المنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ : ۲۰۲٦/۰٥/۱۰
باسم الشعب
المحكمة الدستورية العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت التاسع من مايو سنة 2026م، الموافق الحادي والعشرين من ذي القعدة سنة 1447هـ.
برئاسة السيد المستشار/ بولس فهمي إسكندر رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين : محمود محمد غنيم والدكتور طارق عبد الجواد شبل وخالد أحمد رأفت دسوقي والدكتورة فاطمة محمد أحمد الرزاز وصلاح محمد الرويني ومحمد أيمن سعد الدين عباس نواب رئيس المحكمة
وحضور السيد المستشار الدكتور/ عماد طارق البشري رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد/ محمد ناجي عبد السميع أمين السر
أصدرت الحكم الآتي
في الدعوى المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 244 لسنة 23 قضائية "دستورية"
المقامة من
-1أحمد الطيب حسين أحمد
-2 مدثر سليم أحمد علـي
ضد
-1رئيس الجمهوريــة
-2رئيس مجلس الوزراء
-3وزيــر العـــدل
-4جابر عوض سيــد
--------------
الإجراءات
بتاريخ الثالث عشر من سبتمبر سنة 2001، أودع المدعيان صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا، طالبين الحكم بعدم دستورية المواد (302 و303 و306 و307) من قانون العقوبات الصادر بالقانون رقم 58 لسنة 1937.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرتين، طلبت فيهما الحكم برفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرًا برأيها، أعقبته تقريرين تكميليين، بعد أن أعادت المحكمة الدعوى إليها لاستكمال التحضير.
ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر جلسة 7/3/2026، وفيها قدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، طلبت فيها الحكم، أولًا: بعدم قبول الدعوى بالنسبة للمواد (302/ 1، 3 و303/ 2 و306) من قانون العقوبات، ومضاعفة العقوبة المنصوص عليها بالمادة (307) من القانون ذاته، لسابقة الفصل فيها، ثانيًا: برفضها فيما عدا ذلك، وقررت المحكمة إصدار الحكم بجلسة اليوم.
-------------
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع تتحصل -على ما يتبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق- في أن النيابة العامة أحالت المدعيين وآخرين إلى المحاكمة الجنائية أمام محكمة جنايات أسوان في الدعوى رقم 9980 لسنة 1996 جنح قسم أسوان، المقيدة برقم 770 لسنة 1997 حصر أمن الدولة العليا، و191 لسنة 2000 جنايات أمن الدولة العليا، بوصف أنهما: في غضون شهر سبتمبر سنة 1996، بدائرة قسم أسوان: المتهم الأول (المدعي الأول): قذف وسب بإحدى طرق العلانية في حق المدعى عليه الرابع (عميد المعهد العالي للخدمة الاجتماعية بأسوان وعضو مجلس الشعب) بسبب أداء مهام وظيفته ونيابته؛ بأن أسند إليه عن طريق النشر بالعدد السادس من جريدة أبناء أسوان، الصادر في سبتمبر 1996، أمورًا لو صحت لأوجبت عقابه واحتقاره عند أهل وطنه، وذلك في المقالين اللذين حررهما ونشرهما والمعنونين "......"، وكان ذلك بسوء قصد وبدون إثبات حقيقة كل فعل أسنده إليه، وسبه بأن نعته بألفاظ ".......". المتهم الثالث (المدعي الثاني): اشترك بطريق التحريض مع المتهم الأول في ارتكاب الجريمتين سالفتي البيان؛ بأن حرضه – بصفته رئيس مجلس إدارة جريدة أبناء أسوان – على نشر المقالات موضوع التهمتين السالفتين، لوجود خلافات بينه وبين المدعى عليه الرابع، على النحو المبين بالتحقيقات، فوقعت الجريمة بناءً على هذا التحريض، وطلبت النيابة العامة عقابهما بالمواد (40/ أولًا و41 و171 و185 و302 /1، 3 و303 /2 و307) من قانون العقوبات. وبجلسة 21/7/2001، دفع المدعيان بعدم دستورية نصوص المواد (302 و303 و306 و307) من قانون العقوبات. وإذ قدرت المحكمة جدية الدفع، وصرحت بإقامة الدعوى الدستورية؛ فأقاما الدعوى المعروضة.
وحيث إن المادة (185) من قانون العقوبات الصادر بالقانون رقم 58 لسنة 1937 – معدلة بنص المادة الثانية من القانون رقم 147 لسنة 2006 – تنص على أنه:
"يعاقب بغرامة لا تقل عن عشرة آلاف جنيه ولا تزيد على عشرين ألف جنيه كل من سب موظفًا عامًّا أو شخصًا ذا صفة نيابية عامة أو مكلفًا بخدمة عامة بسبب أداء الوظيفة أو النيابة أو الخدمة العامة، وذلك مع عدم الإخلال بتطبيق الفقرة الثانية من المادة (302) إذا وجد ارتباط بين السب وجريمة قذف ارتكبها ذات المتهم ضد نفس من وقعت عليه جريمة السب".
وتنص المادة (302) من قانون العقوبات – بعد أن استبدل بفقرتها الثانية نص المادة الثالثة من القانون رقم 147 لسنة 2006- على أنه:
"يعد قاذفًا كل من أسند لغيره بواسطة إحدى الطرق المبينة بالمادة (171) من هذا القانون أمورًا لو كانت صادقة لأوجبت عقاب من أسندت إليه بالعقوبات المقررة لذلك قانونًا أو أوجبت احتقاره عند أهل وطنه.
ومع ذلك فالطعن في أعمال موظف عام أو شخص ذي صفة نيابية عامة أو مكلف بخدمة عامة لا يدخل تحت حكم الفقرة السابقة إذا حصل بسلامة نية وكان لا يتعدى أعمال الوظيفة أو النيابة أو الخدمة العامة، وبشرط أن يثبت المتهم حقيقة كل فعل أسنده إلى المجني عليه، ولسلطة التحقيق أو المحكمة، بحسب الأحوال، أن تأمر بإلزام الجهات الإدارية بتقديم ما لديها من أوراق أو مستندات معززة لما يقدمه المتهم من أدلة لإثبات حقيقة تلك الأفعال.
ولا يقبل من القاذف إقامة الدليل لإثبات ما قذف به إلا في الحالة المبينة بالفقرة السابقة".
وتنص المادة (303) من القانون ذاته – معدلة بنص المادة الثانية من القانون رقم 147 لسنة 2006– على أن:
" يعاقب على القذف بغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه ولا تزيد على خمسة عشر ألف جنيه.
فإذا وقع القذف في حق موظف عام أو شخص ذي صفة نيابية عامة أو مكلف بخدمة عامة، وكان ذلك بسبب أداء الوظيفة أو النيابة أو الخدمة العامة، كانت العقوبة غرامة لا تقل عن عشرة آلاف جنيه ولا تزيد على عشرين ألف جنيه".
وتنص المادة (306) من القانون ذاته - معدلة بنص المادة الثانية من القانون رقم 147 لسنة 2006- على أن "كل سب لا يشتمل على إسناد واقعة معينة بل يتضمن بأي وجه من الوجوه خدشًا للشرف أو الاعتبار يعاقب عليه في الأحوال المبينة بالمادة (171) بغرامة لا تقل عن ألفي جنيه ولا تزيد على عشرة آلاف جنيه".
وتنص المادة (307) من القانون المشار إليه -معدلة بالقانون رقم 93 لسنة 1995- على أنه "إذا ارتكبت جريمة من الجرائم المنصوص عليها في المواد من 182 إلى 185 و303 و306 بطريق النشر في إحدى الجرائد أو المطبوعات رفعت الحدود الدنيا والقصوى لعقوبة الغرامة المبينة في المواد المذكورة إلى ضعفيها".
وحيث إنه عن طلب الحكم بعدم دستورية نصوص المواد (302 و303 و306 و307) من قانون العقوبات، فلما كانت المحكمة الدستورية العليا قد سبق أن باشرت رقابتها على دستورية نص المادة (303/ الفقرة الثانية) والمادة (307 في مجال انطباقها على النص المذكور) من قانون العقوبات، المعدل بالقانون رقم 93 لسنة 1995، والمستبدل به القانون رقم 147 لسنة 2006، وذلك بحكمها الصادر بجلسة 6/7/2024، في الدعوى رقم 60 لسنة 22 قضائية "دستورية"، والذي قضى برفضها، وقد نُشر الحكم في الجريدة الرسمية - العدد (27) مكرر بتاريخ 7/7/2024، كما باشرت هذه المحكمة رقابتها على دستورية نصوص المواد: (302/ الفقرتين الأولى والثالثة) و(303/ الفقرة الأولى) و(306) و(307 في مجال انطباقها على النصين الأخيرين) من قانون العقوبات، المعدل والمستبدل به القانونان المار ذكرهما، وذلك بحكمها الصادر بجلسة 1/9/2025، في الدعوى رقم 16 لسنة 24 قضائية "دستورية"، الذي قضى برفضها، وقد نُشر الحكم في الجريدة الرسمية - العدد 35 مكرر (أ) بتاريخ 3/9/2025. وإذ كان مقتضى نص المادة (195) من الدستور، والمادتين (48 و49) من قانون هذه المحكمة الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979، أن تكون أحكام هذه المحكمة والقرارات الصادرة منها ملزمة للكافة، ولجميع سلطات الدولة، وتكون لها حجية مطلقة بالنسبة إليهم، باعتبارها قولًا فصلًا لا يقبل تأويلًا ولا تعقيبًا من أية جهة كانت، وهي حجية تحول بذاتها دون المجادلة فيها، أو إعـادة طرحها عليها من جديد لمراجعتها. ومن ثم؛ فإن الخصومة في الدعوى المعروضة تكون قد انحسمت بالنسبة إلى نصوص تلك المـواد، محددة نطاقًا على ما سلف بيانه من منطوق الحكمين المشار إليهما، وما يرتبط به من أسباب ارتباطًا لا يقبل التجزئة؛ مما لزامه القضاء بعدم قبول الدعوى في هذا الشق منها.
