الصفحات

البحث الذكي داخل المدونة

تحميل وطباعة هذه الصفحة

Print Friendly and PDF

الأحد، 1 مارس 2026

الطعن 3161 لسنة 92 ق جلسة 21 / 9/ 2023 مكتب فني 74 ق 64 ص 629

جلسة 21 من سبتمبر سنة 2023
برئاسة السيد القاضي / أحمد مصطفى نائب رئيس المحكمة وعضوية السادة القضاة / نبيل الكشكي ، علاء سمهان وجمال عبد المنعم نواب رئيس المحكمة وهاني الجمل .
-------------------
(64)
الطعن رقم 3161 لسنة 92 القضائية
(1) حكم " بيانات التسبيب " " تسبيبه . تسبيب غير معيب " .
بيان الحكم واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية للجريمة التي دان الطاعن بها وإيراده على ثبوتها في حقه أدلة سائغة تؤدي إلى ما رتبه عليها . لا قصور .
عدم رسم القانون شكلاً خاصاً لصياغة الحكم . كفاية أن يكون مجموع ما أورده مؤدياً لتفهم الواقعة بأركانها وظروفها .
(2) محكمة استئنافية . حكم " بيانات التسبيب " " تسبيبه . تسبيب غير معيب " . دفوع " الدفع بانتفاء أركان الجريمة " . دفاع " الإخلال بحق الدفاع . ما لا يوفره " .
للمحكمة الاستئنافية تأييد الحكم المستأنف لأسبابه . بيانها لتلك الأسباب . غير لازم . كفاية الإحالة إليها . علة ذلك ؟
الدفع بانتفاء أركان الجريمة . موضوعي . لا يستوجب رداً . استفادته من أدلة الثبوت التي أوردها الحكم .
(3) إثبات " أوراق رسمية " . دفاع " الإخلال بحق الدفاع . ما لا يوفره " . نقض " أسباب الطعن . ما لا يقبل منها " .
الأدلة في المواد الجنائية إقناعية . للمحكمة الالتفات عن دليل النفي ولو حملته أوراق رسمية . حد ذلك ؟
الجدل الموضوعي في تقدير الدليل . غير جائز أمام محكمة النقض .
(4) دفوع " الدفع ببطلان محضر الضبط " . دفاع " الإخلال بحق الدفاع . ما لا يوفره " .
الدفع بمكتبية محضر الضبط . ظاهر البطلان . متى سيق في عبارة مرسلة مجهلة . التفات الحكم عن الرد عليه . لا يعيبه . علة ذلك ؟
(5) محكمة الموضوع " سلطتها في تقدير الدليل " . نقض " أسباب الطعن . ما لا يقبل منها " .
عدم تقيد القاضي في المحاكمات الجنائية بدليل معين . له تكوين عقيدته من أي دليل يطمئن إليه . حد ذلك ؟
النعي بخلو الأوراق من شاهد رؤية . جدل موضوعي . غير جائز أمام محكمة النقض .
(6) إثبات " إقرار " . محكمة الموضوع " سلطتها في تقدير الدليل " . استدلالات .
للمحكمة الأخذ بإقرار المتهم في محضر الشرطة وإن عدل عنه في مراحل التحقيق الأخرى دون بيان السبب . متى اطمأنت إليه .
عدم التوقيع على محضر جمع الاستدلالات . لا يهدر قيمته في الإثبات . النعي في هذا الشأن . غير مقبول . علة ذلك ؟
(7) حماية المستهلك . محكمة استئنافية . عقوبة " تطبيقها " .
عدم قضاء الحكم الاستئنافي بعقوبة الحبس عن جريمة حبس منتجات استراتيجية معدة للبيع عن التداول المنصوص عليها بالمادة 71 من القانون ١٨١ لسنة ۲۰۱٨ التي أغفلها الحكم الابتدائي . صحيح . علة وأثر ذلك ؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- لما كان الحكم الابتدائي الذي اعتنق أسبابه الحكم المطعون فيه قد بيَّن واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية للجريمة التي دان الطاعن بها وأورد على ثبوتها في حقه أدلة سائغة من شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه الحكم عليها ، وكان القانون لم يرسم شكلاً خاصاً يصوغ فيه الحكم بيان الواقعة المستوجبة للعقوبة والظروف التي وقعت فيها ، وكان مجموع ما أورده الحكم المطعون فيه كافياً في تفهم الواقعة بأركانها وظروفها حسبما استخلصتها المحكمة ، فإن ذلك يكون محققاً لحكم القانون كما جرى به نص المادة 310 من قانون الإجراءات الجنائية .
2- من المقرر أن المحكمة الاستئنافية إذا ما رأت تأييد الحكم المستأنف للأسباب التي بني عليها فليس في القانون ما يلزمها أن تذكر تلك الأسباب في حكمها بل يكفي أن تحيل عليها ، إذ الإحالة على الأسباب تقوم مقام إيرادها وتدل على أن المحكمة يكون قد اعتبرتها كأنها صادرة منها ، ومن ثم فإن ما يثيره الطاعن في هذا الشأن يكون غير سديد ، هذا فضلاً عن أنه من المقرر أن الدفع بانتفاء أركان الجريمة من الدفوع الموضوعية التي لا تستوجب في الأصل رداً صريحاً من الحكم ما دام الرد مستفاداً ضمناً من القضاء بالإدانة استناداً إلى أدلة الثبوت التي أوردها الحكم .
3- من المقرر أن الأدلة في المواد الجنائية إقناعية ، فللمحكمة أن تلتفت عن دليل النفي ولو حملته أوراق رسمية ما دام يصح في العقل أن يكون غير ملتئم مع الحقيقة التي اطمأنت إليها المحكمة من باقي الأدلة القائمة في الدعوى ، ومن ثم فلا ينال من سلامة الحكم اطراح المستندات الرسمية التي تساند إليها الطاعن للتدليل على نفي التهمة ، ومن ثم فإن ما يثيره الطاعن في هذا الصدد لا يعدو أن يكون جدلاً موضوعياً في تقدير الدليل وفي سلطة محكمة الموضوع في وزن عناصر الدعوى واستنباط معتقدها ، وهو ما لا تجوز إثارته أمام محكمة النقض .
4- لما كان لا يعيب الحكم المطعون فيه التفاته عن الرد على الدفع بمكتبية محضر الضبط الذي أبداه الطاعن طالما أنه ظاهر البطلان بعيد عن محجة الصواب ، هذا فضلاً عن أنه لما كان ما ورد على لسان المدافع عن الطاعن من أنه يدفع بمكتبية محضر الضبط فقد سيق في عبارة مرسلة مجهلة ، مما لا يعد دفعاً جدياً تلتزم المحكمة بالرد عليه ؛ ومن ثم فإن ما يثيره الطاعن في هذا الصدد لا يكون مقبولاً .
5- من المقرر أن الشارع لم يقيد القاضي الجنائي في المحاكمات الجنائية بدليل معين إلا إذا نص على ذلك بالنسبة لجريمة معينة ، وإنما ترك له حرية تكوين عقيدته من أي دليل يطمئن إليه ما دام أن له مأخذه بالأوراق ، وكان ما يثيره الطاعن في شأن خلو الأوراق من شاهد رؤية على الواقعة لا يعدو جدلاً موضوعياً في سلطة محكمة الموضوع في وزن عناصر الدعوى واستنباط معتقدها مما لا شأن لمحكمة النقض به ولا يثار أمامها .
6- لما كان الثابت من مطالعة محضر جلسة المحاكمة أن الطاعن لم يدفع ببطلان إقراره في محضر الاستدلالات ، كما أن الحكم المطعون فيه لم يعول في قضائه على هذا الإقرار ولم يرتب عليه أثراً ، فضلاً على أنه من المقرر أن للمحكمة أن تأخذ بإقرار المتهم بمحضر الشرطة متى اطمأنت إلى صدقه ومطابقته للواقع ولو عدل عنه في مراحل التحقيق الأخرى دون بيان السبب ، وكان من المقرر أن عدم التوقيع على محضر جمع الاستدلالات ليس من شأنه إهدار قيمته كله كعنصر من عناصر الإثبات وإنما يخضع كل ما يعتريه من نقص أو عيب لتقدير محكمة الموضوع ولما كانت المحكمة قد اطمأنت إلى إقرار الطاعن لضابطي الواقعة بملكيته للمضبوطات ، فإن ما يثيره في هذا الصدد يكون غير سديد .
7- لما كان الحكم الابتدائي المؤيد بالحكم المطعون فيه قد دان الطاعن بجريمة حبس منتجات استراتيجية معدة للبيع عن التداول إلا أنه قد أغفل القضاء بعقوبة الحبس بنص المادة 71 من القانون رقم ١٨١ لسنة ۲۰۱٨ بشأن حماية المستهلك التي دانه بها ، فإنه يكون قد أخطأ في تطبيق القانون ، بما كان يتعين التصحيح الجزئي بشأنه ، إلا أنه ما كان يجوز للمحكمة الاستئنافية أن تقضي على الطاعن في الاستئناف المرفوع منه وحده بعقوبة تجاوز العقوبة المحكوم بها في الحكم الابتدائي ، لأنها إن فعلت تكون قد سوأت مركزه وهو ما لا يجوز ؛ إذ لا يصح أن يضار المستأنف بناءً على استئنافه ، وهذا ما يحجب أيضاً هذه المحكمة – محكمة النقض – عن تصحيح الحكم فيما أخطأ فيه في تطبيق القانون بشأن عقوبة الحبس التي أغفل تطبيقها الحكم الابتدائي ، وإذ التزم الحكم المطعون فيه هذا النظر واقتصر في قضائه على تأييد الحكم المستأنف دون تشديد العقوبة المحكوم بها المنصوص عليها في المادة ۷۱ من القانون رقم ۱۸۱ لسنة ۲۰۱٨ بـشأن حماية المستهلك ، ودون أن يوقع على الطاعن عقوبة الحبس وفقاً للمادة سالفة البيان ، فإنه يكون قد التزم صحيح القانون .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الوقائع
اتهمت النيابة العامة الطاعن بأنه :-
- حبس منتجات استراتيجية ( أرز ، سكر ) معدة للبيع عن التداول وذلك بإخفائها على النحو المبين بالأوراق .
وطلبت عقابه بمقتضى المادتين 8 /2،1 ، ۷۱ من قانون حماية المستهلك رقم ۱۸۱ لسنة ۲۰۱٨ .
ومحكمة جنح .... الاقتصادية قضت حضورياً بتغريم المتهم مبلغ مائة ألف جنيه والمصادرة ونشر الحكم على نفقته في جريدتي .... ، .... .
فاستأنف المحكوم عليه وقيد استئنافه برقم .... جنح مستأنف .... الاقتصادية .
ومحكمة جنح مستأنف .... الاقتصادية قضت حضورياً بقبول الاستئناف شكلاً وفي الموضوع برفضه وتأييد الحكم المستأنف .
فطعن المحكوم عليه في هذا الحكم بطريق النقض .... إلخ .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المحكمة
حيث ينعى الطاعن على الحكم المطعون فيه أنه إذ دانه بجريمة حبس منتجات استراتيجية معدة للبيع عن التداول قد شابه القصور في التسبيب والفساد في الاستدلال والإخلال بحق الدفاع ؛ ذلك أنه لم يبين واقعة الدعوى بياناً كافياً تتوافر به أركان الجريمة التي دانه بها ، وخلا من الأسباب التي تساند إليها في قضائه بالإدانة ، وأحال في بيان الواقعة إلى الحكم الابتدائي المستأنف ، مغفلاً دفعه بانتفاء أركان الجريمة في حقه ، وعدم معقولية الواقعة بدلالة المستندات المقدمة منه والتي تؤيد دفعه ، ومكتبية المحضر ، ودانه الحكم مع خلو الأوراق من دليل يقيني على ذلك ، أو شاهد رؤية ، واستند في قضائه بالإدانة إلى إقرار الطاعن بمحضر الضبط رغم نفيه وعدم توقيعه على ذلك المحضر ، كل ذلك بما يعيب الحكم ويستوجب نقضه .
ومن حيث إنَّ الحكم الابتدائي الذي اعتنق أسبابه الحكم المطعون فيه قد بيَّن واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية للجريمة التي دان الطاعن بها ، وأورد على ثبوتها في حقه أدلة سائغة من شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه الحكم عليها ، وكان القانون لم يرسم شكلاً خاصاً يصوغ فيه الحكم بيان الواقعة المستوجبة للعقوبة والظروف التي وقعت فيها ، وكان مجموع ما أورده الحكم المطعون فيه كافياً في تفهم الواقعة بأركانها وظروفها حسبما استخلصتها المحكمة ، فإن ذلك يكون محققاً لحكم القانون كما جرى به نص المادة 310 من قانون الإجراءات الجنائية . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن المحكمة الاستئنافية إذا ما رأت تأييد الحكم المستأنف للأسباب التي بني عليها فليس في القانون ما يلزمها أن تذكر تلك الأسباب في حكمها بل يكفي أن تحيل عليها ؛ إذ الإحالة على الأسباب تقوم مقام إيرادها وتدل على أن المحكمة يكون قد اعتبرتها كأنها صادرة منها ، ومن ثم فإن ما يثيره الطاعن في هذا الشأن يكون غير سديد ، هذا فضلاً عن أنه من المقرر أن الدفع بانتفاء أركان الجريمة من الدفوع الموضوعية التي لا تستوجب في الأصل رداً صريحاً من الحكم ، ما دام الرد مستفاداً ضمناً من القضاء بالإدانة استناداً إلى أدلة الثبوت التي أوردها الحكم . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن الأدلة في المواد الجنائية إقناعية ، فللمحكمة أن تلتفت عن دليل النفي ولو حملته أوراق رسمية ، ما دام يصح في العقل أن يكون غير ملتئم مع الحقيقة التي اطمأنت إليها المحكمة من باقي الأدلة القائمة في الدعوى ، ومن ثم فلا ينال من سلامة الحكم اطراح المستندات الرسمية التي تساند إليها الطاعن للتدليل على نفي التهمة ، ومن ثم فإن ما يثيره الطاعن في هذا الصدد لا يعدو أن يكون جدلاً موضوعياً في تقدير الدليل وفي سلطة محكمة الموضوع في وزن عناصر الدعوى واستنباط معتقدها ، وهو ما لا تجوز إثارته أمام محكمة النقض . لمَّا كان ذلك ، وكان لا يعيب الحكم المطعون فيه التفاته عن الرد على الدفع بمكتبية محضر الضبط الذي أبداه الطاعن طالما أنه ظاهر البطلان بعيد عن محجة الصواب ، هذا فضلاً عن أنه لما كان ما ورد على لسان المدافع عن الطاعن من أنه يدفع بمكتبية محضر الضبط فقد سيق في عبارة مرسلة مجهلة ، مما لا يعد دفعاً جدياً تلتزم المحكمة بالرد عليه ؛ ومن ثم فإن ما يثيره الطاعن في هذا الصدد لا يكون مقبولاً . لما كان ذلك ، وكان الشارع لم يقيد القاضي الجنائي في المحاكمات الجنائية بدليل معين إلا إذا نص على ذلك بالنسبة لجريمة معينة ، وإنما ترك له حرية تكوين عقيدته من أي دليل يطمئن إليه ، ما دام أن له مأخذه بالأوراق ، وكان ما يثيره الطاعن في شأن خلو الأوراق من شاهد رؤية على الواقعة لا يعدو جدلاً موضوعياً في سلطة محكمة الموضوع في وزن عناصر الدعوى واستنباط معتقدها مما لا شأن لمحكمة النقض به ولا يثار أمامها . لما كان ذلك ، وكان الثابت من مطالعة محضر جلسة المحاكمة أن الطاعن لم يدفع ببطلان إقراره في محضر الاستدلالات ، كما أن الحكم المطعون فيه لم يعول في قضائه على هذا الإقرار ولم يرتب عليه أثراً ، فضلاً على أنه من المقرر أن للمحكمة أن تأخذ بإقرار المتهم بمحضر الشرطة متى اطمأنت إلى صدقه ومطابقته للواقع ولو عدل عنه في مراحل التحقيق الأخرى دون بيان السبب ، وكان من المقرر أن عدم التوقيع على محضر جمع الاستدلالات ليس من شأنه إهدار قيمته كله كعنصر من عناصر الإثبات وإنما يخضع كل ما يعتريه من نقص أو عيب لتقدير محكمة الموضوع ولما كانت المحكمة قد أطمأنت إلى إقرار الطاعن لضابطي الواقعة بملكيته للمضبوطات ، فإن ما يثيره في هذا الصدد يكون غير سديد . لما كان ذلك ، وكان الحكم الابتدائي المؤيد بالحكم المطعون فيه قد دان الطاعن بجريمة حبس منتجات استراتيجية معدة للبيع عن التداول ، إلا أنه قد أغفل القضاء بعقوبة الحبس بنص المادة 71 من القانون رقم ١٨١ لسنة ۲۰۱٨ بشأن حماية المستهلك التي دانه بها ، فإنه يكون قد أخطأ في تطبيق القانون ، بما كان يتعين التصحيح الجزئي بشأنه ، إلا أنه ما كان يجوز للمحكمة الاستئنافية أن تقضي على الطاعن في الاستئناف المرفوع منه وحده بعقوبة تجاوز العقوبة المحكوم بها في الحكم الابتدائي ، لأنها إن فعلت تكون قد سوأت مركزه ، وهو ما لا يجوز ، إذ لا يصح أن يضار المستأنف بناءً على استئنافه ، وهذا ما يحجب أيضاً هذه المحكمة - محكمة النقض - عن تصحيح الحكم فيما أخطأ فيه في تطبيق القانون بشأن عقوبة الحبس التي أغفل تطبيقها الحكم الابتدائي ، وإذ التزم الحكم المطعون فيه هذا النظر واقتصر في قضائه على تأييد الحكم المستأنف دون تشديد العقوبة المحكوم بها المنصوص عليها في المادة ۷۱ من القانون رقم ۱۸۱ لسنة ۲۰۱٨ بشأن حماية المستهلك ، ودون أن يوقع على الطاعن عقوبة الحبس وفقاً للمادة سالفة البيان ، فإنه يكون قد التزم صحيح القانون . لمَّا كان ما تقدم ، فإن الطعن برمته يكون على غير أساس متعيناً رفضه موضوعاً مع مصادرة الكفالة وتغريم الطاعن مبلغاً مساوياً لها .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الطعن 2493 لسنة 92 ق جلسة 22 / 5 / 2023 مكتب فني 74 ق 74 ص 525


جلسة 22 من مايو سنة 2023
برئاسة السيد القاضي/ رفعت فهمي العزب "نائب رئيس المحكمة"، وعضوية السادة القضاة/ طلبة مهنى محمد، حاتم عبد الوهاب حموده، عادل عبد الحميد ومحمد عبد المولى شحاته "نواب رئيس المحكمة".
------------------
(74)
الطعن رقم 2493 لسنة 92 القضائية
(1- 13) استئناف "آثار الاستئناف: الأثر الناقل للاستئناف". بيع "أركان عقد البيع: التراضي، الثمن: تفويض المتعاقدين أجنبي عنهما في تقدير ثمن المبيع" "آثار عقد البيع: التزامات البائع: الالتزام بتسليم المبيع: العجز أو الزيادة في المبيع". حكم "إصدار الأحكام: منطوق الحكم: إغفال الفصل في بعض الطلبات" "عيوب التدليل: ما لا يعد قصورًا". دفوع "الدفوع الموضوعية: الدفع بالتقادم المسقط: الدفع بسقوط الحق في طلب إنقاص ثمن المبيع بالتقادم الحولي". محكمة الموضوع "سلطة محكمة الموضوع بالنسبة للمنازعات الناشئة عن العقود: سلطتها في تفسير العقد".
(1) انطباق المادة 434 مدني. مناطه. وجود عجز أو زيادة في المبيع.
(2) الدفاع غير المستند لأساس قانوني صحيح. إغفال الحكم الرد عليه. لا عيب.
(٣) طلب المطعون ضدهم البائعين تعيين الثمن المناسب لأرض التداعي. خروجه عن طلب تكملة الثمن الذي نظمته المادة 434 مدني. أثره. عدم تقادم الدعوى المقامة به بالتقادم الحولي. تمسك الطاعن بصفته في دفاعه بسقوط حق المطعون ضدهم بالتقادم الحولي. على غير أساس. عدم الرد عليه. لا عيب.
(٤) تسليم العقار بناء على اتفاق ذوي الشأن ونقل حيازته للدولة دون صدور قرار بنزع ملكيته. اعتباره تسليمًا اتفاقيًا. خروجه عن نطاق قانون نزع الملكية.
(5) دعوى تقدير قيمة أرض التداعي في ضوء اتفاق طرفي النزاع على تسليمها للدولة. دعوى عادية تخرج عن نطاق قانون نزع الملكية. لا وجه للتحدي بعدم خصم مقابل التحسين. علة ذلك.
(6) الطلب الذي تغفله المحكمة. سبيل تداركه. الرجوع لذات المحكمة للفصل فيه. م 193 مرافعات.
(7) الاستئناف. مقتضاه. نقل الطلبات التي فصلت فيها محكمة أول درجة ورُفع عنها الاستئناف إلى محكمة ثاني درجة. عدم جواز تصديها لما أغفلت محكمة أول درجة الفصل فيه من الطلبات. علة ذلك. إغفال محكمة أول درجة نظر طلب الفوائد. مقتضاه. امتناع محكمة الاستئناف عن نظره.
(8) قضاء الحكم المطعون فيه بالفصل في طلب الفوائد الذي أغفلته محكمة أول درجة. مخالفة للقانون وخطأ. علة ذلك.
(9) العقد. ماهيته. الخطأ في تطبيق نصوصه خطأ في تطبيق القانون. لازمه. امتناع أي من طرفيه عن نقضه أو تعديله وعلى القاضي مثل ذلك. مؤداه. التزام الأخير بعبارات العقد الواضحة وعدم جواز الانحراف عنها بدعوى تفسيرها. المادتان 147/1، 150/1 مدني. علة ذلك.
(10) محكمة الموضوع. لها معالجة تفسير المحررات. لازمه. وجوب الاعتداد بما تفيده العبارات بأكملها.
(11) الثمن في عقد البيع. عدم اشتراط تعيينه. مؤداه. كفاية قابليته للتعيين. سبيله. اتفاق الطرفين صراحًة أو ضمنًا على الأسس التي يحدد بمقتضاها فيما بعد. المادتان 423، 424 مدني.
(12) ترك المتبايعين تحديد الثمن لأجنبي يتفقان عليه. صحيح. علة ذلك. الثمن الذي يقدره الأجنبي. مُلزم للبائع والمشتري. علة ذلك. تمام البيع. من وقت اتفاق طرفي العقد على المفوض. تقدير الأخير للثمن. لازمه. موافقته للسعر الجاري وقت البيع. أثره. تمام البيع من وقت العقد. مؤداه. انتقال الملكية في المنقول المعين بالذات من وقت البيع وفي العقار بالتسجيل ولو سُجل قبل تقدير المفوض للثمن. أثره. التزام قاضي الموضوع بتحديد الثمن في ضوء تلك الأسس وفق ما ارتضياه.
(13) تسليم المطعون ضدهم مساحة التداعي المملوكة لهم والتي جاءت في صورة فائض تنظيم ونقل حيازتها للدولة. استيلاء اتفاقي. سكوت عقد بيعها عن تقدير قيمتها العادلة وترك المنازعة فيه للقاضي. مفاده. اعتباره مفوضًا عنهم في ذلك. أثره. خروج النزاع بشأن الثمن من نطاق قانون نزع الملكية وخضوعه للقواعد العامة في تقدير القيمة وفقًا لأحكام عقد البيع. قضاء الحكم المطعون فيه بتقدير قيمة أرض التداعي وقت إيداع تقرير الخبرة وليس وقت التعاقد. خطأ ومخالفة للقانون.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- المقرر- في قضاء محكمة النقض – أن نص المادة ٤٣٤ من القانون المدني لا ينطبق إلا حيث يوجد عجز أو زيادة في المبيع.
2- المقرر- في قضاء محكمة النقض – أنه لا يعيب الحكم إغفاله الرد على دفاع لا يستند إلى أساس صحيح في القانون.
3- إذ كانت طلبات المطعون ضدهم (البائعين) في الدعوى تتعلق بطلب تعيين الثمن المناسب لأرض التداعي وليس بطلب تكملة الثمن مما نظمتها المادة ٤٣٤ من القانون المدني، ومن ثم لا تتقادم الدعوى به بالتقادم الحولي، ومن ثم فإن ما يثيره الطاعن بصفته بهذا الوجه من أن حق المطعون ضدهم في إقامة الدعوى قد سقط بالتقادم الحولي هو دفاع لا يستند إلى أساس قانوني سليم فلا يعيب الحكم المطعون فيه التفاته عنه وعدم الرد عليه، ومن ثم فإن النعي بهذا الوجه يكون على غير أساس، ومن ثم غير مقبول.
4- المقرر- في قضاء محكمة النقض – أنه إذا كان تسليم العقار قد تم بناء على اتفاق ذوي الشأن وبناء على ذلك لم يصدر القرار بنزع ملكيته لانعدام مسوغه فقد أصبح الاستيلاء الاتفاقي بمثابة تسليم من جانب المالك للعين المنزوع ملكيتها ونقل حيازتها للدولة وترك أمر تقدير الثمن والمنازعة فيه للقضاء ليفصل فيه وخروج النزاع على هذا النحو عن نطاق نصوص قانون نزع الملكية والتقيد بأحكامه.
5- إذ كانت الدعوى الراهنة هي دعوى عادية تتعلق بتقدير قيمة أرض التداعي في ضوء اتفاق طرفي النزاع (تسليمها للدولة دون صدور قرار بنزع ملكيتها)، ومن ثم فلا وجه لما يتحدى به الطاعن بصفته من عدم خصم مقابل التحسين، إذ إن مناط إعمال ذلك عندما يكون القانون رقم ١٠ لسنة ۱۹۹۰ بشأن نزع ملكية العقارات هو الواجب التطبيق على واقعة النزاع، ويضحى النعي على الحكم المطعون فيه في هذا الشأن على غير أساس.
6- المقرر- في قضاء محكمة النقض – أن مفاد نص المادة ١٩٣ من قانون المرافعات أن الطلب الذي تُغفله المحكمة يظل باقيًا على حاله ومعلقًا أمامها ويكون السبيل إلى الفصل فيه هو الرجوع إلى ذات المحكمة لتستدرك ما فاتها الفصل فيه.
7- المقرر- في قضاء محكمة النقض – أن الاستئناف لا ينقل إلى محكمة الدرجة الثانية إلا ما تكون محكمة أول درجة قد فصلت فيه ورُفع عنه الاستئناف فلا يجوز لمحكمة الاستئناف أن تعرض للطلب الذي أغفلت محكمة أول درجة الفصل فيه إذ إن الاستئناف لا يُقبل إلا عن الطلبات التي فصلت فيها المحكمة، ومن ثم يتعين عليها أن تقف عند حد القضاء بعدم قبول الاستئناف عن الطلب المغفل وليس لها أن تتصدى للفصل في موضوع هذا الطلب لما يترتب على هذا التصدي من تفويت درجة من درجتي التقاضي مما يعد إخلالًا بمبدأ التقاضي على درجتين وهو من المبادئ الأساسية التي يقوم عليها النظام القضائي التي لا يجوز للمحكمة مخالفتها ولا يجوز للخصوم النزول عنها لتعلقها بالنظام العام، ومن ثم فإنه ليس لمحكمة الاستئناف أن يمتد حكمها إلى نظر طلب الفوائد بعد أن أغفلت محكمة أول درجة الفصل فيه.
8- إذ كان الثابت من الحكم الابتدائي أنه قد خلا - سواء في أسبابه أو في منطوقه - من الفصل صراحًة أو ضمنًا في طلب المطعون ضدهم الفوائد القانونية، ومن ثم فإن محكمة أول درجة تكون قد أغفلت الفصل في هذا الطلب مما يُبقي الطلب المشار إليه معلقًا أمامها ولا سبيل للمطعون ضدهم للفصل فيه إلا بالرجوع إلى تلك المحكمة لتستدرك ما فاتها القضاء فيه، ومن ثم فلا يجوز لمحكمة الاستئناف أن تعرض لهذا الطلب المُغفل بالفصل فيه وإنما يتعين عليها الوقوف عند حد القضاء بعدم جواز الاستئناف بالنسبة له، وإذ خالف الحكم المطعون فيه هذا النظر ومضى إلى الفصل في هذا الطلب الذي أغفلته محكمة الدرجة الأولى، فإنه يكون قد خالف القانون وأخطأ في تطبيقه.
9- المقرر- في قضاء محكمة النقض – أن مؤدى نص المادتين 147، 150/1 من القانون المدني أن العقد هو قانون المتعاقدين والخطأ في تطبيق نصوصه خطأٌ في تطبيق القانون ويمتنع على أي من المتعاقدين نقض العقد أو تعديله، كما يمتنع ذلك على القاضي وعليه أن يلتزم بعبارات العقد الواضحة باعتبارها تعبيرًا صادقًا عن إرادتهما المشتركة، فلا يجوز الانحراف عنها عن طريق تفسيرها وذلك رعاية لمبدأ سلطان الإرادة.
10- المقرر- في قضاء محكمة النقض - أنه لا يجوز لمحكمة الموضوع وهي تعالج تفسير المحررات أن تتقيد بما تُفيده عبارات معينة دون غيرها من عبارات المحرر، بل يجب عليها أن تأخذ بما تفيده العبارات بأكملها وفي مجموعها.
11- المقرر- في قضاء محكمة النقض – أن مقتضى نص المادتين 423، 424 من القانون المدني أنه لا يُشترط تحديد الثمن في العقد، بل يكفي أن يكون قابلًا للتعيين باتفاق الطرفين صراحًة أو ضمنًا على الأسس التي يُحدد بمقتضاها فيما بعد.
12- يصح أن يترك المتبايعان تحديد الثمن لأجنبي يتفقان عليه عند البيع لأن الثمن هنا وإن لم يُقدره المتبايعان إلا أنهما جعلاه قابلًا للتقدير، وما يقدره الأجنبي ثمنًا للمبيع ملزمٌ لكل من البائع والمشتري ويكون هو الثمن، لأن الأجنبي مُفوض من المتبايعين في تحديد الثمن فهو وكيل عنهما في ذلك ويسري تقديره في حقهما، والبيع يعتبر قد تم لا من وقت تقدير المُفوض للثمن فحسب بل من وقت اتفاق المتبايعين على المفوض، ففي هذا الوقت كان البيع مستكملًا لجميع عناصره ومنها الثمن إذا كان قابلًا للتقدير - كما سبق القول -، فإذا تحقق الشرط بأن قدّر المفوض الثمن والذي يتعين أن يكون وفقًا للسعر الجاري وقت البيع لا وقت التقدير اعتُبر البيع قد تم من وقت العقد، ومن ثم تنتقل الملكية في المنقول المعين بالذات من وقت البيع وفي العقار من وقت التسجيل ولو سُجل العقد قبل تقدير المفوض للثمن، ويتعين على قاضي الموضوع (الذي ترك المتعاقدان أمر تقدير الثمن له) تحديد الثمن في ضوء هذه الأسس بعد تحرّي ما ارتضاه الطرفان في هذا الخصوص.
13- إذ كان يبين من الأوراق أن الاستيلاء على أرض التداعي جاء في صورة "فائض تنظيم" وأنه قد تم بناء على اتفاق ذوي الشأن، ومن ثم لم يصدر قرار بنزع الملكية للمنفعة العامة، وبذلك أصبح الاستيلاء الاتفاقي بمثابة تسليم من جانب الملاك المطعون ضدهم لمساحة التداعي ونقل حيازتها منهم للدولة، وتَرَكَ عقد البيع لأرض التداعي أمر تقدير القيمة العادلة لها والمنازعة فيه للقاضي ليفصل فيها والذي يعد بهذه المثابة مُفوضًا من المتبايعين في تقدير الثمن، ومن ثم يكون النزاع على هذا التقدير المتعلق بالثمن الحقيقي لمساحة التداعي قد خرج من نطاق نصوص قانون نزع الملكية والتقيد بأحكامه وإجراءاته، ويبيت طرفا التداعي أمام دعوى عادية بشأن العقار والمنازعة في تقدير ثمنه العادل تخضع للقواعد العامة في تقدير القيمة وفقًا لأحكام عقد البيع المتقدم بيانها، ومتى تقرّر ذلك فيكون مخالفًا للقانون ما أقام عليه الحكم المطعون فيه قضاءه بخصوص تقدير سعر مساحة التداعي وقت إيداع تقرير لجنة الخبراء عام 2021 وليس سعر الأرض في وقت وتاريخ التعاقد ودخول مساحة التداعي لملكية الدولة في عام ٢٠٠٠ بما يعيبه (بمخالفة القانون والخطأ في تطبيقه).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المحكمـة
بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع التقرير الذي تلاه السيد القاضي المقرر، والمرافعة، وبعد المداولة.
حيث إن الطعن استوفى أوضاعه الشكلية.
وحيث إن الوقائع - على ما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر الأوراق – تتحصل في أن المطعون ضدهم أقاموا على الطاعن بصفته الدعوى رقم .... لسنة 2000 مدني جنوب القاهرة الابتدائية بطلب الحكم - وفقًا لطلباتهم الختامية - بإلزامه بأن يؤدي لهم تعويضًا بواقع 30,000 جنيه للمتر الواحد عن كامل أرض التداعي مخصومًا منه ما سبق صرفه لهم والفوائد القانونية بواقع 4% سنويًا وتعويضًا مقداره 16٪ سنويًا من إجمالي كامل التعويض المقضي عن مقابل عدم الانتفاع، وقالوا بيانًا لذلك: إنهم يمتلكون عدة قطع أراضي بمنطقة .... بالقاهرة بموجب العقد المُشهر رقم.... لسنة 1978 وبالميراث عن مورثتهم / ....، إلا أنه بتاريخ 6/2/1997 صدر قرار الطاعن بصفته رقم .... لسنة 1997 بشأن تعديل خطوط التنظيم لحرم الطريق الدائري بمنطقة .... والذي نتج عنه صيرورة مساحات من تلك القطع "ضائع تنظيم" وبالتالي حرمانهم من الانتفاع بها فطالبوه بالتعويض فقدَّره بواقع 700 جنيه للمتر الواحد، وإذ لم يرتضوا هذا التقدير فتم الاتفاق بينهما على تحرير السند الناقل للملكية فتحرر المُشهرين رقمي ....، .... لسنة ۲۰۰۰ جنوب القاهرة اللذين باعوا بموجبهما أرض التداعي البالغ مساحتها ٢٢٣٥,٢٩ متر مربع بمبلغ 703‚564‚1 جنيهًا مع احتفاظهم بحق اللجوء إلى القضاء لتحديد الثمن المناسب ومن ثم أقاموا الدعوى. ندبت المحكمة خبيرًا، وبعد أن أودع تقريره حكمت بإلزام الطاعن بصفته أن يؤدي للمطعون ضدهم مبلغ 617‚317‚16 جنيهًا " قيمة الأرض في تاريخ تحرير السند الناقل للملكية عام ۲۰۰۰ بعد خصم ما سبق صرفه لهم من ثمن". استأنف الطاعن بصفته هذا الحكم أمام محكمة استئناف القاهرة بالاستئناف رقم .... لسنة ۱۳۳ ق، كما استأنفه المطعون ضدهم أمام ذات المحكمة بالاستئناف رقم .... لسنة ۱۳۳ ق. ضمت المحكمة الاستئنافين وندبت خبيرين ثم لجنة من الخبراء، وبعد أن أودعت الأخيرة تقريرها قضت بتاريخ 11/12/2021 في الاستئناف الأول برفضه وفي الاستئناف الثاني رقم .... لسنة ۱۳۳ ق القاهرة بتعديل الحكم المستأنف وبإلزام الطاعن بصفته أن يؤدي للمطعون ضدهم مبلغ 220‚235‚40 جنيهًا قيمة الأرض في تاريخ إيداع التقرير عام ٢٠٢١ والفوائد القانونية بواقع 4% سنويًا من تاريخ الحكم وحتى تمام السداد. طعن الطاعن بصفته في هذا الحكم بطريق النقض والنيابة قدمت مذكرة رأت فيها رفض الطعن والمحكمة حددت جلسة لنظر الطعن - في غرفة مشورة - وفيها التزمت النيابة رأيها.
وحيث إن الطعن أُقيم على ثلاثة أسباب ينعى الطاعن بصفته بالوجه الأول من السبب الأول منها على الحكم المطعون فيه مخالفة القانون، وفي بيانه يقول: إن الثابت من الأوراق أنه تم تسليم أرض النزاع للطاعن بصفته بتاريخ 4/8/1999، وإذ أُقيمت الدعوى الراهنة بطلب تكملة ثمنها بتاريخ 11/11/2000 الأمر الذي يجعل حق المطعون ضدهم قد سقط بالتقادم الحولي لمرور أكثر من سنة من وقت تسليم المبيع وفقًا لنص المادة ٤٣٤ من القانون المدني، وإذ التفت الحكم المطعون عن ذلك الدفاع مما يعيبه ويستوجب نقضه.
وحيث إن النعي غير سديد؛ ذلك أنه من المقرر- على ما جرى به قضاء هذه المحكمة - أن نص المادة ٤٣٤ من القانون المدني لا ينطبق إلا حيث يوجد عجز أو زيادة في المبيع، كما أنه من المقرر- أنه لا يعيب الحكم إغفاله الرد على دفاع لا يستند إلى أساس صحيح في القانون؛ لما كان ذلك، وكانت طلبات المطعون ضدهم في الدعوى تتعلق بطلب تعيين الثمن المناسب لأرض التداعي وليس بطلب تكملة الثمن مما نظمتها المادة ٤٣٤ من القانون المدني، ومن ثم لا تتقادم الدعوى به بالتقادم الحولي، ومن ثم فإن ما يثيره الطاعن بصفته بهذا الوجه من أن حق المطعون ضدهم في إقامة الدعوى قد سقط بالتقادم الحولي هو دفاع لا يستند إلى أساس قانوني سليم فلا يعيب الحكم المطعون فيه التفاته عنه وعدم الرد عليه، ومن ثم فإن النعي بهذا الوجه يكون على غير أساس، ومن ثم غير مقبول.
وحيث إن الطاعن بصفته ينعى بالوجه الثاني من السبب الأول على الحكم المطعون فيه القصور في التسبيب والإخلال بحق الدفاع، وفي بيانه يقول إن أرض التداعي وهي "ضائع تنظيم" قد زادت قيمتها نتيجة تنفيذ مشروع سابق ذي منفعة عامة، إلا أن الخبير لم يُراع ذلك عند تقديره التعويض، كما لم يقم بتقدير مقابل التحسين الذي تحقق لباقي الأرض المملوكة للمطعون ضدهم نتيجة اعتماد خطوط التنظيم وتوسعة الطريق بما كان يقتضي عليه احتساب تلك المبالغ ووجوب خصمها من مبلغ التعويض، إلا أن الحكم المطعون فيه التفت عن دفاعه في هذا الخصوص بما يعيبه ويستوجب نقضه.
وحيث إن هذا النعي غير سديد؛ ذلك أنه من المقرر- في قضاء هذه المحكمة- أنه إذا كان تسليم العقار قد تم بناء على اتفاق ذوي الشأن وبناء على ذلك لم يصدر القرار بنزع ملكيته لانعدام مسوغه فقد أصبح الاستيلاء الاتفاقي بمثابة تسليم من جانب المالك للعين المنزوع ملكيتها ونقل حيازتها للدولة وترك أمر تقدير الثمن والمنازعة فيه للقضاء ليفصل فيه وخروج النزاع على هذا النحو عن نطاق نصوص قانون نزع الملكية والتقيد بأحكامه؛ لما كان ذلك، وكانت الدعوى الراهنة هي دعوى عادية تتعلق بتقدير قيمة أرض التداعي في ضوء اتفاق طرفي النزاع، ومن ثم فلا وجه لما يتحدى به الطاعن من عدم خصم مقابل التحسين، إذ إن مناط إعمال ذلك عندما يكون القانون رقم ١٠ لسنة ۱۹۹۰ بشأن نزع ملكية العقارات هو الواجب التطبيق على واقعة النزاع، ويضحى النعي على الحكم المطعون فيه في هذا الشأن على غير أساس.
وحيث إن الطاعن بصفته ينعى بالوجه الثالث من السبب الثالث على الحكم المطعون فيه مخالفة القانون، وفي بيان ذلك يقول: إن محكمة أول درجة أغفلت الفصل في طلب المطعون ضدهم الفوائد القانونية، مما كان يتعين على محكمة الدرجة الثانية ألا تفصل في هذا الطلب التزامًا بمبدأ التقاضي على درجتين، إلا أنها لم تفعل وقضت للمطعون ضدهم بالفوائد لأول مرة بالمخالفة لنص المادة ١٩٣ من قانون المرافعات، مما يعيب حكمها المطعون فيه بما يستوجب نقضه.
وحيث إن هذا النعي سديد؛ ذلك أنه من المقرر- أن مفاد نص المادة ١٩٣ من قانون المرافعات – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة – أن الطلب الذي تغفله المحكمة يظل باقيًا على حاله ومعلقًا أمامها ويكون السبيل إلى الفصل فيه هو الرجوع إلى ذات المحكمة لتستدرك ما فاتها الفصل فيه، وأن الاستئناف لا ينقل إلى محكمة الدرجة الثانية إلا ما تكون محكمة أول درجة قد فصلت فيه ورفع عنه الاستئناف فلا يجوز لمحكمة الاستئناف أن تعرض للطلب الذي أغفلت محكمة أول درجة الفصل فيه، إذ إن الاستئناف لا يُقبل إلا عن الطلبات التي فصلت فيها المحكمة، ومن ثم يتعين عليها أن تقف عند حد القضاء بعدم قبول الاستئناف عن الطلب المُغفل وليس لها أن تتصدى للفصل في موضوع هذا الطلب لما يترتب على هذا التصدي من تفويت درجة من درجتي التقاضي مما يعد إخلالًا بمبدأ التقاضي على درجتين وهو من المبادئ الأساسية التي يقوم عليها النظام القضائي التي لا يجوز للمحكمة مخالفتها ولا يجوز للخصوم النزول عنها لتعلقها بالنظام العام، ومن ثم فإنه ليس لمحكمة الاستئناف أن يمتد حكمها إلى نظر طلب الفوائد بعد أن أغفلت محكمة أول درجة الفصل فيه؛ لما كان ذلك، وكان الثابت من الحكم الابتدائي أنه قد خلا - سواء في أسبابه أو في منطوقه - من الفصل صراحًة أو ضمنًا في طلب المطعون ضدهم الفوائد القانونية، ومن ثم فإن محكمة أول درجة تكون قد أغفلت الفصل في هذا الطلب مما يُبقي الطلب المشار إليه معلقًا أمامها ولا سبيل للمطعون ضدهم للفصل فيه إلا بالرجوع إلى تلك المحكمة لتستدرك ما فاتها القضاء فيه، ومن ثم فلا يجوز لمحكمة الاستئناف أن تعرض لهذا الطلب المُغفل بالفصل فيه وإنما يتعين عليها الوقوف عند حد القضاء بعدم جواز الاستئناف بالنسبة له، وإذ خالف الحكم المطعون فيه هذا النظر ومضى إلى الفصل في هذا الطلب الذي أغفلته محكمة الدرجة الأولى، فإنه يكون قد خالف القانون وأخطأ في تطبيقه بما يوجب نقضه في هذا الخصوص.
وحيث إن حاصل ما ينعاه الطاعن بصفته بباقي أسباب الطعن على الحكم المطعون فيه مخالفة القانون والخطأ في تطبيقه، وفي بيانه يقول: إن الحكم المطعون فيه اعتد في تقدير قيمة أرض التداعي بوقت إيداع لجنة الخبراء تقريرها عام 2021 ولم يعتد بقيمتها وقت التعاقد الحاصل في تاريخ تحرير المُشهرين رقمي ....، .... لسنة 2000 شهر عقاري جنوب القاهرة، رغم أن هذا الوقت هو الذي يتعين فيه تحديد الثمن لكون الأرض قد انتقلت ملكيتها للدولة بناء على اتفاق ذوي الشأن، مما يعيبه ويستوجب نقضه.
وحيث إن هذا النعي سديد؛ ذلك بأنه من المقرر- في قضاء هذه المحكمة - أن مؤدى نص المادتين 147، 150 /1 من القانون المدني أن العقد هو قانون المتعاقدين والخطأ في تطبيق نصوصه خطأٌ في تطبيق القانون ويمتنع على أي من المتعاقدين نقض العقد أو تعديله، كما يمتنع ذلك على القاضي وعليه أن يلتزم بعبارات العقد الواضحة باعتبارها تعبيرًا صادقًا عن إرادتهما المشتركة، فلا يجوز الانحراف عنها عن طريق تفسيرها وذلك رعاية لمبدأ سلطان الإرادة، ولا يجوز للمحكمة وهي تعالج تفسير المحررات أن تتقيد بما تُفيده عبارات معينة دون غيرها من عبارات المحرر، بل يجب عليها أن تأخذ بما تفيده العبارات بأكملها وفي مجموعها، وكان مقتضى نص المادتين 423، 424 من القانون المدني أنه لا يُشترط تحديد الثمن في العقد بل يكفي أن يكون قابلًا للتعيين باتفاق الطرفين صراحًة أو ضمنًا على الأسس التي يُحدد بمقتضاها فيما بعد، فيصح أن يترك المتبايعان تحديد الثمن لأجنبي يتفقان عليه عند البيع لأن الثمن هنا وإن لم يُقدره المتبايعان إلا أنهما جعلاه قابلًا للتقدير، وما يقدره الأجنبي ثمنًا للمبيع ملزمٌ لكل من البائع والمشتري ويكون هو الثمن، لأن الأجنبي مُفوض من المتبايعين في تحديد الثمن فهو وكيل عنهما في ذلك ويسري تقديره في حقهما، والبيع يعتبر قد تم لا من وقت تقدير المُفوض للثمن فحسب بل من وقت اتفاق المتبايعين على المفوض، ففي هذا الوقت كان البيع مستكملًا لجميع عناصره ومنها الثمن إذا كان قابلًا للتقدير- كما سبق القول -، فإذا تحقق الشرط بأن قدّر المفوض الثمن والذي يتعين أن يكون وفقًا للسعر الجاري وقت البيع لا وقت التقدير اعتُبر البيع قد تم من وقت العقد، ومن ثم تنتقل الملكية في المنقول المعين بالذات من وقت البيع وفي العقار من وقت التسجيل ولو سُجل العقد قبل تقدير المفوض للثمن، ويتعين على قاضي الموضوع تحديد الثمن في ضوء هذه الأسس بعد تحرّي ما ارتضاه الطرفان في هذا الخصوص؛ لما كان ذلك، وكان يبين من الأوراق أن الاستيلاء على أرض التداعي جاء في صورة "فائض تنظيم" وأنه قد تم بناء على اتفاق ذوي الشأن، ومن ثم لم يصدر قرار بنزع الملكية للمنفعة العامة، وبذلك أصبح الاستيلاء الاتفاقي بمثابة تسليم من جانب الملاك المطعون ضدهم لمساحة التداعي ونقل حيازتها منهم للدولة، وتَرَكَ عقد البيع لأرض التداعي أمر تقدير القيمة العادلة لها والمنازعة فيه للقاضي ليفصل فيها والذي يعد بهذه المثابة مُفوضًا من المتبايعين في تقدير الثمن، ومن ثم يكون النزاع على هذا التقدير المتعلق بالثمن الحقيقي لمساحة التداعي قد خرج من نطاق نصوص قانون نزع الملكية والتقيد بأحكامه وإجراءاته، ويبيت طرفا التداعي أمام دعوى عادية بشأن العقار والمنازعة في تقدير ثمنه العادل تخضع للقواعد العامة في تقدير القيمة وفقًا لأحكام عقد البيع المتقدم بيانها، ومتى تقرر ذلك فيكون مخالفًا للقانون ما أقام عليه الحكم المطعون فيه قضاءه بخصوص تقدير سعر مساحة التداعي وقت إيداع تقرير لجنة الخبراء عام 2021 وليس سعر الأرض في وقت وتاريخ التعاقد ودخول مساحة التداعي لملكية الدولة في عام ٢٠٠٠ بما يعيبه ويوجب نقضه.
وحيث إن الموضوع صالح للفصل فيه - ولما تقدم - فإنه يتعين الحكم في موضوع الاستئنافين رقمي ....، .... لسنة 133 ق القاهرة برفضهما وتأييد الحكم المستأنف.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الطعن 10508 لسنة 92 ق جلسة 24 / 5 / 2023 مكتب فني 74 ق 76 ص 540

جلسة 24 من مايو سنة 2023
برئاسة السيد القاضي / إسماعيل عبد السميع "نائب رئيس المحكمة"، وعضوية السادة القضاة / سمير عبد المنعم، الدسوقي الخولي، خالد مدكور وطارق تميرك "نواب رئيـس المحكمة".
-------------------
(76)
الطعن رقم 10508 لسنة 92 القضائية
(1) عمل "اتفاقية العمل الجماعية".
اتفاقيات العمل الجماعية المنعقدة بين منظمات أصحاب الأعمال والمنظمات النقابية العمالية بشأن تحسين شروط وظروف العمل. مؤداها. التزام طرفيها بتنفيذها. شرطه. المواد 152، 153، 158، 162 ق العمل 12 لسنة 2003.
(2) عمل "علاوات".
اتفاقيات العمل الجماعية المنشورة في الوقائع المصرية بشأن تقرير علاوة خاصة للعاملين بالقطاع الخاص بذات قدر العلاوة الخاصة المنصوص عليها بالقوانين 70 لسنة 2010، 2 لسنة 2011، 82 لسنة 2012، 78 لسنة 2013، 42 لسنة 2014. تضمنها صرف علاوة خاصة للعاملين بالقطاع الخاص بالقدر المنصوص عليه في القوانين سالفة البيان. مؤداه. التزام الطاعن بصفته بها ولا يجوز له الامتناع عن تنفيذها. علة ذلك. للمطعون ضده الحق في اقتضاء المستحق له من هذه العلاوات عن المدة التي لم يسقط الحق فيها بالتقادم الخمسي. التزام الحكم المطعون فيه ذلك. صحيح. النعي عليه في هذا الخصوص. على غير أساس.
(3) نقض "أسباب الطعن بالنقض: السبب المجهل".
صحيفة الطعن بالنقض. وجوب اشتمالها على بيان الأسباب المبني عليها الطعن. مخالفة ذلك. البطلان. م 253 مرافعات. أسباب الطعن بالنقض. وجوب تعريفها تعريفًا واضحًا كاشفًا عن المقصود منها كشفًا وافيًا نافيًا عنها الغموض والجهالة. عدم بيان الطاعن العيب الذي يعزوه إلى الحكم المطعون فيه وأثر ذلك في قضائه. نعي مجهل. أثره. غير مقبول.
(4 -6) عمل "أجر: الأرباح".
(4) إغلاق المنشأة كليًا أو جزئيًا بسبب الضرورات الاقتصادية وفقًا للمادتين 196، 197 ق 12 لسنة 2003 بشأن قانون العمل. شرطه. وجوب تقديم طلب من صاحب العمل بإغلاقها للجنة المشار إليها م 197 وصدور قرارها بالموافقة على الإغلاق. عدم تقديم الطاعن صاحب العمل أمام محكمة الموضوع الدليل على صدور قرار من اللجنة المختصة بغلق منشأته. مؤداه. انعقاد مسئوليته بالوفاء للمطعون ضده العامل لديه بكامل الأجر المستحق عن مدة الغلق. التزام الحكم المطعون فيه ذلك. صحيح. النعي عليه في هذا الخصوص. على غير أساس.
(5) الأرباح. ماهيتها. من عناصر الأجر. م 1 ق العمل 12 لسنة 2003. مناط استحقاقها. ثبوت أن المنشأة التي يعمل بها العامل حققت أرباحًا قابلة للتوزيع.
(6) المدعي. التزامه بإثبات دعواه وتقديم الأدلة التي تؤيدها. قضاء الحكم المطعون فيه بالأرباح للمطعون ضده رغم عدم تقديمه الدليل بتحقيق الفندق الطاعن أرباحًا قابلة للتوزيع في مدة خدمته لديه. فساد في الاستدلال ومخالفة للقانون.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- المقرر- في قضاء محكمة النقض – أن مؤدى نصوص المواد 152، 153، 158، 162 من قانون العمل الصادر بالقانون رقم 12 لسنة 2003 – يدل على أن اتفاقيات العمل الجماعية التي تعقد بين منظمات أصحاب الأعمال والمنظمات النقابية العمالية بشأن تحسين شروط وظروف العمل، وبعد موافقة مجلس إدارة النقابة العامة أو الاتحاد العام لنقابات عمال مصر عليها، ونشرها في الوقائع المصرية ملزمة لطرفيها، ويتعين عليهما تنفيذها بطريقة تتفق مع ما يقتضيه حسن النية.
2- إذ كان الثابت من اتفاقية العمل الجماعية المنشورة في الوقائع المصرية العدد 159 بتاريخ 11/7/2010 بشأن تقرير علاوة خاصة للعاملين بالقطاع الخاص بذات قدر العلاوة الخاصة المنصوص عليها بالقانون رقم 70 لسنة 2010 بمنح العاملين بالدولة علاوة خاصة أن " من بين أطرافها ممثل الاتحاد العام للغرف السياحية، وتلي هذه الاتفاقية، اتفاقية العمل الجماعية المنشورة في الوقائع المصرية العدد 86 بتاريخ 13/4/2011 بخصوص العلاوة الخاصة المقررة بالمرسوم بالقانون رقم 2 لسنة 2011، واتفاقية العمل الجماعية المنشورة في الوقائع المصرية العدد 184 بتاريخ 9/8/2012 بخصوص العلاوة الخاصة المقررة بالقانون رقم 82 لسنة 2012، واتفاقية العمل الجماعية المنشورة في الوقائع المصرية العدد 204 بتاريخ 5/9/2013 بخصوص العلاوة الخاصة المقررة بالقانون 78 لسنة 2013، واتفاقية العمل الجماعية المنشورة في الوقائع المصرية العدد 288 بتاريخ 21/12/2014 بشأن العلاوة الخاصة المقررة بالقانون رقم 42 لسنة 2014، وتضمنت جميعها النص على صرف علاوة خاصة للعاملين بالقطاع الخاص بالقدر المنصوص عليه في القوانين سالفة البيان، وكان من بين الموقعين عليها ممثلي منظمات أصحاب الأعمال في القطاع الخاص..."، ومن ثم فإنها تكون ملزمة للطاعن ولا يجوز له الامتناع عن تنفيذها، كما أن الثابت من مفردات مرتب المطعون ضده المقدمة من الطاعن رفق الطعن أن العلاوات الخاصة التي تقررت عن السنوات من 2011 حتى 2013 من ضمن عناصر أجر المطعون ضده، بما يؤكد عدم صحة ادعاء الطاعن بأنه غير ملزم بصرف هذه العلاوات، وإذ قضى الحكم المطعون فيه للمطعون ضده بما لم يصرف إليه من هذه العلاوات والتي لم يلحقها التقادم الخمسي لا يكون قد خالف القانون، ويضحى هذا النعي على غير أساس.
3- المقرر- في قضاء محكمة النقض - أن المادة 253 من قانون المرافعات إذ أوجبت أن تشتمل صحيفة الطعن بالنقض على بيان الأسباب التي بني عليها الطعن وإلا كان باطلًا، إنما قصدت بهذا البيان أن تحدد أسباب الطعن وتعرفه تعريفًا واضحًا كاشفًا عن المقصود منها كشفًا وافيًا نافيًا عنها الغموض والجهالة بحيث يبين منها العيب الذي يعزوه الطاعن إلى الحكم وموضعه منه وأثره في قضائه، ومن ثم فإن كل سبب يراد التحدي به يجب أن يكون مبينًا بيانًا دقيقًا، وإلا كان غير مقبول، وإذ لم يفصح الطاعن عن ماهية أسباب الاستئناف التي لم يعن الحكم ببحثها، والعيب الذي شاب الحكم من جراء ذلك وأثره في قضائه وموضعه منه، فإن هذا النعي يكون مجهلًا، ومن ثم غير مقبول.
4- إذ كان المشرع اشترط لإغلاق المنشأة كليًا أو جزئيًا بسبب الضرورات الاقتصادية بموجب المادتين 196، 197 من قانون العمل الصادر بالقانون رقم 12 لسنة 2003، وجوب أن يقدم صاحب العمل طلبًا بإغلاق المنشأة إلى اللجنة المشار إليها بالمادة (197) سالفة الذكر، وأن يصدر قرار عن هذه اللجنة بالموافقة على هذا الإغلاق، وإذ لم يقدم الطاعن (صاحب العمل) أمام محكمة الموضوع الدليل على صدور قرار من اللجنة المختصة بغلق منشأته في الفترة المشار إليها آنفًا وفقًا للإجراءات السالف بيانها، فإن ادعائه بتوقفه عن النشاط أثناء تلك الفترة يكون بغير دليل، وتنعقد بالتالي مسئوليته بالوفاء للمطعون ضده (العامل لدى الطاعن) بكامل الأجر المستحق عن هذه المدة، وإذ قضى الحكم المطعون فيه للمطعون ضده بباقي ما يستحقه من أجر عن تلك المدة لا يكون قد خالف القانون، ويضحى هذا النعي على غير أساس.
5- المقرر- في قضاء محكمة النقض - أنه ولئن كانت الأرباح من عناصر الأجر وفقًا للمادة (1) من قانون العمل المشار إليه آنفًا (القانون رقم 12 لسنة 2003)، إلا أن مناط استحقاق العامل لهذه الأرباح ثبوت أن المنشأة التي يعمل بها حققت أرباحًا قابلة للتوزيع.
6- إذ كان مفاد المادة الأولى من قانون الإثبات أن المدعي هو المكلف بإثبات دعواه، وتقديم الدليل على صحة ما يدعيه، وإذ لم يقدم المطعون ضده الدليل أمام محكمة الموضوع على أن الفندق الطاعن حقق أرباحًا قابلة للتوزيع في مدة خدمته لديه، فإن الحكم المطعون فيه إذ قضى للمطعون ضده بالأرباح المشار إليها بالنعي يكون فضلًا عما شابه من فساد في الاستدلال قد خالف القانون.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المحكمــة
بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع التقرير الذي تلاه السيد القاضي المقرر، والمرافعة، وبعد المداولة.
حيث إن الطعن استوفى أوضاعه الشكلية.
وحيث إن الوقائع -على ما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر الأوراق- تتحصل في أن المطعون ضده أقام الدعوى رقم .... لسنة 2016 عمال الأقصر الابتدائية على الطاعن - فندق .... - بطلب الحكم بإلزامه أن يؤدي إليه مبلغ (808800 جنيه) قيمة مستحقاته من العلاوات الدورية والعلاوات الاجتماعية الخاصة، ومقابل الخدمة بواقع 12% ومنحة عيد العمال، والمقابل النقدي عن إجازاته السنوية غير المستنفدة عن كامل خدمته من 15/9/2010 حتى فصله بتاريخ 30/4/2016 وباقي أجره عن المدة من 1/9/2013 حتى 30/4/2016 والتعويض عن فصله من العمل وعدم مراعاة مهلة الإخطار، تأسيسًا على أنه كان من العاملين بالفندق الطاعن اعتبارًا من 15/9/2010 بأجر شهري مقداره (3704 جنيهات)، وإذ فصله الطاعن بدون مبرر في 30/4/2016 وامتنع عن الوفاء له بالمستحقات المشار إليها آنفًا، فقد أقام الدعوى بطلباته سالفة البيان، ندبت المحكمة خبيرًا، وبعد أن قدم ثلاثة تقارير حكمت بتاريخ 29/11/2021 بإلزام الطاعن أن يؤدي للمطعون ضده مبلغ (25966,39 جنيهًا) باقي أجره عن المدة من 1/9/2013 حتى 30/4/2016، ومبلغ (8394,23 جنيهًا) قيمة نصيبه في الأرباح ورفضت ما عدا ذلك من طلبات، استأنف المطعون ضده هذا الحكم لدى محكمة قنا "مأمورية الأقصر" بالاستئناف رقم .... لسنة 40 ق، كما استأنفه الطاعن أمام ذات المحكمة بالاستئناف رقم .... لسنة 40 ق، وبعد أن ضمت المحكمة الاستئنافين حكمت بتاريخ 21/3/2022 بإلغاء الحكم المستأنف في خصوص ما قضى به من رفض طلب العلاوات الاجتماعية الخاصة ومنحة عيد العمال، والقضاء بإلزام الطاعن أن يؤدي للمطعون ضده مبلغ (10004 جنيهات) قيمة العلاوات الاجتماعية الخاصة، ومبلغ (170,67 جنيهًا) قيمة منحة عيد العمال التي لم تسقط بالتقادم الخمسي وتأييد الحكم المستأنف فيما عدا ذلك. طعن الطاعن في هذا الحكم بطريق النقض، وقدمت النيابة مذكرة أبدت فيها الرأي برفض الطعن، عُرض الطعن على هذه المحكمة - في غرفة مشورة - فحددت جلسة لنظره وفيها التزمت النيابة رأيها.
وحيث إن الطعن أقيم على ثلاثة أسباب ينعى الطاعن بالسبب الأول منها على الحكم المطعون فيه مخالفة القانون والخطأ في تطبيقه، إذ قضى للمطعون ضده بالعلاوات الخاصة رغم إنه من منشآت القطاع الخاص ومن غير المخاطبين بالقوانين المقررة لها والتي تحدد نطاقها بالعاملين بالدولة، فضلًا عن عدم التزامه بما قررته الاتفاقيات الجماعية في هذا الشأن لعدم توقيعه عليها، وهو ما يعيب الحكم ويستوجب نقضه.
وحيث إن هذا النعي غير سديد، ذلك أن النص في المادة (152) من قانون العمل الصادر بالقانون رقم 12 لسنة 2003 على أن " اتفاقية العمل الجماعية هي اتفاق ينظم شروط وظروف العمل وأحكام التشغيل، ويبرم بين منظمة أو أكثر من المنظمات النقابية العمالية وبين صاحب العمل أو مجموعة من أصحاب الأعمال أو منظمة أو أكثر من منظماتهم."، والنص في المادة (153) على أنه " يجب أن تكون الاتفاقية الجماعية مكتوبة باللغة العربية، وأن تعرض خلال خمسة عشر يومًا من تاريخ توقيعها على مجلس إدارة النقابة العامة أو الاتحاد العام لنقابات عمال مصر على حسب الأحوال المقررة في قانون النقابات العمالية، وتكون الموافقة عليها من أيهما بالأغلبية المطلقة لأعضاء مجلس الإدارة ..."، والنص في المادة ( 158 ) على أن " تكون الاتفاقية الجماعية نافذة وملزمة لطرفيها بعد إيداعها لدى الجهة الإدارية المختصة ونشر هذا الإيداع بالوقائع المصرية مشتملًا على ملخص لأحكام الاتفاقية ..."، والنص في المادة ( 162 ) من ذات القانون على أن " يلتزم طرفا الاتفاقية الجماعية بتنفيذها بطريقة تتفق مع ما يقتضيه حسن النية، وأن يمتنعا عن القيام بأي عمل أو إجراء من شأنه أن يعطل تنفيذ أحكامها." يدل على أن اتفاقيات العمل الجماعية التي تعقد بين منظمات أصحاب الأعمال والمنظمات النقابية العمالية بشأن تحسين شروط وظروف العمل، وبعد موافقة مجلس إدارة النقابة العامة أو الاتحاد العام لنقابات عمال مصر عليها، ونشرها في الوقائع المصرية ملزمة لطرفيها، ويتعين عليهما تنفيذها بطريقة تتفق مع ما يقتضيه حسن النية؛ لما كان ذلك، وكان الثابت من اتفاقية العمل الجماعية المنشورة في الوقائع المصرية العدد 159 بتاريخ 11/7/2010 بشأن تقرير علاوة خاصة للعاملين بالقطاع الخاص بذات قدر العلاوة الخاصة المنصوص عليها بالقانون رقم 70 لسنة 2010 بمنح العاملين بالدولة علاوة خاصة أن " من بين أطرافها ممثل الاتحاد العام للغرف السياحية، وتلي هذه الاتفاقية، اتفاقية العمل الجماعية المنشورة في الوقائع المصرية العدد 86 بتاريخ 13/4/2011 بخصوص العلاوة الخاصة المقررة بالمرسوم بالقانون رقم 2 لسنة 2011، واتفاقية العمل الجماعية المنشورة في الوقائع المصرية العدد 184 بتاريخ 9/8/2012 بخصوص العلاوة الخاصة المقررة بالقانون رقم 82 لسنة 2012، واتفاقية العمل الجماعية المنشورة في الوقائع المصرية العدد 204 بتاريخ 5/9/2013 بخصوص العلاوة الخاصة المقررة بالقانون 78 لسنة 2013، واتفاقية العمل الجماعية المنشورة في الوقائع المصرية العدد 288 بتاريخ 21/12/2014 بشأن العلاوة الخاصة المقررة بالقانون رقم 42 لسنة 2014، وتضمنت جميعها النص على صرف علاوة خاصة للعاملين بالقطاع الخاص بالقدر المنصوص عليه في القوانين سالفة البيان، وكان من بين الموقعين عليها ممثلو منظمات أصحاب الأعمال في القطاع الخاص ..."، ومن ثم فإنها تكون ملزمة للطاعن ولا يجوز له الامتناع عن تنفيذها، كما أن الثابت من مفردات مرتب المطعون ضده المقدمة من الطاعن رفق الطعن أن العلاوات الخاصة التي تقررت عن السنوات من 2011 حتى 2013 من ضمن عناصر أجر المطعون ضده، بما يؤكد عدم صحة ادعاء الطاعن بأنه غير ملزم بصرف هذه العلاوات، وإذ قضى الحكم المطعون فيه للمطعون ضده بما لم يصرف إليه من هذه العلاوات والتي لم يلحقها التقادم الخمسي لا يكون قد خالف القانون، ويضحى هذا النعي على غير أساس.
وحيث إن الطاعن ينعى بالسبب الثاني على الحكم المطعون فيه، إذ أيد الحكم الابتدائي فيما قضى به للمطعون ضده من مستحقات دون أن يعن ببحث أسباب الاستئناف المرفوع منه والرد عليها، بما يعيبه ويستوجب نقضه.
وحيث إن هذا النعي غير مقبول، ذلك أن المادة 253 من قانون المرافعات إذ أوجبت أن تشتمل صحيفة الطعن بالنقض على بيان الأسباب التي بني عليها الطعن وإلا كان باطلًا، إنما قصدت بهذا البيان أن تحدد أسباب الطعن وتعرفه تعريفًا واضحًا كاشفًا عن المقصود منها كشفًا وافيًا نافيًا عنها الغموض والجهالة بحيث يبين منها العيب الذي يعزوه الطاعن إلى الحكم وموضعه منه وأثره في قضائه، ومن ثم فإن كل سبب يراد التحدي به يجب أن يكون مبينًا بيانًا دقيقًا، وإلا كان غير مقبول، وإذ لم يفصح الطاعن عن ماهية أسباب الاستئناف التي لم يعن الحكم ببحثها، والعيب الذي شاب الحكم من جراء ذلك وأثره في قضائه وموضعه منه، فإن هذا النعي يكون مجهلًا، ومن ثم غير مقبول.
وحيث إن الطاعن ينعى بالوجه الثاني من السبب الثالث على الحكم المطعون فيه مخالفة القانون والفساد في الاستدلال، إذ قضى للمطعون ضده بباقي الأجر عن المدة من سنة 2013 حتى انتهاء خدمته في 30/4/2016 رغم توقفه عن النشاط السياحي أثناء تلك المدة بسبب الظروف التي مرت بها البلاد، وهو ما يعيب الحكم ويستوجب نقضه.
وحيث إن هذا النعي في غير محله، ذلك أن المشرع اشترط لإغلاق المنشأة كليًا أو جزئيًا بسبب الضرورات الاقتصادية بموجب المادتين 196، 197 من قانون العمل الصادر بالقانون رقم 12 لسنة 2003، وجوب أن يقدم صاحب العمل طلبًا بإغلاق المنشأة إلى اللجنة المشار إليها بالمادة (197) سالفة الذكر، وأن يصدر قرار عن هذه اللجنة بالموافقة على هذا الإغلاق، وإذ لم يقدم الطاعن أمام محكمة الموضوع الدليل على صدور قرار من اللجنة المختصة بغلق منشأته في الفترة المشار إليها آنفًا وفقًا للإجراءات السالف بيانها، فإن ادعاءه بتوقفه عن النشاط أثناء تلك الفترة يكون بغير دليل، وتنعقد بالتالي مسئوليته بالوفاء للمطعون ضده بكامل الأجر المستحق عن هذه المدة، وإذ قضى الحكم المطعون فيه للمطعون ضده بباقي ما يستحقه من أجر عن تلك المدة لا يكون قد خالف القانون، ويضحى هذا النعي على غير أساس.
وحيث إن الطاعن ينعى بالوجه الأول من السبب الثالث على الحكم المطعون فيه مخالفة القانون والفساد في الاستدلال، إذ قضى للمطعون ضده بمبلغ (8392,23 جنيهًا) قيمة ما يستحقه من أرباح رغم انتفاء الدليل على تحقيقه للأرباح، وهو ما يعيب الحكم ويستوجب نقضه.
وحيث إن هذا النعي في محله، ذلك أنه ولئن كانت الأرباح من عناصر الأجر وفقًا للمادة (1) من قانون العمل المشار إليه آنفًا، إلا أن مناط استحقاق العامل لهذه الأرباح ثبوت أن المنشأة التي يعمل بها حققت أرباحًا قابلة للتوزيع. هذا، ولما كان مفاد المادة الأولى من قانون الإثبات أن المدعي هو المكلف بإثبات دعواه، وتقديم الدليل على صحة ما يدعيه، وإذ لم يقدم المطعون ضده الدليل أمام محكمة الموضوع على أن الفندق الطاعن حقق أرباحًا قابلة للتوزيع في مدة خدمته لديه، فإن الحكم المطعون فيه إذ قضى للمطعون ضده بالأرباح المشار إليها بالنعي يكون فضلًا عما شابه من فساد في الاستدلال قد خالف القانون، بما يوجب نقضه في هذا الخصوص.
وحيث إن الموضوع في خصوص ما نقض من الحكم المطعون فيه صالح للفصل فيه، وكانت المحكمة قد انتهت في قضائها السالف البيان بعدم أحقية المطعون ضده في الأرباح المقضي بها وباستبعاد هذه الأرباح من المبالغ المقضي بها يبقى المستحق للمطعون ضده مبلغ مقداره (36173,06 جنيهًا) قيمة ما يستحقه من العلاوات الخاصة وباقي الأجر ومنحة عيد العمال، ولما تقدم تعين الحكم في الاستئناف رقم .... لسنة 40ق قنا "مأمورية استئناف الأقصر" بإلغاء الحكم المستأنف في خصوص ما قضى به من أرباح للمطعون ضده ورفض طلب العلاوات الخاصة ومنحة عيد العمال، والقضاء بإلزام الطاعن أن يؤدي للمطعون ضده مبلغ (10004 جنيهات) قيمة المستحق له من العلاوات الخاصة، ومبلغ (170,67 جنيهًا) قيمة المستحق له من منحة عيد العمال، وتأييد الحكم المستأنف فيما عدا ذلك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ضمانة إجماع آراء القضاة في بعض الأحكام الجنائية القاضي الدكتور أحمد أبو هشيمة

ضمانة إجماع آراء القضاة في بعض الأحكام الجنائية

(دراسة تحليلية لاتجاه قضاء محكمة النقض)

القاضي الدكتور

أحمد أبو هشيمة

القاضي بمحكمة النقض

 

 

تمهيد

  يُعدُّ قانون الإجراءات الجنائية المصري من أبرز التشريعات التي تحمي حقوق المتهم وضمانات المحاكمة العادلة، ومن أهم هذه الضمانات ما نصت عليه الفقرة الثانية من المادة 417 من هذا القانون – المقابلة لنص المادة 399 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 الذي نُشر في الجريدة الرسمية بتاريخ 12/11/2025 ونصَّت المادة السادسة منه على أن يُعمل به اعتبارًا من الأول من أكتوبر التالي لتاريخ نشره - والتي تشترط إجماع آراء قضاة المحكمة الاستئنافية في حالة القضاء بإلغاء الحكم الصادر من محكمة أول درجة بالبراءة، أو بتشديد العقوبة، بناءً على استئناف النيابة العامة. هذه الضمانة تهدف إلى منع تسويء مركز المتهم دون توافق كامل بين القضاة، مما يعكس المبدأ الدستوري "الأصل في المتهم البراءة". وكان قضاء محكمة النقض قد جرى على أن حكم هذه الفقرة يسري كذلك على استئناف المدعي بالحقوق المدنية الحكم الصادر برفض دعواه بناء على براءة المتهم لعدم ثبوت الواقعة سواء استأنفته النيابة العامة أو لم تستأنفه.

  غير أن تطبيق هذه الضمانة يقتضي التحليل والتدقيق، في ضوء استقرار محكمة النقض على اعتبار إغفال محكمة الجنح المستأنفة النص على الإجماع في منطوق الحكم الاستئنافي الغيابي والمعارض فيه بطلاناً يؤدي إلى نقض الحكم وتأييد حكم أول درجة الصادر بالبراءة أو بتخفيف العقوبة أو برفض الدعوى المدنية، دون إعادة النظر في الدعوى وفقًا للقانون.   

   والجدير بالذكر أن القانون رقم 1 لسنة 2024 بتعديل بعض أحكام قانون الإجراءات الجنائية قد استحدث نظام استئناف مواد الجنايات؛ فيتعين دراسة مدى وجوب النص على إجماع الآراء في منطوق الحكم الصادر من محكمة الجنايات المستأنفة بإلغاء الحكم الصادر من محكمة جنايات أول درجة بالبراءة أو بتشديد العقوبة أو برفض الدعوى المدنية.

وتأتي هذه الدراسة لتُسهم في البحث العلمي حول الموضوع المطروح، دون أن تقدح في اجتهاد محكمة النقض أو ينتقص من قيمتها، إذ إن تعدد الاجتهادات هو سر غِنى الفقه القانوني وحيويته. ومحكمة النقض ولئن كانت تتمسك بالسوابق القضائية كأساس لتوحيد التطبيق القانوني، إلا أن ذلك لا يمنعها من الرجوع عما تراه غير أوفق لمصلحة القانون، من خلال دورها الأصيل في مراقبة صحة تطبيق القانون وتحقيق العدالة.

  فالقانون علمٌ يقوم على أسس المنطق السليم وإعمال العقل المدقق، ويستدعي بالتالي مراجعة مستمرة للأحكام والتفسيرات، مع مرونة فكرية تتلاءم مع تطور المجتمعات والوقائع، ليبقى أداةً فعالةً لتحقيق العدالة في أسمى معانيها.

وفي هذا الإطار، تبرز محكمة النقض كصرح كبير للرقابة القضائية، وصمام أمان للنظام القانوني، ومرجع أصيل لتوحيد الاجتهاد وضمان سلامة تطبيق القانون وصحة تفسيره. ودورها هذا يستحق كل تقدير، حتى وإن حمل البحث وجهة نظر قد تختلف مع بعض اجتهاداتها، فإن هذا الاختلاف إنما هو لباب الحوار العلمي الراقي الذي يُثري الفقه، خاصةً فقه محكمة النقض، ويُعلي من شأن العدالة، ويُسهم في تطويرها نحو آفاق أوسع وأعدل.

هدف البحث

  يهدف هذا البحث إلى دراسة الضمانة الواردة في الفقرة الثانية من المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية - المقابلة لنص المادة 399 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 - من خلال تحليل تفسيرها والغرض التشريعي منها، مع استعراض الاتجاه السائد في قضاء محكمة النقض حول تطبيقها، إذ اعتبرت المحكمة أن إغفال محكمة الجنح المستأنفة النص على الإجماع في منطوق الحكم الاستئنافي الغيابي والحكم المعارض فيه يؤدي إلى نقض الحكم وتأييد حكم أول درجة الصادر بالبراءة أو بتخفيف العقوبة أو برفض الدعوى المدنية، دون إعادة النظر في الدعوى وفقًا للقانون؛ رغم أنه من الملائم القضاء بنقض الحكم الباطل وتحديد جلسة لنظر موضوع الدعوى أمام محكمة النقض. فإذا كانت الدعوى بحالتها هذه صالحة للفصل في موضوعها دون حاجة إلى تحديد جلسة لنظرها، فإن المحكمة تعرض لموضوع الدعوى، بما يتسق مع المادة 39 من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض؛ وذلك لتحقيق توازن أفضل بين مصلحة المتهم من ناحية، وحق المجتمع والمدعي بالحق المدني في إعادة النظر في الدعوى من ناحية أخرى.

ويتعين في هذا الصدد دراسة مدى وجوب النص على إجماع الآراء في منطوق الحكم الصادر من محكمة الجنايات المستأنفة – بناءً على استئناف النيابة العامة أو المدعي المدني - بإلغاء الحكم الصادر من محكمة جنايات أول درجة بالبراءة أو بتشديد العقوبة أو برفض الدعوى المدنية.

منهج البحث: يستند البحث إلى المنهج التحليلي.

تقسيم البحث:

أولًا: القاعدة العامة: صدور الحكم بأغلبية الآراء

ثانيًا: صدور بعض الأحكام بالإجماع هو استثناء من القاعدة العامة

ثالثًا: نطاق البحث

رابعًا: إجماع الآراء عند الحكم الصادر من محكمة الجنح المستأنفة بإلغاء الحكم بالبراءة أو بتشديد العقوبة أو برفض الدعوى المدنية.

خامسًا: النص على إجماع الآراء في منطوق الحكم الصادر من محكمة الجنح المستأنفة.

سادسًا: الغرض التشريعي من الضمانة.

 سابعًا: الاتجاه السائد لدى محكمة النقض.

ثامنًا: ضمانة إجماع آراء قضاة المحكمة وفقًا لتفسير نص المادة 417 إجراءات جنائية - المقابلة لنص المادة 399 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025

تاسعًا: إجماع الآراء عند الحكم الصادر من محكمة الجنايات المستأنفة بإلغاء الحكم بالبراءة أو بتشديد العقوبة أو برفض الدعوى المدنية.

عاشرًا: رأي الباحث في المسألة مثار البحث.

أولًا: القاعدة العامة: صدور الحكم بأغلبية الآراء [1] )

  يجب أن يكون الرأي الذي انتهت إليه المداولة قد تم بناء على أغلبية آراء القضاة الذين تداولوا في الحكم في حالة تشكيل المحكمة من ثلاثة قضاة فأكثر. فقد نصت المادة ١٦٩ من قانون المرافعات على أنه " تصدر الأحكام بأغلبية الآراء، فإذا لم تتوافر الأغلبية وتشعبت الآراء لأكثر من رأيين، وجب أن ينضم الفريق الأقل عددًا أو الفريق الذي يضم أحدث القضاة لأحد الرأيين الصادرين من الفريق الأكثر عددًا وذلك بعد أخذ الآراء مرة ثانية " وهذه المادة وإن لم ترد في قانون الاجراءات الجنائية، إلا أنها تمثل قاعدة عامة في إصدار الأحكام ولا تتعارض مع طبيعة الدعوى الجنائية، ومن ثم ليس ما يمنع من تطبيقها في القضاء الجنائي حلًا لمشكلة لم يعالجها قانون الإجراءات الجنائية.

ثانيًا: صدور بعض الأحكام بالإجماع هو استثناء من القاعدة العامة [2] )

  تدخَّل قانون الإجراءات الجنائية بنصوص خاصة استثني من القاعدة بعض الأحكام فأوجب صدورها بإجماع آراء القضاة ولم يكتفِ برأي أغلبية القضاة هي :

١- الأحكام الصادرة من محكمة الجنايات – بدرجتيها - بالإعدام، فيتعين أن يكون الرأي الذي تنتهي إليه المداولة بإجماع آراء القضاة وليس بأغلبيهم.

٢- الأحكام الصادرة من محكمة الجنايات المستأنفة، ومحكمة الجنح المستأنفة بإلغاء حكم محكمة أول درجة القاضي ببراءة المتهم أو تشديد العقوبة المحكوم بها أو بإلغاء الحكم الصادر برفض الدعوى المدنية.

ثالثًا: نطاق البحث

  يقتصر نطاق البحث على تفسير الفقرة الثانية من المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية – المقابلة لنص المادة 399 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد – في ضوء الاتجاه السائد في قضاء محكمة النقض الذي يقضي بأن إغفال محكمة الجنح المستأنفة النص على الإجماع في منطوق الحكم الاستئنافي الغيابي والحكم المعارض فيه يؤدي إلى نقض الحكم وتأييد حكم أول درجة الصادر بالبراءة أو بتخفيف العقوبة أو برفض الدعوى المدنية، دون إعادة النظر في الدعوى وفقًا للقانون؛ رغم عدم صراحة النص القانوني في ترتيب هذا الأثر. هذا الاتجاه يتعارض مع ما قد يُثار في أذهان رجال القانون من ملاءمة نقض الحكم الباطل لنظر موضوع الدعوى أمام محكمة النقض. فإذا كانت الدعوى بحالتها هذه صالحة للفصل في موضوعها دون حاجة إلى تحديد جلسة لنظرها، فإن المحكمة تعرض لموضوع الدعوى، مما يثير تساؤلًا حول مدى توافق التطبيق القضائي مع الغرض التشريعي لضمانة الإجماع، بما يحقق التوازن بين حماية مصلحة المتهم من ناحية ومصلحة العدالة الجنائية والمدعي بالحق المدني من ناحية أخرى.

ويتعين في هذا الصدد دراسة مدى وجوب النص على إجماع الآراء في منطوق الحكم الصادر من محكمة الجنايات المستأنفة - بناءً على استئناف النيابة العامة أو المدعي المدني - بإلغاء الحكم الصادر من محكمة جنايات أول درجة بالبراءة أو بتشديد العقوبة أو برفض الدعوى المدنية.

رابعًا: إجماع الآراء عند الحكم الصادر من محكمة الجنح المستأنفة بإلغاء الحكم بالبراءة أو بتشديد العقوبة أو برفض الدعوى المدنية

 خصَّ المشرع الحكم الصادر من محكمة الجنح المستأنفة بإلغاء حكم أول درجة الصادر ببراءة المتهم بوضع خاص، وكذلك الحكم الصادر بتشديد العقوبة عما قضي به حكم أول درجة. فنصت الفقرة الثانية من المادة 417 من قانون الاجراءات الجنائية – المقابلة لنص المادة 399 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد - على أنه "لا يجوز تشديد العقوبة المحكوم بها ولا إلغاء الحكم الصادر بالبراءة إلا بإجماع آراء قضاة المحكمة". وهذا الوضع قيد على سلطة المحكمة الاستئنافية إذا كانت النيابة العامة هي الطاعنة بالاستئناف. وقد عللت المذكرة الايضاحية للقانون هذا الحكم بقولها " إن رأي قاضي محكمة أول درجة يجب أن يكون محل اعتبار عند الفصل في الدعوي استئنافيًا، فإذا كان رأي أحد قضاة الاستئناف مطابقًا لرأيه، فلا يجوز إلغاء البراءة أو التشديد، لأنه إذا كان هناك محل للترجيح إنما ترجح كفة الرأي الذي يشترك فيه القاضي الذي أجرى تحقيقًا في الدعوى وسمع الشهود بنفسه وهو القاضي الجزئي، فضلًا عما في ذلك من مراعاة لمصلحة المتهم"

  ومن جانبنا، نرى أن ما استقر عليه قضاء محكمة النقض، وما أكدته المذكرة الإيضاحية بشأن أهمية رأي قاضي أول درجة – الذي قام بالتحقيق بنفسه وسمع الشهود مباشرة – ووجوب ترجيح هذا الرأي في حال عدم توافر إجماع قضاة المحكمة الاستئنافية، مراعاةً لمصلحة المتهم، يترتب عليه أمران:

أولهما: إذا لم ينعقد الإجماع بين قضاة محكمة الجنح المستأنفة على إلغاء حكم أول درجة بالبراءة، أو تشديد العقوبة، أو رفض الدعوى المدنية، فإن هذه المحكمة الاستئنافية تقضي بتأييد حكم أول درجة ترجيحًا لمصلحة المتهم.

ثانيهما: إذا قضت محكمة الجنح المستأنفة بإلغاء حكم أول درجة بالبراءة، أو تشديد العقوبة، أو رفض الدعوى المدنية، ولكنها أغفلت النص على الإجماع في منطوق حكمها، فإن حكمها يبطل لهذا العيب، وتنظر محكمة النقض في موضوع الدعوى وفقًا للقانون.

  والجدير بالإشارة استقرار محكمة النقض - على النحو الذي سيأتي تفصيله - على أن شرط الإجماع يسري أيضًا في حالة إلغاء حكم أول درجة الصادر برفض الدعوي المدنية بناءً على عدم ثبوت الواقعة أو عدم صحة إسنادها إلى المتهم، فلا يجوز للمحكمة الاستئنافية الحكم للمدعي المدني المستأنف بالتعويض إلا بإجماع آراء قضاتها لاتصال الحكم بالتعويض في هذه الحالة بإسناد الواقعة للمتهم، ولكن زيادة مبلغ التعويض لا يتطلب الإجماع لأنه لا ينطوي على تسويء مركز المتهم في الواقعة الجنائية الثابتة في حكم أول درجة، إلا أن شرط إجماع الآراء مقصور على حالة الخلاف بين القضاة في تقدير الوقائع والأدلة وتقدير العقوبة، أما تطبيق قانون العقوبات على وجهه الصحيح لخطأ الحكم المستأنف في القانون فلا يحتاج إلى إجماع، بل يكفي فيه أغلبية آراء قضاة المحكمة.

 

خامسًا: النص على إجماع الآراء في منطوق الحكم الصادر من محكمة الجنح المستأنفة .

يجب أن يثبت في منطوق الحكم، صدور الحكم بإجماع آراء قضاة المحكمة، ولا يكفي أن يذكر ذلك في أسباب الحكم إلا إذا كانت الأسباب قد تليت علنًا مع تلاوة منطوق الحكم في الجلسة. وتطبيقًا لذلك، قضت محكمة النقض بأن النص على إجماع الآراء قرين النطق بالحكم بإلغاء الحكم الصادر بالبراءة أو برفض الدعوي المدنية شرط لازم لصحة صدور الحكم بالإلغاء والقضاء بالإدانة أو بالتعويض. واذ كانت العبرة فيما تقضي به الأحكام هي بما ينطق به القاضي بالجلسة العلنية عقب سماع الدعوي، فإنه لا يكفي أن تتضمن أسباب الحكم ما يفيد انعقاد الإجماع مادام لم يثبت بورقة الحكم أن تلك الأسباب قد تليت علنًا بجلسة النطق به مع المنطوق [3] ).

سادسًا: الغرض التشريعي من ضمانة الإجماع

يهدف المشرع من هذه الضمانة إلى تعزيز حماية المتهم عندما تكون النيابة العامة هي الطاعنة في حكم البراءة، أو إذا كان المدعي المدني هو الطاعن فيما يتعلق بدعواه المدنية، لذا اشترط الإجماع لضمان توافق كامل يمنع تسويء مركز المتهم إلا بيقين تام.

 والجدير بالذكر أن هذه الضمانة امتدت – بحسب قضاء محكمة النقض – إلى الدعوى المدنية التبعية، نظراً لارتباط الحكم بالتعويض بثبوت الواقعة الجنائية، مما يجعل إلغاء رفض الدعوى المدنية المبني على البراءة مشروطاً بالإجماع أيضاً.

 وقد أفصحت المذكرة الإيضاحية في بيانها لعلة التشريع عن أن ترجيح رأي قاضي محكمة أول درجة في حالة عدم توافر الإجماع مرجعه إلى أنه هو الذي أجرى التحقيق في الدعوى وسمع الشهود بنفسه وهو ما يوحي بأن اشتراط إجماع القضاة مقصور على حالة الخلاف في تقدير الوقائع والأدلة وتقدير العقوبة، إلا أنه يستبين من المذكرة الإيضاحية لهذه المادة أيضًا ومن تقرير اللجنة التي شكلت للتنسيق بين مشروعي قانوني الإجراءات الجنائية والمرافعات أن مراد الشارع من النص على وجوب إجماع آراء قضاة المحكمة الاستئنافية عند تشديد العقوبة أو إلغاء حكم البراءة إنما هو مقصور على حالات الخلاف بينها وبين محكمة أول درجة في تقدير الوقائع والأدلة وأن تكون هذه الوقائع والأدلة كامنة في تقرير مسئولية المتهم واستحقاقه للعقوبة أو إقامة التناسب بين هذه المسئولية ومقدار العقوبة وكل ذلك في حدود القانون إيثاراً من الشارع لمصلحة المتهم، يشهد لذلك أن حكم هذه المادة مقصور على الطعن بالاستئناف دون الطعن بالنقض الذي يقصد منه العصمة من مخالفة القانون أو الخطأ في تطبيقه [4] ).

سابعًا: الاتجاه السائد لدى محكمة النقض

(1) حالة صدور حكم من محكمة الجنح المستأنفة بإلغاء الحكم الابتدائي الصادر ببراءة الطاعن

  استقرت محكمة النقض على أن صدور الحكم الاستئنافي بإلغاء الحكم الابتدائي الصادر ببراءة الطاعن دون أن يذكر أنه صدر بإجماع آراء القضاة الذين أصدروه خلافاً لما تقضي به المادة ٤١٧ من قانون الإجراءات الجنائية إذا كان الاستئناف مرفوعاً من النيابة العامة فلا يجوز تشديد العقوبة المحكوم بها ولا إلغاء الحكم الصادر بالبراءة إلا بإجماع آراء قضاة المحكمة - يجعل الحكم المذكور باطلاً فيما قضى به من إلغاء البراءة وذلك لتخلف شرط صحة الحكم بهذا الإلغاء وفقاً للقانون، فإنه يتعين نقض الحكم المطعون فيه فيما قضى به بالنسبة للطاعن وتصحيحه بتأييد الحكم المستأنف الصادر ببراءته ورفض الدعوى المدنية بالنسبة له [5] ).

(2) حالة صدور حكم من محكمة الجنح المستأنفة بتأييد الحكم الغيابي الاستئنافي المعارض فيه من الطاعن

 استقرت محكمة النقض على ذات المبدأ في حالة صدور الحكم المطعون فيه بتأييد الحكم الغيابي الاستئنافي المعارض فيه من الطاعن والقاضي بإلغاء الحكم الصادر بالبراءة من محكمة أول درجة دون أن يذكر أنه صدر بإجماع آراء القضاة خلافاً لما تقضي به المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية - المقابلة لنص المادة 399 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 - من أنه "إذا كان الاستئناف مرفوعاً من النيابة العامة فلا يجوز تشديد العقوبة المحكوم بها ولا إلغاء الحكم الصادر بالبراءة إلا بإجماع آراء قضاة المحكمة". – وانتهت محكمة النقض إلى أن الحكم المذكور يصبح باطلاً فيما قضى به من تأييد الحكم الغيابي الاستئنافي القاضي بإلغاء البراءة، وذلك لتخلف شرط صحة الحكم بهذا الإلغاء وفقاً للقانون، ولا يكفي في ذلك أن يكون الحكم الغيابي الاستئنافي القاضي بإلغاء حكم البراءة قد نص على صدوره بإجماع آراء القضاة لأن المعارضة في الحكم الغيابي من شأنها أن تعيد القضية لحالتها الأولى بالنسبة إلى المعارض، بحيث إذا رأت المحكمة أن تقضي في المعارضة بتأييد الحكم الغيابي الصادر بإلغاء حكم البراءة، فإنه يكون من المتعين عليها أن تذكر في حكمها أنه صدر بإجماع آراء القضاة، ولأن الحكم في المعارضة وإن صدر بتأييد الحكم الغيابي الاستئنافي إلا أنه في حقيقته قضاء منها بإلغاء الحكم الصادر بالبراءة من محكمة أول درجة. لما كان ذلك، وكان لمحكمة النقض طبقاً لنص الفقرة الثانية من المادة 35 من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض الصادر بالقانون رقم 57 لسنة 1959 أن تنقض الحكم لمصلحة المتهم من تلقاء نفسها إذا تبين مما هو ثابت فيه أنه مبني على مخالفة للقانون أو على خطأ في تطبيقه أو في تأويله، فإنه يتعين نقض الحكم المطعون فيه وإلغاء الحكم الاستئنافي الغيابي وتأييد الحكم المستأنف الصادر ببراءة الطاعن [6] ).

(3) حالة صدور حكم من محكمة الجنح المستأنفة بإلغاء الحكم الابتدائي الصادر برفض الدعوى المدنية

  استقرت محكمة النقض على ذات المبدأ في حالة استئناف المدعي بالحقوق المدنية الحكم الصادر برفض دعواه بناء على براءة المتهم لعدم ثبوت الواقعة سواء استأنفته النيابة العامة أو لم تستأنفه، فمتى كان الحكم الابتدائي قد قضى ببراءة المتهم وبرفض الدعوى المدنية المرفوعة عليه من المدعي بالحقوق المدنية لعدم ثبوت الواقعة - كما هو الحال في الدعوى - فإنه لا يجوز إلغاء هذا الحكم الصادر في الدعوى المدنية والقضاء فيها استئنافياً بالتعويض إلا بإجماع آراء قضاة المحكمة؛ إذ قضت محكمة النقض بأنه "وحيث إنه يبين من الأوراق أن الحكم المطعون فيه صدر حضورياً بقبول الاستئناف شكلاً وفي الموضوع بإلغاء الحكم المستأنف القاضي برفض الدعوى المدنية وإلزام الطاعنين بأن يؤدوا للمدعي بالحق المدني بصفته مبلغ ٨٢٩٧.٢٠ جنيهاً دون أن يذكر فيه أنه صدر بإجماع آراء القضاة. لما كان ذلك، وكانت الفقرة الثانية من المادة ٤١٧ من قانون الإجراءات الجنائية لا تجيز إذا كان الاستئناف مرفوعاً من النيابة العامة - تشديد العقوبة المحكوم بها أو إلغاء الحكم الصادر بالبراءة إلا بإجماع آراء قضاة المحكمة وكان قضاء هذه المحكمة - قد جرى على أن حكم هذه الفقرة يسري كذلك على استئناف المدعي بالحقوق المدنية الحكم الصادر برفض دعواه بناء على براءة المتهم لعدم ثبوت الواقعة سواء استأنفته النيابة العامة أو لم تستأنفه، فمتى كان الحكم الابتدائي قد قضى ببراءة المتهم وبرفض الدعوى المدنية المرفوعة عليه من المدعي بالحقوق المدنية لعدم ثبوت الواقعة - كما هو الحال في الدعوى - فإنه لا يجوز إلغاء هذا الحكم الصادر في الدعوى المدنية والقضاء فيها استئنافياً بالتعويض إلا بإجماع آراء قضاة المحكمة، كما هو الشأن في الدعوى الجنائية نظرًا لتبعية الدعوى المدنية للدعوى الجنائية من جهة ولارتباط الحكم بالتعويض بثبوت الواقعة الجنائية من جهة أخرى، لما كان ذلك، فإن الحكم المطعون فيه إذ قضى بهذا الإلغاء دون أن يصدر بإجماع الآراء يكون قد خالف القانون اعتباراً بأن اشتراط الإجماع لإلغاء الحكم الصادر برفض الدعوى المدنية هو من القواعد الموضوعية المتعلقة بأصل الحق في التعويض شأنه في ذلك شأن الحكم الصادر بإلغاء الحكم القاضي بالبراءة أو تشديد العقوبة المحكوم بها، فهو من القواعد المتعلقة بأصل الحق في العقاب، ومن ثم كان لزاماً على الحكم المطعون فيه وقد تخلف شرط الإجماع أن يقضي بتأييد الحكم المستأنف، لما كان ذلك، وكان لهذه المحكمة طبقاً لنص الفقرة الثانية من المادة ٣٥ من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض الصادر بالقانون رقم ٥٧ لسنة ١٩٥٩، أن تنقض الحكم لمصلحة الطاعن من تلقاء نفسها إذا تبين لها مما هو ثابت فيه أنه مبنى على مخالفة القانون أو على خطأ في تطبيقه أو تأويله، فإنه يتعين نقض الحكم المطعون فيه بالنسبة للطاعنين وإلغاؤه وتأييد الحكم الابتدائي القاضي برفض الدعوى المدنية قبلهم وذلك دون حاجة إلى التعرض إلى أوجه الطعن المقدمة منهم، مع إلزام المطعون ضده بصفته "المدعي بالحقوق المدنية بصفته" المصاريف المدنية وأتعاب المحاماة [7] ).

(4) حالة صدور حكم من محكمة الجنح المستأنفة بتشديد العقوبة المحكوم بها من محكمة أول درجة

   استقرت محكمة النقض على أن الحكم المطعون فيه إذا صدر من المحكمة الاستئنافية بتشديد العقوبة المحكوم بها من محكمة أول درجة دون أن يذكر فيه أنه صدر بإجماع آراء القضاة خلافا لما تقضي به المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية - المقابلة لنص المادة 399 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 - من عدم جواز تشديد العقوبة المحكوم بها إذا كان الاستئناف مرفوعا من النيابة إلا بإجماع آراء قضاة المحكمة - فإن ذلك من شأنه أن يصبح الحكم باطلًا فيما قضى به من تشديد العقوبة لتخلف شرط صحة الحكم بهذا التشديد وفقًا للقانون - لما كان ذلك، وكان لهذه المحكمة أن تنقض الحكم من تلقاء نفسها إذا تبين لها مما هو ثابت فيه أنه مبني على مخالفة للقانون أو على خطأ في تطبيقه أو في تأويله فإنه يتعين نقض الحكم المطعون فيه وتأييد الحكم المستأنف القاضي بالغرامة [8] ).

إلا أن اللافت للنظر أن محكمة النقض استقرت على أنه وإن نصت الفقرة الثانية من المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية - المقابلة لنص المادة 399 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 -على أنه لا يجوز تشديد العقوبة المحكوم بها ولا إلغاء الحكم الصادر بالبراءة إلا بإجماع آراء قضاة المحكمة، إلا أنه يستبين من المذكرة الإيضاحية لهذه المادة ومن تقرير اللجنة التي شكلت للتنسيق بين مشروعي قانوني الإجراءات الجنائية والمرافعات أن مراد الشارع من النص على وجوب إجماع آراء قضاة المحكمة الاستئنافية عند تشديد العقوبة أو إلغاء حكم البراءة إنما هو مقصور على حالات الخلاف بينها وبين محكمة أول درجة في تقدير الوقائع والأدلة وأن تكون هذه الوقائع والأدلة كامنة في تقرير مسئولية المتهم واستحقاقه للعقوبة أو إقامة التناسب بين هذه المسئولية ومقدار العقوبة وكل ذلك في حدود القانون إيثاراً من الشارع لمصلحة المتهم، يشهد لذلك أن حكم هذه المادة مقصور على الطعن بالاستئناف دون الطعن بالنقض الذي يقصد منه العصمة من مخالفة القانون أو الخطأ في تطبيقه. لما كان ذلك، وكانت المذكرة الإيضاحية قد أفصحت في بيانها لعلة التشريع عن أن ترجيح رأي قاضي محكمة أول درجة في حالة عدم توافر الإجماع مرجعه إلى أنه هو الذي أجرى التحقيق في الدعوى وسمع الشهود بنفسه وهو ما يوحي بأن اشتراط إجماع القضاة قاصر على حالة الخلاف في تقدير الوقائع والأدلة وتقدير العقوبة، أما النظر في استواء حكم القانون فلا يصح أن يرد عليه خلاف، والمصير إلى تطبيقه على وجهه الصحيح لا يحتاج إلى إجماع، بل لا يتصور أن يكون الإجماع إلا لتمكين القانون وإجراء أحكامه لا أن يكون ذريعة إلى تجاوز حدوده. لما كان ذلك، وكان نص المادة 12 مكرر من القانون رقم 48 لسنة 1941 المعدل بالقانون رقم 83 لسنة 1948 أنه "يعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز سنة وبغرامة لا تقل عن خمسة جنيهات ولا تتجاوز مائة جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من حال دون تأدية الموظفين المشار إليهم بالمادة 11 أعمال وظائفهم سواء بمنعهم من دخول المصانع أو المخازن أو المتاجر أو من الحصول على عينات أو بأية طريقة أخرى". لما كان ذلك، فإن الحكم المطعون فيه إذ قضى بتغريم المحكوم عليه خمسة جنيهات بالتطبيق لهذه المادة يكون قد أعمل حكم القانون وهو في ذلك لم يشدد العقوبة بالمعنى الذي رمى إليه المشرع من سن القاعدة الواردة بالفقرة الثانية من المادة 417 من قانون الإجراءات - المقابلة لنص المادة 399 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 - وإنما هو قد صحح خطأ قانونياً وقع فيه الحكم المستأنف [9] ).

ولمزيد من الإيضاح ومنعًا للالتباس قضت محكمة النقض بأن مسلك المشرع في تقرير قاعدة الإجماع - التي هي استثناء من القاعدة العامة التي رسمها لإصدار الأحكام - وإيراده إياها في المادة 417 في فقرتها الثانية - المقابلة لنص المادة 399 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 - مكملة للفقرة الأولى الخاصة بالاستئناف المرفوع من النيابة العامة وحدها، ظاهر الدلالة في قصرها على حالة تسوئ مركز المتهم في خصوص الواقعة الجنائية وحدها أو عندما يتصل التعويض المدني المطالب به في الدعوى المدنية المرفوعة بالتبعية للدعوى الجنائية بثبوت تلك الواقعة الجنائية للعلة ذاتها التي يقوم عليها ذلك الاستثناء، فلا ينسحب حكمها على الفقرة الأخيرة من المادة المذكورة إذا ما تعلق الأمر بتسويء مركز المتهم في الدعوى المدنية استقلالًا بناء على الاستئناف المرفوع من المدعي بالحقوق المدنية بغية زيادة مبلغ التعويض المقضي به ابتدائيًا بعد إذ تحققت نسبة الواقعة الجنائية إلى المتهم، مما لا يصح معه إعمال حكم القياس بالتسوية بين هذه الحالة الأخيرة التي لم يرد حكم الإجماع بشأنها وبين حالة استئناف النيابة العامة التي ورد النص على حكمه في صدرها وحدها لاختلاف العلة في الحالين. لما كان ما تقدم، فإن النعي على الحكم يكون على غير أساس ويتعين لذلك رفض الطعن موضوعًا [10] ).

    وخلاصة ما تقدم أن قضاء محكمة النقض قد استقر على اعتبار إغفال محكمة الجنح المستأنفة النص على الإجماع في منطوق الحكم الاستئنافي (سواء الغيابي أو في المعارضة) بطلاناً مطلقاً، يترتب عليه نقض الحكم وتأييد حكم أول درجة بالبراءة أو بتخفيف العقوبة أو برفض الدعوى المدنية.  واستندت إلى الفقرة الثانية من المادة 35 من قانون الطعن أمام محكمة النقض، التي تسمح بنقض الحكم لمصلحة المتهم من تلقاء نفسها إذا كان مبنياً على مخالفة القانون.

ثامنًا: ضمانة إجماع آراء قضاة المحكمة وفقًا لتفسير نص المادة 417 إجراءات جنائية - المقابلة لنص المادة 399 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 -

  تنص الفقرة الثانية من المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية - المقابلة لنص المادة 399 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 - على أنه: "إذا كان الاستئناف مرفوعاً من النيابة العامة فلا يجوز تشديد العقوبة المحكوم بها ولا إلغاء الحكم الصادر بالبراءة إلا بإجماع آراء قضاة المحكمة".

  يتضح من النص المار ذكره أنه يشترط الإجماع كشرط لصحة إلغاء حكم البراءة أو تشديد العقوبة عند استئناف النيابة العامة، لكنه لا ينص صراحة على أن مجرد إغفال ذكر الإجماع في المنطوق، يرتب تلقائياً تأييد حكم أول درجة بالبراءة أو بتخفيف العقوبة أو برفض الدعوى المدنية - بحسب الأحوال - كما لا يستفاد ضمناً من النص ترتيب هذا الأثر.

تاسعًا: إجماع الآراء عند الحكم الصادر من محكمة الجنايات المستأنفة بإلغاء الحكم بالبراءة أو بتشديد العقوبة أو برفض الدعوى المدنية

استحدث القانون رقم 1 لسنة 2024 بتعديل بعض أحكام قانون الإجراءات الجنائية نظام استئناف مواد الجنايات، وأضاف المادة (٤١٩ مكرراً ٣) - المقابلة لنص المادة 406 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 - التي نصت بالنسبة لاستئناف مواد الجنايات على أنه: "يُتبع في نظر الاستئناف والفصل فيه جميع الأحكام المقررة للاستئناف في مواد الجنح، ما لم ينص القانون على خلاف ذلك"،

وتنص المادة 381 المستبدلة بالقانون رقم 1 لسنة 2024 المار ذكره - المقابلة لنص المادة 364 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 - على أن "تُتبع أمام محاكم الجنايات بدرجتيها جميع الأحكام المقررة في الجنح ما لم ينص على خلاف ذلك. ولا يجوز لمحكمة الجنايات بدرجتيها أن تصدر حكماً بالإعدام إلا بإجماع آراء أعضائها، ويجب عليها قبل أن تُصدر هذا الحكم أن تأخذ رأى مفتي الجمهورية، ويجب إرسال أوراق القضية إليه، ويتعين عليه في جميع الأحوال أن يرسل رأيه إلى المحكمة قبل جلسة النطق بالحكم بفترة كافية، فإذا لم يصل رأيه إلى المحكمة قبل التاريخ المحدد للنطق بالحكم، حكمت المحكمة في الدعوى. وفى حالة خلو وظيفة المفتي أو غيابه أو قيام مانع لديه، يندب وزير العدل، بقرار منه، مَن يقوم مقامه. ولا يجوز الطعن فى أحكام محكمة الجنايات المستأنفة إلا بطريق النقض أو إعادة النظر".

وكانت الفقرة الثانية من المادة ٤١٧ من قانون الإجراءات الجنائية (في استئناف مواد الجنح) قد نصت على أنه: "إذا كان الاستئناف مرفوعاً من النيابة العامة، فللمحكمة أن تؤيد الحكم أو تلغيه أو تعدله سواء ضد المتهم أو لمصلحته. ولا يجوز تشديد العقوبة المحكوم بها ولا إلغاء الحكم الصادر بالبراءة إلا بإجماع آراء قضاة المحكمة". والمستفاد من هذه النصوص أن المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية - المقابلة لنص المادة 399 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 - تسري أيضًا على أحكام محكمة الجنايات المستأنفة؛ ومن ثم ينبغي ضرورة النص على إجماع الآراء عند الحكم الصادر من محكمة الجنايات المستأنفة بإلغاء حكم البراءة أو الحكم بتشديد العقوبة أو برفض الدعوى المدنية.

عاشرًا: رأي الباحث في المسألة مثار البحث.

  من خلال الدراسة التحليلية لضمانة الإجماع المنصوص عليها في الفقرة الثانية من المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية - المقابلة لنص المادة 399 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 - يتضح أن هذه الضمانة تمثل ركيزة أساسية في ضمان المحاكمة العادلة، حيث تفرض شرطاً صارماً لإلغاء حكم البراءة أو تشديد العقوبة عند استئناف النيابة العامة، مما يعكس التزام المشرع بحماية المتهم وفقاً لمبدأ "الأصل في المتهم البراءة". ومع ذلك، أظهرت الدراسة أن تطبيق هذه الضمانة في قضاء محكمة النقض قد يُثير جدلًا، حيث إن المحكمة تعتبر إغفال محكمة الجنح المستأنفة النص على الإجماع في منطوق الحكم الاستئنافي والحكم المعارض فيه استئنافيًا بطلاناً مطلقاً يؤدي إلى نقض الحكم وتأييد حكم أول درجة الصادر بالبراءة أو بعقوبة مخففة، دون إعادة نظر الدعوى من جديد. وكان قضاء محكمة النقض - قد جرى على أن حكم هذه الفقرة يسري كذلك على استئناف المدعي بالحقوق المدنية الحكم الصادر برفض دعواه بناء على براءة المتهم لعدم ثبوت الواقعة سواء استأنفته النيابة العامة أو لم تستأنفه.

 هذا الاتجاه - رغم استقراره في أحكام عديدة - يتجاوز النص القانوني الذي لا يرتب صراحة أو ضمناً تأييداً تلقائياً لحكم أول درجة بالبراءة أو بتخفيف العقوبة أو برفض الدعوى المدنية، ويؤدي إلى نتائج غير متوازنة قد تسمح بإفلات مجرمين محتملين، مما يتعارض مع مبادئ مصلحة العدالة الاجتماعية.

لذلك أرى – كحل أكثر عدلاً – أنه يجب في حالة إغفال محكمة الجنح المستأنفة النص على الإجماع في منطوق الحكم الاستئنافي والحكم المعارض فيه استئنافيًا – أن تتولى محكمة النقض النظر في القضية من جديد. هذا الاتجاه يحقق توازناً مثالياً بين مصلحة المتهم من ناحية ومصلحة المجتمع والمدعي بالحق المدني من ناحية أخرى، ويتوافق مع صراحة نص المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية - المقابلة لنص المادة 399 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 - الذي يركز على الإجماع كشرط للإلغاء دون ترتيب آثار تلقائية. كما يتسق مع المادة 39 من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض، التي تسمح بنقض الحكم ونظر موضوعه، لكن دون الإفراط في تفسيرها لصالح تأييد حكم أول درجة بالبراءة أو بتخفيف العقوبة أو برفض الدعوى المدنية دون نظرها من جديد؛ ذلك أن مصلحة المتهم تتحقق في نقض الحكم الباطل الذي صدر دون النص على الإجماع، وتحديد جلسة لنظر موضوع الدعوى أمام محكمة النقض. فإذا كانت الدعوى بحالتها هذه صالحة للفصل في موضوعها دون حاجة إلى تحديد جلسة لنظرها، فإن المحكمة تعرض لموضوع الدعوى وفقًا للقانون، تطبيقًا لنص المادة 39 من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض.

 يؤكد رأينا أن جميع الأحكام المشوبة بالبطلان أو الانعدام في الإجراءات الجنائية تستوجب عادةً النقض والإعادة أو نظر موضوع الدعوى أو التصحيح، وليس التأييد التلقائي لحكم أول درجة الصادر بالبراءة أو بعقوبة مخففة أو برفض الدعوى المدنية، مما يثير تساؤلاً جوهرياً: ما الداعي لاستثناء هذه الحالة وترتيب هذا الأثر التلقائي عند إغفال النص على الإجماع، في حين أن نظر الدعوى من جديد يمكن أن يحل المشكلة دون إضرار بالعدالة؟ ويسهم في تعزيز الاستقرار القضائي وتحقيق الغرض التشريعي الحقيقي من الضمانة، ويضمن تطبيقاً أكثر عدلاً لمبادئ المحاكمة العادلة. ولا مجال للقول بإن في ذلك إضرارًا بالمتهم؛ ذلك أن مصلحة المتهم تتحقق في نقض الحكم الباطل الذي صدر دون النص على الإجماع، وتحديد جلسة لنظر موضوع الدعوى أمام محكمة النقض. فإذا كانت الدعوى بحالتها هذه صالحة للفصل في موضوعها دون حاجة إلى تحديد جلسة لنظرها، فإن المحكمة تعرض لموضوع الدعوى وفقًا للقانون بغير إضرار بالمتهم.

ويؤيد وجهة نظرنا حكمٌ انتهت فيه محكمة النقض إلى النقض والإعادة عند إغفال النص على الإجماع المنصوص عليه في المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية - المقابلة لنص المادة 399 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 - في الدعوى المدنية التبعية. حيث اعتبرت المحكمة أن عدم النص على الإجماع يجعل الحكم باطلاً لتخلف شرط صحته، مع ارتباط التعويض بثبوت الواقعة الجنائية، فقضت بالنقض والإعادة للتحقق من الإجماع، دون تأييد حكم أول درجة تلقائياً. حيث قضت بأن "من حيث إن البين من الاطلاع على الحكم المطعون فيه – القاضي بالقبول والرفض والتأييد – أنه أحال إلى الحكم المستأنف القاضي بالبراءة ورفض الدعوى المدنية – إذ أورد في مدوناته قوله ".. إن وقائع الدعوى أوردها الحكم المستأنف ... وتحيل إليه منعاً للتكرار "، ثم عاد وقضى بالقبول والرفض والتأييد للحكم الغيابي الاستئنافي القاضي بقبول الاستئناف شكلاً وبإلغاء الحكم المستأنف فيما قضى به بالنسبة للدعوى المدنية والقضاء مجدداً بإلزام المتهمين بالتعويض المدني ..... وكان من المقرر أن حجية الشيء المحكوم فيه لا ترد إلا على منطوق الحكم ولا يمتد أثرها إلى الأسباب إلا ما كان مكملاً للمنطوق فإن ما وقع فيه الحكم من تناقض بين أسبابه وما انتهى إليه منطوقه يعيبه بالتناقض والتخاذل ، ويكون الأمر ليس مقصوراً على مجرد خطأ مادى بل يتجاوزه إلى اضطراب ينبئ عن اختلال فكرة الحكم من حيث تركيزها في موضوع الدعوى وعناصر الواقعة مما يتعين نقضه، فضلاً عن أنه من المقرر أن حكم الفقرة الثانية من المادة ٤١٧ من قانون الإجراءات الجنائية يسرى أيضاً على استئناف المدعى بالحقوق المدنية للحكم الصادر برفض دعواه بناء على براءة المتهم لعدم ثبوت الواقعة سواء استأنفته النيابة العامة أو لم تستأنفه ، فمتى كان الحكم الابتدائي قد قضى ببراءة المتهم وبرفض الدعوى المدنية المرفوعة عليه من المدعى بالحقوق المدنية – كما هو الحال في هذه الدعوى – فإنه لا يجوز إلغاء هذا الحكم الصادر في الدعوى المدنية والقضاء فيها استئنافياً بالتعويض إلا بإجماع أراء قضاة المحكمة كما هو الشأن في الدعوى الجنائية ، نظراً للتبعية بين الدعويين من جهة ، ولارتباط الحكم بالتعويض بثبوت الواقعة الجنائية من جهة أخرى، وإذ كان الحكم المطعون فيه لم ينص على أنه صدر بإجماع آراء القضاة ، فإنه يكون باطلاً لتخلف شرط من شروط صحته، الأمر الذي يتعين معه ومن جماع ما تقدم نقض الحكم المطعون فيه والإعادة – بغير حاجة لبحث باقي أوجه الطعن – بالنسبة للطاعن في خصوص الدعوى المدنية" [11] ).

  والجدير بالذكر أن القانون رقم 1 لسنة 2024 بتعديل بعض أحكام قانون الإجراءات الجنائية قد استحدث نظام استئناف مواد الجنايات؛ وأضاف المادة (٤١٩ مكرراً ٣) - المقابلة لنص المادة 406 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 - التي نصت بالنسبة لاستئناف مواد الجنايات على أنه "يُتبع في نظر الاستئناف والفصل فيه جميع الأحكام المقررة للاستئناف في مواد الجنح، ما لم ينص القانون على خلاف ذلك"، وتنص المادة 381 المستبدلة بالقانون رقم 1 لسنة 2024 - المقابلة لنص المادة 364 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 - على أن "تُتبع أمام محاكم الجنايات بدرجتيها جميع الأحكام المقررة في الجنح ما لم ينص على خلاف ذلك. ولا يجوز لمحكمة الجنايات بدرجتيها أن تصدر حكماً بالإعدام إلا بإجماع آراء أعضائها، ويجب عليها قبل أن تُصدر هذا الحكم أن تأخذ رأى مفتي الجمهورية، ويجب إرسال أوراق القضية إليه، ويتعين عليه في جميع الأحوال أن يرسل رأيه إلى المحكمة قبل جلسة النطق بالحكم بفترة كافية، فإذا لم يصل رأيه إلى المحكمة قبل التاريخ المحدد للنطق بالحكم، حكمت المحكمة في الدعوى. وفى حالة خلو وظيفة المفتي أو غيابه أو قيام مانع لديه، يندب وزير العدل، بقرار منه، مَن يقوم مقامه. ولا يجوز الطعن في أحكام محكمة الجنايات المستأنفة إلا بطريق النقض أو إعادة النظر".

وكانت الفقرة الثانية من المادة ٤١٧ من قانون الإجراءات الجنائية (في استئناف مواد الجنح) قد نصت على أنه "إذا كان الاستئناف مرفوعاً من النيابة العامة، فللمحكمة أن تؤيد الحكم أو تلغيه أو تعدله سواء ضد المتهم أو لمصلحته. ولا يجوز تشديد العقوبة المحكوم بها ولا إلغاء الحكم الصادر بالبراءة إلا بإجماع آراء قضاة المحكمة". والمستفاد من هذه النصوص أن المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية - المقابلة لنص المادة 399 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 - تسري أيضًا على أحكام محكمة الجنايات المستأنفة؛ ومن ثم ينبغي ضرورة النص على إجماع الآراء عند الحكم الصادر من محكمة الجنايات المستأنفة بإلغاء حكم البراءة أو الحكم بتشديد العقوبة أو برفض الدعوى المدنية.

فلنفترض مثلًا صدور حكم من محكمة جنايات أول درجة ببراء ة المتهم من جريمة القتل العمد مع سبق الاصرار والترصد أو الاغتصاب أو غيرهما من الجرائم الخطيرة، فاستأنفت النيابة العامة هذا الحكم وقضت محكمة الجنايات المستأنفة بإعدامه أو بإدانته بعقوبة مقيدة للحرية أشد من تلك المقضي بها من محكمة أول درجة دون النص على إجماع آراء القضاة رغم أنه قضاء ينطوي على تشديد، فطعن المحكوم عليه بالنقض؛ ففي هذه الحالة لا أرى صحة اتجاه محكمة النقض في تفسير المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية - المقابلة لنص المادة 399 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 – الذي يؤيد حكم أول درجة القاضي بالبراءة أو بتخفيف العقوبة أو برفض الدعوى المدنية؛ وإنما أرى نقض الحكم الباطل الذي أغفل النص على الإجماع وتحديد جلسة لنظر موضوع الدعوى أمام محكمة النقض. فإذا كانت الدعوى بحالتها هذه صالحة للفصل في موضوعها دون حاجة إلى تحديد جلسة لنظرها، فإن المحكمة تعرض لموضوع الدعوى، بما يتسق مع المادة 39 من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض.

وتطبيقًا لذلك – واتساقًا مع وجهة نظرنا كمثال تقريبي - قضت محكمة النقض بأن الحكم المعروض بعد أن حصل واقعة الدعوى وأورد الأدلة على ثبوتها لديه انتهى - بعد أخذ رأي مفتي الجمهورية - إلى القضاء حضوريًا بمعاقبة المتهمين بالإعدام وقد خلا منطوق الحكم مما يفيد صدوره بالإجماع كما خلا رول الجلسة الموقع عليه من هيئة المحكمة وكذلك محضرها من إثبات صدور الحكم بالإجماع. لما كان ذلك، وكان النص في الفقرة الثانية من المادة رقم 381 من قانون الإجراءات الجنائية - المقابلة لنص المادة 364 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 - قد جرى على أنه "ولا يجوز لمحكمة الجنايات بدرجتيها أن تصدر حكمًا بالإعدام إلا بإجماع آراء أعضائها ويجب عليها قبل أن تصدر هذا الحكم أن تأخذ رأي مفتي الجمهورية ............." مفاده أن الشارع قد ربط بين مبدأ الإجماع وبين أخذ رأي المفتي وهو الإجراء الذي كان يستلزمه الشارع قبل التعديل لإصدار الحكم بالإعدام فأصبح الحكم به وفقًا لهذا التعديل مشروطًا باستيفاء الإجراءين سالفي الذكر بحيث إذا تخلف أحدهما أو كلاهما بطل الحكم، وإذ كان منطوق الحكم المعروض قد خلا مما يدل على صدوره بالإجماع فإنه يكون باطلًا، ولا يقدح في ذلك ما ورد بأسباب الحكم من أن المحكمة قررت بإجماع آراء قضاتها استطلاع رأي المفتي وذلك لما هو مقرر - عملًا بنص المادة 381 من قانون الإجراءات الجنائية سالفة الإشارة - المقابلة لنص المادة 364 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 - من أن النص على إجماع الآراء قرين النطق بالحكم بالإعدام شرط لازم لصحة صدور الحكم بهذه العقوبة، وهو ما خلا منه منطوق الحكم المعروض، على ما سلف البيان. لما كان ذلك وكان البطلان الذي لحق الحكم يندرج تحت حكم الحالة الثانية من المادة 35 من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض سالف الإشارة - التي أحالت إليها الفقرة الثانية من المادة 39، وكانت المادة 46 من القانون سالف الذكر قد أوجبت على هذه المحكمة أن تقضي من تلقاء نفسها بنقض الحكم إذا ما وقع فيه بطلان من هذا القبيل فإنه يتعين نقض الحكم المعروض بالنسبة للمحكوم عليهما وذلك بغير حاجة إلى بحث أوجه الطاعن الثاني. لما كان ذلك، وكان الطعن مقدما لثاني مرة فإنه يتعين تحديد جلسة لنظر الموضوع إعمالا لنص المادة 45 من القانون رقم 57 لسنة 1959 سالف الذكر [12] ).

كما قضت محكمة النقض بأن "الحكم المعروض بعد أن حصل واقعة الدعوي وأورد الأدلة على ثبوتها لديه انتهى - بعد أخذ رأي مفتي الجمهورية - إلى القضاء حضورياً بمعاقبة المحكوم عليه بالإعدام، وقد خلا منطوق الحكم مما يفيد صدوره بالإجماع، كما خلا رول الجلسة الموقع عليه من هيئة المحكمة وكذلك محضرها من إثبات صدور الحكم بالإجماع. لما كان ذلك، وكان النص في الفقرة الثانية من المادة رقم ۳۸۱ من قانون الإجراءات الجنائية قد جرى على أنه: ".... ولا يجوز لمحكمة الجنايات أن تصدر حكماً بالإعدام إلا بإجماع آراء أعضائها ويجب عليها قبل أن تصدر هذا الحكم أن تأخذ رأي مفتي الجمهورية ..." ، مفاده أن الشارع قد ربط بين مبدأ الإجماع وبين أخذ رأي المفتي وهو الإجراء الذي كان يستلزمه الشارع قبل التعديل لإصدار الحكم بالإعدام فأصبح الحكم به وفقاً لهذا التعديل مشروطاً باستيفاء الإجراءين سالفي الذكر بحيث إذا تخلف أحدهما أو كلاهما بطل الحكم ، وإذ كان منطوق الحكم المعروض قد خلا مما يدل على صدوره بالإجماع فإنه يكون باطلاً، ولا يقدح في ذلك ما ورد بأسباب الحكم من أن المحكمة قررت بإجماع آراء قضاتها استطلاع رأي المفتي ، وذلك لما هو مقرر - عملا بنص المادة ۳۸۱ من قانون الإجراءات الجنائية سالفة الإشارة - من أن النص على إجماع الآراء قرين النطق بالحكم بالإعدام شرط لازم لصحة صدور الحكم بهذه العقوبة، وهو ما خلا منه منطوق الحكم المعروض - على نحو ما سلف بيانه - بما يبطله ويوجب نقضه . ولما كانت الدعوى بحالتها هذه صالحة للفصل في موضوعها دون حاجة إلى تحديد جلسة لنظرها، فإن المحكمة تعرض لموضوع الدعوى، ثم انتهت محكمة النقض إلى القضاء بإجماع آراء أعضائها بمعاقبة المتهم بالإعدام[13]).

  خصوصية النص على الإجماع في الحكم الصادر من محكمة الجنح المستأنفة في المعارضة الاستئنافية

  نرى بالإضافة للأسانيد التي عرضناها سلفًا أن المشرع ولئن نص على ضرورة انعقاد الإجماع في الأحكام الاستئنافية الصادرة من محكمة الجنح المستأنفة عند تشديد العقوبة أو إلغاء حكم البراءة، وأيًّا كان الرأي فيما انتهينا إليه، إلا أن المشرع لم يشترط الإجماع أصلاً في الحكم الصادر من محكمة الجنح المستأنفة في المعارضة الاستئنافية، لا سيما إذا صدر بتأييد الحكم الاستئنافي الغيابي الصادر بالإجماع؛ إذ إن هذا الحكم الصادر في المعارضة الاستئنافية ليس إلا تأكيداً للحكم الاستئنافي الغيابي الذي نصَّ على الإجماع، ويندمج فيه اندماجاً كاملاً، فإذا ما توافر الإجماع في الحكم الاستئنافي الغيابي، فلا حاجة لإعادة النص عليه في الحكم الصادر في المعارضة الاستئنافية؛ ومن ثم لا يشترط النص على الإجماع في حكم المعارضة الاستئنافية في هذه الحالة ما دام أنه يؤيِّد الحكم الاستئنافي الغيابي الصادر بإجماع آراء القضاة؛ ويضحى حكم المعارضة الاستئنافية في هذه الحالة - رغم إغفاله الإجماع - موافقًا صحيح القانون.

  هذا هو رأينا المتواضع في الموضوع، اجتهادٌ بشري قد يصيب وقد يخطئ. فإن كان صوابًا وافقت عليه محكمة النقض الموقرة، فتلك ثمرة طيبة نشكر الله تعالى عليها، ونرجو أن تكون في ميزان تحقيق العدل وإرساء التوازن بين المصالح المتعارضة.

وإن لم يلقَ هذا الرأي قبولاً لدى قضاة محكمة النقض، فإننا نهيب بالمشرّع أن يتدخل تشريعيًا بنصٍّ صريح يحدد أثر عدم النص على الإجماع في الحكم الاستئنافي، إما بالنص على أن حكم أول درجة يحوز قوة الأمر المقضي، أو بالنص على بطلان الحكم ومن ثم نظر موضوع الدعوى من جديد في حالة إغفال الإجماع وفقًا للقانون، بما يحقق التوازن بين مصلحة المتهم من ناحية، ومصلحة العدالة الجنائية والمدعي بالحق المدني من ناحية أخرى.

الخاتمة

   عرضنا في هذا البحث الضمانة الواردة في الفقرة الثانية من المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية - المقابلة لنص المادة 399 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 - من خلال تحليل تفسيرها الحرفي والغرض التشريعي منها، مع استعراض الاتجاه السائد في قضاء محكمة النقض حول تطبيقها، واشترطت تلك المادة إجماع آراء قضاة المحكمة في حالة القضاء بإلغاء الحكم الصادر من محكمة أول درجة بالبراءة، أو بتشديد العقوبة، بناءً على استئناف النيابة العامة. وكان قضاء محكمة النقض قد جرى على أن حكم هذه الفقرة يسري كذلك على استئناف المدعي بالحقوق المدنية الحكم الصادر برفض دعواه بناء على براءة المتهم لعدم ثبوت الواقعة سواء استأنفته النيابة العامة أو لم تستأنفه.

  غير أن تطبيق هذه الضمانة أثار إشكالية في قضاء محكمة النقض، حيث استقرت المحكمة على اعتبار إغفال محكمة الجنح المستأنفة النص على الإجماع في منطوق الحكم الاستئنافي والحكم المعارض فيه استئنافيًا بطلاناً يؤدي إلى نقض الحكم وتأييد حكم أول درجة الصادر بالبراءة أو بتخفيف العقوبة أو برفض الدعوى المدنية، دون إعادة النظر في الدعوى وفقًا للقانون، وانتهينا إلى أن الملائم - بدلًا من هذا الاتجاه السائد – هو نقض الحكم الباطل وتحديد جلسة لنظر موضوع الدعوى أمام محكمة النقض. فإذا كانت الدعوى بحالتها هذه صالحة للفصل في موضوعها دون حاجة إلى تحديد جلسة لنظرها، فإن المحكمة تعرض لموضوع الدعوى بما يتسق مع المادة 39 من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض؛ وذلك لتحقيق توازن أفضل بين مصلحة المتهم من ناحية، وحق المجتمع والمدعي بالحق المدني في إعادة النظر في الدعوى من ناحية أخرى. يؤكد رأينا أن جميع الأحكام المشوبة بالبطلان أو الانعدام في الإجراءات الجنائية تستوجب عادةً النقض والإعادة أو نظر موضوع الدعوى أو التصحيح، وليس التأييد التلقائي لحكم أول درجة الصادر بالبراءة أو بعقوبة مخففة أو برفض الدعوى المدنية، مما يثير تساؤلاً جوهرياً: ما الداعي لاستثناء هذه الحالة وترتيب هذا الأثر التلقائي عند إغفال النص على الإجماع، في حين أن نظر الدعوى من جديد يمكن أن يحل المشكلة دون إضرار بالعدالة؟ ويسهم في تعزيز الاستقرار القضائي وتحقيق الغرض التشريعي الحقيقي من الضمانة، ويضمن تطبيقاً أكثر عدلاً لمبادئ المحاكمة العادلة، ولا مجال للقول بإن في ذلك إضرارًا بالمتهم؛ ذلك أن مصلحة المتهم – كما سبق القول - تتحقق في نقض الحكم الباطل الذي صدر دون النص على الإجماع، وتحديد جلسة لنظر موضوع الدعوى.

ويؤيد وجهة نظرنا حكمٌ انتهت فيه محكمة النقض إلى النقض والإعادة عند إغفال النص على الإجماع المنصوص عليه في المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية - المقابلة لنص المادة 399 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 - في الدعوى المدنية التبعية. حيث اعتبرت المحكمة أن عدم النص على الإجماع يجعل الحكم باطلاً لتخلف شرط صحته، مع ارتباط التعويض بثبوت الواقعة الجنائية، فقضت بالنقض والإعادة للتحقق من الإجماع، دون تأييد حكم أول درجة تلقائياً. واستندنا في تأييد وجهة نظرنا إلى أن محكمة النقض عملًا بنص المادة ۳۸۱ من قانون الإجراءات الجنائية – أكدت أن النص على إجماع الآراء قرين النطق بالحكم بالإعدام هو شرط لازم لصحة صدور الحكم بهذه العقوبة، فإذا خلا منه منطوق الحكم بالإعدام يكون باطلًا ويوجب نقضه وتحديد جلسة لنظر موضوعها. فإذا كانت الدعوى بحالتها هذه صالحة للفصل في موضوعها دون حاجة إلى تحديد جلسة لنظرها، فإن المحكمة تعرض لموضوع الدعوى. وتقضي بإجماع آراء أعضائها بمعاقبة المتهم بالإعدام.

في ختام هذه الدراسة التحليلية لضمانة الإجماع المنصوص عليها في الفقرة الثانية من المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية - المقابلة لنص المادة 399 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 - يمكن القول إن هذه الضمانة تمثل ركيزة أساسية في صرح المحاكمة العادلة، إذ تكرس شرطاً موضوعياً صارماً لإلغاء حكم البراءة أو تشديد العقوبة عند استئناف النيابة العامة، انسجاماً مع مبدأ الأصل في المتهم البراءة وحماية حقوقه الأساسية.

ومع ذلك، فقد أبرزت الدراسة الاتجاه السائد في قضاء محكمة النقض حول تفسير هذه الضمانة، حيث استقر الاتجاه على اعتبار إغفال محكمة الجنح المستأنفة النص على الإجماع في منطوق الحكم الاستئنافي بطلاناً مطلقاً يستتبع نقض الحكم وتأييد حكم أول درجة الصادر بالبراءة أو بعقوبة مخففة أو برفض الدعوى المدنية، دون إعادة النظر في الدعوى. وهذا الاتجاه – رغم ثباته – يتجاوز النص التشريعي الذي لا يرتب صراحة تأييداً تلقائياً لهذه الآثار، مما قد يؤدي إلى نتائج غير متوازنة تتعارض مع مصلحة العدالة الجنائية.

لذا، يرى الباحث أن الحل الأكثر انسجاماً مع الغرض التشريعي والتوازن بين الحقوق المتنازعة يكمن في أن تقضي محكمة النقض – عند ثبوت إغفال النص على الإجماع – بالنقض مع إعادة النظر في الدعوى. فهذا النهج يحافظ على ضمانة الإجماع كشرط للإلغاء أو التشديد، ويصحح العيب دون الإفراط في ترتيب آثار تلقائية قد تؤدي إلى إفلات من العقاب في جرائم خطيرة، كما يتسق مع المادة 39 من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض التي تجيز نقض الحكم ونظره موضوعًا، ويحقق التوافق بين حماية مصلحة المتهم من ناحية، وحماية مصلحة المجتمع والمدعي بالحق المدني من ناحية أخرى.

  ورأينا بالإضافة للأسانيد التي عرضناها سلفًا أن المشرع ولئن نص على ضرورة انعقاد الإجماع في الأحكام الاستئنافية الصادرة من محكمة الجنح المستأنفة عند تشديد العقوبة أو إلغاء حكم البراءة، وأيًّا كان الرأي فيما انتهينا إليه، إلا أن المشرع لم يشترط الإجماع أصلاً في الحكم الصادر من محكمة الجنح المستأنفة في المعارضة الاستئنافية، لا سيما إذا صدر بتأييد الحكم الاستئنافي الغيابي الصادر بالإجماع؛ إذ إن هذا الحكم الصادر في المعارضة الاستئنافية ليس إلا تأكيداً للحكم الاستئنافي الغيابي الذي نصَّ على الإجماع، ويندمج فيه اندماجاً كاملاً، فإذا ما توافر الإجماع في الحكم الاستئنافي الغيابي، فلا حاجة لإعادة النص عليه في الحكم الصادر في المعارضة الاستئنافية؛ ومن ثم لا يشترط النص على الإجماع في حكم المعارضة الاستئنافية في هذه الحالة ما دام أنه يؤيِّد الحكم الاستئنافي الغيابي الصادر بإجماع آراء القضاة؛ ويضحى حكم المعارضة الاستئنافية في هذه الحالة - رغم إغفاله الإجماع - موافقًا صحيح القانون.

وانتهينا إلى ضرورة النص على إجماع الآراء عند الحكم الصادر من محكمة الجنايات المستأنفة بإلغاء حكم البراءة أو الحكم بتشديد العقوبة أو برفض الدعوى المدنية؛ وفي حالة إغفال النص على الإجماع يتعين نقض الحكم الباطل الذي أغفل النص على الإجماع وتحديد جلسة لنظر موضوع الدعوى أمام محكمة النقض. فإذا كانت الدعوى بحالتها هذه صالحة للفصل في موضوعها دون حاجة إلى تحديد جلسة لنظرها، فإن المحكمة تعرض لموضوع الدعوى، بما يتسق مع المادة 39 من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض.

  كما انتهينا لدى عرض رأينا في الموضوع، أنه مجرد اجتهاد بشري قد يصيب وقد يخطئ. فإن كان صوابًا وافقت عليه محكمة النقض الموقرة، فتلك ثمرة طيبة نشكر الله تعالى عليها، ونرجو أن تكون في ميزان تحقيق العدل وإرساء التوازن بين المصالح المتعارضة.

وإن لم يلقَ هذا الرأي قبولاً لدى قضاة محكمة النقض، فإننا نهيب بالمشرّع أن يتدخل تشريعيًا بنصٍّ صريح يحدد أثر عدم النص على الإجماع في الحكم الاستئنافي؛ إما بالنص على أن حكم أول درجة يحوز قوة الأمر المقضي، أو بالنص على بطلان الحكم ومن ثم نظر موضوع الدعوى من جديد في حالة إغفال الإجماع وفقًا للقانون، بما يحقق التوازن بين مصلحة المتهم من ناحية، ومصلحة العدالة الجنائية والمدعي بالحق المدني من ناحية أخرى.




) [1] ) د. محمود نجيب حسني – شرح قانون الإجراءات الجنائية – الطبعة الثالثة – 1998 – دار النهضة العربية ص 984.

-       د. أحمد فتحي سرور – الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية – الكتاب الأول – الطبعة العاشرة (مطورة) – 2016 – دار النهضة العربية ص 1443.

-       د. محمود محمود مصطفى – شرح قانون الإجراءات الجنائية – الطبعة الثانية عشرة – 1988 – مطبعة جامعة القاهرة ص 497

-       د. عبد الرؤوف مهدي، شرح القواعد العامة للإجراءات الجنائية، مكتبة القضاة، سنة 2003 ص 1550.

 

) [2] ) د. محمود نجيب حسني – شرح قانون الإجراءات الجنائية – المرجع السابق ص 985.

-       د. أحمد فتحي سرور – الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية – الكتاب الأول – الطبعة العاشرة (مطورة) – 2016 – دار النهضة العربية ص 1443.

-       د. محمود محمود مصطفى – شرح قانون الإجراءات الجنائية – الطبعة الثانية عشرة – 1988 – مطبعة جامعة القاهرة ص 497

 

) [3] ) نقض جنائي: مكتب فني س 27 ص ٨٠٠ جلسة ٣١/ ١٠/ ١٩٧٦.


) [4] ) – على سبيل المثال: راجع نقض جنائي:

- مكتب فني 11 رقم الجزء 1 - رقم الصفحة 201 تاريخ الجلسة 1 / 3 / 1960

- مكتب فني 16 رقم الجزء 1 - رقم الصفحة 144 تاريخ الجلسة 16 / 2 / 1965

- مكتب فني 18 رقم الجزء 1 - رقم الصفحة 200 تاريخ الجلسة 14 / 2 / 1967

- مكتب فني 55 رقم الصفحة 797 تاريخ الجلسة 5 / 12 / 2004

- الطعن رقم ٢٨٥٥ لسنة ٨٩ القضائية جلسة 18/11/2020، سبق الإشارة إليها.

 


 

) [5] ) على سبيل المثال: راجع نقض جنائي:

- مكتب فني 45 رقم الجزء 1 - رقم الصفحة 164 تاريخ الجلسة 27 / 1 / 1994

- مكتب فني 38 رقم الجزء 1 - رقم الصفحة 313 تاريخ الجلسة 22 / 2 / 1987

- مكتب فني 50 رقم الجزء 1 - رقم الصفحة 132 تاريخ الجلسة 21 / 2 / 1999

 

) [6] ) على سبيل المثال: راجع نقض جنائي:

- مكتب فني 25 رقم الجزء 1 - رقم الصفحة 337 تاريخ الجلسة 25 / 3 / 1974

- مكتب فني 31 رقم الجزء 1 - رقم الصفحة 169 تاريخ الجلسة 3 / 2 / 1980

الطعن رقم ٦٦۷۲ لسنة ۸۲ ق جنح النقض - جلسة ٥ / ٦ / ٢٠١٣

الطعن رقم ۲٦۹۹ لسنة ۳ ق جنح النقض - جلسة ٢٢ / ٥ / ٢٠١٣

 

 

) [7] ) على سبيل المثال: راجع نقض جنائي:

- مكتب فني 52 رقم الصفحة 764 تاريخ الجلسة 21 / 10 / 2001

نقض جنائي مكتب فني 45 - رقم الصفحة 893 تاريخ الجلسة 25 / 10 / 1994 -

- مكتب فني 38 - رقم الصفحة 582 تاريخ الجلسة 8 / 4 / 1987

 الطعن رقم ٢٧١٨٨ لسنة ٣ القضائية .جلسة 21/3/2013

) [8] ) على سبيل المثال: راجع نقض جنائي:

 - مكتب فني 4 رقم الجزء 2 -  رقم الصفحة 587 تاريخ الجلسة 3 / 3 / 1953

 

) [9] ) على سبيل المثال: راجع نقض جنائي:

 - مكتب فني 11 رقم الجزء 1 - رقم الصفحة 201 تاريخ الجلسة 1 / 3 / 1960

- مكتب فني 16 رقم الجزء 1 - رقم الصفحة 144 تاريخ الجلسة 16 / 2 / 1965

- مكتب فني 18 رقم الجزء 1 - رقم الصفحة 200 تاريخ الجلسة 14 / 2 / 1967

- مكتب فني 55 رقم الصفحة 797 تاريخ الجلسة 5 / 12 / 2004

- الطعن رقم ٢٨٥٥ لسنة ٨٩ القضائية جلسة 18/11/2020

 

) [10] ) على سبيل المثال: راجع نقض جنائي:

- مكتب فني 14 رقم الجزء 3 - رقم الصفحة 967 تاريخ الجلسة 23 / 12 / 1963

 

) [11] ) – نقض جنائي: الطعن رقم ۲۹۹ لسنة ٥ ق تاريخ الجلسة 20 / 9 / 2015

 

) [12] ) – نقض جنائي: - مكتب فني 44 رقم الجزء 1 -  رقم الصفحة 919 تاريخ الجلسة 3 / 11 / 1993

) [13] ) – نقض جنائي:

الطعن رقم ١٤٩٠٠ لسنة ٨٩ القضائية .جلسة 10/5/2022

الطعن رقم ١٢٠١٩ لسنة ٨٨ القضائية. جلسة 14/11/2019

الطعن رقم ٢٩٥٩٥ لسنة ٨٦ القضائية .جلسة 4/5/2017