جلسة ۱۲ من ديسمبر سنة ۲۰۲٤
برئاسة السيد القاضي / محمد العكازي نائب رئيس المحكمة وعضوية السادة القضاة / علاء البغدادي ، عصام إبراهيم ووليد أبو ليلة نواب رئيس المحكمة و د. مهند البنا .
--------------------
(۱۰۰)
الطعن رقم ۱۷۸۳۷ لسنة ۹۳ القضائية
(۱) حكم " بيانات التسبيب ".
بيان الحكم واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية للجرائم التي دان الطاعن بها وإيراده على ثبوتها في حقه أدلة سائغة تؤدي إلى ما رتبه عليها . لا قصور .
عدم رسم القانون شكلًا أو نمطًا لصياغة الحكم . كفاية أن يكون مجموع ما أورده مؤديًا لتفهم الواقعة بأركانها وظروفها.
بيان الحكم الأفعال المادية التي أتاها الطاعن في بيانٍ وافٍ يفصح عن دوره في الجرائم التي دانه الحكم بها . كفايته .
(۲) حكم " تسبيبه . تسبيب غير معيب " .
صيغة الاتهام المُبيَّنة في الحكم . جزء منه . كفاية الإحالة إليها في بيان الواقعة . النعي عليه بالقصور في هذا الشأن . غير مقبول .
(۳) الاتجار بالبشر . محكمة الموضوع " سلطتها في تقدير توافر القصد الجنائي " .
الركن المادي لجريمة الاتجار بالبشر . تحققه بارتكاب أي من صور التعامل في الشخص الطبيعي بإحدى الوسائل المنصوص عليها بالمادة الثانية من القانون ٦٤ لسنة ٢٠١٠ . توافر إحدى هذه الوسائل . غير لازم . متى كان المجني عليه طفلًا أو عديم الأهلية .
القصد الجنائي في جريمة الاتجار بالبشر . تحقق شقه العام بعلم الجاني بعناصرها واتجاه إرادته للسلوك الإجرامي المكون لها والخاص بقصد استغلال المجني عليه بأية صورة . استخلاص توافره . موضوعي . تحقق النتيجة المقصودة من ذلك السلوك . غير لازم . كفاية انصراف النية لتحققه . رضاء المجني عليه باستغلاله . لا يبيح تلك الجريمة . حد وأساس ذلك ؟
مثال .
(٤) الاتجار بالبشر . نقض " المصلحة في الطعن " .
معاقبة الطاعن عن جريمة الاتجار بالبشر بوصفها الأشد . النعي على الحكم بشأن قصوره في بيان أركان باقي الجرائم . غير مجد .
(٥) الاتجار بالبشر . دفوع " الدفع بالجهل بالقانون أو الغلط فيه " .
نعي الطاعن جهله تجريم الواقعة . لا ينفي قيام القصد الجنائي فيها . علة ذلك ؟
(٦) مسئولية جنائية .
عدم إجادة الطاعن للقراءة والكتابة . لا أثر له على المسئولية الجنائية .
الجدل الموضوعي في تقدير الدليل أمام محكمة النقض . غير جائز .
(۷) حكم " تسبيبه . تسبيب غير معيب ".
إيراد الحكم من أقوال شهود الإثبات ومضمون اعتراف المتهم السابق الحكم عليه ما يحقق مراد الشارع في المادة ۳۱۰ إجراءات جنائية من بيان مؤدى أدلة الإدانة . لا قصور .
(۸) حكم " ما لا يعيبه في نطاق التدليل " .
إحالة الحكم في بيان شهادة الشهود إلى ما أورده من أقوال شاهد آخر . لا يعيبه . ما دامت متفقة مع ما استند إليه منها . اختلافهم في بعض التفصيلات التي لم يوردها . غير مؤثر في سلامته . علة ذلك ؟
(۹) محكمة الموضوع " سلطتها في تقدير أقوال الشهود " . حكم " ما لا يعيبه في نطاق التدليل " .
وزن أقوال الشهود وتقديرها . موضوعي .
أخذ المحكمة بشهادة الشهود . مفاده ؟
تناقض الشاهد وتضاربه في أقواله أو تناقض أقوال الشهود في بعض تفاصيلها . لا يعيب الحكم . حد ذلك ؟
العبرة في الإثبات في المواد الجنائية باقتناع القاضي بناءً على الأدلة المطروحة عليه . له الأخذ بأي دليل أو قرينة يرتاح إليها . حد ذلك ؟
تكامل عناصر الشهادة بحلف اليمين . لا ينفي عن الأقوال التي تدلى بغير يمين وصف الشهادة . أثر ذلك ؟
الجدل الموضوعي في تقدير الدليل أمام محكمة النقض . غير جائز .
(۱۰) محكمة الموضوع " سلطتها في تقدير الدليل " .
العبرة بما اطمأنت إليه المحكمة ممَّا استخلصته من التحقيقات لا بما اشتمل عليه بلاغ الواقعة .
الجدل الموضوعي في تقدير الدليل . غير جائز أمام محكمة النقض .
(۱۱) حكم " تسبيبه . تسبيب غير معيب " .
النعي على الحكم مخالفته للثابت بالأوراق بشأن أقوال المجني عليها . غير مقبول . متى لم يعوّل عليها في الإدانة ولم يتخذ منها دليلًا قبله .
(۱۲) محكمة الموضوع " سلطتها في تقدير جدية التحريات " . حكم " ما لا يعيبه في نطاق التدليل " .
لمحكمة الموضوع أن تعوّل على تحريات الشرطة باعتبارها قرينة معززة لما ساقته من أدلة .
تقدير جدية التحريات . موضوعي .
التناقض بين التحريات وأقوال مجريها . لا يعيب الحكم . ما دام استخلص الإدانة منها بما لا تناقض فيه . عدم إفصاحه عن مصدر تحرياته . لا يقدح في جديتها .
الجدل الموضوعي في تقدير الأدلة أمام محكمة النقض . غير جائز .
(۱۳) الاتجار بالبشر . قانون " سريانه " . جريمة " الجريمة المستمرة " " الجريمة الوقتية " . دفاع " الإخلال بحق الدفاع . ما لا يوفره " .
جريمة الاتجار بالبشر بالتعامل في شخص طبيعي من صاحب السلطة عليه بقصد الاستغلال في أعمال الدعارة والاستغلال الجنسي . مستمرة . خضوعها لأحكام القانون اللاحق ولو كانت أشد . التفات المحكمة عن دفع الطاعن بعدم سريان القانون ٦٤ لسنة ۲۰۱۰ على الواقعة . لا عيب . علة وأساس ذلك ؟
(۱٤) حكم " تسبيبه . تسبيب غير معيب " . قانون " سريانه " .
نعي الطاعن بشأن أفعال إجرامية وقعت قبل صدور القانون ٦٤ لسنة ۲۰۱۰ لم يدنه الحكم عنها . غير مقبول .
(۱٥) دفوع " الدفع بانقضاء الدعوى الجنائية بمضي المدة " .
اطراح الحكم سائغًا دفع الطاعن بانقضاء الدعوى الجنائية بمضي المدة . كفايته ردًّا عليه .
(۱٦) محكمة الموضوع " سلطتها في استخلاص الصورة الصحيحة لواقعة الدعوى " . دفاع " الإخلال بحق الدفاع . ما لا يوفره " .
النعي بأنَّ الواقعة جنحة فرض إتاوة . منازعة في الصورة التي اعتنقتها المحكمة للواقعة وجدل موضوعي في سلطتها في استخلاصها.
عدم التزام المحكمة بمتابعة المتهم في مناحي دفاعه الموضوعي والرد على كل شبهة يثيرها . استفادة الرد عليها من أدلة الثبوت التي أوردها الحكم .
(۱۷) الاتجار بالبشر . محكمة الموضوع " سلطتها في تقدير الدليل " . ظروف مشددة . عقوبة " توقيعها " .
تقدير توافر السلطة الفعلية للجاني على المجني عليها في جريمة الاتجار بالبشر . موضوعي . المنازعة في هذا الشأن . جدل موضوعي . غير جائز أمام محكمة النقض .
النعي على الحكم بالقصور في استظهار سلطة الطاعن على المجني عليهما وقت ارتكاب الجريمة . غير مقبول . ما دامت العقوبة الموقعة تدخل في نطاق العقوبة المُقرَّرة لجريمة الاتجار بالبشر مجردة من الظروف المشددة .
(۱۸) الاتجار بالبشر . عقوبة " تطبيقها " . ظروف مخففة .
معاقبة الطاعن بالسجن المشدد خمس عشرة سنة عن جريمة الاتجار بالبشر المؤثمة بالمادة السادسة منه بعد إعمال المادة ۱۷ عقوبات . صحيح . أساس ذلك ؟
(۱۹) عقوبة " عقوبة الجريمة الأشد " .
إغفال الحكم تعيين الجريمة الأشد . لا يقدح في سلامته . حد ذلك ؟
(۲۰) إثبات " أوراق رسمية " . دفاع " الإخلال بحق الدفاع . ما لا يوفره " .
الأدلة في المواد الجنائية إقناعية . للمحكمة الالتفات عن دليل النفي ولو حملته أوراق رسمية . حد ذلك ؟
(۲۱) نقض " أسباب الطعن . تحديدها " .
وجه الطعن . وجوب أن يكون واضحًا محددًا .
النعي على الحكم مخالفته لنص المادة ۳۰۸ من قانون الإجراءات الجنائية دون الإفصاح عن وجه مخالفته لها . غير مقبول .
(۲۲) دفاع " الإخلال بحق الدفاع . ما لا يوفره " .
الدفع بخلو الأوراق من دليل يقيني على اقتراف الجريمة . موضوعي . عدم التزام المحكمة بمتابعته . استفادة الرد عليه من أدلة الثبوت التي أوردها الحكم .
الجدل الموضوعي في تقدير الدليل أمام محكمة النقض . غير جائز .
(۲۳) مراقبة الشرطة . نقض " حالات الطعن . الخطأ في تطبيق القانون " .
إغفال القضاء بعقوبة الوضع تحت مراقبة الشرطة . خطأ في تطبيق القانون . لا تملك محكمة النقض تصحيحه . علة ذلك ؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
۱ - لمَّا كان الحكم المطعون فيه بيَّن واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية للجرائم التي دان الطاعن بها وأورد على ثبوتها في حقه أدلة سائغة من شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه الحكم عليها ، وجاء استعراض المحكمة لأدلة الدعوى على نحو يدل على أنَّها محصتها التمحيص الكافي وألمت بها إلمامًا شاملًا يفيد أنَّها قامت بما ينبغي عليها من تدقيق البحث لتعرف الحقيقة ، وكان من المُقرَّر أنَّ القانون لم يرسم شكلًا أو نمطًا يصوغ فيه الحكم بيان الواقعة المستوجبة للعقوبة والظروف التي وقعت فيها ، ومتى كان مجموع ما أورده الحكم كافيًا في تفهم الواقعة بأركانها وظروفها حسبما استخلصها المحكمة – كما هو الحال في الدعوى الماثلة – فإنَّ ذلك يكون محققًا لحكم القانون ، وكان تحصيل المحكمة للواقعة في حدود الدعوى المطروحة قد جاء وافيًا في شأن بيان الأفعال المادية التي أتاها الطاعن بما يفصح عن الدور الذي قام به في الجرائم التي دانه الحكم بها ، ومن ثم فإنَّ تعييب الحكم في خصوص عدم بيان دور الطاعن في ارتكاب تلك الجرائم يكون ولا محل له .
۲ - من المُقرَّر أنَّ صيغة الاتهام المُبيَّنة في الحكم تعتبر جزءًا منه فيكفي في بيان الواقعة الإحالة عليها ، ومن ثم فإنَّ النعي على الحكم بالقصور لاكتفائه بترديد صيغة الاتهام بيانًا للواقعة يكون ولا محل له .
۳ - لمَّا كان المُستفاد من نص المادة الثانية من القانون رقم ٦٤ لسنة ٢٠١٠ بشأن مكافحة الاتجار بالبشر أن الركن المادي لهذه الجريمة يتحقق بارتكاب الجاني فعل مادي قوامه التعامل في الشخص الطبيعي بأي صورة من الصور ومنها البيع أو العرض للبيع أو الشراء أو الوعد بهما أو الاستخدام أو النقل أو التسليم أو الإيواء أو الاستقبال أو التسلم سواء في داخل البلاد أو عبر حدودها الوطنية ، على أن يكون ذلك التعامل بوسيلة من الوسائل التي نصت عليها المادة سالفة الإشارة على سبيل الحصر وهي استعمال القوة أو العنف أو التهديد بهما ، أو بواسطة الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع ، أو استغلال السلطة ، أو استغلال حالة الضعف أو الحاجة ، أو الوعد بإعطاء أو تلقي مبالغ مالية أو مزايا مقابل الحصول على موافقة شخص على الاتجار بشخص آخر له سيطرة عليه ، وتوافر إحدى هذه الوسائل شرط لقيام الجريمة إلَّا في حالة أن يكون المجني عليه طفلًا أو عديم الأهلية – كما هو الحال في الدعوى الراهنة – فلا يلزم توافرها ، كما أنَّ تلك الجريمة عمدية يقوم ركنها المعنوي على قصد عام وآخر خاص ، ويتوافر القصد العام بعلم الجاني بعناصر الجريمة واتجاه إرادته إلى السلوك المكون لها في أي صورة من صور التعامل في الشخص الطبيعي ، أما عن القصد الخاص – وعلى ما أفصحت عنه عبارات نص القانون المار بيانه – فهو يتمثل في الغرض من ارتكاب الجريمة ، إذ يجب لتحقق ذلك القصد أن تتجه إرادة الجاني إلى تحقيق غاية معينة من التعامل في الشخص الطبيعي ، وتتبلور تلك الغاية في الاستغلال أيًّا كانت صوره ، أو السخرة أو الخدمة قسرًا ، أو الاسترقاق أو التسول ، أو استئصال الأعضاء أو الأنسجة البشرية ، ولمحكمة الموضوع أن تستخلص ذلك القصد الجنائي الخاص بطريق مباشر أو غير مباشر من الأفعال التي يأتيها الجاني ومن الظروف المحيطة بارتكابه الجريمة والتي تنم عن توافره ، وهو أمر موضوعي تستقل به محكمة الموضوع ، ومتى قالت بوجوده فلا رقابة عليها من محكمة النقض إلَّا إذا كانت تلك الظروف والقرائن لا تصلح عقلًا لهذا الاستنتاج ، ولا يشترط لقيام تلك الجريمة تحقق الفعل المقصود من السلوك المكون لها ، بل يكفي مجرد انصراف القصد – بشقيه العام والخاص – إلى تحقيق هذا الفعل ، كما أن البيّن من استقراء نص المادة الثالثة من القانون آنف الإشارة إليه والمادة الثالثة من قرار رئيس مجلس الوزراء رقم ٣٠٢٨ لسنة ٢٠١٠ بإصدار اللائحة التنفيذية أنَّه لا يعتد برضاء المجني عليه بالاستغلال الواقع عليه بأي من صوره وفي جميع الأحوال ، فرضاء المجني عليه بالاستغلال لا يعتبر سببًا مبيحًا للجريمة ولا يعفي من العقاب ، وإذ كان ذلك ، وكان الحكم المطعون فيه قد أثبت قيام الطاعن باستغلال الطفلتين جنسيًا في أعمال ممارسة الدعارة دون تمييز مقابل حصوله على مقابل مادي شهري من المتهمة الرابعة مقابل استقدام الرجال لهن بالمنزل لمعاشرة الطفلتين ، وكان ما أورده الحكم كافيًا لإثبات توافر هذه الجريمة بحق الطاعن بركنيها المادي والمعنوي – بعنصريه العام والخاص ، ومن ثم فإنَّ النعي على الحكم بالقصور في هذا الشأن يكون غير قويم.
٤ - لمَّا كان الحكم المطعون فيه قد دان الطاعن بالجرائم المسندة إليه ، وأوقع عليه العقوبة المُقرَّرة في القانون لجريمة الاتجار بالبشر باعتبارها عقوبة الجريمة الأشد عملًا بنص المادة ٣٢ الفقرة الثانية من قانون العقوبات ، فإنَّه لا يجدي الطاعن ما يثيره في صدد قصور الحكم في بيان أركان باقي الجرائم المسندة إليه وفي التدليل على توافرها في حقه ، ومن ثم فإنَّ النعي على الحكم في هذا الشأن يكون غير مقبول .
٥ - من المُقرَّر أنَّ الجهل بالقانون أو الغلط في فهم نصوصه لا ينفي القصد الجنائي ، باعتبار أنَّ العلم بالقانون العقابي وفهمه على وجهه الصحيح أمر مفترض في الناس كافة ، وإن كان هذا الافتراض يخالف الواقع في كثير من الأحيان ، إلَّا أنَّه افتراض تمليه الدواعي العملية لحماية مصلحة المجموع ، وقد جرى قضاء هذه المحكمة على أن العلم بالقانون الجنائي والقوانين العقابية المكملة له مفترض في حق الكافة ، ومن ثم فلا يقبل الدفع بالجهل أو الغلط فيه كذريعة لنفي القصد الجنائي ، ويضحى منعى الطاعن في هذا الصدد غير مقبول .
٦ - لمَّا كان ما يثيره الطاعن في شأن عدم إجادته للقراءة والكتابة لا أثر له على مسئوليته الجنائية ، وينحل ما يثيره في هذا الشأن إلى جدل موضوعي في تقدير أدلة الدعوى ممَّا لا تجوز إثارته لدى محكمة النقض .
۷ - لمَّا كان الحكم قد أورد مؤدى أقوال شاهد الإثبات الثاني ومضمون اعتراف المتهم السابق الحكم عليه – على خلاف ما يزعم الطاعن بوجه طعنه – في بيان واف يحقق مراد الشارع الذي استوجبه في المادة ۳۱۰ من قانون الإجراءات الجنائية من دعوى بيان مؤدى الأدلة التي يستند إليها الحكم الصادر بالإدانة ، فإنَّ منعاه على الحكم بالقصور في هذا الشأن يكون على غير أساس .
۸ - من المُقرَّر أنَّه لا يعيب الحكم أن يحيل في بيان شهادة الشهود إلى ما أورده من أقوال شاهد آخر ما دامت أقوالهم مُتفقة مع ما استند إليه الحكم منها ، ولا يُؤثر في هذا النظر اختلاف الشهود في بعض التفصيلات التي لم يُوردها الحكم ، ذلك أن لمحكمة الموضوع في سبيل تكوين عقيدتها أن تعتمد على ما تطمئن إليه من أقوال الشاهد وتطرح ما عداها وفي عدم إيراد المحكمة لهذه التفصيلات ما يفيد اطراحها لها ، ومن ثم فإنَّ منعى الطاعن في هذا الصدد يكون غير سديد.
۹ - من المُقرَّر أنَّ وزن أقوال الشهود وتقدير الظروف التي يؤدون فيها شهادتهم وتعويل القضاء على أقوالهم مهما وجه إليها من مطاعن وحام حولها من الشبهات مرجعه إلى محكمة الموضوع تنزله المنزلة التي تراها وتقدره التقدير الذي تطمئن إليه ، فهي متى أخذت بشهادتهم فإنَّ ذلك يفيد أنَّها اطرحت جميع الاعتبارات التي ساقها الدفاع لحملها على عدم الأخذ بها ، وكان تناقض الشاهد وتضاربه في أقواله أو تناقض أقوال الشهود في بعض تفاصيلها لا يعيب الحكم أو يقدح في سلامته ما دام استخلص الحقيقة من أقوالهم استخلاصًا سائغًا لا تناقض فيه – كما هو الحال في الدعوى المطروحة – وكان من المُقرَّر أيضًا أن العبرة في الإثبات في المواد الجنائية هي باقتناع القاضي واطمئنانه إلى الأدلة المطروحة عليه ، وقد جعل القانون من سلطته أن يأخذ بأي دليل أو قرينة يرتاح إليها ما دام له مأخذه الصحيح من الأوراق ، وأنَّه وإن كانت الشهادة لا تتكامل عناصرها قانونًا إلَّا بحلف الشاهد اليمين إلَّا أنَّ ذلك لا ينفي عن الأقوال التي يدلي بها الشاهد بغير حلف أنَّها شهادة ، ومن حق محكمة الموضوع أن تعتمد في قضائها على أقوال هذا الشاهد ، إذ مرجع الأمر كله إلى ما تطمئن إليه من عناصر الاستدلال ، ومن ثم فإنَّ منعى الطاعن على الحكم المطعون فيه تعويله على أقوال المجني عليهما رغم أنَّهما لم تحلفا اليمين – بفرض صحته – وخلو الأوراق من شاهد رؤية ومنازعته في القوة التدليلية لشهادة المجني عليهما على النحو الذي ذهب إليه في طعنه لا يعدو أن يكون جدلًا موضوعيًّا في تقدير الدليل ممَّا لا يقبل التصدي له أمام محكمة النقض .
۱۰ - لمَّا كان ما يثيره الطاعن بشأن عدم وجود بلاغ من أهلية المجني عليهما مردودًا بما هو مُقرَّر من أنَّه لا عبرة بما اشتمل عليه بلاغ الواقعة ، وإنَّما العبرة بما اطمأنت إليه المحكمة ممَّا استخلصته من التحقيقات ، فإنَّ النعي على الحكم في هذا الخصوص ينحل إلى جدل موضوعي في تقدير المحكمة لأدلة الدعوى ومصادرتها في عقيدتها ممَّا لا تجوز إثارته أمام محكمة النقض .
۱۱ - لمَّا كان البيّن من الحكم المطعون فيه أنَّه لم يعول في إدانة الطاعن على أقوال المجني عليها / .... ولم يتخذ من أقوالها ثمة دليل قِبله ، ومن ثم فلا محل لما ينعاه على الحكم بقالة مخالفته للثابت في الأوراق بشأن أقوال المجني عليها سالفة الذكر ، ويكون منعاه في هذا الشأن على غير محل .
۱۲ - من المُقرَّر أنَّ للمحكمة أن تعوّل في تكوين عقيدتها على ما جاء بتحريات الشرطة باعتبارها قرينة معززة لما ساقته من أدلة أساسية ، وتقدير جدية التحريات موكول لسلطة التحقيق تحت إشراف محكمة الموضوع ، وكانت المحكمة قد أبدت اطمئنانها إلى تحريات الشرطة بجانب ما ساقته من أدلة أساسية في الدعوى ، فإنَّ ما يثيره الطاعن في هذا الصدد ينحل إلى جدل موضوعي في سلطة محكمة الموضوع في تقدير أدلة الدعوى ولا تجوز مصادرتها فيه أمام محكمة النقض ، وكان تناقض التحريات – بفرض حصوله – لا يعيب الحكم ما دام قد استخلص الإدانة منها استخلاصًا سائغًا لا تناقض فيه ، ولا محل للاستناد إلى عدم إفصاح الضابط عن مصدر تحرياته في القول بعدم جدية التحريات ، ومن ثم فإنَّ منعى الطاعن في هذا الصدد يكون غير سديد .
۱۳ - من المُقرَّر قانونًا أن التشريع الجديد يسري على الجريمة المستمرة حتى لو كانت أحكامه أشد ممَّا سبقه ، لاستمرار ارتكاب الجريمة في ظل الأحكام الجديدة ، وكان الفيصل في التمييز بين الجريمة الوقتية والجريمة المستمرة هو طبيعة الفعل المادي المكون للجريمة كما عرفه القانون سواء أكان هذا الفعل إيجابًا أو سلبًا ارتكابًا أو تركًا ، فإذا كانت الجريمة تتم وتنتهي بمجرد إتيان الفعل كانت وقتية ، أما إذا استمرت الحالة الجنائية فترة من الزمن فتكون الجريمة مستمرة طوال هذه الفترة ، والعبرة في الاستمرار هنا هي تدخل إرادة الجاني في الفعل المعاقب عليه تدخلًا متتابعًا متجددًا ، ولا عبرة بالزمن الذي يسبق هذا الفعل في التهيؤ لارتكابه والاستعداد لمقارفته أو بالزمن الذي يليه والذي تستمر فيه آثاره الجنائية في أعقابه . لمَّا كان ذلك ، وكان الطاعن قد اقترف جريمة الاتجار بالبشر المنصوص عليها بالمادة ۲ من القانون ٦٤ لسنة ۲۰۱۰ المُعدل بشأن الاتجار بالبشر بتعامله في شخص طبيعي مستغلًا لسلطته عليه وبقصد الاستغلال في أعمال الدعارة والاستغلال الجنسي ، وهي جريمة تقوم على فعل إيجابي يتمثل في إرادة المتهم بالتدخل تدخلًا متتابعًا ومتجددًا ، ومن ثم فإنَّها تكون جريمة مستمرة تخضع ما بقي استمرارها لأحكام القانون اللاحق ولو كانت أحكامه أشد . لمَّا كان ذلك ، وكان الدفع بعدم سريان القانون رقم ٦٤ لسنة ۲۰۱۰ بشأن الاتجار بالبشر على الواقعة فهو دفع – في صورة هذه الدعوى – ظاهر البطلان لا على محكمة الموضوع إن هي التفتت عن الرد عليه ، ويكون ما يثيره الطاعن في هذا الخصوص غير مقبول .
۱٤ - لمَّا كان الحكم المطعون فيه لم يدن الطاعن عن الأفعال الإجرامية في غضون عام ۲۰۰٥ ، فإنَّ ما ينعاه في هذا الشأن يكون ولا محل له .
۱٥ - لمَّا كان الحكم المطعون فيه قد عرض للدفع بانقضاء الدعوى الجنائية بمضي المدة واطرحه برد سائغ ، فإنَّه يكون قد صادف صحيح القانون ويضحى ما يثيره الطاعن في هذا الخصوص غير سديد .
۱٦ - لمَّا كان النعي بأن الواقعة مجرد جنحة فرض إتاوة وليست جناية اتجار بالبشر لا يعدو أن يكون منازعة في الصورة التي اعتنقتها المحكمة للواقعة وجدلًا في سلطة محكمة الموضوع في استخلاص صورة الواقعة كما ارتسمت في وجدانها ممَّا تستقل بالفصل فيه بغير معقب ، كما أنَّ المحكمة غير ملزمة بمتابعة المتهم في مناحي دفاعه الموضوعي والرد على كل شبهة يثيرها على استقلال ، إذ في قضائها بالإدانة استنادًا إلى أدلة الثبوت التي أوردتها ما يفيد ضمنًا أنَّها اطرحتها ولم تعوّل عليها ، ويكون نعي الطاعن في هذا الشأن غير سديد .
۱۷ - من المُقرَّر أنَّ توافر السلطة الفعلية للجاني على المجني عليها أو عدم توافرها مسألة موضوعية تفصل فيها محكمة الموضوع فصلًا نهائيًّا وليس لمحكمة النقض بعد ذلك حق مراقبتها في هذا الشأن طالما أنَّ الأدلة والاعتبارات التي ذكرتها من شأنها أن تؤدي إلى ما انتهى إليه الحكم ، وإذ كانت الأدلة التي ساقها الحكم للتدليل على أن المتهم له سلطة على المجني عليهما من شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه عليها ، فإنَّ ما أثبته من توافر الظروف المشددة المنصوص عليها في المادة ٦ من القانون ٦٤ لسنة ۲۰۱۰ بشأن مكافحة الاتجار بالبشر يكون صحيحًا ، ومن ثم فإنَّ النعي على الحكم بقالة القصور في التسبيب يكون غير سديد ولا يعدو ما يثيره الطاعن في شأن عدم توافر الظرف المشدد أن يكون جدلًا موضوعيًّا على وجه معين تأديًا إلى مناقضة الصورة التي ارتسمت في وجدان قاضي الموضوع بالتدليل الصحيح ممَّا لا تجوز إثارته أمام محكمة النقض ، هذا فضلًا عن أن الحكم المطعون فيه قد أثبت على الطاعن مقارفته جريمة الاتجار بالبشر المؤثمة بالمادة السادسة من القانون رقم ٦٤ لسنة ۲۰۱۰ بشأن مكافحة الاتجار بالبشر وأوقع عليه عقوبة تدخل في نطاق العقوبة المُبيَّنة بالمادة الخامسة المُقرَّرة للجريمة المتقدمة مجردة من أي ظرف مشدد من كون الجاني من المتولين تربية المجني عليهما أو له سلطة عليهما ، فإنَّ قصور الحكم في استظهار سلطة الطاعن عليهما وقت الجريمة يكون غير ذي أثر ولا يعتد به .
۱۸ - لمَّا كانت العقوبة – المقيدة للحرية – المُقرَّرة للجريمة التي انتهى الحكم إلى إدانة الطاعن بها هي السجن المؤبد وذلك إعمالًا لنص المادة ٦ من قانون رقم ٦٤ لسنة ٢٠١٠ بشأن مكافحة الاتجار بالبشر ، وكانت المادة ١٧ من قانون العقوبات التي أعملها الحكم المطعون فيه في حق الطاعن تتيح تبديل العقوبة المذكورة إلى عقوبة السجن المشدد أو السجن ، وكان الحكم المطعون فيه قد قضى بمعاقبة الطاعن بالسجن المشدد لمدة خمس عشرة سنة ، فإنَّه يكون قد أصاب صحيح القانون .
۱۹ - لمَّا كان الحكم المطعون فيه قد اعتبر الجرائم التي قارفها الطاعن والمستوجبة لعقابه قد ارتكبت لغرض واحد وأعمل في حقه حكم المادة ۳۲ من قانون العقوبات فقضى عليه بعقوبة واحدة هي المُقرَّرة لأشد تلك الجرائم ، فإنَّه يكون قد طبق القانون على وجهه الصحيح ولا ينال من سلامته إغفال تعيين الجريمة الأشد ، ويكون منعى الطاعن في هذا الشأن غير سديد .
۲۰ - من المُقرَّر أنَّ الأدلة في المواد الجنائية إقناعية ، ولمحكمة الموضوع أن تلتفت عن دليل النفي ولو حملته أوراق رسمية ما دام يصح في العقل أن يكون غير ملتئم مع الحقيقة التي اطمأنت إليها المحكمة من باقي الأدلة القائمة في الدعوى ، ومن ثم فإنَّ ما ينعاه الطاعن في هذا الصدد يكون غير سديد .
۲۱ - من المُقرَّر أنَّه يجب لقبول وجه الطعن أن يكون واضحًا محددًا ، وكان الطاعن لم يفصح في أسباب طعنه عن وجه مخالفة الحكم لنص المادة ۳۰۸ من قانون الإجراءات الجنائية ، فإنَّ هذا الوجه من الطعن لا يكون مقبولًا .
۲۲ - لمَّا كان ما يثيره الطاعن في شأن خلو الأوراق من دليل يقيني على اقترافه الجريمة على النحو الذي ذهب إليه في طعنه لا يعدو أن يكون من أوجه الدفاع الموضوعية التي لا تلتزم المحكمة بمتابعته في مناحيها المختلفة ، إذ الرد عليها يستفاد دلالة من أدلة الثبوت السائغة التي أوردها الحكم ، فإنَّ ما يثيره في شأن ما تقدم لا يعدو أن يكون جدلًا موضوعيًّا في تقدير الأدلة التي استنبطت منها المحكمة معتقدها ممَّا لا تجوز إثارته أمام محكمة النقض .
۲۳ - لمَّا كان الحكم المطعون فيه أغفل القضاء على الطاعن بوضعه تحت مراقبة الشرطة مدة مساوية لمدة العقوبة عملًا بنص المادة ۱٥ من القانون رقم ۱۰ لسنة ۱۹٦۱ ممَّا كان يتعين تصحيحه ، إلَّا أنَّه لمَّا كان المحكوم عليه هو الطاعن وحده دون النيابة العامة ، فإنَّ محكمة النقض لا تملك تصحيح هذا الخطأ بوضع الطاعن تحت مراقبة الشرطة لمدة مساوية لمدة العقوبة المقضي بها لما في ذلك من إضرار بالطاعن ، لما هو مُقرَّر من أنَّه لا يجوز أن يضار الطاعن بطعنه .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الوقائع
اتهمت النيابة العامة كلًّا من : ۱ - .... " طاعن " ، ۲ - .... ، ۳ - .... ، ٤ - .... بأنَّهم :
- ارتكبوا وأخرى متوفاة جريمة الاتجار بالبشر بأن تعاملوا في أشخاص طبيعيين وهما الطفلتين المجني عليهما / .... ، .... بأن استغلوا صغر سنهما وقلة حيلتهما وحالة ضعفهما وحاجتهما المالية والمادية بقصد استغلالهما جنسيًا حال كون المجني عليهما طفلتين لم تتجاوز أيٌ منهما الثامنة عشر عامًا ميلاديًا ، وقد ارتكبت تلك الجريمة بواسطة جماعة إجرامية منظمة تضم المتهمين وتدار بمعرفة المتهمين من الأول حتى الثالث حال كون المتهمة المتوفاة والدتهما وحال كون المتهمة الرابعة من أصول المجني عليهما وحال كون باقي المتهمين الأول والثاني ممن لهم سلطان على المجني عليهما لما بينهم من صلة نسب مع والدتهما المتوفاة على النحو المُبيَّن بالتحقيقات .
- استغلوا وأخرى متوفاة الطفلتين المجني عليهما / .... ، .... جنسيًا وذلك على النحو المُبيَّن بالتحقيقات .
- عرضوا وأخرى متوفاة أمن وأخلاق وحياة الطفلتين المجني عليهما / .... ، .... للخطر بأن عرضوهما للاستغلال الجنسي وذلك على النحو المُبيَّن بالتحقيقات .
- حرضوا وأخرى متوفاة الطفلتين المجني عليهما / .... ، .... اللتان لم تبلغ أيًّا منهما السادسة عشر عامًا ميلاديًا بتاريخ ارتكاب الواقعة على ارتكاب الدعارة وسهلوا لهما ذلك بأن استقطبوا لهما رجالًا بغير تمييز ليقوموا بمعاشرتهما جنسيًا – من قبل ومن دبر – وكان ذلك بمقابل مادي ونقدي ، حال كون المتهمة المتوفاة والدتهما وحال كون المتهمة الرابعة من أصول المجني عليهما وحال كون باقي المتهمين الأول والثاني ممن لهم سلطان على المجني عليهما لما بينهم من صلة نسب مع والدتهما المتوفاة على النحو المُبيَّن بالتحقيقات .
- عاونوا وأخرى متوفاة الطفلتين المجني عليهما / .... ، .... اللتين لم تبلغ أيٌ منهما السادسة عشر عامًا ميلاديًا بتاريخ ارتكاب الواقعة على ارتكاب الدعارة وسهلوا لهما ذلك بأن استقطبوا لهما رجالًا بغير تمييز ليقوموا بمعاشرتهما جنسيًا – من قبل ومن دبر – وكان ذلك بمقابل مادي ونقدي ، حال كون المتهمة المتوفاة والدتهما وحال كون المتهمة الرابعة من أصول المجني عليهما وحال كون باقي المتهمين الأول والثاني ممن لهم سلطان على المجني عليهما لما بينهم من صلة نسب مع والدتهما المتوفاة على النحو المُبيَّن بالتحقيقات .
- أداروا منزلًا لسكنى المدعو /.... – شقيق المتهمين الأول والثاني – وخصصوه لممارسة الدعارة مع المتهمة الرابعة وشقيقتها المتهمة المتوفاة والطفلتين المجني عليهما / .... ،.... وكان ذلك بمقابل نقدي يتحصل عليه المتهمون على النحو المُبيَّن بالتحقيقات .
- أجرّوا منزلين لسكنى المدعو / .... – شقيق المتهمين الأول والثاني – والمسكن السابق للمدعو / .... – والد المتهمة الرابعة والمتوفاة – وخصصوه كمحل لممارسة الدعارة يستقدم فيه الرجال نساء آخرين لمعاشرتهم وكان ذلك بمقابل نقدي يتحصل عليه المتهمون على النحو المُبيَّن بالتحقيقات .
المتهمون من الأول حتى الثالث :
- عاونوا أنثى على ارتكاب الدعارة وهما المتهمة المتوفاة / .... والمتهمة الرابعة / .... وسهلوا لهما ذلك بأن استقطبوا لهما رجالًا بغير تمييز ليقوموا بمعاشرتهما جنسيًا ، وكان ذلك بمقابل مادي ونقدي تحصَّل عليه المتهمون من الرجال والنسوة على حد سواء على النحو المُبيَّن بالتحقيقات .
المتهمة الرابعة :
- مارست وأخرى متوفاة الدعارة مع رجال بغير تمييز بأن سمحت لهم بمعاشرتها جنسيًا دون سند شرعي أو قانوني نظير تحصّلها على مبالغ مالية ونقدية منهم على النحو المُبيَّن بالتحقيقات .
وأحالتهم إلى محكمة جنايات .... لمعاقبتهم طبقًا للقيد والوصف الواردين بأمر الإحالة .
ومحكمة الجنايات قضت حضوريًّا للأول وغيابيًّا للباقين عملًا بالمواد ۱/ فقرة أولى بندي ۳ / ۱ ، ۲ ، ۳ ، ٤ ، ۱/٦ بنود ۷ / ٦ / ۳ / ۱ ، ۲۱ من القانون ٦٤ لسنة ۲۰۱۰ بشأن مكافحة الاتجار بالبشر وبالمواد ۱ ، ٤ ، ۱/٦ بند أ – ۲ ، ۳ / ۱/۸ ، ۱/۹ بنود ( أ ، ب ، ج ) – ۳ ، ۱۰ ، ۱٥ ، ۱٦ من القانون ۱۰ لسنة ۱۹٦۱ بشأن مكافحة الدعارة وبالمادة ۲ / ۱/۲۹۱ من قانون العقوبات ، والمواد ۲ ، ۱/۹٦ بندي ٦ / ۲ / ۱ ، ۱۱٦ مكررًا من قانون الطفل رقم ۱۲ لسنة ۱۹۹٦ المعدل بالقانون رقم ۱۲٦ لسنة ۲۰۰۸ مع إعمال المادتين ۱۷ ، ۲/۳۲ من قانون العقوبات بحسبان الأولى منهما بشأن المتهم الأول فحسب ، أولًا : بمعاقبة الأول بالسجن المشدد خمس عشرة سنة وتغريمه مبلغ مائتي ألف جنيه ، ثانيًا : بمعاقبة كل من الثاني والثالث والرابعة بالسجن المؤبد وتغريم كل منهم خمسمائة ألف جنيه وألزمتهم المصروفات الجنائية .
فطعن المحكوم عليه الأول في هذا الحكم بطريق النقض .... إلخ .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المحكمة
حيث إنَّ الطاعن ينعى على الحكم المطعون فيه أنَّه إذ دانه والمحكوم عليهم غيابيًّا الآخرين بجرائم الاتجار بالبشر حال كونهم جماعة إجرامية منظمة ، والتعامل في شخص طبيعي " طفلتين " لم يتجاوز سنهما الثامنة عشر عامًا بقصد استغلالهما جنسيًا للحصول على منفعة مادية حال كونه من المتولين تربيتهما وملاحظتهما وتعريض حياتهما للخطر والتحريض على ممارسة الدعارة وتسهيلها ، وإدارة وتأجير مسكن لممارستها ومعاونة أنثى على ذلك قد شابه القصور في التسبيب ، والفساد في الاستدلال ، ومخالفة الثابت بالأوراق ، والخطأ في تطبيق القانون ، والإخلال بحق الدفاع ، ذلك بأنَّه لم يبيَّن واقعة الدعوى بيانًا واضحًا تتحقق به أركان الجرائم التي دانه بها والظروف التي وقعت فيها ولم يورد مؤدى كل دليل من أدلة الثبوت بطريقة وافية ، ولم يبين دوره في ارتكابها ، واكتفى في بيانه لواقعة الدعوى بما جاء عنها بوصف الاتهام ، لم يدلّل على توافر أركان جريمة الاتجار بالبشر بركنيها المادي والمعنوي وباقي الجرائم التي دانه بها ، معتذرًا بالجهل بالقانون مُستدلًا على ذلك بعدم إجادته للقراءة والكتابة ، ولم يورد مضمون الاعتراف الصادر من المحكوم عليه غيابيًّا / .... ومضمون أقوال شاهد الإثبات الثاني بصورة وافية ، وأحال في بيان أقوال شاهد الإثبات الثاني إلى أقوال شاهد الإثبات الأول رغم تناقضهما ، وعوَّل في إدانته – من بين ما عوَّل عليه – على أقوال المجني عليهما في التحقيقات رغم تناقضها وأنهما لم تحلفا اليمين القانونية قبل الإدلاء بها ، فضلًا عن خلو الأوراق من شاهد رؤية ومن بلاغ من أهلية المجني عليهما ، وحصَّل الحكم أقوال المجني عليها / .... بالمخالفة للثابت بالأوراق ، واستند في الإدانة إلى تحريات الشرطة واتخذ منها دليلًا في الإدانة رغم تناقضها وعدم جديتها وجهالة مصدرها لشواهد عددها ، وقام دفاعه على عدم سريان أحكام القانون ٦٤ لسنة ۲۰۱۰ على الدعوى لكون وقائعها ارتكبت في غضون عام ۲۰۰٥ قبل صدور القانون سالف الذكر ، بيد أنَّ المحكمة التفتت عن دفاعه في هذا الشأن ، واطرحت بما لا يسوغ الدفع بانقضاء الجرائم المنصوص عليها بالقانون رقم ۱۰ لسنة ۱۹٦۱ بشأن أعمال الدعارة التي دين الطاعن بها بمضي المدة ، وأن الواقعة في حقيقتها لا تعدو أن تكون جنحة فرض الإتاوة لشواهد عددها بأسباب طعنه ، وانتهى الحكم إلى توافر الظرف المشدد لجريمة الاتجار بالبشر رغم خلو الأوراق من دليل على كون الطاعن من المتولين ملاحظة المجني عليهما ، وأفصح عن إعمال المادة ١٧ من قانون العقوبات دون إعمال أثرها ، كما أعمل حكم المادة ۳۲ من ذات القانون الأخير وأغفل تعيين الجريمة الأشد ، والتفت عن المستندات المقدمة منه للتدليل على وجود خلافات سابقة بين الطاعن وشقيقه وعلى انتفاء صلتة بوالدة المجني عليهما ، وخالف نص المادة ۳۰۸ من قانون الإجراءات الجنائية ، ودانه رغم خلو الأوراق من دليل يقيني على اقترافه الواقعة لشواهد عددها بأسباب طعنه ، كل ذلك ممَّا يعيب الحكم ويستوجب نقضه .
ومن حيث إنَّ الحكم المطعون فيه بيَّن واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية للجرائم التي دان الطاعن بها ، وأورد على ثبوتها في حقه أدلة سائغة من شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه الحكم عليها ، وجاء استعراض المحكمة لأدلة الدعوى على نحو يدل على أنَّها محصتها التمحيص الكافي وألمت بها إلمامًا شاملًا يفيد أنَّها قامت بما ينبغي عليها من تدقيق البحث لتعرف الحقيقة ، وكان من المُقرَّر أنَّ القانون لم يرسم شكلًا أو نمطًا يصوغ فيه الحكم بيان الواقعة المستوجبة للعقوبة والظروف التي وقعت فيها ، ومتى كان مجموع ما أورده الحكم كافيًا في تفهم الواقعة بأركانها وظروفها حسبما استخلصها المحكمة – كما هو الحال في الدعوى الماثلة – فإنَّ ذلك يكون محققًا لحكم القانون ، وكان تحصيل المحكمة للواقعة في حدود الدعوى المطروحة قد جاء وافيًا في شأن بيان الأفعال المادية التي أتاها الطاعن بما يفصح عن الدور الذي قام به في الجرائم التي دانه الحكم بها ، ومن ثم فإنَّ تعييب الحكم في خصوص عدم بيان دور الطاعن في ارتكاب تلك الجرائم يكون ولا محل له . لمَّا كان ذلك ، وكانت صيغة الاتهام المُبيَّنة في الحكم تعتبر جزءًا منه فيكفي في بيان الواقعة الإحالة عليها ، ومن ثم فإنَّ النعي على الحكم بالقصور لاكتفائه بترديد صيغة الاتهام بيانًا للواقعة يكون ولا محل له . لمَّا كان ذلك ، وكان المُستفاد من نص المادة الثانية من القانون رقم ٦٤ لسنة ٢٠١٠ بشأن مكافحة الاتجار بالبشر أن الركن المادي لهذه الجريمة يتحقق بارتكاب الجاني فعل مادي قوامه التعامل في الشخص الطبيعي بأي صورة من الصور ومنها البيع أو العرض للبيع أو الشراء أو الوعد بهما أو الاستخدام أو النقل أو التسليم أو الإيواء أو الاستقبال أو التسلم سواء في داخل البلاد أو عبر حدودها الوطنية ، على أن يكون ذلك التعامل بوسيلة من الوسائل التي نصت عليها المادة سالفة الإشارة على سبيل الحصر وهي استعمال القوة أو العنف أو التهديد بهما ، أو بواسطة الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع ، أو استغلال السلطة ، أو استغلال حالة الضعف أو الحاجة ، أو الوعد بإعطاء أو تلقي مبالغ مالية أو مزايا مقابل الحصول على موافقة شخص على الاتجار بشخص آخر له سيطرة عليه ، وتوافر إحدى هذه الوسائل شرط لقيام الجريمة إلَّا في حالة أن يكون المجني عليه طفلًا أو عديم الأهلية – كما هو الحال في الدعوى الراهنة – فلا يلزم توافرها ، كما أن تلك الجريمة عمدية يقوم ركنها المعنوي على قصد عام وآخر خاص ، ويتوافر القصد العام بعلم الجاني بعناصر الجريمة واتجاه إرادته إلى السلوك المكون لها في أي صورة من صور التعامل في الشخص الطبيعي ، أما عن القصد الخاص – وعلى ما أفصحت عنه عبارات نص القانون المار بيانه – فهو يتمثل في الغرض من ارتكاب الجريمة ، إذ يجب لتحقق ذلك القصد أن تتجه إرادة الجاني إلى تحقيق غاية معينة من التعامل في الشخص الطبيعي ، وتتبلور تلك الغاية في الاستغلال أيًّا كانت صوره ، أو السخرة أو الخدمة قسرًا أو الاسترقاق أو التسول أو استئصال الأعضاء أو الأنسجة البشرية ، ولمحكمة الموضوع أن تستخلص ذلك القصد الجنائي الخاص بطريق مباشر أو غير مباشر من الأفعال التي يأتيها الجاني ومن الظروف المحيطة بارتكابه الجريمة والتي تنم عن توافره ، وهو أمر موضوعي تستقل به محكمة الموضوع ، ومتى قالت بوجوده فلا رقابة عليها من محكمة النقض إلَّا إذا كانت تلك الظروف والقرائن لا تصلح عقلًا لهذا الاستنتاج ، ولا يشترط لقيام تلك الجريمة تحقق الفعل المقصود من السلوك المكون لها ، بل يكفي مجرد انصراف القصد – بشقيه العام والخاص – إلى تحقيق هذا الفعل ، كما أن البيّن من استقراء نص المادة الثالثة من القانون آنف الإشارة إليه والمادة الثالثة من قرار رئيس مجلس الوزراء رقم ٣٠٢٨ لسنة ٢٠١٠ بإصدار اللائحة التنفيذية أنَّه لا يعتد برضاء المجني عليه بالاستغلال الواقع عليه بأي من صوره وفي جميع الأحوال ، فرضاء المجني عليه بالاستغلال لا يعتبر سببًا مبيحًا للجريمة ولا يعفي من العقاب . وإذ كان ذلك ، وكان الحكم المطعون فيه قد أثبت قيام الطاعن باستغلال الطفلتين جنسيًا في أعمال ممارسة الدعارة دون تمييز مقابل حصوله على مقابل مادي شهري من المتهمة الرابعة مقابل استقدام الرجال لهن بالمنزل لمعاشرة الطفلتين ، وكان ما أورده الحكم كافيًا لإثبات توافر هذه الجريمة بحق الطاعن بركنيها المادي والمعنوي بعنصريه العام والخاص ، ومن ثم فإنَّ النعي على الحكم بالقصور في هذا الشأن يكون غير قويم . لمَّا كان ذلك ، وكان الحكم المطعون فيه قد دان الطاعن بالجرائم المسندة إليه وأوقع عليه العقوبة المُقرَّرة في القانون لجريمة الاتجار بالبشر باعتبارها عقوبة الجريمة الأشد عملًا بنص المادة ٣٢ الفقرة الثانية من قانون العقوبات ، فإنَّه لا يجدي الطاعن ما يثيره في صدد قصور الحكم في بيان أركان باقي الجرائم المسندة إليه ، وفي التدليل على توافرها في حقه ، ومن ثم فإنَّ النعي على الحكم في هذا الشأن يكون غير مقبول . لمَّا كان ذلك ، وكان من المُقرَّر أنَّ الجهل بالقانون أو الغلط في فهم نصوصه لا ينفي القصد الجنائي ، باعتبار أنَّ العلم بالقانون العقابي وفهمه على وجهه الصحيح أمر مفترض في الناس كافة ، وإن كان هذا الافتراض يخالف الواقع في كثير من الأحيان ، إلَّا أنَّه افتراض تمليه الدواعي العملية لحماية مصلحة المجموع ، وقد جرى قضاء هذه المحكمة على أن العلم بالقانون الجنائي والقوانين العقابية المكملة له مفترض في حق الكافة ، ومن ثم فلا يقبل الدفع بالجهل أو الغلط فيه كذريعة لنفي القصد الجنائي ، ويضحى منعى الطاعن في هذا الصدد غير مقبول . لمَّا كان ذلك ، وكان ما يثيره الطاعن في شأن عدم إجادته للقراءة والكتابة لا أثر له على مسئوليته الجنائية ، وينحل ما يثيره في هذا الشأن إلى جدل موضوعي في تقدير أدلة الدعوى ممَّا لا تجوز إثارته لدى محكمة النقض . لمَّا كان ذلك ، وكان الحكم قد أورد مؤدى أقوال شاهد الإثبات الثاني ومضمون اعتراف المتهم السابق الحكم عليه – على خلاف ما يزعم الطاعن بوجه طعنه – في بيان واف يحقق مراد الشارع الذي استوجبه في المادة ۳۱۰ من قانون الإجراءات الجنائية من دعوى بيان مؤدى الأدلة التي يستند إليها الحكم الصادر بالإدانة ، فإنَّ منعاه على الحكم بالقصور في هذا الشأن يكون على غير أساس . لمَّا كان ذلك ، وكان من المُقرَّر أنَّه لا يعيب الحكم أن يحيل في بيان شهادة الشهود إلى ما أورده من أقوال شاهد آخر ما دامت أقوالهم مُتفقة مع ما استند إليه الحكم منها ، ولا يُؤثر في هذا النظر اختلاف الشهود في بعض التفصيلات التي لم يُوردها الحكم ، ذلك أن لمحكمة الموضوع في سبيل تكوين عقيدتها أن تعتمد على ما تطمئن إليه من أقوال الشاهد وتطرح ما عداها وفي عدم إيراد المحكمة لهذه التفصيلات ما يفيد اطراحها لها ، ومن ثم فإنَّ منعى الطاعن في هذا الصدد يكون غير سديد . لمَّا كان ذلك ، وكان من المُقرَّر أنَّ وزن أقوال الشهود وتقدير الظروف التي يؤدون فيها شهادتهم وتعويل القضاء على أقوالهم مهما وجه إليها من مطاعن وحام حولها من الشبهات مرجعه إلى محكمة الموضوع تنزله المنزلة التي تراها وتقدره التقدير الذي تطمئن إليه ، فهي متى أخذت بشهادتهم فإنَّ ذلك يفيد أنَّها اطرحت جميع الاعتبارات التي ساقها الدفاع لحملها على عدم الأخذ بها ، وكان تناقض الشاهد وتضاربه في أقواله أو تناقض أقوال الشهود في بعض تفاصيلها لا يعيب الحكم أو يقدح في سلامته ما دام استخلص الحقيقة من أقوالهم استخلاصًا سائغًا لا تناقض فيه – كما هو الحال في الدعوى المطروحة – وكان من المُقرَّر أيضًا أن العبرة في الإثبات في المواد الجنائية هي باقتناع القاضي واطمئنانه إلى الأدلة المطروحة عليه ، وقد جعل القانون من سلطته أن يأخذ بأي دليل أو قرينة يرتاح إليها ما دام له مأخذه الصحيح من الأوراق ، وأنه وإن كانت الشهادة لا تتكامل عناصرها قانونًا إلَّا بحلف الشاهد اليمين ، إلَّا أنَّ ذلك لا ينفي عن الأقوال التي يدلي بها الشاهد بغير حلف أنَّها شهادة ، ومن حق محكمة الموضوع أن تعتمد في قضائها على أقوال هذا الشاهد ، إذ مرجع الأمر كله إلى ما تطمئن إليه من عناصر الاستدلال ، ومن ثم فإنَّ منعى الطاعن على الحكم المطعون فيه تعويله على أقوال المجني عليهما رغم أنهما لم تحلفا اليمين – بفرض صحته – وخلو الأوراق من شاهد رؤية ومنازعته في القوة التدليلية لشهادة المجني عليهما على النحو الذي ذهب إليه في طعنه لا يعدو أن يكون جدلًا موضوعيًّا في تقدير الدليل ممَّا لا يقبل التصدي له أمام محكمة النقض . لمَّا كان ذلك ، وكان ما يثيره الطاعن بشأن عدم وجود بلاغ من أهلية المجني عليهما مردودًا بما هو مقرر من أنَّه لا عبرة بما اشتمل عليه بلاغ الواقعة ، وإنَّما العبرة بما اطمأنت إليه المحكمة ممَّا استخلصته من التحقيقات ، فإنَّ النعي على الحكم في هذا الخصوص ينحل إلى جدل موضوعي في تقدير المحكمة لأدلة الدعوى ومصادرتها في عقيدتها ممَّا لا تجوز إثارته أمام محكمة النقض . لمَّا كان ذلك ، وكان البيّن من الحكم المطعون فيه أنَّه لم يعول في إدانة الطاعن على أقوال المجني عليها / .... ، ولم يتخذ من أقوالها ثمة دليل قِبله ، ومن ثم فلا محل لما ينعاه على الحكم بقالة مخالفته للثابت في الأوراق بشأن أقوال المجني عليها سالفة الذكر ، ويكون منعاه في هذا الشأن على غير محل . لمَّا كان ذلك ، وكان من المُقرَّر أنَّ للمحكمة أن تعوّل في تكوين عقيدتها على ما جاء بتحريات الشرطة باعتبارها قرينة معززة لما ساقته من أدلة أساسية ، وتقدير جدية التحريات موكول لسلطة التحقيق تحت إشراف محكمة الموضوع ، وكانت المحكمة قد أبدت اطمئنانها إلى تحريات الشرطة بجانب ما ساقته من أدلة أساسية في الدعوى ، فإنَّ ما يثيره الطاعن في هذا الصدد ينحل إلى جدل موضوعي في سلطة محكمة الموضوع في تقدير أدلة الدعوى ولا تجوز مصادرتها فيه أمام محكمة النقض ، وكان تناقض التحريات – بفرض حصوله – لا يعيب الحكم ما دام قد استخلص الإدانة منها استخلاصًا سائغًا لا تناقض فيه ، ولا محل للاستناد إلى عدم إفصاح الضابط عن مصدر تحرياته في القول بعدم جدية التحريات ، ومن ثم فإنَّ منعى الطاعن في هذا الصدد يكون غير سديد . لمَّا كان ذلك ، وكان من المُقرَّر قانونًا أن التشريع الجديد يسري على الجريمة المستمرة ، حتى لو كانت أحكامه أشد ممَّا سبقه ، لاستمرار ارتكاب الجريمة في ظل الأحكام الجديدة ، وكان الفيصل في التمييز بين الجريمة الوقتية والجريمة المستمرة هو طبيعة الفعل المادي المكون للجريمة كما عرفه القانون سواء أكان هذا الفعل إيجابًا أو سلبًا ارتكابًا أو تركًا ، فإذا كانت الجريمة تتم وتنتهي بمجرد إتيان الفعل كانت وقتية ، أما إذا استمرت الحالة الجنائية فترة من الزمن فتكون الجريمة مستمرة طوال هذه الفترة ، والعبرة في الاستمرار هنا هي تدخل إرادة الجاني في الفعل المعاقب عليه تدخلًا متتابعًا متجددًا ، ولا عبرة بالزمن الذي يسبق هذا الفعل في التهيؤ لارتكابه والاستعداد لمقارفته أو بالزمن الذي يليه والذي تستمر فيه آثاره الجنائية في أعقابه . لمَّا كان ذلك ، وكان الطاعن قد اقترف جريمة الاتجار بالبشر المنصوص عليها بالمادة ۲ من القانون ٦٤ لسنة ۲۰۱۰ المُعدل بشأن الاتجار بالبشر بتعامله في شخص طبيعي مستغلًا لسلطته عليه وبقصد الاستغلال في أعمال الدعارة والاستغلال الجنسي ، وهي جريمة تقوم على فعل إيجابي يتمثل في إرادة المتهم بالتدخل تدخلًا متتابعًا ومتجددًا ، ومن ثم فإنَّها تكون جريمة مستمرة تخضع ما بقي استمرارها لأحكام القانون اللاحق ولو كانت أحكامه أشد . لمَّا كان ذلك ، وكان الدفع بعدم سريان القانون رقم ٦٤ لسنة ۲۰۱۰ بشأن الاتجار بالبشر على الواقعة فهو دفع – في صورة هذه الدعوى – ظاهر البطلان لا على محكمة الموضوع إن هي التفتت عن الرد عليه ويكون ما يثيره الطاعن في هذا الخصوص غير مقبول . لمَّا كان ذلك ، وكان الحكم المطعون فيه لم يدن الطاعن عن الأفعال الإجرامية في غضون عام ۲۰۰٥ ، فإنَّ ما ينعاه في هذا الشأن يكون ولا محل له . لمَّا كان ذلك ، وكان الحكم المطعون فيه قد عرض للدفع بانقضاء الدعوى الجنائية بمضي المدة واطرحه برد سائغ ، فإنَّه يكون قد صادف صحيح القانون ويضحى ما يثيره الطاعن في هذا الخصوص غير سديد . لمَّا كان ذلك ، وكان النعي بأن الواقعة مجرد جنحة فرض إتاوة وليست جناية اتجار بالبشر لا يعدو أن يكون منازعة في الصورة التي اعتنقتها المحكمة للواقعة وجدلًا في سلطة محكمة الموضوع في استخلاص صورة الواقعة كما ارتسمت في وجدانها ممَّا تستقل بالفصل فيه بغير معقب ، كما أنَّ المحكمة غير ملزمة بمتابعة المتهم في مناحي دفاعه الموضوعي والرد على كل شبهة يثيرها على استقلال ، إذ في قضائها بالإدانة استنادًا إلى أدلة الثبوت التي أوردتها ما يفيد ضمنًا أنَّها اطرحتها ولم تعوّل عليها ويكون نعي الطاعن في هذا الشأن غير سديد . لمَّا كان ذلك ، وكان من المُقرَّر أنَّ توافر السلطة الفعلية للجاني على المجني عليها أو عدم توافرها مسألة موضوعية تفصل فيها محكمة الموضوع فصلًا نهائيًّا وليس لمحكمة النقض بعد ذلك حق مراقبتها في هذا الشأن طالما أنَّ الأدلة والاعتبارات التي ذكرتها من شأنها أن تؤدي إلى ما انتهى إليه الحكم ، وإذ كانت الأدلة التي ساقها الحكم للتدليل على أن المتهم له سلطة على المجني عليهما من شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه عليها ، فإنَّ ما أثبته من توافر الظروف المشددة المنصوص عليها في المادة ٦ من القانون ٦٤ لسنة ۲۰۱۰ بشأن مكافحة الاتجار بالبشر يكون صحيحًا ، ومن ثم فإنَّ النعي على الحكم بقالة القصور في التسبيب يكون غير سديد ولا يعدو ما يثيره الطاعن في شأن عدم توافر الظرف المشدد أن يكون جدلًا موضوعيًّا على وجه معين تأديًّا إلى مناقضة الصورة التي ارتسمت في وجدان قاضي الموضوع بالتدليل الصحيح ممَّا لا تجوز إثارته أمام محكمة النقض ، هذا فضلًا عن أن الحكم المطعون فيه قد أثبت على الطاعن مقارفته جريمة الاتجار بالبشر المؤثمة بالمادة السادسة من القانون رقم ٦٤ لسنة ۲۰۱۰ بشأن مكافحة الاتجار بالبشر وأوقع عليه عقوبة تدخل في نطاق العقوبة المُبيَّنة بالمادة الخامسة المُقرَّرة للجريمة المتقدمة مجردة من أي ظرف مشدد من كون الجاني من المتولين تربية المجني عليهما أو له سلطة عليهما ، فإنَّ قصور الحكم في استظهار سلطة الطاعن عليهما وقت الجريمة يكون غير ذي أثر ولا يعتد به . لمَّا كان ذلك ، وكانت العقوبة – المقيدة للحرية – المُقرَّرة للجريمة التي انتهى الحكم إلى إدانة الطاعن بها هي السجن المؤبد وذلك إعمالًا لنص المادة ٦ من قانون رقم ٦٤ لسنة ٢٠١٠ بشأن مكافحة الاتجار بالبشر ، وكانت المادة ١٧ من قانون العقوبات التي أعملها الحكم المطعون فيه في حق الطاعن تتيح تبديل العقوبة المذكورة إلى عقوبة السجن المشدد أو السجن ، وكان الحكم المطعون فيه قد قضى بمعاقبة الطاعن بالسجن المشدد لمدة خمس عشرة سنة ، فإنَّه يكون قد أصاب صحيح القانون . لمَّا كان ذلك ، وكان الحكم المطعون فيه قد اعتبر الجرائم التي قارفها الطاعن والمستوجبة لعقابه قد ارتكبت لغرض واحد وأعمل في حقه حكم المادة ۳۲ من قانون العقوبات فقضى عليه بعقوبة واحدة هي المُقرَّرة لأشد تلك الجرائم ، فإنَّه يكون قد طبق القانون على وجهه الصحيح ولا ينال من سلامته إغفال تعيين الجريمة الأشد ، ويكون منعى الطاعن في هذا الشأن غير سديد . لمَّا كان ذلك ، وكانت الأدلة في المواد الجنائية إقناعية ، ولمحكمة الموضوع أن تلتفت عن دليل النفي ولو حملته أوراق رسمية ما دام يصح في العقل أن يكون غير ملتئم مع الحقيقة التي اطمأنت إليها المحكمة من باقي الأدلة القائمة في الدعوى ، ومن ثم فإنَّ ما ينعاه الطاعن في هذا الصدد يكون غير سديد . لمَّا كان ذلك ، وكان من المُقرَّر أنَّه يجب لقبول وجه الطعن أن يكون واضحًا محددًا ، وكان الطاعن لم يفصح في أسباب طعنه عن وجه مخالفة الحكم لنص المادة ۳۰۸ من قانون الإجراءات الجنائية ، فإنَّ هذا الوجه من الطعن لا يكون مقبولًا . لمَّا كان ذلك ، وكان ما يثيره الطاعن في شأن خلو الأوراق من دليل يقيني على اقترافه الجريمة على النحو الذي ذهب إليه في طعنه لا يعدو أن يكون من أوجه الدفاع الموضوعية التي لا تلتزم المحكمة بمتابعته في مناحيها المختلفة ، إذ الرد عليها يستفاد دلالة من أدلة الثبوت السائغة التي أوردها الحكم ، فإنَّ ما يثيره في شأن ما تقدم لا يعدو أن يكون جدلًا موضوعيًّا في تقدير الأدلة التي استنبطت منها المحكمة معتقدها ممَّا لا تجوز إثارته أمام محكمة النقض . لمَّا كان ذلك ، وكان الحكم المطعون فيه أغفل القضاء على الطاعن بوضعه تحت مراقبة الشرطة مدة مساوية لمدة العقوبة عملًا بنص المادة ۱٥ من القانون رقم ۱۰ لسنة ۱۹٦۱ ممَّا كان يتعين تصحيحه ، إلَّا أنَّه لمَّا كان المحكوم عليه هو الطاعن وحده دون النيابة العامة ، فإنَّ محكمة النقض لا تملك تصحيح هذا الخطأ بوضع الطاعن تحت مراقبة الشرطة لمدة مساوية لمدة العقوبة المقضي بها لما في ذلك من إضرار بالطاعن ، لما هو مُقرَّر من أنَّه لا يجوز أن يضار الطاعن بطعنه . لمَّا كان ما تقدم ، فإنَّ الطعن برمته يكون على غير أساس متعينًا رفضه موضوعًا .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