وحيث إن المقرر في قضاء هذه المحكمة أن المصلحة الشخصية المباشرة في الدعوى الدستورية –وهي شرط لقبولها– مناطها أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الفصل في المسألة الدستورية لازمًا للفصل في الطلبات المرتبطة بها، المطروحة أمام محكمة الموضوع.
وحيث إن نطاق الدعوى الدستورية وإن كان يتحدد أصلًا بالنصوص القانونية التي يتعلق بها الدفع بعدم الدستورية المثار أمام محكمة الموضوع، فإن هذا النطاق يمتد ليشمل أيضًا النصوص التي يُضار المدعون من جراء تطبيقها عليهم، ولو لم يتضمنها الدفع بعدم الدستورية، إذا كان فصلها عن النصوص التي اتصلت بالمحكمة الدستورية العليا متعذرًا، وكان ضمها إليها كافلًا تحقيق الأغراض التي يتوخاها المدعون من دعواهم الدستورية.
متى كان ذلك، وكانت النيابة العامة قد أسندت إلى المدعيين –من آحاد الناس– ارتكاب جريمتي قذف وسب المدعى عليه الرابع علنًا، والتحريض على ذلك، بسبب أداء مهام وظيفته ونيابته، السالف بيانهما، وكان ذلك بطريق النشر، وأحالتهما إلى محكمة جنايات أسوان، لمحاكمتهما بهاتين الجريمتين، المؤثمة ثانيتهما (السب) بمقتضى نص المادة (185) من قانون العقوبات، المعدل بنص المادة الثانية من القانون رقم 147 لسنة 2006، باعتباره نصًّا خاصًا مقيدًا للنص العام لجريمة السب المؤثمة بالمادة (306) من قانون العقوبات، ومن ثم فإن مصلحة المدعيين الشخصية المباشرة لا تتحقق في الدعوى المعروضة بعيدًا عن الفصل في دستورية النص الخاص، المشدد عقوبته بالمادة (307) من القانون ذاته، كون ذلك كافلًا للأغراض التي توخاها المدعيان من هذه الدعوى، كما تتحقق مصلحتهما الشخصية المباشرة فيما اشترطته الفقرة الثانية من المادة (302) من قانون العقوبات – لإعمال سبب الإباحة في جريمتي القذف والسب العلني المسندتين إلى المدعيين – من وجوب أن يثبت من يطعن في أعمال موظف عام أو شخص ذي صفة نيابية عامة أو مكلف بخدمة عامة حقيقة كل فعل أسنده إلى المجني عليه، وأن يحصل الطعن في أعمال الفئات المذكورة بسلامة نية، وألا يتعدى أعمال الوظيفة أو النيابة أو الخدمة العامة التي يقوم بها أي منهم، ومن ثم يتحدد نطاق الدعوى المعروضة فيما تقدم من أحكام المواد المذكورة دون غيرها من أحكام أخرى.
وحيث إن المدعيين ينعيان على النصوص التي تحدد بها نطاق هذه الدعوى انتفاء الضرورة الاجتماعية التي تبرر تجريم سب الفئات المذكورة في المادة (185) من قانون العقوبات، والقذف في حقهم المعاقب عليه بالمادة (302/1) من القانون ذاته؛ لما يمثله ذلك من مصادرة لحرية الرأي والحق في التعبير، وحرية الصحافة، والعقاب على هذين الفعلين بعقوبات جنائية تتسم بالغلو والإفراط، وتفتقد المعقولية والتناسب، حال أن الجزاء المدني يكون كافيًا للردع إذا ما رتب أي من الفعلين ضررًا للغير، كما أن الشروط التي تطلبها نص الفقرة الثانية من المادة (302) من قانون العقوبات لإباحة الطعن في أعمال الموظف العام أو ذي صفة نيابية عامة أو مكلف بخدمة عامة تناقض أصل البراءة، والحق في المحاكمة المنصفة، وحق الدفاع، وذلك كله بالمخالفة لنصوص المواد (40 و41 و47 و62 و65 و66 و67 و69 و125) من دستور 1971، فضلًا عن مخالفتها المواثيق والعهود والاتفاقات الدولية.
وحيث إنه عن النعي على النصوص المطعون فيها مخالفة المواثيق والعهود والاتفاقيات الدولية، ومنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، والميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، فهو مردود بأن المعاهدات والاتفاقيات الدولية إنما يكون لها –بعد إبرامها والتصديق عليها ونشرها، وفقًا للأوضاع المقررة بالمادة (151) من الدستور– قوة القانون، ومن ثم فإن الفصل فيما إذا كانت تلك النصوص قد انطوت على مخالفة للمعاهدات الدولية والمواثيق المشار إليها، يخرج عن ولاية المحكمة الدستورية العليا، ومناطها مخالفة نص تشريعي لقاعدة في الدستور، ولا شأن لها بالتعارض بين نصين تشريعيين جمعهما قانون واحد، أو تفرقا بين قانونين مختلفين، ما لم يكن هذا التعارض منطويًا في ذاته على مخالفة دستورية، وهو ما لم تُفصح عنه مناعي المدعيين؛ مما لزامه الالتفات عن هذا النعي.
وحيث إن الرقابة على دستورية القوانين، من حيث مطابقتها للقواعد الموضوعية التي تضمنها الدستور، إنما تخضع لأحكام الدستور القائم دون غيره، بحسبانه مستودع القيم التي يجب أن تقوم عليها الجماعة، وتعبيرًا عن إرادة الشعب منذ صدوره؛ ذلك أن نصوص هذا الدستور تمثل دائمًا القواعد والأصول التي يقوم عليها النظام العام في المجتمع، وتشكل أسمى القواعد الآمرة التي تعلو على ما دونها من تشريعات؛ ومن ثم يتعين التزامها، ومراعاتها، وإهدار ما يخالفها من تشريعات - أيًّا كان تاريخ العمل بها - لضمان اتساقها والمفاهيم التي أتى بها، فلا تتفرق هذه القواعد في مضامينها بين نظم مختلفة يناقض بعضها البعض، بما يحول دون جريانها وفق المقاييس الموضوعية ذاتها التي تطلبها الدستور، شرطًا لمشروعيتها الدستورية. متى كان ذلك، وكانت المطاعن التي وجهها المدعيان إلى النصوص المطعون عليها تندرج تحت المطاعن الموضوعية التي تقوم في مبناها على مخالفة نص تشريعي لقاعدة في الدستور، من حيث محتواها الموضوعي؛ ومن ثم فإن هذه المحكمة تباشر رقابتها على دستورية النصوص المطعون عليها، التي لا تزال قائمة ومعمولًا بها، في ضوء أحكام الدستور القائم الصادر سنة 2014.
وحيث إن المقرر في قضاء المحكمة الدستورية العليا أن القانون الجنائي وإن اتفق مع غيره من القوانين في سعيها لتنظيم علائق الأفراد فيما بين بعضهم البعض، وعلى صعيد صلاتهم بمجتمعهم، فإن هذا القانون يفارقها في اتخاذه الجزاء الجنائي أداة لحملهم على إتيان الأفعال التي يأمرهم بها، أو التخلي عن تلك التي ينهاهم عن مقارفتهـا، وهو بذلك يتغيَّا أن يحدد من منظور اجتماعي ما لا يجوز التسامح فيه من مظاهر سلوكهم، بما مؤداه أن الجزاء على أفعالهم لا يكون مخالفــًا للدستور إلا إذا كان مجاوزًا حدود الضرورة التي اقتضتها ظروف الجماعة في مرحلة من مراحل تطورها، فإذا كان مبررًا من وجهة اجتماعية انتفت عنه شبهة المخالفة الدستورية؛ ومن ثم يتعين على المشرع، حين يقدر وجوب التدخل بالتجريم حماية لمصلحة المجتمع، أن يجري موازنة دقيقة بين مصلحة المجتمع والحرص على أمنه واستقراره من جهة، وبين ضمان حريات وحقوق الأفراد من جهة أخرى.
وحيث إن النطاق الحقيقي لمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، المنصوص عليه في المادة (95) من الدستور، إنما يتحدد على ضوء عدة ضمانات، يأتي على رأسها وجوب صياغة النصوص العقابية بطريقة واضحة محددة لا خفاء فيها أو غموض، فلا تكون هذه النصـوص شباكًا أو شراكًا يلقيها المشرع، متصيّدًا باتساعها أو بخفائها من يقعون تحتها أو يخطئون مواقعها، وهي ضمانات غايتها أن يكون المخاطبون بالنصوص العقابية على بيّنة من حقيقتها؛ فلا يكون سلوكهم مجافيًا لها، بل اتساقًا معها ونزولًا عليها. وكان الدستور قد دل بهذه المادة على أن لكل جريمة ركنًا ماديًّا لا قوام لها بغيره، يتمثل أساسًا في فعل أو امتناع وقع بالمخالفة لنص عقابي، مفصحًا بذلك عن أن ما يركن إليه القانون الجنائي ابتداء، في زواجره ونواهيه، هو مادية الفعل المؤاخذ على ارتكابه، إيجابيًّا كان هذا الفعل أم سلبيًّا؛ ذلك أن العلائق التي ينظمها هذا القانون في مجال تطبيقه على المخاطبين بأحكامه محورها الأفعال ذاتها، في علاماتها الخارجية، ومظاهرها الواقعية، وخصائصها المادية؛ إذ هي مناط التأثيم وعلته، وهي التي يتصور إثباتها ونفيها، وهي التي يتم التمييز على ضوئها بين الجرائم بعضها عن بعض، وهي التي تديرها محكمة الموضوع على حكم العقل لتقييمها وتقدير العقوبة المناسبة لها، بل إنه في مجال تقدير توافر القصد الجنائي فإن محكمة الموضوع لا تعزل نفسها عن الواقعة محل الاتهام التي قام الدليل عليها قاطعًا واضحًا، ولكنها تجيل بصرها فيها منقبة من خلال عناصرها عما قصد إليه الجاني حقيقة من وراء ارتكابها، ومن ثَمَّ تعكس هذه العناصر تعبيرًا خارجيًّا وماديًّا عن إرادة واعية. وتبعًا لذلك؛ لا يتصور -وفقًا لأحكام الدستور- أن توجد جريمة في غيبة ركنها المادي، ولا إقامة الدليل على توافر علاقة السببية بين مادية الفعل المؤثم والنتائج التي أحدثها، بعيدًا عن حقيقـة هذا الفعل ومحتواه، ولازم ذلك أن كل مظاهر التعبير عن الإرادة البشرية - وليس النيات التي يضمرها الإنسان في أعماق ذاته- تعتبر واقعة في منطقة التجريم كلما كانت تعكس سلوكًا خارجيًّا مؤاخذًا عليه قانونًا، فإذا كان الأمر غير متعلق بأفعال أحدثتها إرادة مرتكبها، وتم التعبير عنها خارجيًّا في صور مادية لا تخطئها العين؛ فليس ثمة جريمة.
