الصفحات

البحث الذكي داخل المدونة

تحميل وطباعة هذه الصفحة

Print Friendly and PDF

الأربعاء، 9 أغسطس 2023

الطعن 683 لسنة 4 ق جلسة 31 / 1 / 1959 إدارية عليا مكتب فني 4 ج 1 ق 58 ص 707

جلسة 31 من يناير سنة 1959

برياسة السيد/ السيد علي السيد رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة سيد علي الدمراوي والسيد إبراهيم الديواني والإمام الإمام الحريبي وعلي إبراهيم بغدادي المستشارين.

------------------

(58)

القضية رقم 683 لسنة 4 قضائية

بدل سفر 

- قرار مجلس الوزراء في 25 من أكتوبر سنة 1925 المعروف بلائحة بدل السفر - نصه في المادة 56 على عدم سريان أحكامه على فئات معينة من الموظفين من بينهم الضباط وأن بدل سفر هؤلاء الموظفين ومصاريف انتقالهم يكون تقديرهما بموجب لوائح تصدر من المصالح التي يتبعونها بموافقة وزارة المالية - موافقة وزارة المالية بكتابها رقم ع 21/ 10/ 11 في 24 من يونيه سنة 1943 على الاستمرار في صرف بدل السفر العادي نقداً للضباط وطيلة مدة الحرب على ألا يزيد ما يصرف في الشهر الواحد عن 12 ليلة مهما طال أمد المأموريات - وجود حالة الحرب بين مصر وإسرائيل يجعل اللائحة الصادرة في 24 من يونيه سنة 1943 واجبة التطبيق في شأن الضباط.

-----------------

إن القواعد الصادر بها قرار مجلس الوزراء في 25 من أكتوبر سنة 1925, وهي المعروفة بلائحة بدل السفر ومصاريف الانتقال, تنص في المادة 56 منها على أنه "لا تسري أحكام هذه اللائحة على مستخدمي مصلحة سكك حديد الحكومة والمستخدمين المدنيين بوزارة الحربية والكتبة بمصلحة أقسام الحدود ولا على الضباط والاسبيران والصف ضباط والأنفار التابعين للجيش أو للبوليس أو لمصلحة خفر السواحل أو لمصلحة أقسام الحدود, فإن بدل سفرهم ومصاريف انتقالهم يكون تقديرهما بموجب لوائح تصدر من تلك المصالح وتوافق عليها وزارة المالية". وفي 24 من يونيه سنة 1943 وافقت وزارة المالية بخطابها رقم ع 21/ 10/ 11 "على الاستمرار في صرف بدل السفر العادي طيلة مدة الحرب فقط كالآتي: 1 - الضباط الإداريين الأصليين والمنتدبين من الجيش على ألا يزيد ما يصرف في الشهر الواحد عن 12 ليلة مهما طال أمد المأموريات 2 - العساكر عن المأموريات داخل الصحراء على ألا يتعدى ما يصرف لهم عن عشرة ليال في الشهر الواحد مهما طالت المأموريات". وأخيراً صدر قرار رئيس الجمهورية في 18 من يناير سنة 1958 بإصدار لائحة بدل السفر ومصاريف الانتقال, ونص في المادة الأولى منها على أنه "يقصد بكلمة موظف الواردة في هذه اللائحة الموظف الدائم أو المؤقت أو الضباط أو المستخدم الخارج عن الهيئة أو العامل باليومية ومن في حكمهم, كالصور والكونستابل وضابط الصف والعسكري...... الخ". وليس ثمت شك في وجود حالة حرب بين مصر وإسرائيل منذ سنة 1948 حتى الآن؛ وبذلك تسري في حق المطعون عليه اللائحة الصادرة في 24 من يونيه سنة 1943, بحسبان أنه يستحق بدل سفر عن المدة من 28 من فبراير سنة 1951 حتى 4 من أبريل سنة 1951. وإذ قام الطعن على أساس أن مدة ندب المطعون عليه تقع في المجال الزمني لسريان القواعد التي وافقت عليها وزارة المالية في 24 من يونيه سنة 1943 فإنه يكون على أساس سليم من القانون.


إجراءات الطعن

في أول يوليه سنة 1958 أودع السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة طعناً في الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري (هيئة رابعة "ب") بجلسة 28 من أبريل سنة 1958 في الدعوى رقم 284 لسنة 2 القضائية المرفوعة من وزارة الحربية ضد السيد/ مصطفى حسن ناصر, القاضي "بقبول الاستئناف شكلاً, وفي الموضوع برفضه, وتأييد الحكم المستأنف, وإلزام الحكومة بالمصروفات", وطلب السيد رئيس هيئة المفوضين - للأسباب التي استند إليها في عريضة الطعن - "الحكم بقبول الطعن شكلاً, وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه والحكم المستأنف, والقضاء برفض دعوى المدعي, مع إلزامه بالمصروفات". وأعلنت الجهة الإدارية بالطعن في 20 من يوليه سنة 1958, وأعلن به الخصم في 12 من أغسطس سنة 1958. ثم عين لنظر الطعن جلسة 22 من نوفمبر سنة 1958, وأرجئ إصدار الحكم إلى جلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة, حسبما يستفاد من أوراق الطعن, تتحصل في أن المطعون عليه أقام دعواه أمام المحكمة الإدارية, وأبان في صحيفتها أنه كان قائداً لمنطقة الهجانة الوسطى بالجبل الأصفر, ثم ندب للقيام بعمل قائد المنطقة القبلية بأسوان اعتباراً من 28 من فبراير سنة 1951 إلى 4 من أبريل سنة 1951, وقد صرف له بدل سفر عن ست عشرة ليلة من هذه المدة على أساس اثنتي عشرة ليلة في الشهر, في حين أنه يستحق بدل السفر عن جميع الليالي وفقاً لأحكام لائحة بدل السفر العامة, وطلب الحكم بأحقيته في صرف بدل السفر عن الليالي الباقية من مدة ندبه. وقد دفعت الوزارة الدعوى بأن المدعي قد حصل على بدل السفر وفقاً للتعليمات الخاصة بسلاح الحدود المصدق عليها من وزارة المالية والتي تقضي بمنح بدل السفر في حدود اثنتي عشرة ليلة مهما طالت المأمورية. وفي 15 من أغسطس سنة 1954 أصدرت المحكمة الإدارية حكمها "باستحقاق المدعي لأن يحصل على بدل السفر المقرر له عن مدة انتدابه بالمنطقة القبلية هجانة بأسوان في المدة من 28 من فبراير سنة 1951 إلى 4 من أبريل سنة 1951 وفقاً لأحكام لائحة بدل السفر والانتقال الصادرة في 25 من أكتوبر سنة 1925, والمعدلة بقراري مجلس الوزراء الصادرين في 27 من يونيه سنة 1936 و21 من نوفمبر سنة 1938". وبصحيفة أودعت سكرتيرية محكمة القضاء الإداري في 8 من ديسمبر سنة 1954 طعنت الوزارة في هذا الحكم طالبة إلغاءه مع إلزام المستأنف ضده بالمصروفات. وقد قضت محكمة القضاء الإداري بحكمها الصادر في 28 من أبريل سنة 1958 "بقبول الاستئناف شكلاً, وفي الموضوع برفضه, وتأييد الحكم المستأنف, وإلزام الحكومة بالمصروفات". وأقامت قضاءها على أساس أن المستأنف ضده كان من ضباط الجيش المنتدبين للعمل بسلاح الحدود, وهو بهذه المثابة لا يفيد من أحكام لائحة بدل السفر ومصاريف الانتقال الصادرة في 25 من أكتوبر سنة 1925, وأنه بالرجوع إلى القواعد المنظمة لبدل السفر المقررة لضباط مصلحة الحدود يبين أن وزارة المالية قد وافقت بكتابها رقم ع 21/ 10/ 11 في 24 من يونيه سنة 1943 على الاستمرار في صرف بدل السفر العادي طيلة مدة الحرب فقط بواقع اثنتي عشرة ليلة عن كل شهر مهما طالت المأمورية؛ ومن ثم فإن العمل بهذه اللائحة ينتهي بانتهاء الحرب العالمية في سنة 1945, ويكون استناد الوزارة إليها في صرف بدل سفر المستأنف ضده - عن المدة من 28 من فبراير سنة 1951 إلى 4 من أبريل سنة 1951 - لا أساس له من القانون. واستطردت المحكمة تقول إنه بانتهاء العمل بهذه اللائحة لا يخضع الضباط لأية قاعدة قانونية في شأن بدل السفر, وفي هذه الحالة لا يوجد ما يمنع قانوناً من تطبيق أحكام لائحة بدل السفر العام الصادرة في 25 من أكتوبر سنة 1925, وذلك باعتبار أن الحظر الوارد في المادة 56 من هذه اللائحة لا يسري إلا في حالة وجود لائحة خاصة بهذه الطائفة, فإن لم توجد رفع هذا الحظر.
ومن حيث إن الطعن يقوم على أن مدة ندب المطعون عليه تقع في المجال الزمني لسريان القواعد التي وافقت عليها وزارة المالية في 24 من يونيه سنة 1943, ولا وجه لما ذهبت إليه المحكمة الإدارية ومحكمة القضاء الإداري من أن اللائحة الصادرة في عام 1943 قد انتهى العمل بها بانتهاء الحرب عام 1945؛ مما يتعين معه الرجوع إلى اللائحة العامة لبدل السفر الصادرة في 25 من أكتوبر سنة 1925 - لا وجه لهذا المذهب؛ لأن الحرب لا تنتهي بوقف إطلاق النار بين المتحاربين, وإنما هي حالة ذات عناصر عدة تقدرها جهة الإدارة, هذا إلى أن اعتبار القواعد الصادرة في سنة 1943 قد انتهى العمل بها في سنة 1945 لا يستتبع الرجوع إلى لائحة سنة 1925؛ لقيام الحظر المنصوص عليه في المادة 56 من هذه اللائحة.
ومن حيث إن علاقة الموظف بالحكومة هي علاقة تنظيمية تحكمها القوانين واللوائح التي تصدر في هذا الشأن, ومركز الموظف مركز قانوني عام يخضع في تنظيمه لما تقرره هذه القوانين واللوائح من أحكام, ويتفرع عن ذلك أنه إذا تضمنت نظم التوظف مزايا للوظيفة وشرطت للإفادة منها شروطاً فإن حق الموظف في الإفادة منها يكون منوطاً بتوافر تلك الشروط.
ومن حيث إن راتب بدل السفر هو مزية من مزايا الوظيفة العامة يخضع في أحكامه وشروط استحقاق لما تقرره القوانين واللوائح في هذا الخصوص.
ومن حيث إن القواعد الصادر بها قرار مجلس الوزراء في 25 من أكتوبر سنة 1925, وهي المعروفة بلائحة بدل السفر ومصاريف الانتقال, تنص في المادة 56 منها على أنه "لا تسري أحكام هذه اللائحة على مستخدمي مصلحة سكك حديد الحكومة والمستخدمين المدنيين بوزارة الحربية والكتبة بمصلحة أقسام الحدود ولا على الضباط والأسبيران والصف ضباط والأنفار التابعين للجيش أو للبوليس أو لمصلحة أقسام خفر السواحل أو لمصلحة أقسام الحدود, فإن بدل سفرهم ومصاريف انتقالهم يكون تقديرهما بموجب لوائح تصدر من تلك المصالح وتوافق عليها وزارة المالية". وفي 24 من يونيه سنة 1943 وافقت وزارة المالية بخطابها رقم ع 21/ 10/ 11 "على الاستمرار في صرف بدل السفر العادي طيلة مدة الحرب فقط كالآتي: (1) الضباط الإداريين الأصليين والمنتدبين من الجيش على ألا يزيد ما يصرف في الشهر الواحد عن 12 ليلة مهما طال أمد المأموريات. (2) العساكر عن المأموريات داخل الصحراء على ألا يتعدى ما يصرف لهم عن عشر ليال في الشهر الواحد مهما طالت المأموريات". وأخيراً صدر قرار رئيس الجمهورية في 18 من يناير سنة 1958 بإصدار لائحة بدل السفر ومصاريف الانتقال, ونص في المادة الأولى منها على أنه "يقصد بكلمة موظف الواردة في هذه اللائحة الموظف الدائم أو المؤقت أو الضابط أو المستخدم الخارج عن الهيئة أو العامل باليومية ومن في حكمهم, كالصول والكونستابل وضابط الصف والعسكري...... إلخ".
ومن حيث إنه ليس ثمت شك في وجود حالة حرب بين مصر وإسرائيل منذ سنة 1948 حتى الآن؛ وبذلك تسري في حق المطعون عليه اللائحة الصادرة في 24 من يونيه سنة 1943, بحسبان أنه يستحق بدل سفر عن المدة من 28 من فبراير سنة 1951 إلى 4 من أبريل سنة 1951؛ ومن ثم يكون الطعن على أساس سليم من القانون, ويكون الحكم المطعون فيه قد أخطأ في تأويل القانون وتطبيقه, فيتعين لذلك إلغاؤه, ورفض الدعوى.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً, وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه, وبرفض الدعوى, وألزمت المدعي بالمصروفات.

الطعن 67 لسنة 4 ق جلسة 31 / 1 / 1959 إدارية عليا مكتب فني 4 ج 1 ق 57 ص 694

جلسة 31 من يناير سنة 1959

برياسة السيد/ السيد علي السيد رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة السيد إبراهيم الديواني ومحي الدين حسن وعلي إبراهيم بغدادي ومصطفى كامل إسماعيل المستشارين.

-------------------

(57)

القضية رقم 67 لسنة 4 قضائية

عمال القنال 

- تعيين عامل القنال الحاصل على شهادة الثقافة أو التوجيهية أو ما يعادلهما في الدرجة الثامنة طبقاً للقانون رقم 569 لسنة 1955 ليس حتمياً - إصدار وزير الشئون الاجتماعية والعمل بما له من سلطة تفويضية بموجب القانون قراراً شرط فيه لجواز هذا التعيين أن يكون حصول العامل على المؤهل سابقاً على أول يوليه سنة 1952 ليكون متفقاً مع التسوية التي تتم بالتطبيق للقانون رقم 371 لسنة 1953 - صحيح.

------------------
إن التعيين رأساً من بين عمال القناة في الدرجة الثامنة الكتابية أو الفنية المتوسطة بالتطبيق للقانون رقم 569 لسنة 1955 ليس حتمياً بالنسبة لكل من يحمل شهادة الثقافة أو التوجيهية أو ما يعادلهما, سواء عند نفاذ هذا القانون أو بعد نفاذه, بل واضح من عبارة الفقرة "أ" من المادة 2 من القانون المذكور أن التعيين في الدرجة التاسعة من بين عمال القناة يكون للحاصلين على الشهادة الابتدائية على الأقل, أي يجوز التعيين في هذه الدرجة لمن كان يحمل مؤهلاً أعلى من ذلك, وهذا ينفى اقتراح تسوية الحاصل على شهادة الثقافة حتماً في الدرجة الثامنة, وإنما تعيين هؤلاء في هذه الدرجة مقيد بتوافر الشروط المنصوص عليها في الفقرة "ب" من تلك المادة, وهي تقصر التعيين على نسبة 50% من الدرجات الخالية لعمال القناة, وتشترط لتعيينهم فيها أن يكونوا أقدم في الدرجة السابقة من مستخدمي وعمال الحكومة المرشحين لها, وعند التساوي في الأقدمية تقسم الدرجات مناصفة بين الفريقين بحيث تخصص إحداهما لعامل من القناة والثانية لعامل أو مستخدم. وإذا كان وزير الشئون الاجتماعية والعمل بما له من السلطة التفويضية بموجب القانون المذكور قد أصدر قراراً تضمنه الكتاب الدوري رقم 10 في 15 من ديسمبر سنة 1955 يجيز التعيين رأساً في الدرجات الثامنة الفنية والكتابية من عمال القناة الحاصلين على شهادة الثقافة أو التوجيهية أو ما يعادلهما, إلا أنه شرط لذلك أن يكون حصول العامل على هذا المؤهل سابقاً على أول يوليه سنة 1952؛ ليكون متفقاً مع التسوية التي تتم في هذا الشأن بالتطبيق للقانون رقم 371 لسنة 1953 والقوانين المكملة له, باعتبار هؤلاء في خدمة الحكومة قبل أول يوليه سنة 1952 وحاصلين على المؤهل قبل ذلك, فتلحقهم التسوية بمقتضى أحكام القانون المذكور.


إجراءات الطعن

في أول يناير سنة 1957 أودع السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة طعناً في الحكم الصادر من المحكمة الإدارية لوزارة المواصلات ومصلحة السكك الحديدية بجلسة 5 من نوفمبر سنة 1957 في الدعوى رقم 53 لسنة 4 ق المرفوعة من منصور فرج منصور ضد مصلحة السكك الحديدية, القاضي "بإلغاء القرار رقم 26 الصادر في 11 من يونيه سنة 1956 فما تضمنه من تعيين المدعي في الدرجة التاسعة بدلاً من الدرجة الثامنة, وما يترتب على ذلك من آثار, وإلزام المدعى عليها بالمصروفات ومائتي قرش مقابل أتعاب المحاماة". وطلب السيد رئيس هيئة المفوضين - للأسباب التي استند إليها في عريضة الطعن - الحكم "بقبول الطعن شكلاً, وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه، ورفض الدعوى موضوعاً, وإلزام رافعها بالمصروفات". وقد أعلن الطعن للحكومة في 7 من يناير سنة 1958, وللمدعي في 3 من فبراير سنة 1958، وعين لنظره جلسة 20 من ديسمبر سنة 1958, وفيها سمعت المحكمة ما رأت سماعه من الإيضاحات, ثم أرجأت النطق بالحكم لجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة - حسبما يبين من الأوراق - تتحصل في أنه بصحيفة أودعت سكرتيرية المحكمة الإدارية لوزارة المواصلات ومصلحة السكك الحديدية في 10 من نوفمبر سنة 1956 أقام المدعي الدعوى رقم 53 لسنة 4 ق ضد السيد وزير المواصلات والسيد مدير الهيئة العامة لشئون السكك الحديدية, طالباً إلغاء القرار رقم 26 الصادر في 11 من يونيه سنة 1956 بتعيينه في الدرجة التاسعة بدلاً من الدرجة الثامنة لمخالفته للقانون رقم 569 لسنة 1955, وتسوية حالته على أساس مؤهله (الثقافة), وصرف الفروق, وما يترتب على ذلك من آثار. وقال في بيان ذلك إنه التحق بوظيفة كتابية بمصلحة السكك الحديدية اعتباراً من 28 من نوفمبر سنة 1951, ومنذ ذلك التاريخ إلى الآن وهو يعامل وفقاً للقواعد التنظيمية الصادرة في شأن عمال القنال. وقد صدر أخيراً القانون رقم 569 لسنة 1955 بشأن تعيين عمال القنال. وفي 15 من ديسمبر سنة 1955 أصدرت وزارة الشئون الاجتماعية الكتاب الدوري رقم 10, وقد جاء بالبند الرابع منه ما يأتي "يكون تعيين عمال القنال في الدرجة الثامنة والسابعة على الوجه الموضح أعلاه بدون اتباع القواعد المنصوص عليها في المادتين 15 و16 من نظام موظفي الدولة الملحق بالقانون رقم 210 لسنة 1951, بشرط أن يكونوا قد حصلوا على مؤهلاتهم الدراسية قبل أول يوليه سنة 1952". وقد حصل المدعي على شهادة الثقافة بعد أول يوليه سنة 1952, وتطبيقاً لهذا الكتاب الدوري رشحته المصلحة لوظيفة من الدرجة التاسعة بالقرار رقم 26 في 11 من يونيه سنة 1956, بدلاً من الدرجة الثامنة التي يجيز مؤهله تعيينه فيها, وذلك بعد أخذ إقرار عليه بقبوله التعيين في الدرجة التاسعة تحت الوعيد والتهديد بالفصل. ولما كان الكتاب الدوري رقم 10 الذي أصدرته وزارة الشئون الاجتماعية والذي استندت إليه المصلحة في تعيين المدعي قد صدر باطلاً من حيث الشكل؛ لصدوره من سلطة أدنى من السلطة التي أصدرت القانون, فضلاً عن أنها لا تملك سلطة تفسير أو تعديل القانون, كما أنه يخالف القانون من حيث الموضوع؛ لأن القانون لم يتعرض لتاريخ الحصول على المؤهل وما إذا كان قبل أو بعد أول يوليه سنة 1952, فقد تظلم المدعي إلى السيد مفوض الدولة في 10 من يوليه سنة 1956, وجاء رده مؤيداً لتظلم المدعي, ولما لم يجب إلى طلبه أقام هذه الدعوى. وقد ردت المصلحة على الدعوى بأن المدعي قد أقر كتابه بقبوله التعيين في الدرجة التاسعة طبقاً للقانون, ولما كانت الفقرة "ب" من المادة الثانية من القانون رقم 569 لسنة 1955 الصادر في 23 من نوفمبر سنة 1955 تنص على أن لوزير الشئون الاجتماعية والعمل إصدار القرارات اللازمة لتحديد أقدمية عمال القنال فيما بينهم وسائر القرارات الأخرى لتنفيذ هذا القانون, وقد نص في البند الرابع من الكتاب الدوري رقم 10 الصادر في 15 من ديسمبر سنة 1955, الخاص بتنفيذ هذا القانون, على أن يكون تعيين عمال القنال في الدرجة الثامنة بدون اتباع القواعد المنصوص عليها في المادتين 15 و16 من نظام موظفي الدولة الملحق بالقانون رقم 210 لسنة 1951, بشرط أن يكونوا قد حصلوا على مؤهلاتهم الدراسية قبل أول يوليه سنة 1952. ولما كان المدعي حصل على مؤهله بعد التاريخ المذكور, فإن وضعه في الدرجة الثامنة يتعارض وأحكام الكتاب الدوري سالف الذكر, على أن المدعي من جهة أخرى تقدم بطلب إلى الإدارة العامة يبدي فيه رغبته في البقاء بها في الدرجة التاسعة بدلاً من القسم الطبي الذي عين به بالقرار المطعون فيه. وخلصت المصلحة من ذلك إلى أن دعوى المدعي لا تستند إلى أساس سليم من القانون. وفي 3 من مارس سنة 1957 صدر قرار المصلحة رقم 25 (تعيينات) بتعيين المدعي وعشرة آخرين من زملائه في الدرجة الثامنة الكتابية اعتباراً من تاريخ صدور القرار. وبجلسة 5 من نوفمبر سنة 1957 حكمت المحكمة "بإلغاء القرار رقم 26 الصادر في 11 من يونيه سنة 1956 فيما تضمنه من تعيين المدعي في الدرجة التاسعة بدلاً من الدرجة الثامنة, وما يترتب على ذلك من آثار, وألزمت المدعى عليها بالمصروفات ومائتي قرش مقابل أتعاب المحاماة". وأقامت المحكمة قضاءها على ما ورد بالمادة الثالثة من القانون رقم 569 لسنة 1956 من تعيين من تثبت لياقته طبياً من عمال القنال المؤهلين في الدرجة التي يجيز مؤهله ترشيحه لها, وذلك استثناء من أحكام القانون رقم 210 لسنة 1951, وأنه لما كان "المرسوم الصادر بتاريخ 6 من أغسطس سنة 1953 بتعيين المؤهلات العلمية التي يعتمد عليها للتعيين في وظائف الدرجة التاسعة والثامنة والسابعة في الكادرين الفني المتوسط والكتابي قد نص في المادة الخامسة (الفقرة التاسعة) على أن شهادة الثقافة تعتمد لصلاحية أصحابها في التقدم للترشيح لوظائف الدرجة الثامنة بالكادر الفني المتوسط والثامنة الكتابية بالكادر الكتابي", وأنه لما كان "الثابت بالأوراق أن المدعي من عمال القنال الذين يسري عليهم القانون رقم 569 لسنة 1955, وكان وقت تعيينه على درجات بالميزانية بالقرار رقم 26 الصادر في 11 من يونيه سنة 1956 حاصلاً على شهادة الثقافة دفعة سنة 1954, فإنه يستحق أن يعين في الدرجة الثامنة منذ ذلك التاريخ", وأنه "لا يغير من هذا ما نص عليه الكتاب الدوري رقم 10 الصادر في 15 من ديسمبر سنة 1955 من وزارة الشئون الاجتماعية والعمل بشأن تنفيذ القانون رقم 569 لسنة 1955 السالف الذكر في المادة رابعاً... من أنه (يكون تعيين عمال القناة في الدرجتين الثامنة والسابعة على الوجه الموضح أعلاه بدون اتباع القواعد المنصوص عليها في المادتين 15 و16 من نظام موظفي الدولة الملحق بالقانون رقم 210 لسنة 1951, بشرط أن يكونوا قد حصلوا على مؤهلاتهم الدراسية قبل أول يوليه سنة 1952)؛ إذ أن السلطة التي خولها القانون رقم 569 لسنة 1955 إلى وزير الشئون الاجتماعية والعمل انحصرت في إصدار القرارات اللازمة لتنفيذ القانون؛ إذ نص القانون في المادة الثانية (ب) "ولوزير الشئون الاجتماعية والعمل إصدار القرارات الأخرى اللازمة لتنفيذ هذا القانون". وواضح أن وزير الشئون الاجتماعية والعمل لا يملك بذلك وضع شروط جديدة لتطبيق القانون أو التغيير في هذه الشروط", وأن "القانون رقم 569 لسنة 1955 لم يتضمن النص صراحة على أن يكون الحصول على المؤهل قبل أول يوليه سنة 1952, فلا يملك وزير الشئون الاجتماعية والعمل وضع مثل هذا الشرط الإضافي؛ ومن ثم فلا اعتداد بالكتاب الدوري رقم 10 الصادر من وزير الشئون الاجتماعية والعمل في هذا الصدد", وأنه "فضلاً عن ذلك فإن القانون رقم 569 لسنة 1955 ذاته إنما استند في تحديد صلاحية الشهادات الدراسية للتعيين في درجات الميزانية إلى المرسوم الصادر في 6 من أغسطس سنة 1953, وهو لاحق في صدوره على أول يوليه سنة 1952, التاريخ الذي حدده كتاب دوري وزير الشئون الاجتماعية والعمل", وأنه "لا اعتداد بما ذهبت إليه المصلحة من أن المدعي أقر كتابه بقبوله التعيين في الدرجة التاسعة؛ لأن المقرر أن علاقة الموظف بالحكومة هي علاقة تنظيمية ولا يؤثر فيها الإقرارات التي تؤخذ من الموظف بقبول وضع معين أو درجة معينة على خلاف ما قررته القوانين واللوائح التنظيمية الخاصة بالتوظيف...".
ومن حيث إن الطعن يقوم على أن المادة الثانية من القانون رقم 569 لسنة 1955 تقضي بأن "يكون التعيين في الدرجات التاسعة من بين العمال الحكوميين والمستخدمين خارج الهيئة وعمال القنال وغيرهم الحاصلين على الشهادة الابتدائية على الأقل...". ويبين من ذلك أن القانون المشار إليه لم يشتمل على نص يحظر تعيين من يحصل على مؤهل أعلى من الشهادة الابتدائية في الدرجة التاسعة, بل افترض جواز هذا التعيين, هذا إلى أن قصد الشارع من المرسوم الصادر في 10 من أغسطس سنة 1953 لا يعدو أن يكون تقرير صلاحية حاملي الشهادات للترشيح في وظائف الكادر الإداري والفني العالي, لا على سبيل الإلزام بتعيينهم فيها, وإنما على سبيل الجواز, بل ويجوز التعيين في درجات أقل وبمرتبات أدنى. وإذ ذهب الحكم المطعون فيه هذا المذهب, فإنه يكون قد خالف القانون.
ومن حيث إنه يبين من الاطلاع على ملف خدمة المدعي أنه كان من عمال الجيش البريطاني, وقد التحق بخدمة مصلحة السكك الحديدية في 7 من نوفمبر سنة 1951, ومنح مرتباً قدره 12 ج شهرياً شاملة إعانة غلاء المعيشة باعتباره حاصلاً على الشهادة الابتدائية, وقد حصل على شهادة إتمام الدراسة الثانوية القسم العام (الثقافة) سنة 1954 دور ثان. وفي 14 من مارس سنة 1955 قدم إلى المصلحة طلباً يلتمس فيه تسوية حالته بالتطبيق لأحكام كادر عمال القنال, ومنحه مرتباً قدره 8.5 ج بدون إعانة غلاء. وبعد أن صدر القانون رقم 569 لسنة 1955 طلب المدعي في 7 من يوليه سنة 1956 تعيينه في إحدى الدرجات الثامنة الخالية بالتطبيق لأحكام القانون المذكور, ثم ابتع هذا الطلب بتظلم إلى مفوضي الدولة. وقد ردت المصلحة على التظلم بأنه لما كان المتظلم قد حصل على مؤهله بعد أول يوليه سنة 1952, فإنه لا يمكن تعيينه في الدرجة الثامنة؛ لأن البند الرابع من كتاب دوري وزير الشئون الاجتماعية والعمل رقم 10 الصادر في 15 من ديسمبر سنة 1955 يقضي بأنه يجب لتعيين عمال القنال في الدرجة الثامنة أن يكونوا قد حصلوا على مؤهلاتهم الدراسية قبل أول يوليه سنة 1952.
ومن حيث إنه في 23 من نوفمبر سنة 1955 صدر القانون رقم 569 لسنة 1955 بشأن تعيين عمال القنال على درجات الميزانية, وقد نصت المادة الثامنة منه على أن "تخصص الوظائف الآتية الخالية والتي تخلو بالكادرين الكتابي والفني المتوسط لتعيين عمال القناة المؤهلين وذلك على الوجه الآتي: ( أ ) يكون التعيين في الدرجات التاسعة من بين العمال الحكوميين والمستخدمين خارج الهيئة وعمال القنال الحاصلين على الشهادة الابتدائية على الأقل, ويكون التعيين حسب أقدمية الحصول على تلك الشهادة, ويكون للحاصلين على مؤهل أعلى الأسبقية في التعيين, وعند التساوي في هذا المؤهل يفضل دائماً الأقدم في الحصول عليه. (ب) يكون التعيين في الدرجتين الثامنة والسابعة في الكادرين الكتابي والفني المتوسط بنسبة 50% على الأكثر من بين عمال القناة, ويشترط لتعيينهم في هذه الدرجات أن يكونوا أقدم في الدرجة السابقة من مستخدمي الحكومة وعمالها المرشحين لها, وعند التساوي في الأقدمية تقسم الدرجات مناصفة بين الفريقين؛ بحيث تخصص إحداها لعامل من القنال والثانية لعامل أو مستخدم, وإذا كان عدد الوظائف الخالية في الدرجة الثامنة أكثر من عدد المرشحين من عمال ومستخدمي الحكومة يكون التعيين أولاً للمؤهلين من عمال القناة ثم لغيرهم... ولوزير الشئون الاجتماعية والعمل إصدار القرارات اللازمة لتحديد أقدمية عمال القناة فيما بينهم, وسائر القرارات الأخرى اللازمة لتنفيذ ذلك القانون....". ونصت المادة الثالثة على أنه "استثناء من أحكام القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة يعين من تثبت لياقته الطبية من العمال المؤهلين ممن ذكروا في المادة السابقة كل منهم بالدرجة التي يجيز مؤهله ترشيحه لها وفقاً لأحكام المرسوم الصادر في 6 من أغسطس سنة 1953, ويمنح كل منهم مرتباً يوازي الأجر الشهري الذي يصرف له بالتطبيق لأحكام كادر عمال القناة ولو جاوز بداية الدرجة, فإن كان يمنح أجراً يومياً حدد مرتبه في الدرجة على أساس أجره اليومي المذكور مضروباً في 25 دون مجاوزة بداية الدرجة.....", ونصت المادة الرابعة على أن "تعيين شروط اللياقة الطبية لمن ذكروا في المادتين السابقتين بقرار من مجلس الوزراء", كما نصت المادة الخامسة على أنه "مع مراعاة أحكام المواد السابقة تسري على من ذكروا من عمال القناة بعد تعيينهم على درجات طبقاً لأحكام المادة 2 باقي أحكام القانون رقم 210 لسنة 1951, باعتبارهم معينين لأول مرة ويتخذ تاريخ التعيين في الدرجة أساساً لتحديد الأقدمية وفترة العلاوات والأجازات". وجاء بالمذكرة الإيضاحية للقانون المذكور في شأن المؤهلين من عمال القنال ما يأتي "وهؤلاء تختلف شهاداتهم فمنهم من يحمل الابتدائية ومنهم من يحمل الثقافة أو التوجيهية وغيرها من الشهادات المماثلة ومنهم من يحمل مؤهلات صناعية مختلفة وهؤلاء اقتراح تسوية حالتهم بنقلهم إلى درجات داخل الهيئة كل منهم بحسب مؤهله". ولما كان التعيين على درجات داخل الهيئة ينظمه القانون رقم 210 لسنة 1951 فقد استدعى الأمر استصدار تشريع بالاستثناء من ذلك القانون يجيز تعيينهم على تلك الدرجات في الكادرين الكتابي والفني المتوسط بصرف النظر عن قواعد التعيين الواردة في القانون رقم 210 لسنة 1951. وتحقيقاً لهذا الغرض نص في المادة الأولى من مشروع القانون المرافق على تحديد من تنطبق عليه أحكامه وهم عمال القناة الذين تركوا خدمة السلطات البريطانية بقاعدة القناة سنة 1951 والتحقوا بخدمة الحكومة المصرية, ويخصم بأجورهم على القسم (25 من ميزانية الدولة)... ونص في المادة الثانية منه على أن يكون التعيين في الدرجة التاسعة من بين العمال الحكوميين والمستخدمين خارج الهيئة وعمال القناة وغيرهم الحاصلين على الشهادة الابتدائية على الأقل. ويكون التعيين حسب أقدمية الحصول على تلك الشهادة على أن تمنح الأسبقية في التعيين للحاصلين على مؤهل أعلى...... وبالنظر إلى أن إلحاقهم بخدمة الحكومة بالدرجات الدائمة يحقق لهم مزايا شتى فضلاً عما فيه من تجاوز عن القواعد العامة المتصلة بالتعيين في خدمة الحكومة قد تضمنت المادة الخامسة ما يفيد بأن تعيينهم في درجات الميزانية يعتبر افتتاحاً لرابطة التوظف الفعلي بالنسبة لهم, فنصت على اتخاذ تاريخ تعيينهم على الدرجات الخالية بالميزانية مبدأ لحساب الأقدمية بحيث لا يجوز لهم المطالبة بضم مدد الخدمة السابقة لهم واكتساب أقدميات على من سبقهم بالتعيين بالطريق القانوني المعتاد....". وفي 15 من ديسمبر سنة 1955 أصدر السيد وزير الشئون الاجتماعية والعمل الكتاب الدوري رقم 10 تنفيذاً للقانون رقم 569 لسنة 1955 وقرار مجلس الوزراء الملحق به الصادر في 23 من نوفمبر سنة 1955, وقد نصت المادة الثالثة منه على أنه "اعتباراً من 23 من نوفمبر سنة 1955 تشغل الدرجات التاسعة والثامنة الخالية في الكادرين الكتابي والفني المتوسط بالطريقة الآتية: 1 - الدرجة التاسعة: من تثبت لياقته الطبية وكان حاصلاً على الشهادة الابتدائية أو الإعدادية أو ما يعادلهما من الشهادات يعين في الدرجة التاسعة, على أن يراعى حصر الترشيح لهذه الدرجة في الوقت الحالي على عمال القناة بالاشتراك مع عمال الحكومة والمستخدمين خارج الهيئة, وتكون الأفضلية في شغل هذه الدرجة من بين من ذكروا على الوجه الآتي: ( أ ) عند التساوي في المؤهل يفضل الأقدم في الحصول عليه من بين الطوائف الثلاث. (ب) إذا اختلفت المؤهلات يفضل صاحب المؤهل الأعلى بغض النظر عن تاريخ الحصول عليه, وتعتبر الشهادة الإعدادية وما يعادلها أعلى من الشهادة الابتدائية أو ما يعادلها في تنفيذ هذا القانون. 2 - الدرجتان الثامنة والسابعة بالكادر الفني المتوسط... 3 - الدرجة الثامنة الكتابية: من تثبت لياقته الطبية وكان حاصلاً على شهادة إتمام الدراسة الثانوية القسم العام أو الخاص أو ما يعادلهما أو أي مؤهل يجيز للحاصل عليه التعيين في وظيفة من الدرجة الثامنة الكتابية يعين في تلك الدرجة على أن يراعى ألا تزيد نسبة عمال القناة الذين يعينون بهذه الطريقة عن 50% من الدرجات الخالية", ونصت المادة الرابعة من الكتاب الدوري المشار إليه تحت عنوان استثناء عمال القناة من تطبيق المادتين 15 و16 من نظام موظفي الدولة على أن "يكون تعيين عمال القناة في الدرجتين الثامنة والسابعة على الوجه الموضح أعلاه بدون اتباع القواعد المنصوص عليها في المادتين 15 و16 من نظام موظفي الدولة الملحق بالقانون رقم 210 لسنة 1951 بشرط أن يكونوا قد حصلوا على مؤهلاتهم الدراسية قبل أول يوليه سنة 1952". أما المادتان 15 و16 من القانون رقم 210 لسنة 1951 اللتان استثنى عمال القناة من أحكامهما؛ فقد نصت أولاهما على أن يكون التعيين بامتحان في الوظائف الآتية: وظائف الدرجة السادسة في الكادرين الفني العالي والإداري, الوظائف الفنية المتوسطة والكتابية من الدرجتين الثامنة والسابعة. ويعقد الامتحان في مدينة القاهرة, ويجوز عقده في مدينة أخرى إذا اقتضت المصلحة ذلك", ونصت المادة الثانية على أن "يعين الناجحون في الامتحان المقرر لشغل الوظيفة بحسب درجة الأسبقية الواردة في الترتيب النهائي لنتائج الامتحان التحريري والشخصي".
ومن حيث إنه يخلص مما تقدم أن مثار المنازعة هو ما إذا كان المدعي - بوصفه من عمال القنال - يستحق تسوية حالته بوضعه في الدرجة الثامنة منذ 11 من يونيه سنة 1956 تاريخ صدور القرار بتعيينه في الدرجة التاسعة , وذلك بالتطبيق لقانون رقم 569 لسنة 1955, ما دام المدعي حاصلاً على شهادة الثقافة, أم أنه لا يستحق سوى التعيين ابتداء في الدرجة التاسعة بالتطبيق للقانون المذكور, ما دام لم يحصل على تلك الشهادة إلا بعد أول يوليه سنة 1952.
ومن حيث إن عمال القناة, وهم الذين عرفتهم المادة الأولى من القانون المشار إليه بأنهم "الذين تركوا خدمة السلطات البريطانية بقاعدة القناة والتحقوا بخدمة الحكومة المصرية ويخصم بأجورهم حالياً على القسم 25 من ميزانية الدولة...", وكانوا - للظروف والملابسات التي اكتنفت وضعهم حين تركوا خدمة السلطات البريطانية - قد ألحقوا بخدمة الحكومة المصرية بصفة مؤقتة وفي وضع معلق على اعتمادات البند المذكور, وذلك إلى أن يعاد توزيعهم توطئة لتعيينهم تعييناً ثابتاً, فشكلت لجنة بوزارة الشئون الاجتماعية في مايو سنة 1954 للنظر في إعادة توزيعهم, فقامت بدراسة مشاكلهم, وإذ كانت الحكومة راغبة في استقرارهم مع إشعارهم بالمسئولية الكاملة وبمراعاة التوفيق بين مصلحتهم والمصلحة العامة؛ فقد صدر من أجل ذلك القانون رقم 569 لسنة 1955 بشأن تعيينهم على درجات الميزانية طبقاً للشروط والأحكام المبينة به, وهؤلاء العمال ينقسمون إلى مؤهلين وغير مؤهلين, والمؤهلون تختلف مؤهلاتهم, وهؤلاء جميعاً رؤى تسوية حالتهم بنقلهم إلى درجات داخل الهيئة كل منهم بحسب مؤهله مع استثنائهم من بعض أحكام القانون رقم 210 لسنة 1951 بالنسبة لما يتطلبه هذا القانون في تعيين أمثالهم بالطرق المعتادة وجعل التعيين في الدرجة التاسعة من بين العمال الحكوميين والمستخدمين خارج الهيئة وعمال القناة وغيرهم الحاصلين على الشهادة الابتدائية على الأقل, ويكون التعيين حسب أقدمية الحصول على تلك الشهادة, ويكون للحاصلين على مؤهل أعلى الأسبقية في التعيين, وعند التساوي في هذا المؤهل يفضل دائماً الأقدم في الحصول عليه, أما التعيين في الدرجتين الثامنة والسابعة في الكادرين الكتابي والفني المتوسط فيكون بنسبة 50% على الأكثر من بين عمال القناة, ويشترط لتعيينهم في هذه الدرجات أن يكونوا أقدم في الدرجة السابقة من مستخدمي الحكومة وعمالها المرشحين لها. وعند التساوي في الأقدمية تقسم الدرجات مناصفة بين الفريقين بحيث يخصص إحداها لعامل من القناة والثانية لعامل أو مستخدم..... ولوزير الشئون الاجتماعية والعمل إصدار القرارات اللازمة لتحديد أقدمية عمال القناة فيما بينهم وسائر القرارات الأخرى اللازمة لتنفيذ هذا القانون. وبينت المادة الثالثة أوجه التخفيف في تعيين العمال المذكورين في تلك الدرجات استثناء من أحكام القانون رقم 210 لسنة 1951, فيما يختص باللياقة الطبية التي فوض القانون المذكور مجلس الوزراء في إصدار قرار بتعيين شروطها, وكذلك امتحان المسابقة بوساطة ديوان الموظفين. ونصت المادة الخامسة على أن تسري على عمال القناة بعد تعيينهم في الدرجات باقي أحكام القانون رقم 210 لسنة 1951 باعتبارهم معينين لأول مرة, ويتخذ تاريخ التعيين في الدرجة أساساً لتحديد الأقدمية وفترة العلاوات والإجازات.
ومن حيث إن التعيين رأساً من بين عمال القناة في الدرجة الثامنة الكتابية أو الفنية المتوسطة ليس حتمياً بالنسبة لكل من يحمل شهادة الثقافة أو التوجيهية أو ما يعادلها, سواء عند نفاذ هذا القانون أو بعد نفاذه, بل واضح من عبارة الفقرة ( أ ) من المادة 2 من القانون المذكور أن التعيين في الدرجة التاسعة من بين عمال القناة يكون للحاصلين على الشهادة الابتدائية على الأقل, أي يجوز التعيين في هذه الدرجة لمن كان يحمل مؤهلاً أعلى من ذلك, وهذا ينفى اقتراض تسوية الحاصل على شهادة الثقافة حتماً في الدرجة الثامنة, وإنما تعيين هؤلاء في هذه الدرجة مقيد بتوافر الشروط المنصوص عليها في الفقرة (ب) من تلك المادة, وهي تقصر التعيين على نسبة 50% من الدرجات الخالية لعمال القناة, وتشترط لتعيينهم فيها أن يكونوا أقدم في الدرجة السابقة من مستخدمي وعمال الحكومة المرشحين لها, وعند التساوي في الأقدمية تقسم الدرجات مناصفة بين الفريقين بحيث تخصص إحداها لعامل من القناة والثانية لعامل أو مستخدم, وإذا كان وزير الشئون الاجتماعية والعمل بما له من السلطة التفويضية بموجب القانون المذكور قد أصدر قراراً تضمنه الكتاب الدوري رقم 10 في 15 من ديسمبر سنة 1955 يجيز التعيين رأساً في الدرجات الثامنة الفنية والكتابية من عمال القناة الحاصلين على شهادة الثقافة أو التوجيهية أو ما يعادلهما, إلا أنه شرط لذلك أن يكون حصول العامل على هذا المؤهل سابقاً على أول يوليه سنة 1952؛ ليكون متفقاً مع التسوية التي تتم في هذا الشأن بالتطبيق للقانون رقم 371 لسنة 1953 والقوانين المكملة له, باعتبار هؤلاء في خدمة الحكومة قبل أول يوليه سنة 1952 وحاصلين على المؤهل قبل ذلك؛ فتلحقهم التسوية بمقتضى أحكام القانون المذكور, وهذا الشرط غير متحقق في حالة المدعي؛ إذ أنه حصل على شهادة الثقافة بعد أول يوليه سنة 1952.
ومن حيث إنه لذلك يكون الطعن قد قام على أساس سليم من القانون، ويكون الحكم المطعون فيه - والحالة هذه - قد خالف القانون, ويتعين من أجل ذلك إلغاؤه, والقضاء برفض الدعوى, مع إلزام المدعي بالمصروفات.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً, وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه, وبرفض الدعوى, وألزمت المدعي بالمصروفات.

الطعن 16 لسنة 4 ق جلسة 31 / 1 / 1959 إدارية عليا مكتب فني 4 ج 1 ق 56 ص 670

جلسة 31 من يناير سنة 1959

برياسة السيد/ السيد علي السيد رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة السيد إبراهيم الديواني وعلي إبراهيم بغدادي ومصطفى كامل إسماعيل والدكتور ضياء الدين صالح المستشارين.

---------------------

(56)

القضية رقم 16 لسنة 4 القضائية

جامعات 

- أعضاء هيئة التدريس بكلية الطب - قرار مجلس الوزراء في 3 من ديسمبر سنة 1927 بالسماح للأطباء الذين تنتظمهم هيئة التدريس في كلية الطب أن يباشروا مهنتهم في الخارج إلى جانب عملهم الحكومي مقابل تخفيض مرتباتهم إلى النصف وأن تعتبر مدة خدمتهم نصف وقت - تقنين المادة 16 من المرسوم بقانون رقم 37 لسنة 1929 هذا النظام - قرار مجلس الوزراء في 18 من يوليه سنة 1936 - تقريره صرف نصف الماهية للطبيب في الدرجة الخامسة فما فوق إذا طلب الطبيب الموظف الاشتغال نصف الوقت - قرار مجلس الوزراء في 6 من أكتوبر سنة 1946 - إبرازه معنى اشتغال أعضاء هيئة التدريس بكلية الطب بمهنتهم في الخارج وتحديده ذلك بعدم تخصيص أعمال التدريس بكامل الوقت اللازم لها بسبب انصرافهم إلى العمل الخارجي المرخص لهم فيه - تقريره منح أعضاء هيئة التدريس بكلية الطب كامل مرتبهم إذا خصوا الكلية بكل أوقات العمل الرسمية المقررة في مصالح الحكومة - المادة 34 مكرراً من القانون رقم 210 لسنة 1951 واختصاصها الأطباء الممنوعين من مزاولة المهنة بالخارج بمزية جديدة في الترقية - قرار مجلس كلية الطب بجامعة القاهرة بأن العمل في حالتيه نصف الوقت وكل الوقت لم يتغير في كمه وكيفه - لا يغير من طبيعة الأوضاع القانونية فيما يتعلق بمراكز هيئة التدريس بالكلية الذين وصفوا بقرار مجلس الوزراء في 3 من ديسمبر سنة 1927 بأنهم أطباء نصف الوقت - كون المدعي موظفاً نصف الوقت في فترة تخللت مدة خدمته خاضعاً في تسوية معاشه لحكم المادة 16 من المرسوم بقانون رقم 37 لسنة 1929.

---------------------
الأصل أن يكرس الموظف كامل وقته لأداء واجبات وظيفته, أي أن ينقطع لها, سواء في وقت العمل الرسمي أو في غير الوقت المعين له, فلا يقوم في وقت فراغه بأي عمل بأجر, فإذا أذن له في هذا العمل كان وقته غير مكرس بأكمله لعمله الحكومي, وخفض مرتبه تبعاً لذلك. وقد رددت المادتان 73 و78 من القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة فيما بعد الأصل العام في هذا الشأن؛ إذ نصت أولاهما على وجوب أن يخصص الموظف وقته العمل الرسمي لأداء واجبات وظيفته, وأجازت تكليفه بالعمل في غير أوقاته الرسمية علاوة على الوقت المعين لها إذا اقتضت مصلحة العمل ذلك, وحظرت الثانية عليه أن يؤدي أعمالاً للغير بمرتب أو بمكافأة ولو في غير أوقات العمل الرسمية إلا أن يؤذن له في ذلك بالشروط التي أوردتها. وقد كان المدعي طبيباً يمضي كل الوقت في عمله, وغير مصرح له بالأشغال الخصوصية, ثم صدر قرار مجلس الوزراء في 3 من ديسمبر سنة 1927 بالتصديق على قرار لجنة فحص كافيات موظفي التدريس بكلية الطب بجعل وظيفته نصف وقت بدلاً من وقت كامل بنصف مرتب اعتباراً من ذلك التاريخ؛ وبذا يكون هذا القرار قد قطع في تحديد وضعه؛ بأن اعتبره موظفاً "نصف الوقت"؛ إذ سمح له بمزاولة مهنته في الخارج وخفض مرتبه إلى النصف بناء على ذلك. ومقتضى هذا على الأساس المتقدم أن وقت عمله قد خفض إلى النصف كذلك؛ إذ هو علة تخفيض المرتب بهذا القدر. وقد صدر بعد ذلك المرسوم بقانون رقم 37 لسنة 1929 الخاص بالمعاشات الملكية, وأورد في المادة 16 منه تعريفاً تشريعياً للموظف أو المستخدم الدائم "نصف الوقت" في مقام بيان أسس تسوية معاشه أو مكافأته إذا ما تخللت مدة خدمته مدد عمل فيها نصف الوقت؛ إذ جعل معيار قيام هذه الصفة به تخفيض أوقات عمله إلى النصف, وأكد ذلك فيما جاء بمذكرته الإيضاحية تعليقاً على هذه المادة متسقاً في تفسير مدلوله مع المعنى الذي اصطلحت عليه لجنة تعديل الدرجات في سنة 1921؛ إذ صرحت لبعض الموظفين - لا سيما الأطباء منهم - بمزاولة مهنتهم في الخارج؛ الأمر الذي أنبنى عليه خفض الوقت الذي كان واجباً تكريسه لعملهم, على أن يتنازلوا في نظير ذلك عن نصف المرتب المقرر لهم, وهو ذات المعنى الذي أخذ به قرار مجلس الوزراء الصادر في 3 من ديسمبر سنة 1927؛ وإذا كان المنشور رقم 5 الصادر في 28 من يونيه سنة 1936 تنفيذاً لقرار مجلس الوزراء الصادر في 17 من يونيه سنة 1936 قد أوقف الترخيصات السابق منحها لبعض موظفي الحكومة ومستخدميها لمزاولة أعمال خارجة عن أعمال وظائفهم الأصلية في غير أوقات العمل الرسمية, فإنه قد استثنى من ذلك الترخيصات التي نصت عليها بعض الكادرات الخاصة, كما هو الحال في شأن الأطباء الذين يشغلون وظائف معينة في وزارة الصحة والجامعة المصرية, فأبقى عليها, ولم يصفها بأنها مقصورة على إباحة مزاولتهم لمهنتهم في غير أوقات العمل الرسمية, بل استثنى أربابها جملة بأوضاعهم وظروفهم القائمة بحسب الكادرات الخاصة بهم مطلقة من هذا القيد؛ ومن ثم فإن التحدي بالمنشور المشار إليه للتدليل على انحصار النشاط الخارجي لهذه الفئة من الموظفين من الناحية الزمنية في غير أوقات العمل الرسمية يكون في غير محله. وقد جاء قرار مجلس الوزراء الصادر في 18 من يوليه سنة 1936 صريحاً في تأكيد المعنى المتقدم؛ إذ ورد به "أما إذا طلب (الطبيب الموظف) بعد ذلك مزاولة المهنة أو ما يعبر عنه بالاشتغال نصف الوقت صرف إليه نصف الماهية فقط في أية درجة كان من الخامسة فما فوق". وأعقبه بعد ذلك قرار مجلس الوزراء الصادر في 6 من أكتوبر سنة 1946 الذي أبرز معنى اشتغال أعضاء هيئة التدريس بكلية الطب بمهنتهم في الخارج, وحدد مدلوله بقوله "حيث يصرفهم العمل الخارجي عن التفرغ لأعمال التدريس تفرغاً كافياً", فكشف بذلك عن أن هؤلاء لا يخصون أعمال التدريس بكامل الوقت اللازم لها بسبب انصرافهم إلى العمل الخارجي المرخص لهم فيه, وخلص من هذا إلى تقرير منح أعضاء هيئة التدريس بكلية الطب "المسموح لهم بالاشتغال بمهنتهم خارجها مرتب وظيفتهم كاملاً إذا خصوا الكلية بكل أوقات العمل الرسمية المقررة في مصالح الحكومة", ومنح "غير المسموح لهم بالاشتغال الخارجي بمهنتهم بدل تفرغ طبقاً للفئات "التي عينها, فضلاً عن مرتب الوظيفة الكامل. وبذا علق منح مرتب الوظيفة كاملاً للمشتغلين بالمهنة في الخارج على شرط تخصيص جهودهم في كل أوقات العمل الرسمية المقررة في مصالح الحكومة لاحتياجات التدريس بالكلية. وأفصح بهذا عن أن علة تخفيض المرتب إلى النصف كانت وما زالت هي عدم تحقق هذا التخصيص. ثم صدر القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة, فآثر في المادة 34 مكرراً منه الأطباء الممنوعين من مزاولة مهنتهم بالخارج, دون غير الممنوعين منهم, بمزية جديدة في الترقية. ونص قرار مجلس الوزراء الصادر في 11 من أغسطس سنة 1953 تنفيذاً لهذه المادة على منحهم بدل طبيعة عمل بالكامل. وإذا كان قرار مجلس كلية الطب بجامعة القاهرة الصادر في 12 من ديسمبر سنة 1954 قد انتهى إلى "أن العمل في حالتيه ما سمي نصف الوقت وكل الوقت لم يتغير في كمه وكيفه" بعد 6 من أكتوبر سنة 1946 عما كان عليه قبل هذا التاريخ, فإن هذا لا يغير من طبيعة الأوضاع القانونية فيما يتعلق بمراكز أعضاء هيئة التدريس بالكلية الذين كانوا يمارسون مهنتهم في عياداتهم الخاصة في الخارج, والذين وصفوا بقرار مجلس الوزراء الصادر في 3 من ديسمبر سنة 1927 بأنهم أطباء "نصف الوقت", وخفضت مرتباتهم لهذا السبب إلى النصف وارتضوا ذلك, وكان وضعهم على هذا النحو يسمح لهم قانوناً بالتخفف من أوقات عملهم. ولما كان المدعي موظفاً نصف الوقت في الفترة التي تخللت مدة خدمته والواقعة بين 3 من ديسمبر سنة 1927 و6 من أكتوبر سنة 1946؛ فإنه يخضع في تسوية معاشه لحكم المادة 16 دون المادة 15 من المرسوم بقانون رقم 37 لسنة 1929 الخاص بالمعاشات الملكية.


إجراءات الطعن

في 25 من نوفمبر سنة 1957 أودع السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة سكرتيرية المحكمة عريضة طعن أمام هذه المحكمة قيد بجدولها تحت رقم 16 لسنة 4 القضائية في الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري (الهيئة الرابعة "ب") بجلسة 14 من أكتوبر سنة 1957 في الدعوى رقم 2058 لسنة 9 القضائية المقامة من الدكتور محمد عبد الوهاب مورو ضد جامعة القاهرة, القاضي "باستحقاق المدعي تسوية معاشه وفق أحكام المادة 15 من قانون المعاشات الملكية, وإلزام جامعة القاهرة بالمصروفات". وطلب السيد رئيس هيئة المفوضين - للأسباب التي استند إليها في صحيفة طعنه - "الحكم بقبول الطعن شكلاً, وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه, والقضاء برفض الدعوى, مع إلزام المدعي بالمصروفات". وقد أعلن هذا الطعن إلى جامعة القاهرة في 2 من ديسمبر سنة 1957, وإلى المطعون عليه في 4 منه. وبعد أن انقضت المواعيد القانونية المقررة دون أن يقدم أي من الطرفين مذكرة بملاحظاته عين لنظر الطعن أمام هذه المحكمة جلسة 6 من ديسمبر سنة 1958، وفي 10 من نوفمبر سنة 1958 أبلغ الطرفان بميعاد هذه الجلسة, وفيها سمعت المحكمة ما رأت سماعه من إيضاحات ذوي الشأن على الوجه المبين بمحضر الجلسة, ثم قررت إرجاء النطق بالحكم في الطعن إلى جلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة - حسبما يبين من الأوراق الطعن - تتحصل في أن المدعي رفع إلى اللجنة القضائية لوزارة المالية والاقتصاد التظلم رقم 619 لسنة 2 القضائية ضد جامعة القاهرة بعريضة أودعها سكرتيرية اللجنة في 14 من ديسمبر سنة 1953, ذكر فيها أن معاشه ربط على اعتبار أن مدة خدمته من مايو سنة 1928 إلى أكتوبر سنة 1946 كانت نصف الوقت, والمدة الباقية كل الوقت, على الرغم من أن حالته لم تتغير منذ صرح له بمزاولة مهنته في سنة 1928, لغاية تاريخ إحالته إلى المعاش في سنة 1953, حيث كان يزاول مهنته خارج الجامعة طوال هذه المدة, وغاية الأمر أنه في سنة 1946 رفعت مرتبات أعضاء هيئة التدريس بكلية الطب مع استمرارهم في ممارسة مهنتهم باعتبارهم أساتذة غير متفرغين. وقد حسبت لجميع زملائه الذين أحيلوا إلى المعاش قبله المدة بأكملها على آخر مرتب كانوا يتقاضونه؛ ولذا فإنه يطلب تعديل معاشه على آخر مرتب كان يتقاضاه أسوة بكل من سبقوه. وقد ردت وزارة المالية والاقتصاد على هذا التظلم في 27 من ديسمبر سنة 1953 بأنها قامت بتسوية معاش المدعي على أساس نص المادة 16 من قانون المعاشات الصادر في 28 من مايو سنة 1929 المعامل بأحكامه, وذلك بعد عرض الموضوع على الشعبة المالية والاقتصادية وصدور الفتوى منها في 2 من نوفمبر سنة 1953 بهذا الرأي؛ نظراً إلى أن له مدد خدمة نصف وقت أثناء مدة خدمته بالحكومة. أما بخصوص ما اتبع في تسوية حالات زملائه السابقين فقد سويت معاشاتهم على أساس الماهية الأخيرة؛ وذلك استناداً إلى فتاوى صدرت من مجلس الدولة في كل حالة على حدة. وبمناسبة صدور القانون رقم 147 لسنة 1954 بإنشاء وتنظيم المحاكم الإدارية أحيل هذا التظلم إلى المحكمة الإدارية لوزارة المالية والتجارة والزراعة والتموين التي حلت محل اللجنة القضائية وقيد بجدولها بذات الرقم. وبجلسة 16 من يناير سنة 1955 قضت المحكمة "بعدم اختصاصها بنظر الدعوى, وأمرت بإحالتها بحالتها إلى المحكمة الإدارية لوزارات التربية والشئون الاجتماعية والإرشاد القومي للاختصاص, واعتبرت النطق بهذا القرار إعلاناً للطرفين". وقد قيدت الدعوى بجدول المحكمة الإدارية لوزارات التربية والتعليم والشئون الاجتماعية والإرشاد القومي بعد إحالتها إليها تحت رقم 4322 لسنة 2 القضائية. ولما كان المدعي من الموظفين الداخلين في الهيئة من الفئة العالية فقد أحيلت الدعوى بالتطبيق لأحكام القانون رقم 165 لسنة 1955 في شأن تنظيم مجلس الدولة إلى محكمة القضاء الإداري؛ حيث قيدت بجدولها تحت رقم 2085 لسنة 9 القضائية. وقد أودعت وزارة المالية مذكرة بملاحظاتها قالت فيها إن المدعي كان مديراً لجامعة القاهرة وأحيل إلى المعاش اعتباراً من 25 من يونيه سنة 1953 بناء على طلبه, وكانت له مدد خدمة بعضها كامل الوقت وبعضها نصفه, وكان أثناء الفترة من 6 من أكتوبر سنة 1946 إلى 24 من يونيه سنة 1953 يزاول مهنته في الخارج في أوقات فراغه طبقاً لقرار مجلس الوزراء الصادر في 6 من أكتوبر سنة 1946 الذي منح أعضاء هيئة التدريس بكلية الطب - المسموح لهم بالاشتغال بمهنتهم خارجها - مرتبات وظائفهم كاملة إذا خصوا الكلية بكل أوقات العمل الرسمية المقررة في المصالح الحكومية. وقد سوى معاشه طبقاً لأحكام المادة 16 من قانون المعاشات رقم 37 لسنة 1929 المعامل به, فبلغ 833 م و73 ج شهرياً. ولكنه قدم طلباً بتسوية معاشه على أساس آخر ماهية عن مدد خدماته أسوة بزملائه. وباستطلاع رأي الشعبة المالية والاقتصادية بمجلس الدولة عما إذا كان معاشه يسوى وفقاً للمادة 15 أم للمادة 16 من قانون المعاشات رقم 37 لسنة 1929, أجابت بأنه - طبقاً لفتوى قسم الرأي مجتمعاً في 28 من أكتوبر سنة 1953 التي قضت بتطبيق المادة 16 من القانون المذكور على الموظفين الذين لهم مدد خدمة نصف وقت أثناء مدة خدمتهم - يتعين تطبيق المادة المشار إليها عند تسوية معاش المدعي؛ حيث إن له مدد خدمة نصف وقت أثناء مدة خدمته بالحكومة. وأضافت الوزارة أنه لما كان حكم المادة 16 من قانون المعاشات, وهو الخاص بفئة الموظفين الذين تشمل مدة خدمتهم مدداً كانوا فيها موظفين نصف الوقت, لاحقاً للمادة 15 التي تضمنت أحكاماً في شأن تسوية المعاشات بصفة عامة, فإن من شأن هذا الحكم الخاص أن يقيد من إطلاق الحكم العام؛ وعلى هذا الأساس سوى معاش المدعي بالتطبيق للمادة 16. ولما كانت مدة خدمة المدعي تنقسم إلى ثلاث فترات: (الأولى) 4 يوم و8 شهر و11 سنة, من 29 من مارس سنة 1916 إلى 2 من ديسمبر سنة 1927 كامل الوقت. و(الثانية) 3 يوم و10 شهر و18 سنة, من 3 من ديسمبر سنة 1927 إلى 5 من أكتوبر سنة 1946 نصف الوقت. و(الثالثة) 19 يوم و8 شهر و6 سنة, من 6 من أكتوبر سنة 1946 إلى 24 من يونيه سنة 1953 كامل الوقت, فإنه لا يمكن اعتبار الفترة الثالثة من مدة خدمته امتداداً للفترة الثانية واعتبار الفترتين مع مدة خدمته نصف الوقت كي يحسب معاشه بالنسبة لها على أساس مرتبه الأخير. أما الفئة الأولى من خدمته فلم يكن بد من حساب معاشها مستقلاً, وإضافته لمعاش المدة المجمعة. وليس صحيحاً أن نص المادة 16 من قانون المعاشات يسمح لصاحب المعاش بالتمسك بالمادة 15 أو بالمادة 16 منه وفقاً لمصلحته, وهذا ما نفذته الإدارة العامة لمعاشات الحكومة؛ الأمر الذي يتضح منه أن المدعي لا يستند في دعواه إلى أساس سليم من القانون. وخلصت الوزارة من هذا إلى طلب رفض الدعوى, مع إلزام المدعي بالمصروفات. وقد أودع السيد مفوض الدولة تقريراً بالرأي القانوني مسبباً مؤرخاً 23 من يونيه سنة 1957 انتهى فيه - للأسباب التي أبداها - إلى التوصية "بقبول الدعوى شكلاً, وبتسوية معاش المدعي على أساس حكم المادة 15 من قانون المعاشات, مع إلزام الحكومة بالمصروفات". وبجلسة 14 من أكتوبر سنة 1957 قضت محكمة القضاء الإداري (الهيئة الرابعة "ب") باستحقاق المدعي تسوية معاشه وفق أحكام المادة 15 من قانون المعاشات الملكية, وإلزام جامعة القاهرة بالمصروفات". وأقامت قضاءها على أن حساب المعاش بالتطبيق لحكم المادة 16 من قانون المعاشات رقم 37 لسنة 1929 من شأنه أن يؤدي إلى تخفيضه عما لو حسبت الخدمة كلها في مدة موحدة على أساس آخر مرتب تقاضاه الموظف عند اعتزاله الخدمة وفقاً لحكم المادة 15 من القانون المذكور. وأنه لما كان الثابت أن ثمت مدداً تخللت خدمة المدعي كان فيها غير متفرغ وتقاضي خلالها نصف المرتب المقرر لوظيفته, فإن مثار البحث يكون هو معرفة أي النصين يحكم تسوية معاشه, وأن وجوه الرأي تشعبت في شأن تسوية معاش الأطباء من أعضاء هيئة التدريس بكلية الطب. وقد اتبعت وزارة المالية فتوى قسم الرأي مجتمعاً التي ذهبت في تفسير المادة 16 من قانون المعاشات تفسيراً صحيحاً مبناه أن الموظف نصف الوقت هو الذي يخفض عمله إلى النصف, أما إذا كان وقت عمله كاملاً فهو موظف طول الوقت, ولا ينفي عنه هذه الصفة الترخيص له في مزاولة مهنته في أوقات فراغه؛ إذ العبرة هي بمقدار الوقت الذي يكرسه الموظف لأداء وظيفته. ومقتضى إعمال هذه الفتوى أنه كان يتعين على وزارة المالية أن تبحث ما إذا كان عمل المدعي قد خفض إلى النصف في المدة التي تخللت خدمته وقت اشتغاله غير متفرغ بنصف مرتبه. وبالرجوع إلى مذكرة وزير المالية لمجلس الوزراء المؤرخة 14 من يوليه سنة 1936 يبين أنه بسبب قلة عدد الأطباء منح بعضهم مرتب عدم مزاولة المهنة رغبة في اجتذاب الأكفاء منهم إلى خدمة الحكومة وحملهم على التفرغ لهذه الخدمة. غير أن من طلب منهم مزاولة المهنة في الخارج مع قيامه بعمله في هيئة التدريس, أو ما يعبر عنه بالاشتغال نصف الوقت, فإنه يصرف له نصف مرتبه فقط؛ ومن ثم فإن الحكمة في تخفيض مرتب عضو هيئة التدريس المرخص له في مزاولة المهنة في الخارج قبل سنة 1946, لا ترجع إلى تخفيض عمله إلى نصف الوقت بالنسبة إلى عمل زميله المتفرغ للوظيفة فحسب, بل إلى الرغبة في اجتذاب أعضاء هيئة التدريس للتفرغ لبعض الدراسات بكلية الطب التي لم تلق إقبالاً عليها. ولما كان هذا غير كاف لتشجيع الأطباء على أنواع الدراسات الخاصة فقد أصدر مجلس الوزراء في 6 من أكتوبر سنة 1946 قراراً يقضي: 1 - بمنح غير المتفرغين مرتب وظيفتهم بالكامل. و2 - زيادة فئات بدل التفرغ لغير المسموح لهم بالاشتغال بالمهنة تشجيعاً لهم على متابعة البحث العلمي والانصراف إلى مهنة التدريس. وإذا كان قرار مجلس الوزراء هذا قد اقترن بتحفظ مبناه أن يصرف كامل المرتب لغير المتفرغين إذا خصوا كلية الطب بكل أوقات العمل الرسمية المقررة في مصالح الحكومة, فليس معنى ذلك أن المدعي وأمثاله من أعضاء هيئة التدريس الذين كانوا يزاولون مهنتهم في الخارج, إلى جانب قيامهم بأعباء وظائفهم الجامعية, قد غيروا من مقدار العمل أو الوقت الذي درجوا على تخصيصه قبل 6 من أكتوبر سنة 1946. وقد قرر مجلس كلية الطب بالإجماع بجلسة 12 من ديسمبر سنة 1954 أن العمل في حالتيه مما سمى نصف الوقت وكل الوقت لم يتغير في كمه وكيفه, وأنه بقي في العهدين خاضعاً للنظم الجامعية, وأن توزيعه بين أعضاء هيئة التدريس يجرى طبقاً للجداول التي تعدها الكلية حسب حاجة التدريس، دون نظر إلى ما إذا كان من يقوم به متفرغاً أو غير متفرغ, وأن أعضاء هيئة التدريس الذين وصفوا قبل 6 من أكتوبر سنة 1946 بأنهم نصف الوقت كانوا يزاولن مهنتهم في عياداتهم الخاصة في غير أوقات عملهم الرسمي الذي لم يكن في أي وقت ينقص في الكم أو الكيف عن عمل زملائهم الذين كانوا وقتذاك لا يمارسون مهنتهم في الخارج. ويخلص من هذا أن المدة السابقة على قرار مجلس الوزراء الصادر في 6 من أكتوبر سنة 1946 لم يكن العمل يؤدي فيها بنصف مقداره أو أن الموظف كان يعتبر فيها موظفاً نصف الوقت ونقصت أعماله إلى النصف, وإلا لما كانت الحكومة قد صرفت للمدعي ولغيره من الزملاء غير المتفرغين مرتب وظيفتهم بالكامل, فضلاً عن أن وزارة المالية لم تبين أن ثمت تغييراً قد طرأ على عمل المدعي بعد صدور قرار مجلس الوزراء المشار إليه يبرر تجزئة مدة خدمته؛ ولذا فإن المدة التي قضاها قبل 6 من أكتوبر سنة 1946 تكون مماثلة في طبيعتها للمدة التي أعقبت هذا التاريخ, مما يجعل مدة خدمته جميعها موحدة في العمل, وأنها لم تتخللها مدة نصف الوقت, ويرتب له الحق في تسوية معاشه على أساس حكم المادة 15 من قانون المعاشات. وقد طعن السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة في هذا الحكم بعريضة أودعها سكرتيرية هذه المحكمة في 25 من نوفمبر سنة 1957 طلب فيها "الحكم بقبول الطعن شكلاً, وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه, والقضاء برفض الدعوى, مع إلزام المدعي المصروفات". واستند في أسباب طعنه إلى أنه يبين من نص المادتين 15 و16 من القانون رقم 37 لسنة 1929 ومما جاء في المذكرة الإيضاحية لهذا القانون, أن مفهوم خفض العمل إلى النصف في خصوص المادة 16 منه هو التصريح للموظف بمزاولة مهنته في الخارج على أن يتنازل عن نصف مرتبه, فإذا قام هذا الوضع بالنسبة إلى موظف دائم اعتبر موظفاً "نصف وقت" وسويت مكافأته أو معاشه على مقتضى حكم هذه المادة, دون حكم المادة 15 من القانون. ولما كان المدعي قد رخص له في مزاولة مهنته في الخارج منذ سنة 1928, وكان يتقاضى نصف مرتبه حتى 6 من أكتوبر سنة 1946, تاريخ صدور قرار مجلس الوزراء بمنحه مرتباً كاملاً بوصفه غير متفرغ, فإن جهة الإدارة تكون قد التزمت حكم القانون الصحيح حين سوت معاشه على وفق حكم المادة 16 من القانون رقم 37 لسنة 1929, وقد أخطأ الحكم المطعون فيه في تفسير هذه المادة, حين اتخذ من قرار مجلس الوزراء الصادر في 6 من أكتوبر سنة 1946 ومن قرار مجلس كلية الطب الصادر في 12 من ديسمبر سنة 1954 سنداً لتبيان مدلول النص القانوني, فذهب إلى أن مجلس الوزراء قد منح المدعي وزملاءه من غير المتفرغين مرتباً كاملاً, مع أن وضعهم السابق لم يتغير؛ الأمر الذي يدل على أنهم كانوا يؤدون عملهم كاملاً قبل صدور هذا القرار وبعده, كما ذهب إلى أن قرار مجلس الكلية قاطع في الدلالة على أن المدعي كان يعمل كل الوقت في المدة من سنة 1928 حتى سنة 1946, والواقع إلى أن هذا التفسير يؤدي إلى نتائج لا يمكن قبولها, منها أن حكم المادة 16 يصبح غير ذي موضوع, أو يعد تزايداً ولغواً مما ينزه عنه المشرع. ومنها أن غير المتفرغين ممن لا يمارسون مهنتهم في الخارج يتقاضون بدل تفرغ لغير ما عمل يؤذونه, طالما أنهم سواسية مع غير المتفرغين, عند وتوزيع العمل في كلية الطب, من حيث الكم والكيف. والحال أن مفهوم "نصف الوقت" في حكم المادة 16 من قانون المعاشات الملكية لا يجوز استخلاصه إلا من المذكرة الإيضاحية لهذا القانون دون غيرها؛ وعلى ذلك ينبغي أن يفهم قرار مجلس الوزراء, وهو أداة تشريعية أدنى من قانون, على أنه تخلى عن اشتراط تنازل الأطباء "نصف الوقت" من أعضاء هيئة التدريس عن نصف مرتباتهم؛ وبذلك فهم موظفون "نصف الوقت" حتى بعد 6 من أكتوبر سنة 1946, كما ينبغي أن يفهم قرار مجلس الكلية على أنه مقصور على جدول الدروس دون غيره من عمل يضطلع به الطبيب من أعضاء هيئة التدريس المتفرغين؛ ومن ثم فإن الحكم المطعون فيه يكون قد خالف القانون, ويتعين الطعن فيه. وقد عقب المدعي على الطعن بمذكرة قال فيها إن المادة 16 من قانون المعاشات رقم 37 لسنة 1929 تعرف الموظف "نصف الوقت" بأنه الموظف الذي خفض وقت عمله إلى النصف, وأن هذا التفسير هو الذي أخذت به المذكرة الإيضاحية للقانون تعليقاً على هذه المادة, واعتنقته فتوى قسم الرأي مجتمعاً الصادرة في 28 من أكتوبر سنة 1953, ومؤداه أن العبرة هي بالوقت الذي يعمله الموظف فعلاً وحقيقة, خلافاً لما يذهب إليه تقرير الطعن من أن العبرة هي بالتصريح أو عدم التصريح للموظف بمزاولة مهنته في الخارج, على أن يتنازل عن نصف مرتبه في الحالة الأولى. ولو أخذ بالرأي الذي يقول به الطعن لوجب أن يعتبر أساتذة كليات الحقوق والهندسة والطب البيطري وغيرهم من طوائف الموظفين المأذون لهم بالعمل في الخارج موظفين نصف الوقت, بل لوجب أن تخفض مرتباتهم إلى النصف. والحال أن المدعي كان دائماً طوال مدة خدمته موظفاً "كل الوقت"؛ وآية ذلك ما جاء في قرار مجلس كلية الطب بجامعة القاهرة الصادر بجلسة 12 من ديسمبر سنة 1954 من أن العمل في حالتيه ما سمي "نصف الوقت" و"كل الوقت" لم يتغير في كمه وكيفه, وأن أعضاء هيئة التدريس الذين وصفوا بأنهم "نصف الوقت" كانوا يزاولون مهنتهم في عيادتهم الخاصة في غير أوقات عملهم الرسمي التي لم تكن في أي وقت تنقص في الكم والكيف عن زملائهم الذين كانوا في نفس الوقت لا يمارسون مهنتهم في الخارج. فهذا القرار قاطع في أن المدعي لم يخفض وقت عمله إلى النصف في وقت ما من مدة خدمته. وإذا كان مرتبه قد خفض إلى النصف في الفترة من 3 من ديسمبر سنة 1927 إلى 5 من أكتوبر سنة 1946 فإن علة ذلك ترجع إلى نظام خاطئ وضعته الإدارة الإنجليزية لمدرسة الطب في الماضي وورثته كلية الطب بعد أن صارت كلية جامعية, إلى أن صححه قرار مجلس الوزراء الصادر في 6 من أكتوبر سنة 1946 الذي لم يعتبر أعضاء هيئة التدريس بكلية الطب المسموح لهم بالاشتغال بمهنتهم خارجها موظفين "نصف الوقت" كما سموا كذلك في الماضي. ولا عبرة بما أورده هذا القرار من قوله "إذا خصوا الكلية بكل أوقات العمل الرسمية المقررة في مصالح الحكومة"؛ لأن هذه العبارة لا تعدو أن تكون من قبيل تحصيل الحاصل, هذا إلى أنه يبدو من المنشور رقم 5 الصادر في 28 من يونيه سنة 1936 أن الترخيص في مزاولة المهنة في الخارج يشترط أن تكون تلك المزاولة في غير أوقات العمل الرسمية, الأمر الذي ينتفي معه فكرة تخفيض وقت العمل الرسمي بالنسبة للمدعي إلى النصف؛ ومن ثم يتعين تسوية معاشه وفقاً لأحكام المادة 15 من قانون المعاشات على أساس آخر مرتب تقاضاه, وذلك بطريق القياس على ما اتبع في شأن أساتذة الكليات الأخرى وشأن زملائه السابقين في كلية الطب ذاتها. على أنه لما كان تقرير الطعن قد أقر بأن صفة المدعي كموظف "نصف الوقت" لم تتغير قبل وبعد 6 من أكتوبر سنة 1946, أي أن مدة خدمته تعتبر جميعها موحدة في طبيعتها ونوعها, فإن هذا يؤدي حتماً إلى تطبيق حكم المادة 15 من قانون المعاشات في حقه دون المادة 16 منه, على نحو ما ذهب إليه الحكم المطعون فيه؛ وذلك باعتبار آخر مرتب تقاضاه هو الأساس لتسوية معاشه. وخلص المدعي من هذا إلى طلب "الحكم برفض الطعن, وتأييد الحكم المطعون فيه الذي قضى باستحقاقه تسوية معاشه وفق أحكام المادة 15 من قانون المعاشات الملكية, وإلزام جامعة القاهرة بالمصروفات".
ومن حيث إنه يبين من الاطلاع على ملف خدمة المدعي أنه حاصل على دبلوم مدرسة الطب المصرية في سنة 1915, وعين بمصلحة الصحة العمومية وقت أن كانت تابعة لوزارة الداخلية, وألحق بمستشفى القصر العيني بوظيفة طبيب مؤقت بموجب عقد لمدة سنة اعتباراً من 29 من مارس سنة 1916 بماهية شهرية قدرها 12 ج تصرف من ربط وظيفة طبيب درجة رابعة فئة ثانية, وهي إحدى وظائف أطباء التمرين الخالية بالمستشفى. وأوفد في بعثة إلى انجلترا في 5 من سبتمبر سنة 1918 على ذمة وزارة المعارف العمومية بعد أن انتخب طالب بعثة تحت التمرين منذ 29 من مارس سنة 1917, ثم عين معيداً ومسجلاً بمدرسة الطب ومستشفى قصر العيني بعقد لمدة سنتين من 10 من أبريل سنة 1922 براتب ثابت قدره 500 ج سنوياً خلاف علاوة العشرين في المائة ضمن المستخدمين المؤقتين حرف "ب", ونص بند "شروط خصوصية" الواردة بعقد استخدامه المؤرخ 10 من أبريل سنة 1922 على أنه "لا يصرح لحضرته بالأشغال الخصوصية". ثم جدد عقده لمدة ثلاث سنوات بماهية قدرها 600 ج سنوياً, وعين في وظيفة جراح مساعد يمضي كل الوقت في عمله بمدرسة الطب من أول سبتمبر سنة 1924 بمرتب سنوي قدره 660 ج في الدرجة الرابعة. وبناء على قرار لجنة فحص كفايات موظفي التدريس بكلية الطب المعينة بمقتضى قرار مجلس الوزراء الصادر في 29 من أبريل سنة 1926, والمعدلة بقرار المجلس الصادر في 6 من يناير سنة 1927, بجلستها المنعقدة في 6 من يونيه سنة 1927 تحت رياسة وزير المعارف العمومية, وعلى تصديق مجلس الوزراء على قرار اللجنة بجلسته المنعقدة في 3 من ديسمبر سنة 1927, جعلت وظيفة المدعي "نصف وقت بدلاً من وقت كامل", وذلك بنصف مرتب قدره 30 جنيهاً شهرياً في الدرجة الرابعة اعتباراً من 3 من ديسمبر سنة 1927, تاريخ تصديق مجلس الوزراء, وظل يتدرج في الترقيات بوصفه "نصف وقت" مع مزاولة مهنته في الخارج إلى أن بلغ وظيفة أستاذ بكلية الطب. وفي 6 من أكتوبر سنة 1946 صدر قرار مجلس الوزراء بتطبيق مزايا كادر رجال القضاء على أعضاء هيئة التدريس بالجامعة, ونص على أن يمنح أعضاء هيئة التدريس بكلية الطب المسموح لهم بالاشتغال بمهنتهم خارجها مرتبات وظائفهم كاملة إذا خصوا الكلية بكل أوقات العمل الرسمية المقررة في مصالح الحكومة. وقد أوضحت كلية الطب أن المدعي يزاول مهنته في الخارج ويتقاضى نصف مرتبه, وأنه قبل أن يكرس الوقت اللازم لأعمال الكلية حسبما تقرره جداول العمل وحاجة الأبحاث, وطلبت منحه ماهية كاملة بدلاً من النصف طبقاً لقرار مجلس الوزراء المشار إليه. وقد وافق وزير المعارف العمومية على ذلك, ومنح المدعي ماهية كاملة قدرها 100 ج شهرياً اعتباراً من 6 من أكتوبر سنة 1946, مع استمراره في مزاولة مهنته في الخارج في أوقات فراغه, ثم عين بعد ذلك عميداً لكية طب قصر العيني, فمديراً لجامعة القاهرة. وأحيل إلى المعاش اعتباراً من 25 من يونيه سنة 1953 بناء على طلبه, وربط له معاش قدره 833 م و73 ج في الشهر.
ومن حيث إن تقرير لجنة تعديل الدرجات المتضمن كادر الموظفين لسنة 1921, الذي وافق عليه مجلس الوزراء بقراره الصادر في 30 من يونيه سنة 1921 جاء في المادة 46 منه تحت عنوان "شروط الاشتغال بأعمال خصوصية" في الباب الثاني الخاص بساعات العمل: "من المناسب في هذا الصدد الإشارة إلى الشروط التي بمقتضاها يحق للموظفين أن يتعاطوا أشغالاً خصوصية. وقد وجه التفات اللجنة إلى هذه الحالة وتبين لها أن الوزارات لا تسير على نمط واحد. وللحصول على معاملة مبينة على المساواة توصي اللجنة باتباع المبادئ الآتية: 1 - لا يجوز لأي موظف أن يشتغل بالتجارة أو الصناعة. 2 - يجوز للموظف أن يباشر أي عمل بأجر وقت فراغه من عمل الحكومة بشرط الحصول على تصريح سابق وعدم وجود ما يمنع من ذلك, ويجوز سحب هذا التصريح في أي وقت. ويصدر هذا التصريح بالنسبة للكتبة من رئيس المصلحة, ولغيرهم بمعرفة الوزير". كما ورد في الملحق التاسع لهذا التقرير وهو الخاص بمربوط الدرجات في الكادر الفني والإداري "بند (جـ) وزارة المعارف العمومية, موظفو القسم الطبي" بيان بتحديد مرتبات الأطباء والموظفين بمدرسة الطب ومستشفي قصر العيني, وهذا البيان مسبوق بالملاحظة الآتية: "المرتبات المبينة أدناه مقترحة للموظفين الذين يكرسون كل وقتهم للعمل, أما الذين لا يكرسون إلا جزءاً منه لا يعطون إلا جزءاً معيناً من المرتب. ولهؤلاء الأخيرين ما لغيرهم من الحقوق في الدرجة التي يشغلونها مهما بلغ ما يتقاضونه من المرتب".
ومن حيث إن المرسوم بقانون رقم 37 لسنة 1929 الخاص بالمعاشات الملكية نص في الفقرة الأولى من المادة 15 منه على أن "تكون تسوية المعاشات بصفة عامة باعتبار متوسط الماهيات التي استولى عليها الموظف أو المستخدم في السنتين الأخيرتين من خدمته, على أن من يفصل من الخدمة لبلوغه سن الستين يسوى معاشه باعتبار متوسط الماهية في السنة الأخيرة", كما نص في المادة 16 منه على أن "يسوى معاش أو مكافأة الموظفين والمستخدمين الدائمين الذين تشمل مدة خدمتهم مدداً خفضت فيها أوقات العمل إلى النصف وهم المعروفون بالموظفين "نصف الوقت" حسب القواعد الآتية: 1 - يحسب المعاش الذي يستحقه الموظف في كل مدة على حدة على أساس الماهية الكاملة أو المخفضة طبقاً للقواعد المنصوص عليها في هذا القانون, وتضم قيم معاشات هذه المدد بعضها إلى بعض, ويكون مجموعها المعاش الذي يعطى للموظف أو المستخدم. 2 - .....". وقد جاء في المذكرة الإيضاحية لهذا المرسوم بقانون أن المادة 16 "تتضمن القواعد التي تسوى على أساسها مكافآت ومعاشات الموظفين الدائمين الذين تخللت مدة خدمتهم مدد خفضت فيها أوقات العمل إلى النصف, وهم المعروفون بالموظفين "نصف الوقت", وهذه الفئة من الموظفين لم تكن موجودة قبل سنة 1921, وقد أوجدتها لجنة تعديل الدرجات التي صرحت لبعض الموظفين لا سيما الأطباء منهم بمزاولة مهنتهم في الخارج على أن يتنازلوا في نظير ذلك عن نصف المرتب المقرر لهم...". وهذا النظام سبق أن عومل به أحد الأطباء بمقتضى قرار خاص من مجلس الوزراء.
ومن حيث إنه تنفيذاً لقرار مجلس الوزراء الصادر بجلسته المنعقدة في 17 من يونيه سنة 1936 صدر المنشور رقم 5 في 28 من يونيه سنة 1936 الخاص بمزاولة الموظفين أعمالاً إضافية, ونص في مادته الأولى على أن "توقف الترخيصات القائمة التي أعطيت لموظفي الحكومة ومستخدميها لمزاولة أعمال خارجة عن أعمال وظائفهم الأصلية في غير أوقات العمل الرسمية ما عدا الترخيصات التي نصت عليها بعض الكادرات الخصوصية (مثل الأطباء الذين يشغلون وظائف معينة في وزارة الصحة والجامعة المصرية)", كما نص في الفقرة الأولى من مادته الثانية على أن "لا يباح في المستقبل لموظف أو مستخدم أن يزاول عملاً إضافياً حراً كان أو حكومياً من الأعمال الجالبة للربح إلا بترخيص خاص من مجلس الوزراء".
ومن حيث إن مجلس الوزراء وافق بجلسته المنعقدة في 18 من يوليه سنة 1936 على مذكرة اللجنة المالية جاء فيها أنه "تنفيذاً لخطة الاقتصاد التي اعتزمت الحكومة أن تنتهجها وتخفيفاً لأعباء الميزانية من جراء اعتمادات الموظفين, قد قامت وزارة المالية ببحث شامل في المرتبات والمكافآت التي تمنح للموظفين من اعتمادات الميزانية علاوة على ماهياتهم, إما في مقابل أعمال إضافية, وإما لظروف تلابس الوظيفة. وهي تتشرف بأن تعرض على مجلس الوزراء في الكشوف المرافقة نتيجة هذا البحث..". وقد ورد في هذه الكشوف تحت عنوان "وزارة الصحة - مرتب عمل مزاولة المهنة" ما يأتي "ينمح بعض أطباء مصلحة الصحة والجامعة المصرية والسجون الذين في الدرجة السادسة مرتباً قدره 60 ج. م سنوياً لأطباء الأسنان والأطباء المسجلين بالقصر العيني و96 ج. م سنوياً لسائر الأطباء نظير عدم مزاولة المهنة في الخارج. فإذا ما رقوا إلى الدرجة الخامسة ضم هذا المرتب إلى صلب الماهية وحرم الموظف بطبيعة الحال من مزاولة المهنة. أما إذا طلب بعد مزاولة المهنة أو ما يعبر عنه بالاشتغال نصف الوقت صرف إليه نصف الماهية فقط في أية درجة كان من الخامسة فما فوق. وحيث إن الحكمة في صرف هذا المرتب ترجع إلى ما كان فيما مضى من قلة عدد الأطباء ثم الرغبة في اجتذاب الأكفاء منهم إلى خدمة الحكومة وحملهم على التفرغ لها. وحيث إن الحكمة الآن قد تغيرت بما يبرر إعادة النظر في أمر هذا المرتب المقترح تخفيضه إلى 48 ج. م و72 ج. م سنوياً على التوالي وجعله مستقلاً عن الماهية في الدرجة الخامسة كما هو مستقل عنها في الدرجة السادسة".
ومن حيث إن مجلس الوزراء وافق بجلسته المنعقدة في 6 من أكتوبر سنة 1946 على الاقتراحات المبينة بكتاب وزير المعارف العمومية الذي رفعه إلى المجلس طالباً فيه الموافقة على تطبيق مزايا كادر القضاء ورجال النيابة وأقسام قضايا الحكومة على أعضاء هيئة التدريس والمعيدين بجامعتي القاهرة والإسكندرية, والذي ورد فيه " ويجدر بي ألا أغفل حالة خاصة بأعضاء هيئة التدريس في كلية الطب حيث يصرفهم العمل الخارجي عن التفرغ لأعمال التدريس تفرغاً كافياً, أو في الحالة التي تكون مادة تخصصهم لا تسمح بإيجاد عيادة خاصة بهم. وهؤلاء وأولئك يجب تشجيعهم على التفرغ لأعمال التدريس عن طريق زيادة فئات بدل المتفرغ, وإلا واجهت كلية الطب - بل هي تواجه الآن - أزمة مستحكمة في سبيل جذب هؤلاء الأعضاء أو استبقائهم وانصرافهم للبحث العلمي ومهنة التدريس. ولذلك اقترح أن يمنح أعضاء هيئة التدريس بكلية الطب غير المسموح لهم بالاشتغال الخارجي بمهنتهم بدل تفرغ طبقاً للفئات التالية: الأساتذة 360 ج في السنة, الأساتذة المساعدون 240 ج في السنة, المدرسون 180 ج في السنة, مساعدو المدرسين والمعيدون 120ج في السنة, كما أقترح أن يمنح بقية أعضاء هيئة التدريس بكلية الطب المسموح لهم بالاشتغال بمهنتهم خارجها مرتب وظيفتهم كاملاً إذا خصوا الكلية بكل أوقات العمل الرسمية في مصالح الحكومة".
ومن حيث إنه بجلسة 12 من ديسمبر سنة 1954 صدر قرار مجلس كلية الطب بجامعة القاهرة في شأن أعضاء هيئة التدريس "نصف الوقت" بالكلية, وجاء فيه "نظر المجلس مذكرة عن المعاش مقدمة من بعض أعضاء هيئة التدريس الذين كانوا يعملون نصف الوقت ويتقاضون نصف المرتب. وقرر المجلس بالإجماع أن العمل في حالتيه ما سمى نصف الوقت وكل الوقت لم يتغير في كمه وكيفه, وبقي في العهدين خاضعاً للنظم الجامعية. وأن توزيعه بين أعضاء هيئة التدريس يجري طبقاً للجداول التي تعدها الكلية حسب حاجة التدريس دون نظر إلى شخص من يقوم به متفرغاً كان أو غير متفرغ. وإن أعضاء هيئة التدريس الذين وصفوا قبل 6 من أكتوبر سنة 1946 بأنهم نصف الوقت كانوا يزاولون مهنتهم في عياداتهم الخاصة في غير أوقات عملهم الرسمي التي لم تكن في أي وقت تنقص في الكم والكيف عن زملائهم الذين كانوا في نفس الوقت لا يمارسون مهنتهم في الخارج".
ومن حيث إن القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة نص في الفقرة الأولى من المادة 73 منه على أن على الموظف ".. أن يخصص وقت عمله الرسمي لأداء واجبات وظيفته", وفي الفقرة الثانية من هذه المادة على أنه "... ويجوز تكليف الموظفين بالعمل في غير أوقاته الرسمية علاوة على الوقت المعين لها إذا اقتضت مصلحة العمل ذلك", كما نص في الفقرة الأولى من المادة 78 منه على أنه "لا يجوز للموظف أن يؤدي أعمالاً للغير بمرتب أو بمكافأة ولو في غير أوقات العمل الرسمية", وفي الفقرة الثانية منها "على أنه يجوز للوزير المختص أن يأذن للموظف في عمل معين بشرط أن يكون ذلك في غير أوقات العمل الرسمية", وكذلك نص في المادة 34 مكرراً منه على أنه "يجوز بقرار من مجلس الوزراء بناء على اقتراح الوزير المختص ترقية الطبيب الذي يمنع من مزاولة مهنته بالخارج درجة أو درجتين, وذلك بالشروط التي يقرها مجلس الوزراء". وقد صدر قرار مجلس الوزراء في 11 من أغسطس سنة 1953 بهذه الشروط, ونص في المادة السادسة منه على أن "ينمح جميع الأطباء الشاغلين لوظائف تقتضي الحرمان من مزاولة المهنة في الخارج مرتب بدل طبيعة عمل بالكامل".
ومن حيث إنه يؤخذ من كل ما سلف إيراده أن مجلس الوزراء وافق في 30 من يونيه سنة 1921 على ما اقترحته لجنة تعديل الدرجات وقتذاك من إقرار مبدأ إجازة اشتغال الموظف بأي عمل خاص بأجر, فيما خلا الأعمال التجارية والصناعية التي هي محظورة عليه, وذلك وقت فراغه من عمله الحكومي بشرطين هما: الحصول على ترخيص سابق قابل للسحب في أي وقت, وعدم وجود مانع من مباشرة هذا العمل. كما وافق على ما أقرته اللجنة من السماح لبعض الموظفين, وبخاصة الأطباء منهم, بمزاولة مهنتهم في الخارج, وعدم تخصيص كل وقتهم للعمل الحكومي، لقاء خفض المرتب المقرر لهم أصلاً، وعدم منحهم إياه كاملاً. ومفهوم هذا أن الأصل بحسب هذه القاعدة أن يكرس الموظف كامل وقته لأداء واجبات وظيفته, أي أن ينقطع لها, سواء في وقت العمل الرسمي أو في غير الوقت المعين له, فلا يقوم في وقت فراغه بأي عمل بأجر, فإذا أذن له في هذا العمل كان وقته غير مكرس بأكمله لعمله الحكومي, وخفض مرتبه تبعاً لذلك. وقد رددت المادتان 73 و78 من القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة فيما يعد الأصل العام في هذا الشأن؛ إذ نصت أولاهما على وجوب أن يخصص الموظف وقته العمل الرسمي لأداء واجبات وظيفته, وأجازت تكليفه بالعمل في غير أوقاته الرسمية علاوة على الوقت المعين لها إذا اقتضت مصلحة العمل ذلك. وحظرت الثانية عليه أن يؤدي أعمالاً للغير بمرتب أو بمكافأة ولو في غير أوقات العمل الرسمية، إلا أن يؤذن له في ذلك بالشروط التي أوردتها. وقد كان المدعي طبيباً يمضي كل الوقت في عمله, وغير مصرح له بالأشغال الخصوصية, ثم صدر قرار مجلس الوزراء في 3 من ديسمبر سنة 1927 بالتصديق على قرار لجنة فحص كافيات موظفي التدريس بكلية الطب بجعل وظيفته نصف وقت بدلاً من وقت كامل بنصف مرتب اعتباراً من ذلك التاريخ؛ وبذا يكون هذا القرار قد قطع في تحديد وضعه بأن اعتبره موظفاً "نصف الوقت"؛ إذ سمح له بمزاولة مهنته في الخارج، وخفض مرتبه إلى النصف بناء على ذلك. ومقتضى هذا على الأساس المتقدم أن وقت عمله قد خفض إلى النصف كذلك؛ إذ هو علة تخفيض المرتب بهذا القدر. وقد صدر بعد ذلك المرسوم بقانون رقم 37 لسنة 1929 الخاص بالمعاشات الملكية, وأورد في المادة 16 منه تعريفاً تشريعياً للموظف أو المستخدم الدائم "نصف الوقت" في مقام بيان أسس تسوية معاشه أو مكافأته إذا ما تخللت مدة خدمته مدد عمل فيها نصف الوقت؛ إذ جعل معيار قيام هذه الصفة به تخفيض أوقات عمله إلى النصف. وأكد ذلك فيما جاء بمذكرته الإيضاحية تعليقاً على هذه المادة متسقاً في تفسير مدلوله مع المعنى الذي اصطلحت عليه لجنة تعديل الدرجات في سنة 1921؛ إذ صرحت لبعض الموظفين لا سيما الأطباء منهم - بمزاولة مهنتهم في الخارج؛ الأمر الذي أنبنى عليه خفض الوقت الذي كان واجباً تكريسه لعملهم, على أن يتنازلوا في نظير ذلك عن نصف المرتب المقرر لهم, وهو ذات المعنى الذي أخذ به قرار مجلس الوزراء الصادر في 3 من ديسمبر سنة 1927؛ إذ خفض مرتب المدعي إلى النصف واعتبر وقت عمله مخفضاً إلى النصف كذلك، ونص صراحة على جعل وظيفته "نصف وقت" بدلاً من وقت كامل. وهو تعبير يجد تفسيره الصحيح في التعريف الذي أوردته المادة 16 آنفة الذكر ومذكرتها الإيضاحية على نحو ما سلف بيانه. وإذا كان المنشور رقم 5 الصادر في 28 من يونيه سنة 1936 تنفيذاً لقرار مجلس الوزراء الصادر في 17 من يونيه سنة 1936 قد أوقف الترخيصات السابق منحها لبعض موظفي الحكومة ومستخدميها لمزاولة أعمال خارجة عن أعمال وظائفهم الأصلية في غير أوقات العمل الرسمية, فإنه قد استثنى من ذلك الترخيصات التي نصت عليها بعض الكادرات الخاصة, كما هو الحال في شأن الأطباء الذين يشغلون وظائف معينة في وزارة الصحة والجامعة المصرية, فأبقى عليها, ولم يصفها بأنها مقصورة على إباحة مزاولتهم لمهنتهم في غير أوقات العمل الرسمية, بل استثنى أربابها جملة بأوضاعهم وظروفهم القائمة بحسب الكادرات الخاصة بهم مطلقة من هذا القيد؛ ومن ثم فإن التحدي بالمنشور المشار إليه للتدليل على انحصار النشاط الخارجي لهذه الفئة من الموظفين من الناحية الزمنية في غير أوقات العمل الرسمية يكون في غير محله. وقد جاء قرار مجلس الوزراء الصادر في 18 من يوليه سنة 1936 صريحاً في تأكيد المعنى المتقدم؛ إذ ورد به "أما إذا طلب (الطبيب الموظف) بعد ذلك مزاولة المهنة أو ما يعبر عنه بالاشتغال نصف الوقت صرف إليه نصف الماهية فقط في أية درجة كان من الخامسة فما فوق". وأعقبه بعد ذلك قرار مجلس الوزراء الصادر في 6 من أكتوبر سنة 1946، الذي أبرز معنى اشتغال أعضاء هيئة التدريس بكلية الطب بمهنتهم في الخارج, وحدد مدلوله بقوله "حيث يصرفهم العمل الخارجي عن التفرغ لأعمال التدريس تفرغاً كافياً", فكشف بذلك عن أن هؤلاء لا يخصون أعمال التدريس بكامل الوقت اللازم لها بسبب انصرافهم إلى العمل الخارجي المرخص لهم فيه, وخلص من هذا إلى تقرير منح أعضاء هيئة التدريس بكلية الطب "المسموح لهم بالاشتغال بمهنتهم خارجها مرتب وظيفتهم كاملاً إذا خصوا الكلية بكل أوقات العمل الرسمية المقررة في مصالح الحكومة", ومنح "غير المسموح لهم بالاشتغال الخارجي بمهنتهم بدل تفرغ طبقاً للفئات" التي عينها, فضلاً عن مرتب الوظيفة الكامل. وبذا علق منح مرتب الوظيفة كاملاً للمشتغلين بالمهنة في الخارج على شرط تخصيص جهودهم في كل أوقات العمل الرسمية المقررة في مصالح الحكومة لاحتياجات التدريس بالكلية. وأفصح بهذا عن أن علة تخفيض المرتب إلى النصف كانت وما زالت هي عدم تحقق هذا التخصيص. ثم صدر القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة, فآثر في المادة 34 مكرراً منه الأطباء الممنوعين من مزاولة مهنتهم بالخارج, دون غير الممنوعين منهم, بمزية جديدة في الترقية. ونص قرار مجلس الوزراء الصادر في 11 من أغسطس سنة 1953 تنفيذاً لهذه المادة على منحهم بدل طبيعة عمل بالكامل. وإذا كان قرار مجلس كلية الطب بجامعة القاهرة الصادر في 12 من ديسمبر سنة 1954 قد انتهى إلى "أن العمل في حالتيه - ما سمي نصف الوقت وكل الوقت - لم يتغير في كمه وكيفه" بعد 6 من أكتوبر سنة 1946، عما كان عليه قبل هذا التاريخ, فإن هذا لا يغير من طبيعة الأوضاع القانونية فيما يتعلق بمراكز أعضاء هيئة التدريس بالكلية الذين كانوا يمارسون مهنتهم في عياداتهم الخاصة في الخارج, والذين وصفوا بقرار مجلس الوزراء الصادر في 3 من ديسمبر سنة 1927 بأنهم أطباء "نصف الوقت", وخفضت مرتباتهم لهذا السبب إلى النصف وارتضوا ذلك, وكان وضعهم على هذا النحو يسمح لهم قانوناً بالتخفف من أوقات عملهم.
ومن حيث إنه يخلص مما سبق أنه يجب على الموظف أن يكرس كل وقته لخدمة الحكومة, كما يجب عليه ألا يباشر أي عمل تجاري, وألا يزاول عملاً مهنياً إلا بترخيص خاص. فلما رؤى لاعتبارات تتعلق بالصالح العام أن يسمح للأطباء الذين تنظمهم هيئة التدريس في كلية الطب أن يباشروا مهنتهم في الخارج إلى جانب عملهم الحكومي, صدر قرار مجلس الوزراء في 3 من ديسمبر سنة 1927 بذلك, ولكن في مقابل أن تخفض مرتباتهم على النصف, وأن تعتبر مدة خدمتهم "نصف وقت", فيكون لها أثرها على هذا الوجه في حساب المعاش. وقد قنن المرسوم بقانون رقم 37 لسنة 1929 الخاص بالمعاشات الملكية هذا النظام في المادة 16 منه حسبما سلف بيانه. وظل الحال هكذا على أن تغيرت النظرة للموضوع للاعتبارات التي أعيد تقديرها, فصدر قرار مجلس الوزراء في 6 من أكتوبر سنة 1946 على أساس منحهم كامل مرتبهم "إذا خصوا الكلية بكل أوقات العمل الرسمية المقررة في مصالح الحكومة", أي أنهم إذا وفوا بذلك كزملائهم غير المرخص لهم في مزاولة مهنتهم في الخارج تقاضوا مرتبهم كاملاً, ولكن بدون بدل تفرغ، وحسبت لهم المدة كاملة في المعاش. وقد تمت تسوية معاش المدعي بعد اعتزاله الخدمة على الأساس السابق تفصيله, وهي تسوية صحيحة.
ومن حيث إنه يتضح من كل ما تقدم أن المدعي كان موظفاً نصف الوقت في الفترة التي تخللت مدة خدمته والواقعة بين 3 من ديسمبر سنة 1927 و6 من أكتوبر سنة 1946؛ ومن ثم فإنه يخضع في تسوية معاشه لحكم المادة 16 من المرسوم بقانون رقم 37 لسنة 1929 الخاص بالمعاشات الملكية، ويكون طعن السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة على أساس سليم من القانون. وإذ قضى حكم محكمة القضاء الإداري المطعون فيه باستحقاق المدعي تسوية معاشه وفق أحكام المادة 15 من المرسوم بقانون المشار إليه, فإنه يكون قد أخطأ في تأويل القانون وتطبيقه, ويتعين القضاء بإلغائه, وبرفض الدعوى, مع إلزام المدعي بمصروفاتها.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً, وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه, وبرفض الدعوى, وألزمت المدعي بالمصروفات.

الطعن 945 لسنة 4 ق جلسة 24 / 1 / 1959 إدارية عليا مكتب فني 4 ج 1 ق 55 ص 663

جلسة 24 من يناير سنة 1959

برياسة السيد/ سيد علي الدمراوي وكيل مجلس الدولة وعضوية السادة السيد إبراهيم الديواني وعلي إبراهيم بغدادي والدكتور محمود سعد الدين الشريف ومصطفى كامل إسماعيل المستشارين.

----------------

(55)

القضية رقم 945 لسنة 4 القضائية

جريمة تأديبية 

- المحاكمة الإدارية تبحث في سلوك الموظف وفي مدى إخلاله بواجبات وظيفته - صدور حكم البراءة في جريمة جنائية نسبت إلى الموظف - لا يمنع من أن ما وقع منه يشكل ذنباً إدارياً يجوز مساءلته عنه بطريق المحاكمة التأديبية.

----------------
إن المحاكمة الإدارية إنما تبحث في سلوك الموظف وفي مدى إخلاله بواجبات وظيفته حسبما يستخلص من مجموع التحقيقات, أما المحاكمة الجنائية فإنما ينحصر أثرها في قيام جريمة من جرائم القانون العام قد يصدر حكم بالبراءة فيها, ومع ذلك فإن ما يقع من المتهم يشكل ذنباً إدارياً, وإن كان لا يكون جريمة خاصة, إلا أنه لا يتفق ومقتضيات السلوك الوظيفي, فيكون ذنباً يجوز مساءلته عنه بطريق المحاكمة التأديبية.


إجراءات الطعن

في 13 من سبتمبر سنة 1958 أودع السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة سكرتيرية المحكمة صحيفة طعن في الحكم الصادر من المحكمة الإدارية لوزارة التربية والتعليم بجلسة 17 من يوليه سنة 1958 في الدعوى رقم 266 لسنة 4 القضائية المرفوعة من السيد/ محمد علي عرفة ضد وزارة التربية والتعليم, والقاضي "بإلغاء القرار الصادر بتاريخ 3 من فبراير سنة 1957 بتقرير فصل المدعي من الخدمة, وما يترتب على ذلك من آثار, وإلزام الجهة الإدارية بالمصاريف ومبلغ 300 قرش مقابل أتعاب المحاماة". وطلب السيد رئيس هيئة المفوضين - للأسباب التي استند إليها في عريضة طعنه - "الحكم بقبول الطعن شكلاً, وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه, والقضاء برفض الدعوى, وإلزام المدعي بالمصروفات". وقد أعلن هذا الطعن إلى الحكومة في 29 من سبتمبر سنة 1958, وإلى المدعي في 6 من أكتوبر سنة 1958, وعين لنظره جلسة 18 من أكتوبر سنة 1958, وأجلت للمرافعة لجلسة 6 من ديسمبر سنة 1958, وفيها سمعت المحكمة ما رأت سماعه من ملاحظات, وأرجئ إصدار الحكم لجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة, حسبما يبين من الأوراق, تتحصل في أن المدعي قدم إلى المحاكمة التأديبية إثر تحقيقات أجريت في شكوى قدمت ضده بتهمة إنشاء علاقة غير شريفة بينه وبين السيدة أمينة عبده إبراهيم زوجة السيد إبراهيم الشاعر حالة كونها أماً لتسعة أولاد مما أدى إلا طلاقها, وترتب على ذلك تقويض منزل الزوجية وهدم كيان الأسرة, وأن المدعي تزوج من هذه السيدة فيما بعد زواجاً عرفياً ستراً لجريمته وهروباً من المسئولية؛ الأمر الذي لا يليق صدوره من مرب موكول إليه تربية النشء وتهذيبه ومفروض فيه حسن الخلق. وقد صدر قرار مجلس التأديب في 28 من ديسمبر سنة 1955 بعزل المدعي من الخدمة, مع "حفظ حقه في المعاش أو المكافأة". فاستأنف المدعي القرار, وقرر مجلس التأديب الاستئنافي في 2 من فبراير سنة 1957 تأييد القرار المستأنف, وأخطر المدعي بمنطوق القرار, وتم فصله من الخدمة في 5 من فبراير سنة 1957. وينعي المدعي على هذا القرار مخالفته للقانون وإساءة استعمال السلطة. وفصل أسباب طعنه في صحيفة الدعوى بطلب الحكم بإلغاء القرار, وما يترتب على ذلك من آثار, مع إلزام الجهة الإدارية بالمصروفات. وبجلسة 2 من مارس سنة 1957 قضت المحكمة برفض طلب وقف تنفيذ قرار الفصل من الخدمة. وبجلسة 17 من يوليه سنة 1958 صدر الحكم قاضياً بإلغاء القرار الصادر في 2 من فبراير سنة 1957 بتقرير فصل المدعي من الخدمة, وما يترتب على ذلك من آثار, وإلزام الجهة الإدارية بالمصروفات. وقد أقام الحكم المطعون فيه قضاءه على الثابت - من الحكم الصادر في 18 من مارس سنة 1956 ببراءة المدعي من الجنحة رقم 439 جنح ثالث بورسعيد سنة 1955 المقامة بطريق الإدعاء المباشر, ومن الحكم الصادر في 18 من مايو سنة 1958 برفض الدعوى رقم 24 لسنة 1956 مدني كلي - أن جانباً من الوقائع كان محل مساءلة المدعي أمام مجلس التأديب الذي انتهى إلى إصدار القرار محل الطعن وقد ثبت عدم صحة نسبتها إليه. ولما كانت رقابة القضاء الإداري على القرار التأديبي, شأن أي قرار آخر لتعرف مشروعية هذا القرار, تقضي, فضلاً عن التثبت من صدوره من مختص وفي الشكل المقرر قانوناً وتوخي المصلحة العامة في إصداره, توافر ركن السبب, وهو تأسيسه على وقائع ثابتة لها أصل من الأوراق, وإلا افتقد القرار ركناً من أركان مشروعيته, ويتعين الحكم بإلغائه.
ومن حيث إن الطعن يقوم على أن المستفاد من أوراق المحاكمة التأديبية وخاصة حكم التأديب الاستئنافي أن الجو الذي خلقه المتهم بتردده على هذه الأسرة كان عاملاً قوياً في تفككها وهدمها. وقد دلل المتهم على تصرفه بإتمام الزواج, وأن تصرف المدعي وسلوكه لا يتفق مع ما يجب أن يتصف به رجال التعليم, وأنه لا يغير من الأمر شيئاً صدور حكم ببراءة المدعي في الجنحة رقم 439 جنح ثالث بورسعيد سنة 1955, وحكم رفض الدعوى رقم 24 لسنة 1956 مدني كلي؛ ذلك أن هذين الحكمين - فيما اشتملا عليه من أسباب - لم يكونا بسبيل إثبات أو نفي اثر سلوك المدعي وما ترتب عليه من هدم كيان أسرة وتشريد أطفالها, وما كشف عنه هذا السلوك من خلق غير قويم, وإنما كن في شأن تقدير ما إذا كانت تصرفات المدعي تكون جريمة تحريض على الفسق وجريمة سب أم لا, فهما بهذه المثابة لا يتغيبان التثبت من قيام سبب الجزاء التأديبي.
ومن حيث إنه يبين مما تقدم أن مثار النزاع هو تحدد أثر الحكم الصادر بالبراءة في الجنحة رقم 439 جنح بورسعيد سنة 1955 وكذلك حكم رفض الدعوى رقم 24 لسنة 1956 مدني كلي في المحاكمة الإدارية, وهل يقوم ثمت تعارض بين المسئولية الإدارية والحكمين المذكورين؟
ومن حيث إنه يتعين بادئ ذي بدء التنويه إلى أن المحاكمة الإدارية تبحث في سلوك الموظف وفي مدى إخلاله بواجبات وظيفته حسبما يستخلص من مجموع التحقيقات, أما المحاكمة الجنائية فإنما ينحصر أثرها في قيام جريمة من جرائم القانون العام قد يصدر حكم بالبراءة فيها, ومع ذلك فإن ما يقع من المتهم يشكل ذنباً إدارياً, وإن كان لا يكون جريمة خاصة, إلا أنه لا يتفق ومقتضيات السلوك الوظيفي, فيكون ذنباً يجوز مساءلته عنه بطريق المحاكمة التأديبية.
ومن حيث إنه بالرجوع إلى حكم الجنحة رقم 439 جنح ثالث بورسعيد لسنة 1955 يتضح أن التهمة المنسوبة إلى المدعي هي أنه "دأب على التعرض للسيدة أمينة عبده إبراهيم الجعيدي والقذف في عرضها مما تسبب عنه طلاقها من زوجها".
ومن حيث إنه ولئن حكمت المحكمة بالبراءة من هذه التهمة لانتفائها بإنكار المجني عليها صدور أقوالها الثابتة بالشكوى المنضمة للجنحة رقم 3779 لسنة 1954 جنح ثاني بورسعيد, وبتقريرها أمام المحكمة أن هذه الأقوال لم تصدر منها, وأنها وقعت عليها تحت العنف والتهديد. غير أنه ثابت في أسباب هذا الحكم أن المدعي بالحق المدني محمد عبده إبراهيم الجعيدي وهو أخ السيدة أمينة عبده إبراهيم الجعيدي قد شهد بأنه تعرف بالمتهم (المدعي) منذ سنة 1944, وكان يتردد على منزله الذي تقيم به شقيقته أمينة مع زوجها ابن خالها عثمان إبراهيم الشاعر, فمنعه زوج أخته من التردد على منزله, ثم انتقل زوج الأخت إلى منزل آخر, وظل المتهم يتردد على المنزل الجديد، وأشيع أن المتهم يقابل شقيقته ويعاكسها، فتحدث إلى المتهم فيما أشيع فأنكره, ثم كلف شخصاً يدعى محمد محمد مرزوق للتوسط لدى المتهم, فعاد وقرر له أن المتهم مصمم على تطليق أخته ليتزوجها, كما شهد واعظ المدينة بأن المتهم اعترف بوجود علاقة شريفة بينه وبين أخت المدعي بالحق المدني, وأنه لا يمانع من زواجها, وعلم أنه تزوجها فعلاً عقب طلاقها, وأن المتهم عاتب الواعظ على موعظة ألقاها بالقرب من مسكن أخت المدعي بالحق المدني, وشهد آخر بأن إشاعة سرت بوجود علاقة بين المتهم وأخت المدعي بالحق المدني, وأن المتهم اعترف بعلاقته بهذه العائلة منذ سنة 1942, وشهد ثالث بأنه قابل المتهم مصادفة وأبلغه أنه يحب أخت المدعي بالحق المدني ويرغب الزواج بها.
ومن حيث إنه واضح مما تقدم أن الحكم الجنائي ولئن كان قد برأ المتهم من الجريمة المقدم للمحاكمة من أجلها, إلا أنه لم ينف عنه اتصاله بشقيقة المدعي بالحق المدني من سنين طويلة, ثم زواجه بها عقب طلاقها من زوجها.
ومن حيث إنه بالرجوع إلى الحكم الجنائي الصادر من محكمة بورسعيد الابتدائية في القضية رقم 24 لسنة 1956 مدني كلي المرفوعة من عثمان إبراهيم الشاعر ضد المدعي "محمد علي عرفة" وزوجته أمينة عبده الجعيدي, يتضح أن الدعوى هي مطالبتها بالتعويض المدني عما ارتكباه في حق المدعي عن خيانة الأول الأمانة واستغل سماح المدعي له بدخول منزله فسرق عرضه وشرفه, ثم راح يمتهن كرامته أمام الناس مقوضاً حياته العائلية بحرمان أولاده الصغار من عطف أمهم, كما أن المدعى عليها الثانية انقادت للأول فقوضت صرح حياة عائلية هادئة واستنزفت أموالاً كبيرة وهبتها للمدعى عليه الأول الذي أقام بها عقاراً, وأنه ترتب على هذا الخطأ ضرر بالغ تمثل في أنه أصبح مثار تهكم مرير وقد تهدمت حياة العائلة وحرم الأولاد من عطف أمهم, فضلاً عن أنه ساوره شك قاطع في حقيقة نسب أولاده إليه, وقد ترتب على ذلك أن زوج إحدى بناته طلقها عقب علمه بسقطة أمها, وهرب ابنه من مدرسته لتعيير التلاميذ له والتحق جندياً في الجيش. وقد حكمت المحكمة برفض الدعوى, وأسس حكمها على أنه بالنسبة للمدعى عليه الأول فإن المحكمة مقيدة بالحكم الجنائي، وقد حسم الوقائع بما يعتبر قرينة قانونية على عدم ثبوت الفعل من المدعى عليه الأول. وبالنسبة للمدعى عليها الثانية فإنها تستفيد بالتبعية؛ لأنه لا يتصور استجابتها لوقائع لا تقوم إلا بين طرفيها.
ومن حيث إنه يبين مما تقدم أن الحكم المدني لا أثر له على الدعوى التأديبية؛ لأن أثره منتزع من أثر الحكم الجنائي ومترتب عليه.
ومن حيث إنه ثابت من قرار مجلس التأديب الاستئنافي أن التهمة الموجهة إلى المدعي تنحصر في أنه أنشأ علاقة غير شريفة مع السيدة أمينة عبده إبراهيم الجعيدى, حالة كونها أماً لتسعة أولاد، مما أدى إلى طلاقها من زوجها, وترتب عليه تقويض منزل الزوجية وهدم كيان الأسرة, وقد تزوج من هذه السيدة بعد ذلك زواجاً عرفياً ستراً لجريمته وهروباً من المسئولية؛ الأمر الذي لا يليق صدوره من مرب موكول إليه تربية النشء وتهذيبه ومفروض فيه حسن الخلق وحميد السلوك. وانتهى مجلس التأديب إلى أن تصرف المتهم وسلوكه مما قد ترتب عليه تقويض هذه الأسرة وتفككها؛ الأمر الذي لا يتفق وما يجب أن يتصف به رجال التعليم, وأنه قد أصبح لا يطمئن إلى كفاءته في تربية النشء وتهذيبه.
ومن حيث إن قرار مجلس التأديب الابتدائي ومن بعده الاستئنافي قد استند إلى وقائع ثابتة في قضية الجنحة رقم 439 قسم ثالث بورسعيد سنة 1955, على الوجه السالف إيضاحه, كما قد أقيم القرار التأديبي على وقائع ثابتة في تحقيق النيابة الإدارية خلصت منها إلى أن الجو الذي خلقه المتهم بتردده على هذه الأسرة كان عاملاً قوياً في تفككها وهدمها. وقد دلل المتهم على تصرفه بإتمام الزواج, وأن تصرفه لا يتفق مع ما يجب أن يتصف به رجال التعليم؛ إذ المستفاد من الأوراق أن ثمت علاقة قد نشأت بين المدعي وبين السيدة المذكورة كان السبيل إليها تردده على منزلها لإعطاء الدروس لأولادها؛ الأمر الذي أثار الشائعات عن مدى هذه العلاقة وأدى في نهاية المطاف إلى استئثاره بالزوجة بعد تشريد تسعة أولاد, مما يجعله غير أمين على تربية النشء. فإذا كان مجلس التأديب الاستئنافي قد خلص من هذا كله إلى الاقتناع بأن فيما اقترفه المدعي من تصرفات خروجاً عن مقتضيات السلوك الواجب على رجال التعليم بالابتعاد عما يحط من كرامتهم ويسئ إلى سمعتهم, وكان اقتناعه هذا مجرداً من الميل والهوى, وبني عليه قراره بإدانة سلوك المدعي مستنبطاً ذلك من أصول ثابتة لا تتعارض مع الحكم الجنائي الذي يحوز قوة الشيء المقضي به فيما يثبته أو ينفيه من الوقائع المكونة للجريمة الجنائية, فإن القرار الإداري - والحالة هذه - يكون قد قام على سببه ومطابقاً للقانون. ولا يغير من الأمر شيئاً صدور حكم ببراءة المدعي في الجنحة رقم 439 جنح ثالث بورسعيد سنة 1955 وحكم رفض الدعوى رقم 24 لسنة 1956 مدني كلي؛ ذلك أن هذين الحكمين - فيما اشتملا عليه من أسباب - لم يكونا بسبيل إثبات أو نفي سلوك المدعي وما أنبنى عليه من تقويض كيان أسرة وتشريد أطفالها وما كشف عنه من خلق غير قويم, وإنما كانا في شأن تقدير ما إذا كان الأفعال المسندة إلى المدعي تكون جريمة تحريض على الفسق وجريمة سب أو لا, فهما بهذه المثابة لا ينفيان قيام سبب الجزاء التأديبي على الوجه السالف إيضاحه.
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه, إذ ذهب غير هذا المذهب, فإنه يكون قد خالف القانون, ويتعين الحكم بإلغائه, والقضاء برفض الدعوى.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً, وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه, وبرفض الدعوى, وألزمت المدعي بالمصروفات.

الطعن 52 لسنة 4 ق جلسة 24 / 1 / 1959 إدارية عليا مكتب فني 4 ج 1 ق 54 ص 659

جلسة 24 من يناير سنة 1959

برياسة السيد/ سيد علي الدمراوي وكيل مجلس الدولة وعضوية السادة السيد إبراهيم الديواني ومحيي الدين حسن وعلي إبراهيم بغدادي والدكتور ضياء الدين صالح المستشارين.

-----------------

(54)

القضية رقم 52 لسنة 4 القضائية

اختصاص 

- القرار الصادر من الهيئة المشكل منها مجلس التأديب بنقل واعظ إلى وظيفة كتابية بالتطبيق للمادة 32 من القانون رقم 210 لسنة 1951 - قرار نقل نوعي يختص القضاء الإداري بالفصل في الطعن فيه - رقابة القضاء الإداري تكون بالتثبت من تشكيل الهيئة وفق نصوص القانون وقيام السبب الذي قام عليه القرار دون التدخل في تقدير الإدارة.

-----------------
إن نقل المدعي من وظيفة واعظ إلى وظيفة كتابية ليس نقلاً مكانياً حتى تتسلب المحكمة من اختصاصها, بل إنه قرار نقل نوعى قصد به إبعاد الموظف عن وظيفته في الكادر الفني العالي إلى وظيفة أدنى مرتبة في الكادر الكتابي. ولئن كانت المادة 32 من القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة تنص على أن "الموظف الذي يقدم عنه تقريران متتاليان بدرجة ضعيف يحال إلى اللجنة التي يشكل منها مجلس التأديب لفحص حالته, فإذا تبين لها أنه قادر على تحسين حالته وجهت إليه تنبيها بذلك, وإلا قررت نقله إلى وظيفة أخرى يستطيع الاضطلاع بأعبائها", إلا أن رقابة محكمة القضاء الإداري تتمثل في التثبت من تشكيل الهيئة وفق نصوص القانون وفي قيام السبب الذي قام عليه القرار بغير تدخل في تقدير الإدارة وفي اقتناعها بما استقرت عليه عقيدتها, ما دام ذلك كله قد خلا من إساءة استعمال السلطة.


إجراءات الطعن

في 14 من ديسمبر سنة 1957 أودع السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة سكرتيرية المحكمة صحيفة طعن في الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري (الهيئة الثانية) بجلسة 13 من نوفمبر سنة 1957 في الدعوى رقم 69 لسنة 11 القضائية المرفوعة من السيد/ محمد وهبة الشربيني ضد الجامع الأزهر, والقاضي "بعدم اختصاص المحكمة بنظر الدعوى, وإلزام المدعي بالمصرفات". وطلب السيد رئيس هيئة المفوضين - للأسباب التي استند إليها في صحيفة طعنه - "القضاء بقبول هذا الطعن شكلاً, وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه, وباختصاص محكمة القضاء الإداري بنظر الدعوى, وإعادتها إليها للفصل فيها". وقد أعلن هذا الطعن إلى الجامع الأزهر في 21 من ديسمبر سنة 1957, وإلى المدعي في 26 منه, وعين لنظره جلسة 13 من ديسمبر سنة 1958, وفيها سمعت المحكمة ما رأت سماعه من إيضاحات, ثم أرجئ إصدار الحكم لجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة تتحصل, حسبما يبين من الأوراق، في أن المدعي قد حصل في عام 1944 على شهادة العالمية مع إجازة الدعوة والإرشاد؛ ثم التحق بالخدمة في 20 من مايو سنة 1948 في وظيفة إمام. وبتاريخ 25 من أكتوبر سنة 1953 ندب للعمل واعظاً في القوات المسلحة. وإذ قدر بدرجة ضعيف في كل من سنتي 1954 و1955 فقد أحالته مشيخة الأزهر إلى الهيئة المشكل منها مجلس التأديب لفحص حالته كمقتضى نص المادة 32 من قانون التوظف. وبتاريخ 13 من سبتمبر سنة 1956 أصدرت الهيئة قرارها بتوجيهه للأعمال الكتابية. وفي 11 من أكتوبر سنة 1956 أقام المدعي دعواه بإلغاء هذا القرار بحجة مخالفته للقانون؛ ذلك أن إدارة الجيش هي التي كان لها وحدها أن تطبق في حقه أحكام المادة 32 سالفة الذكر لأنه كان يعمل لديها في السنتين اللتين وصف فيهما بالضعف, ولم يعمل بالأزهر إلا بضعة أشهر من سنة 1956 لا تمكنه من الحكم على عمله, فضلاً عن أن هذه المادة لا تخول جهة الإدارة سلطة تأديبية من شأنها إهدار مؤهلاته بوضعه مع غير المؤهلين. وقد رد الجامع الأزهر بأن الهيئة المشكل منها مجلس التأديب لم تصدر قرارها المطعون إلا بعد أن تبين لها أن المدعي غير قادر على تحسين حالته. فقد اعترف في التحقيق الذي أجرى معه أنه لا يصلح للخطابة, وبالتالي لا يمكن أن يكون إماماً أو واعظاً. وفي 13 من نوفمبر سنة 1957 أصدرت محكمة القضاء الإداري حكمها بعدم اختصاصها بنظر الدعوى, تأسيساً على أن إجراء نقل المدعي إلى السلك الكتابي لا يعتبر جزاء عن جرم ارتكبه, ما دامت نيته سليمة, وكان ضعفه لا يعدو أن يكون صفة عالقة بشخصه لا يستطيع لها دفعاً ولا يقوى على علاجها, بل النقل في هذه الحالة يعتبر من قبيل الإجراءات التنظيمية البحتة التي تترخص فيها جهة الإدارة بما لها من سلطة تقديرية, ما دام رائدها الصالح العام وبغيتها منفعة المرفق الإداري. وأنه لما كان ذلك فإن القرار المطعون فيه يخرج بطبيعته عن الأمور التي تخضع لرقابة هذه المحكمة. وقد طعن رئيس هيئة المفوضين في هذا الحكم طالباً القضاء بقبول هذا الطعن شكلاً, وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه, وباختصاص محكمة القضاء الإداري بنظر الدعوى, وإعادتها إليها للفصل فيها. واستند في طعنه إلى الأسباب المفصلة في صحيفة الطعن.
ومن حيث إن النقطة القانونية مثار النزاع هي ما إذا كان القرار المطعون فيه مما يخرج بطبيعته عن رقابة القضاء الإداري, كما ذهب إلى ذلك الحكم المطعون فيه, أم أنه يخضع لرقابة هذا القضاء.
ومن حيث إنه ظاهر أن نقل المدعي في الحالة المعروضة ليس نقلاً مكانياً حتى تتسلب المحكمة من اختصاصها, بل إنه قرار نقل نوعي قصد به إبعاد الموظف عن وظيفته في الكادر الفني العالي إلى وظيفة أدنى مرتبة في الكادر الكتابي.
ومن حيث إنه ولئن كانت المادة 32 من القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة تنص على أن "الموظف الذي يقدم عنه تقريران متتاليان بدرجة ضعيف يحال إلى اللجنة التي يشكل منها مجلس التأديب لفحص حالته, فإذا تبين لها أنه قادر على تحسين حالته وجهت إليه تنبيها بذلك, وإلا قررت نقله إلى وظيفة أخرى يستطيع الاضطلاع بأعبائها", إلا أن رقابة محكمة القضاء الإداري تتمثل في التثبت من تشكيل الهيئة وفق نصوص القانون, وفي قيام السبب الذي قام عليه القرار, بغير تدخل في تقدير الإدارة وفي اقتناعها بما استقرت عليه عقيدتها, ما دام ذلك كله قد خلا من إساءة استعمال السلطة.
ومن حيث إنه لما تقدم يكون الحكم المطعون فيه, وقد تسلب من اختصاص القضاء الإداري في هذه المنازعة, فإنه يكون قد خالف القانون, ويتعين القضاء بإلغائه, وباختصاص القضاء الإداري بنظر الدعوى, وبإعادتها إلى محكمة الفضاء الإداري للفصل فيها".

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً, وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه, وباختصاص محكمة القضاء الإداري بنظر الدعوى, وبإعادتها إلى محكمة القضاء الإداري للفصل فيها.

الطعن 1000 لسنة 4 ق جلسة 17 / 1 / 1959 إدارية عليا مكتب فني 4 ج 1 ق 53 ص 653

جلسة 17 من يناير سنة 1959

برياسة السيد/ السيد علي السيد رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة السيد إبراهيم الديواني والإمام الإمام الخريبي ومحيي الدين حسن وعلي إبراهيم بغدادي المستشارين.

----------------

(53)

القضية رقم 1000 لسنة 4 القضائية

اختصاص 

- دفن الموتى يعتبر من المرافق العامة - تنظيم المشرع لهذا المرفق بموجب القانون رقم 1 لسنة 1922 ولائحة ممارسة مهنة الحانوتية والتربية وإخضاعه الحانوتية والتربية لنظام إداري مماثل لنظم التوظف باعتبارهم عمال هذا المرفق - اعتبارهم من الموظفين العموميين - النظر في المنازعة المتعلقة بصحة التعيين في وظيفة تربي يدخل في اختصاص المحكمة الإدارية لوزارة الشئون البلدية والقروية.

------------------
إن دفن الموتى بالجبانات هو من المرافق العامة لاتصاله اتصالاً وثيقاً بالشئون الصحية والإدارية والشرعية؛ ومن أجل ذلك تدخل المشرع فنظمه تنظيماً عاماً بموجب القانون رقم 1 لسنة 1922 ولائحة القواعد والأنظمة المختصة بممارسة مهنة الحانوتية والتربية التي صدرت بتفويض من القانون المذكور. ولما كان الحانوتية والتربية ومساعدوهم هم عمال هذا المرفق فقد نظم القانون واللائحة المشار إليهما طريقة تعيينهم ومباشرتهم لوظيفتهم, وحدد واجباتهم والأعمال المحرمة عليهم وتأديبهم, وأخضعهم في ذلك كله لنظام إداري مماثل لنظم التوظف, فلا يجوز لأحد منهم مباشرة مهنته إلا بقرار إداري من لجنة الجبانات يرخص له في ذلك بعد استيفاء الشروط الواجب توافرها, وهى شروط خاصة بالسن وبالدين وباللياقة الصحية وبعدم سبق صدور حكم جنائي عليه وبحسن السمعة ومعرفة القراءة والكتابة والإلمام بالأحكام الشرعية والصحية والإدارية اللازمة لأداء هذه المهنة. كما أنه أخضعهم لنظام تأديبي, شأنهم في ذلك شأن سائر الموظفين, وأجاز توقيع جزاءات تأديبية عليهم من الجهة الإدارية المختصة, وهذه الجزاءات تماثل الجزاءات التأديبية التي توقع على سائر الموظفين؛ فهم بهذه المثابة يعتبرون من الموظفين العموميين وليسوا من الأفراد. ولما لم يكونوا من الفئة العالية أو الضباط أو ممن هم في مستواهم الوظيفي فإن المحكمة الإدارية لوزارة الشئون البلدية والقروية تكون - والحالة هذه - مختصة بهذه الدعوى.


إجراءات الطعن

في 29 من سبتمبر سنة 1958 أودع السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة سكرتيرية هذه المحكمة طعناً قيد بجدولها تحت رقم 1000 لسنة 4 القضائية في الحكم الصادر من المحكمة الإدارية لوزارة الشئون البلدية والقروية بجلسة 2 من أغسطس سنة 1958 في الدعوى رقم 329 لسنة 5 القضائية المرفوعة من أحمد أحمد حجاج الشهير بأحمد بدوي ضد بلدية القاهرة وآخر, القاضي "بعدم اختصاصها بنظر الدعوى, وإلزام المدعي بالمصروفات". وطلب السيد رئيس هيئة المفوضين - للأسباب التي استند إليها في صحيفة طعنه - الحكم بقبول الطعن شكلاً, وفي الموضوع باختصاص محكمة القضاء الإداري بنظر الدعوى, وإحالتها إليها للفصل فيها موضوعاً. وقد أعلن هذا الطعن إلى الحكومة في 19 من أكتوبر سنة 1958, وإلى الخصم في 19 من يوليه سنة 1958, وعينت لنظره جلسة 20 من ديسمبر سنة 1958. وفي 18 من نوفمبر سنة 1958 أبلغ الطرفان بميعاد الجلسة, وفيها سمعت المحكمة ما رأت سماعه من إيضاحات ذوي الشأن على الوجه المبين بمحضر الجلسة, ثم قررت إرجاء النطق بالحكم في الطعن إلى جلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة - حسبما يبين من أوراق الطعن - تتحصل في أن المطعون ضده أقام الدعوى رقم 471 لسنة 12 القضائية بعريضة أودعت سكرتيرية محكمة القضاء الإداري في 29 من يناير سنة 1958 طالباً الحكم: أولاً, وبصفة مستعجلة, بوقف تنفيذ قرار لجنة الجبانات الخاص بتعيين محمود محمد يوسف تربياً بجبانة باب الوزير لحين الفصل في الموضوع. ثانياً, وفي الموضوع, بإلغاء قرار لجنة الجبانات الصادر في 21 من يناير سنة 1958 بوقف طلب تعيينه وحفظه, وبأحقيته في التعيين بوظيفة تربي بجبانة باب الوزير, مع إلزام المدعى عليهما بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة. وذكر بياناً لدعواه أنه عين بوظيفة تربي بجبانة باب الوزير عقب وفاة خالة, وظل يباشر عمله حتى اتهم بتدبير من خصومه في جريمة حوكم من أجلها جنائياً وفصل تأديباً بتاريخ 4 من مايو سنة 1946 بناء على صدور حكم بالعقوبة ضده, وقامت لجنة الجبانات بتعيين ابنه محمد أحمد بدوي تربياً, إلى أن عين مدرساً بوزارة التربية والتعليم, فتنازل عنها لوالده المفصول الذي حصل على حكم برد اعتباره في القضية رقم 509 و106 سنة 1954. وبتاريخ 20 من فبراير سنة 1956 أصدرت اللجنة التأديبية قرارها بالتوصية بسحب رخصته والنظر في تعيين والده الذي أعيد رد اعتباره, فانعقدت اللجنة في 24 من أبريل سنة 1956 للنظر في تعيينه, وأصدرت قرارها بأنها رأت إعادة تعيينه لأحقيته في العودة إلى عمله بعد رد اعتباره, مع رفع الأمر للبلدية للاستئناس برأي مجلس الدولة, إذا رأت ضرورة لذلك. وفي 26 من سبتمبر سنة 1956 أصدر المجلس البلدي قراراً بوقف تعيينه وحفظ طلبه استناداً إلى فتوى قسم قضايا الحكومة بحرمان التربي المفصول من حق إعادة تعيينه ما دام قد صدر ضده حكم جنائي وفقاً للمادة 25 من لائحة ممارسة مهنة الحانوتية والتربية, فأرسل إنذاراً إلى المدعى عليهما بتاريخ 29 من سبتمبر سنة 1956 - مبيناً وجه الخطأ القانوني في قرار المجلس البلدي السالف الذكر, وبأن الفتوى التي قام عليها لا تنطبق على حالته, فضلاً عن أنها صادرة عام 1938, وقد نسخت بتشريعات لاحقة - طالباً إيقاف اتخاذ الإجراءات لحين الفصل في الدعوى المرفوعة منه لإلغاء هذا القرار أمام المحكمة, كما أرسل تظلماً إلى الوزير بنفس المعنى. وقد انتهز محمود محمد يوسف فرصة ضم ملفات المنطقة لأوراق الدعوى المشار إليها وقدم طلباً جديداً إلى بلدية القاهرة لتعيينه تربياً لهذه المنطقة, وصدر قرار اللجنة في 21 من يناير سنة 1958 بتعيينه دون إخطار المدعي أو النشر خلو المنطقة وإخطار من يتقدم لحضور الجلسة, في حين أن المنطقة لم تكن خالية من تربي, فالقرار باطل لأنه بني على الغش, وقد نصت المادة 28 من اللائحة المعدلة بقرار 24 من يناير سنة 1949 على أنه إذا خلا محل حانوتي أو تربي فللجنة عند تعيين بدله أن تراعى الأولوية لأولاده وأقربائه متى توافرت فيهم شروط الانتخاب. وقدم تقدم شقيق التربي المفصول وهو ابنه (ابن المدعي) لتعيينه وهو صاحب الأولوية في التعيين طبقاً للمادة 28 من اللائحة المشار إليها. وقد حكمت محكمة القضاء الإداري (الهيئة الأولى) بجلستها المنعقدة في 18 من فبراير سنة 1958 بعدم اختصاصها بنظر الدعوى, وأمرت بإحالتها إلى المحكمة الإدارية لوزارة الشئون البلدية والقروية. واستندت في قضائها إلى أن المنازعة تدور حول صحة تعيين آخر خلاف المدعي في وظيفة تربي بجبانة باب الوزير نظراً لأحقيته لها, وهذه الوظيفة ليست من وظائف الفئة العالية ولا الضباط, فتكون الدعوى من اختصاص المحكمة الإدارية الخاصة بوزارة الشئون البلدية, وأحيلت إليها فعلاً.
ومن حيث إن المحكمة الإدارية لوزارات الصحة والأوقاف والشئون البلدية والقروية نظرت الدعوى وقدمت لها بلدية القاهرة مذكرة دفاعها طلبت فيها رفض طلب وقف التنفيذ؛ استناداً إلى تخلف عنصري وقف التنفيذ, وهما النتائج التي يتعذر تداركها واحتمال كسب الدعوى, وذلك استناداً إلى أن القرار المطعون فيه لا يعدو أن يكون توصية بالتعيين أو الترشيح له؛ إذ أن السلطة التي تملك تعيين التربية وعزلهم هي الهيئة الإدارية لمجلس بلدي مدينة القاهرة بعد مصادقة وزير الشئون البلدية والقروية وذلك بناء على الاختصاصات المخولة له بمقتضى قانون إنشاء المجلس رقم 145 لسنة 1949 وما لحقه من تعديلات, وأن الأولوية التي تضمنتها المادة 28 من هذه اللائحة جوازية, وقد فصل المدعي من هذه المهنة لإخلال بواجبات مهنته؛ فقد حكم عليه في جريمة نصب رقم 555 لسنة 1945 بالسجن خمس سنوات لاحتياله على سيدة داخل المقابر وابتزازه ما يربو على الألف جنبه منها, وأنه لا يفيده رد اعتباره إليه, ما دام القانون يشرط في التعيين حسن السمعة وحميد السيرة.
ومن حيث إن المحكمة الإدارية حكمت بجلسة 2 من أغسطس سنة 1958 بعدم اختصاصها بنظر الدعوى, وألزمت المدعي بالمصروفات, واستندت في قضائها إلى أن مهنة التربي ليست وظيفة عمومية, وبالتالي لا يكون التربي موظفاً عمومياً خلافا لرئيس الحانوتية الذي يعتبر كذلك, وأن الدعوى لا تعدو أن تكون طعناً من أحد الأفراد في قرار إداري برفض الترخيص باحتراف مهنة تربي, وهو أمر خارج عن اختصاصها.
ومن حيث إن مبنى الطعن أن الحكم المطعون فيه انتهى إلى نفي صفة الموظف العمومي عن التربي, وهو حكم سليم في نظر هيئة المفوضين, فتكون محكمة القضاء الإداري وحدها المختصة بنظر الدعوى.
من حيث إنه نص في المادة العاشرة من تلك اللائحة على أن "التربية ومساعدي التربية هم الذين يتولون دفن الموتى...", ونص في المادة 11 على أنه "لا يجوز لأحد مباشرة مهنة تربي إلا بترخيص من لجنة الجبانات...", ثم تلا ذلك في هذه المادة بيان الشروط الواجب توافرها في التربي أو مساعده, ونصت المادة 12 على أن "تحدد لجنة الجبانات للتربي منطقة يعمل بها, ولا يجوز للتربي أن يباشر الدفن في غير المنطقة المعينة في رخصته", ثم بينت اللائحة في المواد التالية واجبات التربي أو مساعد والأعمال المحرمة عليهما, ثم نصت المادة 23 على أن كل تقصير أو مخالفة لأحكام هذه اللائحة يعاقب عليها بأحد الجزاءات الآتية: (أولاً) الإنذار. (ثانياً) الغرامة التي لا تزيد على خمسة جنيهات. (ثالثاً) التوقيف عن العمل مدة لا تجاوز ستة أشهر. (رابعاً) الحرمان من المهنة, وهذا مع عدم الإخلال بالدعوى الجنائية التي يكون هناك محل لإقامتها على المخالف, أو الدعوى المدينة التي قد يرفعها عليه الغير, كما نصت المادة 26 على "أن كل حانوتي أو تربي فقد شرطاً من الشروط المقررة لممارسة مهنته تسحب رخصته بقرار من لجنة الجبانات".
ومن حيث إنه يبين من تلك النصوص أن دفن الموتى بالجنايات هو من المرفق العامة؛ لاتصاله اتصالاً وثيقاً بالشئون الصحية والإدارية والشرعية؛ ومن أجل ذلك تدخل المشرع فنظمه تنظيماً عاماً بموجب القانون رقم 1 لسنة 1922 ولائحة القواعد والأنظمة المختصة بممارسة مهنة الحانوتية والتربية التي صدرت بتفويض من القانون المذكور. ولما كان الحانوتية والتربية ومساعدوهم هم عمال هذا المرفق فقد نظم القانون واللائحة المشار إليهما طريقة تعيينهم ومباشرتهم لوظيفتهم وحدد واجباتهم والأعمال المحرمة عليهم وتأديبهم, وأخضعهم في ذلك كله لنظام إداري مماثل لنظم التوظف, فلا يجوز لأحد منهم مباشرة مهنته إلا بقرار إداري من لجنة لجبانات يرخص له في ذلك بعد استيفاء الشروط الواجب توافرها, وهى شروط خاصة بالسن وبالدين وباللياقة الصحية وبعدم سبق صدور حكم جنائي عليه وبحسن السمعة ومعرفة القراءة والكتابة والإلمام بالأحكام الشرعية والصحية والإدارية اللازمة لأداء هذه المهنة, كما أنه أخضعهم لنظام تأديبي, شأنهم في ذلك شأن سائر الموظفين, وأجاز توقيع جزاءات تأديبية عليهم من الجهة الإدارية المختصة, وهذه الجزاءات تماثل الجزاءات التأديبية التي توقع على سائر الموظفين؛ فهم بهذه المثابة يعتبرون من الموظفين العموميين وليسوا من الأفراد. ولما لم يكونوا من الفئة العالية أو الضباط أو ممن هم في مستواهم الوظيفي, فإن المحكمة الإدارية لوزارة الشئون البلدية والقروية تكون - والحالة هذه - مختصة بهذه الدعوى. ويكون الحكم المطعون فيه, إذ ذهب غير هذا المذهب، قد أخطأ في تأويل القانون وتطبيقه، فيتعين إلغاؤه, وإعادة القضية إلى المحكمة المذكورة للفصل فيها.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً, وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه, وباختصاص المحكمة الإدارية لوزارة الشئون البلدية والقروية بنظر الدعوى, وبإحالتها إليها للفصل في موضوعها.