بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
باسم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حاكم دبي
محكمة التمييز
بالجلسة العلنية المنعقدة يوم 04-03-2026 بمقر محكمة التمييز بدبي
في الطعــن رقــم 29 لسنة 2026 طعن تجاري
طاعن:
غ. ش. م. ح.
مطعون ضده:
ب. ك. ل. م.
ن. ل. ش.
ا. س. ا.
الحكم المطعون فيه:
الصادر بالاستئناف رقم 2025/888 استئناف تجاري بتاريخ 11-12-2025
أصـدرت الحكـم التـالي
بعد الاطلاع على الاوراق وسماع تقرير التلخيص الذي تلاه السيد القاضي المقرر / احمد ابراهيم سيف و بعد المداولة
حيث إن الوقائع على ما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر الأوراق تتحصل في أن المطعون ضدها الأولى أقامت على الطاعنة الدعوى رقم 2793 لسنة 2023 تجاري أمام محكمة دبي الابتدائية بطلب الحكم بإلزامها بأن تؤدي إليها مبلغ 12/ 2.297.185 درهمًا، والفائدة بواقع 9% من تاريخ الاستحقاق وحتى السداد التام، ومبلغ 120.750 درهمًا تعويضًا عن أضرار التقاضي. وذلك تأسيسا على إنها في شهر إبريل 2021 اشترت من الطاعنة بضاعة عبارة عن ألواح هواتف محمولة بقيمة 625,936 دولارًا أمريكيًا بما يعادل 12/ 2.297.185 درهمًا وفقًا للثابت بفاتورة الشراء الصادرة عن الأخيرة، والتي التزمت بشحن البضاعة وإرسالها إليها بحرًا في تاريخ 1-5-2021، وقد سددت كامل ثمن البضاعة بموجب تحويلين بنكيين إلى حساب الطاعنة بتاريخي 30-4-2021، 6-5-2021، إلا أن الطاعنة امتنعت دون وجه حق عن تسليم البضاعة المبيعة أو إعادة المبلغ المسدد إليها، فأخطرتها رسميًا بتنفيذ الالتزامات التي يفرضها عليها العقد والقانون ولكن دون جدوى، فاضطرت للاستعانة بمحام متخصص وهو ما كبدها مبلغ 120.750 درهمًا وفقًا لاتفاقية الاتعاب المبرمة بينهما بما يحق لها أيضًا طلب إلزام الطاعنة بذلك المبلغ باعتبارها هي المتسببة في صرفه، ومن ثم فقد أقامت الدعوى. أدخلت الطاعنة المطعون ضدها الثانية خصمًا في الدعوى، على سند من أنها سلمتها البضاعة محل التداعي لشحنها وتسليمها إلى المطعون ضدها الأولى. ندب القاضي المشرف على مكتب إدارة الدعوى خبيرًا مختصًا بعمليات الشحن البحري وتفريغ الحاويات، وأعادت المحكمة ندبه وبعد أن أودع تقريريه، أدخلت الطاعنة المطعون ضدها الثالثة وكل من مجموعة البحر للملاحة وإكسبريس فيدرز -غير مختصمتين في الطعن- خصومًا في الدعوى ووجهت إليهم دعوى ضمان فرعية بطلب الحكم بإلزامهم بما عسى أن يُقضى به عليها في الدعوى الأصلية، وبتاريخ 27-2-2025 حكمت المحكمة بإلزام الطاعنة بأن تؤدي إلى المطعون ضدها الأولى مبلغ 12/ 2.297.185 درهمًا والفائدة القانونية بواقع 5% سنويًا من تاريخ 22-6-2023 وحتى تمام السداد، ومبلغ 30.000 درهم كتعويض، ورفضت ما عدا ذلك من طلبات. استأنفت الطاعنة هذا الحكم بالاستئناف رقم 888 لسنة 2025 تجاري، وندبت المحكمة لجنة ثلاثية من الخبراء المختصين بمجال الشحن البحري وتفريغ الحاويات وبعد أن أودعت تقريرها، حكمت بتاريخ 11-12-2025 بتأييد الحكم المستأنف، طعنت الطاعنة في هذا الحكم بالتمييز الماثل بصحيفة اودعت مكتب ادارة الدعوى بتاريخ 8/1/2026 طلبت فيها نقضه، قدم محامي المطعون ضدها الاولى مذكرة بدفاعه خلال الميعاد طلب فيها رفض الطعن،واذ عرض الطعن على هذه المحكمة في غرفة مشورة حددت جلسة لنظره
وحيث ان الطعن استوفى اوضاعه الشكلية
وحيث ان الطعن أقيم على سبعة أسباب تنعى الطاعنة بالسبب الرابع منها على الحكم المطعون فيه الخطأ في تطبيق القانون والقصور في التسبيب، ذلك إنها تمسكت بدفاع مؤداه عدم سماع الدعوى لانقضاء المدة المقرر قانونًا إعمالًا للمادة 287 من القانون التجاري البحري رقم 26 لسنة 1981 التي نصت على عدم سماع الدعاوى الناشئة عن عقد النقل البحري بمضي سنة من تاريخ تسليم البضائع أو من التاريخ الذي كان يجب أن يتم فيه التسليم، وكانت المطالبة محل التداعي تتعلق بقيمة البضاعة التي هلكت أثناء نقلها بحرًا حال وجودها بالحاوية رقم ( ECMU9564858 ) على السفينة الناقلة (اكس بريس بيرل) والتي احترقت بتاريخ 20-5-2021، وكانت تلك الحاوية هي محل سند الشحن البحري رقم ( NAVJAPKG-41521 )، وكان مقتضى هلاك البضاعة يستوجب رجوع المرسل إليه على الناقل بموجب سند الشحن في خلال سنة من تاريخ التسليم المتوقع وهو 31-5-2021، وكانت الدعوى المطروحة قد أُقيمت بتاريخ 22-6-2023 أي بعد عامين من تاريخ نشوء الحق في الرجوع، فتكون غير مسموعة، كما أن المادة (20) من معاهدة هامبورج لعام 1978 وهي القانون الدولي الحاكم لنقل البضائع بحرًا قد نصت على سقوط أي دعوى تتعلق بنقل البضائع بموجب هذه الاتفاقية بالتقادم إذا لم تتخذ إجراءات التقاضي أو التحكيم خلال مدة سنتين، وهو ما ينسحب على واقعة التداعي باعتبار أن المطعون ضدها الأولى لم تتخذ أي إجراء قاطع للتقادم خلال الفترة السابقة على إقامة الدعوى، إلا أن الحكم التفت عن الرد على ذلك الدفاع رغم جوهريته بما يعيبه ويستوجب نقضه.
وحيث ان هذا النعي في غير محله ذلك أنه من المقرر في قضاء هذه المحكمة أن مناط تطبيق المادة 287 من القانون التجاري البحري فيما نصت عليه من عدم سماع الدعوى بمضي المدة المشار إليها فيها هو أن تكون الدعـوى ناشئة عن عقد نقل بحري. ومن المقرر أيضًا أنه لا تعتبر الدعوى ناشئة عن عقد النقل البحري إلا إذا كانت مقامة على الناقل سواء من الشاحن أو من المرسل إليه بطلب التعويض عن هلاك أو تلف البضائع المشحونة أو عن التأخير في تسليمها في ميناء التفريغ في الميعاد المتفق عليه أو في الميعاد الذي كان يجب أن يتم فيه التسليم، لما كان ذلك، وكان الحكم المطعون فيه قد أيد الحكم الابتدائي في قضائه برفض الدفع المبدى من الطاعنة بعدم سماع الدعوى المؤسس على المادة 287 من القانون التجاري البحري، تأسيسًا على أن الدعوى مقامة من المطعون ضدها الأولى بوصفها المشتري للبضائع محل التداعي على الطاعنة بوصفها البائع لها، ولم تتعلق بعقد النقل الذي لم تكن المطعون ضدها الأولى طرفًا فيه، وكانت تلك الأسباب سائغة تتفق وصحيح حكم القانون، ومن ثم فإن النعي على الحكم المطعون فيه بهذا السبب يضحى على غير أساس.
وحيث ان الطاعنة تنعَى بالسبب السادس على الحكم المطعون فيه الخطأ في تطبيق القانون والقصور في التسبيب، اذ انتهى في قضائه إلى أحقية المطعون ضدها الأولى في المبلغ المقضي به لهلاك البضاعة، وهو ما يمثل تعويضًا ماديًا يعادل قيمة البضاعة، وكان ذلك القضاء في حقيقته هو فسخ لعقد البيع، لا تسمع الدعوى به إذا انقضت سنة على تسليم المبيع إعمالًا للمادة 524 من قانون المعاملات المدنية، وكان الثابت بالأوراق وبتقرير لجنة الخبرة المنتدبة في الدعوى أنها سلمت البضائع محل التداعي إلى المطعون ضدها الثانية -الشاحن لإرسالها إلى المرسل إليه وفقًا لتعليمات وكيل المطعون ضدها الأولى (شركة هويا إنترناشونال كورب)، والتي تسلمت سند الشحن الاسمي بتاريخ 4-5-2021 دون أية تحفظات من جانبها، وغادرت السفينة الناقلة ميناء جبل علي بتاريخ 10-5-2021، ولم يثبُت بالأوراق طلب الشركة الأخيرة التأمين على البضاعة، فتكون مسئولية الطاعنة قد انتهت بثبوت تسليم البضائع تسليمًا حكميًا إلى المطعون ضدها الأولى وأصبحت البضائع تحت تصرفها، وقد شب حريق بالسفينة الناقلة ترتب عليه هلاك البضاعة محل التداعي، وقد تراخت المطعون ضدها الأولى في إقامة الدعوى المطروحة حتى تاريخ 22-6-2023 فتكون الدعوى غير مسموعة لفوات ميعاد السنة المقرر بنص المادة سالفة البيان، ولا يغير من ذلك ما أورده الحكم بأسبابه من عدم انطباق المادة المذكورة على واقعات التداعي لكونها ليست دعوى ضمان عيوب خفية وإنما دعوى تسليم مبيع، ذلك أن طلبات المطعون ضدها الأولى هي في حقيقتها تعويض عن عدم التسليم أي أنها دعوى بفسخ عقد البيع وإعادة المتعاقدين إلى الحالة التي كانا عليها تندرج ضمن أحكام المادة المذكورة، مما يعيب الحكم ويستوجب نقضه
وحيث ان هذا النعي في غير محله ذلك أنه من المقرر في قضاء هذه المحكمة ان الدفع بعدم سماع الدعوى بمضي الزمان لا يتعلق بالنظام العام وينبغي على صاحب الشأن التمسك به أمام محكمة الموضوع ، ولا تلتزم تلك المحكمة ببحث هذا الدفع الا في نطاق النص القانوني الذي يتمسك به الخصم دون غيره من نصوص اخرى تتعلق بنوع آخر من عدم السماع ، والعبرة في تحديد مدة عدم سماع الدعوى بمضي الزمان هو بالتكييف الصحيح للنزاع المطروح على المحكمة ومن المقرر أن النص في المادة 523 من قانون المعاملات المدنية على أنه "إذا عين في العقد مقدار المبيع وظهر فيه نقص أو زيادة ولم يوجد اتفاق أو عرف بهذا الشأن وجب إتباع القواعد التالية: ... 3- وإذا كانت الزيادة أو النقص تلزم المشتري أكثر مما اشترى أو تفرق عليه الصفقة كان له الخيار في فسخ البيع ما لم يكن المقدار تافهًا ولا يخل النقص في مقصود المشتري. 4- وإذا تسلم المشتري المبيع مع علمه أنه ناقص سقط حقه في خيار الفسخ المشار إليه في الفِقرة السابقة"، والنص في المادة 524 منه على أنه "لا تسمع الدعوى بفسخ العقد أو إنقاص الثمن أو تكملته إذا انقضت سنة على تسليم المبيع"، يدل على أن حكم عدم السماع الوارد في هذا النص يقتصر على الحالات المنصوص عليها في المادة 523 فحسب ولا يمتد إلى جميع الحالات الأُخرى التي يحق فيها للمشتري طلب فسخ عقد البيع إذا ما أخل البائع بتنفيذ التزامه. لما كان ذلك، وكان الواقع المطروح في الدعوى هو أن المطعون ضدها الأولى أقامتها على الطاعنة بطلب إلزامها بأن تؤدي إليها مبلغ 12/ 2.297.185 درهمًا، والفائدة بواقع 9% من تاريخ الاستحقاق وحتى السداد التام، ومبلغ 120.750 درهمًا تعويضًا عن أضرار التقاضي، على سند من أنها اشترت من الطاعنة بضاعة عبارة عن ألواح هواتف محمولة بالمبلغ المطالب به وفقًا للثابت بفاتورة الشراء الصادرة عن الأخيرة، والتي التزمت بشحن البضاعة وإرسالها إليها بحرًا في تاريخ 1-5-2021، وأنها قد سددت كامل ثمن البضاعة، إلا أن الطاعنة امتنعت دون وجه حق عن تسليم المبيع أو إعادة المبلغ المسدد إليها وبذلك فان النزاع يخرج عن نطاق الحالات الواردة في المادة 523 من قانون المعاملات المدنية، ومن ثم فلا يسري عليها حكم عدم السماع الوارد بالمادة 524 من القانون ذاته، وإذ التزم الحكم المطعون فيه هذا النظر فإنه يكون قد أصاب صحيح حكم القانون، ويضحى النعي عليه بهذا السبب على غير أساس
وحيث ان الطاعنة تنعى بباقي أسباب الطعن على الحكم المطعون فيه الخطأ في تطبيق القانون والفساد في الاستدلال، ذلك إنه انتهى في قضائه إلى أن البيع محل التداعي هو بيع سيف ( CIF ) ورتب على ذلك التزامها بالتأمين على البضاعة المبيعة أخذًا بتقرير لجنة الخبرة المنتدبة في الدعوى، رغم خلو الأوراق من أي دليل على ذلك الأمر، ورغم انتهاء لجنة الخبرة ذاتها إلى عدم وجود اتفاق مكتوب بشأن نوع البيع البحري محل التداعي، وفي حين أنها تمسكت في دفاعها بأن البيع محل التداعي هو بيع سي آند إف ( C & F )، ذلك أن المراسلات الخاصة بالشحنة الثانية محل التداعي والتي بدأت من تاريخ 15-4-2021 جاءت خالية من أية تعليمات من المطعون ضدها الأولى إليها بالتأمين على البضاعة كما أنها لم يكن لها دور في اختيار السفينة الناقلة، بل تم ذلك بمعرفة وكيل المطعون ضدها الأولى، وخلت الأوراق من الدليل على أن ثمن البضاعة المدفوع هو ثمن مقطوع يشمل التأمين عليها، وكل ذلك ينفي عن البيع محل التداعي وصف أنه بيع ( CIF ) ويكون بيع ( C & F )، ورغم أن لجنة الخبرة أثبتت في تقريريها أن التعامل بين الطاعنة والمطعون ضدها الأولى تضمن خمس شحنات، ولم يثبُت وجود التزام على الطاعنة بالتأمين على أي منها وعجزت المطعون ضدها الأولى عن إقامة الدليل على ذلك، وفي حين أن العرف الخاص المتبع بشأن الشحنات محل التعامل هو عدم وجود التزام على الطاعنة بتوفير التأمين وانتفاء أية تعليمات من المطعون ضدها الأولى بتوفيره، كما أن العرف العام في البيوع البحرية أن البائع لا يلتزم بالتأمين على البضاعة المبيعة إلا بناءً على اتفاق صريح مع المشتري وهو ما لم تنبئ عنه الأوراق، وعلى الرغم من أنه سواء كان البيع محل التداعي هو بيع ( CIF ) أو بيع ( C & F ) فإن تبعة هلاك البضاعة تكون على المطعون ضدها الأولى باعتبارها المشتري، هذا إلى أن الثابت من تقرير لجنة الخبرة أن مستند التأمين يُعد من مستندات الشحن الأساسية في البيع البحري بنظام سيف ( CIF )، ومن ثم فإن سكوت المطعون ضدها الأولى عن المطالبة به ينفي بطريق اللزوم العقلي والقانوني انطباق البيع ( CIF ) على البيع محل التداعي، وإذ ثبُت بالأوراق أن المطعون ضدها الأولى قد تسلمت المستندات الخاصة بالشحنة محل التداعي دون أن تُبدي خلال الأجل القانوني أي اعتراض على نقصها أو عدم مطابقتها، أو أنها قصرت اعتراضها على أسباب محددة دون غيرها، فإن حقها في إثارة أي اعتراض جديد لاحقًا يكون قد سقط بنص القانون، ولا يُقبل منها التمسك بنقص مستندي لم تُبده في حينه، وذلك إعمالًا للمادة 150 من قانون المعاملات التجارية رقم 18 لسنة 1993، كما ان الحكم انتهى في قضائه إلى أن العلاقة بينها والمطعون ضدها الأولى هي علاقة بيع مباشر وليس علاقة شحن بحري بالمخالفة للثابت بالأوراق، ذلك أن لجنة الخبرة المنتدبة في الدعوى انتهت إلى أن العلاقة محل التداعي هي علاقة بيع بحري دولي، فقد أثبتت أن البضائع المبيعة محل التداعي بموجب الفاتورة رقم ( AL2102 ) المؤرخة 1-5-2021 هي ذات البضائع المودعة بالحاوية رقم ( ECMU9564858 ) على السفينة الناقلة (إكسبريس بيرل) والمشحونة إلى ميناء بورت كلانج الغربي بماليزيا والتي احترقت بتاريخ 20-5-2021، وأن تلك الحاوية هي موضوع سند الشحن البحري رقم ( NAVJAPKG-41521 )، كما أن الحكم تناقض في أسبابه إذ اعتبر البيع محل التداعي هو بيع ( CIF ) وأضفى عليها التزامًا بالتأمين على البضائع، وعند تصديه للدفع المبدى منها بانتفاء صفة المطعون ضدها الأولى في الدعوى وبالتقادم البحري اعتبر البيع محل التداعي هو بيع مباشر وليس بيع بحري، وكان لا يستقيم إسباغ وصفين قانونين مختلفين على عملية بيع واحدة، وفي حين أن ما انتهجه الحكم من اعتبار البيع محل التداعي هو بيع مباشر والذي رتب عليه إسباغ الصفة على المطعون ضدها الأولى في المطالبة محل التداعي لا يستقيم مع واقعات الدعوى، ذلك أن البضائع محل التداعي لو لم تهلك أثناء شحنها بحرًا ووصلت إلى ميناء الوصول بماليزيا لكان الناقل مُلزمًا بتسليمها إلى المرسل إليه صاحب البضاعة الوارد اسمه في سند الشحن وليس إلى المطعون ضدها الأولى وهو ما عجز الحكم عن إدراكه، ومما يؤدي إلى وجود مطالبتين عن ذات البضائع تتمثل الأولى في حق المطعون ضدها الأولى في المطالبة بموجب فاتورة البيع، والثانية حق المرسل إليه في المطالبة بموجب سند الشحن، فلا يستقيم أن يطالب كل منهما الناقل البحري بالتعويض عن هلاك البضاعة إن كان له مقتضى، ولا جدال في أن صاحب هذا الحق هو المرسل إليه وليس المطعون ضدها الأولى، أما ما انتهى إليه الحكم فمن شأنه إثراء المطعون ضدها الأولى بلا سبب على حساب الطاعنة التي سلمت البضائع للشاحن المسمّى من المطعون ضدها الأولى، وتم تسليمها إلى الناقل البحري وشُحنت بحرًا وهلكت، فيكون الحق في الرجوع على الناقل للمرسل إليه ولا تكون هناك أي صفة للمطعون ضدها الأولى في الرجوع على الطاعنة، كما انها تمسكت في دفاعها أمام محكمة الموضوع بانتفاء صفة المطعون ضدها الأولى في المطالبة محل التداعي، كما إن قضاء الحكم بإلزامها بأداء قيمة البضائع المبيعة إلى المطعون ضدها الأولى جاء مخالفًا لنص المادة 103 من قانون المعاملات التجارية رقم 18 لسنة 1993 والتي تلقي بتبعة هلاك المبيع على البائع حتى تسليمه إلى المشتري تسليمًا فعليًا أو حكميًا، أما إذا أرسل البائع المبيع بناءً على طلب المشتري إلى غير المكان المعين لتسليمه كانت تبعة الهلاك على المشتري من وقت تسليم المبيع إلى من يتولى نقله، ما لم يتفق على غير ذلك، وكان الثابت بتقرير لجنة الخبرة المنتدبة في الدعوى أن الطاعنة شحنت البضائع محل التداعي على متن الحاوية رقم ( ECMU9564858 ) وتم تسليمها إلى المطعون ضدها الثالثة -الناقل البحري- وبتاريخ 4-5-2021 صدرت بوليصة الشحن الاسمية رقم ( NAVJAPKG-41521 ) والتي تم إرسالها إلى وكيل المطعون ضدها الأولى وأكد تسلمها بتاريخ 5-5-2021، ثم غادرت السفينة ميناء جبل علي بتاريخ 10-5-2021 متجهة إلى ماليزيا، ووفقا لتقرير هيئة اللويدز العالمية فقد شب حريق بتاريخ 20-5-2021 في تلك السفينة أمام سواحل سيريلانكا، مما يثبُت معه بشكل قطعي تسلم المطعون ضدها الأولى لسند الشحن ويؤكد أن التسليم الحكمي قد وقع صحيحًا بما يترتب عليه انتقال تبعة الهلاك إلى المطعون ضدها الأولى، هذا إلى أن البين من فاتورة شراء البضائع محل التداعي المقدمة من المطعون ضدها الأولى أن وجهة الشحن هي ولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية، وكان الثابت من مستندات الدعوى أنه تم تغيير وجهة الشحنة إلى ماليزيا بناءً على طلب سالفة الذكر، فإن تبعة الهلاك تكون عليها أيضًا وفقا لنص المادة المشار، وقد التفت الحكم عما سلف و عول في قضائه على تقرير لجنة الخبرة المنتدبة في الدعوى رغم بطلانه، إذ انتهت لجنة الخبرة إلى أن البيع محل التداعي هو بيع ( CIF )، رغم خلو الأوراق من الدليل على التزام الطاعنة بالتأمين على البضائع محل التداعي، ورغم أن مسألة تكييف البيع محل التداعي هي مسألة قانونية لا يجوز للخبرة التطرق إليها، ومن ثم يكون الحكم المطعون فيه معيبا بما يستوجب نقضه .
وحيث ان هذا النعي في أساسه سديد ذلك أنه من المقرر في قضاء هذه المحكمة أن الدعوى هي حق الالتجاء إلى القضاء لحماية الحق أو المركز القانوني المدعى به، ومن ثم فإنه يلزم توافر الصفة الموضوعية لطرفي هذا الحق، بأن تُرفع الدعوى ممن يدعي استحقاقه لهذه الحماية، وضد من يُراد الاحتجاج بها عليه، وأن الصفة في الدعوى تقوم بالمدعى عليه إذا كان الحق المطلوب موجودًا في مواجهته باعتبار أنه صاحب شأن فيه والمسئول عنه حال ثبوت أحقية المدعي له، وأن استخلاص توافر الصفة في الدعوى هو من قبيل فهم الواقع فيها، وهو ما يستقل به قاضي الموضوع بغير رقابة عليه في ذلك من محكمة التمييز متى أقام قضاءه على أسباب سائغة مستمدة مما له أصل ثابت بالأوراق، ومن المقرر أن السبب في الدعوى هو الواقعة التي يستمد منها المدعي الحق في الطلب، وهو لا يتغير بتغيير الأدلة المقدمة في الدعوى ولا تملك المحكمة تغييره من تلقاء نفسها، وعليها عند الفصل في موضوع الدعوى الالتزام بالسبب الذي يستند إليه المدعي ومن المقرر ان البيع سيف ( C-I-F ) كما متعارف عليه - وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة - هو بيع البضاعة لدى الشحن نظير ثمن مقطوع يشمل فضلا عن ثمن المبيع تكاليف التأمين البحري وأجرة النقل بالسفينة الى ميناء الوصول وتنتقل ملكية البضاعة بموجب هذا البيع الى المشتري عند اتمام شحنها بالسفينة كما تنتقل تبعه الهلاك اليه من هذا الوقت فإذا لم يلتزم البائع بالتأمين اعتبر البيع (سي - آند - اف) وتسرى عليه ذات القواعد المنطبقة على بيع سيف - ومن ثم فإن هلاك السفينة أو البضاعة بعد شحنها لا أثر له - في هذه الحالة - على التزام المشتري بدفع ثمنها وفقا لطريقة الدفع المتفق عليه بين الطرفين - وذلك طالما كان البائع قد ارسل إلى المشتري المستندات المتعلقه بالبضاعة والتي تمكنه من استلامها لدى الوصول واستيفاء حقوقه في حالة هلاكها أو وجود عجز أو تلف بها - والأصل - انه يمكن اثبات الشحن - كواقعة مادية - بكافة الطرق القانونية وان كان ذلك يتم في العمل بسند الشحن الذي يثبت وضع البضائع على ظهر السفينة وتسليمها للربان ومن المقرر أنه يتعين على محكمة الموضوع أن تضمن حكمها ما يطمئن المطلع عليه بأنها قد تفهمت نقطة النزاع في الدعوى والمسألة القانونية المطروحة فيها ، وأن لمحكمة التمييز أن تتدخل إذا كانت الأسباب التي بنى عليها الحكم قضاءه مخالفة القانون أو مخالفة للثابت في الأوراق أو لا يكون من شأنها أن تؤدي إلى النتيجة التي انتهى إليها لقصور شاب أسبابه أو فساد في استدلاله ،لما كان ذلك، وكان الواقع المطروح في الدعوى هو أن المطعون ضدها الأولى أقامتها على الطاعنة بطلب إلزامها بأن تؤدي إليها مبلغ 12/ 2.297.185 درهمًا، والفائدة بواقع 9% من تاريخ الاستحقاق وحتى السداد التام، ومبلغ 120.750 درهمًا تعويضًا عن أضرار التقاضي، على سند من أنها اشترت من الطاعنة بضاعة عبارة عن ألواح هواتف محمولة بالمبلغ المطالب به وفقًا للثابت بفاتورة الشراء الصادرة عن الأخيرة، والتي التزمت بشحن البضاعة وإرسالها إليها بحرًا في تاريخ 1-5-2021، وأنها قد سددت كامل ثمن البضاعة، إلا أن الطاعنة امتنعت دون وجه حق عن تسليم المبيع أو إعادة المبلغ المسدد إليها، ومن ثم فإن المطعون ضدها الأولى وقد أقامت دعواها استنادًا إلى عقد البيع المبرم بينها والطاعنة -فاتورة الشراء- ولم تستند إلى عقد النقل البحري، فإن الصفة تتوافر لها في الدعوى دون النظر إلى اسم المرسل إليه الوارد اسمه بسند شحن البضاعة ، ولما كانت لجنة الخبرة المنتدبة أمام محكمة الاستئناف قد انتهت -فيما يخص موضوع التداعي- إلى أنه بموجب الفاتورة رقم ( AL 2102 ) المؤرخة 3-5-2021 فقد باعت الطاعنة إلى المطعون ضدها الأولى بضاعة عبارة عن خردة معدنية وتم شحنها على السفينة الناقلة (إكس بريس بريل) على أن ترسل إلى شركة رينبو ميتال ريسكايكل بماليزيا، وبتاريخ 3-5-2021 أصدرت المطعون ضدها الثانية -وكيل الشحن- فاتورة ضريبية باسم الطاعنة طالبة الشحن بقيمة رسوم الشحن البحرية للحاوية رقم (9564858 ECMU )، كما أصدرت بتاريخ 5-5-2021 بوليصة شحن بحري داخليه رقم ( 052 PCLGFZEXT ) ورد بها تم تسلم الحمولة للشحن بحالة ووضع جيد ظاهريًا باستثناء ما هو مذكور في التفاصيل، وأن الشاحن هو الطاعنة والمرسل إليه هو المطعون ضدها الأولى، وجهة الوصول كيلانج بماليزيا، وصدر للمطعون ضدها الثالثة بوليصة شحن محيطيه رقم (041521 NAVJEAPKG ) ورد بها مرسل الشحنة هو المطعون ضدها الثانية وأن المرسل إليه هو شركة رينبو ميتال ريسيكل، وميناء الوصول هو كيلانج الغربي بماليزيا، وأنه لم يتبين أن المطعون ضدها الأولى تدخلت بنفسها في إدارة أعمال الشحن ونقل البضائع، كما تبين أن الفاتورة والبيان الجمركي ومستندات الشحن صدرت باسم وبطلب من الطاعنة فقط التي تعاونت مع ممثليها والشركات التابعة لها لإتمام إجراءات شحن ونقل البضائع حسب طلب وتوجيه المطعون ضدها الأولى أو ممثليها وفقًا لما أظهرته الرسائل المتبادلة، وبتاريخ 20-5-2011 شب حريق في السفينة الناقلة سالفة الذكر أثناء وجودها في سيرلانكا وكان على متنها الحاوية التي تحمل البضاعة محل التداعي، وقد غرقت السفينة وهلكت البضاعة ولم يتم تسليمها إلى المرسل إليه، وكان الحكم المطعون فيه بعد أن انتهى صائبًا إلى اسباغ الصفة على المطعون ضدها الأولى في إقامة الدعوى المطروحة، كَيَّف البيع محل التداعي بأنه بيع سيف ( C I F ) وألقى على الطاعنة التزامًا بالتأمين على البضاعة لضمان وصولها حتى يحل المستفيد محلها في المطالبة بالتأمين حال هلاك البضاعة، ورتب على عدم قيام الطاعنة بالتأمين على البضاعة وقوع تبعة الهلاك على عاتقها لعدم تحقق تسليم البضاعة القانوني المبرى للذمة باعتبار أنها قصرت في التزاماتها التعاقدية، منتهيًا في قضائه إلى تأييد الحكم الابتدائي الذي قضى بإلزام الطاعنة بأن تؤدي إلى المطعون ضدها قيمة البضاعة المبيعة، وذلك دون أن يفطن إلى أنه إذا لم يلتزم البائع بالتأمين اعتبر البيع سي آند إف ( C & F )وتسري عليه ذات القواعد المطبقة على البيع سيف، وأنه في هذين البيعين سالفي البيان تنتقل ملكية البضاعة إلى المشتري عند إتمام شحنها بالسفينة كما تنتقل تبعة الهلاك إليه من هذا الوقت، وأن هلاك البضاعة بعد شحنها لا أثر له على التزام المشتري بدفع ثمنها وفقًا لطريقة الدفع المتفق عليها بين الطرفين، طالما أن البائع قد أرسل للمشتري المستندات المتعلقة بالبضاعة التي تمكنه من تسلمها لدى الوصول واستيفاء حقوقه في حالة هلاكها سواء من الناقل أو شركة التأمين، وهو ما نازعت فيه المطعون ضدها الأولى بمذكرة دفاعها المقدمة أمام محكمة الاستئناف بقولها "إن أصل سند الشحن لم يُسلم إليها أو إلى العميل النهائي"، وهو لم يستظهره الحكم المطعون فيه للوقوف على شخص المتحمل لتبعة هلاك البضاعة، وصولًا إلى ما إذا كان هو المطعون ضدها الأولى -المشتري- أم الطاعنة -البائع- حتى يتسنى له القضاء في الدعوى، ومن ثم فإنه يكون معيبًا بالقصور في التسبيب والفساد في الاستدلال بما يوجب نقضه في الشق الأول الخاص بإلزام الطاعنة بأداء قيمة البضاعة محل التداعي إلى المطعون ضدها الأولى، وهو ما يستتبع أيضًا نقضه في الشق الثاني المتعلق بإلزام الطاعنة بأداء التعويض المقضي به إلى المطعون ضدها الأولى باعتباره مؤسسًا على قضائه في الشق الأول (الدعوى الأصلية) على ان يكون مع النقض الإحالة .
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة :- بنقض الحكم المطعون فيه جزئيا فيما قضى به بخصوص الدعوى الاصلية وبإحالة الدعوى لمحكمة الاستئناف لتقضي فيها من جديد (في حدود الشق المنقوض ) والزام المطعون ضدها الاولى بالمصروفات ومبلغ ألفي درهم اتعاب المحاماة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق