الصفحات

البحث الذكي داخل المدونة

تحميل وطباعة هذه الصفحة

Print Friendly and PDF

الخميس، 20 أغسطس 2026

منهج الشريعة الإسلامية في تعزيز القيم السلوكية وأثره في حماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة د/ عماد حمدي إبراهيم

منهج الشريعة الإسلامية في تعزيز القيم السلوكية

وأثره في حماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة

إعداد

د/ عماد حمدي إبراهيم

مدرس الدراسات الإسلامية

كلية الآداب - جامعة سوهاج

ملخص البحث

الحمد لله وحده، وصلاة وسلاما على خير خلقه، وبعد، فإن الإسلام دين السلام، وإنما يصار فيه إلى الحرب عند الضرورة، وقد أرسى المصطفى (صلي الله عليه وسلم) أسس ومبادئ المعارك فلم يجز قتال النساء، والشيوخ، والأطفال.

وإذا كانت القيم الإنسانية من الرحمة والعفو والتسامح.. أمور يمكن أن تفعلها أي أمة في أوقات السلم؛ إلا أن السماحة مع الأعداء، والرحمة بالأطفال والنساء ..أمر يصعب فعله في أوقات الحروب؛ حيث تسيطر على النفوس روح الانتقام؛ ومن هنا كانت الحاجة إلى بيان منهج الشريعة الإسلامية في ترسيخ القيم الإنسانية في حياة الأفراد (المحاربين) وأثره في حماية المدنيين أثناء الحروب؛ فكان هذا البحث: منهج الشريعة الإسلامية في تعزيز القيم السلوكية، وأثرة في حماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة 

انفردت الشريعة الإسلامية عن غيرها بأن جعلت للحروب قيم وضوابط، وأوجبت اتباعها، أثناء المعارك، بما يضمن الحفاظ على حياة وكرامة وحقوق وممتلكات المدنيين أثناء النزاعات المسلحة.

Summary

Praise be to God alone, And prayers and peace on the best creation, And after, Islam is a religion of peace But it has become to war when necessary, The Prophet laid the foundations and Principles of Battles, Not permissible The killing of .. women, elderly, and children..


If the human values: Mercy , forgiveness and tolerance .. Things can do any nation In times of peace; However, the tolerance with enemies, And compassion for children and women..It is difficult to do in times of war; While control of the souls The spirit of oppression and revenge; For this was the need to Statement curriculum of Islamic law The consolidation of human values in the lives of individuals)Warriors

(And its impact In the protection of civilians during war؛ So it was this research: Methodology of Islamic law in the promotion of behavioral values And its impact on the protection of civilians during armed conflicts

Islamic law is alone on the other That made the wars values and controls ,and Duties followed, during the battles, To ensure the Maintain of life and the dignity and the rights and property of civilians During armed conflicts.


المقدمة

الحمد لله القائل في كتابه العزيز (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا) ([1]). وصلاة وسلاما على خير خلقه وخاتم أنبياءه ورسله .. وبعد ،،، فإن الإسلام دين السلام، وإنما يصار فيه إلى الحرب عند الضرورة الملجئة، وفي حدود ضيقة، ولغايات محصورة محددة؛ كرد العدوان والدفاع عن النفس والأهل والوطن، وحماية الدعوة حتى تبلغ للناس جميعا، وإغاثة المظلومين من المؤمنين أينما كانوا، وقد أرسى المصطفى (صلي الله عليه وسلم) أسس ومبادئ شريعة القتال فلم يجز قتال الصغار، والنساء، والشيوخ، والعميان، والمرضى، والزمني، وأصحاب العاهات، والعجزة عن القتال والفلاحين في حرثهم والرهبان والعباد .. فكل أولئك معصومون بحصانة القانون من أخطار الحرب.

"وإذا كانت القيم الإنسانية من حسن الخلق ولين الجانب والرحمة والعفو والتسامح.. أمور يمكن أن تفعلها أي أمة من الأمم في أوقات السلم؛ مهما أوغلت في الهمجية.. إلا أن السماحة مع الأعداء، والرحمة بالنساء، والشيوخ والأطفال ..ورعاية شعور المهزومين، أمر لا تستطيع كل أمة أن تفعله في أوقات الحروب وصفة لا يستطيع كل قائد عسكري أن يتحلى بها في ساحات القتال؛ ذلك أن رؤية الدماء تثير الدماء، والعداء يؤجج نيران الغضب ويشعل الضغائن والأحقاد؛ فتسيطر على النفوس روح الانتقام والبطش والفتك، والاستئصال؛ فلا تمييز حينها بين محارب ومدني..." ([2]).

فكرة البحث:

ولما كان تعزيز وترسيخ واستكمال تلك القيم الفاضلة من أهم المقاصد التي جاءت بها الشريعة السمحة وبعث المصطفى (صلي الله عليه وسلم) لأجلها حيث قال (صلي الله عليه وسلم):" إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق" ([3]). فقد حفلت نصوص الشريعة الإسلامية بسيل من الوصايا والمبادئ القولية، والأحداث والمواقف العملية التي تشكل منهجا متكاملا في ترسيخ القيم الإنسانية وتعزيزها في حياة الأفراد - المحاربين - وغرسها في سلوكهم بما يمكن أن يكون له بالغ الأثر في حماية المدنيين والأعيان والممتلكات المدنية أثناء الحروب والنزاعات المسلحة.

أهداف البحث:

بيان منهج الشريعة الإسلامية في تعزيز القيم الإنسانية، وأثر تلك القيم في حماية المدنيين أثناء الحروب والنزاعات المسلحة.

الحفاظ على حياة وكرامة وحقوق وممتلكات المدنين أثناء النزاعات المسلحة، من خلال نشر وتعزيز القيم الإنسانية التي تحكم النزاعات المسلحة في الشريعة الإسلامية والقانون الدولي الإنساني.

نشر ثقافة التسامح والسلام، وإبراز مظاهرها وملامحها في الشريعة الإسلامية.

التأكيد على الدور الحضاري والريادي للقيم الإسلامية.

عناصر البحث:

مقدمة

تمهيد: مفهوم القيم والحاجة إلى تعزيزها وترسيخها في الواقع المعاصر.

المبحث الأول: الحروب والنزاعات المسلحة في ضوء الشريعة الإسلامية


المطلب الأول: الإسلام دين السلام، وإنما يلجا إلى الحرب عند الضرورة.

المطلب الثاني: الإسلام ينفرد عن غيره في أخلاقيات الحروب.

المبحث الثاني: الضوابط والقيود التي وضعتها الشريعة لحماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة.


ومن ذلك (الأمر بإحسان معاملة رجال الدين - النهي عن قتل النساء والشيوخ والأطفال - النهي عن قتل العمال والفلاحين - النهي عن الغدر - النهي عن التخريب والإفساد في الأرض).


المبحث الثالث: سبل تفعيل وتعزيز تلك القيم وأثره في حماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة.


المطلب الأول: سبل تفعيل وتعزيز تلك القيم في ساحات القتال.

المطلب الثاني: أثر تعزيز القيم السلوكية في حماية المدنين أثناء النزاعات المسلحة.

الخاتمة:


 


 


تمهيد:

مفهوم القيم والحاجة إلى تعزيزها وترسيخها في الواقع المعاصر.


القيم لغة:


القيم جمع قيمة، وقوم الشيء فهو قويم أي مستقيم وقامت الدابة: وقفت" ([4]). ويقال: قام فلان على الشيء إذا ثبت عليه، ومنه قوله تعالى:: (مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وهُمْ يَسْجُدُونَ ) (آل عمران: 113) أي: مواظبة على الدين، متمسكة به، ثابتة عليه" ([5]).


القيم اصطلاحا:


"لعل العثور على مفهوم واضح ومحدد المعالم للقيم ليس بالأمر اليسير؛ وذلك لأن دراسة القيم لم تعرف عمليا إلا في القرن التاسع عشر، كواحد من المواضيع الفلسفية الأصيلة، صحيح أن الفلاسفة ناقشوا منذ القدم موضوعات مثل الخير والحق والفضيلة والعدالة، والجميل والصادق إلا أن تصور القيم لم يتضح إلا في الفلسفة المعاصرة" ([6]).


وعليه يمكن القول بان: "مفهوم القيم ينطبق على كل المعاني النبيلة التي تنسجم مع روح الفطرة البشرية، ويطمئن إليها جمال النفس، ويتلقاها العقل بالقبول، ويحيا بها الإنسان سعيدا " ([7]).


الحاجة إلى تعزيز وترسيخ القيم الإنسانية في الواقع المعاصر.


"إن القيم الإنسانية والأخلاق الكريمة هي مناط رقي الإنسان وفلاحه، وهي عنوان إنسانية الإنسان، بل إن القوة الحقيقة المؤثرة في حياة الشعوب والأمم هي القوة الأخلاقية، فالأخلاق هي مؤشر الالتزام، وعنوان الولاء للفكرة أو الشرعة أو الحاكم .. ([8]).


"ويعد مفهوم القيم من المفاهيم الشائعة في حياتنا اليومية، فكثيرا ما نتحدث عن القيم، ونشكو في أحيان كثيرة من انهيار القيم، ونعبر عن الحاجة الملحة للإنسان المعاصر إلى الإحساس بالقيم والتحلي بها، بعد أن انتشرت السطحية التي نأخذ بها الأمور، ونعالج بها كثير من القضايا، والتي أدت بنا إلى عدم إدراك القيم الحقيقة للأشياء والأشخاص، ويرتبط بضآلة الإحساس بالقيم ظواهر كثيرة مثل التخلف والانحلال واليأس والتشاؤم، وفي المقابل يرتبط بازدياد الإحساس بالقيم مفاهيم التقدم والتفاؤل والنظام والترابط" ([9]).


"وإذا كنا نعيش اليوم في عالم تمكنت عناصر القوة والسلطة والتملك والسيطرة في النفس البشرية، من اكتساح القيم الإنسانية في إنسان الحضارة المعاصرة إلى درجة استوعبت فيها ذاته ووجوده .. فإنه من الجدير بالدراسات الفكرية المعاصرة إيلاء الأهمية البالغة لموضوع القيم، ومنحه الأولوية في النظر والتأمل، كما هو حقيق بالإنسان إعادة الاعتبار للقيم النبيلة المشتركة، كحد أدني للاستئناف الحضاري حفاظا على ضرورات التدافع الثقافي، وتمييزا للخبيث من الطيب في التصرفات البشرية" ([10]).




المبحث الأول:

الحروب والنزاعات المسلحة في ضوء الشريعة الإسلامية

المطلب الأول:


الإسلام دين السلام، وإنما يلجأ إلى الحرب عند الضرورة.


" الإسلام دين السلام والرحمة والتسامح، ولم يكن أبدا دين السيف والقهر ولا كان يوما من الأيام عنيفا أو متعطشا للدماء" ([11]). وإنما تقوم الحرب في الإسلام على كره من المسلمين، وذلك للدفاع عن عقيدة الأمة، وسلامة الشعب وحريته واستقلاله. قال تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ وهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ) (البقرة: 216)


"والحق أن الحرب حل يفرضه الأعداء على المسلمين بعد استنفاذ كل الوسائل السلمية، وأول خطوة تجب على المسلمين قبل الوصول إلى مرحلة القتال هي القيام بواجب الدعوة؛ فلا يجوز لأمير أن يبدأ قتال العدو، إلا إذا بلغه الدعوة، قال تعالى (ومَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (الإسراء: 15)" ([12])


وقد كان الرسول (صلي الله عليه وسلم) إذا أرسل سرية لقتال عدو أمره قبل قتالهم أن يدعوهم ويخيرهم بين ثلاث خصال؛ فأيهن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم:


 ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم.

 فإن أبو فادعهم إلى إعطاء الجزية فإن أجابوك فاقبل منهم.

 فإن أبو فاستعن بالله وقاتلهم. 

فعن سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إذا أمر أميراً على جيش، أو سرية، أوصاه في خاصته بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيراً، ثم قال: "... وإذا لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى ثلاث خصال –أو خلال- فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك، فاقبل منهم، وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دراهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها، فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم.."([13]).


" ومع ذلك إذا فرضت الحرب على المسلمين فليست حرب إبادة جماعية؛ بل لها آدابها وقوانينها فقد كان رسول الله (صلي الله عليه وسلم) وخلفاءه ينهون عن قتل الشيوخ والصبيان والنساء العبيد والفلاحين ورجال الدين؛ من المدنيين الذين لا يشتركون في الحرب تطبيقا لقوله تعالي: (وقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ) البقرة: 190" ([14])


المطلب الثاني:


الإسلام ينفرد عن غيره في أخلاقيات الحروب.


" إن الحروب والنزاعات المسلحة قد تتنافى مع الرأفة والشفقة، لكن لا يصح في حكم الشريعة الإسلامية، وهدي الرسالة المحمدية أن تتجافى عن العدالة والفضيلة والقيم الإنسانية النبيلة، فإذا كان القتال ملحمة بشرية تستباح فيها الدماء، فإنها لا تستباح فيها الأخلاق الفاضلة، والقيم الإنسانية النبيلة، وتنتهك العدالة، ولا ينطلق فيها المقاتل من كل القيود الإنسانية" ([15]). وقد امتازت الشريعة الإسلامية عن غيرها، بمراعاة الأخلاق، والقيم الإنسانية أثناء الحروب والمعارك، ولعل من الأمثلة على ذلك:


احترام أعداءه وإنزال الناس منازلهم:


ففي طريق عودته (صلي الله عليه وسلم) بعد غزوة بدر الكبرى "لقيه المسلمون يهنئونه بما فتح الله عليه ومن معه من المسلمين فقال لهم سلمة بن سلامة بن وقش كما حدثني عاصم بن عمرو ويزيد بن رومان ما الذي تهنئوننا به. والله إن لقينا إلا عجائز صلعا كالبدن المعقلة فنحرناها، فتبسم رسول الله (صلي الله عليه وسلم) ثم قال: " أي ابن أخي أولئك الملا " ([16]).


رعاية شعور المهزومين:


لما افتتح رسول الله (صلي الله عليه وسلم) القموص، حصن بني أبي الحقيق، أتي بصفية بنت حيي بن أخطب وأخرى معها، فمر بهما بلال - وهو الذي جاء بهما - على قتلى من قتلى يهود، فانهارت ابنه عمها وثبت هي فقال رسول الله (صلي الله عليه وسلم) لبلال معاتبا: " أنزعت منك الرحمة يا بلال، حتى تمر بامرأتين على قتلى رجالهما؟" ([17]).



احترام الكرامة الإنسانية:


" لعل من المألوف أن تصان كرامة الإنسان وتحترم في أوقات السلم، ولكن الغريب حقا أن تحترم الكرامة الإنسانية أثناء الحرب، والسيوف متشابكة فينهى النبي (صلي الله عليه وسلم) عن المثلة وتشويه أجسام القتلى، ويوجب دفنهم ولا يتركهم نهبا لوحوش الأرض وجوارح الطير؛ فقد أمر بوضع جثث القتلى من أهل بدر في القليب وهو بئر جافة، كما نهى (صلي الله عليه وسلم) عن تعذيب الجرحى، وإن قعدت قوة الجريح على المقاومة لا يسوغ قتله، بل يبقى ويداوى حتى يؤسر، أو يفدى أو يمن عليه" ([18]).


الحرب والفضيلة وتحقيق المعادلة الصعبة:


" .. قد يعجب بعض الناس من أن الفضيلة تحكم في وسط السيوف وحيث يستباح، فإنه حيث استبيح لم يبق من القيود شيء يحترم، ولكنا نقول: إنها حرب مقيدة بقانون السماء، وهي حرب الفضيلة المقاومة للرذيلة المعتدية، وليس من المعقول أن يكون باعث الحرب الدفاع عن الفضيلة وتنتهك حرماتها في الميدان من أهلها مجاراة للمعتدين، ولذلك كانت الحرب من جانب المسلمين مقيدة بالفضيلة لا تعدوها، ولو جاوز حدودها المعتدون" ([19]).


" إن أمثل وأفضل الحروب والمعارك التي تلتقي فيها الفضيلة والعدالة والمحافظة على الكرامة الإنسانية مع القتل والقتال في ميدان واحد، والسيوف مشتجرة، والحتوف دانية؛ هي حروب المصطفي (صلي الله عليه وسلم) وأتباعه من بعده، ولكي تتميز وتتضح ملامح المنهج النبوي في العلاقات الإنسانية بينه وبين الدول في الحرب والسلم، كان لابد من الرجوع قليلا إلى الوراء إلى العصر الذي اقترنت نهايته بالبعث المحمدي .. فقد كانت الحروب قبل النبي (صلي الله عليه وسلم) حروب شعوب، لا حروب المقاتلين فقط، فكان الشعب المحارب يستبيح من الشعب الآخر كل المحرمات، في الميدان وفي خارج الميدان؛ في أثناء المعركة وقبلها ويعدها، ما دامت العداوة مستحكمة، وتكون العداوة ثابتة مالم يكن عقد أو عهد، فالأصل في العلاقة هو الحرب وليس السلم، والحرب مع الشعب كل لا مع حكامه وقواده والمقاتلين فيه.. واستمرت الحال كذلك حتى جاء محمد (صلي الله عليه وسلم) بحروبه فأعلن بلسان الفعال لا بلسان المقال فقط: أن القتل في الحروب لا يتجاوز الميدان، وأن الحرب ليست بين الشعوب، وإنما هي بين القوات المسيطرة .. فما كان النبي (صلي الله عليه وسلم) يقاتل الشعوب، بل كان فقط يقاتل الكبراء الذين يقودون القوى إلى الاعتداء، ولذلك ما كان النبي (صلي الله عليه وسلم) يبيح قتل أحد لا يقاتل، وليس من شأنه أن يقاتل، وليس له رأي في الحروب، فكان ينهى عن قتل النساء والشيوخ والعمال والذرية ومن لا رأي لهم في الحرب" ([20]).


وهكذا يضع المصطفي (صلي الله عليه وسلم) أول وأعظم مبدأ من المبادئ والقيم السلوكية التي تحكم الحرب في الإسلام وهو: مبدأ التمييز بين المدنيين ممن لا علاقة لهم بالحرب أو القتال من النساء والشيوخ والأطفال والمزارعين والعمال، وبين المحاربين والعسكريين من القادة والجنود ومن لهم قدرة على حمل السلاح والقتال، ثم يشرع في وضع الضوابط والقيود التي تضمن تحقيق ذلك المبدأ كما سيظهر في المبحث التالي:


المبحث الثاني:

الضوابط والقيود التي وضعتها الشريعة لحماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة

" إن الحرب في وجهة النظر الإسلامية حرب رفيقة تتسم بالتأليف لا بالانتقام والتقتيل، وبالمحافظة على الأنفس والأرواح لا استباحتها من غير ضرورة، وهي تمنع الإتلاف في الأنفس أو الأموال إلا لضرورة تلجئ" ([21]).


"ومعلوم لدى الجميع كيف أن الوضع الحالي في ذلك المجال لم يصل بعد إلى ذلك المستوى، بل هو تحته بكثير، ولا أدري هل يكفي قولنا "تحته بكثير" في وصف من أسقطوا القنابل النووية على رؤوس المدن الآهلة بالسكان؟! لا أظن ذلك.. أجل فبالأمس القريب فجرو القنابل النووية فوق مدينة " هيروشيما"" وناغازاكي" فقتلوا فيهما أكثر من ثمانين ألفا من السكان المدنيين، وخلفوا عشرات الآلاف من المصابين والمعوقين والمشوهين .. ذلك ما عمله مدعو المدنية الحالية، في حين نجد المصطفي (صلي الله عليه وسلم) وكل خليفة من خلفائه يوصي القائد الذي يرسله للقتال بأن لا يقتلوا شيخا ولا طفلا ولا امرأة، وألا يتعرضوا للرهبان الذين نزروا أنفسهم للعبادة، وألا يهدموا معبدا" ولا يقطعوا شجرة، وألا يبزروا الثروات" ([22]).


إن بين أيدينا وصيتان للقادة والجنود والمحاربين في المعارك، إحداهما للمصطفى (صلي الله عليه وسلم) والأخرى لخليفته أبي بكر الصديق (رضي الله عنه) يمكن من خلالهما استنباط العديد من الضوابط التي من شأنها الحفاظ على حياة وكرامة وحقوق وممتلكات المدنين أثناء النزاعات المسلحة.


الوصية الأولى: عن أنس بن مالك، أن رسول الله (صلي الله عليه وسلم) قال: "انطلقوا باسم الله وبالله، وعلى ملة رسول الله، ولا تقتلوا شيخاً فانياً، ولا طفلاً، ولا صغيراً، ولا امرأة، ولا تغلوا، وضموا غنائمكم، وأصلحوا {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195)} [البقرة: 195]([23]).


وعن حنظلة الكاتب، قال: غزونا مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فمررنا على امرأة مقتولة، قد اجتمع عليها الناس، فأفرجوا له، فقال: "ما كانت هذه تقاتل فيمن يقاتل" ثم قال لرجل: "انطلق إلى خالد بن الوليد، فقل له: إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يأمرك، يقول: "لا تقتلن ذرية، ولا عسيفاً"([24]).


الوصية الثانية: وهي للصديق (رضي الله عنه) رواها الإمام مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد؛ أن أبا بكر الصديق بعث جيوشاً إلى الشام فخرج يمشي مع يزيد بن أبي سفيان. وكان أمير رُبُعٍ من تلك الأرباع. فزعموا أن يزيد قال لأبي بكر: إما أن تركب، وإما أن أنزل، فقال أبو بكر: ما أنت بنازل، وما أنا براكب. إني احتسبت خطاي هذه في سبيل الله. ثم قال له: إنك ستجد قوماً زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله. فذرهم وما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم له، وستجد قوماً فحصوا عن أوساط رؤوسهم من الشعر، فاضرب ما فحصوا عنه بالسيف، وإني موصيك بعشرٍ: لا تقتلن امرأة، ولا صبياً، ولا كبيراً هرماً، ولا تقطعن شجراً مثمراً. ولا تخربن عامراً. ولا تعقرن شاة، ولا بعيراً، إلا لمأكلة ولا تحرقن نخلاً، ولا تغرقنه. ولا تغلل. ولا تجبن"([25]).


إن المتأمل في تلك الوصايا يرى بوضوح أنها تحد حدود المعركة داخل الميدان لا تعدوها، وتؤكد على الباعث على القتال؛ وهو تأمين المؤمنين من أن يفتنوا في دينهم، ونرى ذلك الباعث يحكم الحرب، فلا يبيح الاعتداء على من لا يقاتل ولا يشترك في الحرب بأي شكل من الأشكال، ولعل ذلك يتضح جليا من خلال مجموعة من الضوابط تضمنتها الوصايا:


الضابط الأول: الأمر بإحسان معاملة رجال الدين والعباد والزهاد.


" من القيم التي ينفرد بها الإسلام أنه لا إكراه في الدين، ومن ثم كان من الجهاد في سبيل الله حماية أماكن العبادة سواء كانت إسلامية أم غير إسلامية، وقد قسم الصديق في وصيته الرجال الذين يتسربلون بسربال الدين قسمين: أحدهما أولئك الذين التزموا دور العبادة لا يقتلون ولا يقاتلون، وليس لهم رأي في القتال، ولا تدبير ولا مكيدة فيه، وأولئك لا يقتلون باتفاق جمهور العلماء، ولا يساء لهم، ويجب أن يتوافر لهم وسائل الحياة الكريمة، والثاني: ممن تسربلوا بسربال الدين فقد وصفهم الصديق بانهم؛ حلقوا رؤوسهم، وتركوا من شعورهم ما يشبه العصائب، وأولئك يقتلون لأنهم كانوا يشتغلون فعلا بالقتال، وهم الذين كانوا يحرضون على المؤمنين، ويظهر من وصفهم أنهم كانوا من الرومان المتحكمين في رقاب أهل الشام باسم الدين، والذين كانوا يحاولون فرض المذهب الروماني على أهل المشرق، وأذاقوهم في ذلك الوبال، وهم لا يكفون عن القتال دفاعا عن الرومان ([26]).


وعصمة دماء المدنين من رجال الدين والعباد والأمر بإحسان معاملتهم، في ميدان القتال، يؤكد على على أن المجاهدين في سبيل الله يؤمنون بحق كل متدين في القيام بعبادته، وأنهم يحمون اعتقاده، وإن كانوا لا يؤمنون به.


ذلك في الوقت الذي تخبرنا كتب التاريخ بالجرائم الوحشية التي ارتكبت في حق المدنين العزل من النساء والشيوخ والأطفال أثناء الحملات الصليبية على بلاد المشرق الإسلامي ما لا مثيل له؛ فعند دخول لبيت المقدس: " لبث الفرنج (الصليبيون) في البلدة أسبوعا يقتلون فيه المسلمين .. وقتل الفرنج، بالمسجد الأقصى، ما يزيد على سبعين ألفا، منهم جماعة كثيرة من أئمة المسلمين، وعلمائهم، وعبادهم، وزهادهم، ممن فارق الأوطان وجاور بذلك الموضع الشريف"([27]).


الضابط الثاني: النهى عن قتل النساء والشيوخ والأطفال.


"نهى النبي (صلى الله عليه وسلم) عن قتل المدنيين من النساء والشيوخ والأطفال؛ لأن أولئك ضعفاء لا يقاتلون ولا رأي لهم في قتال.. فعن حنظلة الكاتب قال: خرجنا مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في غزوة غزاها، وعلى مقدمته خالد بن الوليد، فمر أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على امرأة مقتولة، مما أصابت المقدمة، فوقفوا ينظرون إليها، ويتعجبون من خلقها، حتى لحقهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على راحلته، فانفرجوا عنها، فوقف عليها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال: "ما كانت تلك لتقاتل "فقال لأحدهم: "الحق خالداً فقل له: لا تقتلوا ذرية، ولا عسيفاً"([28]).


ولقد كان (صلى الله عليه وسلم) يغضب أشد الغضب إذا علم أن جنده قتلوا صبياً أو طفلاً فعن الأسود بن سريع (رضي الله عنه) قال: أتيت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فغزوت معه، فأًصبنا ظفراً فقتل الناس يومئذ حتى قتلوا الذرية، فبلغ ذلك رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال: "ما بال أقوام جاوز بهم القتل حتى قتلوا الذرية؟" فقال رجل: يا رسول الله، إنما هم أبناء المشركين. قال: "ألا إن خياركم أبناء المشركين" ثم قال: "لا تقتلوا الذرية". قالها ثلاثاً..."([29]).


ولعل من المفيد بيان أن " الشيوخ في المعارك قسمان: قسم يدير الحروب، ويشير بالرأي، وقسم لا يقدر على ذلك، وليس من شأنه ذلك وذلك الأخير لا يباح قتله لعدم توافر الأسباب الموجبة للقتال بالنسبة له، أما الأول فإنه يباح قتله، لأنه مقاتل برأيه وتدبيره في الحروب، وقد أمر النبي (صلي الله عليه وسلم) بقتل دريد بن الصمة في حنين وكان قد بلغ العشرين بعد المائة ولكن كان فيه وعي وله رأي، وقد أشار عليهم فعلا في تلك الغزوة، فكان مقاتلا بذلك الرأي" ([30]).


الضابط الثالث: النهي عن قتل العمال والفلاحين.


" تكرر نهي رسول الله (صلي الله عليه وسلم) عن قتل العسفاء، وهم العمال الذين لا يحاربون، وليس لهم في الحروب يد ولا عمل، فأولئك لا يقاتلون والحرب محصورة في دائرة من يقاتل، لا تخرج عنه؛ ولأن القتال ليس قتالا للشعوب وإنما هو دفع لقوي الشر والفساد، وهم الذين يحملون السيوف ويقاتلون، أو يدبرون ويرسمون الخطط؛ ولأن العمال الذين عكفوا على الزرع أو العمل اليدوي هم بناة العمران ودعائمه، والحرب في نظر الشريعة الإسلامية إنما هي لدفع الفساد في الأرض، ولأن أولئك العمال هم الذين كانوا مستضعفين تحت سلطان الملوك الغاشمين، فهم فريسة الظلم، فلا يصح أن يكونوا وقود الحرب، يكتوون بنارها؛ وليسوا من جناتها" ([31]).


الضابط الرابع: النهي عن الغدر.


" إن علاقة المسلمين بغيرهم إما أن تحكمها عهود ومواثيق، وإما أن يكون بينهم معاهدات واتفاقيات، وفي كلتا الحالتين ما دام غير المسلمين مطلقا لا يؤذون المسلمين، فلا يجوز قتالهم أو إلحاق الضرر بهم، ولكن إذا رأي ولى الأمر أن في نقض العهد مصلحة للأمة عند توجس الشر ممن عاهدهم فله نبذ العهد بشرط أن يكون ذلك النبذ واضحا صريحا مكشوفا معلنا، فما ينبغي أن يكون غدرا أو خيانة وما أشبههما؛ لأن الله لا يحب الخائنين، ولا يرضى لعباده الخيانة في أي صورة من صورها قال تعالى: (وإمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الخَائِنِينَ) ([32]) .


وقد كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إذا أمر أميراً على جيش، أو سرية، أوصاه في خاصته بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيراً، ويحذرهم من الغلول والغدر فيقول: "اغزوا باسم الله في سبيل الله، قالوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليداً..." ([33]).


" إن وجوب الإعلان في نظرية الحرب الإسلامية يعد سلوكا أخلاقيا يتجافى عن الغدر والمفاجأة والغيلة، ويعلن للأعداء أن المسلمين في معاركهم لا يريدون أرضا يستعمرونها، وأنفسا يستعبدونها، ولا أموالا يغنمونها، ولكن ليتمتع كل إنسان بحريته فيما يدين به ويعتقده" ([34]).


الضابط الخامس: منع التخريب وحماية المنشآت المدنية.


" إن الحرب في الإسلام بقيمها الشرعية، وغاياتها المقدسة تعد سبيلا للبناء والتعمير، لا للهدم والتخريب والتدمير، وطريقا للإصلاح لا للإفساد، فهي حرب لا تتخذ من الأهداف المدنية وسيلة للنصر؛ فرسالتها حماية تلك الأهداف؛ إن كل وسائل الحياة من زروع وثمار وحيوانات ومصانع ودور وجسور.. ونحو ذلك لا يجوز إسلاميا أن تكون أهدافا عسكرية، فالحرب في الإسلام أشبه ما تكون بعملية جراحية يجب ألا تتجاوز المرض بمكان" ([35]).


فلم تكن حروب المسلمين يوما حروب تخريب كالحروب المعاصرة، التي يحرص فيها المقاتلون على إبادة مظاهر الحياة لدى خصومهم، بل كانوا يحرصون أشد الحرص على الحفاظ على مظاهر العمران في كل مكان، وقد ظهر ذلك جليا في وصية الصديق (رضي الله عنه) السابقة: " ولا تقطعن شجرا مثمرا. ولا تخربن عامرا. ولا تعقرن شاة، ولا بعيرا، إلا لمأكلة ولا تحرقن نخلا، ولا تغرقنه...".


المبحث الثالث:

سبل تفعيل وتعزيز تلك القيم وأثره في حماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة

المطلب الأول:


سبل تفعيل وتعزيز تلك القيم في ساحات القتال.


السبيل الأول: تربية القادة والجنود على تقوى الله (عز وجل) ومراقبته في كل الأحوال:


إن من أعظم السبل لتفعيل وتعزيز القيم السلوكية النبيلة؛ هي تقوى الله عز وجل ومراقبته في كل حال ولذلك فقد حرص النبي (صلي الله عليه وسلم) وصحابته من بعده، على تربية وتهذيب القادة، والجنود على الأخلاق الرفيقة والقيم الإنسانية العالية، فبالرغم مما سبق ذكره من وصايا النبي (صلي الله عليه وسلم) وخليفته أبو بكر الصديق للقادة والجنود، ها هو الخلفية عمر بن الخطاب يكتب إلى سعد بن أبي وقاص (رضي الله عنه) ومن معه من الأجناد يوصيهم بتقوى الله (عز وجل) والاستحياء منه ومراقبته في السر والعلن واجتناب الذنوب والاحتراس من المعاصي: "أما بعد؛ فإني آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال؛ فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو، وأقوى المكيدة في الحرب، وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراسا من المعاصي منكم من عدوكم، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم، وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة؛ لأن عددنا ليس كعددهم، ولا عدتنا كعدتهم، فإذا استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة، وإلا ننصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا، واعلموا أن عليكم في مسيركم حفظة من الله يعلمون ما تفعلون، فاستحيوا منهم، ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله؛ ولا تقولوا إن عدونا شر منا فلن يسلط علينا وإن أسانا؛ فرب قوم سلط عليهم شر منهم، كما سلط على بني إسرائيل لما عملوا بمساخط الله كفار المجوس: (فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وكَانَ وعْدًا مَّفْعُولاً) ([36]). وأسالوا الله العون على أنفسكم كما تسالونه النصر على عدوكم .." ([37]).


السبيل الثاني: تدريب القادة والجنود على ضبط النفس.


فقد سبق القول بأن القيم الإنسانية النبيلة من حسن الخلق ولين الجانب والعفو والتسامح، والرحمة بالنساء، والشيوخ والأطفال.. ورعاية شعور المهزومين، أمر لا تستطيع كل أمة أن تفعله في أوقات الحروب وصفة لا يستطيع كل قائد عسكري أن يتحلى بها في ساحات القتال؛ ذلك أن رؤية الدماء تثير الدماء، والعداء يؤجج نيران الغضب ويشعل الضغائن والأحقاد؛ فتسيطر على النفوس روح الانتقام والبطش والفتك، والاستئصال؛ فلا تمييز حينها بين محارب ومدني..


ومن هنا نجد المصطفى (صلي الله عليه وسلم) يربي أصحابه ويدربهم ضبط النفس، والتحكم في مشاعر الغضب، التي قد تدفعهم إلى اقتراف المظالم، وانتهاك حقوق الأبرياء من النساء والشيوخ والأطفال .. فنراه يمدح ويثني على من يمتلك زمام نفسه عند الغضب ولا يطلق لها ويصفه بأنه المصارع الأقوى وذلك حين يسال أصحابه: "عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله (صلي الله عليه وسلم): ما تعدون الصرعة فيكم؟"، قلنا: الذي لا يصرعه الرجال، قال: ليس يذلك، ولكنه الذي يملك نفسة عند الغضب" ([38]).


السبيل الثالث: إيقاف قاعدة المعاملة بالمثل رعاية للقيم والأخلاق الإسلامية:


من المقرر أن المعاملة بالمثل تشكل مبدأ أساسيا في العلاقات الدولية بين المسلمين وغيرهم في الحرب والسلم على السواء، إلا أن اتخاذ ذلك المبدأ مقيد بالفضيلة، فإذا تعارض مع الفضيلة أهمل واتبعت الفضيلة، لأنها المبدأ الثابت المقرر الذي لا يقبل التخلف باي حال من الأحوال.


ولعل من أعظم السبل لتفعيل وتعزيز القيم والأخلاق الإسلامية النبيلة؛ إيقاف قاعدة المعاملة بالمثل أثناء الحروب، وما يترتب عليها من لزوم الوفاء بالعهود وعدم المجاراة في الظلم، فالأجنبي الداخل إلى دار الإسلام بأمان تؤخذ منه ضريبة على أمواله التجارية بمقدار ما تأخذه دولته من المسلم إذا دخل إليها بأموال تجارية، ولكن إذا كان المأخوذ من المسلم كل ماله فإن الدولة المسلمة لا تفعل ذلك بالنسبة لرعايا تلك الدولة "إلا إذا أخذوا الكل فلا نأخذه بل نترك له ما يبلغه مأمنه إبقاء للأمان" ([39]).


ويعلل الفقهاء ذلك المسلك بأن أخذ أموال الأجنبي ظلم، ولا متابعة بالظلم، وأننا لا نتخلق بأخلاقهم وإن تخلقوا هم بها " ولا نأخذ منهم شيئا إذا لم يبلغ مالهم نصابا وإن أخذوا منا في الأصح لأنه ظلم ولا متابعة عليه.. ولأنا أحق بالمكارم" ([40]).


السبيل الرابع: مراعاة القيم والأخلاق الإسلامية الفاضلة في الغايات والوسائل:


" ولعل من السبل التي تساعد على تعزيز وترسيخ القيم والأخلاق الفاضلة أثناء الحروب والنزاعات المسلحة؛ هو التأكيد على مبدأ غاية في الأهمية " وهو: ضرورة أن تكون الأخلاق الفاضلة مطلوبة في الغايات والوسائل، فكما أن الباعث على القتال؛ هو رد الظلم والعدوان ونصرة المظلومين، أو تأمين حرية الدعوة، وهو هدف شريف ومطلب نبيل بمقتضى معايير القيم والأخلاق .. فإن الوسيلة إلى تحقيقه يجب أن تكون كذلك؛ وعلى ذلك فالشريعة ترفض رفضا قاطعا المبدأ الخبيث القائل: الغاية تبرر الوسيلة، فذلك المبدأ لا مكان له أبدا في القانون الإسلامي، مبدأ شاع في أوربا منذ أن أظهر ميكافللي كتابه الأمير سنة 1513 م، وقال فيه: (لا محل للأخذ بالأخلاق في أمور الدولة)" ([41]).


السبيل الخامس: التخلص من قانون: سيكولوجية المقهور:


" ويقصد بقانون سيكولوجية المقهور أي: قانون رد الفعل الذي يعيش فيه المقهور رد فعل عنيف ضد خصمه، وذلك بتبني منهجه، وعادة ما ينتهي القوي القاهر بان يغلب المقهور الضعيف مرتين الأولى بأن يجعله مجردا من أسباب القوة، والثانية بأن يجعله يتشرب منهجه ويتبنى مبادئه، ولذلك فإن ما تفعله الصهيونية في فلسطين هو تبن للنازية، تبن لسلوك من كان اليهود ضحاياهم ولذلك يمكن القول؛ بان الصهيونية تلك النازية الجديدة، وهي ظاهرة ليس محصنا منها إلا من كان في مستوى عقدي وتربوي رفيع، والمسلمون منذ مؤامرة التتار والمغول والصليبيين، وما تعرضوا له من موجات استعمارية قديما وحديثا، وهم يعشون تحت ضغط القهر، وبالتالي يفرزون أخلاقيات وعقليات وسلوكيات سيكولوجية القهر، وإن كنا نستطيع بين الحين والآخر أن بعض الاستثناءات المتعالية عن رد الفعل ذلك، والتي نجحت في التحرر من سطوة ذلك القانون وعدم الخضوع لذلك المنطق، فذلك عمر المختار الذي كان يمتنع عن قتل الأسرى الإيطاليين الذين كانوا يقتلون أسرى المسلمين، ليس ذلك فحسب بل ويقتلون النساء والشيوخ والأطفال وغيرهم من المدنيين، وفي إحدى المرات أمسك بضابط كبير في الجيش الإيطالي حاول البعض أن يقتله انتقاما لكثير من المجاهدين الذين قتلوا أسرى، فرفض عمر وأجابهم قائلا: هم ليسوا قدوة لنا " ([42]).



السبيل السادس: التأكيد على مبدأ التمييز في الحروب:


فبعد أن كتب عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص (رضي الله عنه) ومن معه من الأجناد يوصيهم بتقوى الله (عز وجل) والاستحياء منه ومراقبته في السر والعلن واجتناب الذنوب والاحتراس من المعاصي، نراه يؤكد على المبدأ الأصيل والخلق الثابت الذي لا يتغير ولا يتبدل من أخلاق وآداب الحروب والمعارك في الشريعة الإسلامية، وهو مبدأ التمييز والفصل بين المدنيين والعسكريين، وأن المعركة لها حدود لا تخطوها، والنزاع لا تخرج خارج ميدان القتال، وذلك حتى لا يقع ظلم وإساءة على المدنيين العزل، فنراه يقول: ".. ونح منازلهم عن قرى أهل الصلح والذمة، فلا يدخلها من أصحابك إلا من تثق بدينه. ولا يرزأ أحدا من أهلها شيئا: فإن لهم حرمة وذمة ابتليتم بالوفاء بها كما ابتلوا بالصبر عليها، فما صبروا لكم فتولوهم خيرا، ولا تستنصروا على أهل الحرب بظلم أهل الصلح ..." ([43])


السبيل السابع: غرس روح العفو والتسامح في نفوس القادة والجنود.


" فقد دعا الإسلام إلى التسامح غير الذليل، من غير استسلام للشر أو تمكين للأشرار، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى ضرورة دفع العداوة بالتي هي أحسن، وأن ذلك الدفع الكريم هو الذي يجلب المحبة إن كان لها موضع، وأمر نبيه الأمين أن يصفح الصفح الجميل عمن يعاديه، والصفح الجميل هو الصفح في علو ومن غير استسلام للشر أو استخذاء للأشرار. ([44]). والصفح الجميل أبرز ما يكون ظهوره عند الانتصار، فما كانت الحرب في الإسلام للثأر والانتقام؛ بل إعلاء كلمة الحق، ودفع عدوان الباطل" ([45]).


ولذلك عندما فتح الله تعالى مكة وخضعت لكلمة التوحيد، كان خلق السماحة، وكان الصفح الكريم، فقد قال النبي (صلي الله عليه وسلم) - بعد أن استتب له النصر- للملأ من قريش: " يا أهل مكة! ما ترون أني فاعل بكم؟ " قالوا: خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم ثم قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء" ([46]). وروي أنه قال: " أقول كما قال أخي يوسف: (قَالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) (يوسف: 92)، اذهبوا فانتم الطلقاء" ([47]).


"وقد كان ذلك من شأنه في كل حروبه (صلي الله عليه وسلم) يطيب القلوب بالصفح والتسامح بدل أن يثيرها بالانتقام والتشفي، فبعد غزوة بني المصطلق يخرج من الأسر مائة بيت أراد المسلمون أن يسترقوهم، بأن تزوج جويرية بنت الحارث كبير تلك القبيلة، فاطلق كل مجاهد من في يده من الأسري، وقالوا: كيف نسترق أصهار رسول الله، وقد كان ذلك الصنيع منه (صلي الله عليه وسلم) إعلانا للصفح والتسامح، وما كان ذلك الزواج لشهوة يبتغيها لأنه كان يستطيع قضاء تلك الشهوة بامتلاكها، بل إنها السماحة والصفح من الظافر المنتصر، في أجمل صورها وأسمى معانيها" ([48]).


وقد كانت قيمة التسامح تلازم القادة المسلمين في معاركهم وفتوحاتهم ومن




الشواهد على ذلك:

الشاهد الأول:


أن محمد بن القاسم الثقفي فاتح بلاد السند كان يحترم عقائد الهنود، وكان يقول: " ما البد إلا ككنائس النصارى واليهود وبيوت نيران المجوس" ([49]). ولقد كان لذلك التسامح أثره في حماية المدنيين " حتى إنه حين مات بكى عليه أهل الهند أنفسهم لاحترامه عقائدهم " ([50]).


الشاهد الثاني:


موقف صلاح الدين الأيوبي والمرأة المسيحية التي فقدت طفلها الرضيع أثناء المعركة " .. وذلك أنه كان للمسلمين لصوص يدخلون إلى خيام العدو فيسرقون منهم الرجال وكان من قصتهم أنهم أخذوا ذات ليلة طفلا رضيعا له ثلاثة أشهر وساروا به حتى أتوا إلى خيمة السلطان وعرضوه عليه وكان كل ما يأخذونه يعرضونه عليه ويعطيهم ما أخذوه، ولما فقدته أمه باتت مستغيثة بالويل والثبور طول الليل حتى وصل خبرها إلى ملوكهم فقالوا إنه رحيم الطب وقد أذنا لك بالخروج فاخرجي واطلبيه منه فإنه يرده عليك فخرجت تستغيث إلى اليزك فأخبرتهم بواقعتها فأطلقوها وأنفذوها إلى السلطان فلقيته وهو راكب وفي خدمته خلق عظيم فبكت بكاء شديدا ومرغت وجهها في التراب فسال عن قصتها فاخبروه فرق لها ودمعت عينه وأمر بإحضار الرضيع فوجدوه قد بيع في السوق فارتده وأمر بدفع ثمنه إلى المشتري وأخذه منه ولم يزل واقفا حتى أحضر الطفل وسلم إليها فأخذته وبكت بكاء شديدا وضمته إلى صدرها والناس ينظرون إليها ويبكون، فأرضعته ساعة ثم أمر بها فحملت على فرس وألحقت بعسكرهم مع طفلها فانظر إلى تلك الرحمة الشاملة لجنس البشر ..." ([51]).


ومن المعروف أن دقيقة واحدة .. قد تقلب ميزان المعركة رأسا على عقب.. ومع ذلك أوقف صلاح الدين الحرب حتى يعثر على طفل لامرأة مسيحية، ولم يهدأ له بال حتى عادت به قرير العين.


المطلب الثاني:

أثر تعزيز القيم السلوكية في حماية المدنين أثناء النزاعات المسلحة

سبق القول بأن القيم الإنسانية والأخلاق الكريمة هي مناط رقي الإنسان وفلاحه، وهي عنوان إنسانية الإنسان، بل إن القوة الحقيقة المؤثرة في حياة الشعوب والأمم هي القوة الأخلاقية، فالأخلاق هي مؤشر الالتزام، وعنوان الولاء للفكرة أو الشرعة.


وإذا كانت بضدها تتميز الأشياء فقد حاولنا في ثنايا ذلك البحث، الخوض في نظم الحروب الإسلامية وكيف كانت حروبا محددة بحدود الميدان لا تعدوه إلا خارجه، نظيفة مقيدة بالفضائل والقيم الإنسانية النبيلة من السماحة والرحمة والرفق واحترام الكرامة الإنسانية .. وقد كان لذلك الأثر البالغ في حماية المدنيين والمنشآت المدنية أثناء تلك المعارك؛ فلا ظلم فيها ولا إفساد ولا قتل لطفل صغير أو امرأة أو شيخ هرم، ولا قتل فيها للعمال والمزارعين، ولا قطع للأشجار المثمرة ولا حرق للحقول ..


في حين تتنافى كل التنافي مع ما يجري في حروب ذلك الزمان التي تتجه إلى الشعوب فلا تميز بين المدنيين والعسكريين؛ فتبيد الخلق، وتتلف الزرع والشجر، وتخرب العمران، وتدك كل قائم وتحصد كل أخضر ويابس، وتتحرر من كل القيود الأخلاقية، والفضائل والقيم الإنسانية النبيلة، فتقتل النساء والشيوخ والأطفال وتستخدم أسلحة الدمار الشامل التي تفتك بالمدنيين والعسكريين على حد سواء بل وتقضي على كل مظاهر الحياة في البيئة المحيطة.


 

الخاتمة:

النتائج


حرصت الشريعة الإسلامية منذ اللحظة الأولى على إبراز الباعث من القتال، وتحديده بوضوح وجلاء لا يقبل اللبس وهو أن الهدف من المعارك ليس الانتقام والتقتيل .. وإنما لحماية الدعوة، ونصرة الضعفاء والمظلومين.

أكدت الشريعة على مبدأ التمييز بين ما هو مدني وما هو عسكري، والحروب والمعارك قاصرة على الميدان، وساحات القتال لا تتجاوزها إلى خارجها، كما أن الفئة المستهدفة من القتال هم الملوك والطواغيت ومن والاهم من الجنود والمحاربين، فليست حربا ضد الشعب بأكمله.

انفردت الشريعة الإسلامية عن غيرها في أن جعلت للحروب آدابا وأخلاقا، والتزمت بها وطبقتها تطبيقا عمليا واقعيا.

وضعت الشريعة الإسلامية مجموعة من الضوابط الأخلاقية، والقيم والسلوكية كالأمر بإحسان معاملة رجال الدين، والنهي عن قتل النساء والشيوخ والأطفال والعمال والفلاحين، والنهي عن الغدر، ومنع التخريب والإفساد في الأرض .. وأوجبت إتباع تلك الضوابط، والالتزام بها أثناء المعارك والنزاعات، بما يضمن الحفاظ على حياة وكرامة وحقوق وممتلكات المدنين أثناء النزاعات المسلحة.



التوصيات المقترحة:

العمل على تكوين جيل من المربين والمصلحين والعلماء المخلصين، الذين يعيدون تربية الشعوب على أساس متين، يستخلص بوضوح من القرآن والسنة وسيرة المصطفى (صلي الله عليه وسلم) وكذلك من سير المجاهدين المجددين في تاريخ الأمة، والذين ضربوا أروع الأمثلة في التزام الأخلاق الإسلامية الفاضلة، والقيم الإنسانية النبيلة.

العمل على نشر ثقافة التسامح والسلام غير الذليل، وإبراز مظاهر تلك الثقافة، وملامحها في الشريعة الإسلامية، وذلك من خلال عقد الندوات وإقامة المؤتمرات العلمية حول تلك القضية.



أهم المصادر والمراجع

آثار الحرب في الفقه الإسلامي، د/ وهبة الزحيلي، دار الفكر العربي، دمشق، ط 3 (1419 هـ- 1998 م)

البداية والنهاية، لأبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (ت: 774 هـ) تحقيق: علي شيري، دار إحياء التراث العربي، ط 1( 1408 ه – 1988 م)

الحضارة الإسلامية ..إبداع الماضي وآفاق المستقبل، د/عبد الحليم عويس، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مكتبة الأسرة، ط (2012 م).

رد المحتار على الدر المختار، لابن عابدين، محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز عابدين الدمشقي الحنفي (ت: 1252 هـ) دار الفكر، بيروت، ط 2 (1412 ه 1992 م)

سنن أبي داود، لأبي داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السجستاني (ت: 275 هـ) تحقيق: شعيب الأرنؤوط، محمد كامل قره بللي، الناشر: دار الرسالة العالمية، الطبعة: الأولى، 1430 ه - 2009 م.

السنن الكبرى، لأحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخسرو جردي الخراساني، أبو بكر البيهقي (ت :458 هـ) تحقيق: محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان ،ط 3 (1424 هـ)

سنن ابن ماجة ابن ماجة أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني، وماجة اسم أبيه يزيد (ت: 273 هـ) تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء الكتب العربية – فيصل عيسى البابي الحلبي.

السيرة النبوية وأخبار الخلفاء، لمحمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن معبد، التميمي، أبو حاتم، الدارمي، البستي (ت: 354 هـ) صححه، وعلق عليه الحافظ السيد عزيز بك وجماعة من العلماء، دار الكتب الثقافية، بيروت، ط 3(1417 هـ).

الشفا بتعريف حقوق المصطفى، لأبي الفضل عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي السبتي، (ت: 544 هـ) دار الفيحاء، عمان، ط 2 (1407 هـ)

صحيح مسلم، لمسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري (ت: 261 هـ) تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

عبقرية الإسلام في أصول الحكم، منير العجلاني، دار النفائس، ط 1 ( 1985)

العقد الفريد، لأبي عمر، شهاب الدين أحمد بن محمد بن عبد ربه ابن حبيب ابن حدير بن سالم المعروف بابن عبد ربه الأندلسي (ت: 328 هـ) دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1 (1404 هـ).

العلاقات الدولية في الإسلام، للشيخ: محمد أبو زهرة، دار الفكر العربي، ط (1415 هـ-1995 م).

فتوح البلدان، لأحمد بن يحيى بن جابر بن داود البلاذري (ت: 279 هـ) دار ومكتبة الهلال، بيروت، ط 1( 1988م).

القيم الإنسانية في ضوء التدافع الحضاري المعاصر، الحسان شهيد، بحث منشور ضمن أعداد مجلة التسامح، الصادرة عن وزارة الأوقاف والشئون الدينية بسلطنة عمان، عدد (28) (1430 هـ- 2009 م)

القيم الأخلاقية في ضوء الثقافة العربية والإسلامية، د/ عبد الوهاب عبد العزيز الشيشاني، بحث منشور ضمن أبحاث الندوة العلمية الأولى: بجامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، والتي بعنوان: القيم الأخلاقية المرتبطة بعمل رجل الأمن، نشر المركز العربي للدراسات الأمنية والتدريب والرياض، ط 1(1408 هـ)

القيم في الواقعية الجديدة، أحمد عبد الحليم عطية، إصدارات أوراق فلسفية، دار الثقافة العربية، القاهر، ط 1 (2008 م).

الكامل في التاريخ، لأبي الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري، عز الدين ابن الأثير (ت: 630 هـ) تحقيق: عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، ط 1 (1417 هـ-1997م).

لسان العرب، لمحمد بن مكرم بن على، أبو الفضل، جمال الدين أبن منظور الأنصاري الرويفعي الإفريقي (ت: 711 هـ) دار صادر، بيروت، ط 3 (1414 هـ)

مختار الصحاح، لزين الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الحنفي الرازي (ت: 666 هـ) تحقيق: يوسف الشيخ محمد، المكتبة العصرية، الدار النموذجية، بيروت، صيدا، ط 5 (1420 ه/ 1999 م)

المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية، د/عبد الكريم زيدان، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، ط 1 (1433 هـ-2012 م)

المسند، لأبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني (ت: 241 هـ) تحقيق: شعيب الأرنؤوط، وآخرون إشراف: د عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، ط 1( 1421 هـ- 2001 م)

المصنف، لأبي بكر عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري اليماني الصنعاني (ت: 211 هـ) تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، الناشر: المجلس العلمي، الهند، يطلب من: المكتب الإسلامي، بيروت، ط 2 (1403 هـ)

معضلة العنف ..رؤية إسلامية، أبو زيد المقرئ الإدريسي، بحث منشور ضمن أعداد سلسلة " قضايا إسلامية " والتي يصدرها المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، بوزارة الأوقاف المصرية، العدد (218) (1434 هـ- 2013 م).

مقدمة في علم الأخلاق، د/محمود حمدي زقزوق، دار القلم، الكويت، ط 3 (1403 ه -1983 م).

من روائع حضارتنا، د/ مصطفى السباعي، دار الوراق، بيروت، ط 1 (1420 ه -1990 م)

الموطأ، لمالك بن أنس بن مالك بن عامر الأصبحي المدني (ت: 179 هـ)، تحقيق: محمد مصطفى الأعظمي، مؤسسة زايد بن سلطان آل نهيان للأعمال الخيرية والإنسانية، أبو ظبي، الإمارات، ط 1 (1425 هـ- 2004 م)

نحو رؤية إسلامية في القانون الدولي الإنساني، د/ محمد الدسوقي، بحث منشور ضمن أعداد سلسلة " قضايا إسلامية " والتي يصدرها المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، بوزارة الأوقاف المصرية، العدد (156) (1429 هـ-2008 م).

النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية (سيرة صلاح الدين الأيوبي)، ليوسف بن رافع بن تميم بن عتبة الأسدي الموصلي، أبو المحاسن، بهاء الدين ابن شداد (ت: 632 هـ) تحقيق: الدكتور جمال الدين الشيال، الناشر: مكتبة الخانجي، القاهرة، ط 2 (1415 هـ-1994) (1/ 240).

النور الخالد محمد (صلي الله عليه وسلم) مفخرة الإنسانية، محمد فتح الله كولن، ترجمة: أورخان محمد على، دار النيل، ط 1 (1428 هـ- 2007 م)

[1] الحج: (40)


[2] من روائع حضارتنا، د/ مصطفى السباعي، دار الوراق، بيروت، ط 1( 1420 هـ- 1990 م) ص  151.


[3] أخرجه أحمد في المسند (14/513) حديث (8952) وقال الشيخ : شعيب الأرنؤوط: "صحيح، وذلك إسناد قوي "


[4] مختار الصحاح، لزين الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الحنفي الرازي (ت: 666 هـ) تحقيق : يوسف الشيخ محمد، المكتبة العصرية، الدار النموذجية، بيروت، صيدا، ط 5 (1420 ه / 1999 م) (1/ 262)


[5] لسان العرب، لمحمد بن مكرم بن على، أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور الأنصاري الرويفعى الإفريقي (ت: 711 هـ) دار صادر، بيروت، ط 3 (1414 هـ) (12/ 501)


[6] القيم في الواقعية الجديدة، أحمد عبد الحليم عطية، إصدارات أوراق فلسفية، دار الثقافة العربية، القاهرة، ط 1(2008 م) ص  128.


[7] القيم الإنسانية في ضوء التدافع الحضاري المعاصر، الحسان شهيد، بحث منشور ضمن أعداد مجلة التسامح، الصادرة عن وزارة الأوقاف والشئون الدينية بسلطنة عمان، عدد(28) (1430 هـ- 2009 م) ص 205.


[8] القيم الأخلاقية في ضوء الثقافة العربية والإسلامية، د/ عبد الوهاب عبد العزيز الشيشاني، بحث منشور ضمن أبحاث الندوة العلمية الأولى : بجامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، والتي بعنوان: القيم الأخلاقية المرتبطة بعمل رجل الأمن، نشر المركز العربي للدراسات الأمنية والتدريب والرياض، ط 1(1408 هـ) ص 75.


[9] مقدمة في علم الأخلاق، د/محمود حمدي زقزوق، دار القلم، الكويت، ط 3( 1403 هـ- 1983 م ) ص 135 .


[10] القيم الإنسانية في ضوء التدافع الحضاري المعاصر، الحسان شهيد، ص 204.


[11] أثار الحرب في الفقه الإسلامي، د/ وهبة الزحيلي، دار الفكر العربي، دمشق، ط 3 ( 1419 هـ- 1998 م) ص 65.


[12] الحضارة الإسلامية ..إبداع الماضي وأفاق المستقبل، د/عبد الحليم عويس، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مكتبة الأسرة، ط (2012 م) ص 87.


[13] صحيح مسلم، لمسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري (ت: 261 هـ) تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت ،كتاب: الجهاد والسير، باب: تأمير الإمام الأمراء على البعوث ووصيته إياهم بآداب الغزو وغيرها (3/ 1357) حديث (1731).


[14] عبقرية الإسلام في أصول الحكم، منير العجلاني، دار النفائس، ط 1( 1985) ص 364.


[15] نظرية الحرب في الإسلام، للشيخ : محمد أبو زهرة، ص 19.


[16] البداية والنهاية، لأبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (ت: 774 هـ) تحقيق: علي شيري، دار إحياء التراث العربي، ط 1(1408 هـ- 1988 م ) (3/372)


[17] السابق، (4/ 224)


[18] العلاقات الدولية في الإسلام، للشيخ : محمد أبو زهرة، ص 113.


[19] العلاقات الدولية في الإسلام، للشيخ : محمد أبو زهرة ص 109.


[20] نظرية الحرب في الإسلام، للشيخ : محمد أبو زهرة، ص 21، 20


[21] العلاقات الدولية في الإسلام، للشيخ : محمد أبو زهرة، دار الفكر العربي، ط (1415 هـ- 1995 م) ص 102.


[22] النور الخالد محمد (صلي الله عليه وسلم) مفخرة الإنسانية، محمد فتح الله كولن، ترجمة : أورخان محمد على، دار النيل، ط 1(1428 هـ- 2007 م) ص 393، 394 


[23] سنن أبي داود، لأبي داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السجستاني (ت: 275 هـ) تحقيق : شعيب الأرنؤوط، محمد كامل قره بللي، الناشر: دار الرسالة العالمية ،الطبعة: الأولى، 1430  هـ- 2009 م (4/ 256) حديث (2614)


[24] سنن ابن ماجة ابن ماجة أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني، وماجة اسم أبيه يزيد (ت: 273 هـ) تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء الكتب العربية، فيصل عيسى البابي الحلبي، (2/948) حديث (2842) وقال الألباني: "حسن صحيح"


[25] الموطأ، لمالك بن أنس بن مالك بن عامر الأصبحي المدني (ت: 179 هـ)، تحقيق : محمد مصطفى الأعظمي، مؤسسة زايد بن سلطان آل نهيان للأعمال الخيرية والإنسانية، أبو ظبي، الإمارات، ط 1( 1425 هـ- 2004 م) (3/ 635) (1627)


[26] نحو رؤية إسلامية في القانون الدولي الإنساني، د/ محمد الدسوقي، بحث منشور ضمن أعداد سلسلة " قضايا إسلامية " والتي يصدرها المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، بوزارة الأوقاف المصرية، العدد (156) (1429 هـ- 2008 م)


[27] الكامل في التاريخ، لأبي الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري، عز الدين ابن الأثير (ت: 630 هـ) تحقيق : عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، ط 1(1417 هـ- 1997 م) (8/ 425)


[28] المصنف، لأبي بكر عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري اليماني الصنعاني (ت: 211 هـ) تحقيق : حبيب الرحمن الأعظمي، الناشر: المجلس العلمي ،الهند، يطلب من: المكتب الإسلامي، بيروت، ط 2 ( 1430 هـ) والمسند ،لأبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني (ت: 241 هـ) تحقيق : شعيب الأرنؤوط، وأخرون إشراف : د عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، ط 1( 1421 هـ- 2001 م ) (25/371) حديث (15992) وقال الشيخ الأرنؤوط :" صحيح لغيره، وذلك إسناد حسن


[29] السنن الكبرى، لأحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخسروجردي الخراساني، أبو بكر البيهقي (ت: 458 هـ) تحقيق :محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط 3(1424 هـ- 2003 م) (9/132) حديث (18089)


[30] نظرية الحرب في الإسلام، للشيخ : محمد أبو زهرة، ص 62.


[31] السابق، ص 62، 63.


[32] نحو رؤية إسلامية في القانون الدولي الإنساني، د/ محمد الدسوقي ص 57، والآية من سورة : الأنفال: (58).


[33] أخرجه أحمد في المسند (38/136)حديث (23030) وقال الشيخ شعيب الأرتؤوط: " إسناده صحيح على شرط مسلم "


[34] نحو رؤية إسلامية في القانون الدولي الإنساني، د/ محمد الدسوقي ص 60.


[35] السابق، ص 86


[36] سورة : الإسراء: (5).


[37] العقد الفريد، لأبي عمر، شهاب الدين أحمد بن محمد بن عبد ربه ابن حبيب ابن حدير بن سالم المعروف بابن عبد ربه الأندلسي (ت: 328  هـ) دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1(1404 هـ)، (1/118) .


[38] العقد الفريد، لابن عبد ربه (1/ 118).


[39] رد المحتار على الدر المختار، لابن عابدين، محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز عابدين الدمشقي الحنفي (ت: 1252 هـ) دار الفكر، بيروت، ط 2 ( 1412 هـ- 1992 م) (2/ 314)


[40] رد المحتار على الدر المختار، لابن عابدين، (2/315).


[41] المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية، د/عبد الكريم زيدان، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، ط 1( 1433 هـ - 2012 م) ص 425.

[42] معضلة العنف ..رؤية إسلامية، أبو زيد المقرئ الإدريسي، بحث منشور ضمن أعداد سلسلة " قضايا إسلامية " والتي يصدرها المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، بوزارة الأوقاف المصرية، العدد (218) (1434 هـ- 2013 م) ص 88.

[43] أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب : البر والصلة والآداب، باب : فضل من يملك نفسه عند الغضب، وبأي شيء يذهب الغضب (4/2014)حديث (2608).

[44] وقد وردت في ذلك المعنى آيات كثيرة قال (فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ) (الحجر: 85) (وإنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ ولَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ ) (النحل: 126).

[45] العلاقات الدولية في الإسلام، للشيخ : محمد أبو زهرة، ص 27،28 .

[46] السيرة النبوية وأخبار الخلفاء، لمحمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن معبد، التميمي، أبو حاتم، الدارمي، البستي (ت: 354 هـ) صححه، وعلق عليه الحافظ السيد عزيز بك وجماعة من العلماء، دار الكتب الثقافية ،بيروت، ط 3 (1417 هـ) (1/337)

[47] الشفا بتعريف حقوق المصطفى، لأبي الفضل عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي السبتي، (ت: 544 هـ) دار الفيحاء، عمان، ط 2 (1407 هـ) (2/ 228)

[48] العلاقات الدولية في الإسلام، محمد أبو زهرة، ص 28 .

[49] فتوح البلدان، لأحمد بن يحيى بن جابر بن داود البلاذري(ت: 279 هـ) دار ومكتبة الهلال، بيروت، ط 1 (1988 م) (1/423) والبد في كتب العرب يعني: صنم بوذا أو كل ما يعبد، جاء في لسان العرب: " البد: الصنم نفسه الذي يعبد لا أصل له في اللغة، وهو فارسي معرب، والجمع البددة " انظر لسان العرب، لابن منظور (3/ 82)

[50] التاريخ السياسي للدولة العربية، د/ عبد المنعم ماجد، (2/ 231)

[51] النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية (سيرة صلاح الدين الأيوبي)، ليوسف بن رافع بن تميم بن عتبة الأسدي الموصلي، أبو المحاسن، بهاء الدين ابن شداد (ت: 632 هـ) تحقيق: الدكتور جمال الدين الشيال، الناشر : مكتبة الخانجي، القاهرة، ط 2 ( 1415 هـ- 1994)  (1/240) .

الكرامة الإنسانية في ضوء التشريع الإسلامي د. ماهر أحمد السوسي

الكرامة الإنسانية

في ضوء التشريع الإسلامي

تقديم

د. ماهر أحمد السوسي

أستاذ الفقه المقارن وعميد كلية الشريعة والقانون

بالجامعة الإسلامية غزة

ملخص البحث:

بحث الكرامة الإنسانية في التشريع الإسلامي يسلط الضوء على نصوص الكتاب والسنة وأقوال علماء المسلمين، بخصوص التعرف على المظاهر الدالة على احترام كرامة الإنسان في الشريعة الإسلامية، ومدى اهتمام الإسلام بهذا الأمر، وقد خلص البحث في هذا المجال إلى سعة وشمول نطاق النصوص التي تقرر احترام كرامة الإنسان، وعدم امتهانه أو إذلاله بحال من الأحوال، فالإنسان في الإسلام هو خليفة الله على الأرض، وقد وردت النصوص صريحة في كونه مخلوقا مكرما، وكذلك ما جاء من النصوص التي تكفل له حقه في الحياة وسلامة جسده، وحقه في الحرية والمساواة، واحترام إرادته وعقله وفكره، وكذلك النصوص التي جاءت لتبين أن الإنسان في الإسلام مكرم حتى بعد وفاته.

إن هذا كله يبين بوضوح مدى اتساع نطاق الكرامة الإنسانية في الإسلام، وأنها تشمل كل مراحل حياته، وتستوعب كل حقوقه المتقررة له شرعا، مع العلم بأن الأمر لم يقف عند تقرير الإسلام للنصوص الدالة على كرامة الإنسان؛ بل إنه أوجد من المؤيدات الشرعية التي تحمي هذا الحق، وتحفظه من الاعتداء عليه.


ABSTRACT

Search human dignity in Islamic legislation sheds light on the texts of the Quran Sunnah and sayings of Muslim Scholars, regarding the identification of the function on the respect for human dignity in Islamic law manifestations, and the attention span of Islam in this matter, it concluded research in this filed to the capacity and coverage of the texts the scope of which was decided to respect the dignity human, and not humiliate him in any way, man in Islam is the successor of Allah on earth, has received texts explicit in being a creature honored, as well as what came from the texts which guarantees him the right to life and safety of his body, and the right to freedom, equality, and respect for the will and mind The idea, as well as the texts that came to show that the rights in Islam respect even after his death.

All this clearly shows the breadth of human dignity in Islam, and that it include all stages of his life, and accommodate all his rights legally; with the knowledge that it did not stop at the report of Islam texts function of human dignity; it created legitimacy supporters that protect this right, and reservation of assaulting him.


المقدمة:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وخاتم الأنبياء كلهم أجمعين، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد.

فإن حكمة الله تعالى قد اقتضت أن يكون الإنسان سيد هذا الكون، وأن يتربع على عرش المخلوقات فيه، وأن يكون كل ما في الكون مسخرا لخدمته، ومذللا له، وفي هذا قال الحق عز وجل: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ) ([1])، وقال تعالى (وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) ([2])، وقوله أيضا: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ) ([3])، فالمتأمل لهذه الآيات - وغيرها كثير في القرآن الكريم - يجد أنها بمجموعها تدلل على أن الله تعالى قد خلق كل شيء في هذا الكون، وجعله مسخرا لخدمة الإنسان.

وإن دل هذا الأمر على شيء؛ فإنه يدل على ما للإنسان من مكانة مرموقة، ومنزلة فاضلة عند خالقه، الذي وهبه من النعم ما لم يهبه لغيره من المخلوقات: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) ([4]).

وفي هذا البحث المقدم إلى مؤتمر (القانون الدولي الإنساني في ضوء الشريعة الإسلامية - ضمانات التطبيق والتحديات المعاصرة) الذي أقامته كلية الشريعة والقانون بالجامعة الإسلامية، بالاشتراك مع المؤسسة الدولية للصليب الأحمر، سأحاول بيان مظاهر تكريم الإسلام للإنسان، من خلال استقراء الأدلة الشرعية الدالة على ذلك؛ كي يمكننا تعزيز كل التشريعات والنظم التي تهدف إلى احترام الإنسان، وإنزاله منزلته التي أرادها الله تعالى، ونصرة الضعفاء من البشر، الذين قد تستباح إنسانيتهم لأسباب كثيرة، أهمها: المصالح الآنية، والعنصرية، والأهواء والشهوات: وقد تناولت هذا الموضوع بشيء من التأصيل الشرعي، حسب الترتيب التالي:


أولا: أهمية البحث:


ترجع أهمية البحث؛ إلى أنه يسلط الضوء على ما تقرر في الشريعة الإسلامية من مظاهر احترام الكرامة الإنسانية، ومدى شمول هذه المظاهر وتغلغلها في ثنايا التشريع كله أجمع بما يحتويه من: قواعد ومبادئ وأسس وأصول وفروع.


ثانيا: أهداف البحث: يهدف البحث إلى:


بيان منزلة الإنسان في التراث التشريعي الإسلامي، ومدى احترام المشرع له.

كيف حافظ على كل الأحكام الدالة على الكرامة الإنسانية؛ فوضع لها المؤيدات التشريعية التي تحفظها؛ ومنع من الاعتداء عليها، مع معاقبة المعتدي.

بيان شمول التشريع الإسلامي في ضمان كرامة الإنسان.

ثالثا: مشكلة البحث:


افترض الباحث أن هناك اتهام للتشريع الإسلامي بقصوره وتخلفه عن التشريعات القانونية الأخرى في مجال القواعد التي نصت على حق الكرامة الإنسانية، وما يتوصل به إلى تلك القواعد، والحفاظ على مقرراتها في هذا المجال.


رابعا: أسئلة البحث:


السؤال الرئيس في هذا الموضوع هو: هل تضمنت نصوص التشريع الإسلامي على اختلافها ما يضمن الحفاظ على الكرامة الإنسانية واحترام إنسانية الإنسان؟


وقد تفرعت عن هذا السؤال مجموعة من الأسئلة مثل:


هل كفل الإسلام حق الإنسان في الحياة؟.

هل كفل الإسلام حق الإنسان في سلامة جسده؟

هل كفل الإسلام حق الإنسان في الحرية؟

هل كفل الإسلام حق الإنسان في الفكر والعقيدة؟

هل كفل الإسلام حق الإنسان في العدل والمساواة؟

خامسا: منهج البحث:


إن المنهج (الاستقرائي التحليلي) هو المنهج الأمثل في مثل هذه البحوث، حيث سيتم استقراء الشواهد والأدلة من التشريع الإسلامي المتعلقة بموضوع البحث، ومن ثم تحليلها والتوصل إلى هدف البحث منها.


سادسا: خطة البحث:


تناول هذا البحث موضوعه على النحو التالي:


المبحث الأول: أسس تكريم الإنسان في الإسلام:


المطلب الأول: القاعدة العامة في تكريم الإنسان.


المطلب الثاني: طبيعة وظيفة الإنسان على الأرض.


المبحث الثاني: المظاهر التشريعية لتكريم الله - تعالى- للإنسان


المطلب الأول: حق الإنسان في الحياة.


المطلب الثاني: حق الإنسان في سلامة جسده.


المطلب الثالث: حق الإنسان في الحرية.


المطلب الرابع: حق الإنسان في العدل والمساواة.


المبحث الثالث: احترام إرادة الإنسان وفكره ودلالتهما على تكريمه


المطلب الأول: احترام عقل الإنسان وفكره.


المطلب الثاني: احترام إرادة الإنسان.


المبحث الرابع: احترام الإنسان حتى بعد وفاته.


أهم النتائج والتوصيات


قائمة المراجع


 


المبحث الأول: أسس تكريم الإنسان في الإسلام


المطلب الأول: القاعدة العامة في تكريم الإنسان


قضت تشريعات الإسلام: بان الإنسان مخلوق مكرم، وهذه قاعدة عامة في الإسلام، حيث كل تشريعاته المتعلقة بالإنسان تتوافق مع هذه القاعدة، ولا تتناقض معها؛ بل إن كل ما يناقض هذه القاعدة من تشريعات تنشأ عن اجتهاد المجتهدين؛ تكون غير مشروعة؛ ذلك أنها تولد مخالفة لشرع الله تعالى، ومعلوم أن كل ما ناقض الشرع؛ فهو باطل، كما ورد عن الإمام الشاطبي - رحمه الله تعالى - في كتابه الموافقات ([5])، حيث استفاد ذلك من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل عمل ليس عليه أمرنا هذا فهو باطل "([6]).


والقاعدة العامة في تكريم الإنسان مستمدة من قول الحق عز وجل: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) ([7]).


هذا نص صريح من الله تعالى، بين فيه تكريم الإنسان، والناظر في هذا النص يرى أنه يتحدث عن مطلق (إنسان) دون تمييز: بجنس أو لون أو عرق، أو أي داع من دواعي التمييز التي يعرفها البشر، حيث كل ابن آدم هو إنسان كما هو مسلم به.


وعلى ذلك، فكل إنسان مكرم عند الله تعالى، لا فرق بين إنسان وإنسان إلا بالتقوى، كما بين الحق عز وجل بقوله: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) ([8])، حيث التقوى متاحة لجميع الناس، كل من أراد أن يتقي الله يمكنه ذلك، وهذا قمة العدل؛ بل هو العدل المطلق، حيث جعل الله تعالى ميزان التفاضل بين الناس أمرا يستطيعه الجميع، غير مقصور على فئة من الناس، ولا عجب في ذلك، ففي كل التشريعات حتى الوضعية منها، لا بد من تفضيل بين الناس، فكل تشريع يسعى إلى تحقيق المواطن الصالح، وهو في نظر التشريعات الوضعية الأكثر التزاما بالقانون.


المطلب الثاني: طبيعة وظيفة الإنسان على الأرض:


الإنسان هو خليفة الله - عز وجل - على الأرض، وفي ذلك قال الحق عز وجل: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) ([9])، جاء في تفسير القرطبي في شرح هذه الآية نقلا عن ابن عباس وابن مسعود، وجميع أهل التأويل: أن المقصود بقوله خليفة هو (آدم) عليه السلام -، أبو البشر، فهو خليفة الله - عز وجل - على الأرض، يخلفه في تنفيذ أحكام شرعه ([10])، وإذا كان الأمر كذلك فإن كل رسول هو خليفة، كما جاء في قوله تعالى في حق داود - عليه السلام - (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ) ([11])، وإذا كان البشر جميعا مكلفون بالحكم أو الاحتكام إلى شرع الله تعالى، فهم خلفاء له عز وجل.


وإن دل هذا على شيء، فإنه يدل على ما لهذا الإنسان من شرف، إذ شرفه الله تعالى بخلافته، ولما كان الله تعالى في حس كل الموحدين هو الإله، وهو الخالق وهو الأعظم، وهو المتصف بصفات الكمال؛ إذا لابد أن يكون خليفته صاحب شرف عظيم، يستمد شرفه من شرفه، بما يناسب بشريته، وعدم عصمته.



المبحث الثاني: المظاهر التشريعية لتكريم الله -تعالى - للإنسان


المطلب الأول: حق الإنسان في الحياة


من مظاهر تكريم الله تعالى للإنسان: أنه وهبه الحياة، وهي كسائر الحقوق لم يكتف الحق عز وجل بأن أنعم على الإنسان بها؛ بل إنه تكفل بحفظها، ووضع التشريعات التي تمنع الاعتداء عليها؛ بل حرم ذلك، وذلك على النحو التالي:


أمر الله تعالى الإنسان بالحفاظ على حياته:


أمر الله تعالى الإنسان بالمحافظة على حياته، وأوجد له مقومات ذلك، والأدلة على ذلك كثيرة أذكر منها:


قوله تعالى: (يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) ([12])، فالآية اشتملت على أمرين ونهي على النحو التالي:


مرت بأخذ الزينة، والمقصود بالزينة هنا، ما يتزين به الإنسان من الملابس التي تقيه برد الشتاء وحر الصيف، وهذا يعني: أن الآية أمرت الإنسان بوقاية نفسه من مظاهر الطبيعة التي قد تلحق به الضرر، وتؤثر في استقامة حياته ([13]).

كما أمرت الآية بالأكل والشرب، ومعلوم أنهما من مقومات حياة الإنسان التي لا تستقيم بدونهما.

نهت عن الإسراف، ومعلوم طبيا ما للإسراف في الطعام والشراب من مضار: تعود على صحة الإنسان؛ بل قد تكون مهلكة له، ناهيك عن الأمراض المزمنة التي يصاب بها نتيجة الإسراف في الطعام والشراب.

قوله تعالى: (وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ) ([14])، والسرابيل: هي اسم لنوع من الملابس أو الدروع، وفي الآية امتن الله تعالى على الإنسان بأن أنعم عليه بهذه الملابس والدروع، التي يحافظ من خلالها على نفسه من الحر والبرد، والتي تقيه من سلاح العدو في المعركة؛ فيحفظ بها حياته ([15]).


قول الله تعالى: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) ([16])، منع الله الإنسان صراحة في هذه الآية من أن يلقي نفسه بنفسه إلى التهلكة، وقد جاء في تفسير (الماوردي) ([17]) أن من تأويلات هذه الآية (ألا تخرجوا للسفر من غير زاد فتهلكوا).


قول الله تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) ([18])، أي: لا يجوز لكم أن تقتلوا أنفسكم بالآثام والمعاصي ([19])، والملاحظ هنا أن الإسلام أمر بالحفاظ على حياة الإنسان في الدنيا وفي الآخرة؛ لأنه ينشد له الحياة الكريمة دائما.


قوله صلى الله عليه وسلم: لكل داء دواء فتداووا ولا تداووا بحرام "([20])، فقد روى الترمذي عن أسامة بن شريك قال قالت الأعراب: ألا نتداوى يا رسول الله؟ قال:" نعم. يا عباد الله تداووا فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء أو دواء إلا داء واحد" قالوا: يا رسول الله وما هو؟ قال:" الهرم ([21])" فالحديثان صريحان في مداواة النفس من الأسقام التي تصيبها، وإن كان ذلك لشيء؛ فلا يكون إلا من أجل المحافظة على النفس من الهلاك، وإبقاء على حياتها.



حرم الله تعالى الاعتداء على حياة الناس وجعل ذلك جريمة:


والأدلة على تحريم الاعتداء على الحياة ما يلي:


قوله تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) ([22]).

قوله تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) ([23]).

قوله تعالى: (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا) ([24]).

قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يحل دم امرء مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينة المفارق للجماعة "([25]).

هذا والناظر في الآيتين الأوليين يجد فيهما نهيا عن قتل النفس، والنهي في الراجح عند الأصوليين يفيد التحريم؛ إذا لم يصرفه صارف عن ذلك ([26]) ولا صارف هنا عن التحريم.


وفي الآية الثالثة بين الحق سبحانه وتعالى أن من قتل نفسا واحدة فكأنما قتل الناس جميعا، وفيه دلالة على خطر القتل، وسوء عاقبته.


وفي الحديث بيان بعدم جواز قتل النفس إلا بما يسوغه الشرع؛ وهو القتل العمد، والزاني المحصن، والردة عن الإسلام، وعليه فإن قتلها بدون هذا المسوغ؛ حرام يخالف ما أباحه الله تعالى.



شرع الله تعالى عقوبة لمن يقتل النفس الإنسانية:


ويدل على ذلك ما يلي:


قوله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) ([27])، والقصاص هو قتل القاتل العمد إلا أن يعفو أولياء الدم عن ذلك ([28]).

قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى) ([29])، والنص واضح: في أن القاتل يفعل به مثل ما فعل في المقتول، وهذا فرض، حيث (كتب) في عرف الشرع بمعنى (فرض) ([30]).

قوله تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) ([31])، فالنص غاية في الوضوح في ترتيب عقوبة القاتل العمد.

وغير ذلك كثير من النصوص التي بينت عقوبة من يعتدي على حياة غيره من البشر.



المطلب الثاني: حق الإنسان في سلامة جسده:


إن الله تعالى قد خلق الإنسان في أحسن تقويم، حيث قال عز وجل: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) ([32])، وهذا يعني: أنه خلقه في أحسن صورة، وأبهى منظر؛ وهذا مظهر من مظاهر تفضيل الإنسان وتكريمه على غيره من المخلوقات الأخرى، فالإنسان يمشي على رجلين، وغيره من المخلوقات إما أن يزحف على بطنه، وإما أن يمشي على أربع، قال الله تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ([33])، والناظر إلى هذا الخلق يجد أن الذي يزحف على بطنه، والذي يمشي على أربع وجهه أقرب إلى الأرض، وهو ألصق بها، أما الإنسان الذي يمشي على رجلين، فهو أقرب إلى السماء، وهذا يعني سمو الإنسان، ورقيه على تلك المخلوقات جميعا؛ وهذا فيه تفضيل للإنسان وتكريم له إيما تكريم.


ولكي يبقى الإنسان في أحسن تقويم؛ منع الله سبحانه وتعالى الاعتداء على جسده، وإيذائه فيه، سواء أكان بالضرب، أم الجرح، أم القطع، أم التشويه، أم التقبيح، أم بأي نوع من أنواع الأذى المادي أو المعنوي، وقد جاءت نصوص كثيرة في الشريعة الإسلامية تبين ذلك كله أجمع؛ حفاظا على الكيان المادي لهذا الإنسان، وإبقاء له على الصورة الحسنة التي خلقه الله تعالى عليها، ومن هذه النصوص ما يلي:


قوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ) ([34])، بينت الآية أن الاعتداء على أي عضو من أعضاء الإنسان إنما هو جريمة يعاقب عليها بالقصاص، حيث ذكرت الآية تحريم الاعتداء على: العين والأنف والأذن، ثم ذكرت أيضا تحريم جرح أي إنسان، حيث قالت: (والجروح قصاص) ([35]).

قوله تعالى: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) ([36])، حيث أباح النص: رد الاعتداء باعتداء مثله، والاعتداء المذكور في النص هو اعتداء مطلق، والاعتداء على أعضاء الإنسان: بالقطع أو الجرح، أو الضرب هو اعتداء، وذلك يبيح الرد بالمثل كما ورد صريحا في النص السابق، وكما فهم الفقهاء حينما اعتمدوه في عقوبة الاعتداء على ما دون النفس ([37]).

عن النبي صلى الله عليه وسلم: "فإنه قد دنا مني خفوق من بين أظهركم فمن شتمت له عرضاً فهذا عرضي، ومن ضربت له ظهراً فهذا ظهري فليستقد منه"([38])، والحديث صريح في تحريم الضرب والتعذيب بدون وجه حق، حيث قرر النبي صلى الله عليه وسلم مبدأ القصاص ولو من نفسه، والقصاص لا يكون إلا عقوبة على جريمة.

جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: "ظهر المؤمن حمى إلا في حد من حدود الله تعالى "([39])، وهذا يعني تحريم التعذيب بكل أشكاله حتى وإن كان الشخص متهما، ثم أكد عمر رضي الله عنه هذا المعنى بقوله: "إني لا أبعث عمالي ليضربوا أبشاركم ولا ليأخذوا أموالكم ([40]).

ما جاء عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه رداً على عدي بن أرطاة الذي كتب يستأذنه في ضرب من امتنع عن دفع الخراج، فقال له: "العجب كل العجب من استئذانك إياي في عذاب البشر: كأني جنة لك من عذاب الله، أو كأن رضاي ينجيك من سخط الله، إذا أتاك كتابي هذا فمن أعطاك ما قبله - من الخراج - عفوا - أي: سهلا من غير تعذيب؛ فخذه وإلا أي: أن ادعى الفلس؛ فأحلفه، فوالله لأن يلقون الله بجناياتهم أحب إلي من أن ألقاه بعذابهم" ([41]). وفي ذلك نهي صريح عن ضرب حتى من كان يظن أنه مقصرا في حقوق الدولة.

ومن دلالات هذا أن يبقى الإنسان سالما من الإيذاء، فيبقى جسده في أحسن تقويم، حتى يستطيع أن يؤدي وظائفه على خير وجه؛ ذلك إن تعطيل عضو من أعضاء الإنسان يعيقه على أداء عمله الذي يؤديه بذلك العضو، ثم إن ذلك يسبب له ألما نفسيا حيث إنه يشعره بالنقص عن غيره.


ثم إن كون الإنسان في أحسن تقويم يساعده على الإتقان في كل شيء، ألا ترى أن الإنسان يمكنه أن يشبع غريزته مع أي إنسان آخر، بغض النظر عن قبحه أو جماله، ولكن الإنسان أذكراً كان أم أنثى يحب دائما أن يقترن بالأجمل، حتى إذا ما أشبع غريزته معه يكون ذلك عن دافع التمتع بهذا الجمال، ومن ثم فإن شريكه إن كان يتمتع بقدر من الجمال؛ فإنه يمنعه من قضاء وطره في غير ما أحل الله له.



المطلب الثالث: حق الإنسان في الحرية:


إن الإسلام كفل للإنسان حقه في الحرية؛ بل إنه جعل الحرية بمنزلة الحياة؛ تأكيدا على منزلتها في الإسلام، وتحريضا على حفظ هذا الحق على الناس وعدم مصادرته. ومن النصوص الدالة على ذلك ما يلي:


قال تعالى: (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) ([42])، قرر النص أن من أحيا نفسا؛ فقد أحيا الناس جميعا، والمقصود هنا بإحياء النفس هو تحرير عبد مسترق، حيث الرق عند الفقهاء هو موت حكمي، ومن أعتقه يكون قد أحياه من ذلك الموت ([43]).

قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيعتقه" ([44])، أفاد الحديث الشريف أن الولد لا يمكن أن يكافئ والده الذي كان سببا في إيجاده في هذه الحياة، إلا أن يعيد له حريته، حيث الحرية في الإسلام وحدها هي التي تساوي الحياة.

وإن دل هذا على شيء، فإنه يدل على مدى حرص الإسلام على حرية الإنسان، تلك الحرية التي تجعل الإنسان أكثر أمنا واطمئنانا، وأكثر انطلاقا في تأدية واجباته، والقيام بوظائفه الاجتماعية.




المطلب الرابع: حق الإنسان في العدل والمساواة:

العدل والمساواة في الإسلام أساس قامت عليهما علاقات الدولة الإسلامية الخارجية، ومبدأ تعاملت به الدولة مع رعاياها في الداخل ([45])، ومما يدل على ذلك ما يلي:


قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) ([46])، وقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) ([47])، جاءت الآيات مخاطبة جميع الناس بأنهم صدروا جميعا من مصدر واحد، وأنهم جميعا خلق الله تعالى، فإذا كان الأمر كذلك فلا داعي للتفاضل بينهم بحال من الأحوال فيما لا سلطان لهم عليه، وقد أكد ذلك:

قول النبي صلى الله عليه وسلم: "كلكم لآدم، وآدم من تراب، لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي، ولا لأبيض على أحمر، ولا لأحمر على أبيض إلا بالتقوى..." ([48]).

قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) ([49])، أمر صريح وواضح بوجوب العدل، والأمر للناس جميعا.

قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) ([50])، خطاب موجه إلى الحكام بضرورة العدل، باعتباره واجبا شرعيا عليهم.

أمر عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه بسحب جيش المسلمين من مدينة سمرقند حيث إن المسلمين قد دخلوها عنوة، ولم يعاملوا أهلها كما يعاملون غيرهم من الناس.

أمر عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - أحد ولاته على الشام أن يرد كنيسة استولى عليها من أصحابها وحولها إلى مسجد أمره أن يردها لهم.

رفض عمر بن الخطاب رضي الله عنه الصلاة في كنيسة القيامة حينما فتح القدس لئلا يتخذها المسلمون مصلى لهم.

حينما تنازع يهودي مع مشرك، واقترح المشرك أن يتحاكما إلى حيي بن أخطب من اليهود، رفض اليهودي ذلك، وطلب التحكيم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلل اليهودي ذلك؛ بأن محمداً صلى الله عليه وسلم يحكم بالعدل، وأما حيي بن أخطب؛ فإنه يقبل الرشوة.

المبحث الثالث: احترام إرادة الإنسان وفكره ودلالتهما على تكريمه


المطلب الأول: احترام عقل الإنسان وفكره


إن الله تعالى كرم الإنسان بالعقل، وميزه به، وحرص الإسلام كثيرا على احترام عقل الإنسان وسلامته من كل ما يشوبه من: جهل وخرافة، وعلمه كيف يقابل الحجة بالحجة، وألا يقول إلا ببرهان ودليل، ووجهه الوجهة التي يمكن أن يستغل من خلالها طاقته العقلية دونما أن تهدر أو تضيع سدى، ومن ذلك ما يلي:


قول الله تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) ([51])، قررت الآية: أنه لا إكراه في الدين، حيث أصبح الفرق بين الهدى والضلال واضحا، وبإمكان الإنسان أن يعقل ذلك، وأن الإكراه على الإيمان هو ضرب من ضروب الهوى الذي لا يفيد شيئا، وهو مظهر من مظاهر الحجر على العقل، وهذا ما جات الآية بخلافه ([52]).

قوله تعالى: (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ...) ([53]) في كثير من مواضع القرآن الكريم، وكان ذلك بعد دعاوى يدعيها الكافرون، فعلمهم وجوب احترام عقول الناس عن طريق تقديم الدليل على كل دعوى.

قوله تعالى: (هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) ([54])، فالآية بينت ضرورة التحري عند أي دعوى، وذلك يكون بالدليل البين الواضح الذي وسيلته العقل.

وكذلك قوله - تعالى - ردا على من قاموا بنشر حديث الإفك: (لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ) ([55])، أي: أنه كان ينبغي عليهم أن يؤكدوا دعواهم تلك بالدليل وألا يستخفوا بعقول الناس.

ما جاء من قول النبي صلى الله عليه وسلم، "تفكروا في خلق الله ولا تتفكروا في ذات الله "([56]) ففي هذا الحديث: دليل على وجوب الحفاظ على الطاقة العقلية من الإهدار، حيث نهى عن التفكر في المغيبات ومنها ذات الله تعالى؛ لأن العقل لا يستطيع أن ينتج إلا إذا عمل فيما يشاهد أو يحس، حيث المعرفة مبنية دائما على استنتاجات من: خبرات وتجارب سابقة.


المطلب الثاني: احترام إرادة الإنسان


احترم الإسلام اختيار الإنسان وإرادته، ولم يكرهه على ما لا يرضى، سواء أكان ذلك في جانب العبادات أو المعاملات، وقد بينا قبل ذلك: كيف أن الإسلام منع الإكراه في الدين، ونبين هنا بالدليل: كيف أن الإسلام احترم إرادة الإنسان التعاقدية، وذلك:


عن ابن بريدة عن أبيه قال: "جاءت فتاة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: إن أبي زوجني أبن أخيه، ليرفع بي خسيسته، قال، فجعل الأمر إليها، فقالت: قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن تعلم النساء أن ليس إلى الإباء من الأمر شيء" ([57])، فذلك صريح في احترام حرية تلك المرأة التعاقدية، واحترام إرادتها في الزواج مما ترغب.

قرر الفقهاء: أن الرضا هو روح أي عقد من العقود، والإكراه على إبرام أي عقد العقد يبطله ([58]).

وقد أكد ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه "([59]) فهو صريح في رفع أي حكم يترتب على الإنسان بغير إرادته،


المبحث الرابع: كرامة الإنسان ميتاً:


كل ما ذكرناه سابقا: يدلل على تكريم الإسلام للإنسان حيا، ويقي أن نشير إلى كرامة الإنسان ميتا، حيث التفت الإسلام إلى هذا الجانب، والأدلة على ذلك هي:


قول الله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ) ([60])، واللفظ في الآية عام، بمعنى: أنه يعم كل بني آدم في حياتهم، وفي مماتهم وفي كل الأحوال والظروف التي تعرض لهم، بغض النظر عن جنسهم أو دينهم أو أي سبب من أسباب التمييز، كما بينا من قبل، وأنه لا دليل على تخصيص الآية بالأحياء من بني آدم فقط.

قول النبي صلى الله عليه وسلم: "كسر عظم الميت ككسره حيا في الإثم " ([61])، إذا كان من المعلوم: أن الشرع حرم الاعتداء على جسد الإنسان الحي، وقرر وجوب سلامته كما بينا سابقا، فإن هذا الحديث: يدل على حرمة الاعتداء على الميت، وإن عقوبة كسر عظمه هي القصاص تماما، كعقوبة كسر عظم الحي.

نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن التمثيل بالجثث: حيث روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من مثل بذي روح؛ مثل الله به يوم القيامة " ([62]) ثم ما ورد من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان دائما يوصي قواده على الجيش بمجموعة وصايا منها: "ولا تمثلوا"، أي: لا تعتدوا على الأموات بتشويه جثثهم حتى وإن كانوا أعداءكم.

كما قرر بعض الفقهاء أنه لو مات إنسان ودفن دون أن يغسل ويكفن، فإنه لا يجوز نبش قبره؛ من أجل تغسيله وتكفينه ([63]).


أهم النتائج:


بعد استعراض أدبيات هذا الموضوع فإنه يمكن للباحث استخلاص النتائج التالية:


حرص الإسلام حرصا شديدا على تكريم الإنسان، وجعله متربعا على عرش المخلوقات، وتوجه سيدا لهذا الكون.

دل البحث وبوضوح على سعة نطاق تكريم الإنسان في الإسلام، وأن هذا التكريم لم يكن حال حياة الإنسان فقط؛ بل كان حال حياته وبعد وفاته، وإن هذا التكريم تمثل في صورة مجموعة كبيرة من الحقوق التي منحها الإسلام للإنسان، والتي كانت لازمة من لوازم عيشه الكريم: كحق الحياة والحرية والعدل والمساواة...الخ.

لم يكتف الإسلام بتقرير مجموع الحقوق التي تحفظ كرامة الإنسان؛ بل إنه شرع مجموعة من العقوبات الدنيوية والأخروية؛ لمنع الاعتداء على هذه الحقوق، ومن ثم إذلال الإنسان وهدر كرامته.

يظهر من خلال البحث: كيف حرص المسلمون الأوائل على الحفاظ على كرامة الإنسان بغض النظر عن: جنسه أو لونه أو لسانه أو دينه.

إن كل أحكام التشريع الإسلامي جاءت منسجمة مع ما تقرر في هذا التشريع من الحفاظ على كرامة الإنسان ولا تناقض في هذا الأمر.

إن شمول نطاق الكرامة الإنسانية في الإسلام يعتبر حاكما على كل: السلوكيات والتصرفات الاجتهادية عند الاجتهاد في النوازل الحادثة، بحيث لا يمكن تقرير حكم لها يكون فيه امتهان لكرامة الإنسان.

 



قائمة المراجع:


أحمد: أبو عبد الله بن محمد بن حنبل، ت241هـ، مسند الإمام أحمد بن حنبل، ط1، 1416هـ 1995م، دار الحديث، القاهرة.

البزار: أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق، بن خلاد، ت292هـ، مسند البزار، ط1988م، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة.

البغوي: أبو محمد الحسين بن مسعود، معالم التنزيل في تفسير القرآن، المعروف ب(تفسير البغوي)، ط1، 1420، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

البيهقي: أحمد بن الحسين بن علي، السنن الكبرى، ط3، 1424هـ، 2003م، دار الكتب العلمية، بيروت.

الترمذي: محمد بن عيسى بن سورة، سنن الترمذي، ط2، 1395هـ 1975م، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر.

عبد الجبار: صهيب، الجامع الصحيح للسنن والمسانيد،

ابن الجوزي: مناقب عمر بن عبد العزيز

ابن حبان: محمد بن حبان بن أحمد، صحيح ابن حبان، ط1، 1408هـ 1988م، مؤسسة الرسالة، بيروت.

الخطيب: شمس الدين محمد بن أحمد، مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج، ط1، 1415هـ 1994، دار الكتب العلمية.

أبو داود: سليمان بن الأشعث بن سليمان، سنن أبي داوود، المكتبة العصرية، صيدا.

الدريني: محمد فتحي، خصائص التشريع الإسلامي في السياسة والحكم، ط1، دار الكتب العلمية.

الرملي: شمس الدين محمد بن أبي لعباس، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، دار الفكر، بيروت.

الزرقا: المدخل للفقه الإسلامي.

الشاطبي: إبراهيم بن موسى بن محمد، الموافقات، ط1، 1417هـ 1997م، دار ابن عفان.

الطبراني: سليمان بن أحمد بن أيوب، المعجم الأوسط، دار الحرمين، القاهرة.

ابن عابدين: محمد بن عمر بن عبد العزيز، حاشية رد المحتار على الدر المختار، ط2، 1442هـ 1992م، دار الفكر، بيروت.

القرطبي: أبو عبد الله محمد بن أحمد، الجامع لعلوم القرآن، ط2، 1384 ، 1964م، دار الكتب العلمية، القاهرة.

الكاساني: علاء الدين أبو بكر بن مسعود، ت587هـ، البدائع في ترتيب الشرائع، ط2، 1406هـ 1986م مدار الكتب العلمية.

ابن كثير: أبو الفداء إسماعيل بن عمر، ت774هـ، تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)، ط2، 1420هـ 1999م، دار طيبة، للنشر والتوزيع.

الماوردي: أبو الحسن علي بن محمد بن محمد، ت450هـ، تفسير الماوردي (النكت والعيون)، دار الكتب العلمية، بيروت.

ابن ماجة: أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني، ت273هـ، سنن ابن ماجة، دار إحياء الكتب العربية، مصر.

مسلم: أبو الحسن بن الحجاج القشيري، ت261هـ صحيح مسلم، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

النسفي: عبد الله بن أحمد بن محمود، ت710هـ، تفسير النسفي، ط1، 1419هـ 1998م، دار الكلم الطيب، بيروت.

 


هذا، وبالله التوفيق


[1] سورة إبراهيم، آية 32.


[2] سورة إبراهيم، الآية 33.


[3] سورة الحج، الآية 85.


[4] سورة إبراهيم، الآية 34.


[5] الشاطبي: الموافقات، 3/45.


[6] صحيح البخاري، 3/69، 3/184.


[7] سورة الإسراء، الآية 70.


[8] سورة الحجرات، من الآية: 13.


[9] سورة البقرة، من الآية 30.


[10] القرطبي: تفسير القرطبي، 1/263.


[11] سورة ص، الآية 26.


[12] سورة الأعراف، الآية 31.


[13] النسفي: تفسير النسفي، 1/564.


[14] سورة النحل، من الآية 81.


[15] البغوي: تفسير البغوي: 5/36.


[16] سورة البقرة من الآية 195.


[17] الماوردي: تفسير الماوردي، 1/253.


[18] سورة النساء، من الآية 29.


[19] ابن كثير: تفسير ابن كثير 1/379.


[20] سنن أبي داود، 6/75.


[21] سنن الترمذي، 3/451/


[22] سورة النساء، الآية 29.


[23] سورة الأنعام، من الآية 151.


[24] سورة المائدة من الآية 32.


[25] صحيح مسلم، 2/271.


[26] السبكي: الإبهاج في شرح المنهاج، 2/47.


[27] سورة البقرة الآية 179.


[28] الشربيني الخطيب: مغني المحتاج، 5/274.


[29] سورة البقرة، من الآية 178.


[30] البغوي: تفسير البغوي، 1/207.


[31] سورة النساء، الآية 93.


[32] سورة التين، الآية 3.


[33] سورة ص، الآية 45.


[34] سورة المائدة من الآية 45.


[35] القرطبي: تفسير القرطبي، 6/201.


[36] سورة البقرة من الآية 194.


[37] ترجم كثير من الفقهاء في مصنفاتهم لعقوبة الاعتداء على ما دون النفس بهذا العنوان وكان جل كلامهم على العقوبة بالمثل، انظر في ذلك: الكاساني: بدائع الصنائع، 7/296، ابن عابدين: حاشية رد المحتار على الدر المختار 6/650، الرملي: نهاية المحتاج، 7/321،


[38] البزار: مسند البزار، 6/98.


[39] الطبراني: المعجم الكبير، 17/180.


[40] الخراج مع الرتاج 2/60.


[41] ابن الجوزي: مناقب عمر بن عبد العزيز ص125.


[42] سورة المائدة، من الآية 32.


[43] شرح العناية على الهداية، مطبوع مع فتح القدير، 4/328.


[44] صحيح ابن حبان، 2/167.


[45] الدريني: خصائص التشريع الإسلامي في السياسة والحكم ص407.


[46] سورة النساء، الآية 1.


[47] سورة الحجرات، الآية 13.


[48] سيرة ابن هشام، 4/194.


[49] سورة النحل، الآية 90.


[50] سورة النساء، الآية 58.


[51] سورة البقرة، الآية 265.


[52] النسفي: تفسير النسفي، 1/211.


[53] سورة البقرة من الآية 111، سورة الأنبياء من الآية 24، سورة النمل، من الآية 64، سورة القصص من الآية 76.


[54] سورة الكهف، الآية 15.


[55] سورة النور، الآية 13.

[56] صهيب عبد الجبار: الجامع الصحيح للسنن والمسانيد، 10/174.

[57] ابن ماجة: سنن ابن ماجة، 1/502.

[58] مصطفى الزرقا: المدخل للفقه الإسلامي،

[59] البيهقي: السنن الكبرى، 6/139.

[60] سورة الإسراء، من الآية 70.

[61] ابن ماجة: سنن ابن ماجة، 1/516.

[62] مسند الإمام أحمد 2/92.

[63] غمز عيون البصائر 1/276.