الصفحات

البحث الذكي داخل المدونة

تحميل وطباعة هذه الصفحة

Print Friendly and PDF

الخميس، 20 أغسطس 2026

منهج المرحمة في السيرة النبوية المعطرة للأستاذ: حتحاتي محمد

منهج المرحمة في السيرة النبوية المعطرة

للأستاذ: حتحاتي محمد

جامعة زيان عاشور بالجزائر

00213559370522

mhathati@yahoo.fr

ملخص البحث

(اليوم يوم المرحمة) منهج سيبقى نبراسا لكل قائد مسلم لأن الحرب في ديننا الحنيف ضرورة مؤقتة لا يتم اللجوء إليها إلا في حال الاعتداء على المسلمين لرد العدوان، وتاريخ السيرة النبوية -على صاحبها أفضل الصلاة والسلام -يؤكد ذلك، فالمسلمون لم يحاربوا غيرهم إلا بعد خمسة عشر سنة من الدعوة السلمية التي جوبهت بالعداوة والظلم والصد عن سبيل الله.


إن حالة الحرب التي تكرهها النفوس الأبية لما فيها من آلام وجراحات وإزهاق للأنفس كضرورة ظرفية في بعض الأزمنة في شريعتنا السمحة تقتضي إضافة إلى شروطها، جملة من الضوابط التي عمل الإسلام على تثبيتها في النفوس، فالرعيل الأول من صحابة نبي الرحمة محمد عليه الصلاة والسلام لم يحاربوا أعدائهم معه طوال بعثته التي استمرت ثلاث وعشرين سنة إلا ثمان سنوات شهدت تسع معارك فقط لم يسقط فيها أكثر من 1048 شخصا من الأطراف جميعا على أعلى تقدير، بينما يقدر باحثون آخرون عددهم بأقل من ذلك بكثير، فأي رحمة تلك التي جاء بها النبي الأمين عليه الصلاة والسلام بينما يزخر التاريخ الحديث بحربين عالميتين قضى فيهما 77 مليون نفس بشرية بينهم 44 مليون مدني تكاد تجمعهم نفس الديانة.


تحاول تلك الورقة البحثية رصد المنهج الذي سار عليه رسول الرحمة محمد عليه الصلاة والسلام في حرب أعدائه من قيم إنسانية زاهية تأخر المجتمع الدولي في صياغتها حتى القرن الماضي في اتفاقيات لاهاي وجنيف.


 



Abstract


"Today is the day of pardon, compassion and forgiveness" these are the words of the prophet Muhammed -Peace be upon him- just before conquering Mecca, These words selected the approach to be followed by every muslim leader, because its teller is the best mankind ever -Muhammed -Peace be upon him- as a respond to some of his companions who wished it to be by a great war. Congratulations to this great nation which is proud of its compassion, when many other nations are proud of war victories.




فإن الحديث عن الحبيب المصطفى محمد عليه الصلاة والسلام في أي جانب من جوانب حياته، هو كمال للشرف ومجلبة للمحبة والسلام لبني البشر، الذين هم اليوم أحوج إلى رسالته السماوية التي بشر بها الأنبياء قبله والمرسلون، ألم تبشر التوراة والإنجيل والزبور بتلك الرسالة التي طال انتظارها في عالم استحلت فيه الحرمات أنفسا وأموالا وأعراضا؟، بغيا وعدوانا، وظلما ملء الأرض حتى استحالت فيه الحياة؛ لكثرة الحروب والصراعات، وفساد المعتقدات، وضياع الشرائع ؛ بسبب تأويل وتحريف النصوص بما يوافق الأهواء والأطماع والشهوات في النفوس المريضة الخاوية من الإيمان، وقد عبر رسول الرحمة عن ذلك بقوله عليه الصلاة والسلام: ((إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب)) ([1]).


فكانت البشارة الإنسانية ببزوغ الفجر الجديد في الكتب الإلهية، ففي (التوراة) روى البخاري في صحيحه عن عطاء بن يسار، قال: ((لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص، قلت: أخبرني عن صفة رسول الله في التوراة، قال: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن، " يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا"، وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ، ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، ويفتح أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا بان قالوا: لا إله إلا الله)([2]).


وجاء في الإنجيل: ((في تلك الأيام جاء يوحنا المعمدان يكرر في برية اليهود قائلا: تربوا لأنه قد اقترب ملكوت السماوات.. يشبه ملكوت السماوات حبة خردل أخذها إنسان وزرعها في حقله وهي أصغر جميع البذور، ولكن متى نمت فهي أكبر البقول))


فتلك البشارة هي عينها التي في القرآن ([3])، إذ قال الله تعالى: (وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّار) ([4]).


وقد سئل نبي الرحمة عن نفسه فقال: ((أنا دعوة أبي إبراهيم ويشرى عيسى، ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاء لها قصور الشام)) ([5]).


نعم، لقد أضاءت قصور الشام وأضاء العالم كله أجمع بالنور المحمدي الذي ملا العالم سلاما وعدلا بعدما ملئ ظلما وجورا، وليس أدل من ذلك أن الرسول - عليه الصلاة والسلام - وصحابته الكرام لم يؤمروا بالقتال إلا بعد أن أكرهوا عليه بعد خمسة عشر سنة كاملة من الدعوة السلمية ومجابهة الكفر بالإيمان، والبعد عن أذى المشركين ولو بالهجرة من الديار، فقد اختار الله عز وجل لعباده المؤمنين الهجرة، وأوحى بذلك إلى نبيه الكريم عليه الصلاة والسلام الذي أذن لأصحابه في الهجرة إلى الحبشة فقال لهم (لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرخا مما أنتم فيه)) ([6]).


ورغم استمرار البلاء واشتداد الأذى بمن بقي من المسلمين بمكة في حصار جائر (كالذي تعيشه غزة) في شعب أبي طالب طالهم فيه: الجوع والحرمان لثلاث سنوات، كان يسمع فيه من بعيد بكاء أطفالهم من الجوع، غير أن إرادة الله ومشيئته عز وجل كانت ولا تزال أن تظل تلك الدعوة سلمية غير إكراهية بأي وسيلة من وسائل الإكراه، بل حبب الإسلام في مراعاة الأسلوب الحسن في الدعوة إلى الله عز وجل، قال تعالى: (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) ([7]).


وقد خاطب الله -عز وجل-نبيه الكريم مقررا أن محاولة جمع الناس على دين واحد كخيار وحيد لا ثاني له يتنافى مع المشيئة الربانية ويوقع في محظور الإكراه ([8])، قال عز من قائل في كتابه الكريم: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) ([9])، وقال سبحانه وتعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ) ([10])، وقال عز وجل: (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ)([11])، وقال تعالى: (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) ([12])، وقوله عز وجل: (وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ) ([13])، وقوله عز وجل: (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ) ([14])، وقوله -عز وجل-: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) ([15])، وقوله عز وجل: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) ([16])، إلى قوله عز وجل: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) ([17])


كل تلك الآيات الكريمة تقرر -على خلاف ما يدعي بعض المستشرقين والأفاكين -أن انتشار رسالة الإسلام لم يكن في يوم من الأيام ولا عصر من العصور انتشارا بحد السيف، إنما هي مسؤولية الإنسان عن الحرية الممنوحة له (وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14) مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) ([18])


إن كل تلك الشواهد تدل دلالة واضحة على سماحة الإسلام ورسالته في حب الهداية للناس، وعدم إلحاق الأذى بهم في سياق الدعوة ولا غرابة في ذلك ، فلفظ الإسلام - الذي هو عنوان ذلك الدين - مأخوذ من مادة السلام، ورب ذلك الدين سبحانه وتعالى من أسمائه السلام، وحامل تلك الرسالة هو حامل راية السلام وهو القائل صلى الله عليه وسلم (إن الله جعل السلام تحية لأمتنا وأمانا لأهل ذمتنا)([19])، وما ينبغي للإنسان أن يتكلم مع إنسان قبل أن يبدأ بكلمة السلام، قال عليه الصلاة والسلام(السلام قبل الكلام) ([20])، وتحية الله عز وجل للمؤمنين تحية سلام (تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا) ([21])، وتحية الملائكة للبشر في الآخرة سلام (وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) ([22])، ومستقر الصالحين دار الأمن والسلام (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) ([23])


وفي موضع آخر (لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ) ([24])، وأهل الجنة لا يسمعون من القول ولا يتحدثون بلغة غير لغة السلام ([25]) (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (25) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا) ([26])


إن الإسلام دين الأمن والسلام كما هو دين القوة والتمكين، فقد جاءت الأحكام الربانية صريحة في سياق غير متناقض، فمن الواجب المفروض على الأمة الإسلامية أن تكون دائما مسلحة بما يكفي في وقت السلم لرد أي عدوان محتمل أو لردع من تفكر له نفسه في الاعتداء عليها، قال عز وجل: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ) ([27])، فالإعداد للقوة لا يتنافى مع حب السلام، بل لا بد من وجود قوة تحرس السلام من غدر اللئام.


الإخوة الأفاضل:

لعلكم تذكرون ما صرح به بابا الفاتيكان (بنديكت السادس عشر) في محاضرته التي ألقاها في إحدى الجامعات الألمانية سنة 2006واستشهاده بحوار مزعوم دار بين الإمبراطور البيزنطي (مانويل باليولغرس الثاني) ومسلم فارسي سنة 1391 حول مزاعمه أن الإسلام قد انتشر بالسيف، حيث جاء في ذلك الحوار قول الإمبراطور: ((.. فقط أرنى ما أتى به محمد... عندها ستجد فقط ما هو شرير ولا إنساني، كأمره نشر الدين الذي نادى به بالسيف))،


فتلك المزاعم القديمة المتجددة التي فندتها النصوص القرآنية التي أوردناها سابقا وقصص السيرة النبوية وما جاء في الكتب الإلهية السابقة من بشارات ذلك النبي الكريم -عليه الصلاة والسلام -ورحمته بالعالمين تؤكد أيضا -تلك المزاعم- تعمد أعداء الله الخلط بين الظلم وقانون التدافع الذي نصر الله به جنده وعباده الصالحين، وحفظ به الخير والحق حتى قبل شريعة الإسلام، فحين ركن بنو إسرائيل إلى الدعة والكسل في بلدهم التي سكنوها بعد التيه نال منهم عدوهم ذلة وغلبة حتى طلبوا من أحد أنبيائهم الإذن بالقتال، وأن يؤمروا به، وفي شان فلك قال سبحانه وتعالى (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) ([28]).


وقد وعدهم موسى عليه السلام فتح الأرض المقدسة (بيت المقدس وأكنافه)؛ إن هم جاهدوا، وطلب منهم أن يدخلوها لكنهم نكلوا وجبنوا بل أساءوا الأدب فقالوا: (قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24) قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (25) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) ([29]) فغضب الله عليهم؛ وكتب عليهم الذلة والمسكنة، وحرم عليهم الخروج من سيناء أربعين سنة يتيهون فيها، وكلما أرادوا الخروج تاهوا من جديد، حتى إذا هلك ذلك الجيل العنيد المتكبر الجبان، ومات موسى وهارون عليهما السلام؛ أذن الله لهم في الخروج بقيادة نبيه يوشع (يشوع، فتى موسى) لهم فدخلوا الأرض المقدسة، وقد حبس الله الشمس ساعة من نهار ليوشع عليه السلام؛ حينما دعا ربه أن يحبسها عليه قبل أن تغيب يوم الجمعة فيحرم عليهم القتال، ففتح الله عليهم (وقد أسرف مزوروا العهد القديم فيما ذكر وحشية يشوع وإهلاكه الحرث والنسل ما يتنزه عنه الأنبياء المعصومون من الله تعالى) ([30]).


وقد وردت مسألة التدافع الحضاري كسنة كونية تحكم الوجود في القرآن الكريم في سياقين الأول عن جهاد سيدنا داود عليه السلام، قال تعالى: (وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) ([31])، وجاء في تفسيرها (أي لولاه - الله عز وجل - يدفع عن قوم بآخرين كما دفع عن بني إسرائيل بمقاتلة طالوت وشجاعة داود لهلكوا ([32])، فإشارة الآية الكريمة إلى أن ما فطر عليه الناس من مدافعة بعضهم بعضا عن الحق والمصلحة هو المانع من فساد الأرض، أي أنه سبب بقاء الحق وبقاء الصلاح، وهو ما يدل على أن مظهر التدافع والتنازع من أجل البقاء والدفاع عن الحق يقتضي في مآله بقاء الأمثل وحفظ الأمثل ([33]).


أما السياق الثاني: الذي ورد في مسألة التدافع الحضاري، وهو الذي يتصل بالجهاد في الشريعة الإسلامية، فقد ورد في أول آية نزلت في شان الإذن لرسوله عليه الصلاة والسلام بجهاد الظالمين الذين أخرجوا المسلمين من ديارهم، ووقفوا ضد نشر دعوة الإسلام في جو السلام، قال عز وجل في كتابه الكريم: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) ([34])، ففي المدينة المنورة - على ساكنها أفضل الصلاة والسلام- تقرر الإذن بالقتال بعد مسيرة خمس عشرة سنة من الدعوة السلمية التي جوبهت بالعداوة والقسوة من كفار قريش ومن والاهم؛ فاضطر المسلمون إلى امتشاق الحسام؛ دفاعا عن النفس وتأمينا للدعوة، وفي تلك الآيات تعليل للإذن بالقتال بأمور ثلاثة ([35]):-


أولا: أنهم ظلموا بالاعتداء عليهم، وإخراجهم من ديارهم بغير حق ألا أن يدينوا دين الحق، وقالوا ربنا الله.


ثانيا: أنه لولا إذن الله للناس بمثل ذلك الدفاع؛ لهدمت جميع المعابد التي يذكر فيها اسم الله كثيرا، وتستوي في ذلك صوامع الرهبان، وبيع النصارى، وصلوات اليهود، ومساجد المسلمين.


ثالثا: أن غاية النصر والتمكين في الأرض والحكم لإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.


والمتأمل لتلك الآية (آية الجهاد) يلاحظ أن الإذن بالقتال مرهون بحصول الاعتداء ((أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ)) ففي بيانه تنبيه على أن القتال المأذون فيه هو قتال جزاء على اعتداء، وذلك أن المشركين كانوا يؤذون المؤمنين بمكة أذى شديدا فكان المسلمون يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين مضروب ومشجوج يتظلمون إليه؟، فقال لهم: اصبروا إني لم أومر بالقتال "، فلما هاجر نزلت تلك الآية بعد بيعة العقبة؟ إذنا لهم بالتهيؤ للدفاع عن أنفسهم ولم يكن قتال قبل ذلك ([36])


فالإسلام لم يشرع الجهاد - وفق قول جمهور الفقهاء - إلا: لحماية بيضة الإسلام، ودرء الحرابة، وقمع الفتنة، وليس للقضاء على الكفر ([37])، لأن الآخر ليس جنسا واحدا وإن كثر فيه السوء أحيانا في زمن ما أو بيئة ما، ولذلك جاء منطق القرآن الكريم يقضي بأنهم ((ليسوا سواء))، وأن المسلم مأمور بالبر والإقساط إلى المسالمين من غير المسلمين ([38]) مصداقا لقول الله تعالى: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) ([39])، وقد أجمع المفسرون على أن الآية تشمل جميع من يثبت عدم مشاركتهم في القتال بصورة مباشرة أو غير مباشرة من جميع أصناف الملل والأديان ([40]).


فالمسلمون لا يقاتلون إلا أولئك الذين يؤمنون بحتمية الصراع الحضاري، ويعتقدون أن لا وجود لهم يتضمن السيادة والريادة إلا بالقضاء على المسلمين، قال عز وجل: (إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) ([41])،


تلك هي نظرة الإسلام للحرب من حيث إنها ضرورة مؤقتة فقط لدفع الظلم ونصر الدعوة، فالحرب إلى جانب كونها اعتداء على الحياة، وهي حق مقدس لكل إنسان وكائن حي، فهي تدمير لما تصلح به الحياة والله عز وجل لا يرضى لعباده فالإفساد والتخريب، قال تعالى: (تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) ([42]).


إن سرعة انتشار الإسلام في العصور الماضية وعصرنا ذلك لم يكن في يوم من الأيام تحت وطأة الإكراه بالسيوف والغارات والحروب، بل كانت شريعة الله -عز وجل - وهو أحكم الحاكمين توجه رسوله الأمين عليه الصلاة والسلام إلى النهج الرباني القائم على الحق، فنزلت الآيات تمتدح النصارى الذين كانوا أول من قدم المساعدة للمسلمين في هجرة الحبشة فنزل فيهم قرآن يتلى إلى أن يبعث الله الأرض ومن عليها اعترافا بفضلهم على المسلمين الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق، قال عز وجل: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) ([43])


الحضور الكريم:

إن حالة الحرب التي تكرهها النفوس الأبية؛ لما فيها من آلام وجراحات وإزهاق للأنفس كضرورة ظرفية في بعض الأزمنة في شريعتنا السمحة تقتضي إضافة إلى شروطها، جملة من الضوابط التي عمل الإسلام على تثبيتها في النفوس، فالرعيل الأول من صحابة نبي الرحمة محمد عليه الصلاة والسلام لم يحاربوا أعداءهم معه طوال بعثته التي استمرت ثلاثا وعشرين سنة إلا ثمان سنوات شهدت تسع معارك فقط لم يسقط فيها أكثر من (1048)شخصا من الأطراف جميعا على أعلى تقدير، بينما يقدر باحثون آخرون عددهم باقل من ذلك بكثير ([44])، فأي رحمة تلك التي جاء بها النبي الأمين عليه الصلاة والسلام بينما يزخر التاريخ الحديث بحربين عالميتين قضى فيهما (77) مليون نفس بشرية بينهم (44) مليون مدني تكاد تجمعهم نفس الديانة،


