إليها- بحسب ظروف كل دعوى- لتطبيق مبدأ تفريد العقوبة؛ ومن ثم فإنه في الأحوال التي يمتنع فيها إعمال إحدى هذه الأدوات فإن الاختصاص الحصري بتفريد العقوبة المعقود للقاضي يكون قد استغلق عليه تمامًا، بما يفتئت على استقلاله ويسلبه حريته في تقدير العقوبة، ويفقده جوهر الوظيفة القضائية وينطوي على تدخل محظور في شئون العدالة.
وحيث إن تفريد عقوبة الغرامة يجنبها عيوبها باعتبارها أثقل على الفقراء منها على الأغنياء، وكان فرض تناسبها في شأن جريمة بذاتها، إنصافًا لواقعها وحال مرتكبها، يتحقق بوسائل متعددة يندرج تحتها أن تفاضل المحكمة الجنائية بين حدين أعلى وأدنى لتختار لكل حال ما يناسبها، وأن تأمر بوقف تنفيذها متى قام لديها ما يبرر ذلك.
وحيث إن النص المحال –محددًا نطاقًا على ما سلف– قد تغيا مصلحة اجتماعية جديرة بالحماية الجنائية، حاصلها صون حياة المارة ومرتادي الطرق، وسلامة أبدانهم، وضبط حركة المرور وانتظامها، من الآثار المترتبة على قيادة قائد مركبة غيب وعيه، وعطل إدراكه، وانتقص من قدراته العقلية، أثرًا لتعاطيه الإرادي مادة مخدرة، وهي غاية تتماهى مع ما أفصح عنه تقرير اللجنة الثامنة عشرة من مجلس النواب عن قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 142 لسنة 2014، بتعديل بعض أحكام قانون المرور الصادر بالقانون رقم 66 لسنة 1973 من "أن مصر تحتل المركز الأول في عدد ضحايا حوادث الطرق، حسب إحصائيات منظمة الصحة العالمية على مستوى الشرق الأوسط، بحوالي 13 ألف قتيل، و60 ألف مصاب سنويًّا، متصدرة قائمة الدول الأسوأ عالميًّا في حوادث الطرق بمعدل وفيات مرتفع جدًا. ووفقًا لبيانات البنك المركزي فإن شركات التأمين قامت بسداد 5,5 مليار جنيه، خلال الثلاث سنوات الماضية، تعويضات عن حوادث السيارات في مصر".
وحيث إن النص المحال قد عين عناصر الركن المادي للجريمة التي انتظمها، والتي تمثلت في قيادة مركبة – بالتعريف الوارد لها في قانون المرور ذاته– تحت تأثير مخدر، ويرتبط هذا الفعل المنطوي على جريمتين مستقلتين بعناصرهما بنتيجة هي وفاة شخص أو أكثر أو إصابته بعجز كلي، على أن يقارن ذلك الفعل وتلك النتيجة قصد جنائي عام قوامه علم الجاني بقيادته المركبة تحت تأثير مخدر، وقبوله تحقق هذه النتيجة؛ ومن ثم يكون النص المحال قد استوفى عناصر التجريم التي تطلبها الدستور، من حيث استهدافه مصلحة جديرة بالحماية الجنائية، وتحديد ركني الجريمة المادي والمعنوي على نحو قاطع لا لبس فيه ولا غموض، ولم يحل بين المتهم بهذه الجريمة وبين حقه الدستوري في نفي كل فعل ينسب إليه، ولم يقم قرينة ينقض بها أصل البراءة أو تقيد المحكمة الجنائية في إعمال سلطتها التقديرية في تمحيص الواقعة وتقدير أدلتها، في ضوء قواعد المحاكمة المنصفة؛ ومن ثم فإن التجريم الوارد في ذلك النص يكون قد استوى على قواعد الشرعية الدستورية.
وحيث إن العقوبة الأصلية التي رصدها النص المحال في فقرته الثالثة، وهى الحبس مدة لا تقل عن ثلاث سنوات ولا تزيد على سبع سنوات وغرامة لا تقل عن عشرين ألف جنيه، إنما تتناسب مع جسامة الجريمة مقترنة بالظرف المشدد الذي لابسها، باعتبار أن تحققه يستحيل معه الفعل إلى جريمة من جرائم الضرر، وعقوبة الحبس، باعتبارها الشق الأول من العقوبة الأصلية لهذه الجريمة، لا تستعصي على التفريد القضائي للعقوبة، كونها تقع بين حدين عينهما النص المحال، أدنى مدته ثلاث سنوات، وأقصى مدته سبع سنوات، ولا ينال من دستورية عقوبة الحبس المنصوص عليها في النص المحال عدم جواز إيقاف تنفيذها؛ ذلك أن النص الذي يحول دون وقف تنفيذ عقوبة الحبس المنصوص عليها في النص المحال هو نص المادة (55) من قانون العقوبات –غير المحال– فضلًا عن أن إيقاف تنفيذ العقوبة السالبة للحرية لا يُرد فحسب إلى قواعد التفريد القضائي للعقوبة التي تتسلط عليها محكمة الموضوع، وإنما يداخلها الغاية من تنفيذ العقوبة السالبة للحرية، ليوسد الدستور إلى المشرع –في حدود سلطته التقديرية– تحقيق التوازن بينهما على ضوء اعتبارات عدة، تتصدرها جسامة الجرم ومبلغ أثره المجتمعي من ناحية، وجدوى إيقاف تنفيذ العقوبة السالبة للحرية في إعادة تأهيل المحكوم عليه للانخراط في المجتمع مجددًا من ناحية أخرى. كما أن النص المحال لم يحل بين المحكمة الجنائية وبين سلطتها في إيقاف تنفيذ عقوبة الغرامة –الشق الثاني من العقوبة الأصلية– إذ رأت من ظروف المحكوم عليه ما يوجب ذلك؛ ومن ثم تغدو العقوبة الأصلية بشقيها قد سلمت من أية مثالب دستورية، ويكون الطعن في دستورية النص المحال –وفق نطاقه المحدد سلفًا– لا سند له، متعينًا رفضه.
وحيث إن النص المحال لا يخالف أي حكم آخر من أحكام الدستور؛ ومن ثم فإن المحكمة تقضي برفض الدعوى.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة برفض الدعوى.

الطعن رقم 98 لسنة 43 ق دستورية عليا " دستورية " جلسة 7 / 3 / 2026

المنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ : ۸ / ۳ / ۲۰۲٦
باسم الشعب
المحكمة الدستورية العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت السابع مــــن مارس سنة 2026م،الموافق السابع عشر من رمضان سنة 1447هـ.
برئاسة السيد المستشار/ بولس فهمي إسكندر رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين رجب عبد الحكيم سليم والدكتور محمد عماد النجار والدكتور طارق عبد الجواد شبل وخالد أحمد رأفت دسوقي والدكتورة فاطمة محمد أحمد الرزاز ومحمد أيمن سعد الدين عباس نواب رئيس المحكمة
وحضور السيد المستشار الدكتور/ عماد طارق البشري رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد/ عبد الرحمن حمدي محمود أمين السر
أصدرت الحكم الآتي
في الدعوى المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 98 لسنة 43 قضائية "دستورية"، بعد أن أحالت المحكمة الإدارية لمحافظتي الإسكندرية ومرسى مطروح بحكمها الصادر بجلسة 24/4/2021، ملف الدعوى رقم 3995 لسنة 67 قضائية
المقامة من
مجدي عبد الخالق هندي
ضــد
1- وزيــر الماليــــة
2- محافظ الإسكندرية
3- رئيس مصلحة الضرائب المصرية
--------------
الإجراءات
بتاريخ السادس عشر من ديسمبر سنة 2021، ورد إلى قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا ملف الدعوى رقم 3995 لسنة 67 قضائية، نفاذًا لحكم المحكمة الإدارية لمحافظتي الإسكندرية ومرسى مطروح، الصادر بجلسة 24/4/2021، بوقف الدعوى، وإحالة أوراقها إلى المحكمة الدستورية العليا، للفصل في دستورية نص المادة (61) من قانون الخدمة المدنية الصادر بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 18 لسنة 2015، ونص المادة (64) من قانون الخدمة المدنية الصادر بالقانون رقم 81 لسنة 2016.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، طلبت فيها الحكم، أصليًّا: بعدم قبول الدعوى، واحتياطيًّا: برفضها.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرًا برأيها.
ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وفيها قررت المحكمة إصدار الحكم بجلسة اليوم.
--------------
المحكمـــــة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع تتحصل –على ما يتبين من حكم الإحالة وسائر الأوراق– في أن المدعي في الدعوى الموضوعية أقام دعواه التي آل قيدها أمام المحكمة الإدارية لمحافظتي الإسكندرية ومرسى مطروح برقم 3995 لسنة 67 قضائية، ضد المدعى عليهم، طالبًا الحكم بأحقيته في صرف نصف أجره عن مدة حبسه احتياطيًّا على ذمة القضية رقم 5971 لسنة 2014 جنايات سيدي جابر، وأحقيته في صرف الحافز العام والإضافي عن تلك المدة؛ وذلك على سند من أنه كان يشغل وظيفة مأمور ضرائب بمصلحة الضرائب بالإسكندرية، وتم اتهامه جنائيًّا بانضمامه إلى جماعة أسست على خلاف القانون، وتم حبسه احتياطيًّا خلال الفترة من 6/9/2013 إلى 21/12/2016، على ذمة تلك القضية، التي قضي فيها بجلسة 15/12/2016، ببراءته مما نسب إليه من اتهامات، وصار ذلك الحكم نهائيًّا بعدم الطعن عليه. وإذ طلب المدعي صرف نصف أجره المحروم منه خلال مدة حبسه احتياطيًّا والحوافز المستحقة له وكافة المبالغ المالية التي صرفت لزملائه في العمل؛ أثرًا للقضاء النهائي ببراءته من الاتهامات المسندة إليه في تلك القضية، فقد رفضت جهة الإدارة طلبه؛ استنادًا إلى نص المادتين (61) من قانون الخدمة المدنية الصادر بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 18 لسنة 2015، و(64) من قانون الخدمة المدنية الصادر بالقانون رقم 81 لسنة 2016. وإذ تراءى لمحكمة الموضوع أن نص المادتين المشار إليهما، فيما تضمنتاه من حرمان الموظف الذي يُحبس احتياطيًّا، أو تنفيذًا لحكم جنائي غير نهائي من الحصول على نصف أجره المحروم منه خلال مدة حبسه الاحتياطي، ولو لم تثبت مسئوليته الجنائية أو التأديبية، يخالف نصوص المواد (53 و95 و96) من الدستور؛ فقد أوقفت نظر الدعوى وأحالت أوراقها إلى هذه المحكمة للفصل في دستوريتهما.
وحيث إن المحكمة الدستورية العليا سبق أن قضت بجلسة 4/11/2023، في الدعوى رقم 100 لسنة 43 قضائية "دستورية": "بعدم دستورية نص الفقرة الأولى من المادة (64) من قانون الخدمة المدنية الصادر بالقانون رقم 81 لسنة 2016، فيما تضمنه من حرمان الموظف الذي يُحبس احتياطيًّا من نصف أجره عن مدة حبسه، في مجال سريانه على حالات انتفاء المسئولية الجنائية بحكم نهائي، أو قرار قضائي لا يجـوز الطعن عليه". وقد نُشر الحكم بالجريدة الرسمية - العدد 44 (مكرر) في 4/11/2023. ولما كان مقتضى نص المادة (195) من الدستور، والمادتين (48 و49) من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979، أن يكون للأحكام والقرارات الصادرة من هذه المحكمة حجية مطلقة في مواجهة الكافة، وبالنسبة إلى الدولة بسلطاتها المختلفة؛ باعتبارها قولًا فصلًا في المسألة المقضي فيها، لا يقبل تأويلًا ولا تعقيبًا، وهي حجية تحول بذاتها دون المجادلة فيها، أو إعادة طرحها عليها من جديد لمراجعتها؛ الأمر الذي يتعين معه الحكم باعتبار الخصومة منتهية في هذا الشق من الدعوى، والاكتفاء بإيراد هذا القضاء في الأسباب دون المنطوق.
وحيث إن المادة (61) من قانون الخدمة المدنية الصادر بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 18 لسنة 2015، تنص على أن "كل موظف يُحبس احتياطيًّا أو تنفيذًا لحكم جنائي يُوقف عن عمله، بقوة القانون مدة حبسه، ويحرم من نصف أجره إذا كان الحبس احتياطيًّا أو تنفيذًا لحكم جنائي غير نهائي، ويُحرم من كامل أجره إذا كان الحبس تنفيذًا لحكم جنائي نهائي.
وإذا لم يكن من شأن الحكم الجنائي إنهاء خدمة الموظف يُعرض أمره عند عودته إلى عمله على السلطة المختصة لتقرير ما يُتبع في شأن مسئوليته التأديبية".
وحيث إن المصلحة في الدعوى الدستورية، وهـي شــرط لقبولهـا، مناطها -على ما جرى عليه قضاء هذه المحكمة- أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يؤثر الحكم في المسألة الدستورية على الطلبات المرتبطة بها، المطروحة على محكمة الموضوع، ويستوي في شأن توافر المصلحة أن تكون الدعوى قد اتصلت بالمحكمة عن طريــــق الدفــــع، أو عن طريق الإحالة، والمحكمة الدستورية العليا هي وحدها التي تتحرى توافر شرط المصلحة في الدعوى الدستورية، للتثبت من شروط قبولها. متى كان ذلك، وكان النزاع المردد أمام محكمة الموضوع ينصب على طلب المدعي الحكم بأحقيته في صرف نصف أجره المحروم منه خلال مدة حبسه احتياطيًّا، وذلك لصدور حكم نهائي ببراءته من الاتهامات المسندة إليه، وكان حرمانه من صرف نصف أجره خلال الفترة من 13/3/2015 إلى 20/1/2016، مرده إلى نص المادة (61) من قانون الخدمة المدنية الصادر بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 18 لسنة 2015؛ ومن ثم فإن الفصل في دستورية هذا النص يكون ذا أثر وانعكاس أكيد على الدعوى الموضوعية، وقضاء محكمة الموضوع فيها، وتتحقق به المصلحة المباشرة في الدعوى المعروضة، ويتحدد نطاقها فيما تضمنه ذلك النص من حرمان الموظف الذي يُحبس احتياطيًّا من نصف أجره عن مدة حبسه، في مجال سريانه على حالات انتفاء المسئولية الجنائية بحكم نهائي، أو قرار قضائي لا يجوز الطعن عليه.
وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن قرار مجلس النواب رقم 1 لسنة 2016 بعدم الموافقة على قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 18 لسنة 2015 بإصدار قانون الخدمة المدنية، واعتماد نفاذه خلال الفترة من 12/3/2015 إلى 20/1/2016، لا يُعد –في ذاته– عملاً تشريعيًّــا مما يخضع للرقابة القضائية التي تباشرها هذه المحكمة بمقتضى نص المادة (192) من الدستور، وإنما يُعد عملًا برلمانيًّا يتولاه مجلس النواب، في نطاق الاختصاص المحجوز للمجلس بتقدير عدم ملاءمة إقرار التشريع الاستثنائي واعتماد نفاذه خلال الفترة السابقة؛ كون ذلك يمثل جوهر الولاية التشريعية التي اؤتُمِن عليها، بمقتضى نص المادتين (101 و156) من الدستور، إلا أن ذلك لا يخل بولاية المحكمة الدستورية العليا في بسط رقابتها القضائية على دستورية نصوص القرارات بقوانين، التي لم يتم إقرارها، إذا رأى المجلس اعتماد نفاذها في الفترة السابقة، شريطة أن يكون لها محل من التطبيق على وقائع الدعوى الموضوعية التي اتصلت بهذه المحكمة من خلال الدعوى الدستورية المعروضة عليها.
وحيث إن النص المحال –في النطاق المتقدم– أقام قرينة قانونية قاطعة على ثبوت مخالفة الموظف الذي يُحبس احتياطيًّا لالتزامه الوظيفي، وخروجه على مقتضى واجبات وظيفته، بما يوجب مجازاته بالحرمان من نصف أجره خلال مدة حبسه، وهو جزاء لا يجوز سحبه أو إلغاؤه، متى انتفت مسئولية الموظف الجنائية عن الاتهام المنسوب إليه، بحكم نهائي أو قرار قضائي لا يجوز الطعن فيه، حتى ولو لم يشكل الفعل في ذاته مخالفة تأديبية مما تنتظمها أحكام قانون الخدمة المدنية المشار إليه.
وحيث إن قضاء المحكمة الدستورية العليا قد اطرد على أن الدستور هو القانون الأعلى الذي يرسي القواعد والأصول التي يقوم عليها نظام الحكم، ويقرر الحريات والحقوق العامة، ويرتب الضمانات الأساسية لحمايتها، ويحدد لكل من السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية وظائفها وصلاحياتها، ويضع الحدود والقيود الضابطة لنشاطها، بما يحــول دون تدخل أي منها في أعمال السلطة الأخرى أو مزاحمتها في ممارسة اختصاصاتها التي ناطها الدستور بها.
وحيث إن الدستور قد اعتمد بمقتضى نص المادة (4) منه مبدأ العدل، باعتباره إلى جانب مبدأي المساواة وتكافؤ الفرص أساسًا لبناء المجتمع وصون وحدته الوطنية، يستلهمه المشرع وهو بصدد مباشرة سلطته في التشريع. وإذا كان الدستور -على ما جرى عليه قضاء هذه المحكمة– قد خلا من تحديد معنى العدالة، فإن المقصود بها ينبغي أن يتمثل فيما يكون حقًّا وواجبًا، سواء في علائق الأفراد فيما بينهم، أو في نطاق صلاتهم بمجتمعهم، بما مؤداه أن العدالة –في غايتها– لا تنفصل علاقاتها بالقانون باعتباره أداة تحقيقها، فلا يكون القانون منصفًا إلا إذا كان كافلًا لأهدافها، فإذا ما زاغ المشرع ببصره عنها، وأهدر القيم الأصيلة التي تحتضنها، كان مُنهيًا للتوافق في مجال تنفيذه، ومسقطًا كل قيمة لوجوده، ومُستوجبًا تغييره أو إلغاءه.
وحيث إن الدساتير المصرية المتعاقبة قد عنيت بتنظيم الوظيفة العامة؛ إذ حرص دستور 1923، ومن بعده دستور 1930، على أن يعهد للمصريين وحدهم بالوظائف العامة، مدنية كانت أو عسكرية، ولا يولى الأجانب هذه الوظائف إلا في أحوال استثنائية يعينها القانون، وأجمعت الدساتير الصادرة سنوات: 1956 و1958 و1964، على أن الوظائف العامة تكليف للقائمين بها، ويستهدف موظفو الدولة في أداء أعمال وظائفهم خدمة الشعب، واعتبر دستور 1971 الوظائف العامة حقًّا للمواطنين، وتكليفًا للقائمين بها لخدمة الشعب، وتكفل الدولة حمايتهم، وقيامهم بأداء واجباتهم في رعاية مصالح الشعب، واتخذ دستور سنة 2014 – القائم - من الكفاءة، وعدم المحاباة أو الوساطة أساسًا لحق المواطنين في شغل الوظائف العامة، مع اعتبار شغلهم لها تكليفًا لخدمة الشعب، واعتد بكفالة الدولة حقوقهم وحمايتهم، فلا يجوز فصلهم بغير الطريق التأديبي، إلا في الأحوال التي يحددها القانون، مقابل التزامهم بأداء واجباتهم في رعاية مصالح الشعب - مبينًا فيما تقدم - الضوابط المتعينة في تنظيم الوظيفة العامة، بداية من طبيعة شغلها بين الحق والتكليف، مرورًا بشروط ذلك الشغل وموانعه، انتهاء بحقوق الشاغلين لها والتزاماتهم، على نحو يضحى معه التزام التنظيم القانوني للوظيفة العامة تلك الضوابط مناطًا لدستوريته، فيما تكون مخالفتها موطئًا لوقوع تنظيمها في حومة العوار الدستوري.
وحيث إن النص في المادة (54) الذي استحدثه الدستور الصادر عام 2014، ضمن باب الحقوق والحريات والواجبات العامة، على أن ينظم القانون حالات استحقاق التعويض، الذي تلتزم الدولة بأدائه عن الحبس الاحتياطي، أو عن تنفيذ عقوبة صدر حكم بات بإلغاء الحكم المنفذة بموجبه، مؤداه أن التزام الدولة بالتعويض في الأحوال المار بيانها صار أمرًا مقضيًّا، وهو ما انتظمته أحكام قانون الإجراءات الجنائية الصادر بالقانون رقم 174 لسنة 2025، والمرجأ العمل بأحكامه حتى الأول من أكتوبر سنة 2026، مبينًا أحوال التعويض عن الحبس الاحتياطي، والأحوال التي تنتفي فيها المسئولية الجنائية للمحبوس احتياطيًّا بصورة باتة، ومقررًا أن طلب التعويض عن الحبس الاحتياطي يرفع بالطرق المعتادة لرفع الدعاوى، ويتبع في شأن إجراءاته والحكم فيه والطعن عليه القواعد المنصوص عليها في قانون المرافعات المدنية والتجارية. ولا كذلك الحال لمن حرمه التشريع الذي يحكم العلاقات الوظيفية للمخاطبين بقانون الخدمة المدنية، والتي تُعد من علاقات القانون العام، من استئداء نصف أجره الوظيفي المحروم منه خلال مدة حبسه الاحتياطي، فيما لو انتفت مسئوليته الجنائية بصورة نهائية، عن الوقائع التي حُبس عنها؛ إذ يغدو استرداد الموظف نصف أجره الذي حُرم منه -والحال كذلك– بمثابة تعويض عما حاق به من خسارة، تلتزمه الجهة الإدارية التي يعمل بها؛ إنفاذًا للالتزام المنصوص عليه بالمادة (54) من الدستور، فيما يكون حصوله على باقي عناصر التعويض –في حالات استحقاقه– رهنًا بالعمل بأحكام قانون الإجراءات الجنائية سالف الذكر.
وحيث إن افتراض البراءة –على ما جرى به قضاء هذه المحكمة– لا يتمحض عن قرينة قانونية، ولا هو من صورها؛ ذلك أن القرينة القانونية تقوم على تحويل للإثبات من محله الأصلي، ممثلًا في الواقعة مصدر الحق المدعى به، إلى واقعة أخرى قريبة منها متصلة بها، وهذه الواقعة البديلة هي التي يُعد إثباتها إثباتًا للواقعة الأولى بحكم القانون. وليس الأمر كذلك بالنسبة إلى البراءة التي افترضها الدستور؛ فليس ثمة واقعة أحلها الدستور محل واقعة أخرى وأقامها بديلًا عنها، وإنما يؤسس افتراض البراءة على الفطرة التي جُبل الإنسان عليها، فقد ولد حرًّا مبرَّأً من الخطيئة أو المعصية، ويفترض على امتداد مراحل حياته أن أصل البراءة ما زال كامنًا فيه، مصاحبًا له فيما يأتيه من أفعال، إلى أن تنقض محكمة الموضوع بقضاء بات لا رجعة فيه هذا الافتراض.
وحيث إن مفاد نص المادة (97) من الدستور أن ضمان الدستور لحق التقاضي مؤداه ألا يعزل الناس جميعهم، أو فريق منهم، أو أحدهم من النفاذ إلى جهة قضائية، تكفل بتشكيلها وقواعد تنظيمها ومضمون القواعد الموضوعيـة والإجرائية المعمول بها أمامها حدًّا أدنى من الحقوق، التي لا يجوز إنكارها عمن يلجون أبوابها؛ ضمانًا لمحاكمتهم إنصافًا. وكان لحق التقاضي غاية نهائية يتوخاها، تمثلها الترضية القضائية التي يناضل المتقاضون من أجل الحصول عليها، لجبر الأضرار التي أصابتهم من جراء العدوان على حقوق يطلبونها، فإن أرهقها المشرع بقيود تعسر الحصول عليها، أو تحول دونها، كان ذلك إخلالًا بالحماية التي كفلها الدستور لهذا الحق. ولا ينفك عن حق التقاضي حق الدفاع أصالة، أو بالوكالة، الذي كفله أيضًا الدستور في المادة (98) منه، باعتبار أن ضمانة الدفاع لا يمكن فصلها أو عزلها عن حق التقاضي؛ ذلك أنهما يتكاملان ويعملان معًا في دائرة الترضية القضائية التي يعتبر اجتناؤها غاية نهائية للخصومة القضائية، فلا قيمة لحق التقاضي ما لم يكن متساندًا لضمانة الدفاع مؤكدًا لأبعادها، عاملًا من أجل إنفاذ مقتضاها. كذلك لا قيمة لضمانة الدفاع بعيدًا عن حق النفاذ إلى القضاء، وإلا كان القول بها، وإعمالها واقعًا وراء جدران صامتة.
وحيث إن النص المحال بما تضمنه من حرمان الموظف الذي يُحبس احتياطيًّا من نصف أجره على الرغم من انتفاء مسئوليته الجنائية بحكم نهائي، أو قرار قضائي لا يجوز الطعن فيه، إنما يفتئت على مبدأ العدالة، بحسبان التنظيم القانوني لأجر الموظف العام لا يقتصر –فقط– على ما يؤديه من أعمال وواجبات وظيفية، وإنما يتقرر ليستوفي الموظف العام متطلباته الاجتماعية، ويسد احتياجاته الأسرية، وهو ما أكده المشرع في العديد من الاستثناءات التي قررها على قاعدة الأجر مقابل العمل، وهي استثناءات ترنو في مضمونها إلى تحقيق غاية أسمى تتمثل في الحرص على الجوانب الإنسانية والاجتماعية والأسرية للموظف العام، من خلال منحه أجره الوظيفي، متى ثبت أن انقطاعه عن العمل كان لسبب يخرج عن إرادته.
وحيث إن النص المحال افتقر إلى ضمانة جوهرية مقررة لشاغل الوظيفة العامة؛ هي حصوله على أجره المقرر لوظيفته كلما كان مهيأً لأداء العمل المنوط به، دون أن ينال من هذه الضمانة عدم أدائه العمل لحبسه احتياطيًّا، ما دامت قد انتفت مسئوليته الجنائية بصورة نهائية عن ارتكاب الفعل الذي نُسب إليه، ليغدو إهدار الضمانة السالف بيانها إخلالًا من النص المحال بكفالة الدولة لحقوق شاغلي الوظائف العامة، والتفاتًا منه عما أضفاه الدستور عليها من حماية، فضلًا عن اتخاذه من حبس الموظف احتياطيًّا قرينة قانونية قاطعة على ثبوت إخلاله بالتزامه الوظيفي، دون مراعاة لانتفاء الرابطة المنطقية بين الأمرين، ما دامت قد انتفت عن الموظف المسئولية الجنائية بصورة نهائية، مما يكون معه النص المحال قد أخل بأصل البراءة، التي توثقها حجية الشيء المحكوم فيه، أو الأمر المقضي به، بحسب الأحوال.
وحيث إن النص المحال قوض حق الموظف العام الذي يُحبس احتياطيًّا، وانتفت مسئوليته الجنائية على نحو نهائي، في المطالبة باسترداد نصف أجره الذي حرم منه خلال مدة حبسه؛ جبرًا للضرر المادي الذي أصابه، فإن ذلك يُشكل إهدارًا لأصل البراءة، وعدوانًا على استقــــــلال القضاء والحق في التقاضي، وحق الدفاع، وتعطيلًا للحق في التعويض عن الحبس الاحتياطي الذي ألزم الدستور الدولة بأدائه. يُضاف إلى ما تقدم أن حرمان الموظف من استرداد نصف أجره إنما يُشكل افتئاتًا على الملكية الخاصة؛ ومن ثم يكون النص المحال قد جاء مخالفًا للمواد (4 و14 و33 و35 و54 و95 و96 و97 و98 و184) من الدستور، مما يتعين معه القضاء بعدم دستوريته.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بعدم دستورية نص الفقرة الأولى من المادة (61) من قانون الخدمة المدنية الصادر بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 18 لسنة 2015، فيما تضمنه من حرمان الموظف الذي يُحبس احتياطيًّا من نصف أجره عن مدة حبسه، في مجال سريانه على حالات انتفاء المسئولية الجنائية بحكم نهائي أو قرار قضائي لا يجوز الطعن عليه.