وحيث إن المقرر في قضاء هذه المحكمة أنه لا تجوز معاملة المتهمين بوصفهم نمطًا ثابتًا، أو النظر إليهم باعتبار أن صورة واحدة تجمعهم لتصبهم في قالبها، بما مؤداه: أن الأصل في العقوبة هو تفريدها لا تعميمها، وتقرير استثناء من هذا الأصل -أيًّا كانت الأغراض التي يتوخاها– مؤداه أن المذنبين جميعهم تتوافق ظروفهم، وأن عقوبتهم يجب أن تكون واحدة لا تغاير فيها، وهو ما يعني إيقاع جزاء في غير ضرورة، بما يفقد العقوبة تناسبها مع وزن الجريمة وملابساتها، وبما يقيد الحرية الشخصية دون مقتضى؛ ذلك أن مشروعية العقوبة من زاوية دستورية مناطها أن يباشر كل قاضٍ سلطته في مجال التدرج بها وتجزئتها، تقديرًا لها، في الحدود المقررة قانونًا؛ فذلك وحده الطريق إلى معقوليتها وإنسانيتها، جبرًا لآثار الجريمة من منظور موضوعي يتعلق بها وبمرتكبها، وأن حرمان من يباشرون تلك الوظيفة من سلطتهم في مجال تفريد العقوبة بما يوائم بين الصيغة التي أفرغت فيها ومتطلبات تطبيقها في كل حالة بذاتها، مؤداه بالضرورة أن تفقد النصوص العقابية اتصالها بواقعها، فلا تنبض بالحياة، ولا يكون إنفاذها إلا عملًا مجردًا يعزلها عن بيئتها، دالًّا على قسوتها أو مجاوزتها حد الاعتدال، جامدًا فجًّا منافيًا لقيم الحق والعدل.
وحيث إن افتراض أصل البراءة الـذي نص عليه الدستور في المادة (96) منه -على ما جرى به قضاء هذه المحكمة- يُعد أصلًا ثابتًا يتعلق بالتهمة الجنائية، وينسحب إلى الدعوى الجنائية في جميع مراحلها وعلى امتداد إجراءاتها، وقد غدا حتمًا عدم جواز نقض البراءة بغير الأدلة الجازمة التي تخلص إليها المحكمة، وتتكون من مجموعها عقيدتها، حتى تتمكن من دحض أصل البراءة المفروض في الإنسان، على ضوء الأدلة المطروحة أمامها، التي تثبت كل ركن من أركان الجريمة، وكل واقعة ضرورية لقيامها، بما في ذلك القصد الجنائي بنوعيه إذا كان متطلبًا فيها، وبغير ذلك لا ينهدم أصل البراءة.
وحيث إن حق الدفاع أصالةً أو بالوكالة قد كفله الدستور، باعتبار أن ضمانة الدفاع لا يمكن فصلها أو عزلها عن حق التقاضي؛ ذلك أنهما يتكاملان ويعملان معًا في دائرة الترضية القضائية، التي يُعتبر اجتناؤها غاية نهائية للخصومة القضائية، فلا قيمة لحق التقاضي ما لم يكن متساندًا لضمانة الدفاع، مؤكدًا لأبعادها، عاملًا من أجل إنفاذ مقتضاها، كذلك لا قيمة لضمانة الدفاع بعيدًا عن حق النفاذ إلى القضاء، وإلا كان القول بها وإعمالها واقعًا وراء جدران صامتة؛ يؤيد ذلك أن الحقوق التي يكفلها الدستور أو القانون تتجرد من قيمتها العملية إذا كان من يطلبها عاجزًا عن بلوغها من خلال حق التقاضي، أو كان الخصوم الذين تتعارض مصالحهم بشأنها لا يتماثلون فيما بينهم، في أسلحتهم التي يشرعونها لاقتضائها.