والمتصفح في تاريخ الأمم لا يستغرب ذلك العدد في حضارات لم تعرف من الرحمة إلا اسمها أو يكاد، فقد سجل التاريخ أنه عندما ظهر (البروتستانت) كمذهب مخالف (للكاثوليك) كثرت المذابح التي سجلها التاريخ لوحشيتها، واستمرت زهاء أربعة عقود متتالية خلال القرن السادس عشر، فقد اشتعلت سنة 1560 ولم تنته إلا في سنة 1598، ففي فرنسا وحدها قامت ثماني حروب قضى فيها أربعة ملابين مسيحي بين كاثوليك وبروتستانت أشهرها على الإطلاق مجزرة (سان بارتيملي) التي تعرف بليلة الرعب ([45])، حيث بدأ الناس يقفلون أطراف الشوارع بالسلاسل الحديدية؛ لكي لا يهرب البروتستانت (الهوغونت) ثم تمت مهاجمة منازلهم ومحالهم، فقاموا بقتل الرجال واغتصاب النساء وقتلهن، لم يرحموا حتى الأطفال و قطعوهم إربا إربا، امتلأت شوارع باريس بالجثث وفاضت الأنهر بأشلاء القتلى حتى أن المؤرخين يذكرون أن الناس امتنعت عن أكل السمك لأشهر؛ لأن أحشائها كانت مليئة ببقايا الجثث البشرية، وتجدر الإشارة للأمانة أن الدين ليس وحده السبب في تلك المأساة بل كانت أيضا وليدة ظروف سياسية واجتماعية، حيث إن الفهم الخاطئ للدين ومقاصده كان ولا يزال مبعث القلق الأول في التعايش بين الحضارات، فالذين قادوا الحملات الصليبية لمدة قرنين نقضوا فيها جميع العهود والمواثيق واستباحوا الدماء في مذابح لا تقل إجراما وخزيا، وكذا الأمر بالنسبة لمحاكم التفتيش التي نكلت بالمسلمين شر تنكيل، والغريب في كل ذلك عدم اعتذار الكنيسة الغربية عنها رغم فضل العرب والمسلمين على أوربا في حضارة الأندلس الخالدة.


السادة المحترمون:

إن الحديث عن منهج المرحمة في سيرته عليه الصلاة والسلام هو حديث عن منهج أخلاقي متكامل فريد في التاريخ الإنساني، ليجمع بين الضرورات العسكرية والقيم الإنسانية التي لطفت حدة الحرب عبر كثير من القيم والآداب التي تأخر المجتمع الدولي المعاصر في صياغتها بشكلها الحالي في اتفاقيات (لاهاي وجنيف)، فالمنهج الإسلامي في الحروب يقوم على الإصرار لإعلاء كلمة الله ورد العدوان بالشجاعة والاستبسال في ساحات الوغى، قال عز وجل: (وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) ([46])، ولا يكون ذلك الإصرار إلا من النفوس المؤمنة التي خرجت لإعلاء كلمة الله وفي سبيل الله وعن مرضاة واقتناع بما ينتظرها من الجزاء عند الله عز وجل، فقد كان لرسول الله -عليه الصلاة والسلام - نظام متميز في تجهيز الجيش لمواجهة أعداء الله، فلم يكن يجبر أحدا على الخروج معه، وكان يأذن لمن يريد التخلف عنه حين يبدي أعذارا شخصية حتى وصل الأمر إلى أن يعاتبه ربه عز وجل قائلا له: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ) ([47])، فما أرقه من عتاب أبتدئ بعفو (عفا الله عنك).


إن الخروج للقتال عن رغبة واختيار غير الإكراه على الخروج دونما اعتبار للظروف، وهو الذي نراه في الجيوش التي تدعي التحضر في زماننا، حيث يساق الجنود إلى المعارك سوقا وأكثرهم لها كارهون، وقد اتضح ذلك المسلك جليا حين طلب النبي عليه الصلاة والسلام من أحد القادة وهو عبد الله بن جحش أن لا يكره أحدا على السير معه، فقد كتب له كتابا جاء فيه ((سر حتى تأتى بطن نخلة على اسم الله وبركاته، ولا تكرهن أحدا من أصحابك على المسير معك، وامضى لأمري فيمن تبعك حتى تأتى، بطن نخلة، فترصد بها عير قريش) ([48])


فقرأ عبد الله الكتاب على أصحابه، ثم قال: "لست مستكرها منكم أحدا، فمن كان يريد الشهادة، فليمض لأمر رسول الله ((صلى الله عليه واله وسلم)) ومن أراد الرجعة، فمن الآن !))


فقالوا جميعا: نحن سامعون ومطيعون لله ولرسوله ولك، فسر على بركة الله حيث شئت ([49])


وقد ثبت عن رسول الرحمة عليه الصلاة والسلام: أن طلب من سيدنا عثمان بن عفان التخلف؛ بسبب مرض زوجته، وأذن لأبي أمامه، بل طلب منه أيضا أن يتخلف عنه ليبقى بجانب أمه المريضة ([50]).


ولأن الرغبة في النصر والنكاية في العدو هي هدف كل الجيوش في الحروب، إلا أن القرآن الكريم ذهب بالمسلمين إلى ابعد من تلك المكاسب الدنيوية، فوعدهم النعيم المقيم والانتقال إلى ما هو أرقى وأبقى، قال عز وجل (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا الْحُسْنَيَيْنِ إِحْدَى وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ) ([51])


وحري بتلك الأمة التي ينال جندها إما النصر وإما الشهادة أن تكون خير أمة أخرجت للناس حتى في أصعب المواقف وهي الحروب، فقد علمها رسولها الأمين- عليه الصلاة والسلام - كيف تقاد الجيوش إلى النصر الرباني الذي يرتضيه الله عز وجل لعباده والذي ترجمته أخلاق المجاهدين الصادقين من عصر النبوة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وفيما يلي ثلة من القيم الإنسانية التي تفرد بها رسول الرحمة عليه الصلاة والسلام، والتي تم تقنين الكثير منها في اتفاقيات القانون الدولي الإنساني في المراحل المتأخرة من تطور المجتمع الدولي، وقد وردت اغلب تلك القيم في حديثه عليه الصلاة والسلام الذي أخرجه مسلم عن بريدة (رضي الله عنه) قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرا على جيش أو أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا ثم قال: اغزوا باسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال فأيتهن ما أجابوك؛ فاقبل منهم؛ وكف عنهم ثم ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك؛ فاقبل منهم وكف عنهم ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك؛ فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين فإن أبوا أن يتحولوا منها؛ فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين؛ يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين فإن هم أبوا؛ فسلهم الجزية فإن هم أجابوك؛ فاقبل منهم وكف عنهم فإن هم أبوا؛ فاستعن بالله وقاتلهم" ([52])


فالمجاهد المسلم لا يبتدر عدوه غرة وبياتا، وإلا فإن قتل منهم ضمن ديات نفوسهم ([53])، فوجوب الإعلان عن الحرب مبدأ وحكم مستقر في العسكرية الإسلامية، فلا يجوز أن يأخذ المسلمون غيرهم غدرا ولا مفاجأة حتى يعلنوا لأعدائهم أنهم لا يريدون أرضا يستعمرونها، ولا أنفسا يستعبدونها، ولا أموالا يغنمونها، ولكن ليتمتع كل إنسان بحريته فيما يدين به ويعتقده ([54])، إذ أن أول ما يجب محى المسلمين إذا ساروا إلى غيرهم هو البدء في الدعوة إلى الإسلام، وتلك الدعوة قد تكون موجهة إلى قوم لم يبلغهم الإسلام من قبل ([55])، وقد تكون موجهة إلى قوم بلغتهم الدعوة وفي ذلك بلاغ أن الإسلام يؤثر السلم على الحرب في تبليغ دعوته،


ويظهر إيثار السلام على الحرب في سيرته عليه الصلاة والسلام في تخيير الأعداء بين أمور ثلاثة، فإذا استجابوا طوعا؛ فهم إخواننا لهم ما لنا وعليهم ما علينا، وان أبوا ولم يستجيبوا؛ فان على المسلمين أن يدعوهم إلى الدخول في عهد أو ميثاق يضمن لهم حماية حقوقهم كلها، وعدم التعرض لهم في عقيدتهم وعبادتهم عملا بما ورد في حديثه عليه الصلاة والسلام، وقول سيدنا علي رضي الله عنه: ((لهم ما لنا وعليهم ما علينا)) ([56])، وإذا رفضوا عرض السلام فقد جاهروا بالعداء وكان قتالهم واجبا لتحرير الناس من التسلط والقهر وتأمين طريق الدعوة إلى الله ([57]).


والمتأمل لتاريخ سيرته عليه الصلاة والسلام وتاريخ الفتوحات الإسلامية يجد أن المعارك التي دارت إنما كانت ضد جيوش الغزو والاحتلال الرومانية والفارسية، ولم تدر معركة واحدة بين جيوش الفتح التحريري الإسلامية وبين أهل البلاد المفتوحة، بل لقد قاتل أهل البلاد المفتوحة مع الجيوش الإسلامية وهم على ديانتهم القديمة ضد الروم والفرس ([58])


وقد ذكر البلاذري في (فتوح البلدان): أن أهل (سمرقند) قالوا لعاملهم سليمان بن أبي السري: إن قتيبة بن مسلم الباهلي غدر بنا وظلمنا وأخذ بلادنا، وقد أظهر الله العدل والإنصاف، فأذن لنا فليفد منا وفد إلى أمير المؤمنين يشكوا ظلامتنا، فان كان لنا حق أعطيناه، فان بنا إلى ذلك حاجة، فأذن لهم، فوجهوا منهم قوما إلى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، فلما سمع عمر -رضي الله عنه- ظلامتهم، كتب إلى عامله سليمان قال له: ((إن أهل سمرقند قد شكوا إلى ظلما أصابهم وتحاملا من قتيبة عليهم حتى أخرجهم من أرضهم فإذا أتاك كتابي؛ فاجلس لهم القاضي؛ فلينظر في أمرهم، فان قضي لهم فأخرجهم إلى معسكرهم كما كانوا وكنتم قبل أن ظهر عليهم قتيبة)).


فاجلس لهم سليمان جميع بن حاضر القاضي؛ فقضى أن يخرج عرب سمرقند إلى معسكرهم، وينابذونهم على سواء، فيكون صلحا جديدا، أو ظفرا عنوة، فقال أهل السند: ((بل نرضى بما كان ولا نجدد حربا؛ لأن ذوي رأيهم قالوا: قد خالطنا هؤلاء القوم، وأقمنا معهم وأمنونا وأمناهم فان عدنا إلى الحرب، لا ندري لمن يكون الظفر، وان لم يكن لنا كنا قد اجتلبنا عداوة في المنازعة فتركوا الأمر ورضوا([59]) بعد أن استعجبوا من عدالة تلك الدولة وقائدها وقضاتها ودخلوا في دين الله أفواجا، فأي عدل وسماحة أكثر من ذلك؟!




السادة المحترمون:

لم يكن رسول المحبة والرحمة -عليه الصلاة والسلام -يرجو لقاء العدو ولا القتال إلا مكرها لذلك، فقد روي عنه عن عبد الله بن أبي أوفى أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم -في بعض أيامه التي لقي فيها العدو انتظر حتى مالت الشمس، ثم قام في الناس، فقال: ((يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف)) ([60])


فلا غرابة أن يستعدي أهل الكفر والإلحاد الرسول الأمين عليه الصلاة والسلام لتشويه دعوته السلمية العالمية، خاصة عندما يتعلق الأمر بأحكام أهل الذمة ومسألة الغنائم، ولا بد أن نوضح ما نراه مناسبا لنقض الشبهات التي يحاول أعداء الإسلام تشويه الأذهان بها.


فبخصوص الجزية، والجزية مشتقة من الجزاء وقد فرضها الإسلام على الذميين في مقابل فرض الزكاة على المسلمين حتى يتساوى الفريقان؛ لان المسلمين والذميين يستظلون براية واحدة ويتمتعون بجميع الحقوق، وينتفعون بمرافق الدولة بنسبة واحدة؛ لذلك أوجب الله الجزية للمسلمين نظير قيامهم بالدفاع عن الذميين وحمايتهم في البلاد الإسلامية التي يقيمون فيها ([61])، ولم تكن الجزية التي فرضتها الدولة الإسلامية على الذين دخلوا في دولتها ولم يدخلوا في دينها اختراعا إسلاميا، وإنما كانت ضريبة معروفة فيما سبق الإسلام من دول وقوانين، فجاء الإسلام لينتقل بها من إطار التمييز الظالم إلى إطار العدل الذي هو فريضة إسلامية، فكانت تلك الجزية بدلا من الجندية ولم تكن بدلا من الإيمان بالإسلام، ويشهد على ذلك أنها لم تفرض إلا على القادرين على أداء الجندية المالكين لما يدفعونه ضريبة لتلك الجندية، ولو كانت بدلا من الإيمان بالإسلام لتوجبت على كل المخالفين في الدين، ولم يكن أمرها كذلك، فهي لم تفرض على الشيوخ ولا الأطفال ولا النساء ولا العجزة ولا المرضى من أهل الكتاب، كما أنها لم تفرض على الرهبان، وقد بدا ذلك جليا في عهد رسول الله عليه الصلاة والسلام لنصارى نجران إذ جاء فيه (لا يكلف احد من أهل الذمة منهم الخروج مع المسلمين إلى عدوهم لملاقاة الحروب ومكاشفة الأقران، وأن يكون المسلمون ذبابا عنهم وجوارا من دونهم).


كل ذلك؛ من أجل أن ألا يجبر أحد من غير المسلمين على الانخراط في جيش يخوض معارك قد لا تقتنع بها ضمائرهم وثقافتهم التي لم تكن قد توحدت مع الثقافة الإسلامية في تلك المرحلة المبكرة من تكوين الدولة الإسلامية ([62])، وقد ورد في تاريخ الطبري إسقاط الجزية عن الذين انخرطوا في الجندية من غير المسلمين وصار ذلك سنة فيمن كان يحارب العدو من المشركين ([63])، وذكر أن ذلك حدث في جرجان ومع أهل أذربيجان وأرمينية والجراجمة في شمال سورية، وأهل حمص في موقعة اليرموك.


أما مسألة الغنائم فقد اتخذ منها بعض محترفي الغزو الفكري من أعداء الحنيفية مغنما؛ لإلصاق أوصاف القسوة وحب الدنيا بصحابة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فالمهاجرون الذين خرجوا مع رسول الرحمة عليه الصلاة والسلام في أول تجربة للتضحية في غزوة بدر كانوا يأملون في التعويض عن ممتلكاتهم التي بقيت في مكة واستولى عليها المشركون من ورائهم غصبا، - وهم الذين يعلمون أن محمدا - عليه الصلاة والسلام - لم يخرج من مكة مهاجرا إلى المدينة إلا بعد أن أدى الأمانات إلى أهلها، فعلى الرغم من مشروعية ذلك القصد من جانب المهاجرين إلا أن الله - تعالى - أراد لعباده المؤمنين قصدا أرفع من ذلك وأليق بوظيفتهم التي خلقوا من أجلها ألا وهي الدعوة إلى دين الله والجهاد في سبيله والتضحية بالروح والمال في سبيل إعلاء كلمة الله، ومن هناك قذر الله عز وجل لقافلة أبي سفيان الإفلات من أيدي المجاهدين ليعلمهم أن الجهاد في سبيل الله ارفع درجة من كل الغنائم، وانزل سبحانه وتعالى في شان ذلك قرآنا يتلى لتتعلم الأمة أن دين الحنيفية أكبر من أن يكون مطية لجمع حطام لا يغني ولا ينفع، قال تعالى: (وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ) ([64])، فكانت تلك أول تجربة لصحابة رسول الله عليه الصلاة والسلام في رؤية الغنائم والأموال في أعقاب المعركة، وهم على ما كانوا عليه من الفقر والحاجة، وقد عالجت الحكمة الإلهية تجربة القتال مع الضعف بأن ثبت الله قلوبهم وطمان نفوسهم، ثم عالجت الحكمة الإلهية تجربة رؤية الغنائم والأموال مع الحاجة والفقر بوسائل تربوية دقيقة جات في وقتها المناسب، وقد تجلى أثر تلك التجربة في مشهدين على أعقاب تلك الغزوة:-


أما المشهد الأول: فحينما انهزم المشركون وتركوا ورائهم أموالهم، فقد تسابق بعض المسلمين إليها واختلفوا في كيفية استحقاقهم لها وكادوا يشتجرون على ذلك، ولم يكن قد نزل بعد حكم توزيع الغنائم فراحوا يسألون النبي عليه الصلاة والسلام وينهون إليه خصومتهم في الأمر؟ وعندئذ نزل قوله تعالى:( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (1) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) ([65])، فترون أن الآيتين: لا تنطويان على جواب عن سؤالهم، بل فيهما صرف لهم عن الموضوع كله؛ لأن الأنفال ليست لأحد منهم، بل هي لله ولرسوله، أما هم فعليهم إصلاح ذلك الشقاق الذي وقع فيما بينهم وإطاعة الله عز وجل في أوامره واجتناب نواهيه فتلك هي وظيفتهم، أما المال والدنيا فليعتمدوا فيهما على الله تعالى، فلما ثاب الصحابة -عليهم رضوان الله -إلى هدي هاتين الآيتين وصرفوا النظر عما اشتجروا من أجله نزلت آيات أخرى تقرر كيفية تقسيم الغنائم بحكم من الله -عز وجل-وهو أحكم الحاكمين ([66])، بل إن الله عز وجل أراد أن يغرس في قلوب المجاهدين في سبيله حب التضحية؛ لإعلاء كلمة الله وحده لا شريك له، فاقتضت مشيئته أن يتراجع المسلمون في غزوة أحد رغم كثرتهم لا لشيء سوى أنهم آثروا الغنائم وخالفوا أوامر قائدهم عليه الصلاة والسلام في التزام مواقعهم في جبل الرماة، فنزل قوله تعالى: (مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) ([67])


وزيادة في تربية المسلمين فقد حرم الإسلام (الغلول) وهو السرقة من الغنيمة، إذ أن الغلول يكسر قلوب المسلمين ويسبب اختلاف كلمتهم ويشغلهم بالانتهاب عن الجهاد في سبيل الله، وكل ذلك يفضي إلى الهزيمة، ولذلك اعتبر الغلول من كبائر الإثم بإجماع المسلمين ([68])، قال سبحانه وتعالى (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) ([69]).


وقد أمر رسول الله عليه الصلاة والسلام: بعقوبة الغال وحرق متاعه وضربه زجرا للناس وكبحا لهم أن يفعلوا مثل ذلك، فقد روى أبو داود والترمذي عن عمر (رضي الله عنه) عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ((إذا وجدتم الرجل قد غل، فاحرقوا متاعه واضربوه)) ([70])، وقد روى البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: كان على ثقل النبي صلى الله عليه وسلم رجل يقال له كركرة فمات، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((هو في النار))، فذهبوا ينظرون إليه فوجدوا عباءة قد غلها ([71])، وروى أبو داود أن رجلا مات يوم خيبر من الأصحاب فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((صلوا على صاحبكم))، فتغيرت وجوه الناس، فقال عليه الصلاة والسلام (إن صاحبكم غل في سبيل الله) ففتشوا متاعه فوجدوا خرزا من خرز اليهود لا يساوي درهمين ([72]).


فأين هي أخلاق المتحاربين اليوم الذين تحركهم المطامع المادية والطموحات المالية في السيطرة على موارد الشعوب وثرواتها بلا رحمة؟!، ولاستكمال الحديث عن الرحمة المحمدية في غزواته وعهوده تجدر الإشارة إلى رحمته -عليه الصلاة والسلام- واحترامه لمقدسات الآخرين (رغم ضلالهم) أو ما يصطلح عليه اليوم في القانون الدولي الإنساني بالأعيان أو الممتلكات المدنية، خاصة ما تعلق بدور العبادة لأهل الكتاب وغيرهم، ففي أول لقاء بين الإسلام والنصرانية عند استقباله عليه الصلاة والسلام لوفد نصارى نجران في المدينة المنورة في السنة العاشرة للهجرة، فتح لهم عليه الصلاة والسلام مسجده فصلوا فيه صلاة عيد الفصح الذي حان موعد وهم ضيوف على رسول الرحمة صلى الله عليه وسلم، وفيهم نزلت أكثر من ثمانين آية من سورة آل عمران وفيها آية المباهلة وبيان حقيقة سيدنا عيسى عليه السلام ليتبين أهل الكتاب انه الحق من ربهم.


وعلى ذلك النهج سار الفاتحون بعد رسولهم عليه الصلاة والسلام، فعندما فتح المسلمون القدس سنة 15 هجري أعطى الفاروق عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-أهل القدس من النصارى العهد العمري الذي ضمن لهم ((الأمان لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم ولا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقص من حيزها ولا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم، لا يكرهون على دينهم ولا يضار أحد منهم)) ([73])


بل لقد ضرب الفاروق رضي الله عنه أروع المثل في التاريخ الإنساني في احترام مشاعر ومقدسات غير المسلمين، فاعتذر رضي الله عنه عن الصلاة في كنيسة القدس، عندما دعي إلى ذلك؛ لئلا يتخذها المسلمون مسجدا من بعده، وقد أوجز (البابا شنودة الثالث) وصفه لتلك الواقعة بقوله: إنها ((روح طيبة عاش بها الإسلام مع غير المسلمين)) ([74])


وعندما فتح المسلمون مصر بقيادة الصحابي عمرو بن العاص رضي الله عنه لم يقف الفتح الإسلامي عند تحرير الأرض من الاستعمار الروماني، وإنما امتد إلى تحرير الكنائس المغتصبة من الرومان ومذهبهم الملكاني، حيث حرر المسلمون تلك الكنائس لا ليجعلوها مساجد إسلامية، وإنما ليعيدوها إلى أقباط مصر يمارسون فيها عبادتهم، ويومئذ أعاد المسلمون أيضا (البابا القبطي بنيامين) الذي ظل هاربا بدينه من الرومان ثلاثة عشر سنة، فتسلم كنائسه وأديرته التي حررها الإسلام ([75])، فأين تلك الرحمة في تاريخ الحضارات الأخرى التي تدعي التحضر والمدنية ؟!، والتاريخ يذكر جرائم الغزاة الصليبيين عند احتلالهم القدس سنة 492 خاصة لما احتمى المسلمون بمسجد قبة الصخرة فاقتحمه الغزاة وذبحوا جميع من فيه!، ويتفق المؤرخون على أن المسلمين الذين ذبحوا داخل القدس بلغوا سبعين ألفا، ثم إن اليهود أيضا حكم عليهم بالقتل؛ لان ألفاظ الحكم كانت بالموت ضد غير المؤمنين بدون تمييز بين مسلم ويهودي، وحسب تقرير من حضر المذبحة داخل المسجد العمري فقد طاف الجامع من الدماء حتى انه تحت القناطر التي عند بابه احنقن الدم وعلا إلى حد الركب، بل إلى لجم الخيل ([76])


ونفس الأمر فعله اليهود المحتلون بالمسلمين في فلسطين خاصة، ومن منا لا يتذكر جرائمهم في دير ياسين وكفر قاسم وصبرا وشاتيلا، فهي مجازر شاهدة على حب القتل والإبادة !!.


الأخوة الأفاضل في اللجنة الدولية شركاؤنا في الإنسانية:

لقد أحسن المجتمع الدولي في تبنيه لاتفاقية جنيف الثالثة التي تكفل - نظريا- أبسط الحقوق للأسرى والمحرومين من الحرية بسبب النزاعات المسلحة، ولا شك أن ذلك الإنجاز يشير إلى ما يعانيه الأسير ويواجهه من حقد متأصل في العداوات، فقد نقل لنا التاريخ القديم والحديث صورا مأساوية عن حقد الإنسان الأعمى، وليس أدل على ذلك ما حدث على سبيل المثال في عهد الإمبراطور (فسبسيان)، حيث حاصر الرومان اليهود في القدس لمدة خمسة أشهر انتهت بسقوط المدينة في اشد هزيمة مهينة عرفها التاريخ، حيث أمر الرومان اليهود أن يقللوا: أبناءهم ونساءهم بأيديهم، وقد استجاب اليهود لهم من شدة الرعب وطمعا في النجاة، ثم بدا الرومان يجرون القرعة بين كل يهوديين ومن يفوز بالقرعة يقوم بقتل صاحبه ([77]).


فليس غريبا على الإمبراطورية الرومانية التي أسست على الدماء عندما قتل (رومولوس أخاه ريموس)، أن تكون بداية لمسيرة الشقاء العبودي للإنسان، حيث تصور الرسوم الجنائزية التي اكتشفت في اغلب القبور الاتروسكية العبيد في أوضاع مختلفة يخدمون أسيادهم، وبما أن الرومان كانوا يحبون الخدمة العسكرية، لذلك اعتمدوا بشكل كبير على العبيد، وخاصة أسرى الحروب في تنفيذ أعمالهم ([78])، وقد تشكلت طبقة العبيد بعد الحروب الاستعمارية التي خاضتها الإمبراطورية الرومانية شرقا وغربا، حيث إذا غزا الرومان أي بلد أو مدينة واستولوا عليها، يؤول كل ما فيها للغالب، حيث يبيعون رجالها ونساءها وأولادها، كما يباع العبيد أو يقتلون جميعا، أي: أن جميع سكان البلد المفتوح هم ملكا للفاتحين، يتصرفون بهم كما يرغبون، إن أرادوا استعبدوهم وإن أرادوا أعتقوهم، وكانوا يعاملونهم كغنائم يبيعونهم للنخاسين الذين يرافقون الجيش الروماني، وإذا نقلوهم إلى روما، بيعوا بالمزاد العلني، حيث يوجد سوق للرقيق في كل مدينة، فيعرض العبد على صندوق خشبي، وتعلق في عنقه بطاقة كتب فيها: عمره وأوصافه وعيوبه، فكانوا يبيعون بعد كل حرب ألوفا من الأسرى رجالا ونساء وأولادا. ([79])


ووصل الأمر بالقانون الروماني أن أعطى مالك العبد سلطة غير محدودة، لاسيما حق الموت والحياة، وفي حالة إعتاق العبد عليه أن يحتفظ باسم سيده وأن يعطيه المقام الأول "Praenomen" وباسم قبيلة سيده"nomen" وأن يبقى اسمه الشخصي في المرتبة الثالثة،. "Cognomen" ([80])


كما استحدثت الإمبراطورية الرومانية أسواق كثيرة للعبيد، حيث إن الحروب الرومانية كانت ينابيع تدفقت منها على إيطاليا أسرى الحروب الذين كانوا يباعون عبيدا، لذلك أنشئت عدة أسواق تجارية ضخمة لبيع العبيد كان أهمها: -


سوق في مسينيا يقع عند مصبات الرون.

سوق في أكيليا يقع على الشاطئ الشمالي للأدرياتيك.

سوق العبيد في جزر البليار.

كما افتتح في روما ذاتها سوق للعبيد على رصيف الطريق المقدس، والذي يقع عند كعب الكابيتول، ذلك السوق لا يغلق إطلاقا، كان العبيد متواجدين فيه بشكل دائم ومعروضين للبيع يباعون فيه كما تباع الدواب.

سوق في جزيرة ديلوس، والذي يعتبر من أهم الأسواق، وقال أحد المؤرخين: إنه كان يصل عدد العبيد المباعين في ذلك السوق في يوم واحد إلى عشرة آلاف عبد ([81])

أما الشريعة اليهودية المحرفة فلم تختلف عن عادات الرومان، فقد قررت تسخير الأسرى إن هم سلموا بلادهم بلا حرب، وان قاوموا كان مصير الأسرى التقتيل والتنكيل، وظل الأمر كذلك إلى أن جاءت شريعة الإسلام بقانون من رب العالمين إلى رسول الرحمة عليه الصلاة والسلام يوصي فيه الله -عز وجل-رسوله الأمين وعباده المجاهدين بالرأفة بالمأسورين، قال تعالى في محكم التنزيل: (فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) ([82])، فلا يقع في الأسر إلا المحارب، وقد وضع فقهاء الإسلام أوصافا لمن يجوز أسره وشروطا لوقوع الأسر ونظما وقوانين تحمي الأسير،


فهو محقون الدم محترم الحقوق، يلقى كل رعاية وعناية فلا يقتر عليه في طعام، ولا يهمل في علاج، ولا يكره على الإيمان بما لا يرضاه ولا يعذب للحصول على معلومات منه، ويظل هكذا حتى يبت في أمره بالمن أو الفداء أو تبادل الأسرى ([83])، وهنا تجدر الإشارة إلى التفرقة بين أكابر المجرمين والأسرى؛ لان بعض المتآمرين على الإسلام يلمزون في بعض المواقف التي أهدر فيها رسول الله -عليه الصلاة والسلام-دم بعض أعداء الإسلام ممن فاق إجرامهم كل الحدود أو ما يعرفون في عالمنا اليوم بمجرمي الحرب من منظريها إلى موقديها، وهم قلة قليلة في سيرته عليه الصلاة والسلام التي تحفل بصور تعكس إنسانيته التي تمتلئ بحب الخير والحلم والعفو عن أعدائه عند المقدرة.


فها هو عليه الصلاة والسلام منتصرا في غزوة بدر بعد أن اتم الله عليه نصره المؤزر في يوم الفرقان يستشير أصحابه في سبعين أسيرا من قريش أيقتلون؟ أم يفادون بمال؟ فقال عليه الصلاة والسلام (إن الله قد أمكنكم منهم، فما تقولون في هؤلاء الأسرى؟))، فقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: يا رسول الله اضرب أعناقهم، فاعرض عنه النبي الأكرم عليه الصلاة والسلام، ثم عاد صلى الله عليه وسلم إلى قوله طالبا المشورة في الأسرى، فقام أبو بكر رضي الله عنه، فقال: يا رسول الله نرى أن نعفو عنهم وان تقبل منهم الفداء، فذهب عن وجه النبي صلى الله عليه وسلم ما كان فيه من الغم فعفا عنهم وقبل الفداء ([84])، وقد أوصى بهم عليه الصلاة والسلام طريقه إلى المدينة المنورة بعد النصر فقال ((استوصوا بالأسارى خيرا))، فكان منهم أبو عزيز ابن عمير أخو مصعب بن عمير قال ((كنت في رهط من الأنصار حين أقبلوا بي من بدر، فكانوا إذا قدموا غذاءهم وعشاءهم خصوني بالخبز، وأكلوا التمر، لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم بنا، ما تقع في يد رجل منهم كسرة خبز إلا نفحني بها. قال: فأستحيي فأردها على أحدهم، فيردها علي ما يمسها)) ([85])


وقد أثنى الله عز وجل على المجاهدين في سبيله الذين يحسنون إلى الأسرى، فقال عز وجل (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا) ([86])، قال القرطبي في تفسيره ((ويكون إطعام الأسير المشرك قرية إلى الله تعالى)) ([87])، فإن الإسلام يعتبر الأسرى من الفئات الضعيفة التي تستحق الشفقة والإحسان والرعاية، مثل المسكين واليتيم. ([88])


كما أن ذلك إقرار على وجوب إطعام الأسير وعدم تجويعه، بل زاد البعض على ذلك أن يكون الطعام مماثلا في الجودة والكمية لطعام المسلمين ([89])، ويذكر التاريخ أن القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي قد أعتق أسراه من الصليبيين عندما لم يجد ما يكفيهم من طعام.


بل إن شريعة الإسلام تذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، حيث تمنع تعذيب الأسير للإدلاء بمعلومات عن العدو، وقد قيل للإمام مالك: أيعذب الأسير إن رجي أن يدل على عورة العدو؟ قال: ما سمعت بذلك، وذلك ما أنكره النبي صلى الله عليه وسلم على بعض الصحابة عندما ضربوا غلامين من قريش وقعا أسيرين في أحداث بدر، فقال لهم": إذا صدقاكم ضربتموهما، وإذا كذباكم تركتموها، صدقا، ولله إنهما لقريش "...مع أن ذينك الغلامين اللذين ضربا كانا يمدان الجيش المعادي بالماء. ([90])


ووصل الأمر أن ينزل الوحي مخاطبا النبي عليه الصلاة والسلام بوعد الله عز وجل للأسرى بالعفو والمغفرة من فوق سبع سماوات، قال عز من قائل في كتابه العزيز (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ([91])، وفي ذلك دليل على أنهم لا يكرهون على الإسلام، ولم يقع قط أن أكره أسير على أن يدخل في الإسلام.


ويروي أبو موسى الأشعري رضي الله عنه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام انه قال: ((فكوا العاني -يعني الأسير -، وأطعموا الجائع، وعودوا المريض)) ([92])، وقد توضحت سياسته عليه الصلاة والسلام في التعامل مع الأسرى مع أول أسيرين في الإسلام، وهما أسيرا سرية نخلة في رجب من السنة الثانية للهجرة حيث من عليهما عليه الصلاة والسلام، فأما أحدهما: ويدعى الحكم بن كيسان فقد أسلم لما وجده من حسن المعاملة وحسن إسلامه، وأما صاحبه عثمان بن عبد الله فقد لحق بمكة ومات بها كافرا.


أما عن رقة قلبه عليه أفضل الصلاة والسلام حتى في الحروب، فقد روى جعفر بن محمد عن أبيه: أن أبا أسيد الأنصاري قدم بسبي من البحرين على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام ينظر إليهم وقد صفهم فإذا امرأة تبكي فقال:" ما يبكيك؟،، فقالت: بيع ابني في بني عبس، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -لأبي أسيد: "لتركبن فتلحق به" فركب أبو أسيد فجاء به ([93])، وفي حديث آخر أنه قال -صلى الله عليه وسلم -: ((من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة)) ([94])


وبقي لنا في الأخير أن نشير إلى مسألة في غاية الأهمية والحساسية عندما يتعلق الأمر بموضوع الأسرى، وهي رحمته بالنساء حتى المقاتلات منهن أو ما يعرف بمسألة (السبايا) التي يقذف بها أعداء ذلك الدين لتشويه نظرة الناس إلى هديه عليه الصلاة والسلام ورحمته.


ففي الوقت الذي بعث فيه نبينا عليه الصلاة والسلام كان العرف السائد يومئذ هو استرقاق الأسرى، فيستعبد الرجال أو يقتلون، وتنتهك أعراض النساء فيشترك في المرأة الواحدة الرجل وأولاده وأصدقاؤه ممن يبغي الاستمتاع منهم بلا ظابط ولا نظام ولا احترام لإنسانية أولئك النساء أبكارا كن أم غير أبقار، أما الأطفال - أن وقعوا أسرى - فكان ينشؤون في ذل العبودية البغيض ([95])، فلما جاء الإسلام حرمت شريعته الحكيمة لترفع من قدر الإنسان حيا وميتا، وتحمي إنسانيته في السلم والحرب، فاعجب من قوم يقذفون شريعة الله عز وجل ولا يلتفتون إلى ما تحمله ثنايا الكتب المحرفة المتداولة حاليا من أسفار ما انزل الله بها من سلطان، في ثناياها كلام عن مدح للجنود الذين يأسرون يسبون وليت الأمر توقف عند ذلك بل زادت تلك الأسفار كذبا وبهتانا بان ألصقت بالسبايا كل أوصاف الفجور.


أما شريعة أحكم الحاكمين فلم تشرع سبي النساء لكفرهن، بل تسبى المقاتلات للمسلمين في المعارك، والمهيبجات للكفار على القتال، وإذا أسرت المرأة مع زوجها وصارا في ملك رجل واحد من المسلمين: فإنه لا ينفسخ عقد الزوجية بين تلك الكافرة وزوجها ويبقيان على عقدهما، وعليه: فلا يستطيع مالك تلك المرأة أن يجامعها.


وها هو قدوة المسلمين وإمامهم عليه أفضل الصلاة والسلام من رب العالمين وقد أمكنه الله من أعدائه الغادرين من بني المصطلق، فكان من بين الأسرى الذين أسرهم المسلمون في تلك الغزوة (جويرية بنت الحارث بن ضرار) سيد قومه، وقد وقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس، فطلبت منه أن يكاتبها لتتحرر، وأتت النبي عليه الصلاة والسلام تستعينه في كتابتها فقالت يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث بن أبى ضرار سيد قومه وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك فوقعت في السهم لثابت بن قيس بن الشماس، أو لابن عم له فكاتبته على نفسي فجئتك أستعينك على كتابتي، قال فهل لك في خير من ذلك؟ قالت وما هو يا رسول الله؟ قال أقضي كتابتك وأتزوجك قالت نعم يا رسول الله، قال قد فعلت، وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله -صلى الله عليه و سلم- تروج جويرية بنت الحارث فقال الناس: أصهار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فارسلوا ما بأيديهم قالت أمنا عائشة رضي الله عنها: فلقد أعتق بترويجه إياها مائة أهل بيت من بنى المصطلق فما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها ([96])


ذلك هو هدي رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام، فلو كان الأمر في أمة غير أمة محمد لما احتاج قائدها إلى مكاتبة ابنة عدو له حاول القضاء عليه بالغدر ونقض العهود، لكنها رحمة الرسول الأكرم عيه الصلاة والسلام وخلقه الذي مدحه الله عز وجل (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) ([97])


ويتجلى خلقه عليه الصلاة والسلام وإيثار أصحابه في الكثير من الغزوات، فها هي القبيلة الكبيرة (هوازن) بعد أقل من شهرين من حرب (حنين) الهائلة، فقدت كل شيء النساء والأبناء والأموال والأنعام، وكانوا قد فروا إلى الطائف مع ثقيف لاجئين عندهم يذوقون ذل المهانة والبعد عن الديار ولكنهم فكروا في العودة إلى رسول الله، فقد يقبل منهم إسلامهم، ويعيد إليهم بعض ما غنمه من ممتلكاتهم، فقد رضع رسول الله- صلى الله عليه وآله - وترعرع في قبيلة بني سعد التي هي من قبائل (هوازن)، فقد كانوا يعلمون أن رسول الله -صلى الله عليه وآله - نشأ وترعرع فيهم، ورضع بلبن نسائهم ذلك من ناحية، ومن ناحية أخرى كانوا يعرفون أن رسول الله -صلى الله عليه وآله عليه وآله - ملء قلبه الرحمة والمروءة ومعرفة الجميل، فاذا سنح لهم أن يذكروه بذلك لأطلق أسراهم حتما.


وأعلن وفد هوازن الإسلام أمام النبي، وقالوا: "يا رسول الله إنا أهل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لا يخفى عليك، فامنن علينا من الله عليك ([98]).


قال لهم الرسول -صلى الله عليه وسلم -: "نساؤكم وأبناؤكم أحب إليكم أم أموالكم" ؟فقالوا: يا رسول الله خيرتنا بين أحسابنا وأموالنا؟ بل أبناؤنا ونساؤنا أحب إلينا؛ فقال الرسول -صلى الله عليه وسلم -: "أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم؛ وإذا صليت بالناس؛ فقوموا فقولوا: إنا نستشفع برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في: أبنائنا ونسائنا فإني سأعطيكم عند ذلك وأسأل لكم".


فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس الظهر؛ قاموا فقالوا ما أمرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال: "أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم"؛ فقال المهاجرون: وما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالت الأنصار: وما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو سليم فلا، وقال عيينة: أما أنا وينو فزارة فلا، وقال العباس بن مرداس السلمي: أما أنا وبنو سليم فلا، فقالت بنو سليم: بل ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عباس بن مرداس لبني سليم: وهنتموني.


فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: "من أمسك منكم بحقه فله بكل إنسان سته فرائض من أول فيء نصيبه. فردوا إلى الناس نساءهم وأبناءهم" ([99])، وبذلك الهدي النبوي فرحت هوازن ودخلت في الإسلام بقلوب راضية بعد أن خبرت من المسلمين صدق النية والعمل وإيثار الآخرة ومرضاة الله.


وهكذا برهن المسلمون بقيادة نبيهم -عليه الصلاة والسلام -أن متاع الدنيا هو العمل الصالح وأن أكبر غنيمة لهم هو أن يدخل الناس في دين الله أفواجا ويحاربوا معهم الظلم والظلام التي استشرى في النفوس فأعماها عن هدي الله عز وجل.


ويتكرر الكرم المحمدي بالمن على أسراهم في (الحديبية) في موقفين، فكان العفو شيمته عليه الصلاة والسلام حتى مع من أراد قتله، فقد أسر الصحابة الكرام ثمامة بن أثال من زعماء بني حنيفة، وكان قد قرر أن يأتي للمدينة المنورة ليقتل رسول الله، وجاءوا به إلى المسجد النبوي، فقال لهم رسول الله -عليه الصلاة والسلام -: أحسنوا إساره، وقال أيضا: اجمعوا ما عندكم من طعام فابعثوا به إليه، فكانوا يقدمون إليه لبن لقحة الرسول عليه الصلاة والسلام ([100]) وعفا عنه الرسول الأكرم  عليه الصلاة والسلام - بلا فداء، فاسلم وقال لقريش مقولته الشهيرة: والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي-صلى الله عليه وسلم ([101])، فكان بحق أول رائد للمقاطعة الاقتصادية لأعداء رسول الرحمة عليه الصلاة والسلام.


الأخوة الكرام :

في ختام كلمتي تلك لا يسعني سوى أن أستذكر معكم آخر موقفا آخر من مواقفه علية الصلاة والسلام في الفتح الذي أكرمه به ربه عز وجل، فقد دخل بلده الذي هجر منه وأصحابه الكرام تكاد لحيته تمس واسطة الرحل تواضعا لله تعالى فلم يدخل دخول الظلمة المحتلين، يكاد يطير بهم الزهو والخيلاء والكبر والصلف، وقد أوصى أمراءه ألا يقتلوا إلا من قاتلهم ([102])، ثم قام على باب الكعبة المشرفة قائلا:" يا معشر قريش، إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء، الناس من آدم، وآدم من تراب، ثم تلا قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) ([103])، ثم قال: يا معشر قريش ما ترون أنى فاعل فيكم؟ قالوا: ((خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء)) فعفا عنهم بعد أن أمكنه الله تعالى منهم، فضرب بذلك المثل في العفو والصفح عن الجناة بعد القدرة عليهم والتمكن منهم ([104]).


ولئن كانت الأمم الغربية تفاخر بالملاحم، فإن تلك الأمة المنصورة بإذن الله تفاخر بالمراحم، ففي فتح مكة مرت الكتائب واحدة تلو الأخرى على أبي سفيان وزعماء قريش، فمرت كتيبة الأنصار عليهم رضوان الله عليهم سعد بن عبادة رضي الله عنه معه الراية فقال لأبي سفيان: ((اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة))، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، اسمع ما قال سعد بن عبادة، ما نأمن أن يكون له في قريش صولة فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم - لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي عنه وعن الصحابة الكرام الأبرار: ((أدركه فخذ الراية منه، فكن أنت الذي تدخل بها))، وقال عليه الصلاة والسلام قولته المشهورة لأبي سفيان: ((يا أبا سفيان اليوم يوم المرحمة اليوم يعز الله قريشا))([105])، فابدل كلمة الملحمة بالمرحمة؛ لتكون الرحمة عنوانا لذلك الدين الذي لا يزيده عناد المعاندين إلا انتشارا.


نعم انه نهج المرحمة الذي نأمل أن يتأصل في قلوب المسلمين قبل غيرهم فهم سفراء ذلك الدين أينما حلوا وارتحلوا، وأن يكونوا خير خلف لخير سلف يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.


اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم؛ إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم؛ إنك حميد مجيد.


والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته


[1] صحيح مسلم، كتاب الجنة، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار، حاشية الحديث رقم: 2865.


[2] صحيح البخاري (2125).


[3] أبو بكر جابر الجزائري، ذلك الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم يا محب، دار الفجر للتراث، القاهرة 2003، ص ص45/46.


[4] الفتح 29.


[5] رواه ابن إسحاق بسنده (1/166 سيرة ابن هشام) ومن طريقه أخرجه الطبري في تفسيره (1/566)، والحاكم في مستدركه (2/600) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وانظر السلسلة الصحيحة (1545).


[6] سيرة ابن هشام (1/328)، وجوامع السيرة (55)، والدرر (50).


[7] العنكبوت 46.


[8] أحمد علي الدعشي، صورة الآخر في فلسفة التربية الإسلامية (ليسوا سواء)، مجلة المعرفة، العدد 110/ جمادى الأولى 1425، ص82.


[9] يونس 99.


[10] يوسف 118/ 119.


[11] فاطر 8.


[12] يوسف 103.


[13] الرعد 40.


[14] الغاشية 21/ 22.


[15] الشعراء 03.


[16] القصص 56.


[17] البقرة 256.


[18] الإسراء 13/15.


[19] الطبراني في الكبير برقم (7518) (8/129)، والبيهقي في شعب الإيمان برقم 8798.


[20] الترمذي، كتاب الاستئذان برقم (2699) (5/59) وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (816).


[21] الأحزاب 44.


[22] الرعد 23/24.


[23] يونس 25.


[24] الأنعام 127.


[25] السيد سابق، فقه السنة، المجلد الثالث، دار الفتح، القاهرة، ص ص339- 340.


[26] الواقعة 26- 27.


[27] الأنفال 60.


[28] البقرة 246.


[29] المائدة من الآية 24 إلى 26.


[30] إبراهيم الدميجي، يا سائلاً عن بني إسرائيل!، موقع صيد الفوائد، http://www.saaid.net/mktarat/flasteen/314.htm


[31] البقرة، 250/ 251.


[32] تفسير القرآن العظيم للحافظ ابن كثير، المجلد الأول، دار الحديث، القاهرة، ص376.


[33] أحمد علي الدغشي، صورة الآخر في فلسفة التربية الإسلامية، مجلة المعرفة، مرجع سابق، ص87 نقلا عن تفسير المنار للشيخ محمد رشيد رضا.


[34] الحج 39- 41.


[35] السيد سابق، فقه السنة، المجلد الثالث، مرجع سابق، ص ص362- 363.


[36] تفسير التحرير والتنوير للشيخ الطاهر بن عاشور، منشور في موقع إسلام ويب،


http://library.islamweb.net/newlibrary/display_book.php?idfrom=1&idto=4690&lang=&bk_no=61&ID=1


[37] محمد عمارة، الإسلام والآخر، من يعترف بمن؟ ومن ينكر من؟، مكتبة الشروق الدولية، 2002. ص56.


[38] أحمد علي الدغشي، مرجع سابق، ص87.


[39] الممتحنة 08.


[40] الطبري، جامع البيان في تأويل آي القرآن، ج28، ص66.


[41] الممتحنة 09.


[42] القصص 83.


[43] المائدة 82- 83.


[44] سارة آدم، مظاهر الرحمة للبشر في شخصية محمد صلى الله عليه وسلم، البرنامج العالمي للتعريف بنبي الرحمة، منشور في موقع البرنامج.


[45] The Saint Bartholomew's Day Massacre


[46] النساء 104


[47] التوبة 43


[48] صحيح البخاري، باب الشروط في الجهاد، برقم 2731.


[49] ورد ذكره أيضاً في المغازي للواقدي، ص14.


[50] محاضرات الدكتورة سارة آدم، مرجع سبق ذكره.


[51] التوبة 52.


[52] صحيح مسلم، باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث ووصيته إياهم بآداب الغزو وغيرها، 1731.


[53] السيد سابق، فقه السنة، ج3، ص389.


[54] محمد الدسوقي، القيم الإنسانية في الحروب الإسلامية، مجلة منار الإسلام، العدد 352، ربيع الآخر، 1425، ص14.


[55] المبسوط للسرخسي، ج10، ص06، القاهرة.


[56] الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، بيروت، دار الكتب العربي، ط2، 1982، 07/113.


[57] محمد الدسوقي، مرجع سابق، ص14.


[58] محمد عمارة، حقيقة القتال في الإسلام، مجلة المجتمع الكويتية، العدد 2080، ربيع الآخر، 1436، ص65.


[59] فتوح البلدان للإمام أبي الحسن البلاذري، المكتبة التجارية الكبرى، مصر، 1959، ص411 (بتصرف)


[60] صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب كراهة تمني لقاء العدو والأمر بالصبر عند اللقاء، برقم 1741.


[61] السيد سابق، فقه السنة، ج3، مرجع سابق، ص405.


[62] محمد عمارة، الجزية وعدالة التطبيق، مجلة المجتمع الكويتية، العدد 2080، ربيع الآخر، 1436، ص64.


[63] تاريخ الطبري، تحقيق أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، القاهرة، ج4، 1970، ص156.


[64] الأنفال 07.


[65] الأنفال 01- 02.


[66] محمد سعيد رمضان البوطي، فقه السيرة، دار الشهاب 1985، الجزائر ص ص226/ 227 (بتصرف).


[67] آل عمران، 152.


[68] السيد سابق، فقه السنة، المجلد الثالث، مرجع سابق، ص423.


[69] آل عمران 161.


[70] أبو داود كتاب الجهاد، باب في عقوبة الغال برقم 2713/ الترمذي، كتاب الحدود، باب في الغال ما يصنع به برقم 1461.


[71] البخاري، كتاب الجهاد، باب القليل من الغلول، برقم 2861/ 3074.


[72] أبو داود، كتاب الجهاد، باب في تعظيم الغلول، برقم/ 2710.


[73] محمد حميد الله، مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة، القاهرة، 1956، ص ص345/ 346.


[74] كلمة البابا شنوده الثالث في مؤتمر التسامح في الحضارة الإسلامية الذي عقد بالقاهرة (11 ربيع الأول 1425)، نشرت مقتطفات من الكلمة في مجلة منار الإسلام، العدد 352، ربيع الآخر، ص25.


[75] محمد عمارة، الإسلام واحترام المقدسات، مجلة المجتمع، العدد 2077، محرم، 1436، ص55.


[76] محمد عمارة، المرجع السابق، ص56.


[77] راغب السرجاني، الأسرى في الإسلام، موقع قصة الإسلام،


[78] عبد المجيد حمدان، العبيد عند الرومان، مجلة دراسات تاريخية، العددان 117/118، كانون الثاني- حزيران 2012، ص ص53/54.


[79] محمد مصطفى سبيع: الرق تاريخه معاصره ومستقبله في الإسلام، دمشق، د. ت، ص15.


[80] عبد المجيد حمدان، المرجع السابق، ص59.


[81] عبد المجيد حمدان، العبيد عند الرومان، ص64.


[82] محمد، 04.


[83] محمود الدسوقي، القيم الإنسانية في الحروب الإسلامية، مجلة منار الإسلام، مرجع سابق، ص15.


[84] أبو بكر جابر الجزائري، ذلك الحبيب محمد عليه الصلاة والسلام يا محب، ص188.


[85] الطبري، تاريخ الطبري، 39/02.


[86] الإنسان 08/09.


[87] تفسير القرطبي، جامعة الملك سعود، المصحف الإلكتروني، الرابط: http://quran.ksu.edu.sa/tafseer/qortobi/sura76-aya8.html


[88] يوسف القرضاوي، موقف الإسلام من معاملة الأسرى، موقع الشيخ يوسف القرضاوي، مقالة نشرت بتاريخ 22 أبريل 2015، رابط المقالة: http://qaradawi.net/new/articles/7726-2015-02-04-17-32-54


[89] راغب السرجاني، الأسرى في الإسلام، مرجع سابق متاح في موقع قصة الإسلام.


[90] السهيلي: الروض الأنف، 3/58، ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، 4/68.


[91] الأنفال 70.


[92] صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب فكاك الأسير، برقم 2881.


[93] رواه الحاكم في المستدرك (3/516) وسكت عليه وقال الذهبي في التلخيص: مرسل.


[94] رواه الترمذي (1283) من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه. وإسناده حسن. وقال الترمذي: ذلك حديث حسن غريب.

[95] محمد قطب، شبهات حول الإسلام، منقول في فتوى في موقع إسلام ويب:

http://fatwa.islamweb.net/fatwa/index.php?page=showfatwa&Option=FatwaId&Id=219475

[96] رواه الإمام أحمد في مسنده، برقم 26408

[97] القلم 04.

[98] الطبري: تاريخ الأمم والملوك 2/173، ابن هشام: السيرة النبوية 5/162.

[99] الطبري: تاريخ الأمم والملوك 2/173، ابن كثير السيرة النبوية 3/667.

[100] البيهقي: السنن الكبرى (17810)، ابن حجر: الإصابة 1/302، ابن الأثير: أسد الغابة 1/337.

[101] صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب ربط الأسير وحبسه وجواز المن عليه، برقم 1764.

[102] أبو بكر جابر الجزائري، ذلك الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم، مرجع سابق، ص318.

[103] الحجرات 13.

[104] ابن هشام: السيرة النبوية 2/411، الحديث في صحيح البخاري مذكورا في حاشية الحديث رقم 4039، كتاب المغازي، باب دخول النبي صلى الله عليه وسلم من أعلى مكة.

[105] صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب أين ركز النبي صلى الله عليه وسلم الراية يوم الفتح، برقم 4030 (الحاشية رقم 01).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق