الصفحات

البحث الذكي داخل المدونة

تحميل وطباعة هذه الصفحة

Print Friendly and PDF

الاثنين، 17 أغسطس 2026

الندوة المصرية الأولى حول القانون الدولي الإنساني / نظرة عامة في القانون الدولي الإنساني الإسلامي الأستاذ الدكتور محمد طلعت الغنيمي

 نظرة عامة في القانون الدولي الإنساني الإسلامي

الأستاذ الدكتور محمد طلعت الغنيمي

استاذ ورئيس قسم القانون الدولي العام كلية الحقوق - جامعة الاسكندرية

القانون الإنساني والقانون الإنسانوي :

حديثي هذا في القانون الدولي الانساني الاسلامي . والحديث في شرع الله يطول ولا يمكن أن تحيط به الأفهام والعقول فهو البحر الزاخر والفيض الهادر . فأنى لفرد أن يسبر أغواره وكيف لمدقق أن يجمع آثاره ، فحسبي من تقصيري صدق المحاولة ويغنيني في عجزي بعدي عن المطاولة ، وكما يقولون فإن ما لا يدرك كله لا يترك كله . فماذا نقصد بالقانون الدولي الإنساني ؟ .

يجرى في لغة الفقه الدولى مصطلحان هما القانون الانساني وحقوق الانسان . وحقوق الإنسان عندى هي ( القانون الإنسانوي » فكما أن القانون الإنساني ينسب الى الانسانية فان القانون الإنسانوي ينسب الى الإنسان . ويختلف الفقهاء حول مدلول الاصطلاحين

فهناك فريق يتوسع في التفسير فيقصد باصطلاح « القانون الإنساني » مجموعة القواعد الدولية التي تتضمن حرية شخص الإنسان ورفاهيته وبذلك يجمع تحت هذا الاصطلاح ( القانون الإنسانوي » ومنهم من يتخذ موقفا مقابلا فيرى أن اصطلاح ( القانون الإنسانوي » هو الأوسع مدلولا بحيث يندرج تحته ( القانون الانساني » كذلك والحق أن هذا الجدل حول مدلول المصطلحات جدل نظري يكفي في حله أن نختار للمصطلح مدلولا نتفق عليه . وانا استملح أن يكون لكل مصطلح معنى منفصل عن الآخر . فالقانون الإنساني عندي - وفي هذا العرض - هو القانون الذي يهتم بحقوق الإنسان وقت الحرب وأثناء النزاع المسلح ، والقانون الإنسانوي هو القانون الذي ينظم حقوق الإنسان زمن السلام .

وقد يحيك في الصدر حائك وأنا أتكلم عن القانون الدولي الانساني الاسلامي ، كيف يتفق أن نميز في القانون الدولي الاسلامي فرعا نصفه بأنه إنساني في حين أن القانون الدولي الإسلامي كله قانون انساني والاسلام من السلام . ولا أنكر أن هذه الحكاكة حاكت بصدري وأنا كذلك ولكني أزحتها لاعتبارات عارضة ، فأنا بصدد دراسة الاصطلاح جرى في لغة العصر على معنى فيه قصر . والحق أنه وان كان السلام روح الاسلام الا ان السلام ليس هو الحقيقة الوحيدة في الاجتماع البشري الذي يعرف كذلك - وبضراوة - التنافس والتناحر، وفي هذا أذكر القول الكريم : ( وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ) . وإذن فدفع الباطل وكشف شر قوم عن غيرهم بما خلقه الله ويقدره من الأسباب هو درء المفسدة ومجلبة للخير . ومن بين صور هذا الدفع يذكر القرآن الكريم القنال . (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) . فإذا كان القنال طيلة من حقائق الحياة وشأنا من فنون الدنيا فها أخرى الإسلام - وهو دين ودولة - بأن ينظم أموره ويرتب أحكامه بل لقد كان الإسلام أول هدى أضاء أمام بشرنة بربرية هوجاء تجعل من الحرب عديلاً للإبادة وبديلاً للتخريب ولا ترعى في العدو إلا ولا ذمة. وجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة .

لقد كانت الحنيفية السمحاء النقلة الكبرى التي خرجت بالناس من ظلمات الأفكار اليونانية والرومانية عن الحرب مع الاعداء الى نور ملأ الأرجاء بقهر للعدو بحقوق ويضمن للمحارب حمايات ، ولم تكن هذه النقلة الكبرى بالقياس إلى وحشية الحروب التي عرفها الاغريقي الروماني ، بل أنها لازالت كبرى بالقياس الى ما نشهده اليوم بعد جهود أربعة قرون سلخها القانون الدولي المعاصر في محاولات لهدهدة أهوال الحرب وتخفيف ويلاتها

كلمة حق :

وضعت الشريعة الإسلامية علامات تهتدي بها الدولة الإسلامية في علاقاتها الدولية ورسمت لها خطوطاً تتحراها في سلوكها مع غيرها من الدول. وقد كثرت الآيات الكريمة في ذلك ولذا فإني أختار منها على سبيل المثال قوله عز من قائل : الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ، صدق الله العظيم

وفي شرح هذه الآية نقرأ في ابن كثير أن رجلين أتيا ابن عمر في فتنة ابن الزبير مقالا : أن الناس صنعوا وأنت ابن عمر وصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فما منعك أن تخرج ؟ . قال منعني أن الله حرم دم أخي فذكرا له الآية ، قال : قاتلناهم حتى أم تكن فتنة وكان الدين الله وأنتم تريدون القتال حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير الله .

فالحرب في الإسلام تستهدف أحد أمرين : حماية ديار المسلمين من أن تغزى وتمكين دينهم من أن يطمس ولذا فإنها تتوخى الفضيلة وتقيم العدالة وتكرم الفرد ، فلا غرو أن يخاطب الشاعر أحمد شوقي حضرة الرسول فيقول :

الحرب في حق لديك شريعة ومن السموم النافعات دواء

وأن يوضح الهدي الإلهي غاية الحرب إذ يقول تعالى : (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ) .

فلسفة القانون الدولى الانساني والمفهوم الإسلامي :

أما والأمر كما قلت فما هو دور القانون الدولي الإنساني ؟ . واضح مما أسلفت أن القانون الدولي الإنساني لا يمكن أن يؤدي دوره الا انا وفق بين المتناقضين : اعتبارات الإنسانية ومتطلبات الضرورة. فالانسانية تشده إلى التوادد والتراحم والضرورة لدفعه الى القوة والتزاحم . وينجح القانون الدولي الإنساني في تحقيق أهدافه وغاياته بقدر ما ينجح في التوفيق بين هذه المتناقضات، ولقد لخص الرسول الكريم هذا الدور للقانون الدولي الإنساني الإسلامي في حديثه الشريف أنا نبي المرحمة وأنا نبي الرحمة ) ، فقرن الملحمة بالمرحمة وقدم المرحمة على الملحمة حتى يقر في قلب المقاتل المسلم بأنه يد العدالة وليس سيف الندالة . وقد كان الرسول الكريم دقيقا في اختيار اللفظ ، فهو عندما اختار المرحمة قصد التعبير عن التعاطف والتراحم في علاقات متبادلة ولذلك فضل المرحمة على الرحمة . أما الملحمة وان كانت تعني القتال الشديد والمعركة العظيمة إلا أن في معناها القتال في الفتنة وليس مجرد القتال فدل بذلك على أن ملحمته ليست ملحمة الغلبة والسلطان وإنما هي ملحمة درء الفتن وتحقيق الأمان وفيها أيضا معنى الإصلاح ، ففي اللغة لحم الأمر إذا أحكمه وأصلحه وتلك هي نهاية القتال في الإسلام وهي أيضا ضابط بضبط سلوك المحارب المسلم. وفي هذه المعاني السامية تلتقي المرحمة مع الملحمة

لقد عارض الإنسان أخاه الإنسان منذ أول لقاءه على البسيطة فما كاد آدم يستقر به المقام عالي الأرض حتى خضب أحد ولديه أديمها ، بدم أخيه وتلك قصة صراع البشرية التي تحكيها القرون وترويها الأحداث التي تقابل بين النوازع البناءة التي تعمر وتوحد والنوازع الهدامة التي تخرب وتقتل ولكنها جميعا لتكامل في ملحمة واحدة هي سياسات القوى في العلاقات الدولية. وفي هذا الصراع يلعب القانون الدولي الإنساني دورا لتغلب نوازع الخير ، ولقد حاول الفقيه السويسري جان بكتيه أن يلخص فلسفة القانون الدولي الإنساني في عبارة جامعة فلم يجد خيرا من مبدأ : أحب لاخيك كما تحب لنفسك . ونحن نعلم أن الحديث الشريف يقول " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ، وهكذا فان الالتزام بفلسفة القانون الدولي الإنساني هو شعبة في الإسلام من شعب الإيمان وهو بعد الاركان الخمسة ركن من الأركان. واذا كانت الفلسفات والأديان الأخرى قد اشتركت مع الإسلام في هذا المبدأ فانها قد قامت به توجيها ونصيحة ، أما الإسلام فقد ارساه التزاماً واقعاً لا شائبة فيه ولا حرجة .

وقد حار الفقيه السويسري في تحديد جوهر القواعد التي تستمدها من تلك الفلسفة بين أنصار القانون الطبيعي الذين يزعمون إن الفطرة هي التي توحي لنا بتلك القواعد وزين انصار القانون الوضعي الذين يقولون أن الممارسة الدولية تكشف عن تلك القواعد وتشيدها لسنة فوق أخرى حتى يكتمل البناء، والفقيه عذره في هذه الحيرة فهو كغيره من فقهاء الغرب عندما يطالعون في تاريخ العلاقات الدولية يبداون بالحضارة الاغريقية والرومانية ثم يروحون في سبات عميق تغلفه ظلمات العصر الوسيط ولا يفيقون إلا على طرقات عصر النهضة ظنا منهم بأنها طرقات يد أوروبية وجهود غربية . وبديهي أن النائم لا يستطيع أن يشهد نور حضارة أهلت على الشرق في هذا العصر الوسيط ولم تغرب شمسها إلا بعد أن أسلمت إلى الغرب تقاليد النهضة ومقومات الصحوة تلك هي حضارة الإسلام التي ابتدعت غير مسبوقة ما يكون القانون الدولي الإنساني من أحكام وانتقل بعضها مع من عاد من محاربي الصليبيين ودرس بعضها في جامعات إيطاليا وأسبانيا حيث نشأ آباء الفقه الدولي المعاصر ، ولا أريد أن أحيد عن موضوع المقال في هذا المجال ولكن الادلة في ذلك دامغة لمن أراد أن يلقى وما كان الفكر الإغريقي والروماني وهو خلو من السمع وهو شهيد أي احترام للعدو أن يكون مصدرا تاريخيا المبادي، لم يعرفها وقواعد لم يطبقها واذا كان القانون الدولي الإنساني المعاصر قد دون في بمعاهدة وثائق لعلها بدأت بفضل جهود السويسري الإنسان دونان . سنة ١٨٦٤ إلا أن هذه المبادىء المكتوبة لا يمكن أن تنفصل عن أصولها العرفية ، وقد سجلت ديباجة الملحقين المكملين لاتفاقيات جنيف تلك الحقيقة بالنص صراحة على أن ما لا تحكمه القواعد المكتوبة إنما تحكمه قواعد العرف الدولي وتحميه مبادىء الإنسانية وما يمليه الضمير العام، ودور الشريعة الإسلامية في إرساء تلك الأعراف مشهود وفضلها غير محدود والتزام موجهات الضمير فيها مبدأ بلا حدود . فالقرآن الكريم يحرم الإثم " ﴿وَذَرْوَ ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ » . والرسول يعرف الإثم بأنه كل ما حاك في صدر الإنسان وخشى أن يطلع عليه الناس ، بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره )

حقيقة إن أحكام القانون الدولي الإنساني هي أحكام الفطرة ولكنها في الإسلام فطرة أوصى بها الله وصاغ مقتضياتها في كتابه الكريم وأحاديث نبيه الحليم فرضاً على الناس وإلزاماً وجبراً عليهم واحتراماً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون )

وإذا كانت الضرورة هي القيد الإنساني الذي يرد على مبدأ حب الخير للغير، فإن شريعة الإسلام قد وقفت من تلك الضرورة موقفاً لم يقفه الغرب ولا أحسب أنه قادر على أن يقفه فهو يستحث المسلم على إيثار الغير على نفسه ولو قامت بالمسلم ضرورة ويجعل ذلك صفة من صفات الإيمان المحببة ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة

وحتى إذا أراد المسلم أن يحتمى بالضرورة فان حقه في ذلك موصوف ومحدود إذ جاء في الوحي القرآني فمن اضطر غير باغ ولاعاد فلا إثم عليه : ومن ثم كان تصرف المسلم في حالة الضرورة ليس مطلق بما يهواه وإنما هو محكوم بألا يكون بغياً ولا عدواناً ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُم . وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ، وفي المعنى ذاته تقول الآية الكريمة ، (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)

مسلمات :

هناك مسلمات أود أن أثبتها قبل أن أخوض في الحديث عن القانون الدولي الإسلامي الإنساني وأوجزها فيما يلي :

1 - أن ما عرض من مبادئ وأفكار اسلامية تحكم علاقة المسلم تماما كما تحكم علاقة المسلم بالمسلم لان الإسلام ينظر إلى الإنسان - بغض النظر عن دينه وعرقه ولونه - على أنه نفحة من روح الله وقبس من نوره وهذا النسب السماوي هو الذي رشحه لأن يكون خليفة في الأرض. وهذا النسب السماوي هو الذي جعل احترام الانسانية في الفرد احتراماً للقدرة الإلهية، فلا عجب أن يقف رسول الله لجنازة مرت به فلما قال له أصحابه أنها چنازة يهودي أجاب في شفافية النبوة  وسماحة الاخوة ( أليست نفساً » ، ومن هنا كان الحكم الإلهي عاماً شاملاً ( مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا»

الأفكار العامة فى القانون الدولى الانساني ( النزاع المسلح ذو الطبيعة الدولية والنزاع المسلح الذي ليست له الطبيعة الدولية ) :

أقف عند هذا الحد من المقدمة لأنتقل الى حديث مباشر ولا أجد خيراً في عرض وجيز من أن أسلك طريق الفقيه السويسري جان بكتيه بأن أعرض للمبادئ العامة في القانون الدولي الانساني الاسلامي على هدى مما هو مستقر الآن من مبادئ دولية إنسانية وضعية . وللمبادئ دور هام فهي التصورات الكلمية التي تجلي القيم العامة وتقدم الحلول لما هو ليس منظورا من قضايا وتقف وراء تطوير ما هو قائم بما تخطه له من درب سليم ونهج قويم . وينقسم النزاع المسلح - أو القتال - في المدرك الاسلامي الى قسمين عامين أحدهما هو ما يمكن أن نطلق عليه أخذاً باصطلاح الماوردي - حروب المصالح ، والآخر هو حروب المشركين والمرتدين .

ا - حروب المصالح :

يقول الماوردي ويجاريه في ذلك كثير من الفقهاء القدامى - إن حروب المصالح تنقسم الى ثلاثة اقسام : (۱) قتال أهل الردة. (۲) قتال أهل البغي والخوارج . (۳) قتال المحاربين وقطاع الطريق . وفي تقدیري أن هذا التقسيم ليس دقيقاً لأن قتال أهل الردة يمكن أن يأخذ حكم قتال المشركين فتنطبق عليه الأحكام ذاتها التي تطبق على قتال المشركين . كما أن قتال المحاربين وقطاع الطريق لا يندرج تحت مدرك القتال الذي يهم القانون الدولي الإنساني . ولا يبقى من حروب المصالح قتال البغاة والخوارج يقابل ما يطلق عليه في مصطلح القانون الدولي الإنساني سوى قتال البغاة والخوارج . ومن هنا أستطيع أن أقول أن قتال البغاة والخوارج يقابل ما يطلق عليه في مصطلح القانون الدولي الإنساني الحديث النزاع المسلح الذي ليست له طبيعة دولية ، كما أن قتال المشركين - ويلحق بهم المرتدون على تفصيل أذكره - يقابل ما نتعارف عليه اليوم بمسمى النزاع المسلح ذي الطبيعة الدولية . وهكذا نرى أن التقسيمة الثنائية للنزاع المسلح في الشريعة الإسلامية يقابلها تقسمية ثنائية في القانون الدولي الإنساني المعاصر ، ولكن النظامين الإسلامي والوضعي - يختلفان في مسميات النزاع وبعض الأحكام التي تطبق .



الندوة المصرية الأولى حول القانون الدولي الإنساني / مقدمة للتعريف بالقانون الدولي الإنساني د. صلاح الدین عامر

مقدمة للتعريف بالقانون الدولي الإنساني د. صلاح الدين عامر

(۱) منذ نشأة الحياة والحرب سجال بين البشر ، لقد صحبت الحرب الإنسان في سيرته عبر القرون ، وحفل سجل البشرية بالحروب والصراعات ، حتى غدت الحرب سمة من أبرز سمات التاريخ الإنساني ، وبدت صفحات ذلك التاريخ ملطخة بدماء الضحايا برهانا على تلك الأهوال والفظائع التي جرتها الحروب على بني الإنسان .

ومع ظهور الجماعات السياسية وتطور أشكالها اكتسبت الحرب أهمية خاصة بوصفها أداة لقهر إرادة الجماعات السياسية المعادية .

(۲) وقد اتسمت الحروب والصراعات في العصور القديمة بالوحشية والمغالاة في سفك الدماء فلم ينج من ويلاتها عجوز فان ، أو امرأة حامل ، أو طفل رضيع ، ومضى وقت طويل قبل أن يدرك الإنسان ضرورة الالتزام بمجموعة من القواعد القانونية التي تستهدف حكم وتنظيم الحرب على نحو يجعلها اقل وحشية وقوة ، وأكثر تواؤما مع اعتبارات الإنسانية ، فبعد أن كانت الحروب في المجتمعات الأولى انتصاراً دامياً للأقوى ، بسبب ما كان يعقب المعارك من مذابح -عندما يقع أفراد الشعب المهزوم بما فيهم النساء والشيوخ والأطفال تحت رحمة الغزاة ، ، الذين يريقون دماءهم أو يحيلونهم إلى أرقاء - أدرك الإنسان انه اذا تطلع الى طلب النجاة لنفسه ، فعليه أن يبدأ بالمساهمة فى توفيرها للآخرين ، وسلم بأن مزايا تفاهمه مع الآخرين افضل كثيرا من الصراع الدموي بغير حدود منهم ، ومن هنا عرفت بعض الجماعات القديمة شيئا من القواعد التي ترمي إلى التخفيف من ويلات الصراعات المسلحة ، ولا شك أن هذه هي الجذور الأولى لقانون الحرب .

(۳) وقد عرفت بعض الجماعات القديمة شيئا من القواعد التي تحكم وتنظم بعض جوانب العمليات الحربية ، والتي كانت تنبع أساسا من الاعتبارات الإنسانية ، مثل تلك القواعد التي وردت في مجموعة قوانين الهند القديمة ، والتي تحرم على المقاتل أن يقتل عدوه اذا استسلم أو وقع في الأسر ، وكذلك من كان نائما أو فقد سلاحه ، أو غير المقاتلين من المسالمين . وقد وجد بعض الفقهاء صعوبة في الاقتناع بأن مثل هذه التعاليم المثالية كانت تجد مجالاً للتطبيق في الحروب الواقعية فلا شك أن ظهور الأديان السماوية كان عاملا حاسما في إبراز العوامل الإنسانية التي أدت الى نمو تلك الجذور الأولى لقانون الحرب .

(٤) واذا كان النصف الأول من القرن التاسع عشر ، قد شهد تبلور واستقرار بعض القواعد العرفية ، والعادات ، التي تحكم سير العمليات الحربية والتي أخذت تستقر في كتابات الفقهاء وإعلانات قادة الجيوش التجارية . فإن النصف الثاني من ذلك القرن قد عرف جهوداً متصلة لتدوين تلك الأعراف والعادات ، سواء في شكل اتفاقيات أو تصريحات دولية ، أو في شكل تعليمات موجهة من الحكومات الى جيوشها في الميدان أو من خلال مجهودات فقهية لوضع تقنين كامل لقانون الحرب . ويمكن القول بأن أهم تلك الجهود كانت :

مجموعة التعليمات التي أصدرتها حكومة الولايات المتحدة الأمريكية لحكم جيوشها في الميدان :

(ه) نشرت وزارة الحرب في الولايات المتحدة الأمريكية في سنة ١٨٦٣ ، بموجب الأمر العام رقم ۱۰۰ ، تعليمات لحكم جيوشها في الميدان ، وهي التعليمات التي أعدها الأستاذ فرانسيس ليبير والتي تمثل تقنيناً لقواعد قانون الحرب البرية . وهي ذات أهمية قانونية ، وتاريخية كبيرة ، فهي أول محاولة لتقنين فرع من فروع القانون الدولي العام . وقد وجدها الأستاذ بلنتشيلي عملاً متهوراً عندما شرع في وضع تقنينه لقواعد القانون الدولي العام في عام ١٨٦٨ ، وكان لها آثار كبيرة على التطور التالي لقوانين وأعراف الحرب وتأثير محقق وواضح على كل المحاولات التي بذلت لوضع تقنينات القواعد الحرب البرية ، سواء في شكل تعليمات للجيوش في الميدان ، أو القواعد التي تضمنها إعلان بروكسل لسنة ١٨٧٤ ، وقواعد لاهاي لسنة ۱۸۹۹ ، ۱۹۰۷ ، بل وعلى بعض القواعد التي تضمنتها اتفاقيات جنيف لسنة ١٩٤٩ ، وذلك على الرغم من أن هذه التعليمات ، قد وضعت لتطبق أثناء الحرب الأهلية الأمريكية ، رغم كونها لا تعدو أن تكون تشريعاً أمريكياً وطنياً.

اتفاقية جنيف لسنة ١٨٦٤ :

(٦) قام الاتحاد الفيدرالي السويسري في سنة ١٨٦٤ ، بناء على جهود مؤسسي حركة الصليب الأحمر الدولي بالدعوة الى عقد مؤتمر دولي للنظر في نوع المعاملة التي يلقاها المرضى والجرحى في وقت الحرب ، وقد أسفر هذا المؤتمر عن توقيع اتفاقية دولية متعلقة بحماية المرضى والجرحى وهي أول اتفاقية في سلسلة اتفاقيات الصليب الأحمر وقد تضمنت هذه الاتفاقيات نصوصا أكدت بصفة خاصة على الاعتراف بحياد عربات الإسعاف والمستشفيات العسكرية ، وحمايتها واحترامها ، وعلى وجوب جمع المرضى والجرحى من العسكريين والعناية بهم بصرف النظر عن جنسيتهم وتسليم الأسرى والجرحى الى الجانب الذي ينتمون إليه اذا كانت حالتهم لا تسمح لهم بحمل السلاح ثانية

إعلان سان بتروسبورج سنة ١٨٦٨ :

(۷) لم تكد تمضي أربعة أعوام على توقيع اتفاقية جنيف لسنة ١٨٦٤ حتى صدر إعلان سان بتروسبورج La Déclaration de Saint Pétersbourg الذي تم توقيعه في ۲۹ نوفمبر - ۱۱ ديسمبر ، تتويجاً لأعمال مؤتمر بتروسبورج الذي دعا إليه الكسندر الثاني قيصر روسيا.

وقد ركز الإعلان على أن الهدف المشروع في الحرب هو إضعاف القوة العسكرية للعدو وأن الواجب تجنب استخدام الأسلحة التي تضاعف آلام الرجال أو التي تجعل موتهم أمرا محققا وهو يعد أقدم الوثائق الدولية التي تضمنت تحريمها لاستخدام بعض أنواع الأسلحة فقد حرم استعمال القذائف التي يقل وزنها عن ٤٠٠ جرام اذا كانت من ذلك النوع الذي ينفجر أو كانت معبأة بمواد متفجرة أو قابلة للاشتعال

مشروع إعلان بروكسل عام ١٨٧٤ :

(۸) عقد مؤتمر بروكسل في سنة ١٨٧٤ بناء على دعوة قيصر روسيا ، وقد اشتركت فيه وفود الحكومات كل من ألمانيا - النمسا المجر - بلجيكا - الدانمرك - إسبانيا - فرنسا - بريطانيا - اليونان إيطاليا - هولندا - روسيا - السويد - النرويج - تركيا .

وتقدمت الحكومة الروسية الى المؤتمر بمشروع اتفاقية دولية تتعلق بقوانين وأعراف الحرب واتخذت أساسا للنقاش في المؤتمر ، واللجنة التي انبثقت عنه ، وبعد مناقشات مستفيضة في تلك اللجنة وفي الجلسات العامة للمؤتمر، ثم التوقيع فى ٢٧ أغسطس ١٨٧٤ على البروتوكول الختامي، ومشروع إعلان دولي يتعلق بقوانين وأعراف الحرب يقع في ٥٦ مادة وينطوي على تقنين الأعراف والعادات التي تحكم الحرب البرية .

وغداة انفضاض المؤتمر حاولت الحكومة الروسية جاهدة أن تحصل على تصديق الحكومات على مشروع الاتفاقية الدولية المتعلقة بقوانين وأعراف الحرب التي أسفرت عنها أعمال المؤتمر ، ولكن جهودها ذهبت أدراج الرياح ، وبقي المشروع دائما في شكل المشروع ، فلم يتحول إلى اتفاقية دولية نافذة وسارية رغم كل الجهود الديبلوماسية التي بدلتها الحكومة الروسية. وقد كان موقف بريطانيا العدائي من الدعوة الروسية منذ البداية وإعلانها اعتزام عدم التصديق على مشروع اتفاقية بروكسل ، فضلا عن الخلاف الحاد حول بعض المسائل بين معسكري الدول الكبرى ، والدول الصغرى ، وتسعى ألمانيا إلى إحباط مشروع بروكسل الذي كانت ترى في نصوصه نوعا من الانتقاد ولمسلكها في حربها ضد فرنسا في عام ۱۸۷۰ ، عوامل أساسية أدت الى عدم التصديق على مشروع تلك الاتفاقية

(۹) وعلى الرغم من عدم التصديق على مشروع بروكسل من جانب الحكومات التي شاركت في المؤتمر وعلى الرغم من أنه لم يكتسب قوة إلزامية نتيجة لذلك ، قاله اكتسب قيمة معنوية كبيرة ، وأثر تأثيرا ضخماً على التطور التالي القانون الحرب، فقد اهتدت به بعض الحكومات ( الحكومة الفرنسية ) في التعليمات التي أصدرتها الى جيوشها في الميدان ، كما راعت بعض الدول قواعد بروكسل بصفة واقعية في الحروب التي وقعت بعد إعداده

على أن أكبر آثار مشروع بروکسل وضوحا وأهمية هو ذلك التأثير الذي كان له على مؤتمرات لاهاي السلام في عامي ١٩٠٧،١٨٩٩، فلقد كان مشروع بروكسل هو نقطة البداية والانطلاق لهذين المؤتمرين.

مؤتمر لاهاي الاول السلام

(١٠) لم تتوقف الحكومة الروسية عن بدل مساعيها المحاولة وضع بعض القواعد التي تحكم الحرب خدمة القضية السلام ، التي ارتدى القيصر الروسي مسوح الراهب القائم على أموره ، وتم لروسيا القيصرية في النهاية إحراز شيء من النجاح عندما عقد مؤتمر لاهاي الأول للسلام بناء على دعوتها في الفترة الواقعة بين ١٨ ماين ، ٢٩ يوليو ۱۸۹۹ ، والذي أسفر عن توقيع عدد من الاتفاقيات الدولية ، يتعلق منها بقانون الحرب ما يلي :

أولا : الاتفاقية الثانية الخاصة بقواعد وعادات الحرب ، التي ألحقت بها لائحة الحرب البرية ، المستمدة من مشروع بروكسل ، وقد فرضت الاتفاقية التي جرت صياغتها في خمس مواد على الدول الأطراف المتعاقدة أن يصدر لجيوشها البرية تعليمات مطابقة لتلك التي وردت باللائحة الملحقة بها

ثانيا : الاتفاقية الثالثة ، وهي اتفاقية الصليب الأحمر الخاصة بجرحى ومرضى الحرب في الحرب البرية على الجرحى والمرضى في الحرب البحرية .

ثالثا : ثلاثة تصريحات يحرم الأول على القول لمدة خمس سنوات إلقاء مقذوفات من البالونات ، ويحرم الثاني استعمال المقذوفات التي يكون الفرض الوحيد منها نشر غازات خائفة أو ضارة ، ويحرم الثالث استعمال المقذوفات التي تتفرطح داخل جسم الإنسان .

مؤتمر لاهاي الثاني في عام ۱۹۰۷

(11) وعقد مؤتمر لاهاي الثاني في عام ۱۹۰۷ وكانت أعماله إضافة إلى أعمال ونتائج المؤتمر الأول وأسفر عن وضع عدد من الاتفاقيات الدولية ، وحظي قانون الحرب بمكان كبير بين العمالة وأحلت اتفاقية لاهاي الرابعة الموقعة في ۱۸ أكتوبر ۱۹۰۷ المتعلقة بقوانين وأعراف الحرب البرية ، محل اتفاقية لاهاي في عام ۱۸۹۹ : واللائحة الملحقة بها.

استمرار جهود التقنين خلال النصف الأول في القرن العشرين :

(۱۲) اذا كان مطلع القرن الحالي قد شهد انعقاد مؤتمر لاهاي الثاني للسلام في سنة ١٩٠٧ وما أسفر عنه من اتفاقيات ، كانت أساساً للنظرية التقليدية في قانون الحرب، فان الجهود الرامية إلى تدوين قوانين الحرب وأعرافها ووضع قواعد قانونية جديدة لمواجهة الظروف الناشئة عن التقدم العملي والفني في مجالات الحرب قد استمرت خلال النصف الأول من هذا القرن الذي شهد اندلاع الحربين العالميتين الأولى والثانية - وأسفرت عن توقيع عدد من الاتفاقيات الدولية كان من أبرزها :

1 - اتفاقية دولية لتحسين أحوال الجرحى والمرضى من أفراد الجيوش في الميدان ، في ٦ يوليو سنة ١٨٦٤ في العلاقة بين الأطراف المتعاقدة وهو ما يعني أن تلك الاتفاقية الأخيرة تظل سارية في مواجهة الدول التي سبق لها توقيع اتفاقية ١٨٦٤ ، والتصديق عليها ولم تصدق على الاتفاقية الجديدة المعقودة في سنة ١٩٠٦ .

2 - وفي عام ۱۹۲٥ تم توقيع بروتوكول - جنيف الخاص بتحريم الالتجاء الي حرب الغازات والحرب البكتريولوجية ، الذي عهدت بمقتضاه مجموعة كبيرة من الدول الأعضاء في عصبة الأمم بعد الالتجاء في الحروب التي تخوضها الى استخدام الغازات السامة أو الخانقة أو الى الحرب البكتريولوجية أو حرب الميكروبات

3 - وقد تم تنقيح اتفاقية جنيف لسنة ١٩٠٦ في ضوء تجربة الحرب العالمية الأولى ، وكذلك القواعد المتعلقة بمعاملة أسرى الحرب : التي تضمنتها لائحة قوانين وأعراف الحرب البرية الملحقة باتفاقية لاهاي الخاصة بقوانين وأعراف الحرب البرية . حيث تم إبرام اتفاقيتين في جنيف في سنة ۱۹۲۹ ، تتعلق الأولى بتحسين أحوال الجرحى والمرضى من أسرى الجيوش في الميدان ، وكانت الثانية خاصة بمعاملة أسرى الحرب

ثم حلت اتفاقيات جنيف الأربعة التي عقدت في سنة ١٩٤٩ الحماية ضحايا الحرب محل الاتفاقيتين المشار إليهما

۱۳ - النظرية التقليدية لقانون الحرب : وقد جرت التفرقة في هذه القواعد بين قسمين رئيسيين :

الأول : هو القواعد التي تحكم العمليات العسكرية وتنظم سيرها ، واطلق عليه قانون لاهاي نسبة الى اتفاقيات لاهاي وذلك على الرغم من أنه يشتمل على اتفاقيات ووثائق لم توقع في لاهاي .

بل ان أول أجزاء ذلك القانون قد جرت صياغتها في سان بترسبورج بمناسبة إعلان سان بترسبورج في سنة ١٨٦٨

الثاني : وهو الخاص بالقواعد التي تكفل حماية ضحايا الحرب ، وهو ما عرف بقانون جنيف نسبة الى سلسلة اتفاقيات وآخرها اتفاقيات جنيف لسنة ١٩٤٩ .

وقد تناول الفقه الدولي هذه القواعد بالدراسة والتأصيل فأقام من جماعها ما أطلق عليه النظرية التقليدية في قانون الحرب والتي قامت على عدد من المحاور الرئيسية التي كانت تشكل ملامحها الرئيسية

أولاً - الطابع الشكلي للنظرية التقليدية في القانون الحرب :

(١٤) وقد برز هذا الطابع الشكلي في التعريفات التقليدية للحرب التي اتجهت الى إبراز أن الحرب ليست بالضرورة عملا إيجابياً ، وذلك بهدف أن يشمل تعريف الحرب تلك الأحوال التي لا يصحب فيها إعلان الحرب عمل من الأعمال العدائية .

وهكذا كان من المنصور في ظل النظرية التقليدية قيام حالة الحرب قانونا حتى ولو لم تستخدم القوة المسلحة من جانب الأطراف في النزاع ورغم عدم قيام أية أعمال عدائية فيما بينهم وعلى العكس من ذلك تماما قد تستخدم القوة من جانب دولة ضد دولة أخرى . ومع ذلك تماما فان حالة الحرب لا تعتبر قائمة قانونا طبقا لهذه النظرية التقليدية الضيفة

ثانيا - التسليم بالحق المطلق للدولة في شن الحرب :

(١٥) ويعتبر هذا المبدأ واحداً من أبرز ملامح النظرية التقليدية في قانون الحرب : فبعد القضاء على نظرية الحرب العادلة ، جرى النظر الى الحرب من جانب الفقه التقليدي بوصفها أداة لحسم ما قد نشب بين الدول من صراعات لا يمكن التوصل إلى حلها بالأساليب والوسائل السلمية ونظر الى حق الدولة في شن الحرب بوصفه مترتباً ولصيقاً إلى أبعد الحدود بمبدأ السيادة فيما أن الدول أعضاء الجماعة الدولية متساوية في السيادة فلا يمكن تصور وجود سلطة تعلوها وتستطيع أن تفرض حكمها بصدد نزاع بعينه ، من هنا كانت وظيفة الحرب في الفقه التقليدي كوظيفة المحكمة في العلاقات بين الأفراد ، فكما يلجأ الأفراد إلى المحاكم للحصول على ما يرونه حقا لهم ، عن طريق الزام خصومهم بأداء التزامات معينة ، فكذلك الدولة تلجأ إلى الحرب الحسم الخلافات التي قد تنشأ بينها وبين غيرها من الدول ، القهر أرادتها وإملاء ما ترغب فيه من شروط عليها - اذا ما كتب لها الانتصار في الحرب - والفارق بين الحالين يكمن في فكرة السلطة العلياء التي تتوافر في المجتمعات الداخلية، والتي تعلو على إرادات الأفراد وتستطيع أن تملي عليهم ما تراه حقا يتوافق مع القانون . بينما تفتقد تلك السلطة العليا في المجتمع الدولي ومن ثم فقد نظر إلى الحرب بوصفها أسلوبا قانونيا النسوية المنازعات بين الدول 

ثالثا - استقرار مبدأ التفرقة بين المقاتلين وبين غيرهم من المدنيين المسالمين :

(١٦) كان استقرار هذا المبدأ في الفقه التقليدي أساساً للحماية الإنسانية للمدنيين المسالمين والعمل على تجنبهم ويلات الحرب وشرورها بيد أن ذلك الفقه التقليدي ، قد ذهب في التمسك بشكلية هذه التفرقة بين المقاتلين وبين غيرهم من المدنيين المسالمين الى حد إلزام هؤلاء الآخرين بتمثيل دور الشهود والحرس الملهاة الحرب لأن شرط استفادتهم من مبدأ التفرقة هو عدم المساهمة بأي شكل من الأشكال في تسيير العمليات الحربية

وكان مبدأ التفرقة بين المقاتلين وبين المدنيين واحداً من المقدمات التي قادت الفقه التقليدي إلى تأسيس نظريته المساهمة المدنيين خارج الجيوش النظامية في العمليات الحربية دفاعا عن أرض الوطن ، وبعبارة أخرى لموقفه من المقاومة الشعبية المسلحة ، عندما تنهض جماهير المدنيين ، أو جماعات منظمة من بينهم للدفاع عن أرض الوطن حينما تهب عليه رباح الغزو أو تتأسس فيه سلطات الاحتلال

رابعا - التفرقة بين الحروب الدولية وبين النزاعات المسلحة الداخلية :

(۱۷) قامت النظرية التقليدية في قانون الحرب على أساس الاهتمام بالحروب الدولية ، أي تلك الحروب التي يكون أطرافها من الدول أعضاء المجتمع الدولي، ونظرت الى تلك الحروب بوصفها الموضوع الأساسي القانون الحرب، فيما أن الدول وحدها هي التي يكون لها الحق في شن الحرب Jus inbello ، فان الحروب التي تخوضها في علاقاتها المتبادلة تكون دون سواها حروبا دولية تؤدي الي تطبيق قواعد قانون الحرب Jus adbellum 

أما تلك النزاعات المساحة التي تجرى داخل اطار دولة واحدة ، حينما يعمد فريق من الأفراد الى شق عصا الطاعة ضد الحكومة الوطنية ، أو حينما يجرى صراع بين مدنيين للوصول إلى السلطة ، فان النظرية التقليدية كانت تلقي بها خارج نطاق القانون الدولي : وتجعلها من الأمور الداخلة في الاختصاص الداخلي المطلق لكل دولة ولم يكن يستثنى من هذا المبدأ إلا حالة الحرب الأهلية.

والحرب الأهلية لا تعتبر حرباً بالمعنى الصحيح ، فهي لا تعدو أن تكون صراعا بالقوة بين الحكومة وبين الثوار ، مما يخضع لحكم القانون الداخلي ويخرج ما نطاق الحرب الدولية طبقا المفهوم النظرية التقليدية على أن هذا الصراع المسلح بين قوات الحكومة الشرعية وقوات الثوار ، أو بين فئتين في دولة واحدة ، بهدف الاستيلاء على السلطة ، يعتبر حربا طبق النظرية التقليدية اذا ما تم الاعتراف للثوار وصف المحاربين ، وبعبارة أكثر دقة إذا اعترف للفريقين المتنازعين بصفة المحاربين عندئذ تعتبر الحرب الأهلية حرباً في مفهوم القانون وتؤدى إلى تطبيق قانون الحرب

(۱۸) على أن أخطر ما في هذه التفرقة هو اعتبار حروب التحرير مد سلطات الاستعمار مندرجة في طائفة المنازعات المسلحة الداخلية التي تخرج عن نطاق القانون الدولي ، فقد نظر الفقه التقليدي إلى المستعمرات بوصفها أجزاء من أقاليم الدول القائمة بالاستعمار ومن ثم فان الثورة من جانب الشعب الخاضع للاستعمار ضد السلطان القائمة بالاستعمار ، وكانت تعتبر أمرا يخرج عن نطاق القانون الدولي فقد كان ينظر إليها بوصفها لمردا أو عصيانا ، ولا ترقى الى مرتبة الحرب الأهلية إلا حيث يتم الاعتراف الثوار وصف المحاربين

أفول النظرية التقليدية في قانون الحرب :

(۱۹) لقد كانت النظرية التقليدية وليدة العصر الذي انجبها : ولذلك فقد كان من الطبيعي أن تحمل طابعه ، وأن تبشر بالمفاهيم والمبادئ الأساسية التي كانت سائدة فيه

ثم حفل عالم ما بعد الحرب العالمية الأولى بالكثير من المتغيرات التي تؤثر تأثيرا كبيرا أو أساسياً على الكثير من المبادي، والمفاهيم التي قامت عليها النظرية التقليدية في قانون الحرب ، أو انطلقت من التسليم بها . وكان على أنصار تلك النظرية أن يعملوا على تطويع نظريتهم لتواجه الواقع الدولي الجديد ، بيد أنهم لم يعملوا على ذلك ، وأدت عوامل متعددة إلى قيام الانفصال بين الواقع الدولي ، وبين النظرية التقليدية في قانون أدت بها الى المغيب ، بحيث بات من المستطاع القول بأنها لم تعد الا ذكرى من ذكريات الماضي .

(۲۰) ولا شك أن القضاء على حق الدولة المطلق في شن الحرب كان المفعول الأساسي الذي أسهم في تقويض بناء النظرية التقليدية ، فضلاً عن أن التقدم العلمي والفني الهائل في وسائل التدمير المستخدمة في الحروب قد تجعل الحرب حرباً شاملة ، وهو ما أدى - بالإضافة إلى أسباب أخرى - الى غموض التفرقة بين المقاتلين وبين غيرهم من المدنيين المسالمين ، ذلك المبدأ الأساسي من مبادئ النظرية التقليدية الذي كان ينظر إليه بوصفه أعظم انتصارات القانون الدولي

وفوق هذا وذاك فان المجتمع الدولي المعاصر لم يعد يستطيع أن بغض الطرف عن الأهوال والفظائع التي تعرفها النزاعات المسلحة في ذات الطابع الدولي ، خاصة مع اشتداد عود الحركة الإنسانية وحركة حقوق الإنسان ، والرغبة في كفالة نوع من الحماية لضحايا تلك النزاعات ، وهو الأمر الذي لم يكن من الميسور تحقيقه في ظل النظرية التقليدية

الدعوة إلى تنقيح قانون الحرب :

(۲۱) ولقد كان من المؤسف حقا أن يتقاعس الفقه الدولي في أعقاب الحرب العالمية النابية عن النهوض بواجب تطوير قواعد قانون الحرب التقليدية لتساير الواقع الدولي وتواكب تطوره ، على زعم أن الحرب قد أصبحت خارج القانون ، ومن ثم فإنه لم يبق ثمة مجال لتنظيمها ، وداب الكتاب على ترديد الشروح التقليدية ، دون عنابة بتطويرها على نحو يسمح بتواؤمها مع التطورات التي أصابت الجماعة الدولية بصفة عامة ، وظاهرة بوجه خاص

ولقد كتب لهذه الأفكار أن تسود وأن يكون لها من التأثير والغلبة ما دفع بلجنة القانون الدولي أن تقرر في ٢٠ ابريل ١٩٤٩ عدم ادراج قانون الحرب في قائمة الموضوعات التي قررت القيام بدراستها في اطار جهودها من اجل العمل على تقنين والماء القانون الدولي

(۲۲) على أن اليوم التالي مباشرة لصدور قرار لجنة القانون الدولي قد شهد ( لحسن الطالع ) انعقاد مؤتمر جنيف الدبلوماسي الذي عقد في الفترة الواقعة بين ۲۱ ابريل و ١٢ أغسطس ١٩٤٩) واشترك فيه ممثلو احدى وستون دولة . فما أن وضعت الحرب أوزارها حتى نشطت اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى تنقيح ذلك الجانب الهام من قانون الحرب ، المتعلق بحماية ضحايا الحرب ، وقد انتهت إلى عقد مؤتمرات متتابعة حتى تمكنت من إعداد مشروع الاتفاقيات التي تقدمت بها إلى المؤتمر المشار إليه ، والذي جرت فيه صياغة و اقرار اتفاقيات جنيف الأربع لحماية ضحايا الحرب الموقعة في ١٢ أغسطس سنة ١٩٤٩

(۲۳) القانون الدولي الإنساني :

لا شك أن اتجاه اتفاقيات جنيف بموجب المادة الثانية المشتركة منها الى إعلان أنه «علاوة على الأحكام التي تنفذ وقت السلم ، تطبق هذه الاتفاقية في جميع حالات إعلان الحرب أو في حالة أى اشتباك مسلح آخر ، يمكن أن ينشب بين طرفين أو أكثر من الأطراف السامين المتعاقدين حتى اذا لم يكن أحد الأطراف قد اعترف بحالة قيام الحرب.

تطبق هذه الاتفاقية أيضا في جميع حالات الاحتلال الجزئي أو الكلي لأراضي أحد الأطراف السامين المتعاقدين حتى اذا كان هذا الاحتلال لا يواجه مقاومة مسلحة . وحتى إذا لم تكن إحدى الدول المشتبكة في الفنان طرفا متعاقدا بهذه الاتفاقية ، فان الدول المتعاقدة تبقى مع ذلك ، ملتزمة بأحكامها في علاقاتها المتبادلة ، وعليها فوق ذلك أن تلتزم بها ، في علاقاتها مع الدولة المذكورة ، إذا قبلت هذه الأخيرة أحكام الاتفاقية وطبقتها

كان يعد في حقيقة الأمر بداية المرحلة جديدة فربط تطبيق الاتفاقيات بحالة النزاع المسلح يهدف كفالة أكبر قدر مستطاع من الحماية لضحاياها. ومحلولة تأمين حد أدنى من المعاملة الإنسانية الضحايا النزاعات المسلحة غير ذات الطابع الدولي ، والاتجاه الى الأخذ بتعبير الطرف في النزاع بدلا من استخدام الطرف المحارب هي امور ادت في جملتها الى تطبيق اكثر اتساعا لاتفاقيات جنيف

( ٢٤ ) وهذا الاتجاه نحو فكرة النزاع المسلح بدلاً من المفهوم الشكلي التقليدي الحرب قد اقترن بالاهتمام البالغ بالبعد الانساني ، وذلك الذي يتعلق بالقواعد الخاصة بحماية ضحايا الحرب : حقيقة أن الإنسانية كانت واحدا من المحاور الرئيسية التي قام عليها قانون الحرب في مفهومه التقليدي ، إلا أنه كثيرا ما كانت تجرى التضحية بهذا المبدأ نزولا على الاعتبارات التي يقضي بها مبدأ الضرورة العسكرية في إطار القواعد المتعلقة بسير العمليات الحربية .

والواقع من الأمر أن التطورات العملية الهائلة في مجال إنتاج الأسلحة المتقدمة واستخدامها ، قد أدت إلى صيرورة الكثير من القواعد التقليدية المتعلقة سير العمليات الحربية ، غير قابلة للتطبيق ، أو عديمة الجدوى ، بل واثارت الشكوك حول الاهتمام بتطوير هذه القواعد بيد أن ذلك قد أدى في الوقت ذاته إلى الاهتمام بالقواعد ذات الطابع الإنساني ، وحماية ضحايا النزاعات المسلحة والعمل على التخفيف من ويلاتها .

(٢٥) وقد اقترن بهذا الاتجاه العمل على إدراج بعض القواعد القانونية المتعلقة بسير العمليات الحربية في الوثائق المتعلقة بحماية ضحايا الحرب ، وصولا الى ابراز صبغتها الإنسانية

ولا شك أن اتفاقيات جنيف لعام ١٩٤٩ ، خاصة الاتفاقية الرابعة الخاصة بحماية المدنيين هي خير دليل على ذلك

وقد أدى ذلك الى استخدام اصطلاح القانون الدولي الانساني ، باعتباره مرادفا أو منطوبا في مفهومه الواسع على قواعد قانون الحرب.

وعندما أعدت اللجنة الدولية للصليب الاحمر تقريرها الهام حول تطوير القانون الذي يحكم التزامات المسلحة ، الذي تقدمت به إلى المؤتمر الدولي الحادي والعشرين للصليب الاحمر الذي عقد في اسطنبول في سبتمبر ١٩٦٩ فانها جعلت عنوانه و تطوير والماء القوانين والاعراف المطبقة في النزاعات المسلحة ، بيد أنها سرعان ما اتجهت إلى استخدام اصطلاح القانون الدولي الإنساني في الوثائق التي تقدمت بها إلى مؤتمر الخبراء الحكوميين للعمل على الماء وتطوير القانون الدولي الإنساني المطبق في النزاعات المسلحة ، الذي عقدت دورته الأولى في جنيف في الفترة الواقعة بين ٢٤ مايو و ۱۲ یونیو ۱۹۷۱

(٢٦) وقد بررت اللجنة الدولية للصليب الاحمر استخدام الاصطلاح الجديد ، بالرغبة في ابراز الطابع الانساني الخالص القانون النزاعات المسلحة ، ذلك القانون الذي يهدف إلى حماية الكائن البشرى والأموال اللازمة له بالضرورة، وأكدت اللجنة أن هذا الاصطلاح الجديد لا يقتصر في دلالته على اتفاقيات جنيف الخاصة بحماية ضحايا الحرب فحسب ، وانما يتجاوزها ليشمل تلك القواعد الحربية أو الاتفاقية التي تضع القيود على تسيير العمليات الحربية أو استخدام الاسلحة وغيرها من القواعد التي تنطوى على قواعد تقررت نزولا على اعتبارات مبدا الانسانية .

(۲۷) وقد استقر تعبير القانون الدولي الإنساني في هذا المفهوم منذ ذلك الحين في كافة الجهود التي استهدفت العمل على الماء وتطوير قواعد القانون الدولي الإنساني المطبق في النزهات المسلحة ، التي فوجئت باقرار الملحقين ( البروتوكولين الإضافيين لاتفاقيات جنيف في عام ۱۹۷۷) ، وأصبح هناك تعبير شائع هو القانون الدولي الإنساني ، وتعبير أكثر دقة هو القانون الدولي الإنساني المطبق على النزاعات المسلحة

الندوة المصرية الأولى حول القانون الدولي الإنساني / كلمة الافتتاح للأستاذ الدكتور زكي هاشم

 


كلمة الافتتاح للأستاذ الدكتور زكي هاشم

باسم الجمعية المصرية للقانون الدولي أرحب بحضراتكم في هذه الندوة المصرية الأولى حول القانون الدولي الإنساني . وأن قيام الجمعية بتنظيم هذه الندوة ينطلق من إدراك عميق لأهمية القانون الدولي الانساني ، ولضرورة العمل الدائب على تنميته وتطويره وتعمیق المعرفة به وتأكيد الالتزام بأحكامه . واذا كان المجتمع الدولي المعاصر في ظل ميثاق الأمم المتحدة - قد أصبح يقوم على مبدأ أساسي هو تحریم استخدام القوة أو التهديد بها في العلاقات الدولية ، فان الواقع الدولي يشهد تزايد عدد الصراعات المسلحة في أرجاء متعددة من العالم ، ومنطقتنا دليل بارز على ذلك

ومن هنا فقد كان لزاما ألا ينصرف رجال القانون الدولي عن دراسة القانون الذى يجب أن يحكم تلك الصراعات ، بدعوى أن الحرب قد باتت محرمة ، وإنما كان من المتعين عليهم العمل على إنماء وتطوير قواعد القانون الذي يحكم تلك الصراعات المسلحة ، وكان لزاما أن تنصرف الجهود الى كفالة أكبر قدر من الاحترام لمبادئ الإنسانية خلال تلك الصراعات

ولقد حدث تطور تدريجي في هذا الاتجاه الصحيح ، وظهرت قواعد القانون الدولي الإنساني ، تعبيرا عن تأثير مبادىء حقوق الانسان ، وعن حقيقة أن احترامها في أوقات الصراعات المسلحة هو أمر واجب أن يكفل وأن تجند له كل الجهود

وتتيح هذه الندوة مناسبة طيبة للتعرف على النظام الإنساني المتكامل والرائع الذي وضعته الشريعة الإسلامية في مجال حماية ضحايا الحروب من العسكريين والمدنيين على السواء . فلقد كانت الشريعة الغراء هي الأسبق الى إرساء أسس مبدأ التفرقة بين المقاتلين وبين غيرهم من المدنيين المسالمين ، وضمان ألا توجه الأعمال الحربية نحو المدنيين المسالمين أو نحو الأعيان المدنية ، الا في أضيق نطاق تفرضه الضرورات الحربية . ثم كانت الشريعة الاسلامية هي الرائدة في مجال معاملة أسرى الحرب معاملة انسانية ، وكانت الممارسة الإسلامية في ضوء تلك القواعد هي أنصع برهان على عظمتها وسموها . 

وإذا كانت اللجنة الدولية للصليب الاحمر تشاركنا في تنظيم هذه الندوة ، فإننا نذكر لها ذلك الدور البارز الذي قامت به في مجال العمل على انماء وتطوير قواعد القانون الدولي الانساني ، منذ توقيع أولى اتفاقيات جنيف لحماية ضحايا الحرب في عام ١٨٦٤ ، ومحاولاتها الدائبة للربط بين الممارسة العملية ، وبين قواعد القانون القائم . ومن هنا فقد شهدت نهايات الحروب دائما مبادرات اللجنة بالمطالبة والعمل على تعديل الاتفاقيات الدولية الخاصة بحماية ضحايا الحروب ، بما يتوافق مع كفالة أكبر قدر من الحماية لضحايا الحروب من العسكريين والمدنيين ، في ضوء الدروس المستفادة من وقائع المعارك والصراعات. ان أحدا لا ينسى ولا يبخس الجهود التي بذلتها اللجنة غداة الحرب العالمية الثانية ، والتي توجت باقرار اتفاقيات جنيف الاربع لعام ١٩٤٩ ، ثم ذلك العمل الدائب المتصل ، جنبا الى جنب مع هيئة الامم المتحدة ، لضمان احترام حقوق الانسان أثناء النزاعات المسلحة. وقد توجت تلك الجهود جميعا بانعقاد مؤتمر جنيف للعمل على انماء وتطوير قواعد القانون الدولى الانساني ، في أربع دورات متعاقبة في الفترة من ۱۹۷۴ الی ۱۹۷۷ ، والذي كان للوفد المصري برئاسة العالم الكبير الاستاذ الدكتور حامد سلطان - الرئيس الاسبق لهذه الجمعية، دور بارز فيه ، وهو المؤتمر الذي تم التوصل فى ختامه الى اقرار بروتوكولين اضافيين لاتفاقيات جنيف لعام ١٩٤٩ .

***

باسم الجمعية المصرية للقانون الدولى اتقدم بجزيل الشكر وفائق التقدير لجميع من تفضلوا بقبول المساهمة في أعمال هذه الندوة ، وبخاصة وزارتي الدفاع والخارجية بجمهورية مصر العربية، واللجنة الدولية للصليب الاحمر وجمعية الهلال الاحمر المصري ، والقضاء العسكرى بالقوات المسلحة المصرية . وأرجو أن تكون أعمال هذه الندوة حافزا مجددا للعمل على انماء قواعد القانون الدولي الانساني ، وتعميق مفاهيمه وتطبيقاته ، والالتزام بأحكامه لصالحالانسانية جمعاء .




الطعن 675 لسنة 50 ق جلسة 5 / 10 / 1980 مكتب فني 31 ق 160 ص 832

جلسة 5 من أكتوبر سنة 1980

برئاسة السيد المستشار أحمد فؤاد جنينه نائب رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: محمد حلمي راغب، وجمال منصور، ومحمد محمود عمر، ومحمد عبد المنعم البنا.

----------------

(160)
الطعن رقم 675 لسنة 50 القضائية

(1) إثبات "شهود". حكم "تسبيبه. تسبيب غير معيب".
استناد الحكم - صحيحاً - إلى دليل ثابت في الأوراق. كفايته.
(2) محكمة الموضوع "سلطتها في تقدير الدليل" مواد مخدرة. إثبات. "خبرة". حكم "تسبيبه. تسبيب غير معيب".
كفاية إيراد مؤدى تقرير الخبير الذي استند إليه الحكم في قضائه. إيراد نص تقرير الخبير ليس بلازم.

------------------
1 - لما كان الثابت من المفردات المضمومة أن ما حصله الحكم من أقوال الضابط له صداه من أقواله بالتحقيقات ولم يحد الحكم فيما عول عليه منها عن نص ما أنبأت عنه أو فحواه فقد انحسرت عنه بذلك قالة الخطأ في التحصيل وفساد التدليل. لما كان ذلك، وكانت واقعة الدعوى وفق تحصيل الحكم دالة بذاتها على توافر قصد الاتجار في حق الطاعن، ومن ثم يضحى ما يثيره في هذا الخصوص غير سديد.
2 - إذ كان الحكم قد أورد مؤدى تقرير المعامل الكيماوية وأبرز ما جاء به من ثبوت أن المادة المضبوطة لمخدر الحشيش وهو بيان كاف للدلالة على أن المادة المضبوطة مع الطاعن هي لذلك المخدر، وكان من المقر أنه لا ينال من سلامة الحكم عدم إيراده نص تقرير الخبير بكل أجزائه ومن ثم تنتفي عن الحكم ما يثيره الطاعن من قصور في هذا الصدد.


الوقائع

اتهمت النيابة العامة الطاعن بأنه أحرز جوهراً مخدراً (حشيشاً) بقصد الاتجار وفي غير الأحوال المصرح بها قانوناً وطلبت من مستشار الإحالة إحالته إلى محكمة الجنايات لمحاكمته بالقيد والوصف الواردين بتقرير الاتهام، فقرر ذلك. ومحكمة جنايات القاهرة قضت حضورياً عملاً بالمواد 1/ 1، 2، 7، 42 من القانون 182 لسنة 1960 المعدل بالقانون رقم 40 لسنة 1966 والبند 12 من الجدول (1) المرفق بمعاقبة المتهم بالأشغال الشاقة لمدة ثلاث سنوات وغرامة 3000 جنيه ومصادرة المخدر المضبوط. فطعن المحكوم عليه في هذا الحكم بطريق النقض.... إلخ.


المحكمة

حيث إن الطاعن ينعى على الحكم المطعون فيه أنه إذ دانه بجريمة إحراز مخدر بقصد الاتجار في غير الأحوال المصرح بها قانوناً قد خالف الثابت بالأوراق وشابه فساد الاستدلال وقصور التسبيب، ذلك بأنه استخلص توافر قصد الاتجار في حقه بعد أن حصل أقوال الضابط بما مؤداه أنه ابتاع من الطاعن قطعة المخدر المضبوط بمبلغ جنيه خلافاً للثابت بالتحقيقات من أنه سلمها إليه أثناء حديثه معه بمقهاه ليزيل بها أثر صداع مفاجئ. هذا إلى أن الحكم لم يعن ببيان مؤدى الدليل المستمد من تقرير التحليل الذي استند إليه في إدانة الطاعن مما يعيبه بما يستوجب نقضه.
وحيث إن الحكم المطعون فيه حصل واقعة الدعوى بما مؤداه أنه نما إلى علم الضابط....... من أحد مرشديه السريين أن الطاعن يتجر بالمواد المخدرة في مقهاه فتوجه إليه بالمقهى حيث تجاذب معه أطراف الحديث وبعد أن تظاهر بصداع مفاجئ ألم به طلب منه أن يبيعه قطعة من الحشيش يزيل بها أثر الصداع وأنقده مبلغ جنيه ثمناً لها فسلمه الطاعن المخدر المضبوط. لما كان ذلك، وكان الثابت من المفردات المضمومة أن ما حصله الحكم من أقوال الضابط له صداه من أقواله بالتحقيقات ولم يحد الحكم فيما عول عليه منها عن نص ما أنبأت عنه أو فحواه فقد انحسرت عنه بذلك قالة الخطأ في التحصيل وفساد التدليل، لما كان ذلك، وكانت واقعة الدعوى وفق تحصيل الحكم دالة بذاتها على توافر قصد الاتجار في حق الطاعن ومن ثم يضحى ما يثيره في هذا الخصوص غير سديد. وإذ كان الحكم قد أورد مؤدى تقرير المعامل الكيماوية وأبرز ما جاء به من ثبوت أن المادة المضبوطة لمخدر الحشيش وهو بيان كاف للدلالة على أن المادة المضبوطة مع الطاعن هي لذلك المخدر، وكان من المقر أنه لا ينال من سلامة الحكم عدم إيراده نص تقرير الخبير بكل أجزائه ومن ثم ينتفي عن الحكم ما يثيره الطاعن من قصور في هذا الصدد. لما كان ما تقدم فإن الطعن برمته يكون على غير أساس متعيناً رفضه موضوعاً.

الأحد، 16 أغسطس 2026

القضية 215 لسنة 25 ق جلسة 10 / 4 / 2005 دستورية عليا مكتب فني 11 ج 1 دستورية ق 282 ص 1711

جلسة 10 إبريل سنة 2005

برئاسة السيد المستشار/ ممدوح مرعي - رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين: إلهام نجيب نوار ومحمد عبد العزيز الشناوي وماهر سامي يوسف والسيد عبد المنعم حشيش ومحمد خيري طه وتهاني محمد الجبالي. وحضور السيد المستشار/ نجيب جمال الدين علما - رئيس هيئة المفوضين وحضور السيد/ ناصر إمام محمد حسن - أمين السر.

-----------------

قاعدة رقم (282)
القضية رقم 215 لسنة 25 قضائية "دستورية"

دعوى دستورية "حجية الحكم فيها - انتهاء الخصومة".
مقتضى نص المادتين (48، 49) من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979، أن يكون لقضاء هذه المحكمة في الدعاوى الدستورية حجية مطلقة في مواجهة الكافة وبالنسبة إلى الدولة بسلطاتها المختلفة، باعتباره قولاً فصلاً في المسألة المقضى فيها، وهي حجية تحول بذاتها دون المجادلة فيه أو إعادة طرحه عليها من جديد، ومن ثم فإن الخصومة في الدعوى الراهنة تغدو منتهية.

---------------------
مقتضى نص المادتين (48، 49) من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979، أن يكون لقضاء هذه المحكمة في الدعاوى الدستورية حجية مطلقة في مواجهة الكافة وبالنسبة إلى الدولة بسلطاتها المختلفة، باعتباره قولاً فصلاً في المسألة المقضى فيها، وهي حجية تحول بذاتها دون المجادلة فيه أو إعادة طرحه عليها من جديد، ومن ثم فإن الخصومة في الدعوى الراهنة تغدو منتهية.


الإجراءات

بتاريخ 20 من يوليه سنة 2003، أودع المدعي قلم كتاب المحكمة صحيفة هذه الدعوى، طالباً الحكم بعدم دستورية نص المادة (104) من لائحة نظام العاملين بالهيئة المصرية العامة للبترول - قبل تعديلها بالقرار رقم 17 لسنة 1998 - فيما تضمنته من تحديد حد أقصى لرصيد الإجازات الاعتيادية التي يحق للعامل أن يحصل عليها أو يعوض عنها إذا انتهت مدة خدمته قبل الحصول عليها.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم بعدم اختصاص المحكمة بنظر الدعوى.
كما قدمت الهيئة المصرية العامة للبترول مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونُظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع - على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق - تتحصل في أن المدعي كان قد أقام الدعوى رقم 1040 لسنة 1999 عمال كلي أمام محكمة جنوب القاهرة الابتدائية ضد الهيئة المصرية العامة للبترول (المدعى عليها الثالثة)، بطلب الحكم بإلزام الهيئة بأن تؤدي له المقابل النقدي لرصيد إجازاته البالغ 420 يوماً والفوائد القانونية اعتباراً من تاريخ المطالبة وحتى تمام السداد، قولاً منه بأنه كان يعمل بالهيئة في وظيفة مدير عام الوثائق الجيولوجية والجيوفيزيقية، وانتهت خدمته بتاريخ 26/ 2/ 1998 لبلوغ السن القانونية للإحالة إلى المعاش، وأنه تقدم للهيئة بطلب لصرف المقابل النقدي لرصيد إجازاته وقدره 420 يوماً، إلا أن الهيئة قامت بصرف المقابل النقدي لمائة وعشرين يوماً فقط، مما حدا به إلى إقامة دعواه المشار إليها توصلاً للقضاء له بطلباته، وأثناء نظر الدعوى دفع المدعي بعدم دستورية نص المادة (104) من لائحة نظام العاملين بالهيئة سالفة الذكر، وإذ قدرت المحكمة جدية هذا الدفع، وصرحت للمدعي برفع الدعوى الدستورية، فقد أقام دعواه الماثلة.
وحيث إنه عن الدفع المبدى من هيئة قضايا الدولة بعدم اختصاص المحكمة بنظر الدعوى، فهو مردود، ذلك أن الهيئة المصرية العامة للبترول - التي كان يعمل بها المدعي - تعد وفقاً لقانونها رقم 20 لسنة 1976 هيئة عامة تتمتع بالشخصية الاعتبارية المستقلة، وتدخل ضمن أشخاص القانون العام، ويعتبر العاملون بها موظفين عموميين، يرتبطون بالهيئة بعلاقة لائحية تنظيمية، خلافاً للعاملين بالشركات التابعة للهيئة الذين تربطهم بالشركات التي يعملون بها علاقة تعاقدية تدخل ضمن علاقات القانون الخاص، وبالتالي فإن لائحة نظام العاملين بالهيئة - التي تتضمن النص المطعون فيه - الصادرة من مجلس إدارة الهيئة بموجب الاختصاص المخول له بمقتضى نص المادة (9) من القانون رقم 20 لسنة 1976 المشار إليه، تعد تشريعاً بالمعنى الموضوعي، وتدخل في عداد التشريعات التي تمتد إليها رقابة هذه المحكمة، الأمر الذي يضحى معه الدفع المتقدم في غير محله متعيناً الالتفات عنه.
وحيث إن هذه المحكمة سبق لها أن حسمت المسألة الدستورية المثارة في الدعوى الماثلة بحكمها الصادر بجلسة 4/ 4/ 2004 في الدعوى رقم 60 لسنة 25 قضائية "دستورية"، القاضي بعدم دستورية نص المادة (104) من لائحة نظام العاملين بالهيئة المشار إليها قبل تعديلها بالقرار رقم 17 لسنة 1998، فيما تضمنه من حرمان العامل من البدل النقدي لرصيد إجازاته الاعتيادية فيما يجاوز المائة وعشرين يوماً متى كان عدم الحصول على هذا الرصيد راجعاً إلى أسباب اقتضتها مصلحة العمل، وإذ نشر هذا الحكم في الجريدة الرسمية بعددها رقم (16) تابع ( أ ) بتاريخ 15/ 4/ 2004، وكان مقتضى نص المادتين (48، 49) من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979، أن يكون لقضاء هذه المحكمة في الدعاوى الدستورية حجية مطلقة في مواجهة الكافة وبالنسبة إلى الدولة بسلطاتها المختلفة، باعتباره قولاً فصلاً في المسألة المقضى فيها، وهي حجية تحول بذاتها دون المجادلة فيه أو إعادة طرحه عليها من جديد، ومن ثم فإن الخصومة في الدعوى الراهنة تغدو منتهية.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة باعتبار الخصومة منتهية.

قرار وزير العدل رقم 3893 لسنة 2026 بإنشاء محكمة طفل نموذجية بمحكمة شرق الإسكندرية الابتدائية

المنشور بالوقائع المصرية بتاريخ : ⁦۲۰۲٦/۰۸/۰۸⁩
وزارة العــــــدل
قرار وزير العدل رقم ٣٨٩٣ لسنة ٢٠٢٦
وزير العدل
بعد الاطلاع على الدستور ؛
وعلى قانون الإجراءات الجنائية رقم ١٥٠ لسنة ١٩٥٠ وتعديلاته ؛
وعلى قانون المرافعات المدنية والتجارية رقم ١٣ لسنة ١٩٦٨ وتعديلاته ؛
وعلى قانون السلطة القضائية الصادر بالقانون رقم ٤٦ لسنة ١٩٧٢؛
وعلى قانون الطفل الصادر بالقانون رقم ١٢ لسنة ١٩٩٦ والمعدل بالقانون رقم ١٢٦ لسنة ٢٠٠٨ ؛
وعلى كتاب السيدة القاضية مساعد وزير العدل لقطاع حقوق الإنسان والمرأة والطفل المؤرخ ١٣/٥/٢٠٢٦ ؛
وعلى كتاب السيد القاضى مساعد وزير العدل لشئون أبنية دور المحاكم والشهر العقارى المؤرخ ٢٠/٥/٢٠٢٦ ؛
قـــــرر :
(المادة الأولى)
تنشأ محكمة طفل بمحكمة شرق الإسكندرية الابتدائية وتسمى محكمة الطفل النموذجية، ومقرها بمبنى المحكمة الكائن بالطابق السادس - بمجمع المحاكم الجديد ٦٦ شارع ٢٦ يوليو - المنشية - محافظة الإسكندرية.

(المادة الثانية)
على الإدارات المختصة بوزارة العدل والنيابة العامة تنفيذ هذا القرار.

(المادة الثالثة)
ينشر هذا القرار بالوقائع المصرية، ويعمل به اعتبارًا من يوم السبت الموافق ١٨/٧/٢٠٢٦
صدر فى ١٤/٧/٢٠٢٦
وزير العدل
المستشار/ محمود حلمى الشريف

القضية 179 لسنة 24 ق جلسة 10 / 4 / 2005 دستورية عليا مكتب فني 11 ج 1 دستورية ق 281 ص 1706

جلسة 10 إبريل سنة 2005

برئاسة السيد المستشار/ ممدوح مرعي - رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين: حمدي محمد علي وماهر البحيري ومحمد علي سيف الدين وعدلي محمود منصور وعلي عوض صالح والدكتور عادل عمر شريف وحضور السيد المستشار/ نجيب جمال الدين علما - رئيس هيئة المفوضين وحضور السيد/ ناصر إمام محمد حسن - أمين السر.

--------------

قاعدة رقم (281)
القضية رقم 179 لسنة 24 قضائية "دستورية"

(1) المحكمة الدستورية العليا "اختصاصها: رقابة دستورية: محلها".
يتحدد اختصاص المحكمة الدستورية بالرقابة على دستورية القوانين بمعناها الموضوعي سواء وردت هذه النصوص بالتشريعات الأصلية التي أقرتها السلطة التشريعية أم تضمنتها التشريعات الفرعية التي تصدرها السلطة التنفيذية في حدود صلاحيتها التي ناطها الدستور بها. وأن تنقبض تلك الرقابة بالتالي عما سواها.
(2) لائحة خاصة "تنظيم اتفاقي - عدم اختصاص".
إن لائحة شروط انتفاع المهندسين بالوحدات السكنية في مشروع إسكان نقابة المهندسين بمدينة المنيا والتي تضمنت النص الطعين، ليست إلا تنظيماً اتفاقياً بين أعضاء النقابة الفرعية.

-----------------
1 - حيث إن الدستور قد عهد بنص المادة (175) منه إلى المحكمة الدستورية العليا دون غيرها بتولي الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح على الوجه المبين في القانون. وبناء على هذا التفويض أصدر المشرع قانون هذه المحكمة مبيناً اختصاصاتها محدداً ما يدخل في ولايتها حصراً، مستبعداً من مهامها ما لا يندرج تحتها، فخولها اختصاصاً منفرداً بالرقابة على دستورية القوانين واللوائح، مانعاً أية جهة من مزاحمتها فيه، مفصلاً طرائق هذه الرقابة وكيفيتها، وذلك ضماناً منه لمركزية الرقابة على المشروعية الدستورية وتأميناً لاتساق ضوابطها وتناغم معاييرها، وصولاً من بعد إلى بناء الوحدة العضوية لأحكام الدستور، بما يكفل تكاملها وتجانسها، مؤكداً أن اختصاص هذه المحكمة - في حال مباشرتها الرقابة القضائية على الدستورية - ينحصر في النصوص التشريعية أياً كان موضوعها، أو نطاق تطبيقها، أو الجهة التي أقرتها أو أصدرتها، فلا تنبسط ولايتها في شأن الرقابة القضائية على الدستورية إلا على القانون بمعناه الموضوعي باعتباره منصرفاً إلى النصوص القانونية التي تتولد عنها مراكز عامة مجردة، سواء وردت هذه النصوص بالتشريعات الأصلية التي أقرتها السلطة التشريعية أم تضمنتها التشريعات الفرعية التي تصدرها السلطة التنفيذية في حدود صلاحيتها التي ناطها الدستور بها. وأن تنقبض تلك الرقابة بالتالي عما سواها.
2 - إن لائحة شروط انتفاع المهندسين بالوحدات السكنية في مشروع إسكان نقابة المهندسين بمدينة المنيا والتي تضمنت النص الطعين، ليست إلا تنظيماً اتفاقياً بين أعضاء النقابة الفرعية، وهي بذلك لا تعد من التشريعات أو اللوائح التي تختص هذه المحكمة بإعمال رقابتها عليها، الأمر الذي يتعين معه القضاء بعدم اختصاص المحكمة بنظر الدعوى الماثلة.


الإجراءات

بتاريخ الثالث من يونيو سنة 2002، أودع المدعي صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة، طالباً الحكم بعدم دستورية نص الفقرة الخامسة من شروط انتفاع المهندسين بالوحدات السكنية في مشروع إسكان نقابة المهندسين بمدينة المنيا عزبة المصاص.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم بعدم اختصاص المحكمة بنظر الدعوى، واحتياطياً برفضها.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونُظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع - على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق - تتحصل في أن المدعي كان قد أقام على المدعى عليهما الأول والثاني الدعوى رقم 1868 لسنة 2000 مدني كلي المنيا، ابتغاء الحكم بإلزامهما بتسليمه الشقة التي خصصت له بمجمع إسكان نقابة المهندسين بالمنيا والتعويض في حالة الاستحالة. على قول منه بأن النقابة الفرعية قد تقاعست عن إتمام البيع بدعوى مخالفته للبند الخامس من شروط الإعلان الخاص بالوحدات لسبق حصوله على شقة في مشروع الجمعية التعاونية لإسكان المهندسين بالمنيا. فدفع المدعي بعدم دستورية الفقرة الخامسة المشار إليها، وبعد أن قدرت المحكمة جدية الدفع وصرحت له بإقامة الدعوى الدستورية، أقام الدعوى الماثلة.
وحيث إن الدستور قد عهد بنص المادة (175) منه إلى المحكمة الدستورية العليا دون غيرها بتولي الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح على الوجه المبين في القانون. وبناء على هذا التفويض أصدر المشرع قانون هذه المحكمة مبيناً اختصاصاتها محدداً ما يدخل في ولايتها حصراً، مستبعداً من مهامها ما لا يندرج تحتها، فخولها اختصاصاً منفرداً بالرقابة على دستورية القوانين واللوائح، مانعاً أية جهة من مزاحمتها فيه، مفصلاً طرائق هذه الرقابة وكيفيتها، وذلك ضماناً منه لمركزية الرقابة على المشروعية الدستورية وتأميناً لاتساق ضوابطها وتناغم معاييرها، وصولاً من بعد إلى بناء الوحدة العضوية لأحكام الدستور، بما يكفل تكاملها وتجانسها، مؤكداً أن اختصاص هذه المحكمة - في حال مباشرتها الرقابة القضائية على الدستورية - ينحصر في النصوص التشريعية أياً كان موضوعها، أو نطاق تطبيقها، أو الجهة التي أقرتها أو أصدرتها، فلا تنبسط ولايتها في شأن الرقابة القضائية على الدستورية إلا على القانون بمعناه الموضوعي باعتباره منصرفاً إلى النصوص القانونية التي تتولد عنها مراكز عامة مجردة، سواء وردت هذه النصوص بالتشريعات الأصلية التي أقرتها السلطة التشريعية أم تضمنتها التشريعات الفرعية التي تصدرها السلطة التنفيذية في حدود صلاحيتها التي ناطها الدستور بها. وأن تنقبض تلك الرقابة بالتالي عما سواها.
وحيث إن لائحة شروط انتفاع المهندسين بالوحدات السكنية في مشروع إسكان نقابة المهندسين بمدينة المنيا والتي تضمنت النص الطعين، ليست إلا تنظيماً اتفاقياً بين أعضاء النقابة الفرعية، وهي بذلك لا تعد من التشريعات أو اللوائح التي تختص هذه المحكمة بإعمال رقابتها عليها، الأمر الذي يتعين معه القضاء بعدم اختصاص المحكمة بنظر الدعوى الماثلة.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بعدم اختصاصها بنظر الدعوى، ومصادرة الكفالة، وألزمت المدعي المصروفات ومبلغ مائتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة.

الطعن 1574 لسنة 50 ق جلسة 2 / 10 / 1980 مكتب فني 31 ق 159 ص 826

جلسة 2 من أكتوبر سنة 1980

برئاسة السيد المستشار/ صلاح نصار نائب رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين: حسن جمعة؛ وأحمد محمود هيكل؛ ومحمد عبد الخالق النادي؛ والدكتور علي فاضل.

-----------------

(159)
الطعن رقم 1574 لسنة 50 القضائية

(1، 2) اشتراك. "طرقه". إثبات "بوجه عام". اتفاق.
(1) الاشتراك بالاتفاق يتحقق باتحاد نية أطرافه على ارتكاب الفعل المتفق عليه. هذه النية أمر داخلي لا يقع تحت الحواس. جواز الاستدلال عليها بأي دليل مباشر أو بطريق الاستنتاج. أو من فعل لاحق للجريمة.
(2) التدليل على حصول الاشتراك بالاتفاق بأدلة محسوسة. لا يلزم. كفاية استخلاص حصوله من وقائع الدعوى وملابساتها.
(3) حكم. "تسبيبه. تسبيب غير معيب". محكمة الموضوع. "سلطتها في تقدير الدليل".
عدم تقرير القانون شكلاً خاصاً لصياغة الحكم. كفاية أن يكون مجموع ما أورده الحكم مؤدياً إلى الواقعة بأركانها وظروفها.
(4) محكمة الموضوع. "سلطتها في تقدير الدليل" دفاع. "الإخلال بحق الدفاع. ما لا يوفره". حكم "تسبيبه. تسبيب غير معيب".
عدم التزام المحكمة بتتبع المتهم في مناحي دفاعه الموضوعي.
(5) خطأ. تعويض. مسئولية مدنية. دعوى مدنية. نقض. "أسباب الطعن. ما لا يقبل منها". ضرر. تضامن.
لا يشترط في الحكم بالتضامن على المسئولين عن التعويض. وقوع خطأ واحد منهم. يكفي وقوع خطأ من كل منهم ولو كان غير الذي وقع من زملائه متى كانت أخطاؤهم مجتمعة قد سببت 
للمضرور ضرراً واحداً ولو كانت مختلفة أو لم تقع في وقت واحد.

---------------------

1 - من المقرر أن الاشتراك بالاتفاق إنما يتحقق من اتحاد نية أطرافه على ارتكاب الفعل المتفق عليه وهذه النية أمر دخلي لا يقع تحت الحواس ولا يظهر بعلامات خارجية، وإذ كان القاضي الجنائي حراً في أن يستمد عقيدته من أي مصدر شاء فإن له - إذا لم يقم على الاشتراك دليل مباشر من اعتراف أو شهادة شهود أو غيره - أن يستدل عليه بطريق الاستنتاج من القرائن التي تقوم لديه ما دام هذا الاستدلال سائغاً وله من ظروف الدعوى ما يبرره كما له أن يستنتج حصوله من فعل لاحق للجريمة يشهد به.
2 - ليس على المحكمة أن تدلل على حصول الاشتراك بطريق الاتفاق بأدلة مادية محسوسة بل يكفيها للقول بقيام الاشتراك أن تستخلص حصوله من وقائع الدعوى وملابساتها ما دام في تلك الوقائع ما يسوغ الاعتقاد بوجوده.
3 - من المقرر أنه ينبغي ألا يكون الحكم مشوباً بإجمال أو إبهام مما يتعذر معه تبين مدى صحة الحكم من فساده في التطبيق القانوني على واقعة الدعوى إلا أن المقرر أيضاً أن القانون لم يرسم شكلاً خاصاً يصوغ فيه الحكم بيان الواقعة المستوجبة للعقوبة والظروف التي وقعت فيها وإذ كان مجموع ما أورده الحكم المطعون فيه كافياً في تفهم واقعة الدعوى بأركانها وظروفها حسبما استخلصته المحكمة فإنه ينتفي عنه قالة الإجمال والإبهام.
4 - لما كان الحكم قد عرض لدفاع الطاعن في شأن التأخير في الإبلاغ عن الواقعة وعدم إتمام الجرد الفعلي لمستودعات البترول فأطرحه والتفتت عنه اطمئناناً منه لأدلة الثبوت السائغة التي أوردها، فهذا حسبه كيما يتم تدليله ويستقيم قضاؤه طالما أنه أورد الأدلة المنتجة التي صحت لديه على ما استخلصه من وقوع الجريمة المسندة إلى المتهم، ولا عليه أن يتعقبه في كل جزئية من جزيئات دفاعه لأن مفاد التفاته عنها أنه أطرحها، ومن ثم فإن ما يثيره الطاعنان في هذا الخصوص لا يعدو أن يكون جدلاً موضوعياً في تقدير الدليل وفي سلطة محكمة الموضوع في وزن عناصر الدعوى واستنباط معتقدها وهو ما لا يجوز إثارته أمام محكمة النقض.
5 - لا يشترط قانوناً في الحكم بالتضامن على المسئولين عن التعويض أن يكون الخطأ الذي وقع منهم واحداً بل يكفي أن يكون قد وقع من كل منهم خطأ ولو كان غير الذي وقع من زميله أو زملائه متى كانت أخطاؤهم قد سببت للمضرور ضرراً واحداً ولو كانت مختلفة أو لم تقع في وقت واحد.


الوقائع

اتهمت النيابة العامة الطاعنين بأنهما اشتركا وآخر بطريق الاتفاق والمساعدة في اختلاس كميات السولار وزيت الديزل والبالغ قيمتها (ثلاثمائة وسبع وتسعون جنيهاً وأربعون مليماً) لدى توريدها لمخازنه وساعداه على ذلك بنقل هذه الكميات وتمت الجريمة بناء على هذا الاتفاق وتلك المساعدة، وطلبت إلى مستشار الإحالة إحالتهم إلى محكمة الجنايات لمعاقبتهم طبقاً للقيد والوصف الواردين بأمر الإحالة فقرر ذلك. ومحكمة جنايات الجيزة قضت حضورياً عملاً بالمواد 40/ 2، 3، 41، 111/ 6، 117، 118، 119 من قانون العقوبات بمعاقبة كل منهما بالسجن ثلاث سنوات وبعزلهما من وظيفتهما وبإلزامهما متضامنين مع آخرين برد مبلغ 397 ج و40 م وبغرامة قدرها خمسمائة جنيه. فطعن المحكوم عليهما في هذا الحكم بطريق النقض.... إلخ.


المحكمة

حيث إن مبنى الطعن هو أن الحكم المطعون فيه إذ دان الطاعنين بجريمة الاشتراك مع آخر في اختلاس أموال مملوكة للدولة بطريقي الاتفاق والمساعدة قد شابه قصور في التسبيب وفساد في الاستدلال وانطوى على خطأ في تطبيق القانون، ذلك بأنه جاء مبهماً ومجهلاً في أسبابه إذ لم يدلل على اشتراكهما مع الآخر الذي تسلم المواد البترولية المقول باختلاسها ولا على أن تسلمها كان بسبب الوظيفة، وأقام قضاءه على مجرد احتمال مشاركتهما في ارتكاب الجريمة، كما أعرض عن تناول دفاعهما القائم على أنهما سلما حمولة السيارتين قيادتهما يوم 28/ 9/ 1971 في حين أن الواقعة لم يبلغ بها إلا يوم 30/ 9/ 1971 هذا فضلاً عن أن الحكم قد أخطأ في قضائه بإلزام الطاعنين برد قيمة المواد البترولية المختلسة جميعها والبالغ قدرها 379 ج و20 م رغم أن الطاعن الأول لم يتسلم من المواد البترولية سوى ما قيمته 147 ج و20 م وقد تسلم الطاعن الثاني منها ما قيمته 250 ج و120 م - كل ذلك مما يعيب الحكم بما يوجب نقضه.
وحيث إن الحكم المطعون فيه قد حصل واقعة الدعوى بما مجمله أن المتهم الأول...... وهو موظف عمومي أمين مخزن "بشركة النيل العامة للطرق الصحراوية والمملوكة للدولة" اتفق مع المتهم الثاني...... والطاعنين على اختلاس زيت الديزل البالغ قيمته 147 ج و20 م حمولة السيارة قيادة الطاعن الأول، والسولار البالغ قيمته 250 ج و120 م حمولة السيارة قيادة الطاعن الثاني بأن استولى على هذه الكميات المرسلة من الجمعية التعاونية للبترول إلى مقر عملية "طموه" وأثبت المتهم الثاني على خلاف الحقيقة - إضافة الكميات المختلسة إلى مخزن العملية وقام الطاعنان بنقلها إلى مكان آخر وأورد الحكم على ثبوت الوقائع على هذا النحو في حق الطاعنين أدلة من شأنها أن تؤدي إلى ما رتب عليها. لما كان ذلك، وكان من المقرر أن الاشتراك بالاتفاق إنما يتحقق من اتحاد نية أطرافه على ارتكاب الفعل المتفق عليه وهذه النية أمر داخلي لا يقع تحت الحواس ولا يظهر بعلامات خارجية، وإذ كان القاضي الجنائي حراً في أن يستمد عقيدته من أي مصدر شاء فإن له - إذا لم يقم على الاشتراك دليل مباشر من اعتراف أو شهادة شهود أو غيره - أن يستدل عليه بطريق الاستنتاج من القرائن التي تقوم لديه ما دام هذا الاستدلال سائغاً وله من ظروف الدعوى ما يبرره كما له أن يستنتج حصوله من فعل لاحق للجريمة يشهد به، ولما كان الحكم المطعون فيه قد دلل بالأسباب السائغة التي أوردها على أن الطاعنين باتفاقهما مع المحكوم عليه الأول قاما بنقل حمولتي السيارتين - قيادتهما من المواد البترولية إلى خارج مخازن الشركة لحساب الأخير واختلسها، فإن هذا حسبه ليستقيم قضاؤه، ذلك أنه ليس على المحكمة أن تدلل على حصول الاشتراك بطريق الاتفاق بأدلة مادية محسوسة بل يكفيها للقول بقيام الاشتراك أن تستخلص حصوله من وقائع الدعوى وملابساتها ما دام في تلك الوقائع ما يسوغ الاعتقاد بوجوده وهو ما لم يخطئ الحكم في تقديره، ولما كان دور الطاعنين قد اقتصر على الاشتراك في جريمة الاختلاس فلا محل لتوافر صفة ما في حق كل من الطاعنين أو وجوب التحقق من أنهما تسلما المواد البترولية المختلسة بسبب وظيفتهما ومن ثم فإن ما يثيره الطاعنان في هذا الشأن يكون في غير محله. لما كان ذلك، وكان من المقرر أنه ينبغي ألا يكون الحكم مشوباً بإجمال أو إبهام مما يتعذر معه تبين مدى صحة الحكم من فساده في التطبيق القانوني على واقعة الدعوى إلا أن المقرر أيضاً أن القانون لم يرسم شكلاً خاصاً يصوغ فيه الحكم بيان الواقعة المستوجبة للعقوبة والظروف التي وقعت فيها وإذ كان مجموع ما أورده الحكم المطعون فيه كافياً في تفهم واقعة الدعوى بأركانها وظروفها حسبما استخلصته المحكمة فإنه ينتفي عنه قالة الإجمال والإبهام. لما كان ذلك، وكان الحكم قد عرض لدفاع الطاعنين في شأن التأخير في الإبلاغ عن الواقعة وعدم إتمام الجرد الفعلي لمستودعات البترول وأطرحه والتفت عنه اطمئناناً منه لأدلة الثبوت السائغة التي أوردها، فهذا حسبه كيما يتم تدليله ويستقيم قضاؤه طالما أنه أورد الأدلة المنتجة التي صحت لديه على ما استخلصه من وقوع الجريمة المسندة إلى المتهم، ولا عليه أن يتعقبه في كل جزئية من جزيئات دفاعه لأن مفاد التفاته عنها أنه أطرحها، ومن ثم فإن ما يثيره الطاعنان في هذا الخصوص لا يعدو أن يكون جدلاً موضوعياً في تقدير الدليل وفي سلطة محكمة الموضوع في وزن عناصر الدعوى واستنباط معتقدها وهو ما لا يجوز إثارته أمام محكمة النقض. لما كان ذلك، وكان لا يشترط قانوناً في الحكم بالتضامن على المسئولين عن التعويض أن يكون الخطأ الذي وقع منهم واحداً بل يكفي أن يكون قد وقع من كل منهم خطأ ولو كان غير الذي وقع من زميله أو زملائه متى كانت أخطاؤهم قد سببت للمضرور ضرراً واحداً ولو كانت مختلفة أو لم تقع في وقت واحد - وإذ كان الحكم المطعون فيه قد أثبت في حق الطاعنين - على ما سلف بيانه اشتراكهما في اختلاس المواد البترولية (سولار وزيت ديزل) البالغ قيمتها 397 ج و20 م وهو ما قضى بإلزامهما متضامنين بردها مع باقي المحكوم عليهم، فإنه يكون قد أصاب صحيح القانون. لما كان ما تقدم، فإن الطعن برمته يكون على غير أساس متعيناً رفضه موضوعاً.

السبت، 15 أغسطس 2026

القضية 168 لسنة 24 ق جلسة 10 / 4 / 2005 دستورية عليا مكتب فني 11 ج 1 دستورية ق 280 ص 1701

جلسة 10 إبريل سنة 2005

برئاسة السيد المستشار/ ممدوح مرعي - رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين: ماهر البحيري وعدلي محمود منصور ومحمد عبد القادر عبد الله وعلي عوض محمد صالح وأنور رشاد العاصي والدكتور عادل عمر شريف وحضور السيد المستشار/ نجيب جمال الدين علما - رئيس هيئة المفوضين وحضور السيد/ ناصر إمام محمد حسن - أمين السر.

------------------

قاعدة رقم (280)
القضية رقم 168 لسنة 24 قضائية "دستورية"

دعوى دستورية "تجهيل - عدم قبول".
الدفع بعدم الدستورية لا يستنهض ولاية محكمة الموضوع لتقدير جديته إلا إذا ورد على نص أو نصوص بذاتها عينها المدعي وحددها باعتبارها نطاقاً لدفعه، متضمناً تحديد أبعاده، كي تجيل محكمة الموضوع بصرها في النصوص المطعون عليها لتقدير جدية المطاعن الموجهة إليها من وجهة نظر أولية لا تسبر أغوارها، ولا تعتبر منبئة عن كلمة فاصلة في شأن اتفاقها مع أحكام الدستور أو خروجها عليها. خلو الدفع بعدم الدستورية من بيانها، ثم التصريح للمدعي برفع الدعوى الدستورية ترتيباً عليه، مؤداه أن هذا التصريح قد ورد على غير محل.

---------------------

حيث إنه من المقرر - في قضاء هذه المحكمة - أن المشرع قد رسم طريقاً لرفع الدعوى الدستورية التي أتاح للخصوم مباشرتها، فحتم ألا ترفع إلا بعد إبداء دفع بعدم الدستورية تقدر محكمة الموضوع جديته، ولا تقبل إلا إذا رفعت خلال الأجل الذي ناط المشرع بمحكمة الموضوع أمر تحديده بحيث لا يجاوز ميعاد ثلاثة الأشهر الذي فرضه المشرع على نحو آمر كحد أقصى لرفع الدعوى الدستورية. وكان الأصل أن هذه الأوضاع الإجرائية من الأشكال الجوهرية في التقاضي لتعلقها بمصلحة عليا غايتها أن ينتظم التداعي في المسائل الدستورية وفقاً لقانون المحكمة وطبقاً للأوضاع المنصوص عليها فيه. وكان البين من الاطلاع على محضر جلسة 16/ 2/ 2002 الخاص بالدعوى الموضوعية رقم 10092 لسنة 117 قضائية استئناف القاهرة، أن المدعي قد دفع بعدم دستورية ما أسماه "المادة (25) من قانون وزير المالية" ذ وطلب أجلاً للطعن بعدم الدستورية، فأجابته محكمة الموضوع إلى طلبه. وكان من المقرر أن الدفع بعدم الدستورية لا يستنهض ولاية محكمة الموضوع لتقدير جديته إلا إذا ورد على نص أو نصوص بذاتها عينها المدعي وحددها باعتبارها نطاقاً لدفعه، متضمناً تحديد أبعاده، كي تجيل محكمة الموضوع بصرها في النصوص المطعون عليها لتقدير جدية المطاعن الموجهة إليها من وجهة نظر أولية لا تسبر أغوارها، ولا تعتبر منبئة عن كلمة فاصلة في شأن اتفاقها مع أحكام الدستور أو خروجها عليها. متى كان ذلك وكان التجهيل بالنصوص التشريعية المطعون عليها - وهو ما سلكه المدعي في دفعه أمام محكمة الموضوع - لا يتضمن تعريفاً بها يكون محدداً بذاته لماهيتها، وكاشفاً عن حقيقة محتواها، وكان هذا التحديد لازماً لزوماً حتمياً لتقدير جديتها، فإن خلو الدفع بعدم الدستورية من بيانها، ثم التصريح للمدعي برفع الدعوى الدستورية ترتيباً عليه، مؤداه أن هذا التصريح قد ورد على غير محل، إذ يتعين دائماً لاتصال هذه الدعوى بالمحكمة الدستورية العليا عن طريق الدفع الفرعي، ألا يكون هذا الدفع مبهماً، وأن يكون تقدير محكمة الموضوع لجديته تالياً لبيان مضمونه، وهو ما قام الدليل على نقيضه. متى كان ما تقدم، فإن الدعوى الدستورية لا تكون قد اتصلت بالمحكمة وفقاً للأوضاع المنصوص عليها في قانونها، ويتعين بالتالي الحكم بعدم قبولها.


الإجراءات

بتاريخ التاسع عشر من مايو سنة 2002، أودع المدعي صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة، طالباً الحكم بعدم دستورية قرار وزير المالية رقم 161 لسنة 1991 بإصدار اللائحة التنفيذية لقانون الضريبة العامة على المبيعات الصادر بالقانون رقم 11 لسنة 1991، وكذا قرار وزير المالية رقم 559 لسنة 1991، الصادر تنفيذاً للنص الوارد باللائحة التنفيذية آنفة الذكر.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم أصلياً بعدم اختصاص المحكمة أو بعدم قبول الدعوى، واحتياطياً برفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع - على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق - تتحصل في أن المدعي كان قد أقام الدعوى رقم 3237 لسنة 2000 أمام محكمة جنوب القاهرة الابتدائية ضد المدعى عليه الثاني، بطلب الحكم ببراءة ذمة الشركة التي يمثلها من المبالغ التي تطالبه بها مصلحة الضرائب على المبيعات، وبرد ما سبق له سداده تحت حساب الضريبة ذاتها، تأسيساً على أن نشاط الشركة لا يخضع لهذه الضريبة. وإذ رفضت دعواه، فقد استأنف الحكم بالاستئناف رقم 10092 لسنة 117 قضائية أمام محكمة استئناف القاهرة، وأثناء نظره دفع بعدم دستورية نص المادة (25) من قانون وزير المالية، وإذ ارتأت المحكمة جدية هذا الدفع وصرحت له بإقامة الدعوى الدستورية، فقد أقام الدعوى الماثلة.
وحيث إنه من المقرر - في قضاء هذه المحكمة - أن المشرع قد رسم طريقاً لرفع الدعوى الدستورية التي أتاح للخصوم مباشرتها، فحتم ألا ترفع إلا بعد إبداء دفع بعدم الدستورية تقدر محكمة الموضوع جديته، ولا تقبل إلا إذا رفعت خلال الأجل الذي ناط المشرع بمحكمة الموضوع أمر تحديده بحيث لا يجاوز ميعاد ثلاثة الأشهر الذي فرضه المشرع على نحو آمر كحد أقصى لرفع الدعوى الدستورية. وكان الأصل أن هذه الأوضاع الإجرائية من الأشكال الجوهرية في التقاضي لتعلقها بمصلحة عليا غايتها أن ينتظم التداعي في المسائل الدستورية وفقاً لقانون المحكمة وطبقاً للأوضاع المنصوص عليها فيه. وكان البين من الاطلاع على محضر جلسة 16/ 2/ 2002 الخاص بالدعوى الموضوعية رقم 10092 لسنة 117 قضائية استئناف القاهرة، أن المدعي قد دفع بعدم دستورية ما أسماه "المادة (25) من قانون وزير المالية" ذ وطلب أجلاً للطعن بعدم الدستورية، فأجابته محكمة الموضوع إلى طلبه. وكان من المقرر أن الدفع بعدم الدستورية لا يستنهض ولاية محكمة الموضوع لتقدير جديته إلا إذا ورد على نص أو نصوص بذاتها عينها المدعي وحددها باعتبارها نطاقاً لدفعه، متضمناً تحديد أبعاده، كي تجيل محكمة الموضوع بصرها في النصوص المطعون عليها لتقدير جدية المطاعن الموجهة إليها من وجهة نظر أولية لا تسبر أغوارها، ولا تعتبر منبئة عن كلمة فاصلة في شأن اتفاقها مع أحكام الدستور أو خروجها عليها. متى كان ذلك وكان التجهيل بالنصوص التشريعية المطعون عليها - وهو ما سلكه المدعي في دفعه أمام محكمة الموضوع - لا يتضمن تعريفاً بها يكون محدداً بذاته لماهيتها، وكاشفاً عن حقيقة محتواها، وكان هذا التحديد لازماً لزوماً حتمياً لتقدير جديتها، فإن خلو الدفع بعدم الدستورية من بيانها، ثم التصريح للمدعي برفع الدعوى الدستورية ترتيباً عليه، مؤداه أن هذا التصريح قد ورد على غير محل، إذ يتعين دائماً لاتصال هذه الدعوى بالمحكمة الدستورية العليا عن طريق الدفع الفرعي، ألا يكون هذا الدفع مبهماً، وأن يكون تقدير محكمة الموضوع لجديته تالياً لبيان مضمونه، وهو ما قام الدليل على نقيضه. متى كان ما تقدم، فإن الدعوى الدستورية لا تكون قد اتصلت بالمحكمة وفقاً للأوضاع المنصوص عليها في قانونها، ويتعين بالتالي الحكم بعدم قبولها.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بعدم قبول الدعوى، وبمصادرة الكفالة، وألزمت المدعي المصروفات ومبلغ مائتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة.


أصدرت المحكمة الدستورية العليا بذات الجلسة حكماً مماثلاً في القضية رقم 252 لسنة 24 قضائية "دستورية".

الطعن 23082 لسنة 93 ق جلسة 22 / 12 / 2024 مكتب فني 75 ق 137 ص 911

جلسة ٢٢ من ديسمبر سنة ٢٠٢٤
برئاسة السيد القاضي/ عرفة أحمد دريع "نائب رئيس المحكمة"، وعضوية السادة القضاة/ عامر عبد الرحيم، خالد سليمان، حسين توفيق وعبد الراضي عبد الرحيم "نواب رئيس المحكمة".
--------------------
(۱۳۷)
الطعن رقم ٢٣٠٨٢ لسنة ٩٣ القضائية
(١) اختصاص "الاختصاص الولائي". دفوع "الدفع بعدم الاختصاص الولائي". نقض "أسباب الطعن: الأسباب المتعلقة بالنظام العام".
الدفع بعدم الاختصاص الولائي من النظام العام. أثره. تقضي به المحكمة من تلقاء نفسها.
(٢ – ٩) اختصاص "الاختصاص المتعلق بالولاية: اختصاص المحاكم العادية: القضاء العادي صاحب الولاية العامة: اختصاص مجلس الدولة". قرار إداري "ماهيته: مقوماته". رسوم.
(٢) القضاء العادي صاحب الولاية العامة في نظر المنازعات المدنية والتجارية. تقييد هذه الولاية. استثناء يجب عدم التوسع في تفسيره. علة ذلك.
(٣) محاكم مجلس الدولة صاحبة الولاية العامة في الفصل في المنازعات الإدارية. م ١٠ ق ٤٧ لسنة ١٩٧٢.
(٤) ماهية القرار الإداري. القرار الذي تفصح به جهة الإدارة عن إرادتها الملزمة بما لها من سلطة. شرطه. تحقيق مصلحة عامة.
(٥) وصم القرار الإداري بعيب انحدر به إلى درجة الانعدام. مؤداه. أصبح واقعة مادية مما يخرجه عن عداد القرارات الإدارية. أثره. خضوعه لاختصاص المحاكم العادية.
(٦) عدم تعريف القانون للقرارات الإدارية وبيان خصائصها. أثره. اختصاص المحاكم المدنية بإسباغ الوصف القانوني على القرار.
(٧) الرسوم. ماهيتها. الفرائض التي تُستأدى جبرًا مُقابل خدمة محددة يقدمها الشخص العام لمن يطلبها عوضًا عن تكلفتها وإن لم يكن في مقدارها.
(٨) إجازة تفويض السلطة التشريعية للسلطة التنفيذية في تنظيم أوضاع الرسوم. شرطه. تحديد القانون نوع الخدمة والحدود القصوى للرسم وغيرها من القيود التي لا يجوز تخطيها. علة ذلك.
(٩) استناد الطاعن في إصدار قراره الإداري بتحصيل نفقات حوكمة أجهزة الهاتف المحمول من مستوردي أجهزة الهاتف المحمول إلى نص م ٨ ف ٣ بق ١٠ لسنة ٢٠٠٣ بواقع ٥٪ من قيمة الفاتورة. خطأ. علة ذلك. خلو ذلك النص من بيان هذه الخدمة وحد الرسم الأقصى ووجود نص قانوني في م ٢ بفرض رسم تنمية الموارد المالية للدولة بالنسبة ذاتها. أثره. صيرورة ذلك القرار فعل مادي معدوم الأثر. لازمه. عدم خضوعه لمواعيد الطعن عليه وخضوع الواقعة لاختصاص القضاء العادي. علة ذلك.
(١٠) محاكم اقتصادية "قضاء محكمة النقض في موضوع الدعوى الاقتصادية: شرطه".
تصدي محكمة النقض لموضوع الدعوى الاقتصادية. شرطه سبق التصدي للموضوع. اقتصار قضاء المحكمة الاقتصادية على إجراءات رفع الدعوى دون الموضوع. تصدي محكمة النقض للموضوع. مؤداه. اختزال إجراءات التقاضي على مرحلة واحدة. تعارضه مع مبادئ العدالة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
١ - المقرر - في قضاء محكمة النقض - أن الدفع بعدم الاختصاص الولائي من النظام العام، تحكم به المحكمة من تلقاء نفسها.
٢ - المقرر - في قضاء محكمة النقض– أن القضاء العادي هو صاحب الولاية العامة في نظر المنازعات المدنية والتجارية وكافة المنازعات التي لم تخرج عن دائرة اختصاصه بنص خاص، وأن أي قيد يضعه المشرع للحد من هذه الولاية / ولا يخالف به أحكام الدستور / يُعد استثناءً واردًا على أصل عام، ومن ثَمَّ يجب عدم التوسع في تفسيره، ولازم ذلك أنه إذا لم يوجد نص في الدستور أو القانون يجعل الاختصاص بالفصل في النزاع لجهة أخرى غير المحاكم، فإن الاختصاص بالفصل فيه يكون باقيًا للقضاء العادي على أصل ولايته العامة.
٣ - المقرر - في قضاء محكمة النقض– أن النص في المادة العاشرة من قانون مجلس الدولة الصادر بالقانون رقم ٤٧ لسنة ١٩٧٢ مؤداه أن محاكم مجلس الدولة هي صاحبة الولاية العامة في المنازعات الإدارية سواءً ما ورد منها على سبيل المثال بالمادة المشار إليها أو ما قد يثور بين الأفراد والجهات الإدارية بصدد ممارسة هذه الجهات لنشاطها في إدارة أحد المرافق العامة بما لها من سلطة عامة.
٤ - المقرر - في قضاء محكمة النقض– أن القرار الإداري هو إفصاح جهة الإدارة في الشكل الذي يتطلبه القانون عن إرادتها الملزمة بما لها من سلطة بمقتضى القوانين واللوائح بقصد إحداث أثر قانوني معين متى كان ممكنًا وجائزًا قانونًا وكان الباعث عليه مصلحة عامة.
٥ - المقرر - في قضاء محكمة النقض– أنه إذا نزل القرار إلى حد غصب السلطة انحدر بذلك إلى مجرد الفعل المادي المعدوم الأثر قانونًا - باعتبار أن اختصاص الجهة الإدارية بإصدار القرار ركن من أركانه - ، فلا تلحقه أية حصانة، ولا يزيل عيبه فوات ميعاد الطعن فيه، ولا يكون قابلًا للتنفيذ بالطريق المباشر، بل لا يعدو أن يكون مجرد عقبة مادية في سبيل استعمال ذوي الشأن لمراكزهم القانونية المشروعة مما يُخرجه عن عداد القرارات الإدارية، ويُخضعه لاختصاص المحاكم العادية صاحبة الولاية العامة بنظر المنازعات كافة ويبرر بذاته مطالبتهم إزالة تلك العقبة.
٦ - المقرر - في قضاء محكمة النقض– أن القانون لم يُعرّف القرارات الإدارية ولم يبين الخصائص التي تجيزها والتي يُهتدى بها في القول بتوفر الشروط اللازمة لها ولحصانتها من تعرض السلطة القضائية العادية لها بتعطيل أو تأويل أو نظر طلب تعويض عنها، فإن وظيفة المحاكم المدنية وواجبها أن تعطي هذا القرار وصفه القانوني على هدي حكمة التشريع ومبدأ الفصل بين السلطات وحماية الأفراد وحقوقهم توصلًا إلى تحديد اختصاصها للفصل في النزاع المطروح عليها.
٧ - المقرر - في قضاء محكمة النقض– أن الرسوم من الفرائض التي تستأدى جبرًا مقابل خدمة محددة يقدمها الشخص العام لمن يطلبها عِوضًا عن تَكلفتها وإن لم يكن في مقدارها.
٨ - المقرر - في قضاء محكمة النقض– أن للسلطة التشريعية تفويض السلطة التنفيذية في تنظيم أوضاعها، إلا أن ذلك مشروط بأن يحدد القانون نوع الخدمة والحدود القصوى للرسم وغيرها من القيود التي لا يجوز تخطيها حتى لا تكون تلك الرسوم مجرد وسيلة جباية لا تقابلها خدمات حقيقية يحصل عليها من يدفعها.
٩ - إذ كان الطاعن بصفته قد أصدر قرارًا بتحصيل مقابل الأعباء والأعمال التي يتحملها الجهاز لإدارة وتشغيل قواعد البيانات لحوكمة أجهزة الهاتف المحمول في جمهورية مصر العربية، بواقع ٥٪ من قيمة الفاتورة المُقر بها جمركيًا على مشمول أية شحنة أو طرد بريدي يحوي أجهزة هاتف محمول بدءًا من ٢٠٢٠/٧/١، استنادًا إلى نص المادة ٣/٨ من القانون رقم ١٠ لسنة ۲۰۰۳ بشان إصدار قانون تنظيم الاتصالات التي تنص على أن "تتكون موارد ومصادر تمويل الجهاز مما يأتي: ... ٣ / مقابل الأعمال والأعباء والخدمات التي يؤديها أو يتحملها الجهاز بالنسبة إلى المرخص لهم أو للغير سواء في الداخل أو في الخارج"، وهو نص يجيز للطاعن بصفته الحق في أن يُحمَّل المرخص لهم أو الغير مقابل ما أداه لهم أو تحمله عنهم من أعمال وأعباء وخدمات، ولا يصلح سندًا لتحميل المشار إليهم نفقات حوكمة أجهزة المحمول تحقيقًا لمهامه التي أوكلها له قانون إنشائه في المادة ٤ منه، ودون أن يقابلها خدمة محددة يقدمها الجهاز تعود بالنفع الخاص على مستوردي أجهزة الهاتف المحمول، وقد خلا ذلك النص من بيان تلك الخدمة التي حُصل عنها الرسم، والحدود القصوى للرسم وغيرها من القيود التي لا يجوز تخطيها، بما لا يصلح معه الاستناد إليه في إصدار القرار المشار إليه وتحميل الشركة الطاعنة بالنسبة المقررة به، والتي فرضها المطعون ضده الأول بصفته عليها دون أن يقابلها خدمة حقيقية فعلية مباشرة قدمها للطاعنة وهي من مستوردي أجهزة الهاتف المحمول، خاصة وأن المادة ٢ من القانون رقم ۸۳ لسنة ۲۰۲۰ بشأن تعديل بعض أحكام القانون رقم ١٤٧ لسنة ١٩٨٤ بفرض رسم تنمية الموارد المالية للدولة قد أضافت إلى الفِقرة الأولى من المادة الأولى من القانون الأخير بشأن فرض رسم يسمى "رسم تنمية الموارد المالية للدولة" البند ٢٥ والذي بموجبه أصبح ذلك الرسم مستحقًا على أجهزة الهاتف المحمول وأجزائه وجميع الكماليات (الإكسسوارات) الخاصة به، وذلك بواقع (٥٪) من قيمتها مضافًا إليها الضريبة على القيمة المضافة وغيرها من الضرائب والرسوم الأخرى، بما يعد غصبًا لاختصاص السلطة التشريعية وينحدر به إلى مجرد الفعل المادي معدوم الأثر قانونًا، فلا تلحقه أية حصانة، ولا يزيل عيبه فوات ميعاد الطعن فيه. لما كان ذلك، وكان البيِّن أن موضوع الدعوى محل الطعن هو إلزام المطعون ضده الأول بصفته أن يؤدي للشركة الطاعنة مبلغ ... جنيهًا قيمة ما تم دفعه بغير حق عن مقابل الأعباء والأعمال لأجهزة التليفون المحمول، فإن دعوى الطاعنة بهذه المثابة لا تكون موجهة إلى القرارات الإدارية الصادرة من أي جهة إدارية فلا تتصل بقرار إداري ولا تتساند إليه، وتدخل بحسب طبيعتها المدنية المحضة في نطاق اختصاص القضاء العادي، ومن ثَمَّ تكون المحاكم العادية هي المختصة بنظرها دون جهة القضاء الإداري، وإذ خالف الحكم المطعون فيه هذا النظر، وقضى بعدم اختصاص المحكمة ولائيًا بنظر الدعوى، فإنه يكون قد أخطأ في تطبيق القانون.
١٠ - إذ وقف الحكم المطعون فيه عند الفصل في مسألة الاختصاص دون التطرق لموضوع الدعوى، فلا يكون لمحكمة النقض في هذه الحالة أن تتصدى للفصل في الموضوع، إذ مؤدى ذلك اختزال إجراءات التقاضي في مرحلة واحدة وهو ما يتعارض مع مبادئ العدالة التي لا يتعين إهدارها في سبيل سرعة الفصل في الأنزعة الاقتصادية، بما يتعين معه إعادة الدعوى إلى الدائرة الاستئنافية بمحكمة القاهرة الاقتصادية للفصل في موضوعها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المحكمــة
بعد الاطلاع على الأوراق، ورأي دائرة فحص الطعون الاقتصادية، وسماع التقرير الذي تلاه السيد القاضي المُقرر، والمُرافعة، والمُداولة.
حيث إنَّ الطعن استوفى أوضاعه الشكلية.
وحيث إنَّ الوقائع - على ما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر أوراق الطعن - تتحصل في أن الشركة الطاعنة أقامت على المطعون ضدهما الدعوى رقم ... لسنة ١٦ ق اقتصادية القاهرة - الدائرة الاستئنافية - بطلب الحكم أولًا: بإلزام المطعون ضده الثاني بصفته تقديم المستندات الدالة على تحصيل رسم مقابل الأعباء والأعمال على أجهزة التليفون المحمول عن البيانات الجمركية المبينة بصدر الصحيفة، ثانيًا: بإلزام المطعون ضده الأول أن يؤدي لها مبلغ ... جنيهًا قيمة ما تم دفعه بغير حق عن مقابل الأعباء والأعمال لأجهزة التليفون المحمول والفوائد القانونية بواقع ٤٪ من تاريخ رفع الدعوى وحتى السداد على سندٍ من أنه بتاريخ ٢٠٢٠/٧/٢ أخطرها الجهاز المطعون ضده الأول بقيام المستورد بسداد مقابل الأعباء والأعمال والخدمات التي يتحملها الجهاز لحوكمة أجهزة الهاتف المحمول والتي تقدر بنسبة ٥٪ من قيمة الفاتورة المقر عنها جمركيًا من مشمول أي شحنة أو طرد بريدي يتضمن أجهزة محمول، وفي حالة الرسائل الاستيرادية التي تتضمن أجهزة محمول والمعروضة مباشرة على الجهاز لحوكمة أجهزة الهاتف المحمول وهذا المقابل الذي فرضه الجهاز ليس له سند من القانون، إذ لا تقابله خدمة حقيقية تعود بالنفع عليها، ولاسيما أن الدولة في نطاق تنمية مواردها سبق وأن فرضت رسم تنمية موارد بموجب القانون رقم ٨٣ لسنة ۲۰۲۰ على أجهزة التليفون المحمول بواقع ٥٪ من قيمتها مضافًا إليه الضريبة على القيمة المضافة وغيرها من الضرائب والرسوم الأخرى بما يتعين معه عدم الاعتداد بالقرار الصادر عن الجهاز المطعون ضده الأول ورد ما تم سدادة من مبالغ بدون وجه حق تنفيذًا له، فكانت الدعوى. وجه المطعون ضده الأول طلبًا عارضًا بطلب الحكم أولًا: بإلزام الشركة الطاعنة والمطعون ضده الثاني بصفته تقديم فواتير المبيعات الضريبية عن السنوات من ... حتى ...، ثانيًا: إلزام الشركة الطاعنة والمطعون ضده الثاني بصفته تقديم الإقرارات والمحاسبات الضريبية للشركة الطاعنة عن السنوات من ... حتى ... المقدمة لمصلحة الضرائب، ثالثًا: إلزام الشركة الطاعنة والمطعون ضده الثاني تقديم ما يفيد عدم تحميل تاجر الجملة وتاجر التجزئة، ومن ثَمَّ المستهلك النهائي قيمة ٥٪ مقابل الأعباء والأعمال المسددة للجهاز، رابعًا: انعدام مصلحة وصفة الشركة الطاعنة في الدعوى الأصلية، وبتاريخ ٢٠٢٣/٥/٣٠ حكمت المحكمة بعدم اختصاصها ولائيًا بنظر الدعوى وإحالتها لمحكمة القضاء الإداري للاختصاص، طعنت الطاعنة على هذا الحكم بطريق النقض، وقدمت النيابة العامة مذكرة أبدت فيها الرأي بنقض الحكم المطعون فيه، وإذ عُرض الطعن على دائرة فحص الطعون الاقتصادية - في غُرفة مشورة - حددت جلسة لنظره أمام هذه المحكمة، وفيها التزمت النيابة رأيها.
وحيث إنَّ حاصل ما تنعاه الشركة الطاعنة بسبب الطعن على الحكم المطعون فيه الخطأ في تطبيق القانون؛ وفي بيان ذلك تقول إن الحكم قضى بعدم اختصاص المحكمة ولائيًا بنظر الدعوى بعَدّ أن المنازعة تتعلق بإلغاء قرار إداري صادر عن الجهاز المطعون ضده الأول رغم أن ما أصدره من تعليمات بفرض رسم خدمة مقابل الأعباء والأعمال التي يتحملها لحوكمة أجهزة التليفون المحمول لا ترتقي لمستوى القرار الإداري ولا تتوافر شروطه لخلو التعليمات من أي خدمة يقدمها مقابل ذلك الرسم، ومن ثَمَّ ينعقد الاختصاص للمحاكم العادية، وإذ خالف الحكم المطعون فيه هذا النظر، فإنه يكون معيبًا بما يستوجب نقضه.
وحيث إنَّ هذا النعي سديد، ذلك أنه من المقرر - في قضاء محكمة النقض - أن الدفع بعدم الاختصاص الولائي من النظام العام تحكم به المحكمة من تلقاء نفسها، وأن القضاء العادي هو صاحب الولاية العامة في نظر المنازعات المدنية والتجارية وكافة المنازعات التي لم تخرج عن دائرة اختصاصه بنص خاص، وأن أي قيد يضعه المشرع للحد من هذه الولاية / ولا يخالف به أحكام الدستور / يُعد استثناءً واردًا على أصل عام، ومن ثَمَّ يجب عدم التوسع في تفسيره، ولازم ذلك أنه إذا لم يوجد نص في الدستور أو القانون يجعل الاختصاص بالفصل في النزاع لجهة أخرى غير المحاكم، فإن الاختصاص بالفصل فيه يكون باقيًا للقضاء العادي على أصل ولايته العامة، وكان النص في المادة العاشرة من قانون مجلس الدولة الصادر بالقانون رقم ٤٧ لسنة ١٩٧٢ مؤداه أن محاكم مجلس الدولة هي صاحبة الولاية العامة في المنازعات الإدارية سواء ما ورد منها على سبيل المثال بالمادة المشار إليها أو ما قد يثور بين الأفراد والجهات الإدارية بصدد ممارسة هذه الجهات لنشاطها في إدارة أحد المرافق العامة بما لها من سلطة عامة، وكان القرار الإداري هو إفصاح جهة الإدارة في الشكل الذي يتطلبه القانون عن إرادتها الملزمة بما لها من سلطة بمقتضى القوانين واللوائح بقصد إحداث أثر قانوني معين متى كان ممكنًا وجائزًا قانونًا وكان الباعث عليه مصلحة عامة، إلا أنه إذا نزل القرار إلى حد غصب السلطة انحدر بذلك إلى مجرد الفعل المادي المعدوم الأثر قانونًا / باعتبار أن اختصاص الجهة الإدارية بإصدار القرار ركن من أركانه / ، فلا تلحقه أية حصانة، ولا يزيل عيبه فوات ميعاد الطعن فيه، ولا يكون قابلًا للتنفيذ بالطريق المباشر، بل لا يعدو أن يكون مجرد عقبة مادية في سبيل استعمال ذوي الشأن لمراكزهم القانونية المشروعة مما يُخرجه عن عداد القرارات الإدارية، ويُخضعه لاختصاص المحاكم العادية صاحبة الولاية العامة بنظر المنازعات كافة ويبرر بذاته مطالبتهم إزالة تلك العقبة، ولمَّا كان القانون / وعلى ما استقر عليه قضاء محكمة النقض / لم يُعرّف القرارات الإدارية ولم يبين الخصائص التي تجيزها والتي يُهتدى بها في القول بتوفر الشروط اللازمة لها ولحصانتها من تعرض السلطة القضائية العادية لها بتعطيل أو تأويل أو نظر طلب تعويض عنها، فإن وظيفة المحاكم المدنية وواجبها أن تعطي هذا القرار وصفه القانوني على هدي حكمة التشريع ومبدأ الفصل بين السلطات وحماية الأفراد وحقوقهم توصلًا إلى تحديد اختصاصها للفصل في النزاع المطروح عليها، وكانت الرسوم من الفرائض التي تستأدى جبرًا مقابل خدمة محددة يقدمها الشخص العام لمن يطلبها عِوضًا عن تَكلفتها وإن لم يكن في مقدارها، وأنه ولئن كان للسلطة التشريعية تفويض السلطة التنفيذية في تنظيم أوضاعها، إلا أن ذلك مشروط بأن يحدد القانون نوع الخدمة والحدود القصوى للرسم وغيرها من القيود التي لا يجوز تخطيها حتى لا تكون تلك الرسوم مجرد وسيلة جباية لا تقابلها خدمات حقيقية يحصل عليها من يدفعها. لمَّا كان ذلك، وكان الطاعن بصفته قد أصدر قرارًا بتحصيل مقابل الأعباء والأعمال التي يتحملها الجهاز لإدارة وتشغيل قواعد البيانات لحوكمة أجهزة الهاتف المحمول في جمهورية مصر العربية، بواقع ٥٪ من قيمة الفاتورة المُقر بها جمركيًا على مشمول أية شحنة أو طرد بريدي يحوي أجهزة هاتف محمول بدءًا من .../.../...، استنادًا إلى نص المادة ٣/٨ من القانون رقم ١٠ لسنة ۲۰۰۳ بشان إصدار قانون تنظيم الاتصالات التي تنص على أن "تتكون موارد ومصادر تمويل الجهاز مما يأتي: ... ٣ / مقابل الأعمال والأعباء والخدمات التي يؤديها أو يتحملها الجهاز بالنسبة إلى المرخص لهم أو للغير سواء في الداخل أو في الخارج"، وهو نص يجيز للطاعن بصفته الحق في أن يُحمَّل المرخص لهم أو الغير مقابل ما أداه لهم أو تحمله عنهم من أعمال وأعباء وخدمات، ولا يصلح سندًا لتحميل المشار إليهم نفقات حوكمة أجهزة المحمول تحقيقًا لمهامه التي أوكلها له قانون إنشائه في المادة ٤ منه، ودون أن يقابلها خدمة محددة يقدمها الجهاز تعود بالنفع الخاص على مستوردي أجهزة الهاتف المحمول، وقد خلا ذلك النص من بيان تلك الخدمة التي حُصل عنها الرسم، والحدود القصوى للرسم وغيرها من القيود التي لا يجوز تخطيها، بما لا يصلح معه الاستناد إليه في إصدار القرار المشار إليه وتحميل الشركة الطاعنة بالنسبة المقررة به، والتي فرضها المطعون ضده الأول بصفته عليها دون أن يقابلها خدمة حقيقية فعلية مباشرة قدمها للطاعنة وهي من مستوردي أجهزة الهاتف المحمول، خاصة وأن المادة ٢ من القانون رقم ۸۳ لسنة ۲۰۲۰ بشأن تعديل بعض أحكام القانون رقم ١٤٧ لسنة ١٩٨٤ بفرض رسم تنمية الموارد المالية للدولة قد أضافت إلى الفِقرة الأولى من المادة الأولى من القانون الأخير بشأن فرض رسم يسمى "رسم تنمية الموارد المالية للدولة" البند ٢٥ والذي بموجبه أصبح ذلك الرسم مستحقًا على أجهزة الهاتف المحمول وأجزائه وجميع الكماليات (الإكسسوارات) الخاصة به، وذلك بواقع (٥٪) من قيمتها مضافًا إليها الضريبة على القيمة المضافة وغيرها من الضرائب والرسوم الأخرى، بما يعد غصبًا لاختصاص السلطة التشريعية وينحدر به إلى مجرد الفعل المادي معدوم الأثر قانونًا، فلا تلحقه أية حصانة، ولا يزيل عيبه فوات ميعاد الطعن فيه. لما كان ذلك، وكان البين أن موضوع الدعوى محل الطعن هو إلزام المطعون ضده الأول بصفته أن يؤدي للشركة الطاعنة مبلغ ... جنيه قيمة ما تم دفعه بغير حق عن مقابل الأعباء والأعمال لأجهزة التليفون المحمول، فإن دعوى الطاعنة بهذه المثابة لا تكون موجهة إلى القرارات الإدارية الصادرة من أي جهة إدارية فلا تتصل بقرار إداري ولا تتساند إليه، وتدخل بحسب طبيعتها المدنية المحضة في نطاق اختصاص القضاء العادي، ومن ثَمَّ تكون المحاكم العادية هي المختصة بنظرها دون جهة القضاء الإداري، وإذ خالف الحكم المطعون فيه هذا النظر، وقضى بعدم اختصاص المحكمة ولائيًا بنظر الدعوى، فإنه يكون قد أخطأ في تطبيق القانون بما يوجب نقضه.
وإذ وقف الحكم المطعون فيه عند الفصل في مسألة الاختصاص دون التطرق لموضوع الدعوى، فلا يكون لمحكمة النقض في هذه الحالة أن تتصدى للفصل في الموضوع، إذ مؤدى ذلك اختزال إجراءات التقاضي في مرحلة واحدة وهو ما يتعارض مع مبادئ العدالة التي لا يتعين إهدارها في سبيل سرعة الفصل في الأنزعة الاقتصادية، بما يتعين معه إعادة الدعوى إلى الدائرة الاستئنافية بمحكمة القاهرة الاقتصادية للفصل في موضوعها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