وحيث إن الدستور كفل بموجب المادة (65) منه حرية الرأي والحق في التعبير، كما صان بمقتضى نص المادتين (70 و71) منه للصحافة حريتها، وحظر رقابتها، إلا استثناء في زمن الحرب أو التعبئة العامة، كما حظر مصادرتها، أو وقفها، أو إغلاقها، بما يحول كأصل عام دون التدخل في شئونها، أو إرهاقها بقيود ترد رسالتها على أعقابها، أو إضعافها من خلال تقليص دورها في بناء مجتمعها وتطويره، متوخيًا دومًا أن يكرس بها قيمًا جوهرية، يتصدرها أن يكون الحوار بديلًا عن القهر والتسلط، ونافذة لإطلال المواطنين على الحقائق التي لا يجوز حجبها عنهم، ومدخلًا لتعميق معلوماتهم فلا يجوز طمسها أو تلوينها، بل يكون تقييمها عملًا موضوعيًّا محددًا لكل سلطة مضمونها الحق وفقًا للدستور، فلا تكون ممارستها إلا توكيدًا لصفتها التمثيلية، وطريقًا إلى حرية أبعد تتعدد مظاهرها وتتنوع توجهاتها، بل إن الصحافة تكفل للمواطن دورًا فاعلًا، وعلى الأخص من خلال الفرص التي تتيحها معبرًا بوساطتها عن تلك الآراء التي يؤمن بها ويحقق بها تكامل شخصيته، بيد أن هذا الحق وتلك الحرية، وهما من نسيج واحد، لا يتأبيان على التنظيم التشريعي، متى كان هذا التنظيم دائرًا في الحدود التي تمنع ممارسة حرية الصحافة والرأي والحق في التعبير من مجاوزة التخوم الدستورية، فلا تنقلب عدوانًا على حقوق الأفراد، ونيلًا من كرامتهم، وطعنًا في أعراضهم، ومساسًا بحرماتهم، وافتئاتًا على حياتهم. وقد أكد ذلك نص الفقرة الثانية من المادة (71) من الدستور، التي حظرت - فيما عدا الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو التمييز بين المواطنين أو بالطعن في أعراض الأفراد- العقاب على جرائم النشر بعقوبات سالبة للحرية، مما مؤداه تقرير الدستور حق المشرع في العقاب على جرائم النشر، شريطة ألا تصل العقوبة، في غير ما استثنى النص، إلى العقوبات السالبة للحرية.
وحيث إن الدستور، في مقام ترسيمه للحقوق الدستورية اللصيقة بشخص المواطن، على ما حددته المادة (92) من الدستور، وهي تلك الحقوق الدستورية التي لا يجوز المساس بها، ولا التنازل عنها، أعلى من شأن الكرامة الإنسانية، بحسبانها الأساس الذي لا تتنفس الحرية الشخصية إلا بضمان وجوده؛ فنص في المادة (51) منه على أن "الكرامة حق لكل إنسان، ولا يجوز المساس بها، وتلتزم الدولة باحترامها وحمايتها"، فشملت الحماية الدستورية المقررة لهذا الحق كل إنسان، دون اعتبار لجنسيته، أو نوعه، أو مركزه الوظيفي، ليكون كل اعتداء عليها – في غير أحوال الإباحة – إخلالًا بهذا الحق الدستوري. ومن جهة أخرى، ألقى على الدولة واجبًا في أن تصون بسائر تشريعاتها الكرامة الإنسانية، فتحول دون المساس بها، وأن تقوم على حمايتها والذود عنها؛ قاصدًا من ذلك أن يكفل لكل إنسان يحيا على أرض هذا الوطن الحق في صون كرامته، وحفظها من المساس بها. ومن تجليات هذا الحق الدستوري أن ألقى الدستور في المادة (59) منه على الدولة التزامًا أصيلًا بتوفير الأمن والطمأنينة لمواطنيها، بل ويمتد لكل مقيم على أرضها، وهو التزام لا يقتصر على حفظ النفس من الاعتداء المادي عليها، بل إلى حفظ الكرامة الإنسانية كذلك، ومن أخص خصائصها تأثيم الاعتداء عليها بكل فعل يوجب عقاب المجني عليه أو احتقاره عند أهل وطنه، متى وقع خارج حدود الإباحة.
وحيث إن المشرع - في مقام تجريم أفعال السب- قد استهدف حماية الحق في الكرامة الإنسانية؛ تقديرًا منه أن الكرامة الإنسانية هي عماد الحقوق والحريات الشخصية، وقوامها صون حرمة الحياة الخاصة، بحسبانها مستودع السر لدى الإنسان، الذي لا يسوغ انتهاكه أو الولوج إلى غياهبه إلا برضاء صاحبه. وكان تجريم المشرع لأفعال السب، على ما يتضمنه من خدش للشرف والاعتبار، قد جاء متسقًا مع ما أوجبه الدستور في المادتين (51 و99) منه؛ من حفظ الكرامة الإنسانية، وحرمة الحياة الخاصة، ولم يفتئت على حرية الرأي والحق في التعبير، أو ينل من حرية الصحافة أو يصادرها، بل جاء في إطار تنظيمها، ويكون ما نعاه المدعيان بانتفاء الضرورة الاجتماعية للتأثيم لغوًا.
وحيث إن العقوبة المرصودة بنص المادة (185) من قانون العقوبات قد استوفت مقتضيات القيد الدستوري المنصوص عليه في المادة (71) من الدستور، بحظر توقيع عقوبة سالبة للحرية في الجرائم التي ترتكب بطريق النشر أو العلانية - في غير أحوال الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو بالتمييز بين المواطنين أو بالطعن في أعراض الأفراد - ومن ثم تكون قد سلمت من مخالفة هذا القيد الدستوري. إذ كان ذلك، وكان المشرع قد قرر عقوبة الغرامة التي لا تقل عن عشرة آلاف جنيه، ولا تزيد على عشرين ألف جنيه، وهي عقوبة تتراوح بين حدين أدنى وأقصى، تاركًا للمحكمة أن تتخير القدر المناسب منها بحسب جسامة الفعل المنسوب إلى المتهم، وكان رفع حدي العقوبة، على ما قضى به نص المادة (307) من قانون العقوبات، قد وافق تطور الأوضاع الاقتصادية في المجتمع، لتصبح عقوبة الغرامة لا تقل عن عشرين ألف جنيه، ولا تزيد على أربعين ألف جنيه، إذا ارتكبت الجريمة بطريق النشر في إحدى الجرائد أو المطبوعات؛ لما لهذه الوسيلة من سعة نشر، ليبلغ الضرر مداه باطلاع عدد غير محدود على وقائع السب. وكان المشرع قد أتاح للمحكمة الجنائية - إذا ما خلصت للإدانة- أن تقدر لكل حال ما يناسبها من العقوبة، مراعية في ذلك جسامة الفعل، ولم يحُل، بهذين النصين، بين المحكمة وبين سلطتها في استعمال مكنة وقف تنفيذ العقوبة إن رأت لذلك مبررًا، وكان هذا التقدير في عمومه محمولًا من زاوية دستورية، ليتناسب مع الجرم المرتكب؛ ومن ثم فإن نص المادتين (185) - معدلًا بنص المادة الثانية من القانون رقم 147 لسنة 2006- و(307) من قانون العقوبات –معدلًا بالقانون رقم 93 لسنة 1995- في مجال انطباق ثانيهما على أولهما، يكونان قد وافقا الضوابط الدستورية للعقوبة، وسلما من مظنة مخالفتها؛ ويضحى الطعن عليها فاقدًا سنده جديرًا برفضه.
وحيث إنه عن الطعن على دستورية المادة (302 /2) من قانون العقوبات - في النطاق المحدد سلفًا – مردود بما هو مقرر في قضاء هذه المحكمة من أن ما يعد قذفًا وفقًا للقانون إنما يندرج تحت الجرائم التي تخل باعتبار الشخص وقدره. وقد دل المشرع بالنصوص التي حدد بها أركان هذه الجريمة على أن قوامها إسناد واقعة محددة قصدًا وعلانية إلى شخص معين إذا كان من شأن هذه الواقعة -لو قام الدليل على صحتها- عقابه أو احتقاره عند أهل وطنه. والأصل في هذه الجريمة أن مرتكبها -كلما توافرت أركانها- مؤاخذ بالعقوبة المقررة لها ولو كان يعتقد صحة الواقعة التي نسبها إلى غيره، أو كان لهذه الواقعة معينها من الأوراق، وسواء كان تقديره لثبوتها مشوهًا أو مندفعًا أو متزنًا، حملته على إسنادها ضغائن شخصية أو كان مستلهمًا فى ذلك قوة الحقيقة ونقاء الضمير؛ ومن ثم لا اعتداد فى قيام هذه الجريمة بصحة الواقعة أو بهتانها، استوائها على الحق أو ولوغها في الباطل، اقتران إسنادها بنية الإضرار أو تجرده من سوء القصد. وإذ كان ما تقدم هو الأصل فى كل واقعة تعد قذفًا وفقًا للقانون، فإن المشرع أباح الإسناد العلني لما يُعد قذفًا، وذلك في أحوال بذاتها هي تلك التى يقتضيها الطعن في أعمال الموظفين العموميين أو المكلفين بالخدمة العامة أو ذوي الصفة النيابية العامة باعتبار أن هذه الأعمال من الشئون العامة التي لا يجوز أن يكون الاهتمام بالاستقامة فى أدائها والالتزام بضوابطها ومتطلباتها وفقًا للقانون مقصورًا على فئة من المواطنين دون أخرى، بما مؤداه: أن يكون انتقاد جوانبها السلبية، وتعرية نواحي التقصير فيها، وبيان أوجه مخالفة القانون في مجال ممارستها، حقًّا لكل مواطن؛ وفاءً بالمصلحة العامة التي يقتضيها النهوض بالمرافق العامة وأداء المسئولية العامة على الوجه الأكمل، ولأن الوظيفة العامة وما يتصل بها من الشئون العامة لا تعدو أن تكون تكليفًا للقائمين عليها، والتزامهم الأصلي فى شأنها مقصور على النهوض بتبعاتها بما لا مخالفة فيه للقانون. فإذا كان انتقاد القائم من هؤلاء بالعمل العام منطويًا على إسناد واقعة أو وقائع بذاتها علانية إليه من شأنها - لو صحت - عقابه أو احتقاره عند أهل وطنه، وكان هذا الإسناد بحسن نية، واقعًا في مجال الوظيفة العامة أو النيابة أو الخدمة العامة ملتزمًا إطارها، وأقام من قذفها في حقه الدليل على حقيقتها، اعتبر ذلك قذفًا مباحًا قانونًا؛ عملًا بنص الفقرة الثانية من المادة (302) من قانون العقوبات. متى كان ذلك وكانت الإباحة -بالشروط المتقدمة- مستندة إلى نص القانون، فإن الفقرة الثانية من المادة (302) المشار إليها، تعتبر مصدرًا مباشرًا لها، وهي في كل حال لا تعدو أن تكون تطبيقًا لقاعدة عامة في مجال استعمال الحق؛ إذ يعتبر هذا الاستعمال دومًا سببًا للإباحة كلما كان الغرض منه تحقيق المصلحة الاجتماعية التي شرع الحق من أجلها.
وحيث إن المشرع -بالإباحة التي قدرها في مجال انتقاد القائمين بالعمل العام تبيانًا لحقيقة الأمر في شأن الكيفية التي يصرفون بها الشئون العامة- قد وازن بين مصلحة هؤلاء في توقي خدش شرفهم الوظيفي واعتبارهم المجتمعي والتعريض بسمعتهم من ناحية، وبين مصلحة أولى بالرعاية وأحق بالحماية هي تلك النابعة من ضرورة أن يكون العمل العام واقعًا في إطار القانون مراعيًا مبدأ الشفافية، مباعدًا بين الوظيفة العامة وشبهة الفساد، وكان المشرع -على ضوء مقتضيات هذه الموازنة وفي حدود ضوابطها- قد حسر عن القائم بالعمل العام الرعاية التى يتطلبها صون اعتباره كلما كان الإسناد العلني -المتضمن قذفًا في حقه- واقعًا في حدود النقد المباح الذي بين قانون العقوبات شروطه في الفقرة الثانية من المادة (302) منه، وكان من المقرر أن توافر الشروط التي يتطلبها القانون في النقد المباح إنما يزيل عن الفعل صفته الإجرامية، ويرده إلى دائرة المشروعية، بعد أن كان خارجًا عن محيطها لخضوعه ابتداءً لنص بالتجريم.
وحيث إنه عن النعي بمخالفة نص المادة (302/2) من قانون العقوبات مبدأ المساواة، وإهداره أصل البراءة، وإخلاله بحق الدفاع والمحاكمة المنصفة، قولًا بأن المشرع اعتد بحسن النية لنفي المسئولية الجنائية في غير موضع من قانون العقوبات، في حين أن من يطعن في أعمال موظف عام أو أي من أشخاص الفئات المذكورة في الفقرة الثانية من المادة (302) المشار إليها، ليس له أن يحتج بحسن نيته لإباحة فعله، متى تخلف الشرطان الآخران المنصوص عليهما في المادة المذكورة، فإن ذلك يُعزى إلى اختلاف المركز القانوني بين من يحتج بحسن النية لنفي القصد الجنائي العمدي – عامًّا أم خاصًّا – في جريمة أُسندت إليه ليخرج فعله عن نطاق التأثيم الجنائي ويرتد إلى دائرة المشروعية، وبين من يحتج بحسن النية - وحده – دون تحقق الشرطين الآخرين اللازمين معه ليوفر قبله سبب الإباحة المنصوص عليه في المادة المار بيانها؛ ومن ثم يغدو النعي على ذلك النص إخلاله بمبدأ المساواة لا سند له متعينًا اطراحه، كما يكون النعي عليه إهداره أصل البراءة، وإخلاله بحق الدفاع والمحاكمة المنصفة، مرده الخلط بين حسن النية باعتبار توفره سببًا لانتفاء المسئولية الجنائية في الجرائم العمدية، وبين حسن النية باعتباره شرطًا مندمجًا مع شرطين آخرين يتكون من مجموعها سبب إباحة الطعن في أعمال الموظف العام وغيره من الفئات المذكورة بالنص، ولازم ذلك أن يكون النعي في جميع أوجهه غير سديد خليقًا برفضه.
وحيث إنه لما تقدم، وكانت نصوص المواد (185 و302 /2 و307 في مجال انطباقها على النص الأول) من قانون العقوبات المار ذكرها - في النطاق المحدد سلفًا - لا تخالف أي حكم آخر من أحكام الدستور؛ ومن ثم فإن المحكمة تقضي برفض الدعوى.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة برفض الدعوى، ومصادرة الكفالة، وألزمت المدعيين المصروفات.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق