بواعث الحرب في الإسلام ومدى انسجامها مع قواعد الحرب في الإسلام والقانون الدولي
إعداد
أ.د. زكريا إبراهيم الزميلي
أستاذ التفسير في: الجامعة الإسلامية
نائب العميد للبحث العلمي والدراسات العليا
أستاذ الدراسات الإسلامية باللغة الإنجليزية
د. نمر محمد أبو عون
دكتوراه في/ التفسير وعلوم القران
مرشد الوعظ في مديرية أوقاف الشمال
أستاذ الدراسات الإسلامية باللغة الإنجليزية
ملخص البحث
الإنسان منذ خلقه الله سبحانه وتعالى وهو يسعى إلى حفظ نفسه واتخاذ ما اهتدى إليه من الوسائل لحمايتها مق التهديد والهلاك؟ حتى ينعم بحياة طبيعية، ولكن تصادم الإرادات والحريات الإنسانية، حال دون تحقيق ذلك، ومن ثم تعرض في كل زمان ومكان لضروب شتى من الظلم والإساءة إليه، لكن حينما جاء الإسلام أعطى للإنسان قيمته وكرامته، سواء في حالة السلم أو الحرب.
هذا وقد جاء البحث في مقدمة، وثلاثة مباحث، وخاتمة، ففي المقدمة تناولنا أهمية البحث، وأسباب اختيار الموضوع، وأهداف البحث وغايته، ومنهج البحث، وخطة البحث، ثم جاء الحديث عن الإسلام وقواعد القانون الدولي الإنساني في المبحث الأول، وفي المبحث الثاني بواعث الحرب في الإسلام، وأما المبحث الثالث فقد تناول الحديث عن محرمات أثناء الحرب بين الإسلام والقانون الدولي الإنساني، وأخيرا جاءت الخاتمة، وبها أهم النتائج والتوصيات التي توصل إليها البحث.
Abstract
Since Allah created his creation the human seeks to save himself and take guided him of the means to protect them from the threat and destruction, even enjoy a normal life. But the clash of wills and human freedoms, the case without realizing it, and then displayed in every time and place different from injustice and abuse him to cruel, but when Islam came gives the man value .and dignity of the human being, whether in peacetime or war.
This Search consist of introduction, three sections, and a conclusion. In the introduction we dealt with the importance of research, and the reasons for choosing the topic, research objectives and purpose, and methodology of The research, and the research plan, and then came to talk about Islam and the rules of law IHL in the first section, and in the second section concerns the war in Islam, and the third section dealt talk about forbidden deeds during the was between Islam and international humanitarian law, and finally came Conclusion; and the most important findings and recommendations of the research.
المقدمة
الحمد لله الذي أعز الإسلام، والصلاة والسلام على محمد صلى الله عليه وسلم الذي قاد جيش الخير، وحارب الشر، وعلم - بقيادته في الحرب الفاضلة - كيف تكون القيم ومكارم الأخلاق والصلاة والسلام على صحابته الأطهار الذين جعلوا اللواء من بعده، فحاربوا بالعقيدة والسيف، بالخلق الكريم الذي ساد وحكم في الحرب والسلم على حد سواء، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، أما بعد:
الإسلام هو السباق في مجال حقوق الإنسان وحفظها، سواء أكان في وقت السلم أم في وقت الحرب منذ ما يزيد على ألف وأربعمائة عام، فمن أهم أهداف الشريعة الإسلامية تحرير الإنسان ورفع شانه وتوفير أسباب العزة والكرامة والشرف له، امتثالا لتكريم الله عز وجل له الذي أعلن تكريمه وتفضيله لجميع أفراد النوع الإنساني، حيث ظهر ذلك جليا في قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ) (الإسراء: 70).
كما أن مبدأ التعايش السلمي الذي تتطلع إليه الشعوب في حاضرها، أصوله إسلامية والذي يعود إلى صحيفة المدينة التي اشتملت على سبع وأربعين بندا، حيث قررت جملة من المبادئ والقواعد، ومن أهمها: وحدة المسلمين، والحرية الدينية، ووحدة أهل المدينة، وتنظيم الحياة الاجتماعية، وبذلك يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد أعلن أول دستور ينظم العلاقات بين سكان الدولة الجديدة، ويوضح التزامات جميع الأطراف وتحديد الحقوق والواجبات، ولم تعرف البشرية قبل هذا الدستور قانونا ينظم العلاقات بين الناس على النحو الذي جاء في دستور المدينة.
ومما لا شك فيه أن الفكر القانوني الوضعي في مجال حماية الإنسان واحترام آدميته في وقت الحرب والسلم فكر جديد نسبيا على المجتمعات الغربية، ولكن مضمونه نشأ في الفكر الإسلامي منذ صدور الإسلام، ويشهد لذلك ما ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية من نصوص تأمر بعدم العدوان وتجعل للحرب عند الضرورة غاية وهي أن تكون كلمة الله هي العليا، وأن الأصل في العلاقة بين الناس السلام والتعارف والتعاون.
ولكي تتضح الرؤية الإسلامية للقانون الدولي الإنساني لابد من التأكيد على منزلة الإنسان في الإسلام، وأن الإنسان هو مركز بناء الأمة، وقد حرره الإسلام بالتوحيد من كل ألوان الفردية والسلبية والطغيان، ومن ثم كان بهذه العقيدة أنموذجا متميزا بقيم العزة والفضيلة وإعمار الأرض بالخير والبر والإحسان، كما قرر الوحدة الإنسانية، فالناس جميعا أمة واحدة، أصلهم واحد ومصيرهم واحد، وأن مبدأ المساواة والوحدة الإنسانية يقتضي بالضرورة أن يكون أصل العلاقة بين الناس السلام والوئام والتعاون وتبادل المنافع، ومن ثم فالحرب في الإسلام ليست غاية في ذاتها، ولكنها تباح عند الضرورة: لعلاج مرض لم تجد الوسائل السلمية في علاجه.
وللإسلام تحفظات كثيرة على قيام الحرب، أما إذا قامت الحرب لظرف خارج عن إرادة المسلمين، فإن الإسلام وضع مبادئ تهدف إلى قصر أضرارها ما أمكن، حتى على مستوى المحاربين، ويقدر ما حرص الإسلام على وجوب إعداد القوة العسكرية العامة لمواجهة أعدائه، والتي تشمل القوة البشرية والمادية والمعنوية، بقدر ما أنكر البغي والعدوان، كذلك القانون الدولي الإنساني، وإن كان لا يمنع الحرب، ولم يتجاهل ضروراتها، إلا أنه يسعى إلى الحد من آثارها حرصا على مقتضيات الإنسانية، ويدعو إلى التفرقة بين الأهداف العسكرية، والأشخاص المدنيين، والممتلكات.
وتلتقي أحكام الإسلام مع أحكام القانون الدولي الإنساني في كثير من القضايا التي تتعلق بحماية المدنيين والأعيان المدنية أثناء الحرب: سواء أكانت لك الأعيان ثقافية أم صحية أم سكنية أو موارد طبيعية أو غيرها، بل لقد سبق الإسلام القانون الدولي الإنساني بألف وثلاثمائة سنة تقريبا، إذ وضع ضوابط لجيش المسلمين، ومحرمات أثناء الحرب يجب الالتزام بها، والأهم من ذلك كله أن مصادر التشريع في الإسلام، لا تؤيد حروب الإبادة وتدمير الممتلكات لمجرد التدمير والإتلاف، والمرجع في ذلك هو احترام النفس الإنسانية وعدم قتلها إلا بالحق، وحفظ البيئة، وحظر الفساد والإفساد في الأرض بشكل عام، فإذا تحقق الهدف العسكري، وتم التمكن من الخصم، فلا داعي لشن عمليات لا طائل من ورائها.
وإذا كان القانون الدولي المعاصر يحرم التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي، أو الاستقلال السياسي لأي دولة أو على أي وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة، فإن الشريعة الإسلامية كذلك لا تبيح استخدام القوة المسلحة إلا للضرورة والتي تقدر بقدرها، فقد سبق فقهاء الإسلام إلى وضع قواعد الحرب في الإسلام كاملة قبل أن ينص القانون الإنساني الدولي على الكثير من بنودها، فالفقيه محمد أبي الحسن الشيباني أول من وضع قواعد ومبادئ وأحكام هذا العلم في كتابيه: السير الكبير والسير الصغير، وتكريما له أنشئت في ألمانيا جمعية تحمل اسمه، كذلك أفاض فقهاء الشريعة الإسلامية في كتب السير وكتب الجهاد، في شرح وبيان بواعث الحرب في الشريعة الإسلامية، الواردة في القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة والسيرة النبوية وسيرة الخلفاء الراشدون ومن تبعهم وسار على نهجهم. ([1])
وهذا البحث يعمل على توضيح تلك البواعث: كي يدرك المجتمع الدولي أن الإسلام لم يتأخر يوما عن ركب الحضارة، فأبناء الإسلام علموا أوروبا الحضارة بشهادة الأعداء قبل الأصدقاء، وتكفينا شهادة الله عز وجل في كتابه الكريم (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) آل عمران: 110)، ومن خلال هذا البحث نحاول تسليط الضوء على هذا الموضوع الموسوم بعنوان: بواعث الحرب في الشريعة الإسلامية.
أولا: أهمية البحث:
تأتي أهمية هذه البحث في أنه يسعى لبيان بواعث الحرب في الإسلام، وإبراز القيم الحربية الإسلامية، مع مقارنتها بالقانون الدولي الإنساني، مع الإشارة إلى أن الحرب في الإسلام حرب تسعى لرحمة البشرية، واحترام الكرامة الإنسانية، باعتبار أن الإنسان هو بنيان الله في الأرض، وأن النفس البشرية هي أشرف النفوس.
كثرة النزاعات الدولية، والثورات التي تجتاح بلدان العالم -خصوصا العربية والإسلامية- تحتاج إلى إبراز دور القيم ومكارم الأخلاق في التعايش مع الآخر، كي لا ننساق وراء اعتداء المعتدين، ومن ثم نثبت الشبهة التي يوصف بها الإسلام والمسلمون من أنهم إرهابيون، وأن الإسلام دين الإرهاب!
هذا البحث محاولة لإبراز عظمة الإسلام وشموليته لمناح شتى من الحياة، سواء أكانت في السلم أم الحرب، وإبراز لدور القيم وأهميتها في حماية الإنسان وصون حقوقه: لأن الإنسان خليفة الله في الأرض.
بيان كيفية التوجيهات القرآنية والنبوية لبناء جيل الصحابة الكرام رضي الله عنهم، للوصول إلى الشخصية الإسلامية المنشودة، وبالتالي الاستفادة من تلك التوجيهات لمواجهة تحديات اليوم.
خدمة دعوة الله سبحانه وتعالى، والإقبال على مائدة القرآن العظيم والسنة النبوية، وهذا لا يفضله شيء.
ثانيا: أسباب اختيار الموضوع:
توضيح بواعث الحرب في الإسلام، حيث إنها حرب لرد الاعتداء، وكسر شوكة الطغاة والمعاندين، الذين يقفون في طريق الدعوة إلى دين الله تعالى.
إزالة اللبس - عند البعض - حول حقيقة الحرب في الإسلام، وهل هي دفاعية فقط؟ أم هجومية فقط؟ أم تجمع بين الدفاع والهجوم في آن واحد؟
إظهار إسهامات المسلمين قديما وحديثا فيما يخص الحروب الحديثة: حيث إن القانون الدولي الإنساني متأثر في نصوصه بتعاليم الإسلام السمحة.
الرد على من يزعم أن الإسلام انتشر بحد السيف: حيث إن المسلمين نقلوا العالم بمكارم أخلاقهم في الحروب إلى الإسلام، ولم ينقلوا الإسلام بحروبهم إلى الأمم.
ضرورة أن تكون هناك قوة رادعة لدى المسلمين، أو تزيد عن قوة الأعداء الذين يتربصون بهم الدوائر، وبسبب عدائهم الظاهر وغير الظاهر للإسلام والمسلمين.
أهمية إبراز الموضوع بصفته أحد الركائز العامة في العلاقات الدولية.
ثالثا: أهداف البحث وغايته:
إبراز أن الشريعة الإسلامية أقرت قبل القانون الدولي الوضعي ضرورة الأخذ بالوسائل السلمية لحل الحروب والنزاعات، وأن الإسلام عرف حقوق الإنسان في الحرب والسلم.
بيان أن الشريعة الإسلامية تربط سلوك الإنسان وقلبه بالله تعالى، فعبادة الله ليست بمعزل عن السلوك أو الأخلاق في الحرب، فلا بد من صلة بالله يأتي منها المدد والزاد.
توضيح أن قواعد الحرب في الشريعة الإسلامية تمتاز بوجود عنصر الإلزام الذي تفتقر إليه قواعد القانون الدولي الوضعي، فهي تعد عبادة يتقرب بها المسلم إلى ربه.
إظهار أن الحرب في الإسلام ظاهرة استثنائية، لها ضوابطها وضروراتها التي تقدر بقدرها، وأن الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم السلم لا الحرب.
إبراز القيم السامية للحرب في الإسلام، وبيان أنها تشمل جميع مراحل الحرب منذ بدئها، وإلى أن تضع الحرب أوزارها، وكذلك لها أسباب وبواعث، تجعل منها رحمة للبشرية، لا سببا في شقائها، وحفاظا للحقوق والحرمات، ونشر العدل بين أفراد الأسرة الدولية.
التدليل على أن الإسلام منذ نشأته يدرك معنى العلاقات الدولية وأهميتها، وضرورة التعايش السلمي مع الآخرين، وهناك قيم مشتركة للحرب بين الإسلام والقانون الدولي الإنساني، وهناك قيم للحرب انفرد بها الإسلام، ولا وجود لها في القانون الدولي الإنساني.
توضيح أن القانون الدولي الإنساني الخاص بالنزاعات الدولية، نشأ أصلا، للتخفيف من ويلات الحروب، وأن نصوص هذا القانون ومبادئه تطورت كثيرا منذ نشأتها وحتى الآن بما يخدم الإنسانية، وأن هذا القانون متأثر في كثير من مواده بقانون الحرب في الإسلام، وما أثير من شبهات قديما وحديثا حول الحرب في الإسلام، إنما هو محض افتراء لا دليل عليه!
إثبات أن واقع ومستقبل الحرب في الإسلام يختلف عنه في ظل القانون الدولي الإنساني، فالقانون الدولي الإنساني وحده قاصر عن إيجاد الحلول اللازمة والنهائية للنزاعات الدولية، فالحروب والنزاعات الدائرة الآن، وكذلك المستقبلية، في حاجة ماسة لأن يستفيد أطرافها من قيم الحرب في الإسلام.
رابعا: منهج البحث: لقد تعددت المناهج المتبعة في هذه الدراسة ما بين المنهج التحليلي والمنهج النقدي والمنهج المقارن، والمنهج الاستنباطي، ويمكن تحديد أهم معالم المناهج المتبعة في هذا البحث على النحو التالي:
استخلاص بواعث وقيم للحرب في الإسلام من القرآن والسنة في الأساس.
فهم بواعث الحرب في الإسلام في إطار الشريعة الإسلامية الشاملة، وغايتها العامة.
سيكون الهدف الأساس هو معالجة مشكلات الحرب في العصر الحديث، والتي يعاني منها الناس، وما يترتب عليها من آثار ضارة بالبشرية، المتعلقة بحياتنا الراهنة.
استخدام النصوص الإسلامية التي يعتمد عليها في تقرير الأفكار، مع الرجوع إلى معانيها.
دراسة النصوص من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية المتعلقة بنقاط البحث: حيث إن دراستها -بعضها مع بعض- تعطي صورة كاملة عن جوانب الموضوع كما وكيفا.
الاستدلال أو الاستئناس بما ورد في السنة النبوية بما يتفق مع موضوع البحث، وتخريج الأحاديث حسب الأصول وعزوها لمظانها.
مقارنة قيم الحرب في الإسلام بما جاء في نصوص ومواد القانون الدولي الإنساني، وذلك أن قيمة الفكرة تتضح بصورة أكمل وأوضح عندما تقاس بغيرها، كما أن المقارنة وسيلة لتوضيح الفكرة، وذلك إذا تمت بصورة موضوعية تعطي كل ذي حق حقه.
خامسا: خطة البحث: لقد اقتضت طبيعة البحث أن يشتمل على: مقدمة، وثلاثة مباحث، وانقسم المبحث منها إلى عدد من المطالب، كل ذلك وفق ما يقتضيه حجم الموضوع وتكوينه، ثم خاتمة، وفهارس بالمصادر والمراجع، وذلك على النحو التالي:
المبحث الأول: الإسلام وقواعد القانون الدولي الإنساني، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: ماهية الحرب في الإسلام.
المطلب الثاني: أثر الإسلام في قواعد القانون الدولي الإنساني أثناء الحرب.
المطلب الثالث: قيود الشريعة الإسلامية على سير القتال.
المبحث الثاني: بواعث الحرب في الإسلام، وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: رد الاعتداء على المسلمين وصد الطغيان.
المطلب الثاني: الإغاثة الواجبة لشعب مسلم أو حليف عاجز عن الدفاع عن نفسه.
المطلب الثالث: إخماد الفتن، ودفع الأذى، وتمكين الدعوة.
المطلب الرابع: أثر الإسلام في القانون الدولي الإنساني.
المبحث الثالث: محرمات أثناء الحرب بين الإسلام والقانون الدولي الإنساني، وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: الحرب بين الإسلام والأحكام الدولية.
المطلب الثاني: القيم والقواعد الأخلاقية الإسلامية التي تحكم الحرب قبل وقوعها.
المطلب الثالث: القيم والقواعد الأخلاقية الإسلامية التي تحكم الحرب حال وقوعها.
المطلب الرابع: قواعد الحرب في القانون الدولي المعاصر والمقارنة بينها وبين قواعد الحرب في الشريعة الإسلامية.
الخاتمة: وبها أهم النتائج والتوصيات التي توصل إليها البحث.
المبحث الأول - الإسلام وقواعد القانون الدولي الإنساني
تمثل الحرب السمة البارزة للمجتمعات الإنسانية خلال تاريخها الطويل، فهي ظاهرة اجتماعية قديمة مرتبطة بتكوين تلك المجتمعات، الهدف منها إحداث تغيرات على مختلف الأصعدة والميادين، فبها يرفع الظلم ويدفع العدوان أو تكون أداة لحل الخلافات النزاعات أحيانا، وتقهر الشعوب وتستلب حرياتها وتستنزف خيراتها، ولبسط النفوذ والسيطرة على العالم أحيانا أخرى.
والحرب هي الوسيلة الأخيرة من وسائل الإكراه التي يلجأ أطراف النزاع إليها، في حال فشلت الوسائل السلمية لحله، فعلى الرغم من كثرة الاتجاهات والدعوات نحو تفادي الحروب أو التقليل منها في أضيق نطاق، إلا أنه تبقى الحرب شرا لا يمكن تجنبه في كثير من الأحيان، وأن السلام الدائم أملا بعيد المنال، فالحرب تحكيم القوة بدل القانون ومبادئ العدالة، غير أن ذلك لا يعني أن شن الحرب أو خوضها مبني على الظلم والعدوان دائما، إذ قد تكون هناك ضرورة ملحة لخوض غمارها، لذا سنتناول هذا المبحث في المطالب الثلاثة التالية:
المطلب الأول: ماهية الحرب في الإسلام:
عرف الإسلام الحرب ووضع لها أسبابا مشروعة لشنها وخوضها، كما أنه وضع القواعد التي يجب اتباعها قبل بدأ الحرب وأثناء اندلاعها وكيفية احتواء آثارها، وتلك القواعد قد استمدت من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.
والشريعة الإسلامية تستمد مبادئها وأهدافها من العقيدة الإسلامية، فمن خصائص هذه العقيدة: أنها تقيم الإيمان على أساس الاقتناع الحر والاعتقاد المستقر في القلب المطمئن بالإيمان، ومبدأ التسامح تجاه سائر الآخرين، إذ قال الله سبحانه وتعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) البقرة: .(256ومن خلال هذا فإنه يمكن تلمس معنى الحرب فيها، فالحرب ليست هي القاعدة والأصل بعلاقة المسلمين بغيرهم، فمنهج الدعوة الإسلامية بني على أساس الحكمة والإقناع وعدم اللجوء إلى منطق القو، إلا لضرورة يقتضيها منهج الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.
ولقد بحث فقهاء الشريعة الإسلامية علاقة المسلمين بغيرهم وخاصة في حالة الحرب تحت مسميات عدة نذكر منها: (كتاب السير والجهاد والغزوات والمغازي...)، غير أنهم لم يعرفوا الحرب كما عرفها فقهاء القانون الدولي العام، فهم قد وضعوا لها أوصافا وصفت بها، فالحرب عند الفقهاء المسلمين قد شرعت لدفع العدوان ورفع الظلم وإغاثة المستضعفين، فضلا عن كونها أداة استثنائية لنشر الدين الإسلامي، وهي بذلك محكومة بحدود الفضيلة واحترام الكرامة الإنسانية، فالحرب عند المسلمين لا يتجسد هدفها أو غايتها في الاستعلاء العنصري أو الاستغلال المادي، بل إنه يتجسد أولا وأخيرا في إعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى، والحرب في ذاتها لا يرغبها المسلمين كونها تؤدي إلى هلاك خلق الله وتخريب العمران وما يحتاج إليه الناس في معايشهم من نعم، غير أن ذلك الشر الكبير يمكن تحمله لغاية سامية يبتغي من ورائها المسلمون إعلاء كلمة الله ورد العدوان والقضاء على فساد المشركين وبغيهم.
والله سبحانه وتعالى قد أكد في كتابه العزيز أن الحرب أمر مكروه عند المسلمين بقوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ) (البقرة: 216)، فلو كانت الحرب أمرا طبيعيا لما قال تعالى: (وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ).
والقرآن يؤكد في أكثر من سورة أن الحرب ظاهرة دائمة ومرتبطة بالوجود الإنساني، وأنها سنة من السنن الكونية الكبرى المعروفة بسنة التدافع، وهذا ما أكده قوله تعالى:
(وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) (البقرة: 251)
وكذلك في قوله تعالى: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) (الحج: 40).
س- هل انتشر الإسلام بالسيف؟
هناك جدال دائم يثار دوما حول هذا التساؤل، ولبيان ذلك نقول إن الله عز وجل أمر المسلمين بألا يعتدوا على الناس، بل يجادلوا بالتي هي أحسن، سواء أكانوا من أهل الكتاب، أم من غيرهم، كما أقرهم بالصبر، كما جاء ذلك في العديد من الآيات، منها:
قوله تعالى: (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (العنكبوت: 46)، فأولئك أمرنا بجهادهم، بعد مجادلتهم بالتي هي أحسن: لأن الظالم ليس بذي علم ولا دين ولا حق، ولهذا كان مستحقا للقتال.
وقوله تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (النحل: 125).
وقوله: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ) (النحل: 126، (127
وهذه الآيات وأمثالها، لا تناقض ما جاء في قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ) (النساء: 177)، فالجمع بين (الجدال) و(الجهاد) هو أسلوب الإسلام ومنهجه، ولكل منهما موضعه، إذ إن كلا منهما ينفع حيث لا ينفع الآخر، وإن استعمالهما جميعا أبلغ في إظهار الهدى ودين الحق: فمن كان من أهل الذمة والعهد والمستأمن منهم ليس داخلا فيمن أمر الله بقتاله، بل ضمن من أمر الله بدعوته ومجادلته بالتي هي أحسن.
ففي صحيح البخاري في "باب: يقاتل عن أهل الذمة ولا يسترقون، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال في خطبته - موصيا الخليفة من بعده- عند وفاته "وأوصيه بذمه الله، وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم، أن يوفي لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، ولا يكلفوا إلا طاقتهم" ([2])
وذلك امتثال لقول النبي صلى الله عليه وسلم "ألا من ظلم معاهدا، أو انتقصه، أو كلفة فوق طاقته، أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس، فأنا حجيجة يوم القيامة،،.([3])
وجاء في كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كتبة لعمرو بن حزم رضي الله عنه حين بعثة إلى اليمن:
"وأنه من أسلم من يهودي أو نصراني إسلاما خالصا من نفسه فدان دين الإسلام فإنه من المؤمنين، له ما لهم، وعليه ما عليهم، ومن كان علي نصرانية أو يهودية فإنه لا يفتن عنها" ([4])
وأما المستجير المستأمن -وهو من أهل الحرب- فقد أمر الله تعالى بإجارته حتى تقوم حجة الله عليه، ثم يبلغ مأمنه، قال تعالي) : (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ) (التوبة: 6).
والحرب الإسلامية، دفعت إليها الرحمة، وأظلتها الرحمة، وأنهتها الرحمة، وإذا كان من الرحمة بجسم الإنسان أن تقطع بعض إجزائه الفاسدة كي لا يسري الفساد ولا يستشري، فإن من الرحمة بالناس جميعا أن تبتر عناصر الفساد من الطغاة والظالمين والمستبدين، كي يعيش سائر الناس آمنين مطمئنين، لا يهدد حياتهم خوف ولا ظلم ولا اضطهاد.
فمن خلال هذه الآيات يتبين الفرق بين الحرب المشروعة في الإسلام وغير المشروعة، إذ حرم القرآن حروب التشفي والانتقام فقال تعالى: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا) (المائدة: 2)، كما أنكر الإسلام حروب التخريب والتدمير وحروب الاستعمار والتوسع والاستعلاء، فقال تعالى: (تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (القصص: 83).
المطلب الثاني: أثر الإسلام في قواعد القانون الدولي الإنساني أثناء الحرب:
بمجيء الإسلام تم وضع تفاصيل شاملة لأصول القواعد الإنسانية للعلاقات الدولية في السلم والحرب، على الرغم من بذل الكثير من المحاولات الإنسانية التي كانت تحاول وضع حد لويلات الحروب وجرائمها المروعة.
ما القانون الدولي الإنساني؟ وما هي خصائصه؟
إن دراسة حقوق الإنسان أثناء النزاع المسلح على المستوى الدولي أو الإقليمي لها جذور تاريخية قديمة، وأن الاهتمام بهذه الحقوق جاء ضمن ما اصطلح عليه بالقانون الدولي الإنساني، ومن هذه الحقوق أن هذا القانون هو مجموعة الأعراف التي توفر الحماية لفئات معينة من الأفراد أو الممتلكات، وتحرم أي اعتداءات قد يتعرضون لها أثناء الصراعات المسلحة، وهذه الأعراف مستمدة من المعاهدات أو القانون الدولي الإنساني، الذي هو مجموعة القواعد والمبادئ التي أقرتها الدول لتنظيم حقوق الإنسان في وقت السلم والحرب على السواء، فالقانون إذن يسعى إلى حماية حقوق الإنسان وتنظيمها سواء أكانت في المواجهة الداخلية أم المواجهة مع دولة أجنبية.
ومن أهم تطبيقات هذه الحقوق هي الحد من الآثار التي يحدثها العنف على المحاربين، بما يتجاوز القدر اللازم الذي تقتضيه الضرورات الحربية، وكذلك تجنيب الأشخاص الذين لا يشاركون بشكل مباشر في الأعمال الحربية، وحماية الأقليات الدينية في الدول التي تعيش فيها. ([5])
وتتعدد التعريفات التي تتعلق بالقانون الدولي الإنساني، لتضيق أو تتسع حسب فهم وتوجهات الجهة التي أناطت بنفسها تقديم مفهوم محدد له، ومع ذلك مما يتفق عليه أن القانون الدولي الإنساني، لا يسعى إلى منع الحرب، وإنما يسعى إلى الحد من معاناة الإنسان أثناء الحروب والتخفيف من ويلاتها، كذلك يهدف إلى تنظيم الأعمال العدائية، وتقييد وسائل وأساليب القتال، وضمان التناسب في استخدام القوة، ومنع الآلام التي لا مبرر لها.
وتعريفه:" مجموعة من القواعد العرفية والمكتوبة التي تهدف إلى الحد من آثار النزاعات المسلحة، وحماية الأشخاص الذين لا يشاركون، أو الذين يكفون عن المشاركة في الأعمال العدائية" ([6])
مصادر القانون الدولي الإنساني:
تعددت مصادر القانون الدولي الإنساني من اتفاق لاهاي لعامي 1889، 1907 واتفاقيتي جنيف لعامي 1949، 1977 والأعراف الدولية وكذلك ميثاق هيئة الأمم 1946، ومن قبله ميثاق عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى، فإذن مصادره هي: المعاهدات والاتفاقيات الدولية والعزف الدولي، وقرارات المنظمات الدولية، وآراء كبار الفقهاء، واجتهادات المحاكم كمصادر احتياطية.
من هنا نجد أن هذا القانون نشأ كرد فعل لما شهدته المعارك الحربية في الدول الغربية من جرائم وحشية مروعة ضد القيم الإنسانية، واليوم يقسم القانون الدولي الإنساني، أو كما يسميه البعض قانون الحرب إلى قسمين: الأول لاهاي، والثاني: قانون جنيف.
أولا: قانون لاهاي: وضعت أسس هذا القانون في مؤتمري لاهاي للسلام في عامي 1907-1899 حيث أبرمت عدة اتفاقيات لتحديد واجبات وحقوق الدول، في إدارة العمليات الحربية، وأيضا الحد من حرية الدول في اختيار وسائل إلحاق الضرر بالعدو، مع الأخذ بعين الاعتبار الأجزاء التي نقلت من هذا القانون في عامي 1949-1929 إلى قانون جنيف، والخاصة بالوضع القانوني لأسرى الحرب، والوضع القانوني للجرحى والمرضى الغرقى في العمليات الحربية البحرية، والوضع القانوني للسكان المدنيين في الأراضي المحتلة.([7])
وقد دخلت في نطاق هذا القانون بعض الاتفاقيات التي لا تحمل اسم العاصمة الهولندية لاهاي مثل إعلان (سان بطرسبرغ) لعام 1868 الذي يحظر استعمال الرصاص المتفجر، وبروتوكول جنيف لعام 1925 بشأن حظر استعمال الغازات الخانقة والسامة أو ما شابهها والوسائل الجرثومية في الحرب، واتفاقية جنيف لعام 1980 بشأن حظر أو تقييد استعمال أسلحة تقليدية معينة يمكن اعتبارها مفرطة الضرر أو عشوائية الأثر، والبروتوكول الأول (جنيف) عام 1980 بشأن الشظايا التي لا يمكن الكشف عنها، والبروتوكول الثاني لعام 1996 المتعلق بحظر أو تقييد استعمال الألغام والأشراك الخداعية والنبائط الأخرى، والبروتوكول الثالث لعام 1980 بشأن حظر أو تقييد استعمال الأسلحة المحرقة، والبروتوكول الرابع لعام 1995بشأن أسلحة الليزر المعمية، وأخيرا اتفاقية حطر استعمال وتخزين وإنتاج ونقل الألغام المضادة للأفراد وتدميرها لعام 1997 م. ([8])
ثانيا: قانون جنيف: وهو يهدف إلى حماية العسكريين العاجزين عن القتال، أي الذين أصبحوا خارج العمليات الحربية، أو ألقوا السلاح كالجرحى والمرضى والغرقى وأسرى الحرب، وأيضا حماية الأشخاص اللذين لا يشتركون في العمليات الحربية أي المدنيين كالنساء والأطفال والشيوخ.
وهو يتألف من اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 وبروتوكوليها الإضافيين لعام 1977 والتي تم وضعها تحت رعاية اللجنة الدولية للصليب الأحمر وجهودها المستمرة لتطوير قواعد القانون الدولي الإنساني، حيث تم تبني هذه الاتفاقيات وهي كالتالي:
الأولى: لتحسين حال المرضى والجرحى بالقوات المسلحة في الميدان، الثانية: لتحسين حال جرحى ومرضى وغرقى القوات المسلحة في البحار، الثالثة: بشأن معاملة أسرى الحرب، الرابعة: بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب.
بعد ذلك تم وضع البروتوكولين الإضافيين لعام 1977 لتطوير قواعد اتفاقيات جنيف لعام 1949 واستكمال النقص الموجود فيها وسد الثغرات وهما كالتالي: الأول: يتعلق بحماية ضحايا النزاعات المسلحة الدولية، الثاني: يتعلق بحماية ضحايا النزاعات المسلحة غير الدولية.
الإسلام والقانون الدولي الإنساني:
الذي لا مراء فيه: أن الفكر القانوني الوضعي في مجال حماية الإنسان واحترام آدميته في وقت الحرب والسلم فكر جديد على المجتمعات الغربية، ولكن مضمونه نشأ في الفكر الإسلامي منذ صدور الإسلام، ويشهد لذلك ما ورد في كتاب الله العزيز وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم من نصوص تأمر بعدم العدوان وتجعل للحرب عند الضرورة غاية مقدسة، وهي أن تكون كلمة الله هي العليا، وأن الأصل في العلاقة بين الناس السلام والتعارف، ومن ثم تصبح الحرب وسيلة لمنع العدوان ولنشر السلام والأمن، وتكون نظيفة شريفة لا تعرف استعلاء ولا نهبا للثروات.
منزلة الإنسان في الإسلام: لكي تتضح الرؤية الإسلامية للقانون الدولي الإنساني لابد من التأكيد على منزلة الإنسان في الإسلام، وأن الإنسان هو مركز بناء الأمة، وقد حرره الإسلام بالتوحيد من كل ألوان الفردية والسلبية والطغيان، ومن ثم كان بهذه العقيدة أنموذجا متميزا بقيم العزة والفضيلة وإعمار الأرض بالخير والبر والإحسان.
كما قرر الوحدة الإنسانية، فالناس جميعا أمة واحدة: أصلهم واحد ومصيرهم واحد، وأن مبدأ الأخوة والمساواة والوحدة الإنسانية يقتضي بالضرورة أن يكون أصل العلاقة بين الناس السلام والوئام والتعاون وتبادل المنافع، ومن ثم فالحرب في الإسلام ليست غاية في ذاتها، ولكنها تباح عند الضرورة: لعلاج مرض لم تجد الوسائل السلمية في علاجه.
مبدأ التعايش السلمي واللاعنف بين الإسلام والقانون الدولي الإنساني:
إن مبدأ التعايش السلمي الذي تتطلع إليه الشعوب في حاضرها، أصوله إسلامية، حيث يعود إلى صحيفة المدينة التي اشتملت على سبع وأربعين فقرة أو بندا، منها ثلاث وعشرون خاصة بوثيقة الحلف بين الأنصار، وقد قررت الوثيقة جملة من المبادئ والقواعد التي تعد آية من آيات حكمة الرسول صلى الله عليه وسلم السياسية، كما تعد فتحا جديدا في حياة المسلمين بعد الهجرة.
ومن أهم تلك المبادئ: وحدة المسلمين، والحرية الدينية، ووحدة أهل المدينة، وتنظيم الحياة الاجتماعية، ويذلك يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد أعلن أول دستور ينظم العلاقات بين سكان الدولة الجديدة، وقد أوضح ذلك الدستور التزامات جميع الأطراف وتحديد الحقوق والواجبات، ولم تعرف البشرية قبل هذا الدستور قانونا ينظم العلاقات بين الناس على النحو الذي جاء في دستور المدينة.
إن مبدأ اللاعنف في الإسلام أطروحة قابلة للتطبيق في العلاقات الدولية والقانون الدولي، فهذه حقيقة تؤكد أن هناك توافق بين القوانين المعاصرة والتشريعات الإسلامية، وأكد ابن عاشور هذه الحقيقة حينما بين أن الإسلام لا يمانع بالتعاون على البر والتقوى وما فيه مصالح الناس، في كل ما هو خير بين المسلمين وغيرهم، وإن كانوا كفارا، وذلك حين تفسيره لقوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (المائدة: 2) ، حيث قال: "يعني: أن واجبكم أن تتعاونوا بينكم على فعل البر والتقوي، وإذا كان هذا واجبهم فيما بينهم، كان الشأن أن يعينوا علي البر والتقوي، لأن التعاون عليها يكسب محبة تحصيلها، فيصير تحصيلها رغبة لهم، فلا جرم أن يعينوا عليها كل ساع إليها، ولو كان عدوا.... فهم وإن كانوا كفارا يعاونون على ما هو بر: لأن البر يهدي للتقوي، فلعل تكرر فعله يقربهم من الإسلام ([9])
وكذلك ينفرد الإسلام في تشريعاته بمرجعية دينية تجعل لها على النفوس هيبة وسلطانا والتزاما صادقا بها، وأن النزعة الإنسانية في التشريعات الإسلامية هي وحدها السبيل لحياة عزيزة للناس كافة، وكل فكر يحتاج إلى حماة ويذودون عنه، ولهذا كانت دعوة الإسلام إلى إعداد القوة بمفهومها الشامل، فقوة المسلمين عقيدة وإعدادا، هي مناط تطبيق شرع الله تعالى وإعلاء كلمته.
المطلب الثالث: قيود الشريعة الإسلامية على سير القتال:
كانت الحروب قبل النبي صلى الله عليه وسلم حروب شعوب لا حروب مقاتلين فقط، فكان الشعب المحارب يستبيح من الشعب الآخر كل الحرمات في الميدان وفي خارج الميدان، فقبل ظهور الإسلام كان العالم يسوده الظلام والحقد والقسوة والوحشية، وكانت محاولات تنظيم الحروب وتقليل مخاطرها قليلة ونادرة، واستمرت الحال كذلك حتى جاء النبي محمد صلى الله عليه وسلم فاعلن -بالأفعال والأقوال- أن القتل في الحروب لا يتجاوز الميدان، وأن الحرب ليست
بين الشعوب إنما هي بين القوات، فكان صلى الله عليه وسلم قائدا عظيما وإنسانا رحيما، حيث نظم قواعد سير القتال، ونلاحظ من خلال الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوصي الجيش بفضائل الأخلاق ومن بعده سار صحابته على نهجه، ومنها يتبين قانون الحرب الإسلامية في ميدان القتال([10])" وبين أيدينا وصايا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخرى لخليفته:
فعن سليمان بن بريدة، عن أبيه رضي الله عنه، قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم" إذا أمر أميرا على جيش، أو سرية، أوصاه في خاصته بتقوي الله، ومن معه من المسلمين خيرا، ثم قال: "اغزوا باسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا....." ([11])
وكذلك ما رواه أنس بن مالك عن وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لجيش أرسله، كان أنس فيه: "انطلقوا باسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله، ولا تقتلوا شيخا فانيا ولا طفلا ولا صغيرا ولا امرأة، ولا تغلوا، وضموا غنائمكم، وأصلحوا وأحسنوا إن الله يحب المحسنين ([12])
ووصية أخرى هي في خطبة الخليفة الأول أبو بكر الصديق رضي الله عنه إلى الجيش في السنة العاشرة للهجرة - حينما خرج في وداع فرقة من الجند - فقد وضع أسس أحكام القتال على هذا النحو، حيث نهى عن قتل فئات معينة كالنساء والصبيان والأجراء والشيخ الفاني وأصحاب الصوامع، فوجه الكلام لقائدهم يزيد بن أبى سفيان قائلا: "إنك ستجد قوما زعموا أنهم حسبوا أنفسهم لله، فذرهم وما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم له، وستجد قوما فحصوا عن أوساط رءوسهم من الشعر، فاضرب ما فحصوا عنه بالسيف، وإني موصيك بعشر: لا تقتلن امرأة، ولا صبيا ولا كبيرا هرما، ولا تقطعن شجرا مثمرا، ولا تخربن عامرا، ولا تعقرن شاه، ولا بعيرا، إلا لمأكله، ولا تحرقن نحلا، ولا تغرقنه، ولا تغلل ولا تجبن" ([13])
وعلى ذلك نجد أن الإسلام قد وضع قيودا على المقاتلين أثناء سير القتال، وأهمها ما يلى:
منع قتل الأطفال والشيوخ والنساء: لقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل الأطفال والشيوخ والنساء، وذلك لأن أولئك لا يشاركون في القتال، ولقد مر الرسول صلى الله عليه وسلم في إحدى المعارك ليتفحص القتلى فرأى امرأة مقتولة فغضب، فقد أخرج أهل الحديث عن حنظلة الكاتب رضي الله عنه، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة، فمر بامرأة مقتولة والناس عليها فقال: "ما كانت هذه لتقاتل، أدرك خالدا، فقل له: لا تقتل ذرية، ولا عسيفا" ([14])
ونلاحظ أيضا في هذا الحديث نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن قتل العسفاء: وهم العمال الذين لا يحاربون ولا يدلهم في الحرب: لأن أولئك العمال الذين عكفوا على الزرع أو العمل اليدوي هم بناة العمران ولا يشاركون في الخراب والدمار الذي يسببه المحاربين، ولذلك لا يصح أن يكونوا وقودا للحرب.
منع التخريب دون ضرورة واحترام الإنسانية: فقد كان رسول الله حريصا على احترام الإنسانية حتى في أثناء الحرب، حيث نهى صلى الله عليه وسلم عن التمثيل بالقتلى: مثل تشويه الأجسام وقطع الرؤوس، حتى لو كان ذلك في الطيور أو الحيوان، وكان صلى الله عليه وسلم ينهى عن القتل بالجوع أو العطش، ونهى عن تعذيب الجرحى، جاء ذلك في أحاديث صحيحة كثيرة، وهذه جملة منها:
عن عدي بن ثابت، سمعت عبدالله بن يزيد الأنصاري -وهو جده أبو أمه- قال: "نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن النهبي والمثلة"([15])
أخرج البخاري:" عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنه دخل علي يحيي بن سعيد، وغلام من بني يحيي رابط دجاجة يرميها، فمشي إليها ابن عمر حتى حلها، ثم أقبل بها وبالغلام معه فقال: ازجروا غلامكم عن أن يصبر هذا الطير للقتل، فإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم: "نهي أن تصبر بهيمة أو غيرها للقتل" ([16])
أخرج البخاري عن ابن عمر: "لعن النبي صلى الله عليه وسلم من مثل بالحيوان".([17])
الإسلام وحسن معاملة أسرى الحرب: عندما ظهـر الإسلام كان وضع أسرى الحرب في الممالك المجاورة وفي شبه الجزير العربية وفي كل بقاع الأرض لا يخرج عن أحد أمرين: إما قتلهم، وإما إسترقاقهم، ولكن بعد ظهور الإسلام جاء الأمر بالحرص على الرفق بالأسرى، وبالمحافظة على الكرامة الإنسانية في الحروب ولأنه لا يريد بالحرب إلا رد الاعتداء، دعا بالرفق بالأسرى، ولم يعرف التاريخ محاربا رفيقا بالأسرى كالمسلمين الأولين الذين اتبعوا أوامر دينهم، وقد أوصى صلى الله عليه وسلم أصحابه يوم بدر أن يكرموا الأسرى فكانوا يقدمونهم على أنفسهم عند الطعام.
الحرب المشروعة في الإسلام:
الإسلام لا يقر الحرب بوصفها سياسة وطنية أو وسيلة لحسم نزاع، فهي وفقا للشريعة الإسلامية لا يمكن قبولها إلا إذا كانت ثمة ضرورة ملجئة إليها، ومهما كانت مشروعة فلا يسوغ للمسلم أن يرجوها، أو يدعو إليها، فإن أمكن للمسلمين دفع الاعتداء بدونها فليفعلوا، وقد بينت السنة ذلك، حيث جاء في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في بعض أيامه التي لقي فيها العدو ينتظر حتى مالت الشمس، ثم قام في الناس خطيبا، فقال: "يا أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف" ([18])
ومن المعلوم أن القتال لم يشرع في بدايات الدعوة، إلا بعد الاعتداءات المتكررة من قبل المشركين على المسلمين، ويعد نزول الآيات التي تبيح القتال والرد على العدوان، وقد كان العدوان يبتدئ به المشركون سواء أكان على الدولة الإسلامية أم دينها أم رعاياها، الأمر الذي يعطي للمسلمين الحق في الرد عليهم بالطرق المناسبة.
أما الحرب التي يكون القصد منها الاستعمار والرغبة في السيطرة وبسط السلطان، فهي غير مشروعة، ويرى ابن خلدون أن الحرب تكون غير مشروعة إذا وقعت نتيجة غيره ومنافسة أو عدوان، أو غضب للملك وسعي في تمهيده.([19])
فالإسلام يرى أن الحرب لا تكون مشروعة ما لم يكن الغرض منها الدفاع الشرعي عن المصالح الضرورية كلما تعرضت الأمة للاعتداء، ويجب أن يكون فعل الرد متناسبا مع حجم العدوان، وإن تجاوز فعل الرد حدود الدفاع الشرعي سيحول الحرب المشروعة إلى حرب عدوانية غير مشروعة، وهذا ما أكده قوله تعالى: "وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ" (البقرة: 190). ([20])
الحرب المشروعة في القانون الدولي:
إن الحرب تكون مشروعة (عادلة) لدى فقهاء القانون الدولي العام في حالتين:
أولهما: أن تكون دفعا لاعتداء واقع بالفعل أي الدفاع عن النفس.
ثانيهما: أن تكون الحرب لحماية حق ثابت وواضح للدولة، انتهكته دولة أخرى دون مبرر.
وبالنسبة للأمم المتحدة فإن ميثاقها قد تضمن تحريم استخدام القوة أو التهديد بها في العلاقات الدولية ضد سلامة دولة أو استقلالها السياسي أو سيادتها الإقليمية، ولقد فرض الميثاق على الدول الأعضاء اللجوء إلى الوسائل السلمية لتسوية المنازعات الدولية، وأعطى الميثاق لمجلس الأمن سلطات مطلقة في التدخل في أي نزاع يخشى منه قيام حرب، غير أن عدم اللجوء إلى الحرب في ظل الأمم المتحدة ليس أمر مطلق، إنما يستثنى منه حالة الدفاع عن النفس وحالة استخدام القوة بواسطة الأمم المتحدة.
ولكي تكون الحرب مشروعة (عادلة) وفقا للقانون الدولي العام، ينبغي توافر أربعة أشراط، هي:
أن يكون لدى الدولة التي تعلن الحرب سبب صحيح يعطي الحق في خوضها.
أن يتوافر في قرار إعلان الحرب أو الدخول فيها العدالة، وهذا لا يتم إلا إذا تم الاستناد على معايير القانون وكما حددتها الشرعية القانونية الدولية.
أن تكون هناك ضرورة تلجأ الدولة إلى الحرب بعد نفاذ كافة الوسائل السلمية لإعادة الحق، والمحافظة على السلم والأمن الدوليين.
أن تكون الحرب محدودة بالهدف الذي شرعت من أجله.
ففي ظل الأمم المتحدة فإن الأصل العام للحرب أنها فحرمة، إلا في حالات نص عليها الميثاق، ولا تزال الأمم المتحدة توالي جهودها من أجل منع الحروب أو على الأقل التضييق من نطاقها، والوقوف بوجه الدول المؤيدة والممارسة للحرب العدوانية.
غير أن المتتبع لمسيرة المجتمع الدولي عبر تاريخه الطويل يجد أن التفرقة بين الحرب المشروعة والغير مشروعة غير ذات فائدة، فالدول في كثير من الأحايين لا تلقي بالا أو تقيم وزنا لهذه التفرقة، إذ لطالما كانت الحرب -في نظر السياسيين وزعماء الدول وخاصة الكبرى- عملا مشروعا دائما، يمكن للدولة أن تسلكه كلما اقتضت مصلحتها ذلك، بل يذهب البعض إلى أبعد من ذلك فهم يرون أن الحرب أصلح أداة يمكن للدول أن تسلكها لتنفيذ سياستها القومية، فالحرب -في نظرهم- لها دائما ما يبررها. ([21])
المبحث الثاني
واعث الحرب في الإسلام
حرم القرآن حروب التشفي والانتقام، حيث قال تعالى:
(وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا) (المائدة: 2).
(وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المائدة: 8).
كما أنكر الإسلام حروب التخريب والتدمير والاستعلاء والإفساد، فقال تعالى: (تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (القصص: 83).
أما بالنسبة للحرب المشروعة في الإسلام، فالباعث عليها ينحصر في أربعة بواعث، جعلناها في أربعة مطالب:
المطلب الأول: رد الاعتداء على المسلمين وصد الطغيان:
المتتبع لنصوص القرآن وأحكام السنة النبوية في الحرب الإسلامية يرى أن الباعث على القتال ليس هو فرض الإسلام دينا على المخالفين، ولا فرض نظام اجتماعي، بل كان دفع الاعتداء، كما تدل على ذلك النصوص المحكمة، فلا يقتل شخص لمخالفته الإسلام -أي لكفره- وإنما يقتل لاعتدائه على الناس، وفي ذلك قال الله تعالى:
(وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (البقرة: 190).
(أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) (الحج: 39).
(وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (الأنفال: 39).
وقد بين سبحانه وتعالى أن معاملة المعتدين إنما تكون على قدر اعتدائهم، فقال تعالى: (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (البقرة: (194.
ومن هذه النصوص وغيرها -وهو كثير- نرى أن ابتداء الاعتداء كان من لمشركين على الحرية الدينية، ومحاولات متكررة، وبشتى الأساليب لفتنة المؤمنين في عقيدتهم ليحملوهم على تركها، وصرفهم عن دينهم، وصدهم عن سبيل ربهم، كذلك نستبين من هذه النصوص وغيرها، أن المسلمين لما طولبوا برد العدوان، طولبوا وخوطبوا بأمرين هامين هما:
عدم الاعتداء) وَلَا تَعْتَدُوا)، فنهينا عن الاعتداء، والاعتداء هو أن نقاتل من لم يبدأنا بالقتال، ومن لم يضع العقبات والعراقيل في سبيل تقدم الدعوة الإسلامية.
التقوى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ)، وهي التزام الفضيلة، فإن كانوا يعتدون على الأعراض لا نجاريهم، وإن كانوا يمثلون بالقتلى لا نمثل بقتلاهم، وما إلى ذلك من أساليب جاهلية إرهابية خبيثة، فلا تدفعنا العداوة إلى التشبه بأعدائنا فيما يفعلون.
وبمراجعة السيرة النبوية وما جرى للمسلمين من اضطهاد وتعذيب، وفتنة وتشريد، يعلم أن الباعث على الحرب الإسلامية إنما هو رد العدوان، وإيقاف المد الهمجي الرهيب للظلم والطغيان، (حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ)، فالنبي صلى الله عليه وسلم مكث يدعو إلى الإسلام ثلاث عشرة سنة توالى فيها الأذى على المؤمنين، وخصوصا ضعفاءهم، ولم يسلم من أذاهم إلا من يكون ذا قوة يخشى بطشه كعمر بن الخطاب وحمزة بن عبد المطلب رضي الله عنهم.
وحتى رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسلم من آذاهم، فرموا عليه سلى الجزور وهو ساجد، وهموا بقتله ليلة الهجرة، وقد هاجر صلى الله عليه وسلم، وهاجر من كان عنده قدرة على الهجرة، وترك المهاجرون ديارهم وأموالهم فرازا بدينهم الذي ارتضوا، والمشركون سادرون في غيهم.
وفي المدينة تجمع الشرك بكل قدراته وجحافله، عندما اجتمعت القبائل في غزوة الأحزاب، ليضرب الإسلام في معقله، وبين أنصاره من أهل المدينة، ليتم اقتلاعه، فنزل قول الله تعالى: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (التوبة: 36).
فنخلص -مما سبق- إلى أن الباعث على الحرب دفع الاعتداء، ومنع الأذى المستمر، وعقوبة الظالمين، وتأمين الدعوة الإسلامية كي لا تكون فتنة في الدين، ويتبع الناس الدليل، ولم يتبعوا الحكام الذين يرهقونهم ويسومونهم الخسف والهوان.([22])
المطلب الثاني: الإغاثة الواجبة لشعب مسلم أو حليف عاجز عن الدفاع عن نفسه:
بحيث يكون العدو قد اتخذ بالفعل موقفا عدائيا، وأن يكون في حالة هجوم أو تأهب للهجوم، وهذا ما حث عليه القرآن الكريم في قوله تعالى: (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (75) الَّذِينَ آَمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) (النساء: 75، 76).
ولذلك نجد أن الإسلام قد وضع قيودا على المقاتلين أثناء سير القتال، فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل الأطفال والشيوخ والنساء: وذلك لأن أولئك لا يشاركون في القتال، ومن هنا نستنتج أن القيم الإسلامية في هذا المجال تنحصر في عدم الاعتداء، ولذلك فان القتال في الإسلام ليس للإكراه في الدين، ولكن لتحقيق مصالح العباد: بإنقاذهم من الطغاة الذين يفرضون على الشعوب العقائد والمبادئ الفاسدة: حتى يكون الطريق أمام دعوة الله خاليا من الأشواك والعقبات، يسلكه من يشاء ويعرض عنه من أبي، وأكد الإسلام على عصمة دماء غير المقاتلين من العباد والضعفاء والأجراء والعمال والرسل ورعايا الأعداء، كما وضح أن: سيادة الفضيلة ورعاية الكرامة الإنسانية في الحروب ورعاية الجرحى وحسن معاملة الأسرى وعدم التخريب وحماية المنشآت المدنية، هي من القيم الإسلامية في الحروب.
المطلب الثالث: إخماد الفتن، ودفع الأذى، وتمكين الدعوة:
كانت بعض الحروب الإسلامية من أجل إخماد الفتنة وتحقيق المصالح الدينية الشرعية، وفي ذلك قال الله تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ) (البقرة: (193.
وبين ابن العربي أنه يحتمل من معنى الآية أمران، كما جاء في كتابه:
"يحتمل أن يريد به، وقاتلوهم حتى لا يكون كفر، ويحتمل أن يكون: وقاتلوهم حتى لا يفتن أحد عن دينه، وكلاهما يجوز أن يكون مرادا ([23])
ويرجح الباحثان أن المعنى الثاني هو الأقرب للمعنى اللغوي للفتنة، وكذلك لأنه أشمل.
من هنا نتبين أن الإسلام يفرض على المسلمين أن يكفوا ابتداء عما لا تجيزه أصول الحرب، فإذا لم يكف أعداؤهم عنها كان لهم أن يقاتلوهم بمثلها، وأن الإسلام يرفض الحروب التي تثيرها الأطماع العدوانية وحب الأمجاد الزائفة للملوك والأبطال، أو حب المغانم الشخصية.
تلك كانت حال الحروب الإسلامية داخل الجزيرة، أما حال من كانوا خارج الجزيرة العربية، فقد أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الملوك والرؤساء الكتب على أيدى رسل من حكماء أصحابه، فارسل إلى هرقل، وإلى المقوقس عظيم مصر، وإلى كسرى، وغيرهم من الملوك، وبعض أمراء البلاد النائية من البلاد العربية، فمنهم من أحسن في الإجابة، ومنهم من أساء الرد، وما كان جواب أكثرهم إلا الإساءة، سواء أكانت إساءة قولية أم فعلية، وأعلن برده العداء كالمشركين، فكسرى هم بأن يرسل إلى النبي صلى الله عليه وسلم من يقتله، وهرقل قتل واليه على الشام من أسلم من أهل الشام، ولذلك اتجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الشام، فكانت غزوة مؤتة، ثم غزوة تبوك، ثم وصيته بإنفاذ جيش أسامة بن زيد إلى الشام.
فهنا نرى أن الباعث لحرب النبي صلى الله عليه وسلم هو دفع الأذى، وتمكين الدعوة، ولم يكن ثمة إكراه على الدين، فلم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أكره أحدا على الدخول في الإسلام، أو قهره على إيمان: لأن الله تعالى قال: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) (البقرة: 256)، وقال تعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) (يونس: 99).
* (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ) (التوبة: 6). ([24])
المطلب الرابع: أثر الإسلام في القانون الدولي الإنساني:
أصالة السلام بين بني البشر: ([25])
هذا الموضوع غاية في الأهمية في وقتنا الحاضر: لأننا نعيش في فتنة التطرف والتكفير التي تجتاح العالمين العربي والإسلامي، والتي يراد لها أن تأكل الأخضر واليابس، وأن تكون ذريعة ليقتل المسلم المسلم دون حسيب أو رقيب، وهذا يدل على أن بعض المسلمين يعيشون في تخلف مطبق، وإن طالت لحاهم، فأولئك وقعوا ضحايا في خدع الأعداء، وخطبوا في المساجد بنبرة تحد واستعلاء، وشجعوا على الطائفية والمذهبية والاقتتال الداخلي، فهم إنما ينفخون في بوق الشيطان، ولا يستمعون إلى كلمات القرآن الكريم ولا يفقهونها، ولا السنة النبوية، بل كانوا ضحايا نزعتهم العصبية العنصرية، وعدم خبرتهم السياسية، أو بحسب ما تقتضيه مصالحهم الآنية، أو بحسب ما تقتضيه مصالح وألاعيب الدول الغربية التي تعيش على أشلائنا، ونهب ثرواتنا، وتنصيب رؤسائنا، فمن لا يوافق على سياسات الغرب لا يصل إلى شدة الرئاسة.
بينما الإسلام يدعو جميع المؤمنين به إلى السلام فيما بينهم، ويرى أن التحية بين الناس يجب أن تكون: (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته)، ورد التحية يكون: (وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته)، فهي تتضمن السلام بالدرجة الأولى، والرحمة في مقابل النقمة، والبركة والنمو والازدهار في مقابل النقص والشح والانهيار، ومن أصرح النصوص الناطقة بذلك، قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) (البقرة: 208).
ولتأصيل المفهوم، وتوضيح المقصود، وإتباع الدليل والبرهان، نقول بأن دم المسلم على المسلم حرام، وكذلك عرضه وماله، وتتوسع هذه الدائرة لتشمل العلاقة مع غير المسلمين، على مستوى العالم كله أجمع، فالمجتمع البشري في النظرة إسلامية ينقسم على أساس عقائدي إلى مجتمع مسلم، ومجتمع كافر، وترتكز هذه النظرة على أساس الآية القرآنية: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) (آل عمران: 19).
و(وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (آل عمران: 85).
وعدم الإيمان بالإسلام يعد كفر، ولكنه لا يستلزم قتل من لم يؤمن بالإسلام ابتداء، بدليل ما فعله النبي محمد صلى الله عليه وسلم، عندما عاهد اليهود في المدينة، ولم يحاصرهم ويحاربهم إلا حين نقضوا العهد وخانوا الأمانة وحاربوا المسلمين، وحاولوا زرع الفتن والشقاق بينهم، ولم يجبرهم على اعتناق الإسلام، بل دعاهم إليه، ولم يعتنقه منهم إلا نفر قليل، ومع ذلك فقد تصرف معهم على أنهم شركاء في الوطن، تطبق عليهم قوانين العدالة الاجتماعية، وأثرهم على أموالهم وأملاكهم.
الدولة الإسلامية والمعاهدات الدولية:
إن المفاهيم والقيم الإنسانية والأخلاقية التي تقوم عليها فكرة الدولة في الإسلام، هي قيم العدالة، والحرية الواعية والمسؤولة، وحفظ كرامة الإنسان، وتحقيق التكامل الروحي والمادي لأبناء الأمة الإسلامية والوطن، ما أمكن، إذ إن المجتمع الإسلامي ليس مجرد تعبير عن الضرورة الاجتماعية للإنسان، لحفظ حياته المتوازنة والطبيعية، واستمرار وجوده المنظم والمتكامل على مستوى الحياة المدنية فقط، بل هو أيضا التزام رسالي ومهمة حضارية، فقد رفض التشريع الإسلامي مبدأ الاستبداد في تكوين المجتمع، والدولة، والنظام السياسي: لأنه يؤدي إلى الظلم والطغيان، كما رفض الحرية المطلقة.
وإقامة العدالة الاجتماعية وصيانتها من الانتهاك والتعذيب سواء أكانت داخل الدولة، أم على مستوى المجتمع الدولي، هي تكليف إلهي، وهي مسؤولية الجميع، وهي مهمة عملية تحتاج إلى امتلاك وسائل تنفيذها على من يتعدى على الدولة الإسلامية، أو يهتم بالتعدي عليها، من قبل القوى الداخلية أو الخارجية، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المائدة: 8).
ويذهب القرآن الكريم أبعد من ذلك، فيشجع المؤمنين على ألا يقتصروا على العدل في معاملة الآخر، بل أن يمزجوا ذلك بالإحسان والرحمة: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ) (النحل: 90)، والعفو عن خطايا الآخر، والصبر على الأذى: (وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ) (البقرة: 219).
ويقوم القانون الدولي في الإسلام على مبدأ الإصلاح، وفض النزاعات بين الدول، والشعوب، بالطرق السلمية ما أمكن، وهذا مصداق قوله جل جلاله: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) (أل عمران: 64)، كما يقوم القانون الدولي في الإسلام على مبدأ الوفاء بالعهود والمواثيق التي التزمت بها الدولة الإسلامية، بناء على تحقيق مصلحة الإسلام والمسلمين فيها، فقال تعالى: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا) (الإسراء: 34).
ووفقا لهذه الاستراتيجية يمكن للقانون الدولي في الإسلام أن ينتشر على الصعيد العالمي.
ويمكن القول إن القانون الدولي في الإسلام، هو مجموعة المبادئ والقواعد العامة الملزمة والثابتة، التي تنظم الحياة الاجتماعية والمسائل المختلفة في العلاقات الدولية في ضوء هدى الإسلام، ولا شك أن جميع الأحكام والمقررات القانونية في الإسلام تقوم على أساس المصالح الواقعية للفرد، والمجتمع الإسلامي، والدولي.
والمتأمل في قضايا السيرة السياسية للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، وقضايا الفقه الدولي، والمسائل المتعلقة بالجزية، وقانون الحرب، والمعاهدات الدولية، وقانون الأسرى، والمواطنة، وغنائم الحرب، وأنواع المواثيق، والآثار المترتبة على نقض المعاهدات، والتحكيم، يجد أن الإسلام يسعى إلى تحقيق السلم والأمن العادلين والعالميين، ولا يلجأ إلى الحرب إلا مضطرا لها ومكرها عليها.
ويبرز اهتمام الرسول صلى الله عليه وسلم بالعلاقات مع الشعوب والأمم الأخرى من خلال ما كتبه إلى رؤساء القبائل العربية، وإلى ملك الروم، ويهود بني قينقاع وخيبر، وأهل نجران المسيحيين، وإلى بعض المشركين، وإلى أهل اليمن، وإلى أهل مكة، وإلى النجاشي، والمعاهدة بينه وبين يهود المدينة، فبعد صلح الحديبية رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة قرير العين بما فتح الله له وأنزل عليه: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا) (الفتح: 1)، فقد أدى عقد الصلح إلى دخول الناس في دين الله أفواجا، فرأى فسحة لنشر الدين، ومجالا لتبليغ الرسالة إلى الناس كافة سواء أكان العربي، أم العجمي، أم الأبيض، أم الأسود، ليتم الحجة ويكمل رحمة الله على الناس كلهم أجمعين، فبدأ كتبه صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى الإسلام: إلى الملوك، والأمراء، ورؤساء القبائل، والأساقفة، وغيرهم يدعوهم إلى الله تعالى وإلى الإسلام، فبدأ بإمبراطوريتي الروم وفارس، وملكي الحبشة، والقبط.
والمهادنة هي المعاقدة على ترك الحرب مدة معينة، وهي جائزة إذا تضمنت مصلحة المسلمين، إما لقلتهم عن المقاومة، أو لما يحصل به الاستظهار، أي دخول الكفار في الإسلام لما يشاهدونه من جمع القوة وإعداد العدة، أو لما يشاهدونه من إنسانية المسلمين وحسن معاملتهم، ولذا تجوز الهدنة لقوله تعالى: (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (الأنفال: 61).
أصالة السلام في الإسلام:
نظر الإنسان الغربي وهو في قمة حضارته إلى الحياة على أنها نفعية مادية، وإلى الإنسان على أساس إطلاق العنان لغريزته، ولاسيما الغريزة الجنسية، بحجة أن كبت الغريزة يؤدي إلى أمراض نفسية، بحسب نظرياته، فرأى أن عوامل البقاء والتقدم واحدة في عالمي الحيوان والإنسان، وهكذا أوجد مبرزا -ادعى أنه علمي- لنزعة التسلط العدواني على الشعوب الأخرى، مارسها على أنها حق ورسالة، وقد انعكست هذه الأفكار الفلسفية في الفكر الغربي الاجتماعي السياسي سلوكا عمليا، وهذا ما ساعد على إيجاد تسابق بين الدول الغربية لامتصاص دماء الشعوب العربية والإسلامية والمستضعفة ونهب خيرات بلادها، وممارسة أبشع أنواع التسلط عليها.
بينما يعلمنا الإسلام أن الأصل في العلاقة مع سائر البشر، هو البر والقسط، ما داموا لا يحاربون المسلمين، ولا يخرجونهم من ديارهم، قال تعالى: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة: 8).
أما الذي يجرد سيفه، ويقاتل، ويخرج الناس عن ديارهم، فلا يصح بره وقسطه، وهو مما يستثنى من الأصل، ثم إن هذه العلاقة ليست علاقة ولاء: لأن الولاء للكفار محرم على المؤمنين، فالبر والقسط يعني التعامل معهم بعدل، واحترام أموالهم، وأنفسهم، وأعراضهم، وسائر حرماتهم.
أما المقصود بقوله تعالى: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً) فهي ما لو كان للكفار كيان سياسي ويقاتلوننا في ديننا، ويخرجوننا من ديارنا، ويطاردوننا، كحالة إسرائيل مع أبناء الإسلام في فلسطين، والمناطق المجاورة لها.
والمسلم هو من يدعو إلى الوحدة بين المسلمين، لا من يدعو إلى الفرقة ويشجع المغالين.
وقد رأى المرحوم البوطي أن:" السلم العالمي هو المحور الذي تدور عليه شرائع الإسلام وأحكامه، غير أن السلم لا يوجد ولا يتنامى إلا في حضن العدالة، هذا ما يقرره المنطق، ويجزم به التاريخ، ويعرفه الناس جميعا، لذا فقد كان اهتمام الإسلام بالعدل وترسيخ دعائمه مساويا لمدى اهتمامه بالسلم ومد رواقه، بل كان لا بد منهجيا أن يرعى الأول ابتغاء وصوله إلى الثاني، إذن فبين السلم والعدالة تلازم مستمر في الطرد والعكس، أي فكلما امتد سلطان العدل امتد رواق السلم، وكلما تقلص سلطان العدل وامتدت مكانه ظلل الجور، تقلص رواق السلم أيضا وتفتحت في مكانه ثغرات الهرج والمرج ([26])
ويضيف سماحته أن الأصل في العلاقات الدولية هو السلم، قائلا:" السلم في العلاقات القائمة بين المسلمين وغيرهم، بل بين الناس جميعا على اختلاف نحلهم وفئاتهم، هو الأصل"([27])
المبحث الثالث
محرمات أثناء الحرب بين الإسلام والقانون الدولي الإنساني
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: الحرب بين الإسلام والأحكام الدولية:
الحرب واقع قديم قدم الإنسانية نفسها، حيث عرفت الحرب كأداة لتسوية الخلافات، ولو عدنا إلى كتب التاريخ والمخطوطات القديمة، لوجدنا أرقاما هائلة لأعداد الحروب، حيث يعجز العقل عن تصديق ذلك، حيث تبين الإحصاءات أن: (14000) حرب اشتعلت خلال (5) آلاف سنة من التاريخ، وبلغت الخسائر بالأرواح نحو (5) مليارات من بني البشر، وخلال (3400) سنة الأخيرة، لم يعرف العالم سوى (250) عام من السلام، ثم جاءت الحرب العالمية الأولى على نحو (10) ملايين نسمة، بالإضافة إلى (21) مليون نسمة ماتوا نتيجة الأوبئة التي خلفتها الحرب، ثم في الحرب العالمية الثانية قتل نحو (40) مليون نسمة نصفهم من المدنيين.
وهكذا - من خلال النظر إلى هذه الأرقام الهائلة - كان لابد من السعي لإيجاد الحلول الوقائية التي تحول دون وقوع الحروب، أو حتى التخفيف منها قدر الإمكان، ومن هنا كانت البدايات الأولى لظهور ما سمي فيما بعد (القانون الدولي الإنساني )، حيث نجد أولى قواعده في الثقافات لبني البشر، حيث نتلمس قواعده في مبادئ الفروسية والمروءة ومساعدة الضعيف التي كانت تسود في المجتمعات القديمة، ثم ظهرت قواعده في الأديان السماوية بدءا بالدين المسيحي، حيث دعا نبي الله عيسى عليه السلام إلى المحبة والرحمة والتسامح، بعد ذلك جاءت الشريعة الإسلامية فوضعت قواعد وأحكام محددة لتنظيم سلوك الدولة والأفراد على السواء في زمني السلم والحرب.([28])
وقد شهد العالم خلال القرن العشرين حروبا ضارية استخدمت فيها خلاصة ما جادت به عبقرية الإنسان من وسائل الشر والإيذاء والهدم والدمار، وإذا كان القانون الدولي المعاصر يرزم التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي، أو الاستقلال السياسي لأي دولة أو على أي وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة، فإن الشريعة الإسلامية كذلك لا تبيح استخدام القوة المسلحة إلا للضرورة والتي تقدر بقدرها.
وبسبب ما أصاب البشرية خلال الحروب من فظائع وأهوال ومآس: فقد اتجه المفكرون والفقهاء والساسة والهيئات الدولية والوطنية إلى الحد من آثارها وعدم تجاوزها للضرورة العسكرية، وتهذيبها بحيث تتفق مع الهدف من الحرب من ناحية، ومع المبادئ الإنسانية من ناحية أخرى، وقد بذلت العديد من الجهود التي توجت بإرساء الكثير من القواعد العرفية والاتفاقية لحماية ضحايا النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية والأموال والممتلكات، وضرورة التفرقة بين المدنيين والمقاتلين، وكذلك بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية الضرورية لبقاء السكان المدنيين على قيد الحياة في الحروب، كما قيد القانون الدولي الإنساني استخدام بعض الأسلحة وتنظيم إدارة الحرب والحد من معاناة الإنسان وتفاديها في النزاعات المسلحة.
أما الشريعة الإسلامية، فقد كفلت منذ أكثر من 1400 عام الحماية لضحايا الحروب، وبينت في أحكامها أن الأخوة الإنسانية تقتضي ألا يتجاوز المسلمون أثناء النزاع المسلح، وأن يعاملوا خصومهم أيا كان دينهم معاملة إنسانية، وأن يوفروا لهم الحماية اللازمة: لأن الإنسانية تعلي من قدر الإنسان وتمنع كل ما يؤدي إلى امتهانه أو إذلاله أو إخافته أو الانتقاص من حريته أو انتهاك حرمته أو عقيدته، وحرص الإسلام على منح ضحايا الحرب من جرحى ومرضى وقتلى وغرقى وأسرى ومدنيين الحماية والاحترام والمعاملة الإنسانية الكريمة، علاوة على حماية الأعيان والممتلكات المدنية، وكان ذلك واضحا في وصايا الرسول صلى الله عليه وسلم لقادة الجيوش ومن ثم الخلفاء الراشدين من بعده بهذا الشأن. ([29])
المطلب الثاني: القيم والقواعد الأخلاقية الإسلامية التي تحكم الحرب قبل وقوعها:
جاء الإسلام بقواعد أخلاقية خالدة أوجب على الجيوش الإسلامية مراعاتها وتطبيقها أثناء خوض المعارك والحروب، على اعتبار أن الحرب في الإسلام ضرورة من الضرورات، والأصل في الضرورة أنها تقدر بقدرها، وفي هذا المطلب سنقارن بين قواعد الحرب في الشريعة الإسلامية وفي القانون الدولي المعاصر الوضعي، لنثبت أن هذا القانون متجذر في الإسلام وقد طبقه المسلمون بداية من رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم حتى عامتهم، فقواعد الحرب في الإسلام عبادة يتقرب بها المسلم إلي ربه، وتلك عظمة التشريع الإلهي، الذي جعل الرحمة للناس كافة، مهما خالفوه في العقيدة وحاربوه فيها، وقد أفاض فقهاء الشريعة الإسلامية في كتب السير وكتب الجهاد، في شرح وبيان قواعد وأحكام القانون الدولي الإنساني الواردة في القرآن الكريم، والأحاديث النبوية الشريفة، والسيرة النبوية، وسيرة الخلفاء الراشدين، ومن تبعهم وسار على نهجهم.
ولقد تنبه علماء القانون في الغرب لعظمة الشريعة الإسلامية ومعرفتها الدقيقة بحاجات المجتمعات منذ وقت بعيد، وتوالت كتاباتهم وتعالت صيحاتهم للإشادة بالقوانين لمستمدة من الإسلام، فتم الاعتراف بالشريعة الإسلامية كمصدر عالمي للتشريع والقانون في عدد من المؤتمرات الدولية العلمية منذ عام (1932 م) منها:
القانون المقارن الدولي في لاهاي عام 1932.
مؤتمر لاهاي المنعقد في عام 1937 م
مؤتمر القانون المقارن في لاهاي 1938م.
المؤتمر الدولي عام 1945م بواشنطن.
شعبة الحقوق بالمجمع الدولي للقانون المقارن 1951م بباريس.([30])
وتتمثل أهم القيم والقواعد الأخلاقية التي تحكم الحرب في الإسلام قبل وقوعها فيما يلي:
القاعدة الأولى: حماية النفس الإنسانية، أو حق الحياة:
حرص الإسلام أكثر من غيره من الملل والنحل على النفس وحماها، وجعل قتل نفس واحدة كقتل الناس جميعا، فقال تعالى: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) (المائدة: 32)، وقال تعالى: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ) (الفرقان: 68). وقد تعددت الأحاديث النبوية التي طالبت المؤمنين باحترام النفس الإنسانية وحمايتها، فقد قال صلى الله عليه وسلم أن قتل النفس يعد من الكبائر، حيث جاء عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبائر أو سئل عن الكبائر، فقال: "الشرك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، فقال: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر، قال: قول الزور، أو قال: شهادة الزور" ([31])
وبين أيضا أن المؤمن يبقى منشرح الصدر مطمئن النفس وفي سعة من رحمة الله سبحانه وتعالى، طالما أنه لم يقتل نفسا بغير حق، فعن ابن عمر رضي الله عنه، قال: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لن يزال المؤمن في فسحة من دينه، ما لم يصب دما حراما ([32])
القاعدة الثانية: حماية المدنيين ومنع الاعتداء عليهم:
كان للإسلام السبق في التمييز بين المقاتلين وغيرهم من المدنيين الذين لا يقاتلون، حيث نهى عن قتال غير المعتدين، وتحريم الحرب العدوانية، مع إعطاء المسلمين حق الدفاع الشرعي الذي لم تعرفه البشرية إلا حديثا، والمقصود بالمدنيين: أولئك الذين لا يشتركون باي عمل من الأعمال الحربية ضد الجيش الإسلامي، كالقتال والإمداد والتجسس، ومصدر هذه القاعدة هو قوله تعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (البقرة: 190)، فهذه الآية الكريمة تبين أن القتال لا يكون إلا ضد أولئك الذين يقاتلون المسلمين ويحاربونهم، وتمنع الاعتداء على من لا يقوم بالأعمال القتالية، لذلك فقد حرم الإسلام قتل النساء، والشيوخ ورجال الدين غير المسلمين كالرهبان، كما حرم قتل الأجراء والفلاحين، طالما أنهم لا يشتركون في القتال ضد المسلمين، فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يوصي قادة الجيش في كافة الغزوات بذلك، حيث أخرج أحمد والطبراني عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث جيوشه قال: "اخرجوا بسم الله تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله، لا تغدروا، ولا تغلوا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا الولدان، ولا أصحاب الصوامع" ([33])
وكذلك ورد في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم فتح مكة: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقي السلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن".([34])
وبذلك تشمل هذا الوصايا تحريم قتل من كان عاجزا عن القتال: أي كل من كان لا يملك الوسائل والقوة اللازمة للدفاع عن نفسه، كالجريح، وفاقد الوعي، والمريض والمستسلم، ومن غرقت سفينته، أو دمرت طائرته، والهارب من أرض المعركة، وما إلى ذلك من حالات.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يوصي جيشه المحارب بالا يقوم بإتلاف زرع أو قطع شجر، أو قتل الضعاف من الذرية والنساء والرجال الذين ليس لهم رأي في الحرب، ولم يشتركوا فيها من قريب أو بعيد، ومن ذلك ما جاء عن سليمان بن بريدة، عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرا على جيش أو سرية، أوصاه في خاصته بتقوي الله، ومن معه من المسلمين خيرا، ثم قال: "اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا، وإذا لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلي ثلاث خصال -أو خلال- فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ثم ادعهم إلي الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، ...." ([35])
القاعدة الثالثة: الإسلام دين الرحمة، حتى لأعدائه:
وصف النبي صلى الله عليه وسلم دعوته وحربه بالرحمة والملحمة، فعن حذيفة قال: كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم، في سكك المدينة فسمعته يقول: "أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا نبي الرحمة، وأنا نبي التوبة، وأنا نبي الملحمة، وأن المقفى، وأنا الحاشر"([36]).
قال الحليمي رحمه الله: "وأما نبي الملحمة فلأن الله تبارك وتعالى فرض عليه جهاد الكفار وجعله شريعة باقية إلى قيام الساعة، وما فتحت هذه البلدان إلا بحد السيف، أو خوف السيف، ما عدا المدينة فإنها فتحت بالقرآن"([37]).
والرحمة والملحمة متلازمتان في حروب النبي صلى الله عليه وسلم، فالرحمة الحقيقية إنما تكون في قطع أصول الفساد، وإيقاف انتشار الجريمة والشر.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يوصي جنده بتأليف القلوب، لا بإتلاف النفوس، فعن شريح بن عبيد قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث جيوشه أو سراياه قال لهم: "تألفوا الناس ولا تغيروا على حي حتى تدعوهم إلى الإسلام، فوالذي نفس محمد بيده، ما من أهل بيت من وبر ولا مدر تأتوني بهم مسلمين إلا أحب إلى من أن تأتوني بنسائهم وأبنائهم وتقتلون رجالهم"([38]).
القاعدة الرابعة: إباحة الحرب عقوبة الخيانة ونقض العهد:
وذلك في الاتفاقيات التي يعقدها المسلمون مع الدول الأخرى، فقال تعالى: {الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (56) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (57) وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} [الأنفال: 56- 58]، وقال: {وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ} [التوبة: 12]
القاعدة الخامسة: إباحة الحرب رداً على الظلم ولنصرة المظلوم:
على أن تكون العقوبة بالمثل، مع الحث على العفو إن أمكن، حيث قال تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 39، 40].
وقال: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} [النحل: 126] وقال: {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا} [النساء: 75].
القاعدة السادسة: حث الإسلام على مبدأ الدعوة، ثم إعلان الحرب قبل القتال:
تجلت القيم في حرب النبي صلى الله عليه وسلم عندما أخذ يرسل الجيوش إلى الجهات البعيدة، وهنا نتوقف لنستعرض بعض النصوص التي تلقي الضوء على أسلوب النبي صلى الله عليه وسلم ووصاياه في الحرب، وذلك في وقت الإعداد لها، فقد كان صلى الله عليه وسلم يأمر جيشه بالتأني قبل أن يتقدم للقتال، وكان يدعو المؤمنين عدم تمني القتال؛ لأنه امتحان القلوب وهدم الأجسام، فكان صلى الله عليه وسلم يقول: "يا أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف"([39]).
وإذا تعين القتال خيَّر الأعداء بين الإسلام، أو أن يعاهدوه؛ ليأمن الاعتداء من جانبهم، وذلك ما يشبه في العصر الحاضر ميثاق عدم الاعتداء، أو أن يكون القتال، وأنهم إذا قبلوا العهد أَمِنَ جانبهم، وأَمِنَ أن تسير الدعوة في طريقها، وأن يخلو له وجه الناس، ويقنعهم بالحق، فمن اهتدى فلنفسه، ومن أساء فعليها.
ولقد كان صلى الله عليه وسلم حريصاً على منع القتال حتى عند أخذ الأهبة، فقد أخرج أحمد، وغيره، عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: "ما قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم قوماً حتى يدعوهم"([40]).
وأيضاً أخرج أحمد عن فروة بن مسيك رضي الله عنه، قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، أقاتل بمقبل قومي مدبرهم؟ قال: "نعم، فقاتل بمقبل مدبرهم" فلما وليت دعاني، فقال: "لا تقاتلهم حتى تدعوهم إلى الإسلام"([41])، ونجد من هذه الوصية أن نية المسلم قائمة والجيشان قد تلاقيا، فالقائد المسلم لا يقاتلهم لا بعد أن يدعوهم إلى العهد الذي يكون فيه تأمين حرية الدعوة، ثم هو لا يبدأ القتال، بل يتركهم يبدأون القتال، فإن لم يعتبروا لم يبق إلا السيف ليحكم بأمر الله بينه وبينهم والله خير الفاصلين([42]).
وفي حديث للرسول صلى الله عليه وسلم يأمر علي بن أبي طالب رضي الله عنه –في غزوة- بعدم مقاتلة الكفار حتى يدعوهم للإسلام؛ لأن هداية رجل واحد على يديه خيراً له من حمر النعم.
عن سهل بن سعد رضي الله عنه، سمع النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: يوم خيبر: "لأُعطين الراية رجلاً يفتح الله على يديه"، فقاموا يرجون لذلك أيهم يعطى، فغدوا وكلهم يرجو أن يُعطى، فقال: "أين علي؟"، فقيل: يشتكي عينيه، فأمر، فدعي له، فبصق في عينيه، فبرأ مكانه حتى كأنه لم يكن به شيء، فقال: نقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: "على رسلك، حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم، فوالله لأن يهدى بك رجل واحد خير لك من حمر النعم".([43])
المطلب الثالث: القيم والقواعد الأخلاقية الإسلامية التي تحكم الحرب حال وقوعها:
وتتمثل أهم القيم والقواعد الأخلاقية التي تحكم الحرب في الإسلام حال وقوعها بما يلي:
القاعدة الأولى: عدم الإحراق بالنار وعدم الإجهاز على الجرحى والمنهزمين:
حيث أوصى الرسول صلى الله عليه وسلم بعدم الإحراق بالنار، فقد ثبت عن حمزة بن عمرو الأسلمي رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره على سرية قال: فخرجت فيها، وقال: "إن وجدتم فلاناً فأحرقوه بالنار"، فوليت فناداني فرجعت إليه، فقال: "إن وجدتم فلاناً فاقتلوه ولا تحرقوه، فإنه لا يعذب بالنار إلا رب النار"([44]). كما نهى صلى الله عليه وسلم عن الإجهاز على الجرحى، فقد أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه: "عن حصين رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: ألا لا يُقتل مدبر، ولا يُجهز على جريح، ومن أغلق بابه فهو آمن"([45])، وكان موقف النبي صلى الله عليه وسلم من أعدائه المنهزمين موقفاً كريماً للغاية، ونضرب مثلاً واحداً لهذا المعنى الإنساني النبيل، لقد كانت آخر حرب للنبي صلى الله عليه وسلم مع قريش هي التي انتهت بفتح مكة، ثم التقى النبي صلى الله عليه وسلم مع أولئك الذين آذوه وعادوه واضطهدوا أصحابه، وساؤوهم سوء العذاب، حتى إن منهم من مات تحت وطأة العذاب، وضراوة الفتنة، فماذا قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن"([46]).
القاعدة الثانية: الحفاظ على البنية التحتية، والبيئة: والمال العام والخاص، والأعيان المنقولة وغير المنقولة:
فكما منع الإسلام وحرم قتل المدنيين والأسرى والأطفال، أو التعسف في معاملتهم، فإنه قد منع وحرم قتل الحيوانات، وتخريب المزروعات والغابات، والاعتداء على مصادر المياه، فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه أول خليفة للمسلمين يوصي قائد بعثة حربية إلى الشام، فيقول: "...، وإني موصيك بعشر: لا تقتلن امرأة، ولا صبياً، ولا كبيراً هرماً، ولا تقطعن شجراً مثمراً، ولا تخربن عامراً، ولا تعقرن شاةً، ولا بعيراً، إلا لمأكلة، ولا تحرقن نحلا، ولا تغرقنه، ولا تغلل ولا تجبن"([47]).
القاعدة الثالثة: وضع الإسلام منهاجاً في معاملة الأسرى:
جوهر هذا المنهاج التكريم والمحافظة على كرامة الأسير والمحافظة على حياته وموقفه صلى الله عليه وسلم من الأسرى، موقف كريم رحيم، وهو أعرف من أن يعرف، ولقد قام صحابته رضي الله عنهم بما أمرهم به خير قيام، حتى أثنى الله عليهم، ومصدر هذه القاعدة هو قوله تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} [الإنسان: 8]([48]).
وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنفال: 70].
ومن أوامر الرسول صلى الله عليه وسلم للمسلمين في أعقاب غزوة بدر بأن يستوصوا بأسرى الغزوة خيراً، وأن تتم تفرقتهم على الصحابة، وبالفعل تم الامتثال لأوامر النبي صلى الله عليه وسلم، وقام الصحابة بإكرامهم والإحسان إليهم وتقديم الطعام والشراب لهم، حيث لم يُعامَلوا كأسرى إلا في نطاق ضيق جداً تمثل باحتجازهم وعدم تمكينهم من حرية الانتقال من مكان إلى آخر، فلابد من حسن معاملة الأسرى حتى يُبت في أمرهم، إما بالمن بإطلاق سراحهم، أو الفدية لمن يُرجَى منهم الخير، أو بمبادلتهم بأسرى المسلمين لدى العدو، أو القتل لمجرمي الحرب.
القاعدة الرابعة: تحريم التمثيل، حتى قتلى العدو لهم حقوق:
حرم الإسلام تقطيع الجثث الميتة أو وتشويهها، وتعذيب الأعداء بالنار أحياء كانوا أم أمواتاً، حتى لو فعلها المشركون مع المسلمين، فعن عِدِيّ بن ثابت، سمعت عبد الله بن يزيد الأنصاري -وهو جده أبو أمه- قال: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النهبى والمثلة"([49])، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بدفن قتلى المشركين، ولم يترك جثثهم نهباً لوحوش الأرض، وسباع الطير، إذ أمر بوضع جثث القتلى من قريش في القليب، وهي بئر جافة، حيث جاء في الصحيحين عن عبد الله ابن مسعود أن قادة المشركين الذين آذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة قُتلوا في معركة بدر، وأنهم سحبوا إلى القليب، حيث يقول في آخر الحديث: "فوالله لقد رأيتهم صرعى يوم بدر، ثم سحبوا إلى القليب، قليب بدر"([50]).
المطلب الرابع: قواعد الحرب في القانون الدولي المعاصر والمقارنة بينها وبين قواعد الحرب في الشريعة الإسلامية:
أولا: قواعد الحرب في القانون الدولي المعاصر:
لقد تأخر القانون الدولي المعاصر كثيرا في الأخذ بقواعد الحرب الموجودة في الشريعة الإسلامية، حيث بدأ ذلك في القرن الماضي فقط بعد أن ذاقت البشرية مرارة الحروب التي قتل فيها ملايين الناس وتهدمت البيوت والمدن على رؤوس أصحابها بدعوى المدنية والحضارة، ولم يترك العالم الغربي نقيصة إلا وارتكبها، حتى بعد إقرار ضوابط الحرب في معاهدات جنيف الأربع عام 1949 والبرتوكولين الإضافيين لهما عام 1977 ظلت هذه الضوابط حبر على ورق.
وتتلخص مهمة القانون الدولي الإنساني في حماية حقوق الإنسان أثناء النزاعات المسلحة، وهو يتكون من مجموعة مبادئ متفق عليها دوليا ومستقرة في المجتمع الدولي، تدعو إلى الحد من استخدام العنف أثناء النزاعات المسلحة، وحماية الأفراد المشتركين في العمليات الحربية، والذين توقفوا عن المشاركة فيها، مثل الجرحى والمصابين والأسرى والمدنيين بقصد جعل العنف في النزاعات المسلحة محصورا في الأعمال التي تقتضيها الضرورة العسكرية.
ومع كثرة القوانين الدولية الإنسانية إلا أنها تعانى من الضعف والفشل بسبب أن هذه الاتفاقيات لا تطبقها بعض الدول، وحتى الدول التي أخذت بها لا تلتزم بها بكاملها، خاصة وأن هذه الاتفاقيات رضائية: أي تخضع من حيث الالتزام بها إلى إرادة الأطراف الموقعين عليها، فلا يوجد ما يجبرهم على احترامها، لغياب السلطة التي تسهر على تطبيق قواعد وأحكام القانون الدولي كما هو الحال في القانون الداخلي لتلك الدول.([51])
كما أن الضوابط الواردة في هذه الاتفاقيات وغيرها من قواعد وأحكام القانون الدولي الإنساني لم تصل بعد لا في درجتها ولا رقيها إلى المستوى الذي وصلت إليه الشريعة الإسلامية المستمدة من رب العالمين والتي نتعبد لله بتنفيذ كافة بنودها، ولذا نجد أن قواعد الإسلام يلتزم بها كل المسلمين خلفاء وقادة وجنود، وليس أدل على ذلك من أن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه عزل قائد جيوشه خالد بن الوليد رصي الله عنه بالرغم من كثرة الانتصارات العظيمة التي حققها، وقال: (إن في سيف خالد رهقا) أي: أن سبب عزله كثرة القتل.([52])
ثانيا: المقارنة بينها وبين قواعد الحرب في الشريعة الإسلامية:
بالمقارنة بين قواعد الحرب في الشريعة الإسلامية وفي القانون الدولي الوضعي يتضح التالي:
قواعد الحرب في الشريعة الإسلامية أسبق في الظهور وأكمل في القواعد والمبادئ والأحكام منها في القانون الدولي الوضعي، فقد عرفت الشريعة الإسلامية التفرقة بين المقاتلين وغير المقاتلين والأهداف العسكرية والأعيان المدنية.
تمتاز قواعد الحرب في الشريعة الإسلامية بوجود عنصر الإلزام الذي تفتقر إليه قواعد القانون الدولي الوضعي، فهي في الشريعة الإسلامية عبادة يتقرب بها المسلم إلي ربه، أما في القانون الدولي فآليات المتابعة والمراقبة ضعيفة لا نكاد نشعر بها: لأنها بيد الدول ولا يلزمها سوى أخلاقيات الدول ورضاها، وهو منعدم في العديد من الحالات، مما جعل قواعد القانون الوضعي نظرية أكثر منها عملية، بينما الوضع عكس ذلك تماما في الشريعة الإسلامية.
عرفت الشريعة الإسلامية الدفاع الشرعي بصورة دقيقة وموضوعية أفضل من القانون الدولي الوضعي.
أقر الإسلام قبل القانون الدولي الوضعي ضرورة الأخذ بالوسائل السلمية لحل المنازعات الدولية.
عرف الإسلام الدفاع الشرعي الجماعي قبل القانون الدولي الوضعي، كما عرف الإسلام حقوق الإنسان والتفرقة بينها في زمن النزاعات المسلحة ووقت السلم، وهناك العديد من الوثائق الإسلامية التي تؤكد ذلك.
ومما سبق يتبين مدى التقدم التشريعي للشريعة الإسلامية من حيث الصياغة، فتتميز الشريعة الإسلامية عن التشريع الوضعي في كل من الشكل (الإجراءات) والموضوع (المضمون)، أما القواعد الواردة في القانون الدولي المعاصر فقاصرة من حيث المضمون والإجراءات، مما يدحض ادعاءات الغرب في أن الإسلام دين الإرهاب، ويبين أسبقية الإسلام على القانون الدولي الوضعي في تنظيم قواعد الحرب، كما يبين أفضلية الإسلام على القانون الدولي الوضعي من حيث عنصر الإلزام المتمثل في اعتبار قواعد الحرب في الإسلام عبادة نتقرب بها إلى الله، كما أن القانون الإسلامي أعم وأشمل في المفهوم والمضمون، ولذا فهو الصالح لكل زمان ومكان.([53])
الخاتمة
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، نحمده أولا وآخرا أن وفقنا لإتمام هذا البحث، والوصول إلى خاتمته، فلله الفضل والمنة والشكر علينا دائما، وتكمن أهمية هذا البحث وشرفه، من خلال تعلقه بموضوع مهم من الشريعة الإسلامية السمحاء، ومن حاجة الناس جميعا لمثله اليوم، وفي بيان أسلوب التحذير والتوجيه الشرعي لحماية حقوق المدنيين من النساء والأطفال والشيوخ أثناء العمليات الحربية، ومقارنة بما جاء به شرعنا مع القانون الدولي الإنساني، وفي نهاية البحث خرج الباحثان بمجموعة من النتائج والتوصيات، أهمها:
أولا: النتائج:
تبين لنا من خلال هذا البحث أن الإسلام قرر أحكاما وقواعدا لما بات يعرف في العصر الحديث بالقانون الدولي الإنساني، وأنه سبق الاتفاقيات الدولية التي أرست قواعد وأحكام هذا القانون بمئات السنين، وإن المتتبع لدور الإسلام في هذا المجال يجده قد وضع تشريعا شموليا ينظم كل ما يتعلق بموضوعات هذا القانون ومضامينه المختلفة.
أبرز البحث أن الشريعة الإسلامية أقرت قبل القانون الدولي الوضعي ضرورة الأخذ بالوسائل السلمية لحل الحروب والنزاعات الدولية، كما وضح أنها وضعت الدفاع الشرعي بصورة دقيقة وموضوعية قبله، بل وأفضل منه، كما عرف الإسلام حقوق الإنسان والتفرقة بينها في زمن النزاعات المسلحة ووقت السلم.
بين البحث أن الشريعة الإسلامية توجه الإنسان إلى الوسائل التي تربط سلوكه وقلبه بالله تعالى، كبيان حرمة قتل أو إيذاء النساء والأطفال والشيوخ غير المحاربين، والوعيد لمن يتعرض لهم، فعبادة الله ليست بمعزل عن السلوك أو الأخلاق في الحرب، إنما هي الزاد، فلا بد من صلة بالله تعالى يأتي منها المدد والزاد، وتطهر القلب وتزكيه.
أوضح البحث أن قواعد الحرب في الشريعة الإسلامية تمتاز بوجود عنصر الإلزام الذي تفتقر إليه قواعد القانون الدولي الوضعي، فهي في الشريعة الإسلامية عبادة يتقرب بها المسلم إلي ربه، أما في القانون الدولي فآليات المتابعة والمراقبة ضعيفة: لأنها بيد الدول ولا يلزمها سوى أخلاقياتها ورضاها، وهو منعدم في العديد من الحالات، مما جعل قواعد القانون الوضعي نظرية أكثر منها عملية، بينما الوضع عكس ذلك في شريعتنا.
الحرب في الإسلام ظاهرة استثنائية، لها ضوابطها وضروراتها التي تقدر بقدرها، وأن الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم السلم لا الحرب.
الإسلام منذ نشأته أدرك معنى العلاقات الدولية وأهميتها، وضرورة التعايش السلمي مع الآخرين، وما أثير من شبهات حول الحرب في الإسلام، إنما هو افتراء لا دليل عليه.
للحرب في الإسلام أسباب وبواعث، تجعل منها رحمة للبشرية، لا سببا في شقائها، وحفاظا للحقوق والحرمات، ونشر العدل بين أفراد الأسرة الدولية، فهذه قيم سامية، وتشمل جميع مراحل الحرب منذ بدئها، وإلى أن تضع الحرب أوزارها.
القانون الدولي الإنساني الخاص بالنزاعات الدولية، نشأ أصلا للتخفيف من ويلات الحروب، وأن نصوص هذا القانون ومبادئه تطورت كثيرا منذ نشأتها وحتى الآن بما يخدم الإنسانية، وأن هذا القانون متأثر في كثير من مواده بقانون الحرب في الإسلام.
واقع ومستقبل الحرب في الإسلام يختلف عنه في ظل القانون الدولي الإنساني، فالقانون الدولي الإنساني وحده قاصر عن إيجاد الحلول اللازمة والنهائية للنزاعات الدولية، فالحروب والنزاعات الدائرة الآن، وكذلك المستقبلية، في حاجة ماسة لأن يستفيد أطرافها من قيم الحرب في الإسلام.
هناك قيم مشتركة للحرب بين الإسلام والقانون الدولي الإنساني، وهناك قيم للحرب انفرد بها الإسلام، ولا وجود لها في القانون الدولي الإنساني.
ثانيا: التوصيات:
العمل على زيادة تثقيف أبناء المجتمع بحقوق الإنسان خاصة عبر وسائل الإعلام المتعددة، وتدريس تربية حقوق الإنسان في المدارس عبر المواد الدراسية وبشكل خاص: مادة التربية الإسلامية، والتربية الوطنية، والتاريخ، والتأكيد على أن تربية حقوق الإنسان قضية وعي وثقافة إلى كونها ممارسات داخل المؤسسة التعليمية، وكذلك ضمن ما يسمى (المنهج الموازي): ليتشربها الطلاب في مرحلة مبكرة يتم ممارستها في البيئة المدرسية.
تنظيم برامج إعلامية تنشيطية مختصة كالدورات التدريبية وورش العمل، لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتوعية وتثقيف الناس بهذه القضايا والمفاهيم، وضع برنامج تعليمي تدريبي للمعلمين وكل التربويين، واتخاذ المعلم من نفسه أنموذجا يحتذي به التلاميذ في سلوكهم.
تدريب العاملين في مؤسسات الدولة، خاصة الجيش والشرطة والسلك القضائي على مفهوم مراعاة حقوق المدنيين، خاصة المرأة والطفل والشيخ، وحماية حقوقهم من الانتهاك.
مطالبة الحكومات والمؤسسات الدولية بوقف الحروب والنزاعات، والسعي لمعالجتها معالجة جذرية وعادلة، وليس العمل فقط لتأمين الأدوية والضمادات للجروح اليومية الناتجة عنها.
المساهمة في الأعمال الوقائية من الحروب والنزاعات عن طريق: ممارسة العدل، ومشاركة الناس السياسية الواسعة، والاهتمام بالواقع العام، والمطالبة بإعطاء كل فئات المجتمع حقوقهم الكاملة، وتدريس البرامج التربوية المبنية على المساواة والعدالة، واحترام الآخر وتقبل رأي المخالفين.
وصلي اللهم وبارك على محمد، وآله، وصحبه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
المصادر والمراجع
أحكام القرآن، القاضي محمد بن عبد الله أبو بكر بن العربي المعافري الاشبيلي المالكي (المتوفى: 543ه)، راجع أصوله وخرج أحاديثه وعلق عليه: محمد عبد القادر عطا، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة: الثالثة، 1424 ه- 2003 م.
الأسس الأولية للقانون الإنساني الدولي، مقال من كتاب القانون الدولي الإنساني، د. إسماعيل عبد الرحمن، الإدارة العامة لديوان وزارة الداخلية، تقديم الدكتور: أحمد فتحي سرور - دار المستقبل العربي- القاهرة، الطبعة الأولى: 2003 م.
الإسلام وقواعد القانون الدولي الإنساني، مقال لسامر أحمد موسى، الموقع الرئيسي لمؤسسة الحوار المتمدن، العدد: 1979 تاريخ النشر: 17 / 7 / 2007 م.
أصالة السلام بين بني البشر - وجهة نظر إسلامية، بقلم: الدكتور الشيخ علي ناصر (باحث في الشريعة والقانون الدولي، من لبنان)، مجلة الوحدة الإسلامية، تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان، السنة الثانية عشر - العدد 137، أيار - 2013م.
الأموال لابن زنجويه، أبو أحمد حميد بن مخلد بن قتيبة المعروف بابن زنجويه (المتوفى:251 ه)، تحقيق الدكتور: شاكر ذيب فياض الأستاذ المساعد – بجامعة الملك سعود، الناشر: مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، الطبعة: الأولى، 1986 م.
بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث، مؤلف مسند الحارث: الحارث بن محمد بن أبي أسامة المتوفى: 282 ه، مؤلف بغية الحارث: نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي، المتوفى: 807 ه، المحقق: حسين أحمد صالح الباكري، الناشر: الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، الطبعة: الأولى، 1413 ه- 1992 م، مصدر الكتاب: مكتبة أحمد الخضري.
التحرير والتنوير "تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد"، محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور التونسي (المتوفى: 1393ه)، الناشر: الدار التونسية للنشر - تونس، سنة النشر: 1984م.
التشريع- الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي، عبد القادر عودة (المتوفى: 1373ه)، الناشر: دار الكتب العلمية.
الجهاد في الإسلام: كيف نفهمه؟ وكيف نمارسه؟ للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، الناشر: دار الفكر - دمشق، طبعة سنة 1997 م
حماية الرعاية الصحية في ضوء القانون الدولي الإنساني والشريعة الإسلامية، أبحاث اليوم الدراسي الذي عقدته وزارة الأوقاف والشئون الدينية الفلسطينية، بالتعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر الدولي ICRC، في مدينة غزة، بتاريخ 15 إبريل 2014م.
حماية ضحايا الحرب في الشريعة الإسلامية والقانون الدولي الإنساني، بحث مقدم للجامعة الإسلامية العالمية - إسلام آباد، أ. د. وهبة الزحيلي، عضو المجامع الفقهية، أكتوبر 2004 م، ضمن مجلة من منشورات اللجنة الدولية للصليب الأحمر الدولي .JCRC ص: 233- 240.
حماية ضحايا الحروب بين الشريعة الإسلامية والقانون الدولي الإنساني، دراسة مقارنة مقدمة للجامعة الحرة في هولندا، كلية القانون والسياسة - قسم القانون، من قبل الطالب: صالح حسن إبراهيم، بإشراف الدكتور: جلال نوري السعدون، تاريخ النشر: 2011 م
خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة (المتوفى: 1394ه)، الناشر: دار الفكر العربي - القاهرة، عام النشر: 1425ه.
الروض الأنف في شرح السيرة النبوية لابن هشام، المؤلف: أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد السهيلي (المتوفى: 581ه)، المحقق: عمر عبد السلام السلامي، الناشر: دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة: الطبعة الأولى، 1421ه/ 2000 م.
سنن أبى داود، أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السجستاني (المتوفى: 275ه)، المحقق: شعيب الأرنؤوط – محمد كامل قره بللي، الناشر: دار الرسالة العالمية، الطبعة: الأولى، 1430 ه- 2009 م.
السنن الكبرى، أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخسروجردي الخراساني، أبو بكر البيهقي (المتوفى: 458ه)، المحقق: محمد عبد القادر عطا، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة: الثالثة، 1424 ه- 2003 م.
الشريعة، أبو بكر محمد بن الحسين بن عبد الله الآجري البغدادي (المتوفى: 360ه)، المحقق: الدكتور عبد الله بن عمر بن سليمان الدميجي، الناشر: دار الوطن - الرياض/ السعودية، الطبعة: الثانية، 1420 ه- 1999 م.
شعب الإيمان، أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، تحقيق: محمد السعيد بسيوني زغلول، الناشر: دار الكتب العلمية- بيروت، الطبعة الأولى، 1410ه.
صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن معبد، التميمي، أبو حاتم، الدارمي، البستي (المتوفى: 354ه)، المحقق: شعيب الأرنؤوط، الناشر: مؤسسة الرسالة -بيروت، الطبعة: الثانية، 1414 ه 1993 م.
صحيح البخاري = الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه، محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي، الناشر: دار ابن كثير، اليمامة - بيروت، تحقيق وتعليق: د. مصطفى ديب البغا أستاذ الحديث وعلومه في كلية الشريعة - جامعة دمشق، الطبعة الثالثة، 1407 -ه 1987 م.
صحيح مسلم = المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، مسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري (المتوفى: 261 ه)، المحقق: محمد فؤاد عبد الباقي، الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت.
القانون الدولي الإنساني -تطوره ومبادئه- من كتاب دراسات في القانون الدولي الإنساني، د. جان بكتيه، تقديم مفيد شهاب، الناشر معهد هنري دونان، جنيف،1984 م
القانون الدولي الإنساني بين المفهوم الإسلامي والقواعد الوضعية، بقلم د. محمد السعيد الدقاق، أستاذ القانون الدولي بكلية الحقوق -جامعة الإسكندرية، مدير مركز الخدمات القانونية بجامعة الإسكندرية، المجلة الدولية للصليب الأحمر، العدد 12/ مارس 1990 م.
القانون الدولي الإنساني في الإسلام، منشورات اللجنة الدولية للصليب الأحمر الدوليICRC ، ص:205-202، د. جعفر عبد السلام، أستاذ ورئيس القانون الدولي كلية الشريعة والقانون - جامعة الأزهر، والأمين العام لرابطة الجامعات الإسلامية.
القانون الدولي الإنساني، د. إسماعيل عبد الرحمن، تقديم الدكتور: أحمد فتحي سرور، دار المستقبل العربي - القاهرة، الطبعة الأولى: 2003 م.
قواعد الحرب في الشريعة الإسلامية، مقال بقلم الدكتور: السيد مصطفي أحمد أبو الخير (خبير في القانون الدولي)، في موقع آيات معجزات، البريد الإليكتروني: .dr.alsaid0@gmail.com .
مبادئ القانون الدولي الإنساني من وجهة نظر إسلامية، بحث بقلم: الدكتور الشيخ علي ناصر، مجلة الوحدة الإسلامية - تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان، العدد 134 شباط 2013 م.
مسند الإمام أحمد بن حنبل، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني (المتوفى: 241 ه)، المحقق: شعيب الأرنؤوط - عادل مرشد، وآخرون، إشراف: د عبد الله بن عبد المحسن التركي، الناشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة: الأولى، 2001 م.
مشروعية الحرب في الشريعة الإسلامية والقانون الدولي العام، د. طلعت جياد لجي الحديدي، مدرس في جامعة كركوك - كلية القانون، بحث منشور في مجلة جامعة كركوك للدراسات الإنسانية، العدد: 2 / المجلد: 4 / السنة الرابعة 79، سنة 2002 م.
مصنف ابن أبي شيبة، أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة (235ه)، تحقيق: محمد عوامة، ملاحظات: رقما الجزء والصفحة يتوافقان مع طبعة الدار السلفية الهندية القديمة.
المصنف، أبو بكر عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري اليماني الصنعاني (المتوفى: 211ه)، المحقق: حبيب الرحمن الأعظمي، الناشر: المجلس العلمي- الهند، يطلب من: المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة: الثانية، 1403 ه.
المعجم الكبير، سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي، أبو القاسم الطبراني (المتوفى: 360ه)، المحقق: حمدي بن عبد المجيد السلفي، دار النشر: مكتبة ابن تيمية - القاهرة، الطبعة الأولى، 1415 ه- 1994 م
مقالات في القانون الدولي الإنساني والإسلام، جمعها ورتبها وراجعها د. عامر الزمالي (مستشار شؤون الشرق الأوسط والمغرب العربي)، كتاب من إصدارات اللجنة الدولية للصليب الأحمر الدولي ICRC القاهرة، الطبعة الثانية، يناير 2010 م.
مقدمة ابن خلدون، المؤلف: عبد الرحمن بن محمد بن محمد، ابن خلدون.
مقدمة في القانون الدولي الإنساني في الإسلام، أ. د. زيد بن عبد الكريم زيد، أستاذ الفقه المقارن، وعميد المعهد العالي للقضاء - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، كتاب من إصدارات اللجنة الدولية للصليب الأحمر الدولي ICRC، سنة 1425 ه.
مقدمة في القانون الدولي الإنساني، بحث بقلم: نضال الإبراهيم، بتاريخ 2015/3/19، الموقع الإلكتروني:
http://ar.mideastyouth.com/?p=46754
مقدمة لدراسة قانون النزاعات المسلحة، مقال لصلاح الدين عامر، الناشر: دار الفكر العربي للطباعة والنشر، 1976 م.
مقدمة لدراسة قانون النزاعات المسلحة، مقال للدكتور صلاح الدين عامر، الناشر: دار الفكر العربي للطباعة والنشر، ودار النهضة العربية، 1976 م
مناظرة بين الإسلام والنصرانية، لمناقشة العقيدة الدينية بين مجموعة من رجال الفكر من الديانتين الإسلامية والنصرانية، الشيخ الدكتور محمد جميل غازي والأستاذ إبراهيم خليل أحمد واللواء المهندس أحمد عبد الوهاب، الناشر: الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، الرياض، الطبعة: الثانية، 1413 ه- 1992 م
موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان، أبو الحسن نور الدين علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي (المتوفى: 807ه)، المحقق: حسين سليم أسد الداراني – عبده علي الكوشك، الناشر: دار الثقافة العربية، دمشق، الطبعة: الأولى، (1990م- 1992 م).
موسوعة اتفاقيات القانون الدولي الإنساني، شريف عتلم ومحمد ماهر عبد الواحد، إصدار اللجنة الدولية للصليب الأحمر بالقاهرة -الطبعة السادسة 2005 م.
موطأ الإمام مالك، مالك بن أنس بن مالك بن عامر الأصبحي المدني (المتوفى: 179 ه)، صححه ورقمه وخرج أحاديثه وعلق عليه: محمد فؤاد عبد الباقي، الناشر: دار إحياء التراث العربي، بيروت، عام النشر: 1406 ه- 1985 م.
نظرية الحرب في الإسلام، بحث د. السيد مصطفي أحمد أبو الخير، الخبير في القانون الدولي والعلاقات الدولية، مصر، الموقع: أرشيف منتدى الفصيح، تاريخ النشر: 2006 م.
[1] ينظر: مقدمة لدراسة قانون النزاعات المسلحة، د. صلاح الدين عامر، ص 6.
[2] صحيح البخاري (4/ 69) حديث رقم: 3052
[3] سنن أبي داود (3/ 170) حديث رقم: 3052، أحكم الألباني: صحيح).
[4] السنن الكبرى، للبيهقي (9/ 327) حديث رقم: 18674، واللفظ له، والأموال، لابن زنجويه (1/ 125) حديث رقم: 108.
[5] ينظر: مقدمة في القانون الدولي الإنساني في الإسلام، أ. د. زيد عبد الكريم الزيد، ص: 25,24
[6] ينظر: مقدمة في القانون الدولي الإنساني، بحث لنضال الإبراهيم.
[7] ينظر: القانون الدولي الإنساني -تطوره ومبادئه-، د. جان بكتيه، ص 37.
[8] ينظر: موسوعة اتفاقيات القانون الدولي الإنساني، شريف عتلم ومحمد ماهر عبد الواحد، ص 77
[9] التحرير والتنوير، لابن عاشور (6/ 87).
[10] ينظر: الإسلام وقواعد القانون الدولي الإنساني، مقال لسامر أحمد موسى.
[11] صحيح مسلم (3/ 1357) حديث رقم: (1731).
[12] (سنن أبي داود (4/ 256) حديث رقم: 2614، تحقيق الأرناؤوط: حسن لغيره)، و (السنن الكبرى، للبيهقي (9/ 153) حديث رقم: 18153) و(مصنف ابن أبي شيبة (12/ 382) حديث رقم: 33790].
[13] موطأ مالك، تحقيق عبد الباقي (2/ 447) حديث رقم: 10، والسنن الكبرى، للبيهقي (9/ 152) حديث رقم: 18148، ومصنف عبد الرزاق الصنعاني (5/ 199) حديث رقم: 9375. معنى فحصوا: حلقوا رءوسهم
[14] (صحيح ابن حبان - مخرجا (11/ 112) حديث رقم: 4791، تعليق الألباني: حسن صحيح، وتعليق شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح)، و(موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان، للهيثمي (5/ 251) تحقيق حسين أسد الداراني: إسناده صحيح). وبمثله أخرج أبو داود عن رباح بن ربيع رضي الله عنه، سنن أبي داود (3/ 53) حديث رقم: 2669، أحكم الألباني: حسن صحيح)، وسنن أبي داود تحقيق الأرنؤوط (4/ 303): إسناده صحيح.
[15] صحيح البخاري (3/ 135) حديث رقم: 2474. (تعليق مصطفى البغا: (النهبى) أخذ الشيء من أحد عيانا وقهرا. (المثلة) العقوبة في تقطيع الأعضاء كجذع الأنف والأذن وفقء العين ونحوها، إلا إذا كان ذلك قصاصا).
[16] صحيح البخاري (7/ 94) حديث رقم: 5514، وبمثله أخرج مسلم في صحيحه عن انس بن مالك رضي الله عنه، (3/ 1549) حديث رقم: (1956). (بهيمة) يراد بها كل ذات أربع قوائم من الدواب وتطلق على كل حيوان لا يميز. (غيرها) من الطيور ونحوها، (الصبر) صبر البهائم أن تحبس وهي حية لتقتل بالرمي ونحوه
[17] صحيح البخاري (7/ 94) حديث رقم: 5515.
[18] صحيح البخاري (4/ 51) حديث رقم: 2966, وصحيح مسلم (3/ 1362) حديث رقم: (1742)
[19] ينظر: مقدمة ابن خلدون (ص: 145).
[20] ينظر: مشروعية الحرب في الشريعة الإسلامية والقانون الدولي العام، د. طلعت الحديدي، ص:102-104
[21] ينظر: القانون الدولي الإنساني في الإسلام، د. جعفر عبد السلام، ص:201-205. وحماية ضحايا الحرب في الشريعة الإسلامية والقانون الدولي الإنساني، أ. د. وهبة الزحيلي، ص: 233-240.
[22] ينظر: خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، لأبي زهرة (2/513، 541)، ومناظرة بين الإسلام والنصرانية، للشيخ الدكتور محمد جميل غازي، وأخرون (ص: 335، 336).
[23] أحكام القران، لابن العربي، ط العلمية (2/ 400).
[24] ينظر: خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، لأبي زهرة (2/515)، ومناظرة بين الإسلام والنصرانية، للشيخ الدكتور محمد جميل غازي، وأخرون (ص: 337).
[25] ينظر: أصالة السلام بين بني البشر - وجهة نظر إسلامية، د. علي ناصر، ص: 1.
[26] الجهاد في الإسلام، محمد سعيد البوطي، ص: 227-228.
[27] المرجع السابق، ص: 229.
[28] ينظر: الأسس الأولية للقانون الإنساني الدولي، مقال من كتاب القانون الدولي الإنساني، د. إسماعيل عبد الرحمن ص 15.
[29] ينظر: حماية ضحايا الحروب بين الشريعة الإسلامية والقانون الدولي الإنساني، صالح حسن إبراهيم.
[30] ينظر: القانون الدولي الإنساني بين المفهوم الإسلامي والقواعد الوضعية، د. محمد السعيد الدقاق، ص: 65 - 74، ونظرية الحرب في الإسلام، الدكتور السيد أبو الخير، الموقع: أرشيف منتدى الفصيح، ص: 15298
[31] صحيح البخاري (8/ 4) حديث رقم: 5977، وصحيح مسلم (1/ 92) حديث رقم: 88
[32] صحيح البخاري (2/9) حديث رقم: 6862
[33] (مسند أحمد ط الرسالة (4/ 461) حديث رقم: 2728 حكم المحقق أحمد محمد شاكر: إسناده حسن، والمحقق شعيب الأرنؤوط: حسن لغيره)، وبمثله أخرج الطبراني في المعجم الكبير (11/ 224) حديث رقم: 11562 , وعنده: "لا تعتدوا ولا تمثلوا"
[34] صحيح مسلم (3/ 1407) حديث رقم: (1780)
[35] صحيح مسلم (3/1357) حديث رقم: 1731.
[36] الشريعة، للآجري (3/1486) حديث: رقم: 1011.
[37] شعب الإيمان، للبيهقي (2/531).
[38] مسند الحارث = بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث (2/661) حديث رقم: 637.
[39] صحيح البخاري (4/51) حديث رقم: 2966، وصحيح مسلم (3/1362) حديث رقم: (1742).
[40] [مسند أحمد ط الرسالة (3/486) حديث رقم: (2053) المحقق: شعيب الأرنؤوط حديث صحيح]، و[مسند أحمد ت شاكر (2/503) المحقق أحمد محمد شاكر: إسناده صحيح، و[المعجم الكبير للطبراني، ط إحياء التراث (11/95) حديث رقم: 11159].
[41] مسند أحمد مخرجاً (39/528) حديث رقم: 88، المحقق شعيب الأرنؤوط: حديث حسن.
[42] ينظر: خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، لأبي زهرة (2/515، 516).
[43] صحيح البخاري (4/47) حديث رقم: 2942، وصحيح مسلم (4/1872) حديث رقم: (2406).
[44] [سنن أبي داود (3/54) حديث رقم: 2673، حكم الألباني: صحيح]، ومسند أحمد ط الرسالة (25/421) حديث رقم: 16034 المحقق شعيب الأرنؤوط: حديث صحيح].
[45] مصنف ابن أبي شيبة (12/423) حديث رقم: 33951.
[46] صحيح مسلم (3/1407) حديث رقم: (1780).
[47] موطأ مالك، تحقيق عبد الباقي (2/447) حديث رقم: 10، والسنن الكبرى، للبيهقي (9/152) حديث رقم: 18148 ومصنف عبد الرزاق الصنعاني (5/199) حديث رقم: 9375. معنى فحصوا: حلقوا رءوسهم.
[48] ينظر: مناظرة بين الإسلام والنصرانية، للشيخ الدكتور محمد جميل غازي، وآخرون (ص: 338- 341).
[49] صحيح البخاري (3/135) حديث رقم: 2473. [تعليق مصطفى البغا: (النهبى) أخذ الشيء من أحد عياناً وقهراً. (المثلة) العقوبة في تقطيع الأعضاء كجذع الأنف والأذن وفقء العين ونحوها، إلا إذا كان ذلك قصاصاً].
[50] صحيح البخاري (1/110) حديث رقم: 520، وصحيح مسلم (3/1418) حديث رقم: (1794).
[51] ينظر: مقدمة لدراسة قانون النزاعات المسلحة، مقال للدكتور صلاح الدين عامر، ومبادئ القانون الدولي الإنساني من وجهة نظر إسلامية، للدكتور الشيخ علي ناصر
[52] ينظر: الروض الأنف في شرح السيرة النبوية، للسهيلي (7/265)، وخاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، لأبي زهرة (3/ 924).
[53] ينظر: قواعد الحرب في الشريعة الإسلامية، مقال للدكتور: السيد أبو الخير، ومقدمة لدراسة قانون النزاعات المسلحة، مقال للدكتور صلاح الدين عامر.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق