الصفحات

البحث الذكي داخل المدونة

تحميل وطباعة هذه الصفحة

Print Friendly and PDF

الخميس، 20 أغسطس 2026

إثراء الشريعة الإسلامية للقانون الدولي الإنساني د. محمد طي

إثراء الشريعة الإسلامية للقانون الدولي الإنساني

د. محمد طي

ملخص البحث

تستوعب الشريعة الإسلامية القانون الدولي الإنساني وتتجاوزه في عدد من المبادئ سواء أفي مجال القتال ضد غير المسلمين، أم في مجال القتال بين المسلمين. وأهم ما يميزها في مجال القتال ضد غير المسلمين:

عدم الاعتداء على أي كان ما لم يعتد بالهجوم على المسلمين، أو بمنعهم من نشر دعوتهم، أو بمحاولة فتنتهم لترك دينهم،

وجود الأربعة الأشهر الحرم التي يمنع فيها القتال إلا لرد اعتداء،

ضرورة الإعذار قبل بدء القتال، ليعرف قادة العدو وأفراده لماذا يقاتلون،

عدم بدء القتال إلا بعد الزوال (بعد الظهر) ليكون وقته محدوداً من جهة، وليفسح في المجال لمن يريد ترك القتال أن يفعل ذلك خفية خوف الفضيحة، من جهة أخرى.

الرفق بالأسير، وليس مجرد عدم الاعتداء عليه.

وأهم ما يميزها في القتال بين المسلمين:

عدم البدء بالقتال والاكتفاء بتبيان الحجة، وترك العدو المسلم يبدأ المعركة،

عدم مطاردة الفار من القتال، إلا المتحرف لينحاز إلى فئته،

عدم دخول المساكن التي يختبئ فيها المقاتلون المهزومون، إلا بإذن القائد العام،

عدم منع العدو من ورود الماء،

منع الغنائم باستثناء أدوات الحرب.

وكل هذه الأمور تحتمل النقاش. وهي قواعد مفروضة على المسلم فرضا دينيا، ويحاسب على خرقها أما القضاء وأمام الله تعالى في الآخرة، وليست قواعد اتفاقية (تعاهدية) تخضع للأخذ والرد.

ثم إن القسم الثاني من هذه القواعد، الخاص بالقتال بين المسلمين، يمكن أن يكون مجالا لاتفاقيات مع غير المسلمين فيطبق على أساس المعاملة بالمثل.

وفي هذه الحالة يجب أن يكون المسلمون عند عهودهم، وإلا يتعرضون للعقوبة على يد القضاء الإسلامي. من جهة، وللحساب في الآخرة من جهة أخرى.

Abstract

The Islamic sharia accommodates the international humanitarian law as well as overtaking many of its principles whether in the field of fighting against non-Muslims or between Muslims. The most distinguishing principles of Islamic sharia regarding fighting against non-Muslims are:

1- Non-aggression on any non- Muslim unless he attacks Muslims; not to prevent them from spreading their calls; nor trying to tempt them to leave their religion.

2- The existence of 4 sacred months in Islam in which battles are prohibited expect in self –defense.


3- The need to give reason at the beginning of the war, in order to inform enemy combatants (including leaders) why they are fighting.


4- Not to start fighting until after the meridian (afternoon), in order to limit the duration of the fight as well as providing the opportunity to those who want to leave the fight without shame.


5- Humane treatment of prisoners, and not merely stopping to act aggressively towards him.


On the other hand most distinguishing principles of Islamic Sharia regarding fighting against Muslims are:


Not to start fight and exclusively try to illustrate the arguments, and let the other Muslim enemy start the war.

Not to chase the fugitive from the fight, except the one who swerved [as a strategy] for war or for the sake of joining his company.

3- Not to enter the house where the defeated fighters hide without the permission of the commander in chief.

Not to prevent the enemy from reaching water.

Not to take spoils of war except for tools of war.

All of these issues are problematic. These religious rules obligated Muslims and held them accountable for violating them in front of judiciary and God in the afterlife, and they are not conventional rules ( nor subject to give and take) .

As for the second part of the principles concerning the fight between Muslims themselves; it could allow further agreements with non-Muslims on the basis of reciprocity. In this case Muslims are bounded to their promises otherwise they will be subjected to Islamic judiciary sanctions as well as to the accounts of the afterlife.


لم تكن الدعوة الإسلامية دعوة حرب، بل دعوة سلام للبشرية، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) (البقرة/208)، قال رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم:" أفشوا السلام بينكم "([1]). فكان هذا الرسول رحمة مهداة إلى البشرية من قبل الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء/107). كان صلى الله عليه وسلم مأمورا بأن يرشد الناس بالإقناع وبالكلم الطيب، إذ يقول تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (النحل/125). وذلك دون أي إكراه ([2])، فالتكليف بالإبلاغ والنصح، وبعدها فامرؤ وما اختار:( وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) (الكهف/29). لذلك لم يقاتل الرسول صلى الله عليه وسلم طيلة سنوات الدعوة الأولى التي مارسها في مكة.


غير أن الدعوة ووجهت بالرفض من قبل مستكبري مكة، الذين وصل بهم الأمر إلى اضطهاد المسلمين، وخاصة المستضعفين منهم، وحتى قتلهم، وإلى إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه، وانتهى الأمر بمحاولة اغتياله، ما اضطر بعض المسلمين، ممن لم يكونوا يتمتعون بالحماية القبلية، إلى الهجرة إلى الحبشة، وما أجبر الرسول صلى الله عليه وسلم على هجرة موطنه مرغما إلى يثرب (المدينة). ولم تتوقف محاولات المشركين واعتداءاتهم، بل استمزت، فراحوا يحاولون غزو المدينة، وحشد الأحلاف للقضاء على الدين الجديد، لذلك أذن بالقتال حماية للإسلام الوليد وللمسلمين، لكن ذلك الإذن لا يعني إطلاق يد المسلمين ليقاتلوا كيف يريدون، فقد حث الدين على الصلح، وأباح القتال عند تعذره، ثم وضع قواعد شاملة لمسائل للقتال، سواء أكانت في مجال تنظيم النزاعات Ius ad bellum أم في مجال تنظيم سلوك المقاتلين في القتال Ius in bello.


الصلح:

في حال الخلاف، وبدلا من اللجوء إلى السلاح، فلا بأس بالسعي إلى الصلح ما أمكن، (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) (النساء/128). كما أنه يستحسن اللجوء إلى الصلح، إن أمكن، أثناء القتال لوقفه، ذلك أن الله تعالى شدد على الإصلاح ([3]) بين الناس. ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "...لا تدفعن صلحاً دعاك إليه عدوك فإن في الصلح دعة لجنودك، ورخاء للهموم، وأمنا للبلاد" ([4]). وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال، عندما رأى سهيل بن عمرو قادما من قبل قريش، قبل صلح الحديبية: "قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل" ([5]).


في مجال تنظيم النزاعات،

نظم الإسلام مسائل شرعية الحرب وطريقة بدئها.


شرعية الحرب:


قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيما عهد إليه: "وإياك والتسرع إلى سفك الدماء بغير حلها، فإنه ليس شيء أعظم من ذلك تبعة " ([6]). والحل، أو ما يبرر القتال في شرع الإسلام، وعلى ما يرى الجمهور، هو "الحرابة "([7])، أو الاعتداء على المسلمين ([8])، وليس أي أمر. آخر كالشرك والكفر مثلا ([9])، ذلك " أن الكفر (وإن يكن) من أعظم الجنايات، فهو بين العبد وربه جل وعلا، وجزاء مثل تلك الجناية يؤخر إلى دار الجزاء، فأما ما عجل في الدنيا، فهو مشروع، لمنفعة تعود على العباد، وذلك دفع لفتنة القتال "([10]). ولجوء المسلمين إلى القتال لم يكن مسموحا به مباغتة، ولا في أي وقت، بل يمنع في الأشهر الحرم، ويمنع كذلك تجاه المستجيرين.


ويمكن أن يطاول العدوان على المسلمين الأنفس والأموال، كما يمكن أن يطال المستضعفين من الناس.


عدم المباغتة: الدعوة:


ليس الناس ملومين على أي أمر إذا لم يعلموا خطأه، وليسوا بالتالي مسؤولين عن طاعة الله ما لم يبلغوا بلزومها وبأحكامها، من هنا قوله تعالى:( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) (الإسراء/15). لذا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقاتل " قوما حتى يدعوهم إلى الله ورسوله "([11])، ولذا كان النهي عن قتال الخصم الرافض لإيصال الإسلام إلى الناس قبل دعوته وإنذاره، وإمهاله ثلاثة أيام ليقرر ([12]). وحتى إذا رفض الاستجابة، فمن الأفضل عدم الهجوم لدى أول بادرة عدائية منه، سندا لقوله تعالى:( وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ) (النحل/127)، وحتى، كما في بعض الروايات، التريث إلى أن يبدأ العدو ويقتل من المسلمين، كما ورد في وصيتي الرسول صلى الله عليه وسلم إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه ([13]) وإلى معاذ بن جبل رضي الله عنه ([14]).


وقد أخلص الرسول صلى الله عليه وسلم لهذا المبدأ كما لغيره، حتى أنه لم يباغت عدوا له، بل كان يأمر بدعوة العدو قبل مهاجمته، لعله يقتنع فيستجيب ([15]). فقد كان يقول: "تألفوا الناس وتأنوا بهم ولا تغيروا عليهم حتى تدعوهم، فما على الأرض من أهل بيت من مدر ولا وبر إلا أن تأتوني بهم مسلمين، أحب إلى من أن تأتوني بأبنائهم ونسائهم وتقتلوا رجالهم " ([16]). وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: "بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فقال: يا علي لا تقاتلن أحدا حتى تدعوه إلى الإسلام، وأيم الله لئن يهدي الله عز وجل على يديك رجلا (واحدا) خير لك مما طلعت عليه الشمس وغرت ([17]). وتكررت الوصية ذاتها لعلي رضي الله عنه يوم خيبر ([18]).


ذلك وقد بلغت رسائل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الملوك والأمراء ومشايخ القبائل المئات وهي مبثوثة في ثنايا الكتب وقد جمع بعضهم كما كبيرا منها ([19]).


ويستحسن التذكير بالدعوة إن سبقت، فقد روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: لا يغزى قوم حتى يدعوا، وإن أكدت الحجة عليهم بالدعاء فحسن، وإن قوتلوا قبل أن يدعوا، إذا كانت الدعوة قد بلغتهم فلا حرج ([20])، سيما عند العدوان أو نكث العدو، كذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع يهود بني قريظة عندما نقضوا العهد ([21])، ومع مشركي قريش لنقضهم شروط صلح الحديبية ([22])، وكذلك مع بني المصطلق، إذ غزاهم النبي صلى الله عليه وسلم من غير إعلام ([23])، إلا أنه، في الأحوال العادية، يستحب تجديد الدعاء إلى الإسلام كما فعل علي رضي الله عنه بعمرو بن عبد ود، وغيره مع علمهم بالدعوة ([24]). ولذا فإن الفقهاء أفتوا بوجوب الدعاء إلى الإسلام قبل القتال، إلا لمن عرف الدعوة وقوتل عليها ([25]).


وبعد الدعوة، يتم التقيد بسائر أحكام شن الحرب.


رد العدوان على النفس والمال:

لا يسمح الإسلام بقتال من لم يعتد على المسلمين، بل هو لا يمانع في المعاملة الحسنة والصلة مع غير المسلمين إلا من اعتدوا عليهم: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9)) (الممتحنة/8 و10)، فهو لم يقر القتال إلا في أربع حالات:


حالة الدفاع عن المسلمين،


وحالة الدفاع عن الإسلام في وجه مهاجميه


حالة منع المسلمين من نشر دعوة الإسلام ([26]).


حالة نكث العدو وغدره ([27]).


ففي حالة الدفاع عن النفس يسمح الله تعالى بالقتال حتى يتوقف الاعتداء، حيث قال تعالى:(وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (البقرة/190)، (فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (البقرة/192).


وفي حالة الدفاع عن الدين ضد الفتنة، وحتى تنتهي الفتنة، بقوله عز من قائل:( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ) (البقرة/193).


وفي حالة منع إيصال الدعوة إلى الناس من قبل حكامهم أو المتسلطين عليهم أي (الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) ([28])، يسمح الإسلام بالقتال لتمكين الناس من تعرف الدين، لا لإجبارهم على اعتناقه:( أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) (يونس/99).


نصرة المستضعفين والثورة على الاستعمار

إن من الواجب على المسلمين، الدفاع عن المستضعفين، حيث قال تعالى: (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا) (النساء/75)، وهكذا نصر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبيلة خزاعة عندما تعرضت لاعتداء من قبل قبيلة بكر تساندها قريش بعد الحديبية ([29])، كما كان واجب المسلمين الدفاع عن أهل الذمة ([30])، وكما أوجب الإسلام على المسلمين نصرة المستأمنين لديهم، إذا ما تعرضوا لاء اعتداء.([31])


والمستضعفون اليوم خاصة الشعوب التي اجتاحها الاستعمار والتي ما زال يتآمر عليها من أجل نهب خيراتها والاستفادة من أسواقها أو من موقعها الاستراتيجي أو من أي ميزة يمكنه استغلالها، كما ويعمل، من أجل إدامة السيطرة، على إضعاف الشعوب والدول المعنية، وإبقائها في حالة التخلف ([32]).


من هناك كانت ضرورة المقاومة لاستئصال بقايا الاستعمار ولتخليص الشعوب من براثن الهيمنة والتسلط، وذلك لا يتم إلا بتضافر الجهود بين الدول المستضعفة التي قد لا تستطيع كل منها منفردة أن تنتصر على القوى العظمى، لا سيما أن تلك القوى تتحالف عند الضرورة ضد من يمانع في هيمنتها. وهذا ما حض عليه الإسلام في الآية الكريمة السابقة وفي الكثير من الآيات الأخرى.


الأشهر الحرم

لقد ثبت الإسلام حرمة أربعة أشهر كانت هي الأشهر الحرم في الجاهلية، وهي: رجب وذو القعدة وذو الحجة ومحرم، فشهر مفرد وهو رجب والبقية متتالية، كان القتال فيها ممنوعا في الجاهلية مهما كان السبب: وقد أعاد الإسلام التذكير بها: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) (التوبة/36).


إلا أنه يثور جدال بخصوص القتال في تلك الأشهر، فمنهم من يذهب إلى أنه يجوز استناداً إلى قوله تعالى:( وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً) (التوبة/36)، وإلى مهاجمة الرسول صلي الله عليه وسلم الطائف السنة الثامنة للهجرة في شهر صفر ([33]).


غير أن هناك رأي آخر يؤكد أن القتال محرم في تلك الأشهر إلا إذا خرقها العدو:( الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (البقرة/194)، وقد اعتدى المشركون في الأشهـر الحرم فوجب الرد ([34]): (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) (البقرة/217).


من هناك فإن قتال النبي صلي الله عليه وسلم الكفار في الشهر الحرام كقتاله في غزوة "الطائف"، لم يبدأ في الشهر الحرام، من جهة وكان قتالا دفاعيا، من جهة أخرى. فقد قال الإمام ابن كثير: "لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو في الشهر الحرام إلا أن يغزى، فإذا حضره أقام حتى ينسلخ" أما عن مهاجمة الطائف، فقال: "إنه من تتمة قتال هوازن وأحلافها من ثقيف، فإنهم هم الذين ابتدأوا القتال، وجمعوا الرجال، ودعوا إلى الحرب والنزال، فعندها قصدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم... وكان ابتداؤه في شهر حلال (شهر شوال)، ودخل الشهر الحرام، فاستمز فيه أياما" ([35]).


ومما يؤكد حرمة الأشهر الحرم قول الله تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ) (المائدة :2). فهذه الآية من سورة المائدة هي من آخر ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم على الإطلاق، فنزولها أتى بعد نزول سورة التوبة التي تحث في الظاهر على القتال.


ومن أوضح الأدلة على بقاء حرمة الأشهر الحرم: ما استفاض عن النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته في حجة الوداع من أنه قال:" فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْراضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا " ([36]). فقال: "في شهركم هذا"، فدل هذا الحديث على أن حرمة الأشهر الحرم من الأحكام المحكمة، لا سيما في حق المسلمين.


وأخيراً: لنا أن نتساءل: هل كانت الجاهلية أرحم من الإسلام في مجال القتال، حتى يحل الإسلام ما حزمته؟


الاستجارة:

قال تعالى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ) (التوبة/6).


كل هذه المبادئ طبقها الرسول صلى الله عليه وسلم بدقة، فهو كان مكلفا بدعوة دينية، وكان يعمل على نشرها بالحكمة والموعظة الحسنة (النحل/125)، ولم يلجأ إلى القتال حتى أخرج والمسلمون من ديارهم وأموالهم، وهو عندما قدم المدينة مهاجراً، وضع الصحيفة التي سمحت للجميع بالتعايش، من مسلمين ويهود ([37])، إلا أن اليهود راحوا يدسون الدسائس ونابذوه بالعداء، كما نابذه المشركون من حول المدينة، فسمح له بالقتال:( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) (الحج/39).


في مجال تنظيم سلوك المقاتلين في القتال

بين الرسول صلى الله عليه وسلم قواعد القتال العامة، ضد غير المسلمين، وهي تطبق في كل البلاد، باستثناء ما ورد عن مكة المكرمة، وذلك في مبادئ يمكن تلخيصها في الأحاديث والأخبار التالية:


الأحاديث: "لا تغفوا (لا تخفوا شيئا من الغنائم) ولا تمئلوا (لا تعذبوا وتشهوا) ولا تغدروا ولا تقتلوا شيخا فأنبا ولا صييا ولا امرأة..." أو "ولا تقتلوا وليدا ولا متبتلا في شاهق، ولا تحرقوا النخل ولا تغرقوه بالماء ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تحرقوا زرعا... ولا تعقروا من البهائم ما يؤكل لحمه، إلا ما لا بد لكم من أكله "([38]) " ولا تقتلن ذرية ولا عسيفا (أجيزا)" ([39]).


الخبر الأول: "ما بيت رسول عدوا قط" ([40]) (أي أنه لم يهاجم ليلا أي عدو) (الكليني،1985، (28/5.


الخبر الثاني: " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلقى السم في بلاد المشركين" (الكليني،1985، 28/5)([41])

1- لا تمثلوا:


وهذا نهي عن الانتقام من رجال الخصم القتلى، وهو ما سوف تظهر ضرورته بعد كل المآسي التي عانتها البشرية من الحروب، وما كان يحصل فيها من فظاعات؛ مما دفع المشرعين الدوليين إلى تحريم العبث بالجثث، وإلى تشريع ضرورة دفنها في مقابر يعلن عنها...


لقد حرم الإسلام المثلة ([42]) دون النظر إلى التبادلية، فهي حرام حتى ولو كانت رداً على من يمثل بالمسلمين، فعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى عمه حمزة رضي الله عنه قد مثل بجثته، قال: "... لأمثلن مكانه بسبعين رجلا " من المشركين. فنزلت الآية الشريفة:( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125) وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ) (النحل/ 127-125)، فصبر ولم يمثل بأحد" ([43]).

ورفض أبو بكر رضي الله عنه قطع الرؤوس، فقد أرسل إليه عمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة برأس أحدهم، فلما قدم الرسول عليه، أنكره.! فقال الرسول: إنهم يفعلون ذلك بنا..


فقال: " أفاستنانا (اتباع سنة) بفارس والروم؟ لا يحملن إلى رأس، فإنما يكفيني الكتاب والخبر.


وهكذا فإن الإسلام لا يمثل بجثث القتلى، بل يدفنها لكي لا تبقى على وجه الأرض، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قتلى قريش بعد معركة بدر ([44])، أو يسلمها إلى العدو كما حصل في تسليم جثة نوفل بن عبد الله عقب الخندق ([45]).


على أن تحريم التمثيل لا يقتصر على الأموات، بل هو يحمي الأحياء أيضا، لأن اللفظ عام غير مخصص.


2 -ولا تغدروا -الوفاء بالعهود


يقول الله تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة/1)، وقال: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا) (الإسراء/34) ويفرع رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك قوله: "من كان ببينه وبين قوم عهد فلا يشد عقده ولا يحلها حتى ينقضي أمده أو ينبذ إليهم على سواء"، ([46]) فوفاء إلا إذا ظهرت بوادر نكث، فإبلاغ بأن العهد قد انتهى.


وقال على رضي الله عنه في عهده لمالك الأشتر عندما ولاه مصر: "وإن عقدت بينك وبين عدوك عقدة أو ألبسته منك ذمة، فحط عهدك بالوفاء، وارغ ذمتك بالأمانة، واجعل نفسك جنة دون ما أعطيت، فإنه ليس من فرائض الله شيء الناس أشد عليه اجتماعا، مع تفرق أهوائهم وتشتت آرائهم، من تعظيم الوفاء بالعهود، وقد لزم ذلك المشركون فيما بينهم دون المسلمين، بما استوبلوا من عواقب الغدر، فلا تغدرن بذمتك ولا تخيسن بعهدك ولا تختلن عدوك، فإنه لا يجتريء على الله إلا جاهل شقي. وقد جعل الله عهده وذمته أمنا أفضاه بين العباد برحمته، وحريما يسكنون إلى منعته، ويستفيضون إلى جواره.


ولا يسمح الإسلام بالتلاعب على الألفاظ واستغلاله خداعاً للمتعاقد معه، إذ يتابع على قائلا:" فلا إدغال ولا مدالسة ولا خداع فيه.


ولا تعقد عقدا تجوز فيه العلل، ولا تعولن على لحن قول بعد التأكيد والتوثقة، ولا يدعونك ضيق أمر لزمك فيه عهد الله إلى طلب انفساخه بغير الحق، فإن صبرك على ضيق أمر ترجو انفراجه وفضل عاقبته خير من غدر تخاف تبعته، وأن تحيط بك من الله فيه طلبة، فلا تستقيل فيها دنياك ولا آخرتك" ([47]).


هذا، وبالمقابل يبيح نقض العهد من قبل العدو قتاله بناء على قوله تعالى:( وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ) (التوبة/ (12 ([48])


توقيت القتال


دلالة على أن القتل لم يكن الهدف من الجهاد في الإسلام، كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقصر أحيانا مدة القتال ما أمكن، ([49]). فعن النعمان بن مقرن قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان، إذا لم يقاتل أول النهار، انتظر حتى تزول الشمس وتهب الرياح وينزل النصر. ([50]).


وإلى ذلك فتختصر مدة القتال، وينزل الليل فيهرب خلسة من يود الهرب، إلا إذا ألزمت ضرورة بغير ذلك. أما إذا فاجأ العدو المسلمين، وأغار عليهم، فيجب رده وصده في أي وقت أغار، وهذا من بدهيات الأمور.


3-عدم قتل الشيخ والصبي والمرأة والناسك -التبييت:


قال مالك والأوزاعي إنه لا يجوز قتل النساء ولا الصبيان بحال، حتى لو تترس أهل الحرب بالنساء والصبيان، أو تحصنوا بحصن أو سفينة وجعلوا معهم النساء والصبيان، لم يجز رميهم ولا تحريقهم. وفي سنن أبي داود: قال سفيان: قال الزهري:... نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم... عن قتل النساء والصبيان ([51])... لأن أولئك جميعا هم من غير المحاربين.


إلا أن حديثا آخر رواه "الصعب بن جثامة" رضي الله عنه يقول: " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أهل الدار من المشركين يبيتون، فيصيبون من نسائهم وذراريهم؟، فقال: "هم منهم".


لذلك عمل العلماء على التدقيق في مثل هذا الحديث والذي سبق وأمثالهما، وحاولوا التوفيق بينها، كما لخص ذلك "ابن حجر"، فقال: "كان الزهري إذا حدث بهذا الحديث (أي حديث الصعب)، قال: "وأخبرني ابن كعب بن مالك عن عمه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما بعث إلى ابن أبي الحقيق، نهى عن قتل النساء والصبيان، وكأن الزهري أشار بذلك إلى نسخ حديث الصعب.


والذي جنح إليه آخرون هو الجمع بين الحديثين... وهو قول الشافعي والكوفيين، وقالوا: إذا قاتلت المرأة جاز قتلها. وقال ابن حبيب من المالكية: لا يجوز القصد إلى قتلها إذا قاتلت، إلا إن باشرت القتل وقصدت إليه. قال: وكذلك الصبي المراهق. وبهذا قال الشيعة ([52]).


ويؤيد هذا الموقف قول رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما وجد امرأة مقتولة: "ما كانت هذه لتقاتل". فإنه يفهم منه أنها لو قاتلت لقتلت.


واتفق الجميع -كما نقل ابن بطال وغيره -على "منع القصد إلى قتل النساء والولدان، أما النساء فلضعفهن، وأما الولدان فلقصورهم عن فعل الكفر". على أن المحظور بالنسبة إلى النساء ليس القتل وحسب، بل حتى مجرد الاعتداء، إذ يقول على رضي الله عنه: "ولا تهيبوا امرأة بأذى، إن كنا لنؤمر بالكف عنهن وانهن لمشركات، وإن كان الرجل ليتناول المرأة في الجاهلية بالفهر(الحجر) أو الهراوة، فيعير بها وعقبه من بعد" ([53]). لذا كان موقف الإسلام أنه حتى إذا هتكوا أعراضنا، لا نهتك أعراضهم ([54]).


أما المتبتلون (المتفرغون للعبادة)، فإذا كانوا من غير المقاتلين؛ فلا يجوز قتلهم، وهذا ما أوصى به أيضا أبو بكر رضي الله عنه أسامة رضي الله عنه وجيشه عند توجهه إلى بلاد الشام، إذ قال له: "... وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع، فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له" ([55]).


ولا تقتلن عسيفا (أي أجيرا):

يدل ذلك القول على حرمة قتل العاملين في الأرض أو في غيرها، فيكون القتال مع الجيش المقاتل، وليس مع المدنيين غير المشاركين في العمل العسكري والمجهود الحربي ([56]).


5-عدم إلقاء السم في بلاد المشركين (الأعداء) ([57]):


عن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلقى السم في بلاد المشركين"، وقيل كذلك عن إرسال النار عليهم، وعن كل الأساليب الهمجية في القتال، إلا أن بعض الفقهاء يبيحه عند الضرورة القصوى، كان يتوقف "الفتح" عليه، على ألا يلقى إلا في الجبهة ([58]). وقد رأى الإمام مالك عدم جواز الرمي بالسهام والرماح المسمومة ([59]).


الأسير:


في الوقت الذي كان الأسير يلقى أشد أنواع التنكيل إن لم يقتل، أتى الإسلام ليرحمه فيمنع تعذيبه وصولا إلى إطلاق سراحه، إن لم يكن ارتكب ما يوجب محاسبته. فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "فكوا العاني (الأسير)، وأطعموا الجائع وعودوا المريض" ([60]).


وقال ابن إسحاق بشأن ذلك: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين أقبل بأسارى بدر، فرقهم بين أصحابه، وقال: "استوصوا بالأسارى خيرا" ([61])، فكان أصحابه يقدمونهم على أنفسهم في الطعام ([62]). وبناء على ذلك أفتى الفقهاء باستحباب الرفق بالأسير وإطعامه، وإن كان كافرا، ويطعم عندما يسلمه آسره من بيت مال المسلمين ([63]). ولو عجز الأسير عن المشي لم يجز قتله ([64]). ولا يجوز تعذيب الأسير بالجوع والعطش وغيرهما من أنواع التعذيب ([65]).


أما مصير الأسير النهائي، فيقرره الإمام، فالإمام مخير بأن يمن على من شاء من الأسارى، أو يفدي من أراد منهم، أو يقتل من أراد ([66])، حسب المصلحة الإسلامية ([67])، ولكن مع ذلك لم يلجأ المسلمون إلى قتل الأسير إلا في حالات نادرة "اقتضتها الضرورة" ([68]).


وقد اشترط الشيعة الأمامية في قتل الأسارى أن تكون الحرب قائمة، فإذا انقضت الحرب لا يقتل الأسير، وأمره متروك للإمام ([69])، كما ذهب عبد الله بن عمر، وسعيد بن جبير، والحسن البصري، وعطاء إلى تحديد أحكام الأسارى في المن أو الفداء، مع كراهة قتل الأسير ([70])، لقوله تعالى: (فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) (محمد/4)


ولا تقطعوا شجرة إلا أن تضطروا إليها:


يرى بعضهم أن الإسلام يسمح بقطع أشجار المشركين، بناء على الآية الكريمة:(مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ) (الحشر/5)، وذكر مسلم في صحيحه أن هذه الآية المباركة نزلت بعد أن أحرق رسول الله صلى الله عليه وسلم نخل يهود بني النضير وقطعه ([71]).


إلا أن الشيخ أبو زهرة نفى ذلك حيث قال: إن الآية المباركة لا تتحدث عن قطع الأشجار، بل عن قطف الثمار، ذلك أن اللينة هي نوع من التمر لا شجره ([72]). وفي تفنيد صخة الزعم بقطع الأشجار، ورد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال إن: رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن قطع الشجر المثمر أو إحراقه (يعني في دار الحرب وغيرها) إلا أن يكون ذلك في مصلحة المسلمين ([73])، أي بناء على ما يسمى اليوم ب "الضرورة العسكرية". كما روي أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا بعث أميرا على سرية أوصاه بوصايا منها: "لا تحرقوا النخل، ولا تغرقوه بالماء، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تحرقوا زرعاً لأنكم لا تدرون لعلكم تحتاجون إليه "([74]). وإلى هذا كان النهي عن الفساد في الأرض وإهلاك الحرث والنسل ([75])، وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "انهوا جيوشكم عن الفساد" ([76]).


فالقاعدة العامة إذا هي النهي عن قطع الشجر المثمر وإحراقه، ثم يأتي استثناء على القاعدة قد تدعو إليه الضرورة ([77])، فعن الإمام جعفر الصادق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقطعوا شجرة إلا أن تضطروا إليها" ([78]).


المسالمة والهدنة:


لا ينظر الإسلام إلى الحرب على أنها فرصة للاستيلاء والتحكم وحيازة الثروات، أو التشفي والانتقام:( وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (المائدة/2)، وإنما شرعت الحرب؛ لمقاومة العدوان أو للقضاء على موانع تبليغ الدعوة الإسلامية دون إكراه واضطهاد للآخرين، فمن رغب بالسلام وبادر المسلمين به، قبل منه وكف عنه: (وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) (النساء/94)، ومن فضلوا السلام على القتال، وجب مبادلتهم السلام، لقوله تعالى: (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (الأنفال/61). ومن اعتزلوا لحرجهم بين تأييدكم وقتال قومهم أو العكس، فلا يجوز قتالهم: (إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا) (النساء/90)، فأولئك جميعاً يجب على المسلمين أن يبذلوا لهم الأمان "([79]). وذلك ما قام به المسلمون تجاه بعض البلدان أو المناطق مثل الحبشة والنوية (مقابل جزية) عام 652، وقبرص ([80]). وهي من البلدان التي رأى بعضهم أن المسلمين حيدوها مسثنينها من الجهاد ([81]). وهذا ما جعل الفقهاء يعتمدون قسمة البلدان إلى دار عدل يحكمها الإسلام، ودار حرب تمنع فيها إقامة شعائر الإسلام (وهي اليوم نادرة)، ودار عهد، يقيم المسلمون معها حالة من السلام. ومعيار التمييز هو "السلطان في ظهور الحكم، فإن كان الحكم حكم الموادعين، فبظهورهم (غلبتهم) على (الفئة) الأخرى كانت الدار دار موادعة، وإن كان الحكم حكم سلطان آخر في الدار الأخرى، فليس لأحد من أهل الدارين حكم موادعة" ([82]).


أما بخصوص المواقف الموقتة، كالهدنة فهي جائزة في الإسلام، استناناً بأفعال قام بها الرسول صلى الله عليه وسلم كهدنة الحديبية وغيرها، وقد ناقش الفقهاء المسلمون شروط الهدنة، فقيل يجوز للإمام أو من نصبه عقد الهدنة لمصلحة المسلمين ([83])، وقيدها بعضهم بمدة معينة، بينما تركها بعضهم حرة. فهي لا تجوز، في نظر فريق، إلا لمدة محدودة لا تزيد على عشر سنوات نظير المدة التي صالح بها رسول الله صلى الله عليه وسلم مشركي قريش في الحديبية، وربطها فريق بعوض، وفريق أطلقها ([84]). وقد رأى الإمام الشافعي أن مدة الهدنة تكون حسب قوة المسلمين، وتحدد بأربعة أشهر إذا كان المسلمون في حالة قوة واستعداد ([85]).


ورأى بعض علماء الشيعة الأمامية عدم تقييد الهدنة بمدة معينة، فيقول السيد الخوئي إن: "اعقد الهدنة بيد ولي الأمر حسب ما يراه من المصلحة، وعلى هذا فبطبيعة الحال تكون مدته من حيث القلة والكثرة بيده حسب ما تقتضيه المصلحة العامة " ([86]).


مما تقدم يتبين أن الرسول صلى الله عليه وسلم أتى الإنسانية بمجموعة من الحقوق، لو أن المسلمين راعوها ونشروها، أو لو أن الإنسانية لم تلذ تجاهها بالسلبية، بل بالعداوة، لكانت وفرت على نفسها دماء ودموعا كالأنهار، ثم لكانت تمتعت بحقوق حقيقية لا وهمية، يتمتع بها الضعيف والقوي، الفقير والغني، ولا تؤثر فيها الإمكانات المادية، ولا تخضع لموازين القوى الاجتماعية.



الأحكام الخاصة بمكة المكرمة:


عامل الرسول صلى الله عليه وسلم مكة وسكانها داخلها معاملة خاصة بأمر من الله تعالى، ذلك أنها محرمة على أي فاتح، وإنما أحلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم بشكل استثنائي، فقد قال صلى الله عليه وسلم: "حرم الله عز وجل مكة، فلم تحل لأحد قبلي ولا لأحد بعدي، أحلت لي ساعة من نهار... ([87])


وهكذا، فإن الله خص مكة بميزات لا يمكن القياس عليها، وهذا ما أكده صاحب كتاب "الأموال"، بقوله: "... فقد صحت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه فتح مكة، وأنه من على أهلها، فردها عليهم، ولم يقسمها ولم يجعلها فيئا... ولا نرى مكة يشبهها شيء من البلاد، من جهتين: أحداهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان الله عز وجل خصه من الأنفال والغنائم بما لم يجعله لغيره... والجهة الثانية: أنه سن لمكة سننا لم يسنها لشيء من سائر البلاد" ([88]). وتمثلت قواعد القتال في مكة بأمرين: عدم قتال من ترك القتال، وعدم الحرمان من الماء والغذاء


في الجانب الأول: أمر صلى الله عليه وسلم عند دخولها بأن ينادى في الجيش: "ألا لا يجهزن على جريح، ولا يتبعن مدبر ولا يقتل أسير، ومن أغلق بابه فهو آمن " ([89]).


في الجانب الثاني، أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقرر في معركة بدر منع المشركين من ورود الماء في الحوض الذي أقامه المسلمون لشربهم، بل أمر صلى الله عليه وسلم المسلمين بعدم اعتراضهم ([90]). ذلك من جهة، ومن جهة أخرى، أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالسماح بإيصال المواد الغذائية إلى مشركي مكة المحاربين له ([91]). وقد التبس الأمر على بعضهم، فحسب أن تلك القواعد من قواعد القتال ضد غير المسلمين ([92])، أما نحن فنرى، أن تلك القواعد تحتاج لتطبيقها في القتال العام، إلى معاهدات تجعلها ملزمة للمسلمين ولغيرهم.


قواعد القتال بين المسلمين:


وهو قتال بين السلطة الشرعية والخارجين عليها، من غير قطاع الطرق وسائر الأفراد الذين يفسدون في الأرض، ويسمى أولئك الخارجون "البغاة"، "الذين يثورون على الإمام يبغون خلعه أو منع الدخول في طاعته، أو يبغون منع حق واجب عليهم بتأويل في ذلك كله. وقاله الشافعي وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل، ولم يعلم خلاف في ذلك ([93]).


مثل أولئك واجهوا الإمام علي رضي الله عنه بعد توليه خلافة المسلمين، وقاتلهم متقيدا بقواعد استخرجها من القرآن الكريم والسنة المطهرة، وخاصة سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم في فتح مكة ([94]). وهذا ما بينه الإمام علي رضي الله عنه في رده على البكري الذي سأله في الأمر، إذ قال له: "يا أخا بكر، لقد حكمت فيهم بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أهل مكة... وإنما اتبعت أثره حذو النعل بالنعل... أما علمت أن دار الحرب يحل ما فيها، وأن دار الهجرة يحرم ما فيها إلا بحق" ([95]).

لقد تعرض الإمام علي لهذا النوع من القتال في البصرة وصفين والنهروان، وحدد قواعده ب: "إن حكم الله فيهم ألا يتبع مدبرهم ولا يقتل أسيرهم ولا يذفف على جريحهم "([96])، وتبنى فقهاء المسلمين هذه القواعد بكافة مذاهبهم ([97])، فقد "بنى الإمام أحمد بن حنبل آراءه في قتال أهل البغي على سيرة الإمام علي كرم الله وجهه، متبعا في ذلك رأي الإمام الشافعي ([98]). فلما عاتبه أحد أصحابه، قال: ويحك، يا عجبا لك! فما عسى أن يقال في هذا إلا هذا؟! وهل ابتلي أحد بقتال أهل البغي قبل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب؟ ([99]) " وقال أبو حنيفة: "لولا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، لما عرفنا قتال أهل البغي" ([100]).

لقد مثلت القواعد المذكورة القواعد الأساسية التي عالجناها في القسم الأول من الدراسة، مضافا إليها قواعد خاصة.


ففي مجال القواعد العامة المعروفة من قبل، شدد على رضي الله عنه أكثر ما شدد على مسألتين:


الأولى: تحريم الغدر ونقض العهود، حيث يقول: "إن الوفاء توأم الصدق، ولا أعلم جنة أوقى منه، وما يغدر من علم كيف المرجع" ([101])


والثانية: عدم التعرض للنساء، إذ يوصي جنوده قائلا: "ولا تهيجوا امرأة بأذى، إن كنا لنؤمر بالكف عنهن وإنهن لمشركات، وان كان الرجل ليتناول المرأة في الجاهلية بالفهر(الحجر) أو الهراوة، فيعير بها وعقبه من بعده" ([102]).


أما بشان قواعد القتال بين المسلمين فقد أوضح القرافي: أن يقصد الإمام بقتالهم ردعهم لا قتلهم وأن يكف عن مدبرهم.. وألا يجهز على جريحهم، وألا يقتل أسراهم، وألا يغنم أموالهم، وألا تسبى ذراريهم، وألا يستعان على قتالهم بمشرك (إقرأ: بأجنبي)، وألا يوادعوا على مال، وألا "يقذفوا بما يهلكهم"، وألا تحرق عليهم المساكن، وألا يقطع شجرهم ([103]).


وهكذا يمكننا إدراج قواعد قتال "البغاة" تحت عناوين، أهمها: محاولة الإصلاح، الإعذار، قاعدة البدء بالقتال، وسائل القتال، معاملة الجرحى، معاملة المستلمين (الأسرى) والذراري، الموقف من الفارين من جنود العدو ومن المختبئين، مسالة توفير الماء، مسالة الغنائم ([104]).


من تلك القواعد ما أصبح يرعاه القانون الدولي الإنساني اليوم ومنها ما لم يستطع المجتمع الدولي أن يتوافق عليه، أو هو لم يخطر له على بال.


القواعد التي توصل القانون الدولي إلى الأخذ بها:

تندرج تلك القواعد تحت أربعة عناوين: معاملة الجرحى، معاملة الأسرى، معاملة المدنيين، معاملة النساء والأطفال. أما معاملة النساء والأطفال فينطبق عليها، مع شيء من التشديد ما ورد سابقا في هذه الدراسة.


معاملة الجرحى:

أرست القواعد المستنبطة، كما السالفة، مبدأ عدم استعمال القوة ضد من يعجز عن الدفاع عن نفسه، أو من يمتنع عن هذا الدفاع، ومن ذلك الصنف الجرحى؛ ذلك لأنهم فقدوا القدرة على التصدي ومنع إحقاق الحق، لذلك كان على رضي الله عنه يأمر قادته وجنوده، باستمرار، ألا يجهزوا على جريح. وقد حمل "نهج البلاغة"، بكل وضوح، تلك الأوامر، التي صدرت بمناسبة حرب الجمل وكذلك حرب صيفين والنهروان ([105]).


وإذا كان الإمام علي رضي الله عنه لم يأمر بنقل جرحى خصومه إلى المشافي، لعدم وجود تلك المشافي بشكل فعلي، فقد كان يترك أمر العناية بهم إلى قيادتهم، من طريق عدم التعرض لمن يمكن أن يتولوا تلك العناية، إذا كان أولئك لا يباشرون قتالا، وهذا قبل إنشاء الصليب الأحمر بقرون طويلة.


معاملة الأسرى:


كان الإمام رضي الله عنه يأمر بعدم التعرض للعاجزين والممتنعين عن القتال، بقوله: "ولا تصيبوا معورا" (أي الذي أمكن من نفسه فلا يدافع عنها). وهكذا فإن الأسير في تلك الحالة سيكون بمنجى من أي أذى، بل إن القواعد الإسلامية العامة تقضي بإطعامه والرفق به ([106]). وعن الشعبي قال: لما أسر على الأسرى يوم صفين فخلى سبيلهم، أتوا (معاوية)، وقد كان (عمر بن العاص) يقول بشأن أسرى أسرهم (معاوية): اقتلهم، فما شعروا إلا بأسراهم قد خلى سبيلهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه ([107]).


- القواعد التي لم يتوصل إليها القانون الدولي:

يمكن تلخيص هذه القواعد بخمس هي:


محاولة الصلح، قاعدة البدء بالقتال، الموقف من الفارين من جنود العدو ومن المختبئين، مسألة توفير الماء، مسألة الغنائم.


محاولة الصلح:

من واجب المسلمين، إذا ما نشب صراع بين فئتين منهم أن يعملوا على التوفيق بينهما، حتى لا يتفاقم الأمر وتستشري العداوات بين المسلمين، ما يهدد وحدتهم، وإذا أصرت إحدى الفئتين على الصراع بدون وجه حق، فعلى المسلمين أن يقاتلوها، حتى تعود عن موقفها، يقول تعالى:( وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الحجرات/9).


هذا الموقف طالب به على من اعتزلوا في حروبه، إذ سألهم الإمام رضي الله عنه ([108]):" ما خلفكم عني؟ ألستم تعلمون أن الله عز وجل أمركم أن تأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر. فقال:( وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا) (الآية)


وهكذا يرى الفقهاء أن الواجب، حتى على الإمام، أن يناقش الخارجين ويستجلي حقيقة دوافعهم، ومقارعتهم الحجة بالحجة، يقول ابن قدامة الحنبلي: "فمن خرج على من ثبتت إمامته بأحد هذه الأوجه باغيا، وجب قتاله. ولا يجوز قتالهم حتى يبعث إليهم من يسألهم ويكشف لهم الصواب، إلا أن يخاف كلبهم فلا يمكن ذلك بحقهم، فإما إن أمكن تعريفهم عرفهم ذلك، وأزال ما يذكرونه من المظالم وأزاح حججهم، فإن لخوا، قاتلهم حينئذ ([109])


الإعذار وبدء القتال:

الإعذار هو إيضاح الأمر لدى الخصم ولدى الناس (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ) (الأنفال/42). فقد كان الإمام علي رضي الله عنه يدعو الخصم إلى حكم الإسلام، وتحكيم القرآن، ويناقشه مناقشة مستفيضة، حتى لا يبقى له من حجة، ثم يعطيه الفرص الإضافية لعله يرعوى. ففي صفين تريث الإمام حتى ضج عسكره

فأجابهم: "والله ما دفعت الحرب يوماً إلا وأنا أطمع أن تلحق بي طائفة، فتهتدي بي وتعشو إلى ضوئي" ([110]).


لكن بعد أن كان الإمام علي رضي الله عنه يحاول بكل جهوده تلافي سفك الدماء، وبعد أن كان الخصم يصر على موقفه، كان يترك لهذا الخصم أن يبدأ هو القتال، دليلاً على إفلاس حجته. وهكذا فقد كان يوصي قادته وجنود بالتمسك بمبدأ: "لا تبدأوهم بقتال"، بل هو كان يوصيهم أكثر من ذلك، بعدم ترك الفرصة للخصم كي يظن أنهم سيبدأونه بالقتال. فقد أوصى معقل بن يزيد الرياحي، الذي أرسله على مقدمته لملاقاة جند الشام، بقوله: "... ولا تدن من القوم دنو من يريد أن ينشب الحرب" ([111])


كما كان رضي الله عنه يستحب أن يبدأ القتال، تأسيا بالرسول صلى الله عليه وسلم، بعد زوال الشمس، وبعد أن يصلي الظهر ([112]). وقد ذكر عن الإمام أبي عبد الله الصادق رضي الله عنه أنه قال: كان أمير المؤمنين لا يقاتل حتى تزول الشمس، ويقول: تفتح أبواب السماء، وتقبل الرحمة، وينزل النصر، ويقول: هو أقرب إلى الليل وأجدر أن يقل القتل ويرجع الطالب، ويفلت المنهزم ([113]).


الموقف من الفارين:

كان الإمام ينهى عن اللحاق بالفارين من المعركة، والمتراجعين الذين يتركون الحرب، على أساس أن لا يكونوا ممن يتراجعون تراجعا تكتيا، ليلتحقوا بالقطعات الأخرى من رفاقهم. فكان رضي الله عنه يقول: "إذا كانت الهزيمة بإذن الله فلا تقللوا مدبرا. ([114]) ليس هذا فحسب، بل كان ينهى عن كشف الستر ودخول المساكن والمخابئ، التي يلتجئ إليها جنود عدوه، الذين يتركون المعركة، فيقول: "إذا وصلتم إلى رحال القوم، فلا تهتكوا سترا، ولا تدخلوا دارا، إلا بإذني ".


وقد طبق رضي الله عنه هذا المبدأ أحسن تطبيق، وذلك في حرب الجمل عندما وجد في مواجهة بيت اختبأ فيه كل من عبد الله بن الزبير ومروان بن الحكم وغيرهما، بعد هزيمة جيش الجمل، فامتنع عن فتح البيت والدخول إليهم ([115]).


موضوع الماء:

كان الإمام رضي الله عنه يأمر بعدم منع عدوه من الحصول على الماء، حتى ولو كان تحت سيطرته، وحتى ولو كان هذا العدو نفسه قد منع الماء عن جند الإمام سابقا ([116]). ففي حرب صفين، كان جند معاوية، بقيادة الأعور السلمي، قد سيطروا على شريعة الفرات، ومنعوا جند الإمام رضي الله عنه من ورود الماء. فأمر الإمام رضي الله عنه قادته أن يتقدموا ويطردوا السلمي وجنوده من مواقع سيطرتهم تلك. فلما تم لهم ذلك، حاولوا أن يثأروا بمنع جنود معاوية من الوصول إلى شريعة النهر. ولكن الإمام رفض ذلك وخاطبهم بقوله: "لا! خذوا من الماء حاجتكم، وخلوا بينهم وبينه، لا أفعل ما فعله الجاهلون" ([117]).


هل ينطبق هذا الموقف على الغذاء؟


إن سيرة الإمام لم تفصح عن ذلك، ولكن إذا جاز لنا القياس على ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم من الأمر بالسماح بإيصال تمر اليمامة إلى مكة المحاربة له، عندما شكي إليه منع وصوله، فإننا نقول: إنه يحرم منع الغذاء عن العدو المسلم. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، نرى أن علة عدم منع الماء يمكن أن تكون نفسها علة عدم منع الغذاء. وهذه العلة هي حق الإنسان بالحصول على ما يسد الحاجات الأولية الضرورية. مما يحصل عليه جميع الناس، وحتى الحيوانات. ولعل الذي يعزز هذا الرأي، أن الإمام رضي الله عنه كان لا يسمح باغتنام الأموال. وهذه القاعدة يمكن أن تنطبق على الغذاء على أساس أنه من الأموال. وهذا ما سنراه في ما يأتي.



الغنائم:

لم يكن الإمام رضي الله عنه يسمح بالاستيلاء على الغنائم من الجيش المعادي، إلا ما يمكن استخدامه في القتال. فقد كان يوصي قادته وجنوده بقوله: "ولا تأخذوا شيئا من أموالهم، إلا ما وجدتم في عسكرهم من عدة الحرب وأدواتها ([118]) ..."لأن المسلم لا يجوز الاستيلاء على ماله إلا بثمنه، فهو ملك له ولورثته من بعده.


وهكذا فإن الإسلام ألغى الكثير من المبررات التي كانت تساق لشن الحروب، كما منعها في ظروف معينة وحرم النكث بالعهود، لكنه دعا إلى مقاومة الظلم والدفاع عن المستضعفين دولا وشعوبا، وحمل الجماعة مسؤولية القيام بذلك.


وكل هذه القواعد هي قواعد مفروضة على المسلم فرضا دينيا، وليست قواعد اتفاقية (تعاهدية) تخضع للأخذ والرد. إذا كان القسم الأول يثير نقاشا بين الفقهاء، فإن القسم الثاني من هذه القواعد، الخاص بالقتال بين المسلمين، يمكن أن يكون مجالا لاتفاقيات مع غير المسلمين فيطبق على أساس المعاملة بالمثل.


وفي هذه الحالة يجب أن يكون المسلمون عند عهودهم، وإلا يتعرضون للعقوبة على يد القضاء الإسلامي. من جهة، وللحساب في الآخرة من جهة أخرى.


ضمانات الحقوق في الإسلام


إن إقرار الحقوق مسالة هامة، ولكن عدم حمايتها يجعلها حبرا على ورق. وضمانة حقوق الإنسان في الأنظمة الوضعية تتمثل أساسا بالقضاء الذي يحميها من تجاوزات السلطة، وخاصة التنفيذية. والسلطة يمكنها التهرب وتفادي الوقوع في ما يثبت ارتكابها، وبدون الإثبات لا يحكم عليها، أو التذرع بظروف تضع لها القوانين التي تمكنها من الاعتداء على الحقوق أثناءها.


أما في الإسلام فالضمانة هي، إلى جانب القضاء الإسلامي، الإيمان نفسه، الذي يدفع السلطة التي ترتكب إلى أن تعترف بما ارتكبت خوفا من الله تعالى، كما يلزم المسلم بأن يساعد أخاه المسلم على نيل حقوقه. فإذا ارتكب الحاكم الظلم، فعلى المسلمين أن يردعوه، لأن واجبهم مقاومة الجور.


الرادع الذاتي


فالمؤمن موقن أن الله فرض عليه احترام حقوق الناس فعليه إلا يتعداها، وإلا يعرض نفسه، إلى جانب العقوبة العاجلة، للعقوبة الآجلة.


من هنا فهو لا يستطيع أن يلجأ إلى التخفي أو إلى الالتفاف أو الاحتيال على القانون، كما يحصل في الكثير من البلان وخاصة " المتقدمة" اليوم.


جماعة المؤمنين


إن الله يكلف جماعة المؤمنين بإنفاذ شرعه وأوامره عامة، وذلك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ([119]). من هنا لا يسعهم السكوت عن الاعتداء على حقوق آحادهم، بل يقاومون ذلك باللسان وباليد، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يقدر فبلسانه، فإن لم يقدر فبقلبه وهو أضعف الإيمان" ([120]).


القضاء


ينفذ القاضي في الإسلام الأوامر الإلهية على الجميع دون خوف أو محاباة، فإذا عجز لسبب أو لآخر فيتولى الأمر صاحب المظالم، وهو يتمتع بالقوة والنفوذ بما يمكنه من معاقبة أعلى الناس مسؤولية ([121]).


مقاومة الجور

يحث الله تعالى على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو شكل من أشكال مقاومة الانحراف، ومنه الجور، ويمدح القائمين بهذا الواجب فيقول:( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) (آل عمران/110)، راجع كذلك التوبة/112)


فإذا تمادى الحاكم ولم ينفع معه النصح، وجبت مقاومته. وأول المقاومة التمرد على الأوامر في معصية الله ورسوله، فقد خاطب تعالى من يؤمر بالطاعة في المعصية بقوله: (لَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ) (الكهف /28)، كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم القول: "على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب أو كره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة " ([122]).


على أن الأمر قد يتجاوز التمرد وصولاً إلى حمل السلاح، فحيث تنفع الكلمة تصبح واجبة، وتفوق أكبر الفرائض إذ يقول صلى الله عليه وسلم: "إن من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر" ([123]). فإذا لم يرعو الحاكم، فتجب مقاتلته عند المكنة، كما جاء في الحديث الشريف حول من رأى المنكر.


ولقد كانت القوانين الغربية (خاصة الفرنسية) قد نصت في يوم من الأيام على الحق بالثورة ضد الحاكم ([124])، إلا أنها ما لبثت أن تخلت عن ذلك، على أساس إلا ضرورة له في ظل "الحكم الديمقراطي" والتناوب على السلطة. غير أن الأمور لا تسير دائما بهذا الاتجاه. فما العمل عندما تبتلى الشعوب أو الإنسانية بالحكام المستبدين؟


إنه لا يبقى إلا الثورة عندما تتوفر إمكاناتها، وبهذا يكون الحل الإسلامي هو الحل الحقيقي. أما إذا تركت الأمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنها ستتردى، وهذا ما يعلمناه الله تعالى، بقوله حكاية عن قوم:( كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) (المائدة/79)، كما يفيده قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تزال أمتي بخير ما أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وتعاونوا على البر. فإذا لم يفعلوا نزعت منهم البركات وسلط بعضهم على بعض ولم يكن لهم ناصر في الأرض ولا في السماء"([125]). أو "سفط عليكم شراركم" ([126]).


وقد يحصل التخلي عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من طريق التواكل، بحيث يترك أحدنا الأمر للآخرين، حفاظا على نفسه أو مصلحته، لكن المتهرب، إذا نجا في عاجل أمره، لن ينجو في آجله. أما إذا تحول المسلم إلى التملق ليرضي الحاكمين، فيفقد صفة الإسلام: "من أرض سلطانا جائرا بسخط الله، خرج من دين الله" ([127]).


في هذه الحالات تبدأ إذا المصائب، وهي تتفاقم عندما تنقلب الأمور، فقد أنبأنا الله تعالى عمن يتخلون عن هذا الواجب ويفعلون عكسه بقوله:( الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (التوبة/67).



المقارنة مع القانون الدولي للنزاعات المسلحة


في القسم المتعلق بالنزاعات الدولية من القانون الدولي، من جهة، وبالحرب بين المسلمين وغير المسلين، من جهة ثانية، نجد أن القانون الدولي أفرد معاهدتي جنيف الأوى والثانية للجرحى ومن في حكمهم، أما القانون الإسلامي العام، فلم يخصهم بأحكام محددة، في حين رعاهم قانون القتال بين المسلمين.


إلا أن الإسلام اهتم بتقصير زمان القتال سواء بإقرار الأشهر الحرم الأربعة في السنة، أو في توقيت القتال عند مباشرته فقلص المدة التي يسمح فيها بإنشاب المعارك. وهذا ما يمكن أن تثري به الشريعة الإسلامية القانون الدولي، في هذا الصنف من الحروب.


أما في الجانب المتعلق بالنزاع ين المسلمين، فإن الإسلام تجاوز ما أقره القانون الدولي على نحو واسع، فهو منع، بخلاف القانون الإنساني، شن القتال في الأشهر الحرم وقلص ساعات القتال، إلا للدفاع، وحبذ ترك العدو يبدأ المعركة، كما حرم ملا حقة الفارين من القتال، وحرم منع جيش العدو من الحصول على الماء والغذاء، وحزم الغنائم بين المتقاتلين المسلمين.

كل هذا مع العلم أن القتال بين المسلمين ليس كله غير دولي، فالمسلمون أنشأوا دولا مستقلة، والقتال فيما بينها قتال دولي.

وإذا كانت القواعد الإسلامية أكثر رحمة، بعد كل التطور الذي لحق القانون الدولي، مختصة بالمقاتلين المسلمين، فإن ذلك لا يمنع من التعاهد عليها مع غير المسلمين، فتصبح قواعد عامة تحمي الإنسانية جمعاء.

وهكذا فإن مجال إثراء القانون الدولي بجانبه الإسلامي مجال واسع، فهل ستستفيد الإنسانية من هذا الإثراء؟ هل تسمح المصالح بالتوافق على ذلك في المستقبل المنظور؟

الخلاصة

يتبين لنا مما تقدم أن الإسلام أتى فعلا رحمة للعالمين، حتى قال غوستاف لوبون: "ما عرف التاريخ فاتحا أعدل من العرب "([128]). وذلك بحفاظه الحقيقي على العهود، ويمنعه حروب العدوان، وتحريمه أي نوع من القتال أربعة أشهر في السنة، وتقصير مدة الاشتباك... إضافة إلى ما شرعه في الحرب بين المسلمين، والذي يمكن أن يكون مادة لمعاهدات مع مختلف دول العالم، دون أن يضيره هذا المنشأ الخاص، فقانون النزاعات المسلحة نشأ قانونا بين الأمم المسيحية ومن أجل المسيحيين ([129])، وكان غير المسيحيين مستبعدين من مجال تطبيقه، ولم تمنع هذه النشأة سائر دول العالم، بما فيها الدول الإسلامية، من اعتماده. من هنا يتبين أن الشريعة والفقه الإسلاميين يمكن أن يثريا القانون الدولي الإنساني، وعلى نحو واسع، وما على المسلمين إلا أن يتقيدوا هم أنفسهم بمبادئ الإسلام، وأن يطرحوها للعالم ويناضلا في المؤتمرات الدولية من أجل تبنيها، ويذلك يوفرون على الإنسانية المزثيد من المآسي والدماء والدموع.


[1] أبو داود، أدب/131، وترمذي، تفسير سورة 28.


[2] (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) (البقرة (256/


[3] (وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ) (الأعراف/142) (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ) (هود/88) (وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (البقرة/224) (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا) (الأعراف/56).


[4] الطبرسى، المستدرك، 11/ 44


[5] سيرة ابن هشام. دار الجيل، بيروت، 1975. ج 3 ص 202 وما بعدها


[6] حسين النوري الطبرسى، مستدرك الوسائل، مؤسسة أهل البيت،.120/11


[7] الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي، الجهاد في الإسلام، دار الفكر المعاصر، بيروت، ودار الفكر، دمشق، 1993، ص 94.


[8] راجع الشيخ محمد أبو زهرة، نظرية الحرب في الإسلام، في سلسلة دراسات إسلامية، العدد 160، لسنة 2008، ص 23.


[9] راجع مالك بن أنس، المدونة الكبرى، زواية سحنون، وزارة الأوقاف السعودية، 9/3، محمد بن أحمد بن رشد (الحفيد)، بداية المجتهد، 951/2، دار السلام، القاهرة، 1995، والكمال بن الهمام الحنفي، تفتح القدير، دار الكتب العلمية، 2003، 5/ .436


[10] محمد بن الحسن الشيباني، السير الكبير، شرح السرخسي، دار الكتب العلمية، 1997، 4/ .186


[11] أبو يوسف، الخراج، دار المعرفة، 1979، ص .371


[12] راجع الطبري، مؤسسة الأعلمي، ج 2، ص .385


[13] راجع أبو زهرة، نظرية الحرب في الإسلام، في سلسلة دراسات إسلامية، العدد القاهرة 2008، ص 54.


[14] المرجع نفسه.


[15] بخاري، جهاد:102، مغازي: 38 و60، مسلم جهاد: 2، إيمان: 29، تأمير، وأبو داود جهاد: 82، وابن ماجه، جهاد: 36، وأحمد، 1/ 23، 236 وابن حبان في صحيحه، سير، الخروج وكيفية الجهاد، والدارمي سير: 8، وأبو يعلى في مسنده، أول مسند ابن عباس.


[16] الشيباني، مذكور سابقا، 1/59،


[17] الحر العاملي، الوسائل، مؤسسة آل البيت، 15/ 43.


[18] البخاري، جهاد: 102 و143، ومسلم، فضائل الصحابة: 34، وأحمد، :5 333، حيث أوصاه قائلا: "انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه، فو الله لئن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم ".


[19] كالسيد علي الأحمدي، في كتاب "مكاتيب الرسول صلي الله عليه وسلم"، دار صعب، بيروت.


[20] راجع محمد بن عيسى القرطبي، الإنجاد في أحكام الجهاد، تحقيق مشهور آل سلمان، مؤسسة الريان، 2011.


[21] ابن الأثير، الكامل في التاريخ، دار الفكر، 1978، 2 / 75.


[22] ابن هشام، السيرة النبوية، دار الجيل، 4/22.


[23] المصدر نفسه، ج 3، ص 182.


[24] المصدر نفسه، ص 135.


[25] الحر العاملي، مذكور سابقا،15/42، وراجع محمد بن الحسين الفراء، الأحكام السلطانية، مكتب الإعلام الإسلامي، 1406، ص .41


[26] راجع أبو زيد شلبي، تاريخ الحضارة الإسلامية، ة ص .148


[27] راجع محمد متولي الشعراوي، الجهاد في الإسلام، موقع1998 www.AAl -Mostafa. com ص 132


[28] تراجع الأعراف/45 والأنفال/47، والتوبة/34، وهود/19، وإبراهيم /3، والحج/ 25.


[29] ابن هشام، السيرة، دار الجيل، ج 4، ص 22وما بعدها.


[30] راجع محمد بن الحسن الشيباني، مذكور سابقا، 5/ .110


[31] المرجع نفسه، 5/ 110 و135،


[32] في هذا السياق تأتي مواجهتهم للبرنامج النووي السلمي الإيراني.


[33] راجع الشيباني، مذكور سابقا، 68/1، راجع كذلك محي الدين بن عربي، أحكام القرآن، دار الكتب العلمية، بيروت، 2003، 447/2


[34] العلامة النجفي، جواهر الكلام، 21/32،


[35] ابن كثير، التفسير، تفسير الآية 36 من سورة التوبة.


[36] بخاري، علم/37، مغازي/77... مسلم، حج /147، أحمد، 1 23/


[37] راجع ابن هشام، السيرة النبوية ؟؟؟؟


[38] الشيباني، مذكور سابقا، 1/ 31-34، والكليني، فروع الكافي، دار الأضواء، ط3، م 5، كتاب الجهاد، ص 28 و29، راجع كذلك أبواب الجهاد في سائر الصحاح


[39] بعد أن قتل خالد بن الوليد امرأة في غزوة هوازن، نهاه رسول الله صلي الله عليه وسلم عن أن يقتل "امرأة أو وليدا أو عسيفا" ابن الأثير، الكامل، مذكور سابقا، 2/ 180، ومسلم، جهاد/27 الشيباني، مذكور سابقا،، 4/ .186


[40] المصدر نفسه


[41] المصدر نفسه


[42] ابن هشام، السيرة النبوية، مذكور سابقا 3/ 40.


[43] تفسير القرطبي (132/10)، وتفسير ابن كثير (2/653)، وكذا أخرجه عبد الله بن أحمد في مسند أبيه بإسناده عن أبي بن كعب بنحو هذه القصة


[44] المرجع نفسه، 2/ .203


[45] وهبة الزحيلي، العلاقات الدولية في الإسلام، مؤسسة الرسالة، 1981، ص 81.


[46] مسلم، جهاد/8.


[47] نهج البلاغة، شرح ابن أبي الحديد، تحقيق محمد إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية،1967، ج 17، ص 106.


[48] راجع محمد متوفي الشعراوي، الجهاد في الإسلام، موقعMostafa. com 1998 www.AAl- ص 132


[49] الشيخ فاضل المالكي، مبادئ السلام، دار العلوم الإسلامية،1414


[50] الطبرسى، مذكور سابقا،11/ 42، وبخاري، جهاد: 101،


[51] مجلة البحوث الإسلامية: العدد الثالث والتسعون -الإصدار: من ربيع الأول إلى جمادى الآخرة لسنة 1432 جزء 93، رقم 358


[52] الوسائل، مؤسسة أل البيت لإحياء التراث، كتاب الجهاد، الباب 18.


[53] المرجع نفسه م 3 ج 15 ص 417


[54] راجع أبو زهرة، مذكور سابقا، ص 33.


[55] ابن الأثير، الكامل، مذكور سابقا، 2/ .200


[56] المرجع نفسه، ص، 21


[57] الحر العاملي، الوسائل، 15/ 62.


[58] السيد الخوئي، منهاج الصالين، مؤسسة الإمام الخوئي الخيرية 1/ .373


[59] أحمد بن محمد الدردير المالكي، الشرح الكبير، دار الفكر، بيروت، 2/178


[60] بخاري، أحكام: 23، جهاد: 171، وأحمد،4: 394 و406.


[61] ابن هشام، مذكور سابقا، ج 2، ص .209


[62] المصدر نفسه، ص .209


[63] الزحيلي، مذكور سابقا، 78.


[64] اللمعة الدمشقية (الروضة البهية في شرح)، دار العالم الإسلامي، .402/2


[65] الزحيلي، مذكور سابقا.


[66] ترمذي، سير: 18. ومحمد بن حبيب الماوردي، الأحكام السلطانية، مكتب الإعلام الإسلامي،1406، ص 50.


[67] راجع محمد بن الحسين الفراء، الأحكام السلطانية، مكتب الإعلام الإسلامي، 1406، ص 47. جمال عزون، الاختيارات الفقهية، دار ابن حزم، 2008، ص 806 وما يليها.


[68] الزحيلي، مذكور سابقا، ص 80.


[69] الحر العاملي، مذكور سابقا، 15/71.


[70] ابن قدامة، المغني، مكتبة القاهرة، 1968، 8/ .372


[71] بخاري، تفسير سورة 59، مسلم، جهاد: 29 و30، ابن ماجه، جهاد: 31...


[72] راجع أبو زهرة، مذكور سابقا، ص 65.


[73] موطأ مالك، جهاد: 10، أحمد، .5:276


[74] أبو داود، جهاد 24/، نسائي، جهاد 46/ الدارمي، جهاد 24/.


[75] حوى القرآن عددا كبيرا من الآيات بهذا المعنى، وخاصة الآية 205 من سورة البقرة، التي تقول:( وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ)


[76] الماوردي، مذكور سابقا، ص 54.


[77] الشيخ فاضل المالكي، مبادئ السلام، دار العلوم الإسلامية،1414، ص 97.


[78] الشيخ الطوسي تهذيب الأحكام، تحقيق حسن الخرسان، دار الكتب الإسلامية، طهران،6 1365 / 138والحر العاملي، 15/59.


[79] الشيخ صبحي الصالح، النظم الإسلامية، دار العلم للملايين، 1989، ص .523


[80] البلاذري، فتوح البلدان، مؤسسة المعارف، 1987، ص 331 و208.


[81] مجيد خدوري، الحرب والسلم في شرعة الإسلام، الدار المتحدة،1973، ص .236


[82] الشيباني، مذكور سابقا، 5/12.


[83] الشافعي، الأم، دار المعرفة، بيروت، 5199، 4/ .110


[84] اللمعة الدمشقية، 2/ .399


[85] العلافة النجفي، جواهر الكلام، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 21 / .298


[86] السيد الخوئي، منهاج الصالحين، مؤسسة الأمام الخوئي الخيرية، 1/ .401


[87] بخاري، جنائز /76، وصيد /9 و 10، ومغازي /53..


[88] القاسم بن سلام، الأموال، دار الهدي النبوي، مصر،2007 م، 1، ص .129


[89] القاسم بن سلام، الأموال، دار الحداثة،1988، ص .119


[90] ابن الأثير، الكامل في التاريخ. 122: 2


[91] محمد حميد الله، الوثائق السياسية للعهد النبوي والراشدي، دار النفائس، 1987، ، ص 56. فقد روي أن شخصا من بني حنيفة يدعى ثمامة بن أثال أسلم بعد أن أسر ثم أطلق، وكان سيد أهل اليمامة، قرر منع وصول تمر اليمامة إلى مكة، فراجعوه في ذلك، فقال: لا والله لا يصل إليكم حبة من اليمامة حتى يأذن فيه رسول الله صلي الله عليه وسلم. ثم خرج إلى اليمامة فمنعهم أن يحملوا إلى مكة شيئا فأضر بهم. وكتبوا إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم: إنك تأمر بصلة الرحم، وأنك قطعت أرحامنا. فكتب رسول الله صلي الله عليه وسلم إليه أن يخلي بينهم وبين الحمل، وكان ذلك قبل الحديبية.


[92] الشيخ أبو زهرة، مذكور سابقا، ص 78 وما بعدها.


[93] راجع أحمد بن إدريس القرافي، أنوار البروق، عالم الكتب، الرياض، الفرق بين قتال البغتة وقتال المشركين، ص 172 وما بعدها، ويحيى بن شرف النووي، روضة الطالبين، المكتب الإسلامي، 1991، كتاب الإمامة وقتال البغاة، ص 50 وما بعدها...


[94] راجع علي بن الحسين، في فروع الكافي، للكليني، مذكور سابقا، ج 5، ص 33.


[95] العاملي، مذكور سابقا، ج 1، ص .362


[96] المستدرك على الصحيحين، كتاب قتال أهل البغي، المسألة 1101.


[97] راجع ابن قدامة، مذكور سابقا، م 12 ص . 263-237


[98] يستند الشافعي إلى مواقف علي في تحديد قواعد قتال أهل البغي، راجع الأم، دار المعرفة، ج 4، ص230-227 وكذلك أحمد بن حنبل.


[99] موقع نور الله، رمضان1436، شخصيات إسلامية، الأئمة الأربعة، الإمام أحمد بن حنبل..


[100] عبد القاهر الجرجاني، درج الدرر في تفسير الآي والسور، دار الكتاب، 2009، ص 583


[101] نهج البلاغة، مذكور سابقا، م 1 ج 2 ص 216


[102] المرجع نفسه م 3 ج 15 ص 417


[103] أحمد القرافي، مذكور سابقا، راجع كذلك الماوردي، الحاوي الكبير، دار الكتب العلمية، 1999، ج 13 ص 99، والشافعي، الأم، مذكور سابقا، ج 4، قتال أهل البغي،


[104] المرجع نفسه.


[105] المرجع نفسه، م 3، ج 15، ص 417


[106] فروع الكافي،، دار الأضواء، بيروت، 1985 ،ج 5، ص 35


[107] الطبرسي، مستدرك النوري، باب حكم الأسارى في القتل ومن عجز منهم عن المشي، ج 11 ص50


[108] محمد باقر المحمودي نهج السعادة، دار التعارف، بيروت، 1976، 4/ .127


[109] ابن قدامة، مذكور سابقا، ص .243


[110] نهج البلاغة، ،م 1 ج 4 ،ص 341


[111] نهج البلاغة، مذكور سابقا، 3/ .414


[112] الطبرسى، مستدرك النوري،11/ 42.


[113] الحر، مذكور سابقا،15/ 63.


[114] المرجع نفسه، ص .417


[115] فروع الكافي، مذكور سابقا، م 5، كتاب الجهاد، ص 38


[116] شرح نهج البلاغة، مذكور سابقا، 3/ 418


[117] شرح نهج البلاغة مذكور سابقا، م 3ء ج «15 ص .418


[118] فروع الكافي، مذكور سابقا.


[119] راجع الحج/ 41 وآل عمران /104 و110 و114 والتوبة/71 و112...


[120] مسلم، إيمان /78، نسائي، إيمان /17، وترمذي، فتن/11، وابن حنبل، 3/ 20 و 49.

[121] د. عادل عبد العزيز حمزة -الطبيعة القانونية لحقوق الإنسان في القانون الدولي -رسالة دكتوراه جامعة عين شمس ص 402.

[122] بخاري، أحكام /4.

[123] ترمذي، فتن /13.

[124] تنص المادة 35 من مقدمة دستور 1793 على أنه عندما يخرق الحكم حقوق الشعب، تصبح الثورة بالنسبة إلى الشعب وإلى كل جز منه من أقدس الحقوق وأكثر الواجبات ضرورة.

[125] الحر العاملي، مذكور سابقا،،11/. 394

[126] الغزالي، إحياء علوم الدين، دار المعرفة، 2010، 3/6.

[127] الكليني، مذكور سابقا، 2/ .373

[128] غوستاف لوبون، حضارة العرب، ترجمة عادل زعيتر، مؤسسة هنادي، القاهرة، ص 630

[129] Voir Martin Van Creveld , The Transformation of War, Free Press, New York, 1991, p.132 and 138, et H. Grotius, droit de la guerre et de la paix, T1, livre II, N0 9, 10 et 12. Le Concile de Latran a prohibé l’usage de l’arc et de l’arbalète contre les Chrétiens.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق