الصفحات

البحث الذكي داخل المدونة

تحميل وطباعة هذه الصفحة

Print Friendly and PDF

الأحد، 1 مارس 2026

الإشكاليات القانونية المُترتبة على حكم المحكمة الدستورية العليا (جداول المخدرات) القاضي الدكتور أحمد أبو هشيمة

معالجة الإشكاليات القانونية المُترتبة على حكم المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية قرارات رئيس هيئة الدواء المصرية بتعديل الجداول الملحقة بقانون مكافحة المخدرات

 

القاضي الدكتور

أحمد أبو هشيمة

القاضي بمحكمة النقض

عضو الدائرة الجنائية

فبراير 2026

مُقدمة البحث:

  بادئ ذي بدء نود الإشارة إلى أن حكم المحكمة الدستورية العليا القاضي بعدم دستورية قرارات رئيس هيئة الدواء بتعديل جداول المخدرات، هو حكمٌ نافذٌ بغير قيد، وواجبُ الاحترام بغير شرط، ويتعين أن تعمل كافة سلطات الدولة بمقتضاه إعلاءً لكلمة القانون، فحسبُ المحكمة الدستورية أنها كانت وما زالت الملاذ الآمن لحماية الحقوق والحريات، والمرتع الخصيب الذي تذود فيه عن مصالح المواطنين وأمن المجتمع.

 إن معالجة الإشكاليات القانونية المترتبة على حكم المحكمة الدستورية العليا - بعدم دستورية قرارات رئيس هيئة الدواء المصرية بتعديل الجداول الملحقة بقانون مكافحة المخدرات - هو الأمر الأهم الذي يشغل الساحة القانونية؛ ولذلك سنقسم هذا البحث إلى ستة مباحث نخصص أربعة منها لمعالجة الإشكاليات، ونخصص المبحث الخامس لقراءة أسباب الحكم بعدم الدستورية محل البحث والمبحث الأخير عن موقف الدستور المصري من التفويض التشريعي؛ لأنه ولئن كان النزول على مقتضى أحكام المحكمة الدستورية العليا يُعدُّ من الثوابت القانونية التي لا مماراة فيها، باعتبارها أحكاماً نافذة في مواجهة الكافة، إلا أن هذا الالتزام بالتنفيذ لا يصادر بأي حال من الأحوال حقّ الفكر القانوني والبحث الأكاديمي في التحليل والتعقيب؛ بهدف إثراء الفقه والقضاء وتطوير الملكات القانونية لدى جيل الباحثين وشباب القضاة. 


 

هدف البحث:

  يهدف هذا البحث إلى معالجة الإشكاليات القانونية المترتبة على حكم المحكمة الدستورية من خلال تقسيمه إلى ستة مباحث، نخصص أربعة منها لعرض الحكم ومعالجة الإشكاليات القانونية المترتبة عليه بحسبان ذلك هو الأمر الذي يشغل الكثيرين، ونخصص المبحث الخامس لقراءة أسباب الحكم، والمبحث الأخير عن موقف الدستور المصري من التفويض التشريعي، على النحو الآتي:

 

 

 


 

تقسيم البحث:

المبحث الأول: الحكم الصادر من المحكمة الدستورية العليا.

المبحث الثاني: أثر القضاء بعدم دستورية قرارات رئيس هيئة الدواء على الدعاوى المتداولة أمام النيابة العامة

المبحث الثالث: أثر القضاء بعدم دستورية قرارات رئيس هيئة الدواء على الدعاوى المتداولة أمام محاكم أول درجة.

المبحث الرابع: أثر القضاء بعدم دستورية قرارات رئيس هيئة الدواء على الأحكام الصادرة من المحاكم.

المبحث الخامس: قراءة أسباب حكم المحكمة الدستورية العليا

المبحث السادس: موقف الدستور المصري من التفويض التشريعي في مجال التجريم والعقاب.

 

 

المبحث الأول

الحكم الصادر من المحكمة الدستورية العليا

  أصدرت المحكمة الدستورية العليا بجلستها المعقودة يوم الاثنين 16/2/2026 حكمًا بعدم دستورية قرار رئيس هيئة الدواء المصرية رقم 600 لسنة 2023 بشأن استبدال الجداول الملحقة بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 182 لسنة 1960، في شأن مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها، وبسقوط قرارات رئيس هيئة الدواء المصرية السابقة واللاحقة على القرار المقضي بعدم دستوريته، الصادرة في شأن تعديل الجداول الملحقة بقرار رئيس الجمهورية بالقانون المشار إليه. وكانت إحدى الدوائر الجنائية بمحكمة النقض قد أحالت القرار المذكور إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في دستوريته لما تراءى لها من عوار دستوري يشوبه. وأسست المحكمة قضاءها بعدم الدستورية على سند من أن القرار المحال يعد افتئاتًا على التفويض التشريعي لوزير الصحة والسكان بتعديل الجداول الملحقة بقانون مكافحة المخدرات المنصوص عليه في المادة (32) من هذا القانون، ويشكل تجاوزاً لحدود حلول رئيس هيئة الدواء المصرية محل وزير الصحة والسكان، في اختصاصات الأخير المنصوص عليها في القانون رقم 127 لسنة 1955 في شأن مزاولة مهنة الصيدلة، وهي الاختصاصات المتعلقة بتنظيم تسجيل وتداول ورقابة المستحضرات والمستلزمات الخاضعة لهذا القانون، ولا سند له من نص المادة الثانية من القانون رقم 151 لسنة 2019، أو نص المادة (15) من قانون إنشاء هيئة الدواء المصرية، الأمر الذي يغدو معه القرار المحال مهدراً مبدأ سيادة القانون، مخلاً بمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، مفتئتاً على مبدأ الفصل بين السلطات، ويعد بهذه المثابة مخالفًا لنصوص المواد (5 و94 و95 و101 ) من الدستور.

  وقالت المحكمة إن القرارات التي أصدرها رئيس هيئة الدواء المصرية بتعديل الجداول الملحقة بقانون مكافحة المخدرات، السابقة واللاحقة على القرار المقضي بعدم دستوريته، موصومة بالعيب الدستوري ذاته الذي أصاب القرار المحال، ومن ثم غدا سقوطها متعينًا. واختتمت المحكمة حكمها بأن القضاء بعدم دستورية القرار المحال وسقوط القرارات السابقة واللاحقة عليه مؤداه اعتبارها كأن لم تكن منذ صدورها ويظل للجداول الملحقة بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 182 لسنة 1960 في شأن مكافحة المخدرات، وتعديلاتها، قوة نفاذها، بعد إبطال أداة إلغائها، فيُعمل بهذه الجداول في شأن الدعاوى الجنائية التي كانت محلًا لتطبيق قانون مكافحة المخدرات، التي أقيمت عن وقائع ضبطت خلال الفترة التي عُمل فيها بالقرار المقضي بعدم دستوريته والقرارات المقضي بسقوطها، على أن يستمر العمل بتلك الجداول، ما لم تعدل أو تستبدل بأداة قانونية صحيحة، ويكون للدوائر الجنائية بمحكمة النقض، ومحاكم الجنايات، بدرجتيها، والنائب العام - بحسب الأحوال - إعمال مقتضى هذا الحكم، وفق مفهوم نص المادة (195) من الدستور والمادتين (48 و49 ) من قانون المحكمة الدستورية العليا.

 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الثاني:

أثر القضاء بعدم دستورية قرارات رئيس هيئة الدواء على الدعاوى المتداولة أمام النيابة العامة

  لتوضيح أثر القضاء بعدم الدستورية على الدعاوى المتداولة أمام النيابة العامة يتعين التفرقة بين الحالات الآتية:

(1) بالنسبة للمخدر الذي زال عنه وصف التأثيم بقضاء المحكمة الدستورية العليا ولم يكن مُجرَّمًا بموجب قرارات وزير الصحة السابقة على قرارات رئيس هيئة الدواء؛ يجب إخلاء سبيل المتهم فورًا والأمر بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية لعدم الجريمة، فإذا كانت مرتبطة بغيرها أحالت النيابة الجرائم الأخرى المرتبطة للمحكمة المختصة.

(2) تطلب النيابة العامة الحكم ببراءة المتهمين في القضايا المنظورة أمام المحاكم والمرفوعة فيها الدعوى عن وقائع قدمت إلى المحاكمة استناداً إلى مخدر زال عنه وصف التأثيم بقضاء المحكمة الدستورية العليا ولم يكن مُجرَّمًا بموجب قرارات وزير الصحة السابقة على قرارات رئيس هيئة الدواء، وذلك في أي مرحلة تكون عليها الدعوى ما لم تكن هناك وقائع أخرى تشكل جريمة أخرى مؤثمة قانونًا.

   والبديهي أن حكم المحكمة الدستورية لا ينسحب على الجرائم المرتبطة، وتطبيقًا لما تقدم؛ قضت محكمة النقض بأنه" وحيث إنه يبين من الأوراق أن الدعوى الجنائية أقيمت على المطعون ضده لمحاكمته عن جريمتي (أولاً) الشروع في التهريب الجمركي (ثانياً) استيراد بضائع من خارج الجمهورية بقصد الاتجار حالة كون استيرادها مقصوراً على القطاع العام طبقاً لأحكام القانونين 66 لسنة 1963 و9 لسنة 1959، فقضت محكمة أول درجة (أولاً) بانقضاء الدعوى العمومية بالنسبة للتهمة الأولى للتصالح (ثانياً) بتغريم المطعون ضده مائتي جنيه والمصادرة عن التهمة الثانية وبإلزامه بأن يؤدي للخزانة العامة تعويضاً يعادل مثلي رسوم الاستيراد المقررة ومثلي الرسوم الأخرى المتصلة بالاستيراد فاستأنف المطعون ضده والنيابة العامة الشق الثاني من هذا القضاء فقضى الحكم المطعون فيه بإلغاء الحكم المستأنف وبانقضاء الدعوى الجنائية بالتصالح مع إدارة الاستيراد وذلك طبقاً لأحكام القانون رقم 9 لسنة 1959 الذي طلبت النيابة العامة تطبيقه. لما كان ذلك، وكان الفعل المادي لجريمة الاستيراد سالفة الذكر معاقب عليه أيضاً طبقاً للمادتين 1، 3 من القانون رقم 95 لسنة 1963 في شأن تنظيم الاستيراد إذ نصت المادة الأولى منه على أنه "يكون استيراد السلع من خارج الجمهورية بقصد الاتجار أو التصنيع مقصوراً على شركات وهيئات القطاع العام أو تلك التي يساهم فيها القطاع العام"، وجرى نص المادة الثالثة منه على أنه "يعاقب كل من يخالف أحكام هذا القانون أو شرع في مخالفته بالحبس وبغرامة لا تقل عن مائة جنيه ولا تزيد على ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين وفي جميع الأحوال يحكم بمصادرة السلع موضوع الجريمة وبتعويض يعادل ثمنها إذا لم يتيسر مصادرتها". لما كان ذلك وكان من المقرر أن محكمة الموضوع لا تتقيد بالوصف الذي تسبغه النيابة العامة على الفعل المسند إلى المتهم ومن واجبها أن تمحص الواقعة المطروحة عليها بجميع كيوفها وأوصافها وأن تطبق عليها نصوص القانون تطبيقاً صحيحاً وكل ما تلتزم به في هذا النطاق ألا تعاقب المتهم عن واقعة غير التي وردت بأمر الإحالة أو طلب التكليف بالحضور. ولما كان الحكم المطعون فيه قد استند في قضائه بانقضاء الدعوى الجنائية بالتصالح في شأن هذه الجريمة إلى أحكام القانون رقم 9 لسنة 1959 الذي طلبت النيابة العامة تطبيقه دون أن يفطن إلى أن الفعل المادي لهذه الجريمة ينطبق عليه أيضاً المادتان 1، 3 من القانون رقم 95 لسنة 1963 - وإذ كانت أحكام القانون المذكور قد خلت من أي قيد يرد على حرية النيابة العامة في تحريك الدعوى الجنائية في الجرائم التي يعاقب عليها أو من النص على الصلح كسبب لانقضائها فإن الحكم المطعون فيه إذ قضى بانقضاء الدعوى الجنائية للتصالح دون إنزال أحكام القانون الأخير على الواقعة استجابة لاستئناف النيابة فإنه يكون قد أخطأ في تطبيق القانون ذلك أن انقضاء الدعوى الجنائية للتصالح مع إدارة الاستيراد طبقاً للقانون رقم 9 لسنة 1959 لا يقتضي بداهة انسحاب أثر الصلح على الجريمة المنصوص عليها في المادة الأولى من القانون رقم 95 لسنة 1963 [1] ).

   كما قضت بأنه "وحيث إنه يبين من الأوراق أن الحكم المطعون فيه صدر في 10 من فبراير سنة 2002 بإدانة الطاعن بجرائم الضرب المفضي إلى الموت وإحراز سلاح ناري مششخن وذخيرة بدون ترخيص واستعراض القوة أمام المجني عليهم لترويعهم والتأثير على إرادتهم لسلب أموالهم الأمر الذي كان من شأنه ارتكاب جناية الضرب المفضي إلى الموت، والضرب وإطلاق أعيرة نارية داخل القرى وعاقبه بالأشغال الشاقة لمدة عشر سنوات إعمالاً لنص المواد 236 فقرة أولى وثانية، 242 فقرة أولى وثالثة، 375 مكرراً فقرة أولى، 375 مكرراً/ا فقرة ثانية ورابعة، 377 فقرة سادسة من قانون العقوبات والمواد 1/1، 6، 26 فقرة ثانية وخامسة، 30 فقرة أولى من القانون 394 لسنة 1954 المعدل بالقانونين رقم 26 لسنة 1978، 165 لسنة 1981 والبند أ من القسم الأول من الجدول الثالث الملحق بالقانون الأول مع تطبيق المادة 32 من قانون العقوبات. وكانت المادتان 375 فقرة أولى مكرراً، 375 مكرراً/1 من قانون العقوبات المضافتين بالقانون رقم 6 لسنة 1998 الباب السادس عشر والتي كانت الأخيرة ترصد في فقرتها الثانية لجريمة الضرب المفضي إلى الموت عقوبة السجن المشدد أو السجن إذا كان ارتكابها بناء على استعراض القوة. لما كان ذلك، وكان قد صدر من بعد حكم المحكمة الدستورية العليا بتاريخ 7 من مايو سنة 2006 في القضية رقم 83 لسنة 23 قضائية دستورية قاضياً بعدم دستورية القانون رقم 6 لسنة 1998 الذي نص على إضافة الباب السادس عشر بالقانون رقم 6 لسنة 1998 وكان قضاء المحكمة الدستورية المشار إليه واجب التطبيق على الطاعن باعتباره أصلح له ما دامت الدعوى الجنائية المرفوعة عليه لم يفصل فيها بحكم بات عملاً بالفقرة الثانية من المادة الخامسة من قانون العقوبات إذ أنشأ له مركزاً قانونياً يعيد الوضع إلى ما كان عليه قبل سريان القانون رقم 6 لسنة 1998 ومن ثم فلا مجال لجريمة استعراض القوة والتي وقع بناء عليها جريمة الضرب المفضي إلى الموت. لما كان ذلك، وكانت الفقرة الثانية من المادة 35 من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض الصادر بالقانون رقم 57 لسنة 1959 تخول محكمة النقض أن تنقض الحكم لمصلحة المتهم من تلقاء نفسها إذا صدر بعد وقوع الفعل وقبل الفصل فيه بحكم بات قانون أصلح للمتهم، فإنه يتعين نقض الحكم المطعون فيه والإعادة كي تتاح للطاعن فرصة محاكمته من جديد على ضوء حكم المحكمة الدستورية المشار إليه دون أن يحاج بتطبيق المادة 32 من قانون العقوبات بالنسبة للتهم المسندة إلى الطاعن وإيقاع عقوبة واحدة مقررة لأيهم إذ لا يعرف مبلغ الأثر في توقيع العقوبة في عقيدة المحكمة إعمالاً لهذا النص الذي قضى بعدم دستوريته، باعتبار أن ذلك يشمل الحكم كله.[2] ).

(3) بالنسبة للمخدر المُجرَّم بقرارات وزير الصحة السابقة على قرارات رئيس هيئة الدواء والمقرر له عقوبة أخف؛ يجب على النيابة العامة التصرف في الأوراق على ضوء قرارات وزير الصحة المشار إليها.

(4) يطبق قرار وزير الصحة الجديد رقم ٤٤ لسنة ٢٠٢٦ من تاريخ نشره على كل الوقائع التي وقعت في ظله دون الوقائع السابقة على ذلك التاريخ، على سند أن مقتضى قاعدة شرعية الجريمة والعقاب أن القانون الجنائي يحكم ما يقع في ظله من جرائم إلى أن تزول عنه القوة الملزمة بقانون لاحق ينسخ أحكامه وهو ما قننته الفقرة الأولى من المادة الخامسة من قانون العقوبات بنصها على أن " يعاقب على الجرائم بمقتضى القانون المعمول به وقت ارتكابها[3] ) ".

المبحث الثالث

أثر القضاء بعدم الدستورية على الدعاوى المتداولة أمام محاكم أول درجة

  لتوضيح أثر القضاء بعدم الدستورية على الدعاوى المتداولة أمام محاكم أول درجة؛ يتعين التفرقة بين الحالتين الآتيتين:

(1) بالنسبة للمخدر المُجرَّم بقرارات وزير الصحة السابقة على قرارات رئيس هيئة الدواء والمقرر له عقوبة أخف؛ تعيد المحكمة تكييف الدعوى وتقضي في الدعوى على هذا الأساس.

(2) بالنسبة للمخدر الذي زال عنه وصف التأثيم بقضاء المحكمة الدستورية العليا ولم يكن مُجرَّمًا بموجب قرارات وزير الصحة السابقة على قرارات رئيس هيئة الدواء؛ يجب الحكم ببراءة المتهم، فإذا كانت مرتبطة بغيرها تعيد المحكمة تكييف الدعوى وتقضي فيها على هذا الأساس؛ لأن حكم الدستورية لا ينسحب أثره على الجرائم المرتبطة، وذلك بشرط عدم جواز تشديد العقوبة عن تلك التي سبق إدانته بها.

وتطبيقًا لما تقدم؛ قضت محكمة النقض كما سبق البيان بأن محكمة الموضوع لا تتقيد بالوصف الذي تسبغه النيابة العامة على الفعل المسند إلى المتهم ومن واجبها أن تمحص الواقعة المطروحة عليها بجميع كيوفها وأوصافها وأن تطبق عليها نصوص القانون تطبيقاً صحيحاً وكل ما تلتزم به في هذا النطاق ألا تعاقب المتهم عن واقعة غير التي وردت بأمر الإحالة أو طلب التكليف بالحضور. وانتهت إلى أن انقضاء الدعوى الجنائية للتصالح مع إدارة الاستيراد طبقاً للقانون رقم 9 لسنة 1959 لا يقتضي بداهة انسحاب أثر الصلح على الجريمة المنصوص عليها في المادة الأولى من القانون رقم 95 لسنة 1963 [4] ).

  وقضت كما سبق ذكره تطبيقًا لقضاء المحكمة الدستورية العليا باستبعاد جريمة استعراض القوة المقضي بعدم دستوريتها وانتهت إلى نقض الحكم المطعون فيه والإعادة كي تتاح للطاعن فرصة محاكمته من جديد على ضوء حكم المحكمة الدستورية المشار إليه دون أن يحاج بتطبيق المادة 32 من قانون العقوبات بالنسبة للتهم المسندة إلى الطاعن وإيقاع عقوبة واحدة مقررة لأيهم إذ لا يعرف مبلغ الأثر في توقيع العقوبة في عقيدة المحكمة إعمالاً لهذا النص الذي قضى بعدم دستوريته، باعتبار أن ذلك يشمل الحكم كله.[5] ).

المبحث الرابع

أثر القضاء بعدم دستورية قرارات رئيس هيئة الدواء على الأحكام القضائية [6] ).

    أكدت الفقرة الرابعة من المادة (49) من قانون المحكمة الدستورية العليا - على الرجعية الكاملة بالنسبة للأحكام الصادرة بعدم دستورية النصوص الجنائية، وبينت هذه الفقرة الأثر المترتب على القضاء بعدم دستورية نص جنائي، فذهبت إلى إهدار حجية الأحكام الصادرة بالإدانة، واعتبارها كأن لم تكن، حتى ولو كانت باتة، على نحو ما ذهبت إليه المذكرة الإيضاحية لقانون المحكمة الدستورية العليا. ومعنى "كأن لم تكن" يعنى سقوطها بكل آثارها، ولو صار الطعن عليها ممتنعاً لتفارقها قوة الأمر المقضي التي قارنتها، وهي رجعية كاملة أثبتها قانون المحكمة الدستورية العليا لأحكامها الصادرة بإبطال النصوص العقابية، وهي رجعية لا قيد عليها ولا عاصم منها، بل يكون أثرها جارفاً لكل عائق على خلافها، ولو كان حكماً باتاً [7] ).

    ونشير في هذا الصدد، إلى أن الأثر الرجعى الوارد بالفقرة الرابعة من المادة (49) من قانون المحكمة الدستورية العليا، يطبق بصفة مطلقة، حتى ولو كانت الأحكام الصادرة بالإدانة أحكاماً باتة، وفى هذا انحياز كامل للشرعية والحرية الشخصية، ذلك أن الأحكام الجنائية، تمس بطريق مباشر الحرية الشخصية للمواطن، وهى أعز ما يحرص عليه، فإذا اتضح أن النص الذى طبق عليه، كان غير دستوري، فالعدالة تقتضى أن نغلب جانب الحرية على جانب حجية الأحكام الجنائية، وفى هذا إعمال كامل لمبدأ الشرعية، ذلك أن مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات يقف حائلاً دون تطبيق النص المقضي بعدم دستوريته، تطبيقاً لقاعدة أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، وأن المشرع قد رأى في هذه الحالة، تغليب اعتبارات الشرعية على اعتبارات حجية                الأحكام [8] ). ومن هنا يتعين تقسيم هذا المبحث على النحو الآتي:

 

 

 

 

 


 

الفرع الأول

أثر الرجعية على أحكام الإدانة غير الباتة:

   نشير – بداءة - إلى أن اعتبار الحكم الصادر بالإدانة كأن لم يكن لا يثير صعوبة - من الناحية العملية - إذا كان الحكم أو الأحكام الجنائية غير باتة، إذ يجوز الطعن فيها من ذوي الشأن ومن النيابة العامة، وبالتالي إلغاؤها واعتبارها كأن لم تكن.

    وقد استقرت تطبيقات محكمة النقض، على ذلك، فذهبت إلى أن "إعمال أثر الأحكام الصادرة بعدم دستورية نص جنائي، والذي قضى باعتبار الحكم الصادر بالإدانة كأن لم يكن، لا يتم بمعزل عن إعمال قاعدة القانون الأصلح للمتهم، عملاً بنص الفقرة الثانية من المادة الخامسة من قانون العقوبات، والتي نصت على أنه "إذا صدر بعد وقوع الفعل وقبل الحكم فيه نهائياً قانون أصلح فهو الذي يتبع دون غيره"[9] ).

   وقد أيدت المحكمة الدستورية العليا هذا الأمر في أحكامها، فاشترطت لإعمال قاعدة القانون الأصلح للمتهم  في المجال الجنائي، "أن يصدر هذا القانون قبل الحكم على المتهم بحكم نهائي، لا يقبل طعنًا بالمعارضة أو الاستئناف أو النقض، يستوى في ذلك أن يكون الحكم، قد صدر غير قابل للطعن فيه، أو أن يكون قد صار كذلك لانقضاء مواعيد الطعن فيه، أو لاستنفاد طرق الطعن المذكورة، فإذا كان الحكم قابلاً للطعن وقت صدور القانون الجديد الأصلح للمتهم، فهذا القانون هو القانون الواجب التطبيق، سواء صدر القانون الجديد أثناء ميعاد الطعن، أو صدر خلال المدة التي تكون فيها الدعوى مطروحة على محكمة الطعن" [10] ).

   


 

لتوض


) [1] ) نقض جنائي: الطعن رقم 498 - لسنة 46 - تاريخ الجلسة 25 / 10 / 1976 - مكتب فني 27 رقم الجزء 1 -  رقم الصفحة 780 .

 

) [2] ) نقض جنائي: [الطعن رقم 18716 - لسنة 72 - تاريخ الجلسة 25 / 9 / 2008 - مكتب فني 59 رقم الصفحة 365 ]

) [3] ) نقض جنائي: الطعن رقم 5317 - لسنة 95 - تاريخ الجلسة 13 / 10 / 2025

) [4] ) نقض جنائي: الطعن رقم 498 - لسنة 46 - تاريخ الجلسة 25 / 10 / 1976 - مكتب فني 27 رقم الجزء 1 - رقم الصفحة 780 .

) [5] ) نقض جنائي: [الطعن رقم 18716 - لسنة 72 - تاريخ الجلسة 25 / 9 / 2008 - مكتب فني 59 رقم الصفحة 365

) [6] ) لمزيد من التفصيل: راجع: أثر القضاء بعدم دستورية نص جنائي على الأحكام القضائية الباتة – مقال بقلم المستشار. د. طارق محمد عبد القادر - الرئيس بهيئة المفوضين بالمحكمة الدستورية العليا - منشور بالمجلة الدولية للفقه والقضاء والتشريع، المجلد 3، العدد 3، 2022، الصفحات 864 - 886.

) [7] ) راجع حكم المحكمة الدستورية العليا الصادر في القضية رقم 22 لسنة 18 قضائية "دستورية" بجلسة 30/11/1996 – المجموعة – الجزء الثامن – ص 195 قاعدة رقم (14). ويراجع كذلك: المستشار الدكتور/ عوض المر رئيس المحكمة الدستورية العليا – سابقاً -: في تقديم الجزء السابع من مجموعة أحكام المحكمة الدستورية العليا ص 11.

) [8] )   راجع: الحكم بعدم الدستورية بين الأثر الرجعى والأثر المباشر "دراسة مقارنة"- دكتور/ محمد صلاح عبد البديع السيد- دار النهضة العربية- طبعة 2000 ص 55.

) [9] ) راجع على سبيل المثال: الطعن رقم 62550 لسنة 59 ق جلسة 27/2/1997 المكتب الفني – السنة (48) ص 250 وكذلك الطعن رقم 2529 لسنة 65 ق جلسة 1/1/1997

) [10] ) راجع الحكم الصادر من المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 82 لسنة 18 قضائية "دستورية" بجلسة 14/3/2015.


 

لتوضيح أثر القضاء بعدم الدستورية على الأحكام غير الباتة "الدعاوى المتداولة أمام المحكمة الاستئنافية ومحكمة النقض" يتعين التفرقة بين الحالات الآتية:

(1) بالنسبة للمخدر الذي زال عنه وصف التأثيم بقضاء المحكمة الدستورية العليا ولم يكن مُجرَّمًا بموجب قرارات وزير الصحة السابقة على قرارات رئيس هيئة الدواء؛ يجب الحكم ببراءة المتهم في أي حالة كانت عليها الدعوى ما دامت غير مرتبطة بغيرها[1] ). وقد ذهبت محكمة النقض إلى أبعد من ذلك، وقضت بالبراءة حتى لو كان الطعن غير مقبول، على سند أن الحكم بغير البراءة تتأذى منه العدالة وتأباه أشد الإباء بعد أن صارت الواقعة التي دين بها الطاعن غير مؤثمة[2] ). ولذات العلة، قضت أيضًا ببراءة متهم رغم أنه لم يتقدم لتنفيذ العقوبة المقيدة للحرية، فبدلًا من أن تقضي المحكمة بسقوط الطعن تبعًا لذلك، قضت ببراءته على سند أنه لا يتواءم إلزام الطاعن بالتنفيذ في واقعة غير مؤثمة قانونًا[3] ).

(2) بالنسبة لجريمة المخدر التي تقرر لها عقوبة أخف بقضاء المحكمة الدستورية العليا ولم تكن مرتبطة بغيرها، وكذا بالنسبة لجريمة المخدر الذي زال عنه وصف التأثيم أو تقرر له عقوبة أخف بصدور حكم المحكمة الدستورية العليا وكانت مرتبطة بجرائم أخرى:

الرأي الراجح عندنا: تقوم المحكمة الاستئنافية أو محكمة النقض بحسب الأحوال بإلغاء حكم الإدانة وإعادة الدعوى إلى محكمة أول درجة لتفصل فيها من جديد لمصلحة المتهم وحتى لا تفوت عليه أي من درجتي التقاضي بشرط ألا تقضي المحكمة حتى في حالة الارتباط بعقوبة تجاوز مقدار العقوبة التي سبق القضاء بها. هذا هو الرأي الذي أرجحه؛ لأن حكم المحكمة الدستورية العليا يهدر حجية الأحكام الصادرة بالإدانة، واعتبارها كأن لم تكن، حتى ولو كانت باتة؛ ومن ثم تعود الدعوى إلى سيرتها الأولى ويحاكم المتهم من جديد على ضوء حكم المحكمة الدستورية المشار إليه.

  اللافت للنظر أن الحكم بعدم دستورية نص جنائي يعود بالأوراق إلى سيرتها الأولى حتى بعد صدور حكم بات، فلسنا أمام مجرد قانون أصلح؛ وفي ذلك قالت المحكمة الدستورية أن نص المادة (49) من قانون المحكمة الدستورية العليا – ومذكرته الإيضاحية – واضح الدلالة في حالة الحكم بعدم دستورية نص جنائي، من اعتبار الحكم الصادر بالإدانة كأن لم يكن. وهذا التفسير، هو ما يبرر وجود هذا النص. وإلا ما كانت هناك حاجة لوضعه، اكتفاءً بنصوص قانون العقوبات، المتعلقة بالقانون الأصلح للمتهم، وبصفة خاصة، ما ورد بالفقرة الثالثة من المادة (5) قانون العقوبات [4] ).

وتطبيقًا لذلك، قضت محكمة النقض بنقض الحكم المطعون فيه والإعادة كي تتاح للطاعن فرصة محاكمته من جديد على ضوء حكم المحكمة الدستورية المشار إليه دون أن يحاج بتطبيق المادة 32 من قانون العقوبات بالنسبة للتهم المسندة إلى الطاعن وإيقاع عقوبة واحدة مقررة لأيهم إذ لا يعرف مبلغ الأثر في توقيع العقوبة في عقيدة المحكمة إعمالاً لهذا النص الذي قضى بعدم دستوريته، باعتبار أن ذلك يشمل الحكم كله [5] ).

كما أن الفقرة الرابعة من المادة (49) من قانون المحكمة الدستورية العليا قد أكدت الرجعية الكاملة بالنسبة للأحكام الصادرة بعدم دستورية النصوص الجنائية، وبينت هذه الفقرة الأثر المترتب على القضاء بعدم دستورية نص جنائي، فذهبت إلى إهدار حجية الأحكام الصادرة بالإدانة، واعتبارها كأن لم تكن، حتى ولو كانت باتة، على نحو ما ذهبت إليه المذكرة الإيضاحية لقانون المحكمة الدستورية العليا. ومعنى "كأن لم تكن" يعنى سقوطها بكل آثارها، ولو صار الطعن عليها ممتنعاً لتفارقها قوة الأمر المقضي التي قارنتها، وهي رجعية كاملة أثبتها قانون المحكمة الدستورية العليا لأحكامها الصادرة بإبطال النصوص العقابية، وهي رجعية لا قيد عليها ولا عاصم منها، بل يكون أثرها جارفاً لكل عائق على خلافها، ولو كان حكماً باتاً [6] ).

   مع التسليم في كل الأحوال بحق النيابة العامة في الطعن على الجرائم المرتبطة إذا قضى مثلًا الحكم المطعون فيه ببراءة المتهم من جريمة مخدرات لزوال وصف التجريم وكانت معها جرائم أخرى مرتبطة؛ وسندنا في ذلك أن حكم الدستورية الذي زال التأثيم بمقتضاه لا ينسحب على الجرائم المرتبطة، وتنظر الدعوى في حدود مصلحة المتهم وتلتزم المحكمة الاستئنافية أو محكمة النقض بحسب الأحوال - إذا رأت أن تدين المتهم - بتطبيق عقوبة الجريمة التي أضحت هي الأشد قانوناً. بشرط ألا تقضي المحكمة بعقوبة تجاوز مقدار العقوبة التي سبق القضاء بها؛ فالمقرر بقضاء النقض أن إعمال أثر الأحكام الصادرة بعدم دستورية نص جنائي، والذي قضى باعتبار الحكم الصادر بالإدانة كأن لم يكن، لا يتم بمعزل عن إعمال قاعدة القانون الأصلح للمتهم، عملاً بنص الفقرة الثانية من المادة الخامسة من قانون العقوبات، والتي نصت على أنه "إذا صدر بعد وقوع الفعل وقبل الحكم فيه نهائياً قانون أصلح فهو الذي يتبع دون غيره"[7]).

   وتطبيقًا لما تقدم؛ كما سبق البيان قضت محكمة النقض بأن" ... الحكم المطعون فيه إذ قضى بانقضاء الدعوى الجنائية للتصالح دون إنزال أحكام القانون الأخير على الواقعة استجابة لاستئناف النيابة فإنه يكون قد أخطأ في تطبيق القانون ذلك أن انقضاء الدعوى الجنائية للتصالح مع إدارة الاستيراد طبقاً للقانون رقم 9 لسنة 1959 لا يقتضي بداهة انسحاب أثر الصلح على الجريمة المنصوص عليها في المادة الأولى من القانون رقم 95 لسنة 1963 [8] ).

   كما قضت بحكمها السابق تفصيله بأنه "..... وكان قضاء المحكمة الدستورية المشار إليه واجب التطبيق على الطاعن باعتباره أصلح له ما دامت الدعوى الجنائية المرفوعة عليه لم يفصل فيها بحكم بات عملاً بالفقرة الثانية من المادة الخامسة من قانون العقوبات إذ أنشأ له مركزاً قانونياً يعيد الوضع إلى ما كان عليه قبل سريان القانون رقم 6 لسنة 1998 ومن ثم فلا مجال لجريمة استعراض القوة والتي وقع بناء عليها جريمة الضرب المفضي إلى الموت. لما كان ذلك، وكانت الفقرة الثانية من المادة 35 من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض الصادر بالقانون رقم 57 لسنة 1959 تخول محكمة النقض أن تنقض الحكم لمصلحة المتهم من تلقاء نفسها إذا صدر بعد وقوع الفعل وقبل الفصل فيه بحكم بات قانون أصلح للمتهم، وكان تقدير العقوبة من الأمور الموضوعية التي تدخل في سلطة قاضي الموضوع فإنه يتعين نقض الحكم المطعون فيه والإعادة كي تتاح للطاعن فرصة محاكمته من جديد على ضوء حكم المحكمة الدستورية المشار إليه دون أن يحاج بتطبيق المادة 32 من قانون العقوبات بالنسبة للتهم المسندة إلى الطاعن وإيقاع عقوبة واحدة مقررة لأيهم إذ لا يعرف مبلغ الأثر في توقيع العقوبة في عقيدة المحكمة إعمالاً لهذا النص الذي قضى بعدم دستوريته، باعتبار أن ذلك يشمل الحكم كله [9] ).

وعلى الرغم من أن الرأي الراجح عندنا: هو أن المحكمة الاستئنافية أو محكمة النقض بحسب الأحوال تقوم بإلغاء حكم الإدانة وإعادة الدعوى إلى محكمة أول درجة لتفصل فيها من جديد لمصلحة المتهم على ضوء حكم الدستورية وحتى لا تفوت عليه أي من درجتي التقاضي بشرط ألا تقضي المحكمة بعقوبة تجاوز مقدار العقوبة التي سبق القضاء بها، فإن هناك اتجاهًا يرى أن المحكمة الاستئنافية أو محكمة النقض بحسب الأحوال تعيد تكييف الدعوى على ضوء قضاء المحكمة الدستورية المشار إليه. وتقضي فيها على هذا الأساس بعد أن تعيد تكييف الدعوى لأن جناية المخدرات قد تصير مجرد جنحة بعد حكم الدستورية وقد تكون مرتبطة مع غيرها بشرط ألا تقضي المحكمة بعقوبة تجاوز مقدار العقوبة التي سبق القضاء بها إذا رأت أن تدين المتهم [10] ). وهذا الاتجاه لا يصلح كقاعدة عامة حتى لا يصطدم مع حق المتهم في إعادة محاكمته من جديد دون تفويت أي من درجتي التقاضي؛ لكن يصلح هذا الاتجاه كاستثناء في الأحوال التي تقتضيها العدالة بحيث يُقضى بأقصى ما يُحتمل أن يستفيد به المتهم إذا ما أعيدت محاكمته من جديد، ولا شك أن حالات الملاءمة واعتبارات العدالة لا حصر لها، إلا أننا نضرب مثالًا عمليًا في شأن الملاءمة وتحقيق العدالة:

فمثلًا يجوز للمحكمة الاستئنافية أو لمحكمة النقض بحسب الأحوال القضاء مباشرةً بانقضاء الدعوى الجنائية بوفاة المتهم بعد صدور حكم الدستورية؛ لأنه لا طائل من أي إجراء آخر سوى ذلك.

  كما يجوز للمحكمة الاستئنافية أو محكمة النقض القضاء بانقضاء الدعوى الجنائية بمضي المدة بعدما صارت الجناية بعد حكم الدستورية مجرد جنحة، فبدلًا من إحالتها لمحكمة الجنح المختصة تقضي فيها المحكمة الاستئنافية أو محكمة النقض بحسب الأحوال بانقضاء الدعوى الجنائية بمضي المدة في

الأحوال المقررة قانونًا.

    تطبيقًا لذلك، قضت بأنه "ومن حيث إن القانون رقم ٩١ لسنة ٢٠٠٥ بشأن الضرائب على الدخل قد صدر في الثامن من يونيه سنة ٢٠٠٥ – قبل صدور الحكم المطعون فيه – ونص في مادته الثانية على إلغاء القانون رقم ١٥٧ لسنة ١٩٨١ بشأن الضرائب على الدخل ، وكانت المادة ١٣٣ من القانون الجديد سالف البيان قد نصت على توقيع عقوبة الجنحة على الواقعة المرفوعة على المطعون ضده؛ ومن ثم فقد انحسر عن تلك الواقعة وصف الجناية الذي كان يسبغه عليها القانون الملغي وباتت جنحة معاقباً عليها بالمادة ١٣٣ من القانون رقم ٩١ لسنة ٢٠٠٥ سالف البيان ، ولما كانت المادة ٥ / ٢ من قانون العقوبات تقضي بأنه إذا صدر بعد وقوع الفعل وقبل الحكم فيها نهائياً قانون أصلح للمتهم فهو الذي يطبق دون غيره ، وكان القانون رقم ٩١ لسنة ٢٠٠٥ يتحقق به معنى القانون الأصلح للمتهم في حكم المادة الخامسة من قانون العقوبات؛ إذ أنه ينشئ للمطعون ضده وضعاً أصلح له من القانون الملغي ، فيكون هو الواجب التطبيق على واقعة الدعوى ؛ ذلك أنه بصدوره أصبح الفعل المسند للمطعون ضده مجرد جنحة وزال عنه وصف الجناية الذي كان يسبغه عليه القانون الملغي الذي وقع في ظله . لما كان ذلك، وكان الحكم المطعون فيه قد صدر في ٣ من يناير سنة ٢٠١١ وقررت الطاعنة (النيابة العامة) بالطعن فيه بطريق النقض وقدمت أسباب طعنها في ١٦ من مارس سنة ٢٠١١ ولكن الدعوى لم يُتخذ فيها إي إجراء من تاريخ الطعن إلى أن أُرسلت أوراقها إلى قلم كتاب محكمة النقض لنظر الطعن بجلسة ١٧ يناير سنة ٢٠١٨؛ فإنه يكون قد انقضت مدة تزيد على الثلاث سنين المقررة لانقضاء الدعوى الجنائية في مواد الجنح دون اتخاذ أي إجراء من إجراءات التحقيق أو الدعوى؛ ومن ثم تكون الدعوى الجنائية قد انقضت بمضي المدة ويتعين لذلك قبول الطعن شكلاً ونقض الحكم المطعون فيه والقضاء بانقضاء الدعوى الجنائية بمضي المدة"[11] ).

كل ما تقدم لا يؤثر في القاعدة العامة التي تقضي بأنه في حالة أن الأثر المترتب على حكم الدستورية هو تغيير وصفها من الجناية إلى الجنحة، تحكم محكمة الجنايات – بدرجتيها - بعدم اختصاصها بنظر الدعوى وبإحالتها إلى محكمة الجنح المختصة نوعياً بنظرها، وقالت محكمة النقض في هذا الصدد "وحيث إن النيابة العامة رقعت الدعوى على المطعون ضده بوصف أنه في يوم 19 من أبريل سنة 1974 سرق مالاً مملوكاً لهيئة السكك الحديدية في زمن الحرب، وطلبت عقابه بالمواد 1 و2/2 و8/2 من القانون رقم 35 لسنة 1972 في شأن حماية المال العام فقرر مستشار الإحالة بإحالة الدعوى إلى محكمة الجنايات. وفي 15 من نوفمبر سنة 1975 صدر الحكم المطعون فيه بمعاقبة المطعون ضده بالسجن لمدة ثلاث سنوات طبقاً لمواد الاتهام سالف الذكر. لما كان ذلك، وكان القانون رقم 62 لسنة 1975 بتعديل بعض أحكام قانون العقوبات والإجراءات الجنائية قد صدر في 19 يوليو سنة 1975 - قبل الحكم النهائي في الدعوى الماثلة - ونص في المادة الخامسة منه على إلغاء القانون رقم 35 لسنة 1972 بشأن حماية المال العام - وهذا القانون الأخير ليس بقانون مؤقت إذ لم يبطل العمل به إلا بقانون صدر بإلغائه - فإنه بهذا الإلغاء انحسر عن الواقعة المسندة إلى المطعون ضده وصف الجناية الذي كان يسبغه عليها القانون الملغي وباتت جنحة سرقة معاقباً عليها بالمادة 318 من قانون العقوبات. ولما كانت المادة 5/2 من قانون العقوبات تقضي بأنه إذا صدر بعد وقوع الفعل وقبل الحكم فيه نهائياً قانون أصلح للمتهم فهو الذي يطبق دون غيره، وإذ كان للفعل المسند إلى المطعون ضده عند ارتكابه وصفان، الأول وصف جنحة السرقة المنصوص عليها في المادة 318 من قانون العقوبات والآخر وصف جناية سرقة مال لمرفق عام في زمن الحرب المنصوص عليها في المواد 1 و2 و8 من القانون رقم 35 لسنة 1972، وكان القانون رقم 63 لسنة 1975 سالف الذكر يتحقق به معنى القانون الأصلح للمتهم في حكم المادة الخامسة من قانون العقوبات، إذ أنه ينشئ للمطعون ضده وضعاً أصلح له من القانون الملغي فيكون هو الواجب التطبيق على واقعة الدعوى، ذلك أنه بصدوره أصبح الفعل المسند للمطعون ضده مجرد جنحة وزال عنه وصف الجناية الذي كان يسبغه عليه القانون الملغي الذي وقع في ظله. لما كان ذلك، وكان الأصل أن محكمة الموضوع لا تتقيد بالوصف القانوني الذي تسبغه النيابة العامة على الواقعة المسندة إلى المتهم وأن من واجبها أن تمحص الواقعة المطروحة على جميع كيوفها وأوصافها وأن تطبق عليها القانون تطبيقاً صحيحاً، وكانت الواقعة المطروحة على محكمة الجنايات - دون إجراء تحقيق فيها بالجلسة - تعد من بعد إعمال القانون رقم 63 لسنة 1975 - جنحة سرقة معاقباً عليها بالمادة 318 من قانون العقوبات فقد كان على المحكمة - محكمة الجنايات - أن تحكم بعدم اختصاصها بنظر الدعوى وبإحالتها إلى المحكمة الجزئية المختصة نوعياً بنظرها، أما وهي لم تفعل وفصلت في موضوعها وأنزلت على المطعون ضده عقوبة الجناية فإنها تكون قد أخطأت في تطبيق القانون مما يتعين معه نقض الحكم المطعون فيه وإحالة الدعوى إلى المحكمة الجزئية المختصة." [12] ).

  (3) حالة استعمال الرأفة وفقًا للمادة 17 من قانون العقوبات - من قِبل المحاكم قبل صدور حكم الدستورية بالنسبة للأحكام الباتة وغير الباتة

-      الفرض هنا: إذا استعملت أي من المحاكم الرأفة قبل حكم المحكمة الدستورية العليا أو بعده؛ فهل تلتزم تلك المحاكم ومحاكم نظر الطعن بإعمال الرأفة لدى إعادة نظر الدعوى؟"

الحقيقة أن محكمة النقض لا تعتنق اتجاهًا واحدًا يصلح للرد على هذا التساؤل، وذلك على النحو الآتي:

(أ) راعت محكمة النقض وهي تقدر العقوبة معنى الرأفة الذي أخذت به محكمة الموضوع فاستعملت المادة 17 من قانون العقوبات وقضت بحبس الطاعن ستة شهور مع الشغل بالإضافة إلى عقوبة المصادرة المقضي بها. [13] ). ما دام أنه اكتسب حقا في إعمالها بالحكم المطعون فيه[14] ).

(ب) قالت محكمة النقض إنها ترى أنه لا مجال لإعمال محكمة ثاني درجة نص المادة ١٧ من قانون العقوبات في حق الطاعن، ولا يقال في هذا الشأن إن سبق إعمال المحكمة الابتدائية تلك المادة في شأنه يتعلق به حقه عند إعادة محاكمته بناء على طعنه حتى لا يضار بطعنه، ذلك أن الحال في الدعوى الماثلة أن الطاعن عوقب بعقوبة أخف من العقوبة المقضي بها عليه بالحكم الابتدائي، ومن ثم فلا يتصور أن عدم إعمال المادة ١٧ سالفة الذكر سيضيره. [15] ).

  ونحن نرى أن تباين الآراء القانونية لدى محكمة النقض في بعض المسائل لا يقتضي بالضرورة حسمه بتوحيد المبدأ؛ إذ يتيح هذا التعدد – خاصة في مسألة تقدير العقوبة - نوعاً من المرونة القضائية التي تمكّن المحاكم من تفريد العقوبة وملاءمتها مع الظروف الملابسة لكل واقعة على حده.


 

الفرع الثاني

أثر الرجعية على أحكام الإدانة الباتة

  تثور الصعوبة إذا كان الحكم الجنائي أصبح باتًا أو بدأ المتهم في تنفيذ العقوبة، فهل يعتبر كأن لم يكن من تلقاء نفسه، أم تلزم إعادة المحاكمة والحكم باعتباره كأن لم يكن؟

   فطبقاً للقواعد العامة في قانون العقوبات، إذا انقضت الدعوى الجنائية بحكم بات، حاز قوة الأمر المقضي وأصبح عنواناً للحقيقة، لا تقبل المجادلة وعنواناً للصحة التي لا تقبل المناقشة. فإن المشرع لم يجز في جميع الأحوال، تطبيق القانون الأصلح الذي يصدر بعد هذا الحكم، بل اشترط لذلك، أن نكون حيال وضع تأباه العدالة بصورة حاسمة، ونوضح ذلك على النحو الآتي ويلزم هنا التفرقة بين الحالات الآتية:

(1) حالة زوال وصف التجريم بحكم المحكمة الدستورية العليا:

 - القاعدة أنه إذا أتى القانون الجديد بسبب يؤدى إلى إسقاط وصف التجريم عن الفعل، إما لتوافر أحد أسباب الإباحة، أو لعدم توافر أحد ركني الجريمة (المادي والمعنوي)، أو لقيام مانع من موانع العقاب. إذ رأى المشرع في هذه الحالة، ضرورة التوفيق بين اعتبار العدالة واعتبار احترام قوة الأمر المقضي. فنص على أنه إذا صدر قانون بعد حكم "نهائي" يجعل الفعل الذي حكم على المجرم بسببه غير معاقب عليه يوقف تنفيذ الحكم وتنتهي آثاره الجنائية (الفقرة الثالثة من المادة (5) عقوبات) [16] ).

  والأمر كذلك في شأن القضاء بعدم دستورية نص جنائي، إذ أورد المشرع بنص الفقرة الرابعة من المادة (49) من قانون المحكمة الدستورية العليا، نصًا خاصًا، يقضى باعتبار الأحكام الصادرة بالإدانة - في تلك الحالة – كأن لم تكن، وهو ما يعنى - على ما جرى به قضاء المحكمة الدستورية العليا – سقوطها بكل آثارها، ولو صار الطعن عليها ممتنعاً لتفارقها قوة الأمر المقضي التي قارنتها، وهي رجعية كاملة أثبتها قانون المحكمة الدستورية العليا لأحكامها الصادرة بإبطال النصوص العقابية، وهي رجعية لا قيد عليها ولا عاصم منها، بل يكون أثرها جارفاً لكل عائق على خلافها، ولو كان حكماً          باتاً. [17] ).

   آلية تنفيذ الحكم بعدم الدستورية في حالة زوال وصف التجريم بحكم المحكمة الدستورية العليا:(النائب العام من تلقاء نفسه)

  يلتزم النائب العام من تلقاء نفسه بوقف تنفيذ العقوبة؛ فقد أوجب المشرع في المادة 49 من قانون المحكمة الدستورية العليا على رئيس هيئة المفوضين بالمحكمة الدستورية العليا، تبليغ النائب العام، فور النطق بالحكم بعدم دستورية نص جنائي، لإجراء مقتضاه، في حين أن الاستفادة من نص الفقرة الثالثة من المادة (5) من قانون العقوبات، لا تتحقق تلقائياً، بل يلزم المحكوم عليه تقديم إشكال لوقف تنفيذ الحكم. ومن جهة أخرى، فإن إعمال هذا الأثر في المجال الجنائي، لا يحده ما يسمى بالقوانين المؤقتة والتي تعد استثناءً على قاعدة رجعية القانون الأصلح للمتهم، كما أن الحكم الصادر بالتعويض الذي استند إليه حكم الإدانة، يزول هو الآخر بأثر رجعى، يستوي في ذلك أن تكون المحكمة الجنائية، هي التي قضت بالتعويض أو تكون المحكمة المدنية، هي التي قضت به استناداً إلى الحكم الجنائي، فإذا كان المشرع قد رتب اعتبار الحكم الجنائي كأن لم يكن، فمن ثم يتعين سريان هذا الأثر على كل حكم بالتعويض ولو صار باتاً.

   ومما لا شك فيه، أن نص المادة (49) من قانون المحكمة الدستورية العليا – ومذكرته الإيضاحية – واضح الدلالة في حالة الحكم بعدم دستورية نص جنائي، من اعتبار الحكم الصادر بالإدانة كأن لم يكن. وهذا التفسير، هو ما يبرر وجود هذا النص. وإلا ما كانت هناك حاجة لوضعه، اكتفاءً بنصوص قانون العقوبات، المتعلقة بالقانون الأصلح للمتهم، وبصفة خاصة، ما ورد بالفقرة الثالثة من المادة (5) قانون العقوبات [18] ).

   ذهبت المحكمة الدستورية العليا إلى الاستمرار في تنفيذ حكمين، وعدم الاعتداد بالأحكام الجنائية الباتة التي صدرت بإدانة المتهمين في تلك الدعاوى، وتساندت إلى نصوص تشريعية جنائية، تحول دون إعمال القاضي لسلطته المقررة بنص المادة (17) من قانون العقوبات بالنزول بالعقوبة، بما يجعل الحكم الصادر منه، بعد إزالة هذا القيد، أقل وطأة، إذ ارتأى استعمال سلطته التقديرية، وشيدت قضاءها، تأسيساً على "أن قانونها - ضمانًا لصون الحرية الشخصية التي كفلها الدستور، واعتبرها من الحقوق الطبيعية التي لا يجوز الإخلال بها عدوانًا - قد نص في المادة (49) منه على أنه إذا كان الحكم بعدم الدستورية متعلقًا بنص جنائي، فإن أحكام الإدانة الصادرة استنادًا إليه تُعتبر كأن لم تكن. وهو ما يعنى سقوطها بكل آثارها ولو صار الطعن فيها ممتنعًا، لتفارقها قوة الأمر المقضي التي قارنتها، وتلك هي الرجعية الكاملة التي أثبتها قانون المحكمة الدستورية العليا لأحكامها الصادرة بإبطال النصوص العقابية، وهي – بعد– رجعية لا قيد عليها ولا عاصم منها، بل يكون أثرها جارفًا لكل عائق على خلافها ولو كان حكمًا باتًّا [19] ).

    كما ذهبت – أيضاً - إلى أن التفسير المنطقي السديد، لما ورد بالمذكرة الإيضاحية لقانون هذه المحكمة؛ بشأن إعمال الأثر الرجعى للحكم الصادر منها بعدم دستورية نص جنائي صدر بالإدانة، واعتباره كأن لم يكن ولو كان باتًّا، ينسحب إلى الأحكام التي تزيل وصف التجريم أو تضيّق من مجاله؛ باعتباره وضعًا تأباه العدالة، إذا ما أسقط الحكم هذا الوصف عن الأفعال التي ارتكبها المتهم، أو عن طريق تعديل تكييفها، أو بتغيير بنيان بعض عناصرها، بما يمحو عقوبتها كلية أو يجعلها أقل وطأة؛ استنادًا إلى أن هذا الحكم يسرى في شأن الأحكام السابقة على صدوره ولو كانت باتة، طبقًا لما أفصحت عنه المذكرة الإيضاحية لقانون المحكمة الدستورية العليا المشار إليه".

وقد أيدت النيابة العامة هذا الاتجاه، في العديد من الكتب الدورية التي أصدرتها على أثر القضاء بعدم دستورية نصوص جنائية، وخلصت فيها، إلى وقف تنفيذ العقوبة، تغليباً لاعتبارات الواقع العملي التي تملى عليها سرعة التصرف في إعمال الأثر المترتب على عدم دستورية النصوص الجنائية، عملاً بنص الفقرة الرابعة من المادة (49) من قانون المحكمة الدستورية العليا، منها على سبيل المثال، ما قرره الكتاب الدوري رقم 9 لسنة 2018 بشأن الحكم الصادر من المحكمة الدستورية العليا بجلسة 13/10/2018 في القضية رقم 17 لسنة 28 قضائية "دستورية" بعدم دستورية القانون رقم 34 لسنة 1984 بتعديل بعض أحكام قانون العقوبات، فيما تضمنه من إضافة المادة (115 مكرراً) من قانون العقوبات، بشأن جريمة تعدى الموظف العام على الأرض الزراعية أو الأرض الفضاء أو مبان مملوكة لوقف خيرى أو لإحدى الجهات المبينة بالمادة (119)، والمادة (372 مكرراً) من ذات القانون بشأن جريمة التعدي على أرض زراعية أو فضاء أو مبان مملوكة للدولة أو لأحد الأشخاص الاعتبارية العامة أو لوقف خيرى أو لأحدى شركات القطاع العام أو لأية جهة أخرى ينص القانون على اعتبار أموالها  من الأموال العامة – وهما من النصوص الجنائية – يترتب عليه – من يوم صدوره – عدم الاستناد إلى النصين المقضى بعدم دستوريتهما في حالة الحكم في أي من الجريمتين المشار إليهما سلفاً. وتطبيقاً لما تقدم، وإعمالاً لنص المادة الخامسة من قانون العقوبات، ندعو السادة أعضاء النيابة العامة إلى مراعاة ما يلى: أولاً:... ثانياً....ثالثاً: إرسال القضايا المحكوم فيها بالإدانة، إذا كان الحكم قد قضى بالعقوبة، مستنداً إلى نص أي من المادتين المشار إليهما فقط - دون غيرهما – إلى المحامي العام للنيابة الكلية، ليأمر بوقف تنفيذ تلك العقوبة.

(2) حالة تخفيف وصف التجريم المترتب على حكم المحكمة الدستورية العليا:

-      نرى في هذه الحالة أيضًا أنه يجوز للمحكوم عليه أن يقدم إشكالًا في تنفيذ الحكم الصادر بإدانته إلى النائب العام، وعلى النائب العام من تلقاء نفسه إعادة تقديمه للمحاكمة مرة أخرى وفقًا للتكييف القانوني الصحيح، وهذا الطريق هو الأصلح للمتهم لأنه يُعطيه فرصة للمحاكمة من جديد أمام كافة درجات التقاضي وفي ضوء الأوصاف الجديدة للاتهام بما من شأنه استبعاد قصد من القصود المشددة أو تخفيف العقوبة أو استعمال الرأفة أو البراءة، ويوافق أيضًا صحيح القانون؛ لأن كافة الأحكام بما فيها الحكم البات صارت كأن لم تكن بقوة حكم المحكمة الدستورية بما يعني سقوطها بكل آثارها؛ لأن تلك الأحكام استندت في الأساس إلى قرارات رئيس هيئة الدواء التي قُضي بعدم دستوريتها؛ وتطبيقًا لذلك قضت المحكمة الدستورية العليا أن الفقرة الرابعة من المادة (49) من قانون المحكمة الدستورية العليا قد أكدت الرجعية الكاملة بالنسبة للأحكام الصادرة بعدم دستورية النصوص الجنائية، وبينت هذه الفقرة الأثر المترتب على القضاء بعدم دستورية نص جنائي، فذهبت إلى إهدار حجية الأحكام الصادرة بالإدانة، واعتبارها كأن لم تكن، حتى ولو كانت باتة، على نحو ما ذهبت إليه المذكرة الإيضاحية لقانون المحكمة الدستورية العليا. ومعنى "كأن لم تكن" يعنى سقوطها بكل آثارها، ولو صار الطعن عليها ممتنعاً لتفارقها قوة الأمر المقضي التي قارنتها، وهي رجعية كاملة أثبتها قانون المحكمة الدستورية العليا لأحكامها الصادرة بإبطال النصوص العقابية، وهي رجعية لا قيد عليها ولا عاصم منها، بل يكون أثرها جارفاً لكل عائق على خلافها، ولو كان حكماً باتاً [20] ). وحيث إن من المقرر - وعلى ما جرى به قضاء المحكمة الدستورية العليا - أن محكمة الموضوع دون غيرها هي التي تتولى بنفسها إعمال آثار الأحكام الصادرة في المسائل الدستورية، ويندرج تحتها رجعيتها محددة نطاقًا على النحو المتقدم، فإن دعوة المحكمة الدستورية العليا إلى إعمال الأثر الرجعى للحكم الصادر عنها تجاوز حدود ولايتها [21] ).  فلو أن المحكوم عليه أقام دعوى أمام المحكمة الدستورية العليا وفي حالة تحقق المصلحة تقضي هذه المحكمة باستمرار تنفيذ حكمها ويتم إعادة نظر الدعاوى الموضوعية، واسترداد محاكم الجنايات أو الجنح بحسب الأحوال سلطتها في هذا الصدد؛ نتيجة الأثر الكاشف لحكم المحكمة الدستورية العليا؛ إعمالاً لأحكام المادة (49) من قانونها المار ذكره. على أن يتم نظر الدعوى في حدود مصلحة المتهم وتقضي بالعقوبة المقررة قانونًا إذا رأت أن تدين المتهم بشرط ألا تقضي المحكمة بعقوبة تجاوز مقدار العقوبة التي سبق القضاء بها.  فالجدير بالذكر أن إقرار المشرع بنص الفقرة الرابعة من المادة (49) من قانون المحكمة الدستورية العليا، اعتبار الحكم الصادر بالإدانة كأن لم يكن، لا يحتاج تدخلاً قضائياً لإقراره، باعتباره أثراً يرتبه القانون، من خلال الإجراءات التي يتخذها النائب العام في هذا الشأن، وتراقب المحكمة الدستورية العليا إعمال هذا الأثر من خلال اختصاصها الموسد إليها، بالفصل في منازعات التنفيذ التي تعترض تنفيذ أحكامها الصادرة في هذا الشأن، على النحو الوارد بالمادة (192) من الدستور، والمادة (50) من قانونها الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979.

وتطبيقًا لذلك وعلى ضوء حكم المحكمة الدستورية محل البحث؛ يجوز – كما سبق القول - للمحكوم عليه أن يقدم إشكالًا في تنفيذ الحكم الصادر بإدانته إلى النائب العام، وعلى النائب العام من تلقاء نفسه إعادة تقديمه للمحاكمة مرة أخرى وفقًا للتكييف القانوني الصحيح، وهذا الطريق هو الأصلح للمتهم لأنه يُعطيه  فرصة للمحاكمة من جديد أمام كافة درجات التقاضي وفي ضوء الأوصاف الجديدة للاتهام بما من شأنه استبعاد قصد من القصود المشددة أو تخفيف العقوبة أو استعمال الرأفة أو البراءة، ويوافق أيضًا صحيح القانون، وحيث إن من المقرر - وعلى ما جرى به قضاء المحكمة الدستورية العليا - أن محكمة الموضوع دون غيرها هي التي تتولى بنفسها إعمال آثار الأحكام الصادرة في المسائل الدستورية، ويندرج تحتها رجعيتها محددة نطاقًا على النحو المتقدم، فإن دعوة المحكمة الدستورية العليا إلى إعمال الأثر الرجعى للحكم الصادر عنها تجاوز حدود ولايتها [22] ).  فلو أن المحكوم عليه أقام دعوى أمام المحكمة الدستورية العليا وفي حالة تحقق المصلحة تقضي المحكمة الدستورية باستمرار تنفيذ حكمها ويتم إعادة نظر الدعاوى الموضوعية، واسترداد محاكم الجنايات أو الجنح بحسب الأحوال سلطتها في هذا الصدد؛ نتيجة الأثر الكاشف لحكم المحكمة الدستورية العليا؛ إعمالاً لأحكام المادة (49) من قانونها المار ذكره.

 والجدير بالذكر أن المحكمة الدستورية قضت بأن "... الحكمان الصادران من المحكمة الدستورية العليا في القضيتين الدستوريتين رقمي 196 لسنة 35 قضائية "دستورية" بجلسة 8/11/2014 و78 لسنة 36 قضائية "دستورية" بجلسة 14/2/2015، ولئن لم يتعرضا – سواء في منطوقيهما أو ما يتصل بهما من أسبابهما اتصالاً حتميًّا – للفصل في دستورية أي من نصوص مواد الاتهام المسندة إلى المدعين في تلك الدعاوى ارتكاب الجرائم الواردة بها، والتي صدر على أساسها الحكم بمعاقبتهم في الأحكام الجنائية التي تم إدانتهم على أساسها، إلا أنهما انتهيا إلى عدم دستورية نص الفقرة الأخيرة من المادة (26) من القانون رقم 394 لسنة 1954 في شأن الأسلحة والذخائر، المستبدلة بالمادة الأولى من المرسوم بقانون رقم 6 لسنة 2012، فيما تضمنه من استثناء تطبيق أحكام المادة (17) من قانون العقوبات، بالنسبة للجرائم المنصوص عليها بالفقرات الثانية والثالثة والرابعة من المادة ذاتها؛ وتبعًا لذلك، ينصرف أثر هذين الحكمين إلى إزالة القيد الوارد على السلطة التقديرية لمحكمة الموضوع بنص الفقرة الأخيرة من المادة (26) المشار إليها، وهو القيد المتمثل في عدم جواز النزول بالعقوبة؛ بما يجعل حكمها – بعد إزالة هذا القيد – أقل وطأة؛ إذا ارتأت استعمال سلطتها التقديرية، طبقًا لنص المادة (17) من قانون العقوبات، ومن ثم تكون الأحكام الجنائية المنازع في تنفيذها، فيما تضمنته من عدم إمكان استعمال تلك السلطة التقديرية، مخالفة لما قضت به المحكمة الدستورية العليا في حكميها المار ذكرهما، وتبعًا لذلك تشكل عقبة عطلت تنفيذ هذين الحكمين؛ مع ما يتعين معه القضاء بإزالتها، وما يترتب على ذلك من آثار، أخصها إعادة نظر الدعاوى الموضوعية، واسترداد محاكم الجنايات سلطتها التقديرية في هذا الصدد؛ نتيجة الأثر الكاشف لحكمي المحكمة الدستورية العليا؛ إعمالاً لأحكام المادة (49) من قانونها على النحو السالف البيان [23] ).

   وقد تعرضت المحكمة الدستورية العليا، في خصوص إعمال أثر الحكمين الدستوريين المار بيانهما، إلى منازعات تنفيذ أخرى، أقيمت بغير سند صحيح، بعضها تعلق بأحكام جنائية باتة، صدرت بعد صدور حكمي المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 196 لسنة 35 قضائية "دستورية"، 78 لسنة 36 قضائية "دستورية"، فالتزمت بحجيتهما، من خلال استعمال الرأفة مع المتهمين، إعمالاً لأحكام المادة (17) من قانون العقوبات بالنزول بالعقوبة المرصودة لجريمة إحراز السلاح، الأمر الذى ارتأت معه المحكمة الدستورية العليا، انتفاء وجه العقبة في تنفيذ حكميها المار ذكرهما [24] ).  والبعض الآخر، تعلق بأحكام جنائية باتة، صدرت في شأن جرائم ارتكبت قبل العمل بالمرسوم بقانون رقم 6 لسنة 2012 بتعديل بعض أحكام القانون رقم 394 لسنة 1954 في شأن الأسلحة والذخائر، والمعمول بأحكامه من اليوم التالي لتاريخ نشره في الجريدة الرسمية، الحاصل بتاريخ 12/1/2012. الذى شدد العقوبات المنصوص عليها في المادة (26) من القانون رقم 394 لسنة 1954 المشار إليه، فيما تضمنه نص فقرتها الأخيرة من استثناء تطبيق أحكام المادة (17) من قانون العقوبات بالنسبة للجرائم المنصوص عليها في باقي فقرات تلك المادة، ومن ثم ارتأت أن هذا المرسوم بقانون، لا يشكل قانوناً أصلح للمدعى، إذ لم تتم محاكمته جنائيًا بمقتضاه وإدانته من محكمة الجنايات، ومن بعدها محكمة النقض، ومن ثم تنعدم الصلة بين الحكم الصادر بإدانة المدعى، والحكمين الصادرين في الدعويين الدستوريتين رقمي 196 لسنة 35 و78 لسنة 36 قضائية، وينتفى معه مناط قبول الدعوى المعروضة [25] ).  

(3) الأحوال التي صدرت فيها أحكامٌ باتة في جرائم مرتبطة يجمعها غرض إجرامي واحد، وكانت جريمة المخدرات ليست هي الجريمة الأشد التي دين بها المحكوم عليه.

   إذا ما حاز الحكم قوة الأمر المقضي وصار باتاً، ثم أعقبه صدور حكم من المحكمة الدستورية يترتب عليه زوال وصف "التجريم" عن جريمة مخدرات أو تخفيف عقوبتها وفقًا لقرارات وزير الصحة السابقة على قرارات رئيس هيئة الدواء، فيمكن القول إنه ليس للمحكوم عليه مصلحة إذا كانت المخدرات هي الأخف وقد دانه الحكم عن جريمة أخرى أشد منها.

وتطبيقًا لذلك، تعرضت المحكمة الدستورية العليا لأحكام جنائية باتة، ارتكبت الجرائم محل التأثيم فيها لغرض إجرامي واحد، مما تعين الحكم باعتبارها جريمة واحدة، والقضاء بعقوبة الجريمة الأشد، عملاً بنص المادة (32/2) من قانون العقوبات، التي تجاوز عقوبة جريمة إحراز أسلحة نارية مششخنة "بنادق آلية"، المعاقب عليها بموجب المادة (26) من القانون رقم 394 لسنة 1954 في شأن الأسلحة والذخائر، المستبدلة بالمادة الأولى من المرسوم بقانون رقم 6 لسنة 2012، إذا ارتأت المحكمة الدستورية العليا، أن مناط التأثيم الذي استندت إليه المحكمة الجنائية، لم يتساند إلى النص المقضي بعدم دستوريته – وحده- مما دعاها إلى الحكم بعدم قبول الدعوى المنظورة أمامها، بحسبان الحكم المنازع في تنفيذه، لا يشكل عقبة في سبيل تنفيذ الحكمين المار بيانهما" [26] ).  

وقد ذهبت محكمة النقض إلى أبعد من ذلك، وقضت بنقض الحكم المطعون فيه والإعادة كي تتاح للطاعن فرصة محاكمته من جديد على ضوء حكم المحكمة الدستورية المشار إليه دون أن يحاج بتطبيق المادة 32 من قانون العقوبات بالنسبة للتهم المسندة إلى الطاعن وإيقاع عقوبة واحدة مقررة لأيهم إذ لا يعرف مبلغ الأثر في توقيع العقوبة في عقيدة المحكمة إعمالاً لهذا النص الذي قضى بعدم دستوريته، باعتبار أن ذلك يشمل الحكم كله.[27] ).


 

الفرع الثالث

سلطة محكمة النقض في الرجوع عن الحكم البات وقبول التماس إعادة النظر

  طلب الرجوع عن الحكم البات الصادر من محكمة النقض هو إجراء استثنائي لتصحيح خطأ إجرائي وقعت فيه المحكمة يهدف لضمان صحة سير العدالة، وغالباً ما يكون لعدم قبول الطعن شكلاً أو سقوطه بناءً على عدم التزام الطاعن بتنفيذ العقوبة، أو اعتقاد المحكمة بعدم تقديم أسباب الطعن، ثم يتبين أنها قُدمت ولكن لم تعرض على المحكمة، أو اعتقاد المحكمة عدم وجود توكيل للمحامي، ثم يتبين وجوده، أو اعتقاد المحكمة أن المحامي لم يوقع الأسباب التي بني عليها الطعن ثم يتبين توقيعه على إحدى صورها، أو أنه غير مقبول أمام محكمة النقض، ثم تبين فيما بعد أنه من المحامين المقبولين أمام هذه المحكمة[28] ).

  إن الأصل في نظام التقاضي أنه متى صدر الحكم في الدعوى خرجت من حوزة المحكمة لاستنفاذها ولايتها القضائية وامتنع عليها العودة إلى نظرها من جديد، أما ما استثنته محكمة النقض - خروجاً على هذا الأصل - من العدول عن بعض أحكامها في خصوص شكل الطعن مراعاة منها لمقتضيات العدالة وحتى لا يُضار الطاعن بسبب لا دخل لإرادته فيه فهو من قبيل الاستثناء الذي يجب قصره في نطاق ما استن من أجله وعدم التوسع فيه وكان قضاء محكمة النقض قد جرى على أنه يشترط كي تعدل المحكمة عن حكم أصدرته أن يكون الحكم فيما قضى به قد قام على عدم استيفاء إجراءات الطعن المقررة قانوناً ثم يثبت - من بعد - أن تلك الإجراءات كافة كانت قد استوفيت بيد أنها لم تعرض كاملة على المحكمة عند نظر الطعن وذلك لأسباب لا دخل لإرادة الطاعن فيها [29] ).

  المستفاد من ذلك، أن الأصل من الناحية القانونية أنه لا سبيل إلى الطعن في أحكام محكمة النقض، وذلك ما لم تتوافر شروط التماس إعادة النظر في حكمها الصادر في الموضوع.

  الجدير بالذكر أن إقرار المشرع بنص الفقرة الرابعة من المادة (49) من قانون المحكمة الدستورية العليا، اعتبار الحكم الصادر بالإدانة كأن لم يكن، لا يحتاج تدخلاً قضائياً لإقراره، باعتباره أثراً يرتبه القانون، من خلال الإجراءات التي يتخذها النائب العام في هذا الشأن، وتراقب المحكمة الدستورية العليا إعمال هذا الأثر من خلال اختصاصها الموسد إليها، بالفصل في منازعات التنفيذ التي تعترض تنفيذ أحكامها الصادرة في هذا الشأن، على النحو الوارد بالمادة (192) من الدستور، والمادة (50) من قانونها الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979.

  وتطبيقًا لذلك وعلى ضوء حكم المحكمة الدستورية محل البحث؛ يجوز للمحكوم عليه في هذه الحالة أن يقدم إشكالًا في تنفيذ الحكم الصادر بإدانته إلى النائب العام، وعلى النائب العام من تلقاء نفسه إعادة تقديمه للمحاكمة مرة أخرى لمحاكمته وفقًا للتكييف القانوني الصحيح، لأننا أمام حكم بعدم دستورية يعود بالأوراق إلى سيرتها الأولى حتى بعد صدور حكم بات فلسنا أمام مجرد قانون أصلح وحيث إن من المقرر - وعلى ما جرى به قضاء المحكمة الدستورية العليا - أن محكمة الموضوع دون غيرها هي التي تتولى بنفسها إعمال آثار الأحكام الصادرة في المسائل الدستورية، ويندرج تحتها رجعيتها محددة نطاقًا على النحو المتقدم، فإن دعوة المحكمة الدستورية العليا إلى إعمال الأثر الرجعى للحكم الصادر عنها تجاوز حدود ولايتها [30] ).  فلو أن المحكوم عليه أقام دعوى أمام المحكمة الدستورية العليا وفي هذه الحالة تقضي هذه المحكمة باستمرار تنفيذ حكمها ويتم إعادة نظر الدعاوى الموضوعية، واسترداد محاكم الجنايات أو الجنح بحسب الأحوال سلطتها في هذا الصدد؛ نتيجة الأثر الكاشف لحكم المحكمة الدستورية العليا؛ إعمالاً لأحكام المادة (49) من قانونها المار ذكره.

وتطبيقًا لذلك، قضت المحكمة الدستورية بأن عدم دستورية نص الفقرة الأخيرة من المادة (26) من القانون رقم 394 لسنة 1954 في شأن الأسلحة والذخائر، المستبدلة بالمادة الأولى من المرسوم بقانون رقم 6 لسنة 2012، فيما تضمنه من استثناء تطبيق أحكام المادة (17) من قانون العقوبات، بالنسبة للجرائم المنصوص عليها بالفقرات الثانية والثالثة والرابعة من المادة ذاتها؛ ينصرف أثره إلى إزالة القيد الوارد على السلطة التقديرية لمحكمة الموضوع بنص الفقرة الأخيرة من المادة (26) المشار إليها، وهو القيد المتمثل في عدم جواز النزول بالعقوبة؛ بما يجعل حكمها – بعد إزالة هذا القيد – أقل وطأة؛ إذا ارتأت استعمال سلطتها التقديرية، طبقًا لنص المادة (17) من قانون العقوبات، ومن ثم تكون الأحكام الجنائية المنازع في تنفيذها، فيما تضمنته من عدم إمكان استعمال تلك السلطة التقديرية، مخالفة لما قضت به المحكمة الدستورية العليا في حكميها المار ذكرهما، وتبعًا لذلك تشكل عقبة عطلت تنفيذ هذين الحكمين؛ مع ما يتعين معه القضاء بإزالتها، وما يترتب على ذلك من آثار، أخصها إعادة نظر الدعاوى الموضوعية، واسترداد محاكم الجنايات سلطتها التقديرية في هذا الصدد؛ نتيجة الأثر الكاشف لحكمي المحكمة الدستورية العليا؛ إعمالاً لأحكام المادة (49) من قانونها على النحو السالف البيان [31] ).

يؤكد رأينا أن المادة 441 من قانون الإجراءات الجنائية قد حددت حالات طلب إعادة النظر بنصها على أنه: "يجوز طلب إعادة النظر في الأحكام النهائية الصادرة بالعقوبة في مواد الجنايات والجنح في الأحوال الآتية: (1) إذا حكم على المتهم في جريمة قتل، ثم وجد المدعى قتله حياً. (2) إذا صدر حكم على شخص من أجل واقعة، ثم صدر حكم على شخص آخر من أجل الواقعة عينها، وكان بين الحكمين تناقض بحيث يستنتج منه براءة أحد المحكوم عليهما. (3) إذا حكم على أحد الشهود أو الخبراء بالعقوبة لشهادة الزور وفقاً لأحكام الباب السادس من الكتاب الثالث من قانون العقوبات، أو إذا حكم بتزوير ورقة قدمت أثناء نظر الدعوى، وكان للشهادة أو تقرير الخبير أو الورقة تأثير في الحكم. (4) إذا كان الحكم مبنياً على حكم صادر من محكمة مدنية أو من إحدى محاكم الأحوال الشخصية وألغى هذا الحكم. (5) إذا حدثت أو ظهرت بعد الحكم وقائع أو إذا قدمت أوراق لم تكن معلومة وقت المحاكمة، وكان من شأن هذه الوقائع أو الأوراق ثبوت براءة المحكوم عليه".

   يبين من النص المار ذكره أن حالة الحكم بعدم الدستورية لا تخضع لنطاق تطبيقه، ذلك أن المادة 441 قد حددت الحالات التي يجوز فيها طلب التماس إعادة النظر وقد ورد هذا التحديد على سبيل الحصر وبالتالي لا يجوز القياس عليها، فإن طلب إعادة النظر لهذا السبب لا يكون مقبولاً [32] ). بالإضافة إلى أن الحالة المنصوص عليها في البند (5) من تلك المادة، والتي يجرى نصها على أنه "إذ حدثت أو ظهرت بعد الحكم وقائع، أو إذ قدمت أوراق لم تكن معلومة وقت المحاكمة، وكان من شأن هذه الوقائع والأوراق ثبوت براءة المحكوم عليه" لا تصلح بذاتها للإعمال على هذه المسألة، باعتبار أن أمر الوقائع المعروضة، يتصل دوماً بالواقع لا بالقانون، فصدور تشريع جديد أصلح للمتهم لا يجوز اعتباره واقعة جديدة[33] ).

   ومن ناحية أخرى فإن الحكم البات صار كأن لم يكن بقوة حكم المحكمة الدستورية لأنه استند في الأساس إلى قرار رئيس هيئة الدواء الذي قُضي بعدم دستوريته؛ فلا محل أصلًا للطعن عليه، ولذات السبب أيضًا لا يجوز تقديم طلب رجوع عن الحكم البات لمحكمة النقض؛ لأنه لا يصح لها أن ترجع عن حكمها الذي أصبح كأن لم يكن بقوة حكم المحكمة الدستورية.

 وتطبيقًا لذلك قضت المحكمة الدستورية العليا أن الفقرة الرابعة من المادة (49) من قانون المحكمة الدستورية العليا قد أكدت الرجعية الكاملة بالنسبة للأحكام الصادرة بعدم دستورية النصوص الجنائية، وبينت هذه الفقرة الأثر المترتب على القضاء بعدم دستورية نص جنائي، فذهبت إلى إهدار حجية الأحكام الصادرة بالإدانة، واعتبارها كأن لم تكن، حتى ولو كانت باتة، على نحو ما ذهبت إليه المذكرة الإيضاحية لقانون المحكمة الدستورية العليا. ومعنى "كأن لم تكن" يعنى سقوطها بكل آثارها، ولو صار الطعن عليها ممتنعاً لتفارقها قوة الأمر المقضي التي قارنتها، وهي رجعية كاملة أثبتها قانون المحكمة الدستورية العليا لأحكامها الصادرة بإبطال النصوص العقابية، وهي رجعية لا قيد عليها ولا عاصم منها، بل يكون أثرها جارفاً لكل عائق على خلافها، ولو كان حكماً باتاً [34] ).

ولكل ما تقدم، نرى أن للمحكوم عليه في حالة صدور حكم بات بإدانته تقديم إشكال في تنفيذه إلى النائب العام، وعلى النائب العام من تلقاء نفسه إعادة تقديمه للمحاكمة مرة أخرى لمحاكمته وفقًا للتكييف القانوني الصحيح، وهذا الطريق هو الأصلح للمتهم لأنه يُعطيه  فرصة للمحاكمة من جديد أمام كافة درجات التقاضي وفي ضوء الأوصاف الجديدة للاتهام بما من شأنه استبعاد قصد من القصود المشددة، أو تخفيف العقوبة أو استعمال الرأفة أو البراءة، ويوافق أيضًا صحيح القانون، ومحكمة الموضوع دون غيرها هي التي تتولى بنفسها إعمال آثار الأحكام الصادرة في المسائل الدستورية، حتى أن دعوة المحكمة الدستورية العليا ذاتها إلى إعمال الأثر الرجعى للحكم الصادر عنها يجاوز حدود ولايتها [35] ).  فلو أن المحكوم عليه أقام دعوى أمام المحكمة الدستورية العليا ففي هذه الحالة تقضي هذه المحكمة باستمرار تنفيذ حكمها ويتم إعادة نظر الدعاوى الموضوعية، واسترداد محاكم الجنايات أو الجنح بحسب الأحوال سلطتها في هذا الصدد؛ نتيجة الأثر الكاشف لحكم المحكمة الدستورية العليا؛ إعمالاً لأحكام المادة (49) من قانونها المار ذكره.

وتطبيقًا لذلك، يبين من حكم المحكمة الدستورية الصادر في الدعوى رقم 25 لسنة 39 قضائية "منازعة تنفيذ" الصادر بجلسة 5/10/2019 أن المدعي أقام دعواه طالبا الحكم: أولًا: بصفة مستعجلة، وقف تنفيذ وعدم الاعتداد بحكم محكمة النقض الصادر بجلسة 9/ 4/ 2012 في الطعن رقم 11362 لسنة 80 قضائية نقض جنائي؛ باعتباره عقبة من عقبات التنفيذ. ثانيا: وفي الموضوع، الحكم بالاستمرار في تنفيذ حكم المحكمة الدستورية العليا الصادر في الدعوى رقم 289 لسنة 24 قضائية "دستورية"، وعدم الاعتداد بحكم محكمة النقض المشار إليه. وقد ورد بحكم الدستورية المشار إليه أنه وبجلسة 9/ 4/ 2012 قضت محكمة النقض بقبول الطعن شكلا وفي الموضوع برفضه. وإذ ارتأى المدعي أن حكم محكمة الجنايات المؤيد بحكم محكمة النقض المار بيانهما يمثلان عقبة في تنفيذ حكم المحكمة الدستورية العليا الصادر بجلسة 5/ 3/ 2016، في الدعوى رقم 289 لسنة 24 قضائية "دستورية"، فقد أقام دعواه المعروضة. وأضاف المدعي أنه تقدم بطلب إعادة النظر في الحكم الصادر في الجناية المار ذكرها، استنادا إلى صدور حكم المحكمة الدستورية العليا المشار إليه، باعتبار أن هذا الحكم من شأنه جعل المحكوم عليه في وضع أفضل، وقُيد الالتماس برقم 842 لسنة 2017 بتاريخ 22/ 1/ 2017 عرائض النائب العام، إلا أنه تم رفض هذا الطلب.

وتطبيقًا لذلك وعلى ضوء حكم المحكمة الدستورية محل البحث؛ للمحكوم عليه في هذه الحالة أن يقدم إشكالًا في تنفيذ الحكم الصادر بإدانته إلى النائب العام، وعلى النائب العام من تلقاء نفسه إعادة تقديمه للمحاكمة مرة أخرى لمحاكمته وفقًا للتكييف القانوني الصحيح، وهذا الطريق هو الأصلح للمتهم لأنه يُعطيه  فرصة للمحاكمة من جديد أمام كافة درجات التقاضي وفي ضوء الأوصاف الجديدة للاتهام بما من شأنه استبعاد قصد من القصود المشددة، أو تخفيف العقوبة أو استعمال الرأفة أو البراءة، ويوافق أيضًا صحيح القانون، لأننا أمام حكم بعدم دستورية يعود بالأوراق إلى سيرتها الأولى حتى بعد صدور حكم بات فلسنا أمام مجرد قانون أصلح، وأربأ بمحكمة النقض أن تتغول على سلطة المشرع وتعدل عن أحكامها بناء على طلب رجوع يقدمه المحكوم عليه أو تنظر التماسًا بعد قضاء المحكمة الدستورية بالمخالفة لنص المادة 441 من قانون الإجراءات الجنائية وتمنح نفسها اختصاصًا لم يخوله لها القانون، وفيه إضرار بالمتهم الذي يجب أن تعاد محاكمته من جديد أمام كافة درجات التقاضي، وذلك كله على النحو المار بيانه تفصيلًا.

ولا ننكر أن البعض يقول بجواز التماس إعادة النظر إلا أنه رأي مرجوح ومُنتقد لتجاوزه نص القانون ووروده على حكم أصبح كأن لم يكن بقوة القانون [36] ).

وعلى أية حال وعلى الرغم من أن الرأي الراجح عندنا: هو عدم جواز اللجوء إلى طريق الرجوع عن حكم محكمة النقض، للأسباب السابق ذكرها،

إلا أننا لا نصادر على بعض الحالات التي تقتضيها العدالة منعًا للدخول في إشكالية إنكار العدالة ويبقى اللجوء إلى هذا الطريق استثناء على حق المتهم في إعادة محاكمته من جديد.

وفي سابقة محل نظر لمحكمة النقض، تخلص وقائعها في أن النيابة العامة اتهمت الطاعن بأنه :

- أحرز سلاحاً نارياً مششخناً لا يجوز الترخيص به " بندقية آلية طراز كلاشينكوف " .

- أحرز بغير ترخيص سلاحاً أبيض " سونكي " بدون مسوغ من الضرورة الشخصية أو الحرفية .

وأحالته إلى محكمة جنايات .... لمعاقبته طبقاً للقيد والوصف الواردين بأمر الإحالة .والمحكمة المذكورة قضت حضورياً عملاً بالمواد ١ / ١ ، ٢٥ مكرراً / ١ ، ٢٦ / ٣ ، ٣٠ / ١ من القانون رقم ٣٩٤ لسنة ١٩٥٤ المعدل بالقانون رقم ١٦٥ لسنة ١٩٨١ والبند رقم ٢ من الجدول الأول والبند ( ب ) من القسم الثاني من الجدول رقم ٣ الملحق بمعاقبته بالسجن المشدد لمدة ثلاث سنوات وتغريمه مبلغ ألف جنيه ومصادرة السلاحين المضبوطين بعد إعمال المادتين ١٧ ، ٣٢ من قانون العقوبات .

فطعن المحكوم عليه والنيابة العامة في هذا الحكم بطريق النقض وقيد بجدول المحكمة برقم .... وقضت محكمة النقض في ٩ من أبريل لسنة ٢٠١٤ أولاً: قبول الطعن المرفوع من المحكوم عليه شكلاً وفي الموضوع برفضه . ثانياً: قبول الطعن المرفوع من النيابة العامة شكلاً وفي الموضوع بتصحيح الحكم المطعون فيه بجعل العقوبة المقيدة للحرية السجن المؤبد بالإضافة إلى عقوبة الغرامة والمصادرة المقضي بهما . وبجلسة ٨ من نوفمبر سنة ٢٠١٤ قضت المحكمة الدستورية العليا في القضية الدستورية رقم ١٩٦ لسنة ٣٥ قضائية بعدم دستورية نص الفقرة الأخيرة من المادة (٢٦) من القانون رقم ٣٩٤ لسنة ١٩٥٤ في شأن الأسلحة والذخائر المستبدلة بالمادة الأولى من المرسوم بقانون رقم ٦ لسنة ٢٠١٢ فيما تضمنه من استثناء تطبيق أحكام المادة (١٧) من قانون العقوبات بالنسبة للجريمتين المنصوص عليهما بالفقرتين الثالثة والرابعة من المادة ذاتها ، وإذ ارتأى الطاعن أن حكم محكمة النقض في الطعن المقيد برقم ٦٧٥٠ لسنة ٨٣ ق يعتبر عقبة أمام تنفيذ حكم المحكمة الدستورية العليا السالف البيان ، فقد أقام دعوى أمام المحكمة الأخيرة قيدت بجداولها برقم ٣٧ لسنة ٣٧ قضائية دستورية " منازعة تنفيذ " قضي بجلسة السابع من مايو سنة ٢٠١٦ بالاستمرار في تنفيذ الحكم الصادر من المحكمة الدستورية العليا بجلسة ٨ من نوفمبر سنة ٢٠١٤ في القضية رقم ١٩٦ لسنة ٣٥ ق " دستورية " وألزمت الحكومة المصروفات ومبلغ مائتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة . ثم أقام المحكوم عليه إشكالين في تنفيذ الحكم القاضي بعقوبة السجن المؤبد قضت فيهما محكمة جنايات .... بجلستي .... ، .... بعدم اختصاصها نوعياً بنظرهما  .فتقدم الطالب بعريضة للمستشار النائب العام قيدت برقم .... طلب فيها إعادة النظر في مقدار العقوبة المقضي بها، قدمتها النيابة العامة لمحكمة جنايات .... وبجلسة .... قضت بعدم اختصاصها نوعياً بنظر الدعوى .فطعن المحكوم عليه في هذا الحكم بطريق النقض. كما عرضت النيابة العامة طلب المحكوم عليه وأوراق القضية على الدائرة .

   وقالت محكمة النقض في أسباب حكمها إن حكم المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم ١٩٦ لسنة ٣٥ قضائية دستورية قد انتهى إلى عدم دستورية نص الفقرة الأخيرة من المادة ٢٦ من القانون رقم ٣٩٤ لسنة ١٩٥٤ في شأن الأسلحة والذخائر المستبدلة بالمادة الأولى من المرسوم بقانون رقم ٦ لسنة ٢٠١٢ فيما تضمنته من استثناء تطبيق أحكام المادة ١٧ من قانون العقوبات بالنسبة للجريمتين المنصوص عليهما بالفقرتين الثالثة والرابعة من المادة ذاتها ، وتبعاً لذلك ينصرف أثر هذا الحكم إلى إزالة القيد الوارد على السلطة التقديرية لمحكمة الموضوع بنص الفقرة الأخيرة من المادة ٢٦ من القانون المشار إليه ، وهو القيد المتمثل في عدم جواز النزول بالعقوبة - بما يجعل حكمها بعد إزالة هذا القيد أقل وطأة - إذا ارتأت استعمال سلطتها التقديرية في النزول بالعقوبة في الحدود المرسومة لها طبقاً لنص المادة ١٧ من قانون العقوبات ، ومن ثم يصير حكم محكمة النقض الصادر في الطعن المشار إليه مخالفاً لما قضت به المحكمة الدستورية العليا في حكمها الصادر بالقضية رقم ١٩٦ لسنة ٣٥ قضائية دستورية ، ومن ثم فإنه يشكل عقبة عطلت تنفيذ الأثر الرجعي لهذا الحكم مما يتعين معه القضاء بإزالتها ، بعد أن تطهّر هذا القيد الذي كانت تفرضه الفقرة الأخيرة من المادة ٢٦ من قانون الأسلحة والذخائر سالفة البيان بالشرعية الدستورية ، وما يترتب على ذلك من إعادة نظر الطعن الماثل ، واسترداد محكمة النقض - من بعد - سلطتها في هذا الصدد، كما يعود لمحكمة الجنايات أيضاً كقضاء موضوع سلطة استعمال الرأفة وفقاً للمادة ١٧ من قانون العقوبات إن ارتأت ذلك ، وهو ما يتحقق به معنى القانون الأصلح للمحكوم عليه بعد استئصال ما عراه من نتوء عدم الدستورية إعمالاً ونتيجة للأثر الكاشف لحكم المحكمة الدستورية العليا وفقاً لأحكام المادة ٤٩ من قانونها والمذكرة الإيضاحية على النحو السالف بيانه، بما مفاده عدم سريان حكم الفقرة الأخيرة من المادة ٢٦ من قانون الأسلحة والذخائر رقم ٣٩٤ لسنة ١٩٥٤ المستبدلة بالمادة الأولى من المرسوم بقانون رقم ٦ لسنة ٢٠١٢ والمقضي بعدم دستوريتها على هذا الطعن الراهن ، ومن ثم يتعين القضاء بالعدول عن الحكم الصادر من محكمة النقض - هذه الدائرة بهيئة مغايرة - بجلسة ٩ / ٤ / ٢٠١٤ فيما قضى به من عقوبة السجن المؤبد وفقاً لما سلف سرده ، والقضاء مجدداً بجعل العقوبة المقيدة للحرية المقضي بها بجلسة ٢٠ / ١٢ / ٢٠١٢ من محكمة جنايات .... هي السجن المشدد لمدة ثلاث سنوات بالإضافة إلى الغرامة وقدرها ألف جنيه والمصادرة المقضي بهما على المحكوم عليه[37] ).

   الملاحظ أن هذا الحكم اعتبر حكمه السابق على حكم الدستورية قائمًا وعدل عنه بوصفه عقبة في تنفيذ حكم الدستورية، وقضى في الدعوى بتخفيف العقوبة باعتبار ذلك قانونًا أصلح؛ إلا أننا نرى أنه كان من المتعين إعادة تقديم المحكوم عليه للمحاكمة من جديد أمام محكمة الموضوع فكان على النائب العام - بدلًا من التماس إعادة النظر - أن يسلك طريق إعادة تقديم المحكوم عليه للمحاكمة مرة أخرى لمحاكمته وفقًا للتكييف القانوني الصحيح، وكان على محكمة النقض ما دام أنها رأت الرجوع عن حكمها أن تعيد القضية لمحكمة الموضوع حتى لو كانت محكمة النقض هي التي شددت العقوبة بناء على طعن النيابة قبل صدور حكم الدستورية، لأن حكم الدستورية يعيد الدعوى لسيرتها الأولى وليس سيرتها الأخيرة، لأننا - كما ذكرنا - أمام حكم بعدم دستورية يعود بالأوراق إلى سيرتها الأولى حتى بعد صدور حكم بات فلسنا أمام مجرد قانون أصلح، فالطريق الأصلح للمتهم هو الذي يُعطيه فرصة للمحاكمة من جديد أمام كافة درجات التقاضي وفي ضوء الأوصاف الجديدة للاتهام بما من شأنه استبعاد قصد من القصود المشددة، أو تخفيف العقوبة أو استعمال الرأفة أو البراءة، ويوافق أيضًا صحيح القانون.

  إن الحكم بعدم دستورية نص جنائي يعود بالأوراق إلى سيرتها الأولى حتى بعد صدور حكم بات، فلسنا أمام مجرد قانون أصلح؛ وفي ذلك قالت المحكمة الدستورية أن نص المادة (49) من قانون المحكمة الدستورية العليا – ومذكرته الإيضاحية – واضح الدلالة في حالة الحكم بعدم دستورية نص جنائي، من اعتبار الحكم الصادر بالإدانة كأن لم يكن. وهذا التفسير، هو ما يبرر وجود هذا النص. وإلا ما كانت هناك حاجة لوضعه، اكتفاءً بنصوص قانون العقوبات، المتعلقة بالقانون الأصلح للمتهم، وبصفة خاصة، ما ورد بالفقرة الثالثة من المادة (5) قانون العقوبات [38] ).

  وعلى أية حال نؤكد أن طريق الرجوع عن الأحكام الباتة هو طريق استثنائي يجب أن تسلكه المحكمة في الحدود التي تخشى فيها من إنكار العدالة أو عدم تحقيقها بما لا يقيد في كل الأحوال حق المتهم في الاستفادة بإعادة محاكمته من جديد في ضوء حكم الدستورية.


المبحث الخامس

قراءة في أسباب حكم المحكمة الدستورية العليا

   بادئ ذي بدء نود الإشارة – كما سبق القول - إلى أن حكم المحكمة الدستورية العليا القاضي بعدم دستورية قرارات رئيس هيئة الدواء بتعديل جداول المخدرات، هو حكمٌ نافذٌ بغير قيد، وواجبُ الاحترام بغير شرط، ويتعين أن تعمل كافة سلطات الدولة بمقتضاه إعلاءً لكلمة القانون، فحسبُ المحكمة الدستورية أنها كانت وما زالت الملاذ الآمن لحماية الحقوق والحريات، والمرتع الخصيب الذي تذود فيه عن مصالح المواطنين وأمن المجتمع.

 إن معالجة الإشكاليات القانونية المترتبة على حكم المحكمة الدستورية العليا - بعدم دستورية قرارات رئيس هيئة الدواء المصرية بتعديل الجداول الملحقة بقانون مكافحة المخدرات - هو الأمر الأهم الذي يشغل الساحة القانونية؛ إلا أن تخصيص هذا المبحث إنما يهدف إلى إثراء الفقه والقضاء وتطوير الملكات القانونية لدى جيل الباحثين وشباب القضاة من خلال قراءة أسباب الحكم. 

  

   لقد استوقفتني عند مطالعة أسباب هذا الحكم ملاحظات أراها تحتمل الصواب بقدر ما تحتمل الخطأ، بيد أني آثرت عرضها إثراء لهذا البحث واستكمالاً لجوانبه. وإنني إذ أبدي قراءة أسباب الحكم، فإنما أسوقها على استحياء في حضرة قضاء هذه المحكمة التليدة، إجلالاً لمكانتها وتقديراً لسمو أحكامها؛ وقد ثار في ذهني ما يأتي:

باستقراء المادة (1) من قانون الأسلحة والذخائر تبين أنها تنص على أن "ولوزير الداخلية بقرار منه تعديل الجداول الملحقة بهذا القانون بالإضافة أو الحذف...." بينما تنص المادة (32) من قانون مكافحة المخدرات على أنه "للوزير المختص بقرار يصدره أن يعدل في الجداول الملحقة بهذا القانون بالحذف وبالإضافة أو بتغيير النسب الواردة فيها".

  يثار في ذهني أن "عبارة الوزير المختص" الواردة في قانون المخدرات تحمل في طياتها فلسفة قانونية عميقة تتجاوز مجرد التنظيم الإداري، فهي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمبادئ دستورية تتعلق بالاستقرار التشريعي والتوازن بين السلطات وفقًا للمادة (5) من الدستور التي تنص على أن يقوم النظام السياسي على أساس الفصل بين السلطات والتوازن بينها.

‎‎إن استخدام هذه العبارة وما شابهها هو أداة لتحقيق الاستقرار التشريعي. فالدولة المصرية تمر بتغييرات هيكلية "دمج وزارات أو فصلها، أو إلغاؤها" لو سمى المشرع الوزير باسمه "مثلاً: وزير الصحة" سيضطر لتعديل القانون في كل مرة يتغير فيها مسمى الوزارة، مما يزعزع ثبات النصوص، فاستخدام "الوزير المختص" يجعل النص صالحاً للبقاء مع تغير الهياكل الإدارية، مما يحافظ على استقرار المراكز القانونية.

  ومما تقدم ويستوجب الوقوف عنده بالتحليل، هو أن المشرع في قانون مكافحة المخدرات قد اعتمد صياغة مرنة ومقصودة؛ إذ أسند الاختصاص بتعديل الجداول إلى «الوزير المختص» دون التقيد بمسمى وظيفي جامد، وهي صياغة توخى بها المشرع مطاوعة المتغيرات الإدارية من دمج للوزارات، أو تغيير لمسمياتها، أو نقل لاختصاصاتها ضماناً لاستقرار المراكز القانونية وثبات الأداة التشريعية. وهذا النهج هو ما استقر عليه المسلك التشريعي الحديث عبر استخدام عبارات «الوزير المختص» أو «المعني» لتفادي الجمود الإداري.

  والمستفاد مما تقدم أن تحديد الوزير المختص ليس لصيقًا بصفة وزارية محددة، وإنما بالتنظيم التشريعي للاختصاصات العلمية والفنية ذات الصلة بالجداول المرفقة بقانون مكافحة المخدرات، ولا يمكن حسم ذلك دائمًا بوزير محدد قد يصبح غير مختص بذلك في مرحلة زمنية معينة.

  ويزداد هذا الطرح جلاءً عند عقد مقارنة تحليلية بين مسلك المشرع في قانون الأسلحة والذخائر وبين مسلكه في قانون المخدرات؛ فبالرغم من أسبقية الأول، إلا أن المشرع نص فيه صراحةً في المادة (1) على اختصاص «وزير الداخلية» بالذات بتعديل جداول الأسلحة، بينما عدل عن هذا التحديد في المادة (32) من قانون المخدرات مكتفياً بعبارة «الوزير المختص» بتعديل الجداول المخدرة. فهذه المغايرة في الصياغة ليست لغواً، بل هي قرينة قاطعة على أن إرادة المشرع قد انصرفت إلى جعل الاختصاص يدور وجوداً وعدماً مع طبيعة الاختصاص الفني، وهو ما آل حتماً وبموجب قانون إنشاء هيئة الدواء (رقم 151 لسنة 2019) إلى رئيس الهيئة بصفته الوزير المختص فنياً بهذا الشأن.

وقد اتضح لي - من قراءتي هذه - أن ممارسة رئيس هيئة الدواء لهذا الاختصاص لم تشكل افتئاتاً، ولم تنطوِ بأي حال على مخالفة لمبدأ الفصل بين السلطات، بل كانت إنفاذاً صحيحاً لإرادة المشرع التي ارتأت نقل الاختصاص الفني لجهة الإدارة الجديدة.

واللافت لنظري أن المحكمة الدستورية في تبريرها بأن القانون حدد الوزير المختص قالت "وحيث إنه في شأن الاختصاص بتعديل الجداول الملحقة بقانون مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها المنصوص عليه في المادة (٣٢) من القانون المار ذكره، فقد سبق لهذه المحكمة - قبل العمل بقانون إنشاء الهيئة المصرية للشراء الموحد والإمداد والتموين الطبي وإدارة التكنولوجيا الطبية وهيئة الدواء المصرية، الصادر بالقانون رقم ١٥١ لسنة ٢٠١٩ - أن فصلت في هذه المسألة بحكمها الصادر بجلسة ٩ مايو سنة ١٩٨١ في الدعوى رقم ١٥ لسنة ١ قضائية "دستورية"، وعينت المقصود بالوزير المختص، في الشأن السالف ذكره، بأنه وزير الصحة، دون غيره من الوزراء المكلفين بتنفيذ أحكام قانون مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها - كل فيما يخصه - على نحو سايرته المذكرة الإيضاحية للقانون رقم ١٣٤ لسنة ٢٠١٩ بتعديل بعض أحكام القانون رقم ١٨٢ لسنة ١٩٦٠، من أن وزير الصحة والسكان هو المنوط به إصدار القرار الذي يبين الضوابط والمعايير المتعلقة بتحديد الجواهر المخدرة التخليقية." 

هذا السبب من المحكمة الدستورية استوقفني عند المسائل الآتية:

-      إن استناد المحكمة إلى حكم آخر صدر منها في القضية رقم 15 لسنة 1 قضائية "دستورية" لإثبات اختصاص وزير الصحة دون غيره، يستوجب قراءة تحليلية مغايرة تتماشى مع غاية المشرع والتطور التشريعي، وذلك من خلال المحاور الآتية:

-      أرى أن حكم المحكمة الدستورية الذي استند إليه الحكم محل البحث المشارـ لم يهدف إلى حصر الاختصاص في شخص "وزير الصحة" لذاته بصفة أبدية، بل جاء في سياق الطعن على عدم اختصاص الوزير أصلًا بتعديل الجداول وأنه ينبغي أن ينعقد للمشرع وحده. ولما كان وزير الصحة هو المنوط به هذا الدور واقعاً وقانوناً في ظل عدم وجود هيئة الدواء المصرية وقتئذ، فقد اتجه الحكم لتعيينه.

-      المحكمة الدستورية العليا تُمارس دوراً رقابياً وتفسيرياً، وقيامها بتعيين وزير الصحة ليكون مختصًا قد يكون فيه استحداث لأحكام تشريعية جديدة وإضافة لنصوص لم يأتِ بها المشرع، إذ قد يُعد ذلك دخولًا في اختصاص السلطة التشريعية المنوط بها وحدها تحديد الجهة المختصة.

-      القانون رقم 134 لسنة 2019 (الذي أشار لوزير الصحة في مذكرته الإيضاحية) صدر سابقاً على قانون إنشاء هيئة الدواء المصرية رقم 151 لسنة 2019. والأخير هو النص "اللاحق" الذي نقل الاختصاصات الفنية والرقابية للهيئة، مما يجعل التمسك بنص سابق على نشوء الهيئة استدلالاً غير ملائم.

-      وفقاً للسوابق التشريعية المستقرة، يجب أن يتم تعريف "الوزير المختص" صراحةً في صلب القانون (المادة الأولى أو مادة التعريفات)، ولا يجوز بأي حال من الأحوال أن تستأثر المذكرة الإيضاحية بإنشاء تفويض تشريعي أو إضافة حكم جديد، إذ يقتصر دورها على التفسير والبيان لا التأسيس والإلزام. مثال ذلك: المادة (1) من قانون الأسلحة والذخائر تبين أنها تنص على أن "ولوزير الداخلية بقرار منه تعديل الجداول الملحقة بهذا القانون بالإضافة أو الحذف...." وأما في غير ذلك من التشريعات نجد أن المشرع إذا أراد أن يحدد الوزير المختص فإنه يحدده في مادة التعريفات في القانون وليس في المذكرة الإيضاحية، فالمستقر عليه تشريعًا وقضاءً وفقهًا [39]) أن المذكرات الإيضاحية لا تعبر إلا عن رأي مقترح التشريع عند تقديم المشروع ولا تراعي ما طرأ على صياغة المشروع من تعديلات عند إصداره[40] )، فليس غريبًا أن يحدد واضع مشروع القانون في مذكرته الإيضاحية وزيرًا معينًا ثم يأتي المشرع في القانون ويكتفي بعبارة الوزير المختص ليعطي مرونة للنص لمواجهة تغيرات النظام الإداري. ومن ثم فالرجوع إلى المذكرات الإيضاحية والمناقشات التي دارت عند إعداد مشروع النصوص وصياغته، يجب أن يتم بحذر حتى لا يلتقط منها المفسر رأيًا شخصيًا لواضع المذكرة الإيضاحية. مفاد ذلك ألا يلتزم المفسر بما ورد في هذه الأعمال التحضيرية إلا إذا ثبت في يقينه أن ما ورد فيها يتفق مع صياغة النص والغرض منه شريطة أن يكون النص غامضًا أو فيه لبس، فإذا كان واضحًا صريحًا مطلقًا فلا سبيل إلى تخصيصه وتقيد إطلاقه بالرجوع إلى المذكرة الإيضاحية. فالمذكرات الإيضاحية لا تعبر إلا عن رأي مقترح التشريع عند تقديم المشروع ولا تراعي ما طرأ على صياغة المشروع من تعديلات عند إصداره وأنها مجرد عبارات تنطوي على تكرار للنصوص، فمن الطبيعي – كما سبق القول - أن يحدد واضع المشروع في مذكرته الإيضاحية وزيرًا معينًا ثم يأتي المشرع في القانون ويكتفي بعبارة الوزير المختص ليعطي مرونة للنص لمواجهة تغيرات النظام الإداري؛ وإلا فما الذي أعجز المشرع عن تحديد وزير بعينه في قانون المخدرات مثلما يفعل في تشريعات عديدة مثل قانون السلاح مثلًا على النحو المار ذكره.

  وقُضي بأنه إذا كان النص جلي المعنى قاطعًا في الدلالة على المراد منه، فلا محل للخروج عليه أو تأويله استهداء بالمراحل التشريعية التي سبقته أو الحكمة التي أملته أو ما تضمنته المذكرة الإيضاحية من بيانات لا تتفق وصريح عبارة النص. [41] ).

فإذا ما رجع إلى المذكرة الإيضاحية فيكون ذلك على سبيل الاستهداء بما تضمنته من بيانات فحسب،[42] ). على ألا تكون هذه البيانات غير متفقة وصريح عبارة النص. [43] ).

وقد قُضي في هذا الشأن أنه عند تفسير النصوص القانونية " .. لا يجوز للقاضي الرجوع إلى المذكرة الإيضاحية إلا عند غموضها ودون أن يستنبط منها حكماً أتت به ولم يأت به النص إذ يعد ذلك استحداثًا لحكم مغاير له لأن المشرع يُعنى بمناقشة النصوص التشريعية ذاتها أما المذكرات الإيضاحية فلا تكون في العادة محلًا للنقاش. [44] ).

تطبيقًُا عمليًا: المذكرة الإيضاحية لقانون المجالس الحسبية الصادر في ١٣ من أكتوبر / تشرين الأول سنة ١٩٢٥م والذي رفع سن الرشد من ثماني عشرة سنة إلى إحدى وعشرين سنة. فقد أشار واضع المذكرة الإيضاحية إلى أن «الحكم المشار إليه لا ينطبق على الذين يكونون قبل العمل بالقانون الجديد قد بلغوا سن الثماني عشرة سنة المحددة لانتهاء الوصاية بمقتضى القانون القديم»، وأضاف في عبارات قاطعة «هؤلاء الأشخاص يعتبرون راشدين ولا يسوغ إرجاعهم تحت الوصاية». مع ذلك فلم يتردد الفقه والقضاء في القول بإن هذا الرأي رأي شخصي واتفقا على أن يطبق تطبيقًا فوريًا مباشرًا على كل من يبلغ الحادية والعشرين وقت نفاذه، واعتبروا من بلغ سن الثامنة عشرة في ظل القانون القديم ولم يكمل الحادية والعشرين عند نفاذ القانون الجديد قاصرًا [45] ).

  الخلاصة أن الأعمال التحضيرية ليست لها قيمة التفسير التشريعي، وأن إصرار المشرع على عبارة "الوزير المختص" في قانون المخدرات وتعديلاته، مع صدور قانون هيئة الدواء اللاحق، يوجب نقل الاختصاص لآلية العمل الجديدة التي قررها المشرع في القانون 151 لسنة 2019، ولا يمكن للمذكرة الإيضاحية لقانون سابق أن تُعطل إرادة المشرع الصريحة في إعادة تنظيم القطاع الطبي والدوائي. فالمشرع في قانون مكافحة المخدرات رقم ١٨٢ لسنة ١٩٦٠ وفي القانون رقم ١٣٤ لسنة ٢٠١٩ بتعديل بعض أحكامه قد اعتمد صياغة مرنة ومقصودة؛ إذ أسند الاختصاص بتعديل الجداول إلى «الوزير المختص» دون التقيد بمسمى وظيفي جامد، وهي صياغة توخى بها المشرع مطاوعة المتغيرات الإدارية من دمج للوزارات، أو تغيير لمسمياتها، أو نقل لاختصاصاتها ضماناً لاستقرار المراكز القانونية وثبات الأداة التشريعية. وهذا النهج هو ما استقر عليه المسلك التشريعي الحديث عبر استخدام عبارات «الوزير المختص» أو «المعني» لتفادي الجمود الإداري. وأن تحديد الوزير المختص ليس لصيقًا بصفة وزارية محددة، وإنما بالتنظيم التشريعي للاختصاصات العلمية والفنية ذات الصلة بالجداول المرفقة بقانون مكافحة المخدرات، ولا يمكن حسم ذلك دائمًا بوزير محدد قد يصبح غير مختص بذلك في مرحلة زمنية معينة.

- أرى أن نطاق الرقابة على الدستورية منبت الصلة عن مسألة الملاءمة التشريعية، وهي مسألة يستأثر بها المشرع وحده دون معقب. فبينما قيد المشرع نفسه في قانون الأسلحة والذخائر بتحديد وزير بعينه، آثر في قانون المخدرات استخدام عبارة "الوزير المختص"، وهو عدول تشريعي مقصود يندرج ضمن سلطة المشرع التقديرية في اختيار الأنسب للسياسة الجنائية. وحيث إن دور المحكمة الدستورية العليا يقتصر على التثبت من عدم مخالفة النص لأحكام الدستور، فإن تصديها لتقييم خيارات المشرع الموضوعية يثير إشكالية قانونية في ذهني.

 

 

 

ما يؤيد قراءتنا لحكم المحكمة الدستورية العليا

فتوى الجمعية العامة لقسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولة

 فقد ورد إلى السيد الأستاذ المستشار/ رئيس مجلس الدولة، كتاب رئيس هيئة الدواء المصرية بالإفادة بالرأي بخصوص تحديد الوزير المختص بتعديل الجداول الملحقة بالقانون رقم (١٨٢) لسنة ١٩٦٠ في شأن مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها وفقًا للمادة (٣٢) منه، وذلك بعد إنشاء هيئة الدواء المصرية بالقانون رقم (١٥١) لسنة ٢٠١٩، وما إذا كان رئيس مجلس إدارة تلك الهيئة قد صار هو المنوط به القيام بهذا الدور من عدمه.

واستُهِلَّت الفتوى بالإشارة إلى صدور القانون رقم (١٥١) لسنة ٢٠١٩ متضمنًا إنشاء هيئة الدواء المصرية، وبموجب هذا القانون حلّت تلك الهيئة محل وزارة الصحة والسكان، كما حلّ رئيس مجلس إدارتها محل وزير الصحة والسكان، وذلك في الاختصاصات المنصوص عليها في القانون رقم (١٢٧) لسنة ١٩٥٥ في شأن مزاولة مهنة الصيدلة المتعلقة بتنظيم تسجيل وتداول ورقابة المستحضرات والمستلزمات الخاضعة لأحكام هذا القانون، كما ناط بها قانون إنشائها المشار إليه - دون غيرها - تَولِّي الاختصاصات المقررة لوزارة لصحة والسكان والهيئات العامة والمصالح الحكومية فيما يخص تنظيم تسجيل وتداول ورقابة المستحضرات الوارد تعريفها في المادة (١) من هذا القانون والمواد الخام التي تدخل في تصنيعها أينما وردت في القوانين ذات الصلة واللوائح والقرارات التنظيمية. وأن المادة (١) من القانون رقم (١٨٢) لسنة ١٩٦٠ في شأن مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها، قد اعتبرت جواهر مخدرة في تطبيق أحكام هذا القانون المواد المبينة في الجدول رقم (١) الملحق به، كما اعتبرت المادة (١ مكررًا) من هذا القانون والمضافة بالقانون رقم (١٣٤) لسنة ٢٠١٩ في حكم الجواهر المخدرة، المواد المُخلقة المبينة في ذات الجدول وناطت المادة (٣٢) من هذا القانون بالوزير المختص تعديل الجداول الملحقة بهذا القانون بالحذف أو الإضافة أو بتغيير النسب الواردة فيها. وقد أصدر رئيس مجلس إدارة هيئة الدواء المصرية بالفعل القرار رقم (٤) لسنة ٢٠٢٠ بإضافة بعض المواد المخدرة إلى الجدول رقم (١) الملحق بالقانون رقم (١٨٢) لسنة ١٩٦٠. إلا أنه نشب خلاف بين الهيئة ووزارة الصحة والسكان خلال الاجتماع المعقود بإدارة مكافحة المخدرات بوزارة الداخلية حول تحديد الوزير المختص بتعديل الجداول الملحقة بالقانون رقم (١٨٢) لسنة ١٩٦٠، وذلك بمناسبة مناقشة إدراج مادة أحادي أسيتيل المورفين في تلك الجداول.

  وأفادت الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بأن المادة (١) من القرار بقانون رقم (١٨٢) لسنة ١٩٦٠ في شأن مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها تنص على أن: "تعتبر جواهر مخدرة في تطبيق أحكام هذا القانون المواد المبينة في الجدول رقم (١) الملحق به..."، وأن المادة (١ مكررًا) منه المضافة بالقانون رقم (١٣٤) لسنة ٢٠١٩ تنص على أن: "تعتبر في حكم الجواهر المخدرة في تطبيق أحكام هذا القانون المواد المخلقة المبينة في الجدول رقم (١) الملحق به..."، وأن المادة (٣) منه تنص على أنه: 'لا يجوز جلب الجواهر المخدرة أو تصديرها ألا بمقتضى ترخيص كتابي من الجهة الإدارية المختصة"، وأن المادة (٧) منه تنص على أنه: "لا يجوز الاتجار في الجواهر المخدرة إلا بعد الحصول على ترخيص بذلك من الجهة الإدارية المختصة..."، وأن المادة (١٤) منه تنص على أنه: "لا يجوز للصيادلة أن يصرفوا جواهر مخدرة إلا بتذكرة طبية من طبيب بشرى أو طبيب أسنان... أو بموجب بطاقة رخصة ووفقًا للأحكام التالية..."، وأن المادة (٢٦) منه تنص على أنه: "لا يجوز في مصانع المستحضرات الطبية صنع مستحضرات يدخل في تركيبها جواهر مخدرة إلا بعد الحصول على الترخيص المنصوص عليه في المادة (٧)..."، وأن المادة (٣٢) منه تنص على أن: للوزير المختص بقرار يصدره أن يعدل في الجداول الملحقة بهذا القانون بالحذف وبالإضافة أو بتغيير النسب الواردة فيها".

  كما تبين للجمعية العمومية أن المادة (الثانية) من القانون رقم (١٥١) لسنة ٢٠١٩ بإصدار قانون إنشاء لهيئة المصرية للشراء الموحد والإمداد والتموين الطبي وإدارة التكنولوجيا الطبية وهيئة الدواء المصرية تنص على أنه: "... كما تحل هيئة الدواء المصرية محل وزارة الصحة والسكان، ويحل رئيس مجلس إدارتها محل وزير الصحة والسكان، وذلك في الاختصاصات المنصوص عليها في القانون رقم ١٢٧ لسنة ١٩٥٥ في شأن مزاولة مهنة الصيدلة المتعلقة بتنظيم تسجيل وتداول ورقابة المستحضرات والمستلزمات الخاضعة لأحكام هذا لقانون..."، وأن المادة (الثالثة) منه تنص على أن: "ينقل إلى هيئة الدواء المصرية العاملون بالوزارات والهيئات العامة والمصالح الحكومية ووحدات الإدارة المحلية وغيرها من الجهات المختصة بالرقابة على المستحضرات والمستلزمات الطبية الخاضعة لأحكام هذا القانون والقانون المرافق له الذين يصدر بتحديدهم قرار من رئيس لجلس الوزراء بناءً على عرض رئيس مجلس إدارة الهيئة...". وأن المادة (١) من قانون إنشاء الهيئة المصرية الشراء الموحد والإمداد والتموين الطبي وإدارة التكنولوجيا الطبية وهيئة الدواء المصرية المشار إليه تنص على أن: "يقصد في تطبيق أحكام هذا القانون بالكلمات والعبارات التالية المعنى المبين قرين كل منها: 1-....

٢- المستحضرات الطبية: كل منتج أو مستحضر يحتوي على أي مادة أو مجموعة من المواد يستخدم بغرض العلاج أو الوقاية أو التشخيص في الإنسان أو الحيوان أو يوصف بأن له أثرًا طبيًّا آخر ...

٦- المواد الخام: المواد الفعالة أو غير الفعالة التي تستخدم في تصنيع المستحضرات والمستلزمات الطبية الخاضعة لأحكام هذا القانون... ١١- تداول المستحضرات والمستلزمات الطبية: أي عملية أو أكثر من عمليات إنتاج المستحضرات والمستلزمات الطبية الخاضعة لأحكام هذا القانون أو توزيعها أو حيازتها أو طرحها أو عرضها للبيع أو التخزين أو الاستخدام... أو الاستيراد أو التصدير..."، وأن المادة (١٤) منه تنص على أن: "تنشأ هيئة عامة خدمية تسمى "هيئة الدواء المصرية"، تكون لها الشخصية الاعتبارية، تتبع رئيس مجلس الوزراء،.."، وأن المادة (١٥) منه تنص على أن: "تتولى هيئة الدواء المصرية، دون غيرها، الاختصاصات المقررة لوزارة الصحة والسكان والهيئات العامة والمصالح الحكومية فيما يخص تنظيم تسجيل وتداول ورقابة المستحضرات الوارد تعريفها في المادة (١) من هذا القانون، والمواد الخام التي تدخل في تصنيعها أينما وردت في القوانين ذات الصلة واللوائح والقرارات التنظيمية..."، وأن المادة (١٨) منه تنص على أن: "يكون لهيئة الدواء المصرية مجلس إدارة برئاسة رئيس الهيئة يعين بدرجة وزير..."، وأن المادة (٢٣) منه تنص على أن: "تُحصل الهيئة جميع الرسوم المقررة نظير نشاطاتها بمراعاة الحدود القصوى الواردة بجداول الرسوم الملحقة بهذا القانون نقدًا أو بأي وسيلة دفع أخرى...". وقد ورد بجدول الرسوم الملحق بهذا القانون النص على حد أقصى مبلغ ألفى جنيه نظير الموافقة الاستيرادية للمخدرات زائد إذن الجلب.

  واستظهرت الجمعية العمومية من استقراء مواد قانون مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها السالفة الإشارة إليها، أن المشرع بهذا القانون بعد أن حدّد المقصود بالجواهر المخدرة في تطبيق أحكامه بأنها تلك المواد المبينة في الجدول رقم (١) الملحق به واعتبر في حكم الجواهر المخدرة المواد المُخلقة المبينة في ذات الجدول، تناول بالتنظيم جلب وتصدير الجواهر المخدرة والاتجار فيها وصنع المستحضرات الطبية المحتوية عليها، فلم يجز أيًّا من ذلك إلا بعد الحصول على ترخيص في ذلك وفقًا لأحكام هذا القانون، كما تناول بالتنظيم صرف الجواهر المخدرة من الصيادلة للمرضى، فنص على صرفها بتذكرة طبية من طبيب وفقًا لأحكام هذا القانون. ثم تناول بالتنظيم العقوبات المقررة في حالة جلب أو تصدير جوهر مخدر قبل الحصول على الترخيص المشار إليه أو حيازة أو إحراز أو شراء أو بيع جوهر مخدر في غير الأحوال المصرح بها قانونًا، وذلك كله على النحو المبين تفصيلًا بهذا القانون. وناط المشرع في المادة (٣٢) من هذا القانون بالوزير المختص تعديل الجداول المُلحقة بهذا القانون - ومن بينها الجدول رقم (١) "المواد المعتبرة مخدرة"- بالحذف وبالإضافة أو بتغيير النسب الواردة فيها، وقام وزير الصحة بممارسة هذا الاختصاص باعتباره الوزير المختص منذ صدور هذا القانون حتى عام ٢٠١٩.

  واستظهرت الجمعية العمومية مما تقدم أن المشرع بالقانون رقم (١٥١) لسنة ٢٠١٩ بإصدار قانون إنشاء الهيئة المصرية للشراء الموحد والإمداد والتموين الطبي وإدارة التكنولوجيا الطبية وهيئة الدواء المصرية والقانون المرافق له، قد أنشأ هيئة عامة خدمية لها الشخصية الاعتبارية تسمى (هيئة الدواء المصرية) وقرر تبعيتها لرئيس مجلس الوزراء، وأن يكون لها مجلس إدارة برئاسة رئيس الهيئة يعين بدرجة وزير، وأن يُنقل إليها العاملون بالوزارات والهيئات العامة والمصالح الحكومية ووحدات الإدارة المحلية وغيرها من الجهات المختصة بالرقابة على المستحضرات والمستلزمات الطبية الخاضعة لأحكام هذا القانون الذين يصدر بتحديدهم قرار من رئيس مجلس الوزراء بناء على عرض رئيس مجلس إدارة تلك الهيئة، كما قرر المشرع حلول تلك الهيئة محل وزارة الصحة والسكان وحلول رئيس مجلس إدارتها محل وزير الصحة والسكان، وذلك في الاختصاصات المنصوص عليها في القانون رقم (١٢٧) لسنة ١٩٥٥ في شأن مزاولة مهنة الصيدلة المتعلقة بتنظيم تسجيل وتداول ورقابة المستحضرات والمستلزمات الخاضعة لأحكام هذا القانون. كما قرر تَولِّي تلك الهيئة - دون غيرها - الاختصاصات المقررة لوزارة الصحة والسكان والهيئات العامة والمصالح الحكومية فيما يخص تنظيم تسجيل وتداول ورقابة المستحضرات الوارد تعريفها بالمادة (١) من هذا القانون - ومن بينها المستحضرات الطبية - والمواد الخام التي تدخل في تصنيعها أينما وردت في القوانين ذات الصلة واللوائح والقرارات التنظيمية. الأمر الذي يستفاد منه أن المشرع بموجب هذا القانون قد أحال إلى هيئة الدواء المصرية جميع الاختصاصات المقررة لوزارة الصحة والسكان فيما يتعلق بتنظيم تسجيل وتداول ورقابة المستحضرات الطبية والمواد الخام الداخلة في تصنيعها أينما وردت في القوانين ذات الصلة على نحو يشمل تلك الاختصاصات المتعلقة بتنظيم تداول ورقابة تلك المواد المخدرة التي تندرج ضمن المستحضرات الطبية والمواد الخام الداخلة في تصنيعها بمفهومهما الوارد بالمادة (١) من هذا القانون، وهو ما يؤيده إدراج المشرع للرسوم الخاصة بالموافقة الاستيرادية المخدرات وإذن الجلب ضمن الرسوم التي تحصلها تلك الهيئة نظير نشاطاتها.

  وانتهت الجمعية العمومية إلى أن انتقال تلك الاختصاصات الأخيرة إلى هذه الهيئة وصيرورتها الجهة الإدارية المختصة ذات الخبرة الغنية في هذا الشأن، يغدو لا مناص - في ضوء كافة ما تقدم - من اعتبار رئيس مجلس إدارة تلك الهيئة هو الوزير المختص في تطبيق نص المادة (٣٢) من قانون مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها السالفة الإشارة إليه، فيما يتعلق بتعديل جدول المواد المعتبرة مخدرة الملحق بهذا القانون الأخير. لذلك انتهت الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع إلى اعتبار رئيس مجلس إدارة هيئة الدواء المصرية هو الوزير المختص في تطبيق نص المادة (٣٢) من القرار بقانون رقم (١٨٢) لسنة ١٩٦٠ في شأن مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها [46] ).

يؤيد قراءتنا أيضًا: تقرير هيئة المفوضين بالمحكمة الدستورية العليا[47]).

اتجه تقرير هيئة المفوضين إلى أن الاختصاص الفني بكل ما يتعلق بالمستحضرات الطبية والمواد الخام التي تدخل في تصنيعها، وتعديل الجداول المرافقة لقانون مكافحة المخدرات، قد انتقلت إلى رئيس مجلس إدارة هيئة الدواء المصرية، الذي أصبح الوزير المختص بتعديل تلك الجداول، بدلًا من وزير الصحة.

وأضاف التقرير أن اختصاص رئيس هيئة الدواء بذلك يتفق مع قصد المشرع من إنشاء الهيئة، وهيمنتها على كل ما يتعلق بتنظيم وتسجيل وتداول ورقابة المستحضرات الطبية والمواد الخام ومنها المواد المخدرة، موصيًا برفض الدعوى، وتأييد اختصاص رئيس هيئة الدواء بتعديل جداول المخدرات.

وذكر التقرير أن اللائحة التنفيذية لقانون الهيئة الصادرة بقرار رئيس الوزراء رقم 277 لسنة 2020 أدركت هدف التشريع بهيمنة الهيئة على تلك المسائل كافة، ففصلّت ذلك بدقة في المادة 13 فنصت على أن "تحل هيئة الدواء المصرية محل وزارة الصحة والسكان، ويحل رئيس مجلس إدارتها محل وزير الصحة والسكان، وذلك في جميع الاختصاصات المنصوص عليها في قانون مهنة الصيدلة رقم 127 لسنة 1955 بتنظيم تسجيل وتسعير وتداول ورقابة المستحضرات والمستلزمات الخاضعة لأحكام القانون والمواد التي تدخل في تصنيعها، أينما وردت في القانون والقوانين واللوائح والقرارات التنظيمية ذات الصلة، وتباشر الهيئة دون غيرها جميع الاختصاصات التنظيمية والتنفيذية والرقابية اللازمة لتحقيق تلك الأغراض، والأهداف المطلب تحقيقها طبقا للمعايير الدولية للهيئات الرقابية.

وأوضح التقرير أن تحديد الوزير المختص ليس لصيقًا بصفة وزارية محددة، وإنما بالتنظيم التشريعي للاختصاصات العلمية والفنية ذات الصلة بالجداول المرفقة بقانون مكافحة المخدرات، ولا يمكن حسم ذلك دائمًا بوزير محدد قد يصبح غير مختص بذلك في مرحلة زمنية معينة، وأن المشرع قد نقل تلك الاختصاصات الفنية من وزارة الصحة إلى الهيئة، كما أحلّها محل الهيئة القومية للرقابة والبحوث الدوائية التي كانت أغراضها تتمحور حول تنظيم ورقابة المستحضرات الدوائية وموادها الخام فيكون المشرع بحكم اللزوم المنطقي قد ناط برئيس هيئة الدواء اختصاص "الوزير المختص" بتعديل الجداول في قانون مكافحة المخدرات".

واعتبر التقرير أن هذا التفويض التشريعي لرئيس الهيئة يتوافق مع الدستور بعدما أحلّ القانون رئيس الهيئة محل وزير الصحة.


 

المبحث السادس

موقف الدستور المصري من التفويض التشريعي في مجال التجريم والعقاب.

     لقد أشار الدستور المصري لعام 1971م الملغي في المادة (66/2)، وأيضًا الدستور المصري النافذ لعام 2014م في المادة (95) إلى التفويض التشريعي في مجال التجريم والعقاب؛ حيث كان النص موحدًا في كلا الدستورين: "لا جريمة ولا عقوبة إلا بناءً على قانون"؛ وهو ما يوضح ثبات واستقرار نظرة المشرع الدستوري المصري من التفويض التشريعي في مجال التجريم والعقاب.

وقد عنيت المحكمة الدستورية العليا بتحديد السند الدستوري للترخيص للسلطة التنفيذية بناء على قانون في وضع نصوص تتعلق بالتجريم والعقاب، وهو نص المادة 66/2 من دستور 1971م سالفة الذكر، واعتبرته المحكمة تفويضًا مقررًا بنص الدستور للمشرع في أن يعهد إلى السلطة التنفيذية - ممثلة في أحد فروعها - بأن تُحدد بنفسها بعض ملامح التجريم وعقوباتها.

  وكانت المحكمة الدستورية العليا المصرية قد وضحت عبارة "بناء على قانون" بقولها: إن القرارات التي يصدرها الوزير المختص في هذا الشأن لا تستند في سلطة إصدارها إلى اللوائح التفويضية أو اللوائح التنفيذية، وإنما إلى المادة 66 من الدستور السابق المقابلة للمادة 95 من الدستور الحالي التي تنص على أنه" ... لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون..." [48] ).

ومن أمثلة التفويض التشريعي في مجال الجرائم والعقوبات في مصر، تفويض المشرع في قانون المخدرات الوزير المختص بتعديل الجداول الملحقة به وتفويض وزير الداخلية بتعديل الجداول الملحقة بقانون الأسلحة والذخائر، بالإضافة إلى تفويض المشرع لوزير التموين في قانون التسعير الجبري وتحديد الأرباح رقم 163 لسنة 1950 المعدل؛ حيث نصت المادة (9) على أنه: "يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة ولا تجاوز خمس سنوات وبغرامة لا تقل عن ثلاثمائة جنيه ولا تزيد على ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من باع سلعة مسعرة جبريا أو محددة الربح أو عرضها للبيع بسعر أو بربح يزيد على السعر أو الربح المحدد، أو امتنع عن بيعها بهذا السعر أو الربح أو فرض على المشتري شراء سلعة أخرى أو علق البيع على شرط آخر مخالف للعرف التجاري. ويعاقب على كل مخالفة ترتبط بسلعة من السلع التي تدعمها الدولة ويحددها وزير التموين والتجارة الداخلية بالحبس مدة لا تقل عن سنة ولا تجاوز خمس سنوات وبغرامة لا تقل عن خمسمائة جنيه ولا تجاوز ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين".

   وهو ما أشار إليه أيضًا في قانون التموين رقم 95 لسنة 1945 في المادة (56) التي نصت على أن "يعاقب على كل مخالفة أخرى لأحكام هذا القانون بالحبس مدة لا تقل عن سنة ولا تزيد على خمس سنوات وبغرامة لا تقل عن ثلاثمائة جنيه ولا تجاوز ألف جنيه، ويعاقب على كل مخالفة ترتبط بسلعة من السلع التي تدعمها الدولة ويحددها وزير التموين والتجارة الداخلية بالحبس مدة لا تقل عن سنة ولا تزيد على خمس سنوات وبغرامة لا تقل عن خمسمائة جنيه ولا تجاوز ألف جنيه.

فمن القانونين السابقين نجد أن المشرع المصري قد فوض وزير التموين بإصدار التدابير والقرارات، والتي في حال عدم الالتزام بها تمثل المخالفات، كما أنه فوضه بإصدار جزاءات إدارية عامة متمثلة بإغلاق المحل لمدة لا تتجاوز ستة أشهر، أو حرمان التاجر من حصته في السلع موضوع المخالفة أو غيرها من السلع والمواد الخاضعة لنظام البطاقات أو الحصص وذلك لحين صدور الحكم في التهم المنسوبة إلى المخالف؛ وهو ما يعني أن التفويض كان بتحديد بعض جوانب التجريم والعقاب.

كما أن المادة (380) من قانون العقوبات نصت على أنه: "من خالف أحكام اللوائح العامة أو المحلية الصادرة من جهات الإدارة العامة أو المحلية يجازى بالعقوبات المقررة في تلك اللوائح بشرط إلا تزيد على خمسين جنيهاً، فإن كانت العقوبة المقررة في اللوائح زائدة عن هذه الحدود وجب حتماً إنزالها إليها. فإذا كانت اللائحة لا تنص على عقوبة ما يجازى من يخالف أحكامها بدفع غرامة لا تزيد على خمسة وعشرين جنيهاً". فمن هذا النص العام نجد أن المشرع المصري قد فوض الإدارة سلطة التجريم والعقاب بموجب لوائح إدارية، وذلك في مجال المخالفات دون الجنايات والجنح، كما جعل لها تحديد العقوبات المقررة، إلا أنه حدد للغرامة حدًا أقصى لا يتجاوز الخمسين جنيهًا.

    نرى أنه قد كان من الأحرى بالمشرع الدستوري، ومن بعده المحكمة الدستورية العليا، الانحيازُ المطلق لمبدأ حظر التفويض التشريعي في مجالي التجريم والعقاب، وإبقاء هذا الاختصاص للمشرع العادي دون سواه؛ بدلاً من انشغال رجال القانون والقضاء بالمفاضلة بين جهتين إداريتين أو تأييد اختصاص إحداهما على الأخرى. وإنّ وسم هذا التنازع بين السلطات بأنه "رعاية للحقوق" هو قولٌ يفتقر إلى السند الواقعي؛ إذ ما الذي يجنيه المجتمع أو المواطن من نقل سلطة العقاب بين أروقة الجهات الإدارية؟ إن الضمانة الحقيقية لا تكمن في هوية الجهة المُفوَّض إليها، بل في استعادة المشرع الأصيل لاختصاصه الحصري، وإعادة النظر في التفويض التشريعي في المسائل الجنائية التي تمس صلب الحريات.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ملخص البحث ونتائجه:

رأينا من خلال هذا البحث معالجة الإشكاليات القانونية المترتبة على حكم المحكمة الدستورية العليا - بعدم دستورية قرارات رئيس هيئة الدواء المصرية بتعديل الجداول الملحقة بقانون مكافحة المخدرات - هو الأمر الأهم الذي يشغل الساحة القانونية؛ ولذلك قسَّمنا هذا البحث إلى ستة مباحث خصصنا أربعة منها لمعالجة الإشكاليات، وخصصنا المبحث الخامس لقراءة أسباب الحكم بعدم الدستورية محل البحث، والمبحث الأخير عن موقف الدستور المصري من التفويض التشريعي.

  عرضنا في المبحث الأول الحكم الصادر من المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية قرارات رئيس هيئة الدواء المصرية الصادرة في شأن تعديل الجداول الملحقة بقانون المخدرات، ثم عرضنا في المبحث الثاني أثر القضاء بعدم دستورية قرارات رئيس هيئة الدواء على الدعاوى المتداولة أمام النيابة العامة ولتوضيح هذا الأثر فرَّقنا بين الحالات الآتية:

(1) بالنسبة للمخدر الذي زال عنه وصف التأثيم بقضاء المحكمة الدستورية العليا ولم يكن مُجرَّمًا بموجب قرارات وزير الصحة السابقة على قرارات رئيس هيئة الدواء؛ يجب إخلاء سبيل المتهم فورًا والأمر بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية لعدم الجريمة، فإذا كانت مرتبطة بغيرها أحالت النيابة الجرائم الأخرى المرتبطة للمحكمة المختصة.

(2) تطلب النيابة العامة الحكم ببراءة المتهمين في القضايا المنظورة أمام المحاكم والمرفوعة فيها الدعوى عن وقائع قدمت إلى المحاكمة استناداً إلى مخدر زال عنه وصف التأثيم بقضاء المحكمة الدستورية العليا ولم يكن مُجرَّمًا بموجب قرارات وزير الصحة السابقة على قرارات رئيس هيئة الدواء، وذلك في أي مرحلة تكون عليها الدعوى ما لم تكن هناك وقائع أخرى تشكل جريمة أخرى مؤثمة قانونًا. بحسبان أن البديهي أن حكم المحكمة الدستورية لا ينسحب على الجرائم المرتبطة.

(3) بالنسبة للمخدر المُجرَّم بقرارات وزير الصحة السابقة على قرارات رئيس هيئة الدواء والمقرر له عقوبة أخف؛ يجب على النيابة العامة التصرف في الأوراق على ضوء قرارات وزير الصحة المشار إليها.

(4) يطبق قرار وزير الصحة الجديد رقم ٤٤ لسنة ٢٠٢٦ من تاريخ نشره على كل الوقائع التي وقعت في ظله دون الوقائع السابقة على ذلك التاريخ، على سند أن مقتضى قاعدة شرعية الجريمة والعقاب أن القانون الجنائي يحكم ما يقع في ظله من جرائم إلى أن تزول عنه القوة الملزمة بقانون لاحق ينسخ أحكامه وهو ما قننته الفقرة الأولى من المادة الخامسة من قانون العقوبات بنصها على أن " يعاقب على الجرائم بمقتضى القانون المعمول به وقت ارتكابها.

وتناولنا في المبحث الثالث أثر القضاء بعدم الدستورية على الدعاوى المتداولة أمام محاكم أول درجة، ولتوضيح هذا الأثر فرَّقنا بين الحالات الآتية:

(1) بالنسبة للمخدر المُجرَّم بقرارات وزير الصحة السابقة على قرارات رئيس هيئة الدواء والمقرر له عقوبة أخف؛ تعيد المحكمة تكييف الدعوى وتقضي في الدعوى على هذا الأساس.

(2) بالنسبة للمخدر الذي زال عنه وصف التأثيم بقضاء المحكمة الدستورية العليا ولم يكن مُجرَّمًا بموجب قرارات وزير الصحة السابقة على قرارات رئيس هيئة الدواء؛ يجب الحكم ببراءة المتهم، فإذا كانت مرتبطة بغيرها تعيد المحكمة تكييف الدعوى وتقضي فيها على هذا الأساس؛ لأن حكم الدستورية لا ينسحب أثره على الجرائم المرتبطة، وذلك بشرط عدم جواز تشديد العقوبة عن تلك التي سبق إدانته بها.

  وتناولنا في البحث الرابع أثر القضاء بعدم دستورية قرارات رئيس هيئة الدواء على الأحكام القضائية، وقسَّمنا هذا المبحث إلى ثلاثة فروع، خصصنا الفرع الأول منها للحديث عن أثر الرجعية على أحكام الإدانة غير الباتة، ولتوضيح أثر القضاء بعدم الدستورية على الأحكام غير الباتة "الدعاوى المتداولة أمام المحكمة الاستئنافية ومحكمة النقض" فرَّقنا بين الحالات الآتية:

(1) بالنسبة للمخدر الذي زال عنه وصف التأثيم بقضاء المحكمة الدستورية العليا ولم يكن مُجرَّمًا بموجب قرارات وزير الصحة السابقة على قرارات رئيس هيئة الدواء؛ يجب الحكم ببراءة المتهم في أي حالة كانت عليها الدعوى ما دامت غير مرتبطة بغيرها وقد ذهبت محكمة النقض إلى أبعد من ذلك، وقضت بالبراءة حتى لو كان الطعن غير مقبول، على سند أن الحكم بغير البراءة تتأذى منه العدالة وتأباه أشد الإباء بعد أن صارت الواقعة التي دين بها الطاعن غير مؤثمة، ولذات العلة، قضت أيضًا ببراءة متهم رغم أنه لم يتقدم لتنفيذ العقوبة المقيدة للحرية، فبدلًا من أن تقضي المحكمة بسقوط الطعن تبعًا لذلك، قضت ببراءته على سند أنه لا يتواءم إلزام الطاعن بالتنفيذ في واقعة غير مؤثمة قانونًا .

(2) أما بالنسبة لجريمة المخدر التي تقرر لها عقوبة أخف بقضاء المحكمة الدستورية العليا ولم تكن مرتبطة بغيرها، وكذا بالنسبة لجريمة المخدر الذي زال عنه وصف التأثيم أو تقرر له عقوبة أخف بصدور حكم المحكمة الدستورية العليا وكانت مرتبطة بجرائم أخرى: فالرأي الراجح عندنا: هو قيام المحكمة الاستئنافية أو محكمة النقض بحسب الأحوال بإلغاء حكم الإدانة وإعادة الدعوى إلى محكمة أول درجة لتفصل فيها من جديد لمصلحة المتهم وحتى لا تفوت عليه أي من درجتي التقاضي بشرط ألا تقضي المحكمة حتى في حالة الارتباط بعقوبة تجاوز مقدار العقوبة التي سبق القضاء بها. هذا هو الرأي الذي أرجحه؛ لأن حكم المحكمة الدستورية العليا يهدر حجية الأحكام الصادرة بالإدانة، واعتبارها كأن لم تكن، حتى ولو كانت باتة؛ ومن ثم تعود الدعوى إلى سيرتها الأولى ويحاكم المتهم من جديد على ضوء حكم المحكمة الدستورية المشار إليه، فالحكم بعدم دستورية نص جنائي يعود بالأوراق إلى سيرتها الأولى حتى بعد صدور حكم بات، فلسنا أمام مجرد قانون أصلح؛ وقد أيدنا هذا الرأي بتطبيقات محمة النقض والمحكمة الدستورية العليا على ضوء أن نص المادة (49) من قانون المحكمة الدستورية العليا – ومذكرته الإيضاحية – واضح الدلالة في حالة الحكم بعدم دستورية نص جنائي، من اعتبار الحكم الصادر بالإدانة كأن لم يكن. وهذا التفسير، هو ما يبرر وجود هذا النص. وإلا ما كانت هناك حاجة لوضعه، اكتفاءً بنصوص قانون العقوبات، المتعلقة بالقانون الأصلح للمتهم، وبصفة خاصة، ما ورد بالفقرة الثالثة من المادة (5) قانون العقوبات، وذلك مع التسليم في كل الأحوال بحق النيابة العامة في الطعن على الجرائم المرتبطة إذا قضى مثلًا الحكم المطعون فيه ببراءة المتهم من جريمة مخدرات لزوال وصف التجريم وكانت معها جرائم أخرى مرتبطة؛ وسندنا في ذلك أن حكم الدستورية الذي زال التأثيم بمقتضاه لا ينسحب على الجرائم المرتبطة، وتنظر الدعوى في حدود مصلحة المتهم وتلتزم المحكمة الاستئنافية أو محكمة النقض بحسب الأحوال - إذا رأت أن تدين المتهم - بتطبيق عقوبة الجريمة التي أضحت هي الأشد قانوناً. بشرط ألا تقضي المحكمة بعقوبة تجاوز مقدار العقوبة التي سبق القضاء بها؛ لأن المقرر بقضاء النقض أن إعمال أثر الأحكام الصادرة بعدم دستورية نص جنائي، والذي قضى باعتبار الحكم الصادر بالإدانة كأن لم يكن، لا يتم بمعزل عن إعمال قاعدة القانون الأصلح للمتهم، عملاً بنص الفقرة الثانية من المادة الخامسة من قانون العقوبات، والتي نصت على أنه "إذا صدر بعد وقوع الفعل وقبل الحكم فيه نهائياً قانون أصلح فهو الذي يتبع دون غيره"

وعلى الرغم من أن الرأي الراجح عندنا: هو أن المحكمة الاستئنافية         أو محكمة النقض بحسب الأحوال تقوم بإلغاء حكم الإدانة وإعادة الدعوى إلى محكمة أول درجة لتفصل فيها من جديد لمصلحة المتهم على ضوء حكم الدستورية وحتى لا تفوت عليه أي من درجتي التقاضي بشرط ألا تقضي المحكمة بعقوبة تجاوز مقدار العقوبة التي سبق القضاء بها، فإن هناك اتجاهًا يرى أن المحكمة الاستئنافية أو محكمة النقض بحسب الأحوال تعيد تكييف الدعوى على ضوء قضاء المحكمة الدستورية المشار إليه. وتقضي فيها على هذا الأساس بعد أن تعيد تكييف الدعوى لأن جناية المخدرات قد تصير مجرد جنحة بعد حكم الدستورية وقد تكون مرتبطة مع غيرها بشرط ألا تقضي المحكمة بعقوبة تجاوز مقدار العقوبة التي سبق القضاء بها إذا رأت أن تدين المتهم. وهذا الاتجاه لا يصلح كقاعدة عامة حتى لا يصطدم مع حق المتهم في إعادة محاكمته من جديد دون تفويت أي من درجتي التقاضي؛ لكن يصلح هذا الاتجاه كاستثناء في الأحوال التي تقتضيها العدالة بحيث يُقضى بأقصى ما يُحتمل أن يستفيد به المتهم إذا ما أعيدت محاكمته من جديد، ولا شك أن حالات الملاءمة واعتبارات العدالة لا حصر لها، إلا أننا ضربنا مثالًا عمليًا في شأن الملاءمة وتحقيق العدالة:

فمثلًا يجوز للمحكمة الاستئنافية أو لمحكمة النقض بحسب الأحوال القضاء مباشرةً بانقضاء الدعوى الجنائية بوفاة المتهم بعد صدور حكم الدستورية؛ لأنه لا طائل من أي إجراء آخر سوى ذلك. كما يجوز للمحكمة الاستئنافية أو محكمة النقض القضاء بانقضاء الدعوى الجنائية بمضي المدة بعدما صارت الجناية بعد حكم الدستورية مجرد جنحة، فبدلًا من إحالتها لمحكمة الجنح المختصة تقضي فيها المحكمة الاستئنافية أو محكمة النقض بحسب الأحوال بانقضاء الدعوى الجنائية بمضي المدة في الأحوال المقررة قانونًا. كل ما تقدم لا يؤثر في القاعدة العامة التي تقضي بأنه في حالة أن الأثر المترتب على حكم الدستورية هو تغيير وصفها من الجناية إلى الجنحة، تحكم محكمة الجنايات – بدرجتيها - بعدم اختصاصها بنظر الدعوى وبإحالتها إلى محكمة الجنح المختصة نوعياً بنظرها.

(3) وافترضنا في مجال استعمال الرأفة أنه "إذا استعملت أي من المحاكم الرأفة قبل حكم المحكمة الدستورية العليا أو بعده؛ فهل تلتزم تلك المحاكم ومحاكم نظر الطعن بإعمال الرأفة لدى إعادة نظر الدعوى؟" ورأينا أن محكمة النقض لا تعتنق اتجاهًا واحدًا يصلح للرد على هذا التساؤل، فقد راعت محكمة النقض وهي تقدر العقوبة معنى الرأفة الذي أخذت به محكمة الموضوع فاستعملت المادة 17 من قانون العقوبات ما دام أنه اكتسب حقا في إعمالها بالحكم المطعون فيه. بينما رأت في مواضع أخرى أنه لا مجال لإعمال محكمة ثاني درجة الرأفة ما دام أن الطاعن عوقب بعقوبة أخف من العقوبة المقضي بها عليه بالحكم الابتدائي، ومن ثم فلا يتصور أن عدم إعمال المادة ١٧ سالفة الذكر سيضيره.  ونحن نرى أن تباين الآراء القانونية لدى محكمة النقض في بعض المسائل لا يقتضي بالضرورة حسمه بتوحيد المبدأ؛ إذ يتيح هذا التعدد – خاصة في مسألة تقدير العقوبة - نوعاً من المرونة القضائية التي تمكّن المحاكم من تفريد العقوبة وملاءمتها مع الظروف الملابسة لكل واقعة على حده.

  وتناولنا في الفرع الثاني من المبحث الرابع أثر الرجعية على أحكام الإدانة الباتة، ولتوضيح هذا الأثر، فرَّقنا بين الحالات الآتية:

(1) حالة زوال وصف التجريم بحكم المحكمة الدستورية العليا:

 - القاعدة أنه إذا أتى القانون الجديد بسبب يؤدى إلى إسقاط وصف التجريم عن الفعل، إما لتوافر أحد أسباب الإباحة، أو لعدم توافر أحد ركني الجريمة (المادي والمعنوي)، أو لقيام مانع من موانع العقاب. إذ رأى المشرع في هذه الحالة، ضرورة التوفيق بين اعتبار العدالة واعتبار احترام قوة الأمر المقضي. فنص على أنه إذا صدر قانون بعد حكم "نهائي" يجعل الفعل الذي حكم على المجرم بسببه غير معاقب عليه يوقف تنفيذ الحكم وتنتهي آثاره الجنائية (الفقرة الثالثة من المادة 5 عقوبات).  والأمر كذلك في شأن القضاء بعدم دستورية نص جنائي، إذ أورد المشرع بنص الفقرة الرابعة من المادة (49) من قانون المحكمة الدستورية العليا، نصًا خاصًا، يقضى باعتبار الأحكام الصادرة بالإدانة - في تلك الحالة – كأن لم تكن، وهو ما يعنى - على ما جرى به قضاء المحكمة الدستورية العليا – سقوطها بكل آثارها، ويلتزم النائب العام من تلقاء نفسه بوقف تنفيذ العقوبة؛ فقد أوجب المشرع في ذات المادة على رئيس هيئة المفوضين بالمحكمة الدستورية العليا، تبليغ النائب العام، فور النطق بالحكم بعدم دستورية نص جنائي، لإجراء مقتضاه،

(2) حالة تخفيف وصف التجريم المترتب على حكم المحكمة الدستورية العليا:

رأينا في هذه الحالة أيضًا أنه يجوز للمحكوم عليه أن يقدم إشكالًا في تنفيذ الحكم الصادر بإدانته إلى النائب العام، وعلى النائب العام من تلقاء نفسه إعادة تقديمه للمحاكمة مرة أخرى وفقًا للتكييف القانوني الصحيح، وهذا الطريق هو الأصلح للمتهم لأنه يُعطيه فرصة للمحاكمة من جديد أمام كافة درجات التقاضي وفي ضوء الأوصاف الجديدة للاتهام بما من شأنه تخفيف العقوبة أو استعمال الرأفة أو البراءة، ويوافق أيضًا صحيح القانون؛ لأن كافة الأحكام بما فيها الحكم البات صارت كأن لم تكن بقوة حكم المحكمة الدستورية بما يعني سقوطها بكل آثارها؛ لأن تلك الأحكام استندت في الأساس إلى قرارات رئيس هيئة الدواء التي قُضي بعدم دستوريتها. وأن محكمة الموضوع دون غيرها هي التي تتولى بنفسها إعمال آثار الأحكام الصادرة في المسائل الدستورية، ويندرج تحتها رجعيتها محددة نطاقًا على النحو المتقدم، فإن دعوة المحكمة الدستورية العليا إلى إعمال الأثر الرجعى للحكم الصادر عنها تجاوز حدود ولايتها.  فلو أن المحكوم عليه أقام دعوى أمام المحكمة الدستورية العليا وفي حالة تحقق المصلحة تقضي هذه المحكمة باستمرار تنفيذ حكمها ويتم إعادة نظر الدعاوى الموضوعية، واسترداد محاكم الجنايات أو الجنح بحسب الأحوال سلطتها في هذا الصدد؛ نتيجة الأثر الكاشف لحكم المحكمة الدستورية العليا؛ إعمالاً لأحكام المادة (49) من قانونها المار ذكره. على أن يتم نظر الدعوى في حدود مصلحة المتهم وتقضي بالعقوبة المقررة قانونًا إذا رأت أن تدين المتهم بشرط ألا تقضي المحكمة بعقوبة تجاوز مقدار العقوبة التي سبق القضاء بها. 

(3) الأحوال التي صدرت فيها أحكامٌ باتة في جرائم مرتبطة يجمعها غرض إجرامي واحد، وكانت جريمة المخدرات ليست هي الجريمة الأشد التي دين بها المحكوم عليه؛ فقد رأينا أنه إذا ما حاز الحكم قوة الأمر المقضي وصار باتاً، ثم أعقبه صدور حكم من المحكمة الدستورية يترتب عليه زوال وصف التجريم عن جريمة مخدرات أو تخفيف عقوبتها وفقًا لقرارات وزير الصحة السابقة على قرارات رئيس هيئة الدواء، فيمكن القول إنه ليس للمحكوم عليه مصلحة إذا كانت المخدرات هي الأخف وقد دانه الحكم عن جريمة أخرى أشد منها. ولكن على الرغم من ذلك قضت محكمة النقض بنقض الحكم المطعون فيه والإعادة كي تتاح للطاعن فرصة محاكمته من جديد على ضوء حكم المحكمة الدستورية دون أن يحاج بتطبيق المادة 32 من قانون العقوبات بالنسبة للتهم المسندة إلى الطاعن وإيقاع عقوبة واحدة مقررة لأيهم إذ لا يعرف مبلغ الأثر في توقيع العقوبة في عقيدة المحكمة إعمالاً لهذا النص الذي قضى بعدم دستوريته، باعتبار أن ذلك يشمل الحكم كله.

وتناولنا في الفرع الثالث من المبحث الرابع سلطة محكمة النقض في الرجوع عن الحكم البات وقبول التماس إعادة النظر، ورأينا - على ضوء تطبيقات محكمة النقض والمحكمة الدستورية العليا والفقه - الآتي:

(1) يجوز للمحكوم عليه في حالة صدور حكم بات بالإدانة أن يقدم إشكالًا في تنفيذ الحكم إلى النائب العام، وعلى النائب العام من تلقاء نفسه إعادة تقديمه للمحاكمة مرة أخرى لمحاكمته وفقًا للتكييف القانوني الصحيح، لأننا أمام حكم بعدم دستورية يعود بالأوراق إلى سيرتها الأولى حتى بعد صدور حكم بات فلسنا أمام مجرد قانون أصلح.

(2) تتولى محكمة الموضوع دون غيرها إعمال آثار الأحكام الصادرة في المسائل الدستورية، وأن دعوة المحكمة الدستورية العليا إلى إعمال الأثر الرجعى للحكم الصادر عنها تجاوز حدود ولايتها، فلو أن المحكوم عليه أقام دعوى أمام المحكمة الدستورية العليا وفي هذه الحالة تقضي هذه المحكمة باستمرار تنفيذ حكمها ويتم إعادة نظر الدعاوى الموضوعية، واسترداد محاكم الجنايات أو الجنح بحسب الأحوال سلطتها في هذا الصدد؛ نتيجة الأثر الكاشف لحكم المحكمة الدستورية العليا؛ إعمالاً لأحكام المادة (49) من قانونها المار ذكره.

(3) حالة الحكم بعدم الدستورية لا تخضع لنطاق تطبيق نص المادة 441 من قانون الإجراءات الجنائية التي حددت الحالات التي يجوز فيها طلب التماس إعادة النظر وقد ورد هذا التحديد على سبيل الحصر؛ فلا يجوز القياس عليها، فإن طلب إعادة النظر لهذا السبب لا يكون مقبولاً. بالإضافة إلى أن الحالة المنصوص عليها في البند (5) من تلك المادة، والتي يجرى نصها على أنه "إذ حدثت أو ظهرت بعد الحكم وقائع، أو إذ قدمت أوراق لم تكن معلومة وقت المحاكمة، وكان من شأن هذه الوقائع والأوراق ثبوت براءة المحكوم عليه" لا تصلح بذاتها للإعمال على هذه المسألة، باعتبار أن أمر الوقائع المعروضة، يتصل دوماً بالواقع لا بالقانون، فصدور حكم من المحكمة الدستورية أو تشريع جديد أصلح للمتهم لا يجوز اعتباره واقعة جديدة.

(4) الحكم البات صار كأن لم يكن بقوة حكم المحكمة الدستورية لأنه استند في الأساس إلى قرار رئيس هيئة الدواء الذي قُضي بعدم دستوريته؛ فلا محل أصلًا للطعن عليه، ولذات السبب أيضًا لا يجوز تقديم طلب رجوع عن الحكم البات لمحكمة النقض؛ لأنه لا يصح لها أن ترجع عن حكمها الذي أصبح كأن لم يكن بقوة حكم المحكمة الدستورية.

(5) للمحكوم عليه في حالة صدور حكم بات بإدانته - كما سبق القول - أن يقدم إشكالًا في تنفيذ الحكم إلى النائب العام، وعلى النائب العام من تلقاء نفسه إعادة تقديمه للمحاكمة مرة أخرى لمحاكمته وفقًا للتكييف القانوني الصحيح، وهذا الطريق هو الأصلح للمتهم لأنه يُعطيه فرصة للمحاكمة من جديد أمام كافة درجات التقاضي وفي ضوء الأوصاف الجديدة للاتهام بما من شأنه استبعاد قصد من القصود المشددة، أو تخفيف العقوبة أو استعمال الرأفة أو البراءة، ويوافق أيضًا صحيح القانون، لأننا أمام حكم بعدم دستورية يعود بالأوراق إلى سيرتها الأولى حتى بعد صدور حكم بات فلسنا أمام مجرد قانون أصلح، وأربأ بمحكمة النقض أن تتغول على سلطة المشرع وتعدل عن أحكامها بناء على طلب رجوع يقدمه المحكوم عليه أو تنظر التماسًا بعد قضاء المحكمة الدستورية بالمخالفة لنص المادة 441 من قانون الإجراءات الجنائية وتمنح نفسها اختصاصًا لم يخوله لها القانون، وفيه إضرار بالمتهم الذي يجب أن تعاد محاكمته من جديد أمام كافة درجات التقاضي، وذلك كله على النحو المار بيانه تفصيلًا. ولا ننكر أن البعض يقول بجواز التماس إعادة النظر إلا أنه رأي مرجوح ومُنتقد لتجاوزه نص القانون ووروده على حكم أصبح كأن لم يكن بقوة القانون.

(6) على الرغم من أن الرأي الراجح عندنا: هو عدم جواز اللجوء إلى طريق الرجوع عن حكم محكمة النقض، للأسباب السابق ذكرها، إلا أننا لا نصادر على بعض الحالات التي تقتضيها العدالة منعًا للدخول في إشكالية إنكار العدالة أو عدم تحققها، ويبقى اللجوء إلى هذا الطريق استثناء على حق المتهم في إعادة محاكمته من جديد. كما رأينا أن طريق الرجوع عن الأحكام الباتة هو طريق استثنائي يجب أن تسلكه المحكمة في الحدود التي تخشى فيها أيضًا من إنكار العدالة أو عدم تحققها بما لا يقيد في كل الأحوال حق المتهم في الاستفادة بإعادة محاكمته من جديد في ضوء حكم الدستورية.

وخصصنا المبحث الخامس لقراءتنا لحكم المحكمة الدستورية محل البحث في ضوء ما ثار في ذهننا من إشكاليات قانونية مُستدلين على قراءتنا بفتوى الجمعية العامة لقسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولة، وتقرير هيئة المفوضين بالمحكمة الدستورية العليا، وانتهينا في المبحث السادس إلى إعادة النظر من قِبل المشرع الدستوري في مسألة التفويض التشريعي في مجال التجريم والعقاب.



) [1] ) [الطعن رقم 3356 - لسنة 67 - تاريخ الجلسة 5 / 4 / 2006 - مكتب فني 57 رقم الصفحة 577 ]

) [2] ) [الطعن رقم 508 - لسنة 69 - تاريخ الجلسة 27 / 2 / 2006 - مكتب فني 57 رقم الصفحة 352 ]

) [3] ) نقض جنائي:

[الطعن رقم 22663 - لسنة 4ق - تاريخ الجلسة 26 / 1 / 2015.

مكتب فني س 64 جلسة 16/3/2013 ق 46 ص 378.

) [4] ) راجع آثار الحكم بعدم الدستورية- دراسة مقارنة- دكتور صبري السنوسي محمد - دار النهضة العربية- طبعة 2000- هامش ص 118.

) [5] ) نقض جنائي: [الطعن رقم 18716 - لسنة 72 - تاريخ الجلسة 25 / 9 / 2008 - مكتب فني 59 رقم الصفحة 365 ]

انظر في هذا الاتجاه، على سبيل المثال، نقض جنائي:

نقض جنائي: الطعن رقم 22712 - لسنة 64 - تاريخ الجلسة 4 / 12 / 1999 - مكتب فني 50 رقم الجزء 1 -  رقم الصفحة 609.

الطعن رقم 23104 لسنة 83ق جلسة 26/1/2020

الطعن رقم 12643 لسنة 84ق جلسة 24/2/2020

الطعن رقم 21100 لسنة 84ق جلسة 14/6/2020

 

) [6] ) راجع حكم المحكمة الدستورية العليا الصادر في القضية رقم 22 لسنة 18 قضائية "دستورية" بجلسة 30/11/1996 – المجموعة – الجزء الثامن – ص 195 قاعدة رقم (14). ويراجع كذلك: المستشار الدكتور/ عوض المر رئيس المحكمة الدستورية العليا – سابقاً -: في تقديم الجزء السابع من مجموعة أحكام المحكمة الدستورية العليا ص 11.

) [7] ) راجع على سبيل المثال: نقض جنائي، الطعن رقم 62550 لسنة 59 ق جلسة 27/2/1997 المكتب الفني – السنة (48) ص 250 وكذلك الطعن رقم 2529 لسنة 65 ق جلسة 1/1/1997

) [8] ) نقض جنائي: الطعن رقم 498 - لسنة 46 - تاريخ الجلسة 25 / 10 / 1976 - مكتب فني 27 رقم الجزء 1 -  رقم الصفحة 780 .

) [9] ) نقض جنائي: [الطعن رقم 18716 - لسنة 72 - تاريخ الجلسة 25 / 9 / 2008 - مكتب فني 59 رقم الصفحة 365 ]

) [10] ) انظر في هذا الاتجاه على سبيل المثال:

[الطعن رقم 4896 - لسنة 62 - تاريخ الجلسة 13 / 10 / 1998 - مكتب فني 49 رقم الجزء 1 -  رقم الصفحة 1073.

) [11] ) نقض جنائي:

-        الطعن رقم ٣٧٢٩ لسنة ٨١ القضائية . جلسة 17/1/2018.

) [12] ) نقض جنائي: الطعن رقم 1655 - لسنة 37 - تاريخ الجلسة 15 / 5 / 1978 - مكتب فني 29 رقم الجزء 1 -  رقم الصفحة 516

) [13] ) نقض جنائي:

مكتب فني 19 رقم الجزء 2 -  رقم الصفحة 697 ]

مكتب فني 16 رقم الجزء 2 -  رقم الصفحة 403

مكتب فني 12 رقم الجزء 3 -  رقم الصفحة 895

) [14] ) نقض جنائي:

 الطعن رقم ١٦٩١١ لسنة ٨٧ القضائية .جلسة 27/10/2019

الطعن رقم 16911 لسنة 87ق جلسة 27/10/2019

الطعن رقم 15400 لسنة 93ق جلسة 8/2/2025

) [15] ) نقض جنائي: الطعن رقم 11768 لسنة 94ق جلسة 7/5/2025

) [16] ) راجع الأستاذ الدكتور/ أحمد فتحي سرور– الحماية الدستورية للحقوق والحريات– دار الشروق– الطبعة الثانية– عام 2000– ص 491.

) [17] ) راجع الحكم الصادر من المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 22 لسنة 18 قضائية "دستورية" بجلسة 30/11/1996 سبق الإشارة إليه.

) [18] ) راجع آثار الحكم بعدم الدستورية- دراسة مقارنة- دكتور صبري السنوسي محمد - دار النهضة العربية- طبعة 2000- هامش ص 118.

) [19] ) راجع الحكم الصادر من المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 22 لسنة 18 قضائية "دستورية" بجلسة 30/11/1996 سبق الإشارة إليه.

) [20] ) راجع حكم المحكمة الدستورية العليا الصادر في القضية رقم 22 لسنة 18 قضائية "دستورية" بجلسة 30/11/1996 – المجموعة – الجزء الثامن – ص 195 قاعدة رقم (14). ويراجع كذلك: المستشار الدكتور/ عوض المر رئيس المحكمة الدستورية العليا – سابقاً -: في تقديم الجزء السابع من مجموعة أحكام المحكمة الدستورية العليا ص 11.

) [21] ) [القضية رقم 22 - لسنة 18 - تاريخ الجلسة 30 / 11 / 1996 - تاريخ النشر 12 / 12 / 1996 - مكتب فني 8 رقم الجزء 1 -  رقم الصفحة 195 ]

) [22] ) [القضية رقم 22 - لسنة 18 - تاريخ الجلسة 30 / 11 / 1996 - تاريخ النشر 12 / 12 / 1996 - مكتب فني 8 رقم الجزء 1 -  رقم الصفحة 195 ]

) [23] ) راجع على سبيل المثال، الحكم الصادر من المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 23 لسنة 37 قضائية "منازعة تنفيذ" بجلسة 6/2/2016.

) [24] ) راجع الحكم الصادر من المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 62 لسنة 41 قضائية "منازعة تنفيذ" بجلسة 4/7/2020.

) [25] ) راجع الحكم الصادر من المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 1 لسنة 41 قضائية "منازعة تنفيذ" بجلسة 5/10/2019.

) [26] ) راجع الحكم الصادر من المحكمة الدستورية العليا فى القضية رقم 9 لسنة 41 قضائية "منازعة تنفيذ" بجلسة 1/2/2020.

) [27] ) نقض جنائي: [الطعن رقم 18716 - لسنة 72 - تاريخ الجلسة 25 / 9 / 2008 - مكتب فني 59 رقم الصفحة 365

) [28] ) نقض جنائي:

الطعن رقم 24221 - لسنة 65 - تاريخ الجلسة 7 / 3 / 2000 - مكتب فني 51 رقم الصفحة 247

الطعن رقم ١٤٩٨٥ لسنة ٩٠ ق .جلسة 17/7/2025

الطعن رقم ١٠٥٧٥ لسنة ٩٠ ق جلسة 7/12/2021

الطعن رقم ١٠١٧ لسنة ٧٧ ق جلسة 1/7/2014.

) [29] ) نقض جنائي: الطعن رقم 10024 لسنة 94ق جلسة 27/5/2025.

) [30] ) راجع الحكم الصادر من المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 22 لسنة 18 قضائية "دستورية" بجلسة 30/11/1996 سبق الإشارة إليه.

) [31] ) راجع على سبيل المثال، الحكم الصادر من المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 23 لسنة 37 قضائية "منازعة تنفيذ" بجلسة 6/2/2016.

) [32] ) نقض جنائي [الطعن رقم 18903 - لسنة 63 - تاريخ الجلسة 20 / 9 / 1995 - مكتب فني 46 رقم الجزء 1 - رقم الصفحة 930 ].

) [33] ) د. أحمد فتحي سرور – الوسيط في النقض الجنائي وطلب إعادة النظر - دار النهضة العربية- طبعة 2018- ص 744.

) [34] ) راجع حكم المحكمة الدستورية العليا الصادر في القضية رقم 22 لسنة 18 قضائية "دستورية" بجلسة 30/11/1996 – المجموعة – الجزء الثامن – ص 195 قاعدة رقم (14). ويراجع كذلك: المستشار الدكتور/ عوض المر رئيس المحكمة الدستورية العليا – سابقاً -: في تقديم الجزء السابع من مجموعة أحكام المحكمة الدستورية العليا ص 11.

) [35] ) راجع الحكم الصادر من المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 22 لسنة 18 قضائية "دستورية" بجلسة 30/11/1996 سبق الإشارة إليه.

) [36] ) انظر في نقد هذا الاتجاه: د. أحمد فتحي سرور – الوسيط في النقض الجنائي وطلب إعادة النظر - دار النهضة العربية- طبعة 2018- ص 744.

) [37] ) نقض جنائي مكتب فني: س 71 ص 719 جلسة 23/9/2020.

) [38] ) راجع آثار الحكم بعدم الدستورية- دراسة مقارنة- دكتور صبري السنوسي محمد - دار النهضة العربية- طبعة 2000- هامش ص 118.

) [39] ) لمزيد من التفصيل، راجع:

د. حسام لطفي: المدخل لدراسة القانون في ضوء آراء الفقه وأحكام القضاء - القاهرة 2025 – 2026، ص 388.

نقض (الدائرة المدنية والتجارية والأحوال الشخصية) في ٥ من أغسطس سنة ١٩٩٦م، طعون أرقام ٤٧٥، و٤٧٨، و ٤٨١ س٦٥ ق أحوال شخصية.

نقض مدني في ١٥ من نوفمبر سنة ١٩٨٩م، مجموعة المكتب الفني، س ٤٠ رقم ٣٣٣ ص ٩٦.

نقض مدني في ٢٢ من أغسطس سنة ٢٠٠٥م، مجموعة المكتب الفني، س ٥٦ رقم ١٣٢ ص ٧٦٥.

المحكمة الإدارية العليا ٦ من مايو سنة ١٩٦٧م، مجموعة مبادئ المحكمة الإدارية العليا في خمس عشرة سنة (١٩٦٥م -١٩٨٠م)، رقم ١١٠ ص١٠١٠.

) [40] ) راجع: د. حسام لطفي: المرجع السابق، هامش ص 389 وما بعدها.

) [41] ) نقض (الدائرة المدنية والتجارية والأحوال الشخصية) في ٥ من أغسطس سنة ١٩٩٦م، طعون أرقام ٤٧٥، و٤٧٨، و ٤٨١ س٦٥ ق أحوال شخصية.

) [42] ) المحكمة الإدارية العليا ٦ من مايو سنة ١٩٦٧م، مجموعة مبادئ المحكمة الإدارية العليا في خمس عشرة سنة (١٩٦٥م -١٩٨٠م)، رقم ١١٠ ص١٠١٠.

) [43] ) نقض مدني في ١٥ من نوفمبر سنة ١٩٨٩م، مجموعة المكتب الفني، س ٤٠ رقم ٣٣٣ ص ٩٦.

) [45] ) راجع: د. عبد السلام ذهني، قانون التسجيل الجديد الصادر في ٢٦ من يونيه سنة ١٩٢٣م، مجلة المحاماة س ٦، العدد السابع، ص٥٩٩. مشار إليه لدى: د. حسام لطفي: المرجع السابق، ص 389.

) [46] ) فتوى الجمعية العمومية لقسمَي الفتوى والتشريع ‏بمجلس الدولة رقم 1256 بتاريخ 23/8/2021 (ملف ‏رقم 58/1/634) وهو ما أكدته الجمعية ‏ذاتها في الفتوى رقم 50 بتاريخ 16/1/2022 - ملف رقم ‏‏58/1/634) - بتأييد الإفتاء السابق ردًّا على الكتاب الوارد من وزير الصحة والسكان إلى السيد الأستاذ المستشار/ رئيس مجلس الدولة، بالإفادة بالرأي بذات الخصوص.

) [47] ) جاء تقرير هيئة المفوضين بالمحكمة الدستورية العليا بصيغته المنشورة على المواقع الإخبارية تأييدًا لرأي سابق لنا، لمزيد من التفصيل حول رأينا، راجع: بحثنا عن الأثر القانوني المترتب على الحكم الصادر من إحدى الدوائر الجنائية بمحكمة النقض في الطعن رقم 8535 لسنة 94 ق بجلسة 26/10/2025 بوقف نظر الطعن تعليقًا، وإحالة الأوراق إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في دستورية قرار رئيس هيئة الدواء المصرية رقم ٦٠٠ لسنة ٢٠٢٣.

) [48] ) المحكمة الدستورية العليا: الطعن رقم 15 لسنة 1 ق دستورية جلسة 9/5/1981.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق