باسم الشعب
محكمة النقض
الهيئة العامة للمواد المدنية والتجارية
ومواد الأحوال الشخصية وغيرها
برئاسة السيد القاضي / عاصم عبد اللطيف الغايش رئيس محكمة النقض" وعضوية السادة القضاة / فراج عباس عبد الغفار وعطاء محمود سليم ، ممدوح محمد علي القزاز ومحمد عبد الراضي عياد محمد الشيمي ، محمد رشاد أمين ، عبد الفتاح أحمد علي أبو زيد ، إبراهيم أحمد محمد الضبع وبدوي إبراهيم عبد الوهاب ، محمود مصطفى العتيق ومحمد أحمد أبو العلا نواب رئيس المحكمة
بحضور السيد المحامي العام لدى محكمة النقض / كريم علي علام.
وأمين السر السيد / إبراهيم محمد عبد المجيد.
في الجلسة العلنية المنعقدة بمقر المحكمة بدار القضاء العالي بمحافظة القاهرة.
في يوم الاثنين ۲۹ من ذي الحجة سنة ١٤٤٧هـ الموافق ١٥ من يونيو سنة ٢٠٢٦م.
أصدرت الحكم الآتي:
في الطعن المقيد في جدول المحكمة برقم ۳۲۲۷۷ لسنة ٩٥ ق "هيئة عامة".
المرفوع من
- وزير الإسكان بصفته.
موطنه القانوني / هيئة قضايا الدولة - ٥ أ شارع امتداد رمسيس - أبراج الشركة الأهلية العقارية – بجوار محكمة شمال القاهرة الإبتدائية - قسم الوايلي - العباسية - القاهرة.
ضد
أولاً : - ورثة / ...... وهم:
۱ - .......
المقيمون / ..... - مركز طلخا – محافظة الدقهلية.
ثانيا : رئيس مجلس إدارة الهيئة المصرية العامة للمساحة بصفته.
يعلن / بمقر عمله 1 شارع الأورمان . عبد السلام عارف - محافظة الجيزة.
---------------
الوقائع
في يوم ٢٠٢٥/١٠/٤م طعن بطريق النقض في حكم محكمة استئناف المنصورة " الصادر بتاريخ ٢٠٢٥/٨/٦ في الاستئناف رقم ۱۳۱۱ لسنة ۷۷ ق وذلك بصحيفة طلب فيها الطاعن بصفته الحكم بقبول الطعن شكلا، وفي الموضوع بنقض الحكم المطعون فيه والإحالة.
وفي ۲۰۲٥/١١/٢م أعلن المطعون ضدهم أولا والمطعون ضده الثاني بصفته بصحيفة الطعن بالنقض.
ثم أودعت النيابة مذكرة دفعت فيها بعدم قبول الطعن بالنسبة للمطعون ضده ثانياً بصفته لرفعه على غير ذي صفة وأبدت الرأي في الموضوع برفض الطعن.
وبجلسة ٢٠٢٦/٤/٢م أمرت المحكمة بوقف تنفيذ الحكم المطعون فيه مؤقتا، وقررت إحالة الطعن إلى الهيئة العامة للمواد المدنية والتجارية ومواد الأحوال الشخصية وغيرها للأخذ بالمبدأ الذي قررته أحكام الاتجاه الأول من أن دعوى التعويض المقامة عن نزع ملكية العقار للنفع العام هي دعوى مصدرها القانون ويسقط الحق في إقامتها بانقضاء خمس عشرة سنة من تاريخ الاستحقاق عملا بنص المادة ٣٧٤ من القانون المدني، والعدول عما عداه من المبادئ الأخرى.
ثم أودعت النيابة مذكرة، أبدت الرأي فيها أولا : إقرار المبدأ الذي قررته أحكام الاتجاه الثاني - بشقيه - من أن استيلاء الحكومة على عقار جبراً عن صاحبه بدون اتباع الإجراءات التي يوجبها قانون نزع الملكية للمنفعة العامة يعتبر بمثابة غصب وليس من شأنه أن ينقل ملكية العقار للحكومة بل تظل هذه الملكية لصاحب العقار رغم هذا الاستيلاء، وأن الدعوى التي يرفعها المالك لاسترداد ملكه من غاصبه تعتبر من دعاوى الاستحقاق التي لا تسقط بالتقادم لكون حق الملكية حقا دائمًا لا يسقط بعدم الاستعمال. وعدم أحقية الجهة نازعة الملكية الدولة - في اكتساب ملكية الأرض المستولى عليها بالتقادم الطويل المكسب المرور أكثر من خمسة عشر عاما على تاريخ الاستيلاء عليها للمنفعة العامة، ثانيا : العدول عن المبدأ الذي قررته أحكام الاتجاه الأول.
وبجلسة ۲۰۲٦/٥/٤م نظر الطعن أمام الهيئة العامة للمواد المدنية والتجارية ومواد الأحوال الشخصية وغيرها على النحو المبين بمحضر الجلسة، حيث تمسكت النيابة بما ورد بمذكرتها، وقررت الهيئة إصدار حكمها بجلسة اليوم.
--------------
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع التقرير الذي تلاه السيد القاضي المقرر / محمد أحمد أبو العلا نائب رئيس المحكمة وبعد المداولة
حَيْثُ إن الوقائع - على ما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر الأوراق - تتحصل في أن المطعون ضدهم بالبند أولا أقاموا على الطاعن والمطعون ضده بالبند ثانيًا بصفتيهما - وآخرين غير مختصمين في الطعن الدعوى رقم ۹۰ لسنة ۲۰۲۳ مدني محكمة جنوب المنصورة الابتدائية، بطلب الحكم أصليا بإلزامهم متضامنين برد الأرض المملوكة لهم والمستولى عليها غصبًا، واحتياطيا - في حالة استحالة التنفيذ - بإلزامهم بالتعويض المادي والأدبي الذي يحدده الخبير والجابر لقيمة المساحة المستولى عليها وثمارها، بالإضافة لقيمة الربع ومقابل عدم الانتفاع بتلك المساحة، وكذا الفوائد القانونية بواقع 4% من تاريخ الغصب وحتى تمام السداد، وذلك على سند من أنهم يمتلكون أرض النزاع المبينة وصفا بالأوراق ميراثا عن والدهم؛ والتي تملكها بموجب شهادة التوزيع الصادرة من الهيئة العامة للإصلاح الزراعي، والمقيدة باسمه بخانة الملك بدفاتر السجل العيني، وإذ تم نزع ملكيتها استنادا لقرار النفع العام الرقيم ۲۰۴۸ لسنة ۲۰۰٤ والمنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ ٢٠٠٥/٣/١٠ الإنشاء وتوسيع طريق رافد المنصورة جمصة، ولما كان الاستيلاء قد تم دون اتباع الإجراءات المنصوص عليها بقانون نزع الملكية، فقد أقاموا الدعوى. ندبت المحكمة خبيرا وبعد أن أودع تقريره، حكمت بإلزام الطاعن بصفته بأن يؤدي للمطعون ضدهم أولا تعويضا مقداره (٨١٤,٥٠٠) جنيه عن غصب أرض النزاع، وبإلزامه بمبلغ مقداره (٤٥٤٣٨,٥٤) جنيه مقابل عدم الانتفاع بها خلال الفترة من ۲۰۰۹/۵/۲۹ وحتى تاريخ إيداع الخبير لتقريره توزع بينهم طبقا للفريضة الشرعية مع مراعاة أحكام التقادم الطويل فيما زاد عن خمسة عشر عاما سابقة على رفع الدعوى، والزامه بالفوائد القانونية بواقع 4% من تاريخ الحكم النهائي حتي تمام السداد، استأنف الطاعن بصفته هذا الحكم بالاستئناف رقم ۱۳۱۱ لسنة ۷۷ ق لدى محكمة استئناف المنصورة، وبتاريخ ٢٠٢٥/٨/٦ قضت بتأييد الحكم المستأنف طعن الطاعن بصفته في هذا الحكم بطريق النقض، وقدمت النيابة مذكرة دفعت فيها بعدم قبول الطعن بالنسبة للمطعون ضده ثانيًا بصفته الرفعه على غير ذي صفة، وأبدت الرأي في الموضوع برفض الطعن، وإذ عُرض الطعن على هذه المحكمة، أمرت بوقف تنفيذ الحكم المطعون فيه مؤقتا وحددت جلسة لنظر الطعن، وفيها التزمت النيابة رأيها.
وحَيْثُ إنَّه وعن الدفع المبدى من النيابة فإنه سديد؛ ذلك أنه من المقرر أن القانون رقم 10 لسنة ١٩٩٠ بشأن نزع ملكية العقارات للمنفعة العامة - والمعمول به اعتبارا من ۱۹۹۰/۷/۱ - استوجب في مادته التاسعة أن تنعقد الخصومة في الطعن على تقدير التعويض الذي أصبح من اختصاص المحكمة الابتدائية بين الجهة طالبة نزع الملكية وذوي الشأن من الملاك وأصحاب الحقوق فقد كشف عن أن المشرع - وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة - قد أفصح بجلاء عن إرادته في استبدال الجهة طالبة نزع الملكية بالهيئة المصرية العامة للمساحة في خصومة الطعن على تقدير التعويض، ولما كانت الدعوى قد رفعت بعد العمل بأحكام القانون رقم ١٠ لسنة ۱۹۹٠ وقد اختصم فيها الطاعن بصفته بوصفه ممثلا للجهة المستفيدة طالبة نزع الملكية، فإنه يتعين عدم قبول الطعن بالنسبة للمطعون ضده الثاني بصفته، لا سيما وأن الحكم الابتدائي - المؤيد بالحكم المطعون فيه - قضى بعدم قبول الدعوى قبله، كما أن الطاعن بصفته لم يؤسس طعنه على أسباب تتعلق به، ومن ثم فإنَّ اختصامه في الطعن يكون غير مقبول.
وحَيْثُ إِنَّ الطعن - فيما عدا ما تقدم - قد استوفى أوضاعه الشكلية.
وحَيْثُ تباينت الأحكام الصادرة من هذه المحكمة بشأن مدى اكتساب الدولة لملكية العقارات المنزوعة للنفع العام، ومدي خضوع حق المالك في إقامتها للتقادم الطويل إلى اتجاهين .
حَيْثُ ذهب الاتجاه الأول إلى أنها دعوى تعويض مصدرها القانون، ويسقط الحق في إقامتها بانقضاء خمس عشرة سنة من تاريخ الاستحقاق عملا بنص المادة ٣٧٤ من القانون المدني، كما تستطيع الدولة أن تدفع بتملك العقار المنزوع ملكيته بالتقادم المكسب متي توافرت شروطه.
بينما ذهب الاتجاه الثاني إلى أن تلك الدعوى تعتبر من دعاوى الاستحقاق التي لا تسقط بالتقادم، إذ ليس لها أجل محدد تزول بانقضائه باعتبار أن دعوى المالك التي يرفعها للمطالبة بقيمة العقار الذي استولت عليه الدولة للنفع العام يستند فيها إلى حق الملكية وهو حق دائم لا يسقط بعدم الاستعمال، ويُعتبر مطروحا فيها دائما ويترتب على ثبوته التزام الدولة برد العقار عينا أو الاستعاضة عنه بالتعويض طالما صار الالتزام برده مستحيلا باعتبار أن التنفيذ العيني والتنفيذ بطريق التعويض قسيمان متكافئان يتقاسمان تنفيذ التزام واحد، وأن الالتزام بالتعويض له ذات الضمان ووسائل الحماية التي قدرها القانون للالتزام الأصلي مِمَّا لا تسقط معه الدعوى بطلبه بالتقادم.
وإزاء هذا الاختلاف قررت الدائرة المختصة بجلستها المعقودة بتاريخ ٢٠٢٦/٤/٢ إحالة الطعن إلى الهيئة العامة للمواد المدنية والتجارية ومواد الأحوال الشخصية وغيرها عملا بالفقرة الثانية من المادة الرابعة من قانون السلطة القضائية الصادر بالقرار رقم ٤٦ لسنة ۱۹۷۲ المعدلة للفصل في هذا الاختلاف بترجيح أحد هذين الاتجاهين والعدول عن الآخر. وإذ حددت الهيئة العامة جلسة لنظر الطعن، وأودعت النيابة العامة لدى محكمة النقض مذكرة أبدت فيها الرأي بالأخذ بالاتجاه الثاني الذي انتهى إلى أن التكييف القانوني للدعوى أنها دعوى استحقاق لا تسقط بالتقادم. وإذ تداولت الهيئة في المسألة المعروضة عليها من الدائرة المحيلة، وقررت إصدار الحكم بجلسة اليوم، والتزمت النيابة رأيها.
وحَيْثُ إنه ولما كانت الدساتير المصرية حرصت على تعاقبها ؛ وحذوا بما استقام عليه نهج الأمم المتحضرة - على صون الملكية الخاصة، وأكدت على حمايتها كواحدة من أهم المقومات الأساسية التي لا ينهض المجتمع سويا بغير كفالتها، إذ نصت المادة (٣٥) من الدستور القائم - والتي تقابل المادة (٣٤) من دستور سنة ۱۹۷۱ - على أن "الملكية الخاصة مصونة، وحق الإرث فيها مكفول، ولا يجوز فرض الحراسة عليها إلا في الأحوال المبينة في القانون، وبحكم قضائي، ولا تنزع الملكية إلا للمنفعة العامة، ومقابل تعويض عادل يُدفع مقدما وفقا للقانون"، وأن حق الملكية نافذ في مواجهة الكافة، وأن حصانته تدراً عنه كل عدوان أيا كانت الجهة التي صدر عنها، وأنه صونا لحرمتها كفل الدستور حمايتها - على الأخص - من وجهين أولاهما : أنها لا تزول بعدم استعمالها، ولا يجوز أن يجردها المشرع من لوازمها، ولا أن يفصل عنها أجزاءها المكونة لها، ولا أن ينتقص من أصلها أو يعدل من طبيعتها، ولا أن يقيد من مباشرة الحقوق المتفرعة عنها في غير ضرورة تقتضيها وظيفتها الاجتماعية، وبوجه خاص لا يجوز أن يسقطها المشرع عن صاحبها سواء كان ذلك بطريق مباشر أو غير مباشر، ولا أن يقرر زوال حقه على الأموال محلها - إلا إذا كسبها غيره - وفقا للقانون، وطبقا للأوضاع المنصوص عليها فيه، ثانيهما : أنه لا يجوز نزع الملكية من ذويها إلا في الأحوال التي يقرها القانون، وبالكيفية المنصوص عليها فيه، ومقابل تعويض يكون معادلا لقيمتها الحقيقية في تاريخ نزعها ولمنفعة أو مصلحة عامة لها اعتبارها ؛ ودون ذلك تفقد الملكية الخاصة ضمانتها الجوهرية ويكون العدوان عليها غصبا لها أدخل إلى مصادرتها، وهو ما حرص الدستور القائم علي توكيده، وما كان ذلك الحرص من المشرع الدستوري على صون هذه الملكية الخاصة وعدم المساس بها إلا لاعتبارها في الأصل ثمرة النشاط الفردي - الذهني والبدني - وحافزه إلى الانطلاق والتقدم، فضلا عن أنها مصدر من مصادر الثروة القومية التي يجب تنميتها والحفاظ عليها لتؤدي وظيفتها الاجتماعية في خدمة الاقتصاد القومي، وأنه استثناء من ذلك شرط الدستور لنزع الملك الخاص جبرًا عن صاحبه شرطين أساسيين أولهما : ألا تنزع الملكية إلا للمنفعة العامة، وثانيهما: أن يكون ذلك لقاء تعويض، ثم جاءت عبارة وفقًا للقانون" لتنسحب على ما سبقها من عبارات، ولتدل على أن الدستور قد ناط بالسلطة التشريعية تنظيم إجراءات تقرير المنفعة العامة ونزع الملكية وتقرير أساس التعويض وضماناته، ولم يُقيد الدستور السلطة التشريعية في هذا النص إلا بالشرطين المتقدم ذكرهما، وكانت عبارة وفقا للقانون الواردة بنص الدستور لا تعني قانونا محددًا بذاته، بل تعني كل قانون تصدره السلطة التشريعية في شأن نزع الملكية للمنفعة العامة.
كما أنه من المقرر - في قضاء هذه المحكمة - أن الاستيلاء على العقار بطريق التنفيذ المباشر لا يغني عن وجوب اتباع إجراءات نزع الملكية طبقا لما نص عليه القانون، وجل ما يجيزه - وفقا لأحكام الباب الرابع من القانون رقم 10 لسنة ۱۹۹۰ - أن للجهة نازعة الملكية حق الاستيلاء المؤقت على العقارات التي تقرر لزومها للمنفعة العامة لحين إتمام إجراءات نزع الملكية، وكان البين من استقراء نص المادتين ،۱۱، ۱۲ من ذات القانون سالف الذكر أن المشرع اشترط لنقل ملكية العقار المنزوع ملكيته للمنفعة العامة أحد طريقين لا ثالث لهما؛ أولهما : أن يوقع ملاك العقارات طوعًا على نماذج نقل الملكية وذلك بالنسبة بالنسبة ) لأصحاب العقارات والحقوق التي لم تقدم معارضات بشأنها، وثانيهما: إصدار قرار من الوزير المختص بنزع ملكيتها - إذا تعذر التوقيع على نماذج نقل الملكية - وإيداعها مكتب الشهر العقاري خلال مدة أقصاها سنتان من تاريخ نشر قرار المنفعة العامة في الجريدة الرسمية، فإن لم يتم الإيداع خلال هذه المدة - أيا كانت الأسباب - عُد قرار المنفعة العامة كأن لم يكُن بالنسبة للعقارات التي لم تودع بشأنها النماذج أو القرار الوزاري بنزع الملكية خلال هذه المدة، وقد جاءت عبارة النص واضحة وصريحة وقاطعة الدلالة على أن هذا الميعاد هو ميعاد سقوط لقرار المنفعة العامة بمجرد اكتمال المدة، ولا يترتب عليه وقف أو انقطاع أو امتداد، والظاهر أنه قصد من ذلك حث الحكومة على إنهاء هذه الإجراءات بالسرعة التي تكفل جديتها في تنفيذ قرار النفع العام، وأن المشرع قصد إلى محو آثار قرار النفع العام إذا لم تودع النماذج الموقع عليها من الملاك أو يصدر قرار نزع الملكية خلال سنتين من تاريخ نشر قرار المنفعة العامة، فإذا لم يتم ذلك سقط القرار واعتبر كأن لم يكن، فلا يجوز من بعد الاستناد إليه وإلا كان ذلك اعتداء على الملكية دون سند وبالمخالفة للدستور، ولما كان استيلاء الحكومة على عقار جبرًا عن صاحبه دون اتباع الإجراءات التي يوجبها قانون نزع الملكية للمنفعة العامة يعتبر غصبًا وليس من شأنه أن ينقل ملكية العقار للحكومة، بل تظل هذه الملكية لصاحب العقار رغم هذا الاستيلاء، وكانت دعوى الاستحقاق التي يرفعها المالك لاسترداد ملكه من غاصبه لا تسقط بالتقادم لكون حق الملكية حقا دائما لا يسقط بعدم الاستعمال، ذلك أن لحق الملكية خاصية تميزه عن غيره من الحقوق - الشخصية منها أو العينية أصلية كانت أم تبعية وتتمثل هذه الخاصية في أن الملكية وحدها هي التي تعتبر حقا دائمًا، وتقتضي طبيعتها ألا يزول هذا الحق بعدم الاستعمال، ذلك أنه أيا كانت المدة التي يخرج فيها الشيء من حيازة مالكه، فإنه لا يفقد ملكيته بالتقاعس عن استعمالها، بل يظل من حقه أن يُقيم دعواه للمطالبة بها مهما طال الزمن - إلا إذا كسبها غيره بإحدى وسائل اكتساب الملكية وفقًا للقانون متى توافرت شرائطه - بما مؤداه أن حق الملكية باق لا يزول ما بقي الشيء المملوك منقولا كان أو عقارًا، وبالتالي لا يسقط الحق في إقامة الدعوى التي تحميه بانقضاء زمن معين ذلك أنه لا يتصور أن يكون حق الملكية ذاته غير قابل للسقوط بالتقادم ويسقط مع ذلك الحق في إقامة الدعوى التي يطالب بها هذا الحق، وكانت مطالبة المالك بقيمة العقار محل الغصب تعتبر مطالبة بإلزام المدين الغاصب بتنفيذ التزامه بالرد بطريق التعويض - في حالة تعذر الرد العيني - ذلك أن الرد العيني أو الرد بمقابل هما عنوان لأصل واحد هو حق الملكية يتسمان بسماته؛ ويتمايزان بخصائصه التي من أهمها أنه لا يسقط بعدم استعماله، وبالتالي لا يسقط بالتقادم.
وحَيْثُ إنه استنادًا إلى ما تقدم؛ فقد رأت الهيئة بالأغلبية المنصوص عليها في الفقرة الثانية من المادة الرابعة من قانون السلطة القضائية رقم ٤٦ لسنة ۱۹۷۲ المعدلة، العدول عن المبدأ الذي تبناه الاتجاه الأول الذي يعتبر أن الدعوى الناشئة عن نزع ملكية العقارات للنفع العام دون اتباع الإجراءات المنصوص عليها بقوانين نزع الملكية للمنفعة العامة هي دعوى تعويض مصدر الالتزام فيها هو القانون يسري على الحق في إقامتها قواعد التقادم المنصوص عليها في المادة ٣٧٤ من القانون المدني، وإقرار المبدأ الذي تبناه الاتجاه الثاني الذي يقضي بأن هذه الدعوى تعتبر من دعاوى الاستحقاق التي لا تسقط بالتقادم وليس لها أجل محدد تزول بانقضائه لاستناد رافعها إلى حق الملكية الذي هو حق دائم لا يسقط بعدم الاستعمال، ولا يحول ذلك دون تملك الدولة للعقار المنزوع ملكيته بوضع اليد متى توافرت شرائطه من الظهور والهدوء ونية التملك ودام لمدة خمس عشرة سنة متصلة دون انقطاع.
ومن ثم فإن الهيئة - وبعد الفصل في المسألة المعروضة عليها - تعيد الطعن إلى الدائرة التي أحالته إليها للفصل فيه وفقا لما سبق وطبقا لأحكام القانون.
لذلك
قررت الهيئة العامة للمواد المدنية والتجارية ومواد الأحوال الشخصية وغيرها بالأغلبية المنصوص عليها في الفقرة الثانية من المادة الرابعة من قانون السلطة القضائية رقم ٤٦ لسنة ١٩٧٢ المعدل.
أولا: إقرار الاتجاه الذي يقضي بأن دعوى التعويض الناشئة عن نزع ملكية العقارات للنفع العام دون اتباع الإجراءات المنصوص عليها بقوانين نزع الملكية هي من دعاوى الاستحقاق التي يستند فيها رافعها إلى حق الملكية، لا تسقط بالتقادم أو بعدم الاستعمال؛ إلا إذا كسبها غيره بإحدى وسائل اكتساب الملكية متى توافرت شرائط ذلك.
ثانيا : إعادة الطعن إلى الدائرة المحيلة للفصل فيه.