الصفحات

البحث الذكي داخل المدونة

تحميل وطباعة هذه الصفحة

Print Friendly and PDF

السبت، 30 مايو 2026

الدعوى رقم 16 لسنة 44 ق دستورية عليا "دستورية" جلسة 9 / 5 / 2026

المنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ : ⁦۲۰۲٦/۰٥/۱۰⁩

باسم الشعب

المحكمة الدستورية العليا

بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت التاسع من مايو سنة 2026م ، الموافق الحادي والعشرين من ذي القعدة سنة 1447هـ.

برئاسة السيد المستشار/ بولس فهمي إسكندر رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين: الدكتور عادل عمر شريف ومحمود محمد غنيم والدكتور محمد عماد النجار وخالد أحمد رأفت دسوقي وعلاء الدين أحمد السيد والدكتورة فاطمة محمد أحمد الرزاز نواب رئيس المحكمة

وحضور السيد المستشار الدكتور/ عماد طارق البشري رئيس هيئة المفوضين

وحضور السيد/ محمد ناجي عبد السميع أمين السر

أصدرت الحكم الآتي

في الدعوى المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 16 لسنة 44 قضائية "دستورية"، بعد أن أحالت المحكمة الإدارية لمحافظة دمياط بحكمها الصادر بجلسة 24/3/2021، ملف الدعوى رقم 76 لسنة 7 قضائية

المقامة من

محمد علي محمد السعدني

ضد

-1 رئيس جامعة الأزهر

-2 عميد كلية الدراسات الإسلامية والعربية "بنين" بدمياط

------------

الإجـراءات

بتاريخ الثامن والعشرين من أبريل سنة 2022، ورد إلى قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا ملف الدعوى رقم 76 لسنة 7 قضائية، نفاذًا لحكم المحكمة الإدارية لمحافظة دمياط، الصادر بجلسة 24/3/2021، القاضي بوقف الدعوى، وبإحالة الأوراق إلى المحكمة الدستورية العليا، للفصل في دستورية نص الفقرة الخامسة من المادة (190) من اللائحة التنفيذية للقانون رقم 103 لسنة 1961، الصادرة بقرار رئيس الجمهورية رقم 250 لسنة 1975، المستبدل بها قراره رقم 154 لسنة 1991.

وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.

وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرًا برأيها.

ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وفيها قدمت جامعة الأزهر مذكرة، طلبت فيها الحكم برفض الدعوى، وقررت المحكمة إصدار الحكم بجلسة اليوم.

------------------

المحكمــــة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.

حيث إن الوقائع تتحصل – على ما يتبين من حكم الإحالة وسائر الأوراق– في أن المدعي في الدعوى الموضوعية أقام أمام المحكمة الإدارية لمحافظة دمياط الدعوى رقم 76 لسنة 7 قضائية، ضد المدعى عليهما، طالبًا الحكم بعدم الاعتداد بالقرار رقم 449 لسنة 2017، فيما تضمنه من سحب القرار رقم 1912 لسنة 2014، الصادر بضم مدة خبرته العملية السابقة إلى مدة خدمته الحالية، والتسوية المالية، وما يترتب على ذلك من آثار وفروق مالية، أخصها رد ما تم خصمه من راتبه، وذلك على سند من القول إنه بموجب عقد عمل مؤقت بمكافأة شهرية، شغل وظيفة مدرس لغة عربية بمعهد ميت مرجا الابتدائي، ثم بمعهد الجمالية الثانوي الأزهري بالدقهلية، اعتبارًا من 7/2/2007، إلى أن صدر القرار رقم 8294 لسنة 2011، بتعيينه على درجة دائمة بالمعهد الأخير، بوظيفة معلم بالدرجة الثالثة التخصصية. وبموجب الأمر التنفيذي رقم 983، الصادر بتاريخ 8/4/2012، عُيّن معيدًا بقسم البلاغة والنقد بكلية الدراسات الإسلامية والعربية "بنين" بدمياط - جامعة الأزهر، وصدر القرار رقم 1912 لسنة 2014، بضم مدة خبرته العملية السابقة لمدة خدمته بالكلية، والتسوية المالية باحتفاظه بمرتبه السابق، إلا أنه بتاريخ 20/3/2017، صدر القرار رقم 449 لسنة 2017، بإلغاء احتفاظه بالراتب الذي كان يتقاضاه عن عمله السابق، واسترداد ما سبق صرفه له بدون وجه حق، على سند من أنه ليس ضمن الكادر العام للموظفين؛ فتظلم من ذلك القرار، ورفض تظلمه؛ فلجأ إلى لجنة التوفيق في بعض المنازعات، التي أصدرت توصيتها بتاريخ 6/7/2017، بأحقيته في الاحتفاظ بآخر مرتب كان يتقاضاه في وظيفته السابقة إذا كان يزيد على بداية مربوط وظيفة معيد المعين عليها. ولتقاعس جامعة الأزهر عن تنفيذ تلك التوصية، فقد أقام دعواه الموضوعية بطلباته سالفة الذكر. وإذ تراءى للمحكمة أن نص الفقرة الخامسة من المادة (190) من اللائحة التنفيذية للقانون رقم 103 لسنة 1961 بإعادة تنظيم الأزهر والهيئات التي يشملها، الصادرة بقرار رئيس الجمهورية رقم 250 لسنة 1975، بعد أن استُبدل بها قراره رقم 154 لسنة 1991، تعتريه شبهة عدم الدستورية، لانطوائه على تمييز غير مبرر بين شاغلي وظائف المدرسين المساعدين والمعيدين المخاطبين بحكمه، وبين أقرانهم المعينين ابتداء عليها، بالرغم من تماثل المراكز القانونية لكل من الطائفتين، وهو ما يتصادم مع مبدأي تكافؤ الفرص والمساواة، فضلًا عن تعارضه مع حق العامل في اقتضاء الأجر العادل لقاء عمله الذي يتكافأ مع عمل قرينه، وذلك كله بالمخالفة لأحكام المواد (12 و13 و14 و53) من الدستور، فحكمت بجلسة 24/3/2021، بوقف الدعوى وإحالة أوراقها إلى هذه المحكمة للفصل في دستورية النص المشار إليه.

وتنص المادة (56 مكررًا) من القانون رقم 103 لسنة 1961 بشأن إعادة تنظيم الأزهر والهيئات التي يشملها، المضافة بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 128 لسنة 1964، على أن "يُعامل أعضاء هيئة التدريس والمعيدون بجامعة الأزهر من حيث المرتبات والرواتب والإضافية معاملة نظرائهم في جامعات الجمهورية العربية المتحدة" (جمهورية مصر العربية حاليًّا). ونصت المادة (2) من ذلك القرار بالقانون على أن "يُلغى كل نص يتعارض مع النصوص السابقة".

وحيث إن المادة (195) من قانون تنظيم الجامعات الصادر بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 49 لسنة 1972، تنص على أن "مرتبات رئيس الجامعة ونوابه وأمين المجلس الأعلى للجامعات وأعضاء هيئة التدريس وبدلاتهم ومعاشاتهم ومرتبات المدرسين المساعدين والمعيدين وبدلاتهم وقواعد تطبيقها على الحاليين منهم مبينة بالجدول المرافق لهذا القانون".

وتنص الفقرة الأولى من البند (3) من قواعد تطبيق جدول المرتبات والبدلات والمعاشات الملحق بقانون تنظيم الجامعات المشار إليه، على أنه "عند تعيين أعضاء هيئة التدريس أو مدرسين مساعدين أو معيدين ممن كانوا يشغلون وظائف فـي الحكومة أو الهيئات العامة أو القطاع العام، فإنهـم يحتفظون بآخـر مرتب كانوا يتقاضونه في هذه الوظائف إذا كان يزيد على بدايـة مربـوط الوظيفة التي يعينون عليها، وبشـرط ألا يتجاوز المرتب المحتفظ به عن نهاية الربط المقرر للدرجة".

وإزاء صدور قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 49 لسنة 1972 بشأن تنظيم الجامعات، أصدر رئيس الجمهورية القرار بالقانون رقم 51 لسنة 1972 بتطبيق جدول المرتبات الملحق بقانون الجامعات على جامعة الأزهر، ناصًّا في المادة (1) منه على أن "يُطبق جدول المرتبات والبدلات والأحكام الملحقة به المرفق بقانون تنظيم الجامعات المشار إليه على أعضاء هيئة التدريس والمدرسين المساعدين والمعيدين بجامعة الأزهر، وذلك اعتبارًا من أول أكتوبر سنة 1972".

وينص عجز الفقرة الخامسة من المادة (190) من اللائحة التنفيذية للقانون رقم 103 لسنة 1961 المار ذكره، الصادرة بقرار رئيس الجمهورية رقم 250 لسنة 1975 بعد أن استبدل بها قراره رقم 154 لسنة 1991 على أنه ".....، وإذا كان المعيد أو المدرس المساعد يشغل وظيفة في الحكومة أو الهيئات العامة أو القطاع العام يحتفظ بآخر مرتب كان يتقاضاه في هذه الوظيفة إذا كان يزيد على بداية ربط الوظيفة المعين فيها وبما لا يجاوز نهاية ربطها".

وحيث إن المصلحة في الدعوى الدستورية، وهي شرط لقبولها، مناطها –على ما جرى به قضاء هذه المحكمة– أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يؤثر الحكم في المسألة الدستورية على الطلبات المرتبطة بها والمطروحة على محكمة الموضوع، ويستوي في شأن توافر المصلحة أن تكون الدعوى قد اتصلت بالمحكمة عن طريق الدفع أو عن طريق الإحالة، والمحكمة الدستورية العليا هي وحدها التي تتحرى توافر شرط المصلحة في الدعاوى الدستورية للتثبت من شروط قبولها، بما مؤداه أن الإحالة من محكمة الموضوع إلى المحكمة الدستورية العليا لا تفيد بذاتها توافر المصلحة، بل يتعين أن يكون الحكم في المطاعن الدستورية لازمًا للفصل في النزاع المثار أمام محكمة الموضوع، فإذا لم يكن للفصل في دستورية النصوص التي ثارت بشأنها شبهة عدم الدستورية لدى محكمة الموضوع انعكاس على النزاع الموضوعي؛ فإن الدعوى الدستورية تكون غير مقبولة. متى كان ذلك، وكان النزاع المردد أمام محكمة الموضوع تدور رحاه حول مدى أحقية المدعي، في الاحتفاظ بآخر مرتب كان يتقاضاه في وظيفته السابقة بمعهد الجمالية الثانوي الأزهري، لكونه يزيد على بداية ربط وظيفة المعيد التي عين عليها بجامعة الأزهر، وكان عجز الفقرة الخامسة من المادة (190) من اللائحة التنفيذية للقانون رقم 103 لسنة 1961 بشأن إعادة تنظيم الأزهر والهيئات التي يشملها، الصادرة بقرار رئيس الجمهورية رقم 250 لسنة 1975، بعد أن استبدل بنص تلك الفقـرة نص المادة الأولى من قراره رقم 154 لسنة 1991 - النص المُحال - هو الحاكم لاحتفاظ المعيد أو المدرس المساعد الذي كان يشغل وظيفة في الحكومة أو الهيئات العامة أو القطاع العام، بآخـر مرتب كان يتقاضاه في هذه الوظيفة إذا كان يزيد على بدايـة ربط الوظيفة المعين فيها، وبشـرط ألا يتجاوز المرتب المحتفظ به نهاية الربط المقرر للدرجة، فإن المصلحة تكون متحققة بالنسبة لهذه الفقرة؛ لما للقضاء في دستوريتها من أثر وانعكاس على الدعوى الموضوعية، والطلبات المطروحة فيها، وقضاء محكمة الموضوع بشأنها، وبها وحدها يتحدد نطاق الدعوى المعروضة، دون أن يمتد إلى غير ذلك من الأحكام التي تضمنتها تلك الفقرة.

وحيث إن المادة (128) من الدستور الحالي، التي تردد حكمها في المادة (122) من دستور سنة 1971، قد ناطت بالقانون بيان قواعد تحديد المرتبات والمعاشات والتعويضات والإعانات والمكافآت التي تتقرر على الخزانة العامة للدولة، وتحديد حالات الاستثناء منها والجهات التي تتولى تطبيقها. وكان من المقرر في قضاء هذه المحكمة أن الأمور التي احتجزها الدستور بنص صريح ليكون التشريع فيها بقانون صادر من السلطة التشريعية، لا يجوز تنظيمها أو تعديل أحكامها أو إلغاؤها بأداة تشريعية أدنى من القانون وإلا كانت مخالفة للدستور.

وحيث إن القانون رقم 103 لسنة 1961، بشأن إعادة تنظيم الأزهر والهيئات التي يشملها، قد صدر في ظل العمل بالدستور المؤقت للجمهورية العربية المتحدة الصادر في مارس سنة 1958، الذي جاء خلوًا من نص يوجب تعيين المرتبات والمكافآت التي تتقرر على الخزانة العامة للدولة بموجب قانون، ولذا ناطت أحكام المواد (56 و61 و99) من ذلك القانون باللائحة التنفيذية تحديد جدول مرتبات ومكافآت أعضاء هيئة التدريس والمدرسين المساعدين والمعيدين. وإذ صدر دستور سنة 1964، وناطت المادة (73) منه بالقانون تعيين قواعد منح المرتبات والمعاشات والتعويضات والمكافآت التي تتقرر على الخزانة العامة للدولة، فقد أصدر رئيس الجمهورية القرار بالقانون رقم 128 لسنة 1964 بتعديل بعض أحكام القانون رقم 103 لسنة 1961 المشار إليه، ناصًّا في المادة (1) منه على إضافة مواد جديدة لذلك القانون، من بينها المادة (56 مكررًا)، التي تنص على أن "يُعامل أعضاء هيئة التدريس والمعيدون بجامعة الأزهر من حيث المرتبات والرواتب الإضافية معاملة نظرائهم في جامعات الجمهورية العربية المتحدة، ......"، ونصت المادة (2) من ذلك القرار بالقانون على أن "يُلغى كل نص يتعارض مع النصوص السابقة"، ومؤدى ذلك نسخ الأحكام الخاصة بتحديد جدول مرتبات أعضاء هيئة التدريس والمعيدين بجامعة الأزهر، لتصير أداة تحديدها على النحو الوارد بقانون تنظيم الجامعات الصادر بالقانون رقم 184 لسنة 1958. وإزاء صدور قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 49 لسنة 1972 بشأن تنظيم الجامعات، الذي حل محل القانون السابق عليه، فقد أصدر رئيس الجمهورية القرار بالقانون رقم 51 لسنة 1972، ناصًّا في المادة (1) منه على أن "يُطبق جدول المرتبات والبدلات والأحكام الملحقة به المرفق بقانون تنظيم الجامعات المشار إليه على أعضاء هيئة التدريس والمدرسين المساعدين والمعيدين بجامعة الأزهر، وذلك اعتبارًا من أول أكتوبر سنة 1972". واستنادًا لنص تلك المادة، أصدر رئيس الجمهورية القرار رقم 154 لسنة 1991 في شأن تعديل بعض أحكام اللائحة التنفيذية للقانون رقم 103 لسنة 1961، ناصًّا في المادة الأولى منه على أن "يُستبدل بنص الفقرة الخامسة من المادة (190) من اللائحة التنفيذية للقانون رقم 103 لسنة 1961 المشار إليه، النص التالي: .......، وإذا كان المعيد أو المدرس المساعد يشغل وظيفة في الحكومة أو الهيئات العامة أو القطاع العام يحتفظ بآخر مرتب كان يتقاضاه في هذه الوظيفة إذا كان يزيد على بداية ربط الوظيفة المعين فيها وبما لا يجاوز نهاية ربطها"، فصار النص اللائحي المشار إليه مفصلًا لإجمال ما ورد في نص المادة (1) من القرار بالقانون رقم 51 لسنة 1972 المشار إليه، بقصد إتمامه ووضع القواعد اللازمة لتنفيذه، على نحو يتفق وأحكام المادة (122) من دستور سنة 1971، التي تردد حكمها في المادة (128) من دستور سنة 2014 القائم.

وحيث إن المقرر في قضاء هذه المحكمة أن الرقابة التي تباشرها على دستورية النصوص التشريعية، من حيث مطابقتها للقواعد الموضوعية التي تضمنها الدستور، إنما تخضع لأحكام الدستور القائم دون غيره؛ إذ إن هذه الرقابة إنما تستهدف أصلًا – على ما جرى عليه قضاء هذه المحكمة – صون الدستور القائم وحمايته من الخروج على أحكامه، لكون نصوصه تمثل دائمًا القواعد والأصول التي يقوم عليها نظام الحكم، ولها مقام الصدارة بين قواعد النظام العام التي يتعين التزامها ومراعاتها، وإهدار ما يخالفها من تشريعات، باعتبارها أسمى القواعد الآمرة. متى كان ذلك، وكانت المناعي التي وجهها حكم الإحالة للنص التشريعي المحال- في النطاق السالف تحديده – تقوم في مبناها على مخالفة ذلك النص لقاعدة في الدستور من حيث محتواها الموضوعي، ومن ثم فإن المحكمة تباشر رقابتها على دستورية ذلك النص – الذي ما زال ساريًا ومعمولًا بأحكامه – من خلال عرضه على الدستور القائم الصادر في سنة 2014، باعتباره الوثيقة الدستورية السارية.

وحيث إن الدستور الحالي قد حرص في المادة (4) منه على النص على مبدأ تكافؤ الفرص، باعتباره إلى جانب مبدأي العدل والمساواة أساسًا لبناء المجتمع وصيانة وحدته الوطنية، ومن أجل ذلك جعل الدستور بمقتضى نص المادة (9) منه تحقيق تكافؤ الفرص بين جميع المواطنين، دون تمييز، التزامًــا دستوريًّا على عاتق الدولة، لا تستطيع منه فكاكًا. وقوام هذا المبدأ –على ما جرى به قضاء هذه المحكمة– أن الفرص التي كفلها الدستور للمواطنين فيما بينهم تفترض تكافؤها، وتدخل الدولة إيجابيًّــا لضمان عدالة توزيعها بين من يتزاحمون عليها، وضرورة ترتيبهم -تبعًا لذلك- على ضوء قواعد يمليها التبصر والاعتدال.

وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن الدستور الحالي قد اعتمد بمقتضى نص المادة (4) منه، مبدأ المساواة أساسًا لبناء المجتمع وصيانة وحدته الوطنية، كما حرص الدستور في المادة (53) منه على كفالة تحقيق المساواة لجميع المواطنين أمام القانون، في الحقوق والحريات والواجبات العامة، دون تمييز بينهم لأي سبب، إلا أن ذلك لا يعني أن تعامل فئاتهم على ما بينها من تفاوت في مراكزها القانونية معاملة قانونية متكافئة، كذلك لا يقوم هذا المبدأ على معارضة صور التمييز جميعها؛ ذلك أن من بينها ما يستند إلى أسس موضوعية ولا ينطوي، من ثمَّ، على مخالفة لنص المادتين (4 و53) المشار إليهما، بما مؤداه أن التمييز المنهي عنه بموجبهما هو ذلك الـذي يكون تحكميًّا، وأساس ذلك أن كل تنظيم تشريعي لا يعتبر مقصودًا لذاته، بل لتحقيق أغراض بعينها تعكس مشروعيتها إطارًا للمصلحة العامة التي يسعى المشرع إلى تحقيقها من وراء هذا التنظيم، فإذا كان النص -بما انطوى عليه من تمييز- مصادمًا لهذه الأغراض بحيث يستحيل منطقًــا ربطه بها أو اعتباره مدخلًا إليها فإن التمييز يكون تحكميًّا، وغير مستند إلى أسس موضوعية، ومن ثم مجافيًا لمبدأ المساواة.

وحيث إن الدستور-في إحاطة منه للتحديات المعاصرة التي يواجهها التعليم الجامعي، وسعيه لمواكبة المستحدث في مناهجه- نص في المادتين (21 و22) منه على كفالة استقلال الجامعات والمجامع العلمية واللغوية، وتوفير التعليم الجامعي وفقًــا لمعايير الجودة العالمية، والعمل على تطويره وكفالة مجانيته في جامعات الدولة ومعاهدها، وتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومي له لا تقل عن 2٪ من الناتج القومي الإجمالي، تتصاعد تدريجيًّا حتى تتفق مع المعدلات العالمية، وكفالة تنمية الكفاءات العلمية والمهارات المهنية لأعضاء هيئة التدريس ومعاونيهم، ورعاية حقوقهم المادية والأدبية، بما يضمن جودة التعليم وتحقيق أهدافه.

وحيث إن الدستور قد اعتبر، بمقتضى نص المادة (19) منه، أن التعليم حق لكل مواطن، وجعل من بين أهدافه تأصيل المنهج العلمي في التفكير، وتنمية المواهب، وتشجيع الابتكار، وألزم الدولة بموجب نص المادة (23) منه كفالة حرية البحث العلمي، وتشجيع مؤسساته، باعتباره سبيلًا لبناء اقتصاد المعرفة، كما ألزمها برعاية الباحثين والمخترعين.

وحيث إن النص التشريعي المحال – محددًا نطاقًــا على ما تقدم بيانه – قد تضمن تنظيمًــا لأجر المعينين؛ معيدين أو مدرسين مساعدين، في جامعة الأزهر، الذين يسري في شأنهم القانون رقم 103 لسنة 1961، بما مؤداه احتفاظ المخاطبين به بآخر مرتب كانوا يتقاضونه من وظائفهم السابقة في الحكومة أو الهيئات العامة أو القطاع العام، إذا كان يزيد على بداية ربط الوظيفة التي يعينون عليها، بشرط ألا يتجاوز المرتب المحتفظ به نهاية الربط المقرر للدرجة، مستهدفًا بذلك التنظيم الحفاظ على حقوقهم المادية الناشئة عن الحق في العمل، والحق في شغل الوظائف العامة، على نحو ما أوجبته المادتان (12 و14) من الدستور، ليضحى تقرير الحكم الذي تضمنه النص المحال، مرتكنًا إلى اعتبارات قوامها رعاية الحقوق المادية للمعيدين والمدرسين المساعدين بجامعة الأزهر، التي ألزمت المادة (23) من الدستور الدولة بكفالتها، وأوجبت -نزولًا على مقتضيات العدل- صون حقوقهم المالية التي اكتسبوها من وظائفهم السابقة في الحكومة والهيئات العامة والقطاع العام، باعتبارها تكوﱢن مع الحقوق المقررة لوظائفهم الجامعية المشار إليها كُلًّا لا يتجزأ.

ولا ينال مما تقدم أن يكون النص التشريعي المحال قد ردد حكمًا مماثلًا لحكم الفقرة الأخيرة من المادة (25) من قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة، الصادر بالقانون رقم 47 لسنة 1978، التي قضت المحكمة الدستورية العليا بعدم دستوريتها بحكمها الصادر بجلسة 14/1/2007، في الدعوى رقم 175 لسنة 26 قضائية "دستورية"، ذلك أنه لا مجال للاحتجاج بالقضاء المتقدم في مواجهة النص المحال، بالنظر إلى اختلاف عناصر المركز القانوني للعاملين بوظائف الحكومة والهيئات العامة والقطاع العام، ممن يعينون –فيما بعد– بجامعة الأزهر، في وظائف معيدين أو مدرسين مساعدين، عن عناصر المركز القانوني للعاملين بصفة مؤقتة بمكافآت شاملة في الجهات الحكومية، حال تعيينهم في وظائف دائمة، وذلك في شأن المعاملة المالية المقـــررة لكلّ، وهـــى مغايرة تُرد في جوهرها إلى الطبائع المتباينة لعلاقات العمل بين هاتين الفئتين، فضلًا عن أن ما يتقاضاه شاغلو وظائف الفئة الأولى من مرتبات وملحقاتها تحدَّد وفقًا لنص تشريعي على نحو ما تقدم، بما مؤداه: انضباطها وتجردها ونأيها عن أي شبهة تحوطها، على حين أن ما تتقاضاه الفئة الثانية من مكافأة شاملة، تتولى تحديدها السلطة المختصة بالجهة التي يعملون بها، قد لا تتوافر في شأنها ضوابط المعاملة المالية المقررة للفئة الأولى، بما لازمه أن يكون الاحتجاج المار بيانه غير قائم على أسس دستورية تحمله.

متى كان ما تقدم، وكان النص التشريعي المحال، باعتباره الوسيلة التي قدر المشرع مناسبتها لبلوغ الأهداف والغايات المتقدمة، قد وردت أحكامه متضمنة قواعد عامة مجردة، لا تتضمن تمييزًا بين المخاطبين بها، وتتصل تلك الوسيلة بالأغراض المتقدم بيانها اتصالًا منطقيًّــا، وليس واهيًا أو منتحلًا، ليغدو النص المُحال فيما تضمنه من أحكام مستندًا إلى مُبررات منطقية، ومنضبطًا بضوابط موضوعية تبرره من الوجهة الدستورية، وغير متضمن تمييزًا تحكميًّا، بما لا مصادمة فيه لمبدأي تكافؤ الفرص والمساواة، اللذين حرص الدستور على كفالتهما في المواد (4 و9 و53) منه.

وحيث إن البين من نص المـادة (12) من الدستور الحالي أن العمل -في إطار الخصائص التي يقوم عليها باعتباره حقًّا وواجبًا وشرفًا- مكفول من الدولة، سواء بتشريعاتها أو بغير ذلك من التدابير، وإعلاؤها لقدر العمل وارتقاؤها بقيمته يحملها على تقدير من يمتازون فيه، ليكون التمايز في أداء العاملين مدخلًا للمفاضلة بينهم، وهو ما يعني بالضرورة أن الشروط الموضوعية وحدها هي التي يعتد بها في تقدير العمل وتحديد أجره، والأحق بالحصول عليه، والأوضاع التي ينبغي أن يمارس فيها، والحقوق التي يتصل بها، وأشكال حمايتها ووسائل اقتضائها، ويندرج تحتها الحق في ألا يناقض العمل العقيدة التي يؤمن العامل بها، وألا يكون مُرْهَقًــا بشروط يُحْمَل العامل معها على القبول بأجــــر أقل أو بظروف أسوأ، فلا يكون العمل منتجًا، ولا كافلًا تحقيق الإنسان لذاته، ولا نافيًــا عن ضمانة الحق في الحياة واحدًا من أهم روافدها، بل عائقًــا للتنمية في أعمق مجالاتها.

متى كان ما تقدم، وكان المشرع -في النص المُحال- قد احتفظ للمعيدين والمدرسين المساعدين ممن كانوا يشغلون وظائف بالحكومة أو الهيئات العامة أو القطاع العام بآخر مرتب كانوا يتقاضونه في تلك الوظائف، إذا كان يزيد على بداية ربط الوظيفة التي يعينون عليها، وبما لا يجاوز نهاية الربط المقرر للدرجة، فإن تلك المزية لا يمكن فصلها عن أوضاعهم المعيشية وضرورات استقرارها، ولا عن الأغراض التي توخاها المشرع من خلال فرص العمل التي مكنهم منها، بعد أن أخذ واقعهم في الاعتبار، وأولاه ما يستحقه من رعاية، وقدم لهم تلك المزية التفضيلية عونًا يلتئم وأوضاعهم المادية، ولا مخالفة في ذلك للدستور لأمرين، أولهما: أن التنظيم المُحال لا ينال من حق العمل، ولا من قدره، ولا من الشروط التي يرتبط عقلًا بها، ولا يحيط بيئة العمل بأوضاع ترهقها، بل يثريها باستقطاب كوادر أكفاء علميًّا، حفزًا وتشجيعًــا لهم، واستثارة لقدراتهم، وتوفير بيئة ملائمة للعمل والبحث العلمي والخلق والإبداع، فلا يتولى وظيفة التدريس بالجامعة غير الأولى بها. ثانيهما: أن الدستور حرص بنص المادة (14) منه على أن تكفل الدولة حقوق شاغلي الوظائف العامة وحمايتهم، وهو ما يعني أن العمل -باعتباره حقًّا يؤمـِّن لكل مواطن حياة يطمئن إليها اجتماعيًّــا واقتصاديًّا- لا ينفصل عن جدارة من يتولاه، وإلا كان نهبًــا لكل طارق، سويًّـا كان أم مهيضًا، بصيرًا متوثبًــا أم منكفئًــا متخاذلًا، ليضحى تقرير الأحكام التي تضمنها النص المحال دائرًا في نطاق السلطة التقديرية للمشرع في مجال تنظيم الحقوق، وجوهرها –على ما جرى به قضاء هذه المحكمة– المفاضلة التي يجريها بين البدائل المختلفة، التي تتصل بالموضوع محل التنظيم لاختيار أنسبها لفحواه، وأحراها بتحقيق الأغراض التي يتوخاها، وأكفلها للوفاء بأكثر المصالح وزنًا، وليس من قيد على مباشرة المشرع لهذه السلطة إلا أن يكون الدستور ذاته قد فرض في شأن مباشرتها ضوابط محددة تعتبر تخومًــا لها ينبغي التزامها، وفي إطار قيامه بهذا التنظيم لا يتقيد المشرع باتباع أشكال جامدة لا يريم عنها، تفرغ قوالبها في صورة صماء لا تبديل فيها، بل يجوز له أن يغاير فيما بينها، وأن يقدر لكل حال ما يناسبها، على ضوء مفاهيم متطورة تقتضيها الأوضاع التي يُباشر الحق في نطاقها، وبما لا يصل إلى إهداره.

وحيث إنه ترتيبًا على ما تقدم، وكان الأصل في المصالح إذا تعارضت، وتعذر التوفيق بينها، أن يُرَجَّحَ أقواها أثرًا وأعمها نفعًـا وأكثرها دفعًا للمفسدة، وإذا تعارضت مصلحة فرد أو فئة مع المصلحة العامة قُدمت المصلحة العامة ورَجُحت، ولا سيما إذا كانت تلك المصلحة قوامها الارتقاء بالتعليم بجامعة الأزهر، وتنمية وإثراء القدرات العلمية والبحث العلمي، من خلال استقطاب وجذب الكوادر العلمية القادرة على أداء تلك الرسالة السامية، والحد من هجرتها إلى الخارج، وضمان حقوقهم وتحفيزهم وتأمين أوضاعهم الاقتصادية والحيلولة دون إهدارها أو ترديها، وبهذه المثابة فلا بد من تسامي المصلحة العامة على ما دونها؛ ومن ثم يكون النص المُحال قد جاء محققًا للغايات والاعتبارات الدستورية المتقدمة، دونما انتهاك لحق العمل، أو أحد عناصره ومكوناته، ومراعيًــا لاعتبارات الموازنة بين المصالح المتنافسة وتعامله الإيجابي مع ظروف العمل بجامعة الأزهر واحتياجاته؛ الأمر الذي تنتفي معه قالة الإخلال بحق العمل أو شغل الوظيفة العامة المقررين بنص المادتين (12 و14) من الدستور.

وحيث إنه لما تقدم جميعه، فإن النص المُحال – في حدود نطاقه المتقدم– يكون قد جاء مستندًا إلى أسس موضوعية تبرره، ولم يتضمن تمييزًا تحكميًّـا يخل بمبدأي تكافؤ الفرص والمساواة أو حق العمل، ولا يخالف – من ثم – نصوص المواد (4 و9 و12 و14 و19 و21 و22 و23 و53) من الدستور، أو أي نص آخر من نصوصه؛ مما يتعين معه القضاء برفض الدعوى.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة برفض الدعوى.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق