معاملة الأسرى
رؤية إنسانية وفق قواعد الشريعة الإسلامية
دكتور
أحمد محمد لطفي أحمد
أستاذ الفقه المقارن المشارك بكلية الشريعة والقانون
جامعة الأزهر بمصر - وكلية الحقوق جامعة المملكة - دولة البحرين
ملخص
احتلت أحكام الأسرى نصيباً وافراً في التنظيم الإسلامي للحرب، لأن الأسر أحد الآثار التي تخلفها الحروب، فما من حربٍ إلا وَتُخَلِّفُ أسرى من الجانبين.
وأقر الإسلام للأسرى كرامتهم، ولم يهمل إرادتهم، وأمر المسلمين بحسن معاملتهم ، وإكرامهم، ولعل الحروب والنزاعات الحديثة بكل ما فيها من مآسٍ تُظْهِرُ الوحشية التي تتعامل بها الدول مع الأسرى، من قتلٍ وتعذيبٍ وما إلى ذلك.
جاء الإسلام وأقر للأسرى كرامتهم بشموله لكل جوانب الحياة المختلفة، وربطه أمور الدنيا بأحكام الدين، فقرر لهم حقوق عند عملية الأسر، وحقوقاً أخرى تتعلق بالمكان الذي يعتقل فيه الأسير، إضافة إلى كيفية المعاملة التي يعامل فيها، كل ذلك بظاهر إنسانية فاقت الوصف، تلك المظاهر التي تضمن للأسير كرمته واحترامه وآدميته.
المشكلة التي يحاول البحث إبرازها هو إيجاد حل للتناقض الغريب بين ما يقرره الإسلام وما يطبق على أرض الواقع، فما زالت معسكرات الأسرى في أغلب دول العالم تعج بالعديد من الممارسات الوحشية التي تفقد الأسرى كرامتهم، وتطغى على إنسانيتهم ، فجاء هذا البحث ليبرز التوافق بين الأسير باعتباره عدوا يقاتل في جيش الأعداء، وبين كونه أسيراً ضعيفاً لا حيلة له ولا قوة يخضع لإمرة المسلمين.
Abstract
The provisions of the prisoners occupied a portion abundant in the Islamic organization of the war, because a captive effects of wars, but what of war prisoners and the failure of the two sides.
Islam recognized the dignity of the prisoners, but does not neglect their will, and ordered the Muslims in good treatment, and honor them, and perhaps the modern wars and conflicts with all its tragedies brutality with which it deals with the countries of prisoners appear, from the killing, torture and so on.
Islam came and passed to prisoners of their dignity by including all aspects of life, and linking it to worldly matters the provisions of the religion, he decided to have rights when families process, and other rights relating to the place of internment as the captive, in addition to how the treatment granted where, all the apparent meaning of humanity exceeded descriptions, those appearances to ensure that the prisoner was honored and respected and his humanity.
The problem that the researcher is trying to highlight is to find a solution to the contradiction stranger among decided by Islam and is applied on the ground, what POW camps are still in the majority of countries in the world teeming with many of the brutal practices that lose prisoners dignity, and overwhelm their humanity, came to this search highlights the compatibility between the captive as the enemy is fighting enemies in the army, and being captivated weak helpless nor the power is subject to the authority of the Muslims.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحكم لله الحكم العدل، والصلاة والسلام على نبي الرحمة، محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين أما بعد:
فقد امتاز الفكر الإسلامي بشموله لكل جوانب الحياة المختلفة، و ربطِهِ أمور الدنيا بأحكام الدين، وبما أن ظاهرة الحرب أحد الظواهر الواقعة على مر العصور، في الماضي والحاضر، وكذلك في المستقبل؛ قام الإسلام بتنظيمها تنظيماً محكماً، مراعياً بالتوازن بين حق المسلمين في تبليغ دعوتهم للغير، وحق الغير في حسن المعاملة وعدم الإذلال والامتهان، وقد احتلت أحكام الأسرى نصيباً وافرا في التنظيم الإسلامي للحرب؛ لأن الأسر أحد الآثار التي تخلفها الحروب، فما من حربٍ إلا و تُخَلِّفُ أسرى من الجانبين.
فأقر الإسلام للأسرى كرامتهم، ولم يهمل إرادتهم، وأمر المسلمين بحسن معاملتهم، واكرامهم، ولعل الحروب والنزاعات الحديثة بكل ما فيها من مآسٍ تُظْهِرُ الوحشية التي تتعامل بها الدول مع الأسرى، من قتلٍ وتعذيبٍ وما إلى ذلك، وليس (غوانتاموا) منا ببعيد، وليست سجون الاحتلال الإسرائيلي التي تدوي فيها آهات الفلسطينين ببعيدة عن القاصي والداني!.
وقد اهتم الكثير من الكتاب والباحثين، القدامى منهم والمحدثين بتناول أحكام الأسرى وكيفية معاملتهم في الفقه الإسلامي، بصورةٍ شاملةٍ؛ بياناً منهم لعظمة الإسلام؛ ودقة تنظيمه، ولكني رأيت أنه في ظل الظروف التي تحياها الأمة الإسلامية، ومع هذا التطاول وتلك الشبهات التي نالت الإسلام، سواءً أكانت بأقلام أبنائه أم أقلام أعدائه، جلهم يلقي الضوء على وحشية هذا الدين، وأنه مصدر الإرهاب ومنبعه، وأنه يعامل الأعداء في الحروب معاملةً قاسية، فهو بذلك دين لا إنساني.
لكل ذلك أردت أن أتكلم عن معاملة الأسرى، ولكن ليس بذات الطريقة التي تكلم عنها الكثيرون، أردت أن أبرز النزعة الإنسانية التي قررها الإسلام في التعامل مع الأسرى؛ لتكون نبراساً ورداً على تلك الشبهات التي تدعي زورا وبهتاناً أننا أمة همجية، لا نرتوي إلا بالدماء، ولا نعيش إلا على أرزاق الغير.
لذلك جاءت هذه الصفحات؛ لإبراز المفارقات الغريبة في كيفية تعامل الدول المتحاربة في العصر الحديث مع الأسرى، وما يرتَكَبُ في حقهم من جرائم بشعة، على مرأى ومسمعٍ من المجتمع الدولي، فما بحثي هذا إلا صرخة أردتها أن تدوي في آذان العالم كله أجمع؛ ليوقن الجميع أن السماحة والإنسانية هي عنوان الإسلام، حتى مع المخالفين.
وقد كتبت تلك الصفحات في هذا الموضوع، وعنونت له بـ "معاملة الأسرى- رؤية إنسانية، وفق قواعد الشريعة الإسلامية".
وجاءت خطة البحث في مقدمة وثلاثة مباحث وخاتمة:
المبحث الأول: مفهوم الأسير وشروط الأسر.
المبحث الثاني: مظاهر الإنسانية في التعامل مع الأسرى.
المبحث الثالث: معاملة الأسرى بين الواقع والمأمول.
الخاتمة: في نتائج البحث.
المبحث الأول
مفهوم الأسير وحكم الأسر
أولاً: تعريف الأسير:
الأسير في اللغة:
الأسير في لغة العرب: مأخوذ من الأسر، ويطلق في لغة العرب ويراد به جملة معانٍ، منها:
الحبس: يقال: أَسِرَ البول؛ إذا احتبس.
شدة الخلق وتقويته: يقال: أسرت الرجل آسره؛ إذا شددته، ومنه أسرة الرجل، أي رهطه الذين يتقوى بهم.
جاء في المصباح المنير: "وأسره الله أسرا، خَلَقَه خَلقاً حسناً، قال تعالى "نحن خلقناهم وشددنا أسرهم" ([1]) أي: قَوينا خلقهم ([2]).
ومنه قولهم: شَدَّ الله تعالى أسره، أي قوى إحكام خلقه، وقولهم: ما أحسن ما أسر قنية،! وهو أن يربط طرفي عرقوبي القنب برباط، وكذلك ربط أنحاء السرج بالسيور، ومنه قول الأعشى:
وقيد لي الشعر في بيته
كما قيد الآسرات الحمارا ([3]).
والأسير: هو الأخيذ والمقيد والمسجون، والمأسور هو المربوط بالإسار، ثم استعمل في الأخيذ مطلقاً ولو كان غير مربوط، تقول العرب: رجل أسير، وامرأة أسير؛ لأن (فعيل) بمعنى مفعول؛ يستوي فيه المذكر والمؤنث ([4])، ويجمع على: أسرى وأسارى وأسراء، وفرق أبو عمرو بن العلاء في الجمع فقال: الأسرى هم غير الموثقين عندما يؤخذون، والأسارى هم الموثقون ربطاً ([5]).
ويطلق الأسير عموماً على كل محبوسٍ في قدٍ أو سجنٍ، ومنه قوله تعالى "ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيرا " ([6]) أي محبوساً ([7]).
الأسير في الاصطلاح:
عرف الإمام الماوردي الأسرى بأنهم: المقاتلون من الكفار إذا ظفر المسلمون بأسرهم أحياء ([8]).
وبمقتضى هذا التعريف ينبغي أن تتوافر في الأسرى مجموعة من الصفات:
أن يكونوا من الرجال.
أن يكونوا من الكفار.
أن يكونوا من المقاتلين، فغير المقاتلين إذا وقعوا في أيدي المسلمين لا يأخذون حكم الأسرى.
ومصطلح الأسرى يشمل كل من وقع في يد المسلمين حياً من الكفار الحربيين، أياً كانت الطريقة التي تم بها الأخذ، وبالتالي يشمل فريقين:
الأول: المقاتلين الكفار الذين يظفر بهم المسلمون أحياء حال المعركة أو بعدها.
الثاني: الحربي الذي يدخل دار الإسلام دون عهدٍ أو أمان، كأن تلقيه السفينة، أو يتيه، فيدخل دار الإسلام بطريق الخطأ، أو يؤخذ بحيلةٍ على حين غفلةٍ منه ([9]).
لذا يمكن القول: إن تعريف الأسير لا يمكن أن ينحصر فيمن اشترك في الحرب، بل فيه متسع وفسحة ليشمل طوائف أخرى، مثل:
أهل الحرب وان لم يوجدوا في ميدان القتال، وان أخذوهم غارون وليسوا على أهبة قتال.
التجار وأهل الصناعات والمسافرين الذين خرجوا من دار الحرب، فوصلوا ضالين إلى دار الإسلام.
قال يحيى بن سعيد: "إن من أخذه المسلمون، فزعم أنه جاء للتجارة، أو مستأمناً بعدما أخذ، فلا أمان له، وقد رأى (مالك) أن أمره موكول إلى الإمام" ([10]).
اللاجىء من أهل الحرب إلى أحدٍ من المسلمين أثناء القتال أو بعده، أو من كان منهم معاوناً في الحرب وليس محارباً، فتجري عليه أحكام قاطع الطريق، وان تابوا من جرائمهم بعد القدرة عليهم سقطت عنهم المآثم دون المظالم، فيؤخذون بما وجب عليهم من الحقوق والحدود ([11]).
قال الماوردي: "من كان منهم مهيباً أو مكترى، لم يباشر قتلاً ولا جرحاً، ولا أخذ مالا... عزر وزجر وجاز حبسه، ولا يجاوز به ذلك إلى قطع ولا قتل، وجوز أبو حنيفة فيه إلحاقاً بحكم المباشرين معه" ([12]).
وقال الزحيلي: الأسير كل شخص يؤخذ لا لجريمة، وإنما لأسباب عسكرية ([13]).
وعرفه البعض الآخر بأنه: كل من يقع في الحرب دون اعتبار لديانته ([14]).
ومن خلال ما تقدم أن مصطلح الأسير لا يقتصر نطاقه فقط على من ظفر به المسلمون أثناء القتال؛ وإنما يتسع ليشمل طوائف أخرى من العدو، وقد تعرض الفقهاء لتلك الطوائف بتفصيلٍ لا يتسع المقام لذكره.
ثانياً: حكم الأسر:
لا يختلف أحد على مشروعية الأسر، وأنه أحد الآثار التي تخلفها الحروب بصفةٍ عامة، وقد وردت الدلائل من الكتاب والسنة وعمل الصحابة وإجماعهم على هذه المشروعية:
أولاً : من الكتاب:
استدلوا بآياتٍ كثيرة منها:
أ - قوله تعالى "فَإذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الحُرُمُ فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدتُّمُوهُمْ وخُذُوهُمْ واحْصُرُوهُمْ واقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ" ([15]).
حيث دلت الآية بعمومها على مشروعية الأسر، إذ أمرت المسلمين بأربعة أشياء بعد انقضاء الأشهر الحرم، وهي: قتال المشركين، وأخذهم، وحصرهم، والقعود لهم، والحصر في اللغة هو الأسر ([16])، وذكر المفسرون أن معنى الحصر فيه وجهان: الأول: الاسترقاق، والثاني: الفداء بمالٍ أو شراء، ([17])، كما أن المراد بقوله "وخذوهم" أي خذوهم بالأسر، قال الرازي: "وخذوهم، أي بالأسر، والأخيذ الأسير" ([18]).
ب – قوله تعالى "فَإذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الوَثَاقَ فَإمَّا مَنًا بَعْدُ وإمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الحَرْبُ أَوْزَارَهَا" ([19]).
فقد أوضح الله تبارك وتعالى كيفية التصرف في الأسرى، وبين أن الإمام مخير فيهم بين أمور، هي القتل، المن، الفداء، والاسترقاق، وما كان الله تبارك وتعالى يمنح الخيار في الأسرى لولي الأمر إلا إذا كان فعل الأسر في ذاته مشروعاً، حيث إن تلك الأمور لا تكون إلا بعد وقوع عملية الأسر.
ثانياً: من السنة:
أ – ما روي عن أبي وائل عن أبي موسى، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "فكوا العاني، وأجيبوا الداعي، وعودوا المريض" ([20]).
حيث أمر النبي صلى الله عليه وسلم بفك العاني، والعاني هو الأسير، وفكه أي إعتاقه من أيدي الكفار، وقد ذهب العلماء إلى أن فكاك الأسير من فروض الكفاية، ومع اختلاف العلماء فيما يفَكُ به الأسير، إلا أن قوله "فكوا العاني" عام في كل ما يفدَى به، سواءً أكان الفكاك بالمال أم بالرؤوس وما إلى ذلك ([21])، وبالتالي فإن الأسر كان موجوداً ومشروعاً، لترتب الأحكام الشرعية عليه.
ب – ما روي عن ابن عباس في قوله تعالى "مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ" ذلك يوم بدر، والمسلمون يومئذٍ قليل، فلما كثروا واشتد سلطانهم؛ أنزل الله تعالى بعد ذلك في الأسارى "إما مناً بعد واما فداءً "، فجعل الله النبي والمؤمنين بالخيار في الأسارى، إن أرادوا قتلوهم، وان ارادوا استعبدوهم، وان ارادوا فادوهم ([22]).
وقد أجمعت الأمة من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا على جواز اتخاذ الأسرى في الحروب من غير نكيرٍ من أحدٍ، فكان ذلك إجماعاً.
حكمة مشروعية الأسر في الإسلام:
لم يكن الأسر في الإسلام مقصوداً لذاته، أو كان الهدف منه مجرد قتل الأسرى، أو الحصول على الفداء؛ وانما شرع في الإسلام لِحِكَمٍ رئيسة، كلها جمعاء تصب في صالح الإسلام والمسلمين، ومن هذه الحكم:
أنه من الأمور التي تكسر بها شوكة العدو، إذ الأسر يقتضي عدم عودة الأسير للمشاركة في القتال، وبالتالي يقل عدد المحاربين بالنسبة لهم.
المعاملة بالمثل، فكما أن العدو يأسر المسلمين، فكذلك يتقرر الحق للمسلمين في أسر أعدائهم.
إن أسر الأعداء يعتبر أحد أهم الوسائل التي يتم بها تحرير أسرى المسلمين عن طريق التبادل، والتاريخ شاهد على تحقيق الأسر لهذا الغرض بنجاح، سواء أكان في القديم أم في الحديث:
ففي القديم: قام النبي صلى الله عليه وسلم بعملية تبادل للأسرى، حيث تمت المبادلة على أن يخلي الكفار سبيل رجلين من المسلمين مقابل إخلاء الرسول لسبيل رجل من الكفار.
فقد روي عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: كَانَتْ ثَقِيفُ حُلَفَاءَ لِبَنِى عُقَيْلٍ، فَأَسَرَتْ ثَقِيفُ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ، وَأَسَرَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ، رَجُلًا مِنْ بَنِي عُقَيْلٍ، وَأَصَابُوا مَعَهُ الْعَضْبَاءَ، فَأَتَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ وَهُوَ فِي الْوَثَاقِ، قَالَ: يَا مُحَمدُ، فَأَتَاهُ، فَقَالَ: مَا شَأْنُكَ؟ فَقَالَ: بِمَ أَخَذْتَنِي، وَبِمَ أَخَذْتَ سَابِقَةَ الْحَاجِّ ؟ فَقَالَ: إِعْظَامًا لِذَلِكَ أَخَذْتُكَ بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِكَ ثَقِيفَ، ثُم انْصَرَفَ عَنْهُ، فَنَادَاهُ، فَقَالَ: يَا مُحَمدُ، يَا مُحَمدُ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ رَحِيمًا رَقِيقًا، فَرَجَعَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: مَا شَأْنُكَ؟ قَالَ: إِنِّي مُسْلِمٌ، قَالَ: لَوْ قُلْتَهَا وَأَنْتَ تَمْلِكُ أَمْركَ أَفْلَحْتَ كُل الْفَلَاحِ، ثُم انْصَرَفَ، فَنَادَاهُ، فَقَالَ: يَا مُحَمدُ، يَا مُحَمدُ، فَأَتَاهُ، فَقَالَ: مَا شَأْنُكَ؟
قَالَ: إِنِّي جَائِعٌ فَأَطْعِمْنِي، وَظمْآنُ فَأَسْقِنِي، قَالَ: هَذِهِ حَاجَتُكَ، فَفُدِيَ بِال رجُلَيْنِ ([23]).
وفي الوقت الحاضر: اعتبرت مسألة أسر الأعداء أحد الأسباب الرئيسة التي تساهم في تحرير الأسرى المسلمين عن طريق التبادل، كما يحدث في فلسطين، حيث تؤكد الوقائع أن إسرائيل تتعنت تعنتاَ شديداً في مسألة العفو عن الأسرى الفلسطينيين، إلا أنها عند أسر أحد جنودها تزعن وتخضع لعملية التبادل.
إن الأسر يعتبر أحد وسائل الدعوة إلى الإسلام، إذ الأسرى غير المسلمين طيلة فترة الأسر يعيشون بين المسلمين، ويراقبون تصرفاتهم فيما بينهم، وينظرون إلى معاملتهم معهم، وبالتالي فإذا طبق المسلمون سماحة الإسلام وصحيحه في التعامل مع اولئك الأسرى، كان ذلك أحرى دخولهم في الإسلام، لقناعتهم به.
فقد روى نُبَيْهُ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي عَزِيزِ بْنِ عُمَيْرٍ، أَخِي مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: كُنْتُ فِي الْأُسَارَى يَوْمَ بَدْرٍ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ: اسْتَوْصُوا بِالْأَسَارَى خَيْرا وَكُنْتُ فِي نَفَرٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَكَانُوا إِذَا قَ دمُوا غَدَاءَهُمْ وَعَشَاءَهُمْ أَكَلُوا الت مْرَ وَأَطْعَمُونِي الْخُبْزَ بِوَصِيةِ رَسُولِ اللهِ صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ إِياهُمْ ([24]).
والوقائع شاهدة على صدق ذلك، فعندما قامت كتائب القسام بأسر (جلعاد شاليط) وتمت عملية التبادل، أدلى (شاليط) عقب وصوله إلى إسرائيل بتصريحاتٍ عن فترة أسره، كلها كانت تصب في صالح الإسلام أولا، وكتائب القسام ثانيا، حيث قال: "كنت أشم الهواء وأرى الشمس، وكل ما أعرفه أنني كنت على الكرة الأرضية، لم أعرف اسم أحد، لأنهم كانوا ينادون بعضهم حماس واحد، وحماس اثنان... كنت أقرا الصحف، وأستمع إلى الإذاعة، والطعام المقدم لي كان شهياً... تعلمت عن الإسلام الكثير خلال فترة سجني، وقرأت كتباً كثيرة، لم أستمع لأي حديث خاص بينهم، فقد كانوا ملثمين، ويتعاملون مع بعضهم بلغة الإشارة... كان الطبيب يأتي إلي ويفحصني دورياً، وكان يلبس اللباس العسكري الخاص بحماس، ولقد وعدتهم ألا أحمل السلاح ضد الفلسطينيين... وبعد يومين من الأسر أكدوا أنهم لا يقتلون أي أسير مهما حدث، احتفظوا بالزي العسكري الخاص بي، لكني رفضت لبسه حينها، ولم أعذب، ولم أتعرض للضرب أبداً" ([25]).
المبحث الثاني
مظاهر الإنسانية في التعامل مع الأسرى
اتسمت معاملة الإسلام للأسرى بسمةٍ ميزت قواعد الإسلام في هذا الجانب على غيرها من القواعد الوضعية، فقد اهتمت المواثيق والاتفاقات الدولية بالأمور المادية الملموسة، في الوقت الذي فيه نظر الإسلام إلى أبعد من ذلك، إذ راعى في الأسير إنسانيته التي لا يمكن بأي حالٍ من الأحوال نزعها منه، فهو في المقام الأول إنسان له حقوقه الإنسانية، دون ما نظرٍ إلى دينه ومعتقده، أو لونه وجنسه، وأعرض بشيىءٍ من الإيجاز لبعض مظاهر الإنسانية التي قررها الإسلام من خلال معاملة الأسرى.
أولاً: قصر الأسْرِ على فئاتٍ معينة:
إذا كان الإسلام قد أقر الأسر واعتبره من الأمور المشروعة، إلا أنه قصره على فئاتٍ معينة، تتوافر فيهم صفات محددة، فإذا انعدمت صفة من تلك الصفات؛ فلا يجوز أسره، وقد اشترط الفقهاء في الأسير عدة صفات أهمها: أن يكون كافرا مقاتلا: فأسرى الكفار غير المقاتلين، والذين لا دور لهم في القتال لا يجوز أسرهم، وقد أولى الإسلام غير المقاتلين عناية بالغة، فلم يجز للمسلمين التعرض لهم، بل أمرهم بإكرامهم.
فقد روي عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمّر أميرا على جيش أو سرية، أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا، ثم قال: "اغزوا باسم الله، وفي سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليداً، إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال، (أو خلال) فأتيهن ما أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام. فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك، فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها؛ فأخبرهم أنهم يكونوا كأعراب المسلمين، ويجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا، فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك؛ فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا؛ فاستعن بالله وقاتلهم ([26]).
ثانياً: الإنسانية في عملية الأسر:
يعتبر فعل الأسر أول مراحل عملية الأسر، وهي تلك المرحلة التي يتم فيها الظفر بالأسير، ودخوله في قبضة المسلمين، وقد اهتم الإسلام بتلك المرحلة؛ باعتبارها مظهرا من المظاهر التي تؤكد سماحة الإسلام، وحسن تعامله مع الغير ممن هم مختلفي الديانة.
ومن خلال تصفح ما أورده الفقهاء يتضح أن الإسلام وضع جملة من المظاهر الإنسانية التي يجب تطبيقها عند عملية الأسر، منها:
عدم تكبيل الأسرى وتقييدهم إلا عند الضرورة:
تكبيل الأسرى هو تقييدهم وربطهم؛ لمنع حركتهم أو لمنع هروبهم، وقد نهى الإسلام عن تكبيل الأسرى وتقييدهم بالوثاق، ولم يجز تقييدهم إلا عند وجود الضرورة، كأن يكون الهدف منعهم من الهرب، أو منعهم من إيذاء غيرهم، مسلمين أو غير مسلمين.
وقد يبدو للبعض من خلال ما ورد في كتب السنة، وكذلك في كتب التاريخ أن ذلك أمر لا وجود له في الإسلام؛ لأن التاريخ يثبت أن المسلمين في حروبهم قيدوا الأسرى بالوثائق، حتى قيل: إن الأسرى كان يسْمَع أنينهم من شدة القيود.
ويجاب عن ذلك بأن المسلمين بالفعل قيدوا الأسرى، ولكن لم يكن ذلك الفعل مجرداً عن العلة، بل إن السبب في تكبيل الأسرى في صدر الإسلام إنما كان منع الأسير من الهرب، إذ لم تكن هناك أماكن خاصة للاعتقال أو الحبس، أي أن التقييد بالنسبة لهم كان أمرا مؤقتاً.
فقد روي عَنِ ابْنِ عَباسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: لَما أَمْسَى رَسُولُ اللهِ صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ يَوْمَ بَدْرٍ وَالْأُسَارَى مَحْبُوسُونَ بِالْوَثَاقِ، بَاتَ رَسُولُ اللهِ صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ سَاهِرا أَولَ الليْلِ، فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُه: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لَكَ لَا تَنَامُ، وَقَدْ أَسَرَ الْعَباسَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ: "سَمِعْتُ أَنِينَ عَمِّيَ الْعَباسِ فِي وَثَاقِهِ"، فَأَطْلَقُوهُ، فَسَكَتَ، فَنَامَ رَسُولُ اللهِ صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ ([27]).
قال ابن القيم: "إن الحاكم قد يكون مشغولا عن تعجيل الفصل، وقد تكون عنده حكومات سابقة، فيكون المطلوب محبوساً معوقاً من حين يطلب إلى أن يفصل بينه وبين خصمه، وذلك حبس بدون التهمة، ففي التهمة أولى، فإن الحبس الشرعي هو السجن في مكان ضيق، وانما هو تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه، سواء أكان في بيت أم مسجد أم كان بتوكيل نفس الخصم أم وكيله عليه وملازمته له، ولذلك سماه النبي -صلى الله عليه وسلم- أسيرا، كما روى أبو داود وابن ماجة عن الهرماس بن حبيب عن أبيه قال: أتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- و سلم بغريم لي، فقال: الزمه، ثم قال لي: يا أخا بني تميم، ما تريد أن تفعل بأسيرك، وفي رواية ابن ماجه: ثم مر بي آخر النهار فقال: ما فعل أسيرك يا أخا بني تميم، وكان ذلك هو الحبس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر الصديق -رضي الله عنه-، ولم يكن له محبس معد لحبس الخصوم، ولكن لما انتشرت الرعية في زمن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ابتاع بمكة دارا وجعلها سجنا يحبس فيها... ولذلك تنازع العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم هل يتخذ الإمام حبساً على قولين" ([28]).
وقد روى البخاري عن أبي هريرة أنه قَالَ: بَعَثَ النبِيُّ صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ النبِيُّ صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ، فَقَالَ أَطْلِقُوا ثُمَامَة، فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنْ الْمَسْجِدِ، فَاغْتَسَلَ، ثُم دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا اللهُ وَأَن مُحَمدًا رَسُولُ اللهِ" ([29]).
وقد استمد القانون الدولي في تعامله مع الأسير في تلك الجزئية النزعة الإنسانية من الشريعة الإسلامية، حيث منع القانون الدولي أن يقيد الأسير إلا في حالات معينة؛ كحالات الهياج العصبي التي يقع فيها بعض الأسرى، بل منع استخدام القوة ضده إلا إذا حاول الهرب، وأجاز إطلاق الرصاص عليه عند الهرب، شريطة أن يتم التنبيه عليه أولاً بالوقوف، فإن استجاب، والا يتم إطلاق الرصاص عليه ([30]).
عدم إيذاء الأسير عند الأسر:
اهتم الإسلام بالأسير في كافة المراحل، فنهى عن إيذائه عند أسره، سواءً أكان ذلك الإيذاء بالقول أم بالفعل، فينبغي عدم سبه أو قذفه حال الأسر؛ لأن ذلك ليس من أخلاق الإسلام، ومن ناحيةٍ أخرى لا يوجد مبرر لذلك الإيذاء.
كما يجب أيضاً عدم إيذائه بالفعل، كضربه أو الاعتداء عليه، إلا إذا كان أسره لا يتم إلا بالضرب، فعندئذ يجوز ضربه، ولكن الضرب يكون بقدر الحاجة إليه، إذ القاعدة الفقهية أن الضرورات تقدر بقدرها، أي أن الضرب يجوز لإيقاع الأسير في الأسر، أما بعد القدرة عليه ودخوله في حوزة المسلمين، فلا ينبغي إيذاؤه بأي وجهٍ من وجوه الإيذاء.
ولا يجوز كذلك استعمال التعذيب كوسيلةٍ للحصول على معلوماتٍ عسكريةٍ أو غيرها من الأسير، وقد جاء في فقه المالكية صراحة ما يفيد ذلك، فقد قيل للإمام مالك: أيعذب الأسير إن رجي أن يدل على عورة العدو ؟ قال: ما سمعت بذلك ([31]).
وجاء إنكار الإسلام تعذيب الأسرى؛ ليعلي من مبدأ الكرامة الإنسانية، حتي ولو كان ذلك للإدلاء بمعلوماتٍ عن دولته وجيشها، فقد روي أن الصحابة ضربوا غلامين من قريش وقعا أسيرين في غزوة بدر، فال لهم: إذا صدقاكم ضربتموهما، واذ كذباكم تركتموهما، صدقاً والله إنهما لقريش ([32]).
وقد أقرت اتفاقية جينيف الصادرة سنة 1949 ذلك الحكم، حيث صرحت بأنه لا يجوز للدولة المتحاربة استعمال الضغط على الأسير للحصول على معلومات تفيدها في عملها العسكري ضد دولته، بل حددت تلك الاتفاقية المعلومات التي يسمح بطلبها من الأسير، وهي اسمه، ولقبه ورتبته العسكرية، ورقم تحقيق الشخصية في الجيش، وتاريخ ميلاده ([33]).
وما يثير الدهشة أنه بعد تلك الأحكام والنصوص المدونة في اتفاقيات جينيف، والتي يتوجب بمقتضاها على جميع الدول الالتزام بها، نجد (إسرائيل) تضرب بكل تلك الاتفاقيات عرض الحائط فيما يتعلق بمعاملتها للأسرى الفلسطينيين، حيث يتم استخدام أبشع أساليب التعذيب ضد الأسرى، فيتم ضربهم، سواءً أكان بالأيدي، أم بالأحذية بلا رحمةٍ ولا هوادة، ويتم إذلالهم واهانتهم؛ من أجل الحصول على الاعترافات التي يريدونها، بل لم يمنعهم أن يكون أحد الأسرى من المرضى، أو من المقعدين، ولعل الشهيد أحمد ياسين وما تعرض له من تعذيبٍ في سجون الاحتلال الإسرائيلي أعظم شاهد على ذلك.
ومنعت اتفاقية جينيف الصادرة في عام 1949م ذلك التعذيب صراحة، فنصت المادة 17 على أنه: لا يجوز ممارسة أي تعذيب بدني أو معنوي، أو إكراه على أسرى الحرب لاستخلاص معلومات منهم من أي نوع، ولا يجوز تهديد أسرى الحرب الذين يرفضون الإجابة أو سبهم أو تعريضهم لأي إزعاج أو إجحاف".
ثالثاً: معاملة الأسرى في مكان الأسر:
أقر الإسلام جملة من الأمور التي يتوجب مراعاتها في معاملة الأسرى، تبرز تلك الأمور وبكل وضوح مدى اهتمام الإسلام بالأسرى وكيفية مراعاتهم، ومن تلك الأمور:
المعاملة الكريمة للأسرى:
أقر الإسلام كرامة الأسير باعتباره إنساناً، دون ما نظرٍ إلى فكره وعقيدته أو انتمائه، فالتكريم نابع من أصل الخلقة، وقد أشار القران الكريم إلى ذلك، فقال تعالي "وَلَقَدْ كَرمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطيِّبَاتِ وَفَضلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا" ([34]).
قال الماوردي في تفسيره لهذه الآية: "قوله تعالى "ولقد كرمنا بني آدم" فيه سبعة أوجه: الأول: يعني كرمناهم بإنعامنا عليهم، الثاني: كرمناهم بأن جعلنا لهم عقولاً وتمييزاً، الثالث: بأن جعلنا منهم خير أمةٍ أخرجت للناس، الرابع: بأن يأكلوا ما يتناولونه من الطعام والشراب بأيديهم، وغيرهم يتناوله بفمه، قاله الكلبي ومقاتل، الخامس: كرمناهم بالأمر والنهي، السادس: كرمناهم بالكلام والخط، السابع: كرمناهم بأن سخّرنا جميع الخلق لهم" ([35]).
والمستقرىء للتاريخ الإنساني يلحظ بوضوح مدى الارتباط بين مبدأ الإنسانية وبين معاملة الأسرى، فلم تقرر حقوق الأسرى في الإسلام إلا لمراعاة هذا المبدأ، وكلما زاد إيمان الجندي المسلم؛ علا قدر تعامله مع الأسرى ومنحه الحقوق التي قررها له الإسلام.
وقد منح الله عز وجل الإنسان بعضاً من صفاته، فخلقه أحسن ما يكون الخلق، وصوره أفضل ما يكون التصوير، وجاء ذلك عاماً من غير تفريقٍ بين مسلمٍ وغيره، قال تعالى "لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم" ([36]).
قال ابن العربي: "ليس لله تعالى خلق أحسن من الإنسان، فإن الله خلقه حياً، عالماً، قادرا، مريداً، متكلماً، سميعاً، بصيرا، مدبرا، وحكيماً، وهذه صفات الرب" ([37]).
واعتبر المستشرقون أن السبب الرئيس لنجاح دعوة محمد صلى الله عليه وسلم هو إنسانية هذا الدين، الذي ينبع منه التوحيد، فقال "مسمر": "إن التوحيد كان هو السبب الأول في نجاح دعوة محمد صلى الله عليه وسلم، في عصر ملت فيه الأمم خرافات علم اللاهوت".
وقال "رينيه ميليه": "لم يقرر الإسلام وساطةً بين الله وبين الناس، وأرجع الدين إلى حالته الطبيعية، ولم يأت بشىءٍ من تلك العقائد الفلسفية، بل قال بكل وضوح: لا إله إلا الله" ([38]).
تهيئة مكان الأسر:
اهتم الإسلام بالمكان الذي يحبس فيه الأسير، واشترط فيه أن يكون صالحاً للعيش فيه بكرامة، وأن تتوافر فيه كل المقومات الأساسية للحياة، فينبغي أن يكون مانعاً عن الأسير حر الصيف وبرد الشتاء، وأن يكون مكاناً تدخله الشمس والهواء؛ حرصاً على صحة الأسير وعدم الإضرار به.
واشترطت اتفاقية جينيف الثالثة الصادرة عام 1949م توافر مواصفات معينة للأماكن التي يحتجز فيها الأسرى، وهذه الضوابط هي:
أ. أن يقام المأوى على وجه الأرض، وتتوفر فيه ضمانات الصحة والسلامة، وفي مناطق بعيدة عن ساحات المعارك، حتى لا يتعرضوا لنيران القتال، وأن يتوفر فيها أماكن للوقاية من الغارات بنفس القدر الذي يتوفر للمدنيين، وأن يمبز بحروف (PW أو PG)بكيفية تجعلها واضحة من الجو.
ب. أن يكون المأوى ملائماً لعادات وتقاليد الأسرى، وألا يشيد في مناطق ضارة بالصحة، وان تتوفر فيه الشروط الملائمة لقوات الدولة الحاجزة التي تعسكر في نفس المنطقة، ويراعى فيه المساحات القليلة والحد الأدنى لكمية الهواء والمرافق العامة، وترتيبات المقامة ومعداتها، ويزود بوسائل التدفئة والإنارة واحتياطات منع الحرائق.
ج. أن تتوفر في أماكن إيواء الأسرى أماكن مخصصة: للطعام، والرياضة والترفيه والدراسة، وممارسة الشعائر الدينية، ومقصف للمواد الغذائية وأدوات النظافة الشخصية، وألا تزيد أسعاره على أسعار السوق المحلي.
المعاملة الحسنة للأسرى:
أقرت الشريعة الإسلامية معاملة الأسرى معاملة حسنة، وهذه المعاملة مندرجة تحت وصية النبي صلى الله عليه وسلم الجامعة بالأسرى عندما وقع أسرى بدر في أيدي المسلمين: "استوصوا بالأسارى خيرا" ([39]).
ولعل في وصية النبي أعظم دليلٍ على تقرير إنسانية الأسرى، فالإسلام لم ينظر إليه فقط على أنه عدو، ولكنه نظر إلى جانبٍ آخر أكثر تقديرا واحتراماً، وقدم معاملته كإنسان على معاملته كأسير، وفي الوقت ذاته أراد النبي -صلى الله عليه وسلم- أن تكون تلك الوصية رادعاً للمسلمين عن استخدام الانتقام منهم، لأن من أولئك الأسرى من قتل وبالغ في قتل المسلمين.
قال أبو زهرة: "إنهم كانوا بؤسرون ونيران الحرب ملتهبة، وربما كان من بعضهم من قتل، فيكون الاعتداء عليه غليظاً لشفاء الغيظ، وحب الانتقام... فالإسلام حث على إكرام الأسير منعاً لتلك الروح الانتقامية الغليظة، وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يوصي بأسرى بدر وكأنهم في ضيافة وليسوا في أسر" ([40]).
محادثة الأسير والرد عليه:
من الحقوق التي أقرها الإسلام للأسير محادثته، حيث يجب على قائد الجيش أو الجنود في مكان الأسر مناقشته، والرد عليه إذا تكلم أو سأل، فقد روى البخاري عن أبي هريرة أنه قَالَ: بَعَثَ النبِيُّ صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ النبِيُّ صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ، فَقَالَ أَطْلِقُوا ثُمَامَة، فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنْ الْمَسْجِدِ، فَاغْتَسَلَ، ثُم دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا اللهُ وَأَن مُحَمدًا رَسُولُ اللهِ" ([41]).
ولعل في ذلك أبلغ الأثر على مدى الرقي الذي وصل إليه الإسلام في الحفاظ على إنسانية الأسرى، ففي الوقت الذي لا يُسْمَحُ فيه للأسير في الحروب المعاصرة بالحديث مع الجندي الذي أسره، يجيز الإسلام للأسير محادثة قائد الجيش، وحتى رئيس الدولة، أو ولي أمر المسلمين.
إطعام الأسير:
من الحقوق التي قررها الإسلام للأسير في مكان أسره أن يقدم له الطعام والشراب، ولعل في تقرير ذلك الحق دليل دامغ على نظرة الإسلام للأسير كإنسان، حيث يقدم له الطعام والشراب؛ حفاظاً على حياته، حيث إن الحفاظ على حق الحياة من الضرورات التي أوجب الشارع حفظها، ولا فرق في ذلك بين نفسٍ مسلمة وغير مسلمة، وقد أشار القرآن إلى هذا الحق صراحة في قوله تعالى "ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيرا" ([42])، فقد جمعت الآية ثلاثة أصناف: المساكين، واليتامى، والأسرى، والقسمان الأولان لا يثيران مشكلة، أما الثالث –الأسرى– فقد ذكر المفسرون أنه وقت نزول هذه الآية لم يكن أسرى إلا من الكفار.
وقد نقل ابن كثير عن ابن عباس أنها في الفرس من المشركين وساق قصة أسارى بدر.
واختار ابن جرير أن الأسرى هم الخدم، والذي يظهر والله تعالى أعلم أن الأسارى هنا على معناها الحقيقي لأن الخدم لا يخرجون عن القسمين المتقدمين اليتيم والمسكين، وأولئك الأسارى بعد وقوعهم في الأسر لم يبق لهم حول ولا طول، فلم يبق إلا الإحسان إليهم ([43]).
ولم يقتصر أمر إطعام الأسرى على مجرد الإطعام فقط؛ وانما أوضح الإسلام أن الإطعام ينبغي أن يكون مما يطعمه المسلمون، فلا يأكل المسلمون من أجود الطعام، ويطعمون الأسير أردأه، فقد روي أن ثقيفاً أسرت رجلين من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وأسر، النبي في مقابل ذلك رجلاً من بني صعصعة، فمر به على النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال الأسير: علام أحبس ؟ فقال: بجريرة حلفائك، فقال: إني مسلم، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: لو قلتها وأنت تملك أمرك لأفلحت كل الفلاح، ثم مضى رسول الله فناداه أيضاً، فأقبل، فقال: إني جائع فأطعمني، وظمآن فاسقني، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: نعم هذه حاجتك، ثم فداه بالرجلين اللذين كانت ثقيف أسرتهما ([44]).
وروي أن عزيز بن عمير أخا مصعب بن عمير كان ضمن أسارى بدر، فقال: كنت في رهط من الأنصار حين أقبلوا بي من بدر، فكانوا إذا قدموا غذاءهم وعشاءهم خصوني بم خصوني بالخبز، وأكلوا التمر لوصية رسول الله إياهم بنا، ما تقع في يد رجلٍ منهم كسرة خبز إلا نفحني بها، فأستحي فيردها على ما يمسها ([45]).
وتفرض اتفاقية جينيف الثالثة لعام 1929 م أن تتكفل الدولة الحاجزة بإعاشة الأسرى دون مقابل، وأن تكون وجبات الطعام الأساسية كافية من حيث كميتها ونوعيتها وتنوعها؛ للمحافظة على الأسرى في صحةٍ جيدة وبما اعتادوا عليه، ويسمح لهم بالاشتراك في إعدادها، وأن تعد أماكن مناسبة لتناول الطعام، وتحظر أي عقوباتٍ جماعيةٍ تمس الغذاء، ويزود بأغذيةٍ إضافيةٍ للأسرى العاملين وتوفر لهم كمياتٍ كافية من مياه الشرب.
عدم التمثيل بالأسرى:
نهى الإسلام عن التمثيل بالأسرى أحياءً وأمواتاً، فحرم قطع أطرافهم، وقلع أعينهم بعد القدرة عليهم، وهو ما ظهر واضحاً في الهدي النبوي في التعامل مع الأسرى، وجاءت قصة العرنيين أبلغ دليلٍ وأوضح شاهدٍ على احترام الإسلام لإنسانية الأسير، حتى ولو كان عدواً، فقد روي أنه قدم ثمانية من عرينة على النبي صلى الله عليه وسلم في شوال من السنة السادسة من الهجرة، فاستأذنوه أن يربوا من ألبان الإبل التي يرعاها المسلمون ناحية قباء، فأذن لهم فغدوا على اللقاح فاستاقوها، فأدركهم يسار مولى النبي صلى الله عليه وسلم فقاتلهم، فأخذوه، فقطعوا يده ورجله، وغرزوا الشوك في لسانه وعينه حتى مات، وانطلقوا بالعير، فبعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أثرهم عشرين فارساً، واحاطوا بهم وأسروهم، وأتوا بهم للنبي -صلى الله عليه وسلم-، فأمر النبي بققطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم، وصلبهم، ولم تسمل بعد ذلك عين ([46]).
بل بلغ من تقدير الإسلام لهم أن الإمام إذا اختار قتلهم تحقيقاً لمصلحة المسلمين، فينبغي ألا يقترن ذلك القتل بما يعد تعذيباً أو إهانة للأسرى، لأن ذلك يعد زيادةً على العقوبة التي قررها الإسلام باختيار الإمام.
جاء في البدائع: "إذا عزم المسلمون على قتل الأسارى، فلا ينبغي أن يعذبوهم بالجوع والعطش وغير ذلك من أنواع التعذيب؛ لأن ذلك تعذيب من غير فائدة، ولقد أمر الرسول بأحمال التمر فنثرت بين أيدي الأسرى من بني قريظة، فكانوا يكدمونها كدم الحمر" ([47]).
وسار على ذلك النهج الخلفاء الراشدون، فقد ذكر عقبة بن عامر الجهني أنه قدم على أبي بكر الصديق براس يناق البطريق، فأنكر ذلك، فقيل له: يا خليفة رسول الله، إنهم يفعلون ذلك بنا، قال: فاستنان بفارس والروم ؟ لا يحمل إلي رأس، إنما يكفي الكتاب والخبر ([48]).
ونهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن نزع ثنية سهيل بن عمرو، وكان رجلاً مشقوق الشفة السفلى، فلما وقع أسيرا في بدر، قال عمر بن الخطاب للنبي: دعني أنزع ثنية سهيل بن عمرو يدلع لسانه، فلا يقوم عليك خطيباً في موطن أبداً، فقال رسول الله: لا أمثل به فيمثل الله بي وان كنت نبيا ([49]).
تصديق الأسير إذا أعلن إسلامه:
أمر الإسلام بتصديق الأسرى إذا أعلنوا إسلامهم، وقد أخبر الله عز وجل نبيه -صلى الله عليه وسلم- أنه إن علم منهم خيرا دعاه إلى تصديقهم، فقال تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ ويَغْفِرْ لَكُمْ واللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" ([50]).
وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يعملوا حسن النية في التعامل مع الأسرى حال إعلانهم إسلامهم، فعليهم أن يعاملوهم بظاهر الأمر، تاركين السرائر لله تعالى، فقد روي أن المقداد بن عمرو الكندي – وهو ممن شهد بدرا – قال: يا رسول الله، إن لقيت كافرا فاقتتلنا، فضرب يدي بالسيف، فقطعها، ثم لاذ بشجرة وقال: أسلمت لله، اًقتله بعد أن قالها ؟ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: لا تقتله، قال: يا رسول الله، فإنه طرح إحدى يدي، ثم قال ذلك بعد ما قطعها أقتله ؟ قال: لا تقتله، فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال ([51]).
المبحث الثالث
معاملة الأسرى بين الواقع والمأمول
أقر الإسلام منذ ما يزيد على (أربعة عشر قرناً) من الزمان ما عجزت القوانين والاتفاقيات على تقريره، فاتفاقيات (لاهاي وجينيف الدولية) عجزت عن حماية أسرى الحرب حال معاملتهم معاملة سيئة أثناء الحرب العالمية الأولى، والتي امتدت من 1914م إلى 1918م، وكانت سبباً في التفكير في تقنين مسألة الأسر بكل جوانبها، أضف إلى ذلك أن مشكلة الأسرى ومعاملتهم اتخذت منحىً مهماً خلال الحرب العالمية الثانية التي امتدت من 1939م إلى 1945م؛ وذلك بسبب العدد الكبير للأسرى، سواء أمن كان منهم لدى قوات المحور والذي بلغ عددهم قرابة 1.400.000 جندي، أم لدى قوات الحلفاء، والذين وصل عددهم حوالي 4 ملايين جندي.
وبسبب سوء المعاملة لأولئك الأسرى والتلكؤ في إعادتهم إلى أوطانهم بعد انتهاء الحرب عام 1945م، تم التوقيع على اتفاقيات جينيف الأربعة في 12 أغسطس عام 1949م؛ لحماية ضحايا الحرب أو المنازعات الدولية المسلحة، ومع أن تلك الاتفاقيات جاءت معبرة عن الفكر الغربي إزاء قانون الحرب، إلا أنه شابها بعض القصور؛ مما جعل الأمر يتطلب إعادة النظر في الاتفاقيات، أو معالجة أوجه القصور فيها وتطريرها، وقد تحقق ذلك بإقرار بروتوكولين في جينيف عام 1977 م، إضافة إلى اتفاقيات جينيف الأربع السابق ذكرها ([52]).
وقد نقل الشيخ أبو زهرة وقائع عديدة لصور معاملة غير المسلمين للأسرى المسلمين، تظهر تلك الصور وبكل وضوح مدى التناقض الغريب والبون الشاسع بين معاملة المسلمين لأسرى غير المسلمين، وبين معاملة غير المسلمين لأسرى المسلمين، فقال: "كان أول ما بدأ به (ريكارد) أنه قتل صبرا أمام معسكر المسلمين ثلاثة آلاف أسير مسلم سلموا أنفسهم إليه بعد أن أعطاهم عهداً بحقن دمائهم، ثم أطلق لنفسه العنان باقتراف القتل والسلب، وليس من السهل أن يتمثل المرء درجة تأثير هذه تلك في صلاح الدين النبيل، الذي رحم نصارى القدس، فلم يمسهم بأذى، والذي أمد (فيليب وقلب الأسد) بالمرطبات والأزواد أثناء مرضهما" ([53]).
جاء الإسلام والأسرى لا قيمة لهم ولا حرمة، فأقر لهم كرامة، ورفع من قدرهم، ونظر إلى إنسانيتهم قبل كل شىء، فبينما كانت الأمم السابقة تقتل الأسرى و تقوم باسترقاقهم، لم نجد في ديننا الحنيف قتل الأسرى لمجرد الهوى والتلذذ، وكذلك الاسترقاق، لأن تلك الأمور تتعلق بالمصالح العليا للدولة، والتي ينبغي على ولي الأمر أو الحاكم اختيار ما يحقق منها المصلحة العامة للدولة، وذلك يظهر بجلاء التناقض الواضح بين معاملة المسلمين للأسرى ومعاملة غير المسلمين لأسرى المسلمين، فأسرى المسلمين عند غير المسلمين عبيداً أذلة، أما أسرى غير المسلمين عند المسلمين أحرارا يتمتعون بكامل حقوقهم بمقتضى إنسانيتهم التي قررها لهم الإسلام.
وكانت الوحشية والقسوة المفرطة هي السمة الغالبة في التعامل مع الأسرى قبل الإسلام، فكان الأسير يعذب بقطع الأعضاء، والإلقاء إلى سباع البهائم، أو سلخ الجلد أو الاسترقاق، وكان يستخدم في الأعمال الشاقة، كجر العربات وحمل الصخور مع إهمال الطعام، وعدم الرفق بالمرضى منهم، ووضعهم في غرفٍ مظلمةٍ تحت الأرض ([54]).
ولعل الواقع الذي يحياه العالم والذي يعج التقلبات والظلم، ينبئ عما يلي:
أولاً: موضوعية الإسلام وفوضى الواقع:
تميز النظام الإسلامي في تشريعه لمعاملة الأسرى بالموضوعية، تلك الموضوعية التي تحمل في جوهرها السبق الإسلامي في هذا المجال، فلم تسبقه شريعةٌ سماويةٌ أو وضعيةٌ في مثل هذا الأمر، وآية ذلك أن كل من تكلم في معاملة الأسرى وحقوقهم بعد ذلك جاء متأثرا بالمنهج الإسلامي في هذا الخصوص.
والمتأمل في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان خاصةً في مادته الأولى: يلحظ بوضوح أنها ترجمة حرفية لمقولة عمر بن الخطاب رضي الله عنه لعمرو بن العاص، حيث قال له عمر: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا"؟!، ونص المادة الأولى يقضي بأنه: "يولد جميع الناس أحرارا ومتساوين في الكرامة والحقوق، وهم قد وهبوا العقل والوجدان، وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضاً بروح الإخاء".
وهذه الموضوعية التي اتسم بها الإسلام في هذا المضمار، كان لها الأثر الكبير في وضع الأمور في نصابها، وضمان عدم الافتئات على حقوق الأسرى، بل إنها كفلت أيضاً ضمان تطبيقها، وهذه الحقوق اعتبرها الإسلام من الثوابت التي يقوم عليها المجتمع الإسلامي، فهي نتاج فكري يمثل مرحلة من مراحل تطور العقل الإنساني، كما أنها ليست حقوقاً منطقية كما يعَبرُ عنها في المواثيق الدولية، ولكنها في المنظور الإسلامي من الواجبات الدينية التي يكلف بها الفرد والمجتمع كل في نطاقه، وفي حدود المسئولية التي ينهض بها، وبالتالي فإن الفرد يتشرب تلك الحقوق ويتكيف معها، بحيث تصبح جزءاً من مكوناته: النفسية والعقلية والوجدانية ويحافظ عليها؛ لأن في المحافظة عليها أداء لواجب شرعي ([55]).
ثانياً: مساواة الإسلام وعنصرية الواقع:
بالرغم مما نصت عليه المواثيق الدولية، إلا أن الوضع الحالي لمعاملة الأسرى -لاسيما المسلمين منهم- والطريقة التي تمارس بها بما تحتوى عليه من تمييزٍ وعنصرية، يجعلنا نوقن أن تلك المبادئ وتلك التقريرات ليست إلا حبرا على ورق، وأوهاماً تجعل الحقوق الممنوحة للأسرى في مهب الريح، فما زالت العنصرية والطبقية تُمَارَسُ في أبشع صورها، تتكاتف الدول الكبرى لحماية نفسها، أياً ما كان الثمن، وأياً ما كانت النتيجة، لا تُراعِي في ذلك حرمة لإنسانٍ أو حيوان، بل صار المسلمون في العصر الحاضر أمة مستهدفة، تسعى القوى المعادية للقضاء عليها، وهدم وحدتها؛ لأن في وحدة الأمة العربية والإسلامية ظهور قوةٍ مخيفةٍ لو أخلصت وصدقت، يكون لها أثرها في تغيير مصير العالم ومستقبله.
فالمتتبع للواقع الأليم الذي يحياه العالم، يجد ما تفعله أمريكا وحلفاؤها في العرب والمسلمين، حيث: دُمِرَت العراق، ودُمِرَت أفغانستان وغيرها وغيرها، يُتِمَ الأطفال، ورملت النساء، وانتهكت الأعراض على مرأى ومسمع من المجتمع الدولي باسم حقوق الإنسان، وبدعاوى كاذبة، ثم بعد ذلك كله يدعون حمايتهم لحقوق الإنسان، ويدعون كفالتهم لحقوق الأسرى وهم أول من يضيعها، في الوقت الذي يحافظون فيه على مواطنٍ من بني جلدتهم، ويضحون من أجل راحته بالمئات والألوف من الشعوب الأخرى، أما البقية فلا قيمة لهم.
وليس (جوانتنامو ببعيد)، بل ما زالت الصور التي تم التقاطها في سجن (أبو غريب) محفورة في الأذهان، بكل ما تحويه من جرائم، وانتهاكات لحقوق الأسرى المسلمين، على مرأى ومسمعٍ من العالم كله أجمع.
ويعد هذا التمييز سبباً رئيساً في ما تعانيه البشرية اليوم من حروبٍ ونزاعات، تودي بحياة الألوف المؤلفة من البشر، وعلى الرغم من وجود ذلك الكم الهائل من الاتفاقات والإعلانات والقوانين المنظمة لحقوق الأسرى، إضافةً إلى المنظمات الحكومية منها وغير الحكومية، إلا أن هذه الحقوق لا زالت تتعرض للكثير من الانتهاكات، إما عن طريق الاحتلال المباشر والانتقام من الشعوب، كما هو الحال في الأراضي الفلسطينية، التي أذاقها الاحتلال الصهيوني الغاشم العذاب أشكالاً وألواناً، على مرأى ومسمعٍ من الدنيا بأسرها، واما عن طريق دعاوى كاذبةٍ مضللة، كدعوى محاربة الإرهاب، والتي تم اتخاذها ذريعةً لبدء القتال والتدمير في أفغانستان.
أما الوضع في معتقلات الاحتلال الإسرائيلي، والذي يعج بالمئات من الأسرى الفلسطينيين، فلا يخفى على القاصي والداني، وبكل بساطة يمكن القول: إن الأسرى في سجون الاحتلال لا يعتبرون من البشر، حيث يعاملون أسوأ معاملة، فلا قيمة لهم ولا كرامة، ولا حرمة لنفسهم أو عرضهم أو كرامتهم، يذوقون العذاب بكل ألوانه وفنونه وأشكاله، تارةً بالضرب، وتارة بالتعذيب اللا إنساني، وتارة بالحبس الانفرادي، وتارة بالإذلال المعنوي، وغير ذلك الكثير مما يعجز القلم عن وصفه.
كل ذلك يمارس علانيةً على مرأى ومسمعٍ من المجتمع الدولي والأمم المتحدة، كثرت الدعوات، وتعالت الأصوات والنداءات مطالبة بوقف المجازر والإبادة التي ترتكب بحق الشعب الفلسطيني، ولكن لا مجيب، وكأنما يصدق عليهم قول الشاعر:
لقد أسمعت لو ناديت حياً
ولكن لا حياة لمن تنادي
هذا، وبالله التوفيق
الخاتمة
الحمد لله ذي الفضل والمنة، والصلاة والسلام على صاحب الوجه الأنور والسراج الأزهر، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، ومن سار على هديه إلى يوم الدين أما بعد:
فبعد الفراغ من هذه الصفحات التي عرضت فيها لإنسانية الإسلام في تعامله مع الأسرى، يمكنني استخلاص النتائج التالية:
النظام الإسلامي له السبق المطلق في تقرير حقوق الأسرى بما يتفق والطبيعة البشرية.
إن تقرير الإسلام لحقوق الأسرى جاء مجرداً من أي مؤثراتٍ تعوق الإنسان في مسيرته الحياتية.
إن التصور الإسلامي لحقوق الأسرى ينبع من النظرة الإنسانية التي ينظر بها الإسلام إلى الأفراد، فهم على اختلاف: ألوانهم وأشكالهم ودياناتهم ومعتقداتهم يشتركون جميعاً في صفة الإنسانية.
إن المواثيق والإعلانات الدولية التي تكلمت عن معاملة الأسرى وحقوقهم اعتمدت اعتماداً كبيرا على ما ورد في الإسلام بشأن هذا الأمر؛ وما ذلك إلا لأن الإسلام قرر هذه الحقوق بموجب الفطرة البشرية.
اتسم التصور الإسلامي لحقوق الأسرى بالموضوعية والشمول، بحيث شمل الإنسان في شتى مراحله العمرية.
الواقع المعاصر في شأن معاملة الأسرى في العالم صار أمرا يشعر بالرهبة؛ نظرا للانتهاكات المتكررة التي تقوم بها الدول الكبرى.
لم تفلح الإعلانات والمواثيق الدولية التي تحدثت عن حقوق الأسرى في وضع التصور الكامل لتلك الحقوق، فقد جاءت قاصرةً قصورا شديداً؛ مما جعل أهميتها من الناحية الأدبية أكبر بكثيرٍ من الناحية التطبيقية.
وفي نهاية المقام: أسأل الله العلي القدير: أن يكون هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن يرزقني الإخلاص في القول والعمل، إنه ولي ذلك والقادر عليه
دكتور
أحمد محمد لطفي
قائمة المراجع
الأحكام السلطانية، للماوردي، طبعة دار الحديث- القاهرة.
أحكام القران، لابن العربي، طبعة دار الكتب العلمية – بيروت.
أضواء البيان، للشنقيطي، طبعة دار الفكر للطباعة و النشر و التوزيع بيروت- لبنان، 1415هـ- 1995م.
أ/ أنور الجندي: عالمية الإسلام، طبعة دار المعارف- القاهرة 1977م.
بدائع الصنائع، للكاساني، طبعة دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة الثانية 1406هـ- 1986م.
التاج والإكليل، للمواق، طبعة دار الكتب العلمية – بيروت.
تاج العروس من جواهر القاموس، للمرتضى الزبيدي، طبعة دار الهداية – القاهرة.
تفسير القرطبي، طبعة دار الكتب المصرية – القاهرة.
تفسير الماوردى المسمى النكت والعيون، للماوردي، تحقيق / السيد عبد المقصود، طبعة دار الكتب العلمية- بيروت.
تفسير السعدي، لعبد الرحمن بن ناصر السعدي، طبعة مؤسسة الرسالة – بيروت، الطبعة الأولى 1420هـ- 2000م.
التفسير الكبير، لفخر الدين الرازي، طبعة دار إحياء التراث العربي.
تهذيب اللغة، للأزهري، طبعة دار إحياء التراث العربي- بيروت، الطبعة الأولى 2001م.
التيسير بشرح الجامع الصغير، لعبد الرؤوف المناوي، طبعة مكتبة الإمام الشافعي- الرياض، الطبعة الثالثة 1408هـ- 1988م.
د/ جابر عبد الهادي سالم الشافعي: تأصيل مبادئ القانون الدولي الإنساني من منظور إسلامي، طبعة دار الجامعة الجديدة- الإسكندرية، 2007م.
الزاهر، لأبي بكر الأنباري، تحقيق د/ حاتم صالح الضامن طبعة مؤسسة الرسالة- بيروت، الطبعة الأولى 1412هـ- 1992م.
السنن الكبرى، للبيهقي، تحقيق / محمد عبد القادر عطا، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان، الطبعة الثالثة، 1424هـ- 2003م،
سنن أبي داود، لسليمان بن الأشعث السجستاني، طبعة دار الكتاب العربي- بيروت.
السيرة النبوية، لعبد الملك بن هشام، مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر.
شرح صحيح البخاري، لعلي بن خلف بن عبد الملك بن بطال، طبعة مكتبة الرشد- السعودية، الرياض، الطبعة الثانية 1423هـ- 2003م.
شرح السير الكبير لمحمد بن الحسن الشيباني، للسرخسي، طبعة دار الكتب العلمية- بيروت، الطبعة الأولى 1417هـ- 1997م.
د/ صالح عبد العزيز التويجري: أحكام الأسرى في الفقه الإسلامي والنظام الوضعي، طبعة جامعة الإمام محمد بن سعود- الرياض، 1999 م.
الصحاح، للجوهري، طبعة دار العلم للملايين – بيروت، الطبعة الرابعة 1990م.
الطرق الحكمية، لابن القيم، طبعة مكتبة دار البيان.
د/ عبد اللطيف عامر: أحكام الأسرى والسبايا في الحروب، طبعة مشتركة بين دار الكتب الإسلامية، ودار الكتاب اللبناني – بيروت، القاهرة، الطبعة الأولى 1406هـ- 1986م.
د/ عبد العزيز علي وآخرين: قانون الحرب، طبعة منشأة المعارف – الإسكندرية.
د/ علي بن عبد الرحمن الطيار: داعش والأسير الكساسبة ومعاملة الإسلام للأسرى، بحث منشور على شبكة المعلومات موقع: www.assakina.com
د/ عبد العزيز بن عثمان التويجري: الكرامة الإنسانية في ضوء المبادئ الإسلامية، مطبوعات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، الرباط- المغرب 1999م.
فتح الباري شرح صحيح البخاري، لابن حجر العسقلاني، طبعة دار المعرفة- بيروت، 1379هـ.
اللباب في علوم الكتاب، لسراج الدين عمر بن علي الحنبلي، طبعة دار الكتب العلمية- بيروت، الطبعة الأولى 1419هـ- 1998م.
مجموع الفتاوى، لابن تيمية، طبعة مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية- 1416هـ/ 1995م.
الإمام محمد أبو زهرة: العلاقات الدولية، طبعة دار الفكر العربي – القاهرة.
المدونة، طبعة دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1415 ه - 1992 م.
المصباح المنير، للفيومي، طبعة المكتبة العصرية – بيروت.
المعجم الوسيط، لإبراهيم مصطفي وآخرين، تحقيق/ مجمع اللغة العربية، نشر دار الدعوة.
المعجم الكبير، للطبراني، طبعة مكتبة ابن تيمية – القاهرة.
لسان العرب، لابن منظور، 4/ 19، طبعة دار صادر- بيروت.
د/ وهبة الزحيلي: آثار الحرب في الفقه الإسلامي،، طبعة دار الفكر – دمشق، الطبعة الثالثة 1419هـ- 1999م.
[1] الإنسان: 28.
[2] المصباح المنير، للفيومي، 1/ 13، طبعة المكتبة العصرية- بيروت.
[3] الصحاح، للجوهري، 2/ 234، طبعة دار العلم للملايين- بيروت، الطبعة الرابعة 1990م، المعجم الوسيط، لإبراهيم مصطفى وآخرين، 1/ 8، تحقيق/ مجمع اللغة العربية، شر دار الدعوة، الزاهر، لأبي بكر الأنباري، 2/ 63، تحقيق د/ حاتم صالح الضامن، طبعة مؤسسة الرسالة- بيروت، الطبعة الأولى 1412هـ- 1992م.
[4] المصباح المنير، 1/ 13، تاج العروس من جواهر القاموس، للمرتضى الزبيدي، 10/ 5، طبعة دار الهداية.
[5] تفسير القرطبي، 19/ 151، طبعة دار الكتب المصرية- القاهرة.
[6] الإنسان: 8.
[7] تهذيب اللغة، للأزهري، 13/ 43، طبعة دار إحياء التراث العربي- بيروت، الطبعة الأولى 2001م، لسان العرب، لابن منظور، 4/ 19، طبعة دار صادر- بيروت.
[8] الأحكام السلطانية، للماوردي، ص207، طبعة دار الحديث- القاهرة.
[9] مجموع الفتاوى، لابن تيمية، 28/ 355، طبعة مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية- 1416هـ/ 1995م.
[10] المدونة، 1/ 502، طبعة دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1415هـ- 1994م.
[11] د/ عبد اللطيف عامر:أحكام الأسرى والسبايا في الحروب، ص84، طبعة مشتركة بين دار الكتب الإسلامية، ودار الكتاب اللبناني- بيروت، القاهرة، الطبعة الأولى 1406هـ- 1986م.
[12] الأحكام السلطانية، للماوردي، ص207.
[13] د/ وهبة الزحيلي: آثار الحرب في الفقه الإسلامي، ص403، طبعة دار الفكر- دمشق، الطبعة الثالثة 1419هـ- 1999م.
[14] د/ صالح عبد العزيز التويجري: أحكام الأسرى في الفقه الإسلامي والنظام الوضعي، ص22، طبعة جامعية الإمام محمد بن سعود- الرياض، 1999م.
[15] التوبة: 5.
[16] اللباب في علوم الكتاب، لسراج الدين عمر بن علي الحنبلي، 10/ 17، طبعة دار الكتب العلمية- بيروت، الطبعة الأولى 1419هـ- 1998م.
[17] تفسير الماوردي المسمى النكت والعيون، للماوردي، 2/ 340، تحقيق/ السيد عبد المقصود، طبعة دار الكتب العلمية- بيروت.، تفسير السعدي، لعبد الرحمن بن ناصر السعدي، 1/ 329، طبعة مؤسسة الرسالة- بيروت، الطبعة الأولى 1420هـ- 2000م.
[18] التفسير الكبير، لفخر الدين الرازي، 5/ 179، طبعة دار إحياء التراث العربي.
[19] محمد: 4.
[20] الحديث أخرجه البخاري، كتاب النكاح، باب حق إجابة الوليمة والدعوة، 13/ 109.
[21] شرح صحيح البخاري، لعلي بن خلف بن عبد الملك بن بطال، 5/ 210، طبعة مكتبة الرشد- السعودية، الرياض، الطبعة الثانية 1423هـ- 2003م، التيسير بشرح الجامع الصغير، لعبد الرؤوف المناوي، 2/ 336، طبعة مكتبة الإمام الشافعي- الرياض، الطبعة الثالثة 1408هـ- 1988م، فتح الباري شرح صحيح البخاري، لابن حجر العسقلاني، 9/ 277، طبعة دار المعرفة- بيروت، 1379هـ.
[22] السنن الكبرى، للبيهقي، 6/ 323، تحقيق/ محمد عبد القادر عطا، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان، الطبعة الثالثة، 1424هـ- 2003م، سنن أبي داود، لسليمان بن الأشعث السجستاني، 3/ 13، طبعة دار الكتاب العربي- بيروت.
[23] مسلم، كتاب النذر، باب لا وفاء لنذر في معصية الله، 33/ 1262.
[24] المعجم الكبير ،للطبراني، 22/ 393، طبعة مكتبة ابن تيمية- القاهرة.
[25] https://www.paldf.net/forum/showthread.php
[26] مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث ووصيته إياهم بآداب الغزو وغيرها، 5/ 139.
[27] السنن الكبرى، للبيهقي، 9/ 151.
[28] الطرق الحكمية، لابن القيم، ص149، طبعة مكتبة دار البيان.
[29] البخاري، كتاب الصلاة، باب الاغتسال إذا أسلم وربط الأسير في المسجد، 1/ 472.
[30] د/ عبد العزيز علي وآخرين: قانون الحرب، ص212، طبعة منشأة المعارف- الإسكندرية.
[31] التاج والإكليل، للمواق، 5/ 146، طبعة دار الكتب العلمية- بيروت.
[32] المعجم الكبير، للطبراني، 6/ 432.
[33] اتفاقية جينيف الصادرة عام 1949م.
[34] الإسراء: 70.
[35] تفسير الماوردي، المسمى النكت والعيون، للماوردي، 3/ 257.
[36] التين: 4.
[37] أحكام القرآن، لابن العربي، 8/ 100، طبعة دار الكتب العلمية- بيروت.
[38] أ/ أنور الجندي: عالمية الإسلام، ص24، طبعة دار المعارف- القاهرة 1977م.
[39] المعجم الكبير، للطبراني، 16/ 248.
[40] العلاقات الدولية، لأبي زهرة، ص115، طبعة دار الفكر العربي- القاهرة.
[41] سبق تخريجه.
[42] الإنسان: 8.
[43] أضواء البيان، للشنقيطي، 8/ 395، طبعة دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع بيروت- لبنان، 1415هـ- 1995م.
[44] السنن الكبرى، للبيهثي، 6/ 320، سنن أبي داود، 3/ 237.
[45] المعجم الكبير، 5/ 323.
[46] البخاري، كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة، 6/ 2495.
[47] بدائع الصنائع، للكاساني، 7/ 120، طبعة دار الكتب العلمية- بيروت، الطبعة الثانية 1406هـ- 1986م.
[48] شرح السير الكبير لمحمد بن الحسن الشيباني، للسرخسي، 1/ 110، طبعة دار الكتب العلمية- بيروت، الطبعة الأولى 141هـ- 1997م.
[49] السيرة النبوية، لعبد الملك بن هشام، 2/ 650، مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر.
[50] الأنفال: 70.
[51] البخاري، كتاب المغازي، باب شهود الملائكة بدراً، 4/ 1474.
[52] د/ علي بن عبد الرحمن الطيار: داعش والأسير الكساسبة ومعاملة الإسلام للأسرى، بحث منشور على شبكة المعلومات موقع: www.assakina.com
[53] العلاقات الدولية، لأبي زهرة، ص104.
[54] د/ جابر عبد الهادي سالم الشافعي: تأصيل مبادئ القانون الدولي الإنساني من منظور إسلامي، ص121، طبعة دار الجامعة الجديدة- الإسكندرية، 2007م.
[55] د/ عبد العزيز بن عثمان التويجري: الكرامة الإنسانية في ضوء المبادئ الإسلامية، ص10، مطبوعات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، الرباط- المغرب 1999م.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق