الصفحات

البحث الذكي داخل المدونة

تحميل وطباعة هذه الصفحة

Print Friendly and PDF

الخميس، 20 أغسطس 2026

المبادئ الأساسية التي تحكم النزاعات المسلحة في الشريعة الإسلامية والقانون الدولي الإنساني د. محمد أحمد سليمان عيسى

المبادئ الأساسية التي تحكم النزاعات المسلحة في الشريعة الإسلامية والقانون الدولي الإنساني

إعداد

د. محمد أحمد سليمان عيسى

أستاذ القانون الدولي العام المساعد بكلية العلوم والدراسات الإنسانية بالغاط جامعة المجمعة

ملخص البحث

تناول البحث المبادئ الأساسية التي تحكم النزاعات المسلحة، وتتمثل في مبدأ الإنسانية، مبدأ الضرورة الحربية، مبدأ التناسب، مبدأ التمييز، ولقد بينا مدى العلاقة بين مضمونها ومدلولها في القانون الدولي الإنساني وأحكام وقواعد الشريعة الإسلامية، وكيف أنها سبقت القانون الدولي الإنساني في النص على هذه المبادئ سالفة الذكر وأوجبت احترامها.


وتمثلت إشكالية الدراسة في: متى يتم مساءلة جميع الدول بلا استثناء أمام القضاء الدولي عندما تخالف أحكام القانون الدولي الإنساني؟


ولقد انتهي البحث إلى التأكيد على أهمية مبدأ الإنسانية في النزاعات المسلحة وغيرها من المبادئ الحاكمة للنزاعات المسلحة، ويجب مقاضاة القادة العسكريين والمدنيين حال انتهاكهم أحكام القانون الدولي الإنساني، أمام المحكمة الجنائية الدولية.


 


Summary


In this research, We have dealt with the basic principles governing armed conflicts, these principles are the principle of humanity, the principle of military necessity, the principle of proportionality, the principle of discrimination, and we have the extent of the relationship between their content and their significance in international humanitarian law and the provisions and the rules of Islamic Sharia, and how it preceded international humanitarian law in dealing with the above-mentioned principles as well as necessitated respected.


The problematic of this research is that, when will be the accountability of all States without exception before the International Court when contrary to the provisions of international humanitarian law.


The research has ended to emphasize the importance of the principle of humanity in armed conflicts and other principles governing armed conflict, and It must be prosecuted military and civilian leaders in case of violation of the provisions of international humanitarian law, before the International Criminal Court.


 


المقدمة


من المعلوم أن القانون الدولي الإنساني في شكله الحالي يقوم على جملة من المبادئ التي تتفرع بدورها إلى أحكام تفصيلية تهدف في مجموعها إلى تحديد الضمانات اللازمة للحد من آثار النزاعات المسلحة، والعمليات العسكرية بالخصوص على الأشخاص الذين لا يشاركون في القتال أو أصبحوا غير قادرين على المشاركة فيه.


وتمتد تلك الضمانات أيضا إلى الممتلكات التي لا تشكل أهدافا عسكرية، وتفرض أحكام القانون الدولي الإنساني على الأطراف المتحاربة احترام الضمانات الواردة في مواثيقه، وتقيد وتحظر استخدام وسائل وأساليب معينة في القتال.


والقانون الدولي الإنساني وإن كان لا يمنع الحرب، فإنه يسعى إلى الحد من آثارها حرصا على مقتضيات الإنسانية التي لا يمكن أن تتجاهل الضرورات الحربية، وإلى جانب مبدأي "الإنسانية" و"الضرورة العسكرية"، سنتعرض إلى قاعدتي "التفرقة بين الأهداف العسكرية والأشخاص المدنيين والممتلكات أو الأعيان المدنية" و "مبدأ التناسب" في القيام بالأعمال الحربية، ومن خلال استعراض تلك المبادئ الأربعة، يمكن أن نلاحظ مدى العلاقة بين مضمونها ومدلولها في القانون الدولي الإنساني وأحكام وقواعد الشريعة الإسلامية، والحديث في إطار تلك المقارنة الموجزة ليس ذا طابع نظري فحسب بل يعتمد على عناصر تطبيقية، إذ لا قيمة للأحكام الصادرة ما لم تؤد وظيفتها في الواقع.


وتتمثل تلك المبادئ في:


1-مبدأ الإنسانية


2-مبدأ الضرورة الحربية "الضرورة العسكرية"


3-مبدأ التناسب "النسبية"


4-مبدأ التمييز


أهمية موضوع البحث:


وتبدو أهمية ذلك الموضوع بالنظر إلى كثرة النزاعات المسلحة بين الدول والتي ينتج عنها في غالب الأحيان من عدم مراعاة أحكام القانون الدولي الإنساني وما يترتب عن ذلك من انتهاكات سافرة لا تفرق بين بني البشر وتأتي على الأخضر واليابس متجاوزة بذلك كل الاعتبارات الإنسانية والقواعد القانونية الدولية المكتوبة منها والعرفية، لاسيما بعد التطور التكنولوجي الهائل الذي يشهده العالم والذي أدى إلى ظهور أسلحة الدمار الشامل التي لم تكن موجودة في السابق كالأسلحة النووية مثلا وكل ذلك له تأثير مباشر على حياة الإنسان.



إشكاليات البحث:


ولعل أهم إشكال يتضح لنا من أن يكون ذلك البحث إجابة عنه هو إشكال رئيسي يتمثل فيما يلي: متى تتقرر مسؤولية جميع الدول بلا استثناء عن انتهاكها لأحكام القانون الدولي الإنساني، وإلى أي مدى يمكن إثارة تلك المسؤولية؟


منهج البحث:


اتبعنا في دراسة ذلك الموضوع مناهج بحث مختلفة كالمنهج التاريخي الذي يساعدنا على ربط الماضي بالحاضر لأنه لا يمكن مناقشة أو دراسة الموضوع بدون الرجوع إلى ماضيه والذي كان ولا يزال حافلا بالأحداث التاريخية المتواصلة، بالإضافة إلى الأسلوب التحليلي الاستقرائي، وذلك بالنظر إلى ما تكشف لنا من ضرورة الاستناد إلى التحليل تارة والاستقراء تارة أخرى، وكذا المنهج الاستدلالي التجريبي الذي يساعد على فهم الجانب النظري بالنظر إليه من الجانب التطبيقي.


وفى ضوء ما سبق فقد أريت تقسيم الورقة البحثية الراهنة إلى المطالب الآتية


المطلب الأول: مبدأ الإنسانية في الشريعة الإسلامية والقانون الدولي الإنساني.


المطلب الثاني: مبدأ الضرورة الحربية "الضرورة العسكرية" في الشريعة الإسلامية والقانون الدولي الإنساني.


المطلب الثالث: مبدأ التناسب "النسبية" في الشريعة الإسلامية والقانون الدولي الإنساني.


المطلب الرابع: مبدأ التمييز في الشريعة الإسلامية والقانون الدولي الإنساني.



المطلب الأول


مبدأ الإنسانية في الشريعة الإسلامية والقانون الدولي الإنساني


يدعو مبدأ الإنسانية إلى تجنب أعمال القسوة والوحشية في القتال خاصة إذا كان استعمال تلك الأساليب لا يفيد في تحقيق الهدف من الحرب، حيث إن قتل الجرحى أو الأسرى أو الاعتداء على النساء والأطفال أو على المدنيين غير المشاركين في القتال بوجه عام كلها أمور تخرج عن إطار أهداف الحرب وبالتالي تعد أعمالاً غير إنسانية، وكانت الشريعة الإسلامية لها السبق في وضع أسس ومبادئ لأنسنه الحروب.


وسوف نقسم ذلك المطلب إلى الفرعين الآتيين:


الفرع الأول: مبدأ الإنسانية في الشريعة الإسلامية.


الفرع الثاني: مبدأ الإنسانية في القانون الدولي الإنساني.


الفرع الأول


مبدأ الإنسانية في الشريعة الإسلامية


حق الأسري في توفير المأوى


لما كان المأوى من ضرورات الحياة بالنسبة للبشر؛ فإن الشريعة الإسلامية كفلت للأسير حقه في الإيواء، وكان إيواء الأسرى ينحصر في مكانين فقط، هما: مسجد الرسول صلي الله عليه وسلم، وبيوت الصحابة الكرام، ويؤكد ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن أبى هريرة أن المسلمين في عهده صلي الله عليه وسلم أسروا "رجلا من بني حنيفة يقال له ثمامة بن آثال سيد أهل اليمامة فربطوه بسارية من سواري المسجد" حتى أمر الرسول صلي الله عليه وسلم بإطلاق سراحه ([1]).


حق الأسري في الغذاء:


من الحقوق التي كفلها الإسلام للأسير حق الطعام ومن الأدلة على حق الأسير في الطعام والشراب ما ورد في حديث العقيلي: [فقال: يا محمد يا محمد، فأتاه فقال: ما شأنك؟ قال: إني جائع فأطعمني، وظمآن فاسقني، قال هذه حاجتك].


وضرب المسلمون أروع الأمثلة في ذلك، وذلك يتضح فيما اتخذه المسلمون نحو أسراهم من المشركين في غزوة بدر، فكانوا يؤثرونهم بالطعام على أنفسهم رغم حاجتهم إليه، وحبهم له؛ وذلك امتثالا لأمره صلي الله عليه وسلم بإكرام الأسرى ([2]) حتى نزل فيهم قوله تعالى "وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا" ([3]) وأوصي النبي صلي الله عليه وسلم بالأسرى خيرا.


"حدث ابن إسحاق عن منبه بن وهب أخي بني عبد الدار أن رسول الله صلي الله عليه وسلم حين أقبل بالأسارى فرقهم بين أصحابه، وقال استوصوا بالأسارى خيرا ([4]).



حق الأسري في الكساء


من الحقوق التي أقرتها الشريعة الإسلامية لأسرى الحرب: حقهم في الكسوة، وستر عوراتهم، وأن يكون ملبسه لائقا بآدميته، مناسبا له، يقيه حر الصيف، وبرد الشتاء ([5]).


وقد روى عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: [لما كان يوم بدر أتي بأسارى، وأتي بالعباس، ولم يكن عليه ثوب، فنظر النبي صلي الله عليه وسلم له قميصا؛ فوجدوا قميص عبد الله بن أبي يقدر عليه؛ فكساه النبي. صلي الله عليه وسلم إياه فلذلك نزع النبي صلي الله عليه وسلم قميصه الذي ألبسه] ([6]).


ثم إن ترك الأسير عريانا يؤدي إلى الحرام، وهو النظر إلى عورته، فكان ما يؤدي إلى ذلك الحرام (وهو تركه عريانا) حراما، ومن ثم فإن تقديم الكساء للأسرى بما يحفظ كرامتهم، ويصون عوراتهم واجب على الدولة الإسلامية.


حق احترام شرف الأسير وكرامته:


حافظ الإسلام على احترام شرف الأسرى، وصان كرامتهم، ويتضح ذلك في حمايته للمرأة التي تقع في الأسر، ومحافظته على شرفها، ومن ذلك تحريم وطء المرأة المسبية قبل أن تلد، أو تحيض، ويدل على ذلك من أن النبي صلي الله عليه وسلم "حرم وطء السبايا حتى يضعن ما في بطونهن" ([7])، وأخرج أحمد أن النبي صلي الله عليه وسلم قال "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا ينكح شيئا من السبايا تحيض حيضة". ([8])


ويتضح مدى حرص الإسلام على شرف المرأة المسبية فيما رواه أحمد عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلي الله عليه وسلم "لما قسم سبايا بني المصطلق، وقعت جويرية بنت الحارث في السبي لثابت بن قيس بن شماس، أو لابن عم له فكاتبته على نفسها، وكانت امرأة حلوة ملاحة فأتت رسول الله صلي الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إني جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه، وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك، فجئت استعينك على كتابتي، قال فهل لك في خير من ذلك، قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: اقض كتابتك، وأتزوجك، قالت: نعم يا رسول الله قال: فقد فعلت، قالت: وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله صلي الله عليه وسلم تزوج جويرية بنت الحارث فقال الناس: أصهار رسول الله صلي الله عليه وسلم فأرسلوا ما بأيديهم، قالت فلقد أعتق بترويجه إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق فما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها ([9]).


حق الأسرى في الاتصال بأهلهم وأقاربهم:


لا يمنع الإسلام من اتصال الأسرى بأسرهم، وأقاربهم، للاطمئنان عليهم، لأن ذلك يتفق مع روح الإسلام وقيامه على الرحمة، والكرامة الإنسانية، والفضيلة، وروي الإمام الطبري في تاريخه وقوع ابنة حاتم الطائي في سبايا طيئ، فجعلت ابنة حاتم في حظيرة بباب المسجد كانت السبايا يحبسن بها، فمر بها رسول الله صلي الله عليه وسلم فقامت إليه، وكانت امرأة جزلة، فقالت: يا رسول الله هلك الوالد، وغاب الوافد، فامنن على من الله عليك.. قال: ومن وأفدك؟ قالت: عدي بن حاتم. قال: الفار من الله ورسوله... قال: قد فعلت، فلا تعجلي بخروج حتى تجدي من قومك من يكون لك ثقة حتى يبلغك إلى بلادك، قالت: فكساني رسول الله صلي الله عليه وسلم وحملني، وأعطاني نفقة، فخرجت معهم حتى قدمت الشام على أخيها ليسالها: ماذا ترين في أمر ذلك الرجل؟ قالت: أرى والله أن تلحق به سريعا فإن يكن الرجل نبيا فالسابق إليه له فضيلة ([10]).


تحريم تعذيب الأسري


لا يجوز لسلطات الدولة الإسلامية أن تكره (ماديا أم معنويا) أسرى الحرب الذين تحتجزهم للحصول على معلومات حول العدو، وقواته وأسراره العسكرية، وقد قيل للإمام مالك: أيعذب الأسير إن رجي أن يدل على عورة العدو؟ قال: ما سمعت بذلك، وخلافا لذلك، فإن التعذيب محرم شرعا لقوله صلي الله عليه وسلم "أن الله يعذب يوم القيامة الذين يعذبون الناس في الدنيا" ([11]).


وذلك ما أنكره النبي صلي الله عليه وسلم على بعض الصحابة عندما ضربوا غلامين من قريش وقعا أسيرين في أحداث بدر، فقال لهم: "إذا صدقاكم ضربتموهما، وإذا كذباكم تركتموهما صدقا، والله إنهما لقريش....". مع أن هذين الغلامين اللذين ضربا كانا يمدان الجيش المعادي بالماء ([12]).


حرية الأسير في ممارسة الشعائر الدينية:


حرص الإسلام على أن يترك الناس أحراراً في معتقداتهم، وعباداتهم، ونهى عن إكراههم على الإسلام ([13])، قال تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) ([14]).


لذلك قرر الفقهاء أن للأسير حقه في ممارسة عبادته، وشعائر دينه، دون التدخل في معتقداته، أو محاولة إكراهه على الإسلام.


الفرع الثاني


مبدأ الإنسانية في القانون الدولي الإنساني


يقتضي ذلك المبدأ توفير حماية خاصة للإنسان في جميع الأحوال بما في ذلك وقت الحرب، فيلزم أطراف النزاع المسلح بالكف عن كل ما هو دون الضرورة العسكرية، ويدعو إلى تجنب أعمال القسوة والوحشية في القتال، خصوصا إذا كان استعمال ذلك الأساليب لا يجدي في تحقيق الهدف من الحرب وهو تحقيق النصر وهزيمة العدو، فقتل الجرحى أو الأسرى أو الاعتداء على النساء والأطفال أو على المدنيين غير المشاركين في الأعمال القتالية بوجه عام كلها أمور تخرج عن إطار أهداف الحرب، ومن ثم تعد أعمال غير إنسانية ([15]).


ويعد ذلك المبدأ من المبادئ الأساسية في القانون الدولي الإنساني ([16]) وتكمن أهميته في إلزاميه الأخذ به وتطبيقه في الحالات التي لا تعالجها اتفاقيات دولية، أو عند نشوب حرب كان أحد أو كلا طرفيها من الدول الغير موقعة على تلك الاتفاقيات.


وأكدت اتفاقيات جنيف الرابعة لعام 1949 م، في المادة (27) على ذلك المبدأ عندما نصت على أنه "للأشخاص المحميين في جميع الأحوال حق الاحترام لأشخاصهم وحقوقهم العائلية وعاداتهم وتقاليدهم، ويجب معاملتهم في جميع الأوقات معاملة إنسانية ([17]).


ويفرض ذلك المبدأ على الأطراف المتنازعة القيام بثلاثة واجبات حيال ضحايا الحرب تتمثل في احترامهم، ومعاملتهم بإنسانية، وحظر إخضاعهم لأعمال العنف والقسوة، وتنص المادة (12) من اتفاقية جنيف الأولي على أنه "يجب في جميع الأحوال احترام وحماية الجرحى والمرضي من أفراد القوات المسلحة وغيرهم من الأشخاص المشار إليهم في المادة التالية، وعلي طرف النزاع الذي يكون تحت سلطته أن يعاملهم معاملة إنسانية..."


كما يحظر ذلك المبدأ عدم وضع حدود وقيود على استعمال العنف والقسوة أثناء العمليات الحربية، في تعبير عن السعي لحماية مصالح الإنسان وكرامته.


وهو ما يلقي على أطراف النزاع التزاماً بضرورة اتخاذ الوسائل والأساليب أكثر إنسانية عند خوض العمليات العسكرية.


فالمعاملة الإنسانية هي الحد الأدنى من المتطلبات التي يحميها القانون الدولي الإنساني والتي تتيح للأشخاص غير المشتركين في القتال وللسكان المدنيين أن يعيشوا ويبقوا على قيد الحياة على الأقل، فالعمل الإنساني لا يقتصر على تخفيف المعاناة، بل إنه يسعي إلى الوقاية منها ومنعها.



المطلب الثاني


مبدأ الضرورة الحربية "الضرورة العسكرية"


في الشريعة الإسلامية والقانون الدولي الإنساني


المبدأ أن استخدام وسائل العنف والخداع في الحرب تنتهي عند هزيمة العدو وتحقيق الهدف من الحرب، وعند تحقيق ذلك الهدف، يجب على الطرف الآخر التوقف عن المضي والاستمرار في توجيه الاعتداء على الطرف الآخر.


كما أن أساليب القتال التي تترتب عليها زيادة آلام المصابين من استخدامها دون داعي ودون ضرورة تعتبر وسيلة محظورة لمخالفتها تجاوز الهدف من الحرب.


وسوف نقسم ذلك المطلب إلى الفرعين التاليين:


الفرع الأول: مبدأ الضرورة الحربية "الضرورة العسكرية " في الشريعة الإسلامية.


الفرع الثاني: مبدأ الضرورة العسكرية في القانون الدولي الإنساني.



الفرع الأول


مبدأ الضرورة الحربية " الضرورة العسكرية " في الشريعة الإسلامية


إن الأساليب التي يجيز الإسلام للمقاتلين التعامل بها أثناء القتال تحكمها مجموعة من الدعائم أو المبادئ الأساسية ([18]) التي نصت عليها أدلة القرآن والسنة، وتتمثل في التالي:


أولا: رعاية العهود والمواثيق:


وفي المقابل تحريم الغدر والخيانة ظاهرا وباطنا، إنها ليست مجرد توجيهات يعمل بها حينا وتترك أحيانا أخرى، أو يعمل بها الأفراد فقط، وإنما هي حاكمة للجماعات والدولة كذلك. قال تعالى: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا) (الإسراء: 34)، وقال: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا) (النحل: 91).


ثانيا: احترام البشرية ورعاية الكرامة الإنسانية:


قال الله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) ([19])، قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات: 13).


فالعدو وإن كان يسعى لقتلنا إلا أن ذلك لا يمنع من أن يحترم بحسبانه بشرا فلا تنتهك كرامته وإنسانيته.



ثالثا: الفضيلة والتقوى:


وذلك يقتضي رعاية الحرمات التي رعاها الإسلام، ولا يختلف الحكم في شأنها باختلاف الأشخاص أو الأجناس أو الأديان، فالدين والخلق يصاحبان المسلم أينما كان. قال الشافعي (رحمه الله): "ما يعقله المسلمون ويجتمعون عليه أن الحلال في دار الإسلام حلال في بلاد الكفر، والحرام في دار الإسلام حرام في بلاد الكفر، فمن أصاب حراماً فقد حده الله على ما شاء منه، ولا تضع عنه بلاد الكفر شيئا" ([20]).


رابعا: الرحمة:


في الحرب يكون التأكيد على الرحمة أكثر من المواطن الأخرى، لأن النفوس تندفع فيها بحب القتل والانتقام.


ولذا فالرسول الكريم صلي الله عليه وسلم كان يرحم ويوصي بالرحمة، فقال: (من لا يرحم الناس لا يرحمه الله) ([21]).


وقال فيما رواه أبو هريرة (رضي الله عنه): (لا تنزع الرحمة إلا من شقي) ([22]). وقال فيما رواه عنه عبد الله بن عمرو (رضي الله عنه): (ثم الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء..) ([23]). وقال: (أنا نبي الرحمة، وأنا نبي الملحمة) ([24])، يعني أن الرحمة والملحمة متلازمتان، فما كانت الملحمة إلا لأجل الرحمة، إذ الرحمة الحقيقية في ذلك العالم هي في قطع الفساد ومنع الشر وإصلاح المجتمع" ([25]).


خامسا: العدل:


قال الله سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ) (النحل: 90) وقال: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (المائدة: 8). ذلكم أن العدل يقتضي مقاتلة العدو بالأسلوب المناسب الذي لا يظلم به، وإن كان العدو مبغضا ممقوتا يسعى بالشر، لكن لا يبرر ذلك ظلمه بل نتعامل معه بلا إفراط ولا تفريط، فلا تعذيب ولا قتل للأبرياء من غير المقاتلين، ولا تدمير للممتلكات التي لا صلة لها بالقتال، ولا إطالة لأمد القتال فوق الحاجة، فذلك كله أجمع ينافي العدل. وإن أقلع المقاتل أو عجز عن القتال لسبب ما فالعدل يقتضي عدم قتله أو التنكيل به.


سادسا: المعاملة بالمثل:


"المعاملة بالمثل وإن كانت مبدأ مقررا من القدم، فإن الإسلام زاد عليه اعتبار الفضيلة والتقوى، فاصطبغ بصبغة العدالة كما عرفنا. ورد في الأثر عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: (عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به) ([26])، وذلك المبدأ أساس هام في العلاقات الدولية، سواء أكان في بدء الحرب أم في أثنائها أم في نهايتها، فتعلن الحرب لدفع العدوان، ويقتصر من القتال ووسائله على قدر الحاجة. وآثار الحرب يحكم فيها المسلمون بحسب ما يرون من طرق معاملة العدو، مع مراعاة مبدأ العفو والصفح، وفقا للظروف الحربية وغاية القتال" ([27]).


والمتأمل في تشريعات الإسلام في القتال يجد أنه منع مجموعة من الأساليب، وذلك لمنافاتها للمبادئ والقيم التي شرع القتال من أجل حمايتها وترسيخها.


إن تلك الأساليب الممنوعة عديدة، ونذكر أهمها ([28]):


الاستهتار أو اللامبالاة:


وذلك بالانطلاق في أعمال القتال تجاه البشر والممتلكات بدون قيود، وبدون التفريق بين المشاركين في القتال وغيرهم، أو بين الأهداف العسكرية وغيرها. وذلك ممنوع بنص الآية القرآنية التي تمثل مرتكزا ومحورا لأساليب القتال ووسائله، وهي التي تربط هدف الأعمال القتالية بالمشاركين في القتال وما يلحق بهم. قال سبحانه وتعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (البقرة: 190) حيث جعل علة المقاتلة هي المشاركة في القتال، وحكم على مقاتلة غير المشاركين في القتال بأنها عدوان، وقرر أنه لا يحب المعتدين.


حيث ورد النهي عن النبي صلي الله عليه وسلم ([29]) عن قتل من لا يقاتل كالنساء والأطفال والشيوخ وكبار السن والعباد المنقطعين للعبادة والعمال، كما نهى عن قتل العاجز عن القتال كالجريح أو المريض. وورد النهي كذلك عن الإتلاف لغير حاجة أو غرض مشروع.


وبناء عليه؛ اتفق الفقهاء ([30]) على منع القصد إلى قتل غير المقاتلين، ومنع قطع الأشجار والزروع أو قتل الحيوان لغير حاجة.


الغدر:


إنه من الأساليب الخسيسة الممقوتة سلما وحربا فقد كان النبي صلي الله عليه وسلم يربي أصحابه على الوفاء، ويبغض إليهم الغدر، حيث عد الغدر من علامات النفاق ([31]). وكان يوصي من يبعثهم في سراياه بقوله: (ولا تغدروا) ([32]).


وأوصى أبو بكر الصديق (رضي الله عنه) يزيدا حين وجهه إلى الشام بذلك ([33]). وكذا أوصى على بن أبي طالب (رضي الله عنه) جارية بن قدامة قائلا: "واقتلوا العدو مقبلا، وردوه بغيظه صاغرا" ([34]).


التنكيل:


وذلك بتعذيب المقاتلين الأحياء، أو بالتمثيل بجثث القتلى، فكل ذلك ممنوع؛ وذلك استنادا لما أوردناه من استصحاب الرحمة أثناء القتال، فذلك توجيه إسلامي، كما نهي عن التعذيب بالنار. ويقاس عليه كل فعل أو أسلوب فيه تعذيب.


وقد رأى النبي صلي الله عليه وسلم ما فعله المشركون بعمه حمزة في أحد فأقسم بالله قائلا: (لئن ظفرت بقريش لأمثلن بسبعين منهم) فنزل قوله تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ) (النحل: 129)، فأخذ الرسول صلي الله عليه وسلم يوصي الأمراء بقوله: (ولا تمثلوا) ([35])، وفعل مثله خلفاؤه من بعده، فأوصى أبو بكر يزيد بن أبي سفيان (رضي الله عنهما) ([36])، وأوصى على جنده بصفين قائلا: (ولا تمثلوا بقتيل) ([37]).


الفساد الأخلاقي:


وقد أوضحنا ونحن نتحدث عن المبادئ العامة التي يستند إليها الإسلام في إقرار الوسائل والأساليب في القتال أن مبدأ الفضيلة مع التقوى تجب مراعاته. وأن ذلك يقتضي منع الرذيلة وكل القبائح، فلا انتهاك للأعراض ولا إساءة أو بذاءة، حتى لو فعل العدو ذلك. فالمعاملة مقيدة بالفضيلة في الإسلام كما سبق أن ذكرنا.



التطهير العرقي ([38]):


وذلك مصطلح حادث يراد به الحروب العنصرية التي تشن من أجل القضاء على جنس ما أو قومية بذاتها.


وهو أمر ممنوع في الإسلام الذي شرع العدل ومنع الظلم، وجعل الناس سواسية، لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأعجمي على عربي إلا بالتقوى، ونهى عن التفاخر أو التنابز بالألقاب أو السخرية لأن الخيرية الحقيقية هي بحسب منزلة العباد من الله بناء على تقواهم (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) ([39]). فكل أسلوب يؤدي إلى ذلك الغرض ممنوع شرعا، ويشبه ذلك النوع من الأساليب أسلوباً آخر عرف حديثا بحروب الإبادة الجماعية، وهي كذلك تنطلق من منطلقات لا أخلاقية، حيث إن الغايات والأهداف فاسدة، ولذا فالأسلوب لا ينفصل عن الأهداف، حيث ينطلق المقاتلون في عمليات القتل بلا تمييز بين مقاتل وغير مقاتل. بل إن الأمر هنا فيه قصد لقتل غير المقاتلين.


وقد شهدت البشرية قديما وحديثا حروبا من ذلك النوع تجلت فيها بشاعة الإنسان تجاه أخيه الإنسان، ولم يكن ذلك غريبا. مع قسوته وقبحه؛ لأن الإنسان لا يعصمه إلا دين حق، يحق العدل ويأمر به وينهى عن الظلم وإراقة الذماء بغير حق، قال الله تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) (الأنعام: 151)


ومما يساعد في تنفيذ ذلك النوع من الحروب استخدام أنواع فتاكة من السلاح الذي يمتد تأثيره إلى مساحات كبيرة ومجموعات هائلة من البشر لا صلة لهم بالحرب، ومما يسهم في وقوع مثل تلك العمليات كذلك واستشرائها، استخدام مقاتلين لا أخلاق ولا مبادئ لهم. ولذا كان من المهم معالجة أساس المشكلة وليس التعامل السطحي معها فقط، أي بالعقوبات والمحاكمات، بل المطلوب العودة إلى الدين والتربية على الأسس الإيمانية.


وذلك المبدأ وإن كان يضبط تصرفات وسلوك المقاتلين المسلمين تجاه أعدائهم، إلا أنه كذلك يفتح الباب أمامهم لمعاملة العدو بنفس أساليبه. وإن كانت غير مشروعة أصلا حتى لا يستغل العدو معرفته بأن المسلمين ممنوعون من استخدام بعض الأساليب، فيقوم باستخدامها هو، فإن علم أن المعاملة بالمثل جائزة عندهم ارتدع وأقلع.


الفرع الثاني


مبدأ الضرورة العسكرية في القانون الدولي الإنساني


يعد ذلك المبدأ من المبادئ الأساسية التي قام عليها القانون الدولي الإنساني، وتعرف الضرورة الحربية بأنها "الحالة التي تكون ملحة لدرجة أنها لا تترك وقتا كافيا للأظراف المتحاربة لاختيار الوسائل المستخدمة في أعمالها، أو هي الأحوال التي تظهر أثناء الحرب وتفرض حال قيامها ارتكاب أفعال معينة على وجه السرعة بسبب موقف، أو ظروف استثنائية ناشئة في ذات اللحظة " ([40]).


فذلك المبدأ يدور في إطار فكرة تتمثل في أن استخدام أساليب القوة والعنف والخداع في الحرب، تقف عند قهر العدو وتحقيق الهدف من الحرب وهو الانتصار على العدو، ولا يجوز للطرف المنتصر الاستمرار والتمادي في مواصلة الأعمال العدائية ضد الطرف الأخر ([41]).


فالحرب هي الوسيلة الأخيرة التي تستخدمها دولة لإجبار دولة أخري على الإذعان والاستسلام، كما جاء في إعلان سان بطرسبرغ لعام 1868 م بشأن حظر استعمال بعض القذائف في وقت الحرب، والذي أرسي قاعدة مفادها" إن الهدف الوحيد المشروع الذي يجب أن تسعي إليه الدول أثناء الحرب هو إضعاف قوات العدو العسكرية، لذلك فإن إقصاء أكبر عدد ممكن من الجنود يكفي لتحقيق ذلك الغرض".


كما أكدت اتفاقية لاهاي لعام 1907 م على ذلك المبدأ في ديباجتها والتي نصت: "وترى الأطراف السامية المتعاقدة أن تلك الأحكام التي استمدت صياغتها من الرغبة في التخفيف من آلام الحرب كلما سمحت بذلك المقتضيات العسكرية هي بمثابة قاعدة عامة للسلوك يهتدي بها المتحاربون مع السكان وفيما بينهم".


وبالتالي فإن كل العنف الذي لا ضرورة له لتحقيق ذلك الهدف إنما هو عنف لا غرض له، ويصبح مجرد عمل وحشي ([42]).


ولقد وضعت اتفاقية جنيف الأولي المادة (50) واتفاقية جنيف الثانية المادة (51) وأحكام البروتوكولين الإضافيين لعام 1977 م، ضوابط لتقيد استخدام القوة من قبل أطراف النزاع تحقيقا للتوازن بين الضرورات العسكرية والمتطلبات الإنسانية.



واتفق الفقه والقضاء الدوليين على أن الضرورة العسكرية محكومة ومقيدة بعدة أشراط قانونية هي:


1-ارتباط قيام تلك الحالة بسير العمليات الحربية خلال مراحل القتال بين المتحاربين، أو لحظة الاشتباك المسلح بين قوات الاحتلال والمقاومة، ولذلك لا يمكن الادعاء بتوافر الضرورة الحربية في حالة الهدوء وتوقف القتال.


2-الطبيعة المؤقتة وغير الدائمة للضرورة الحربية، إنما هي بالنظر لطابعها الاستثنائي ليست أكثر من حالة واقعية تبدأ ببداية الفعل وتنتهي بنهايته وزواله.


3-ألا تكون الإجراءات المستخدمة لتنفيذ حالة الضرورة محظورة بموجب أحكام وقواعد القانون الدولي، كالتذرع باستخدام الأسلحة المحرمة دولياً أو قصف وإبادة السكان المدنيين أو عمليات الثأر والاقتصاص من المدنيين وممتلكاتهم بحجة الضرورة العسكرية.


4-ألا يكون أمام القوات المتحاربة في حالة الضرورة أي خيار بتحديد طبيعة ونوع الوسائل سوى التي استخدمت بالفعل، حال قيام وتوافر الضرورة الحربية، والتي تسمح باستخدام وسائل متفاوتة الضرر ([43]).


وبالتالي يتعين على الأطراف المتحاربة أن تأخذ بعين الاعتبار ضرورة أن تتماشي الوسائل التي قد تستخدمها مع ما هو جائز ومسموح لها وفقا لأحكام القانون الدولي الإنساني، وفي جميع الأحوال يجب أن يكون الهدف من وراء الضرورة الحربية تحقيق مزايا عسكرية.


المطلب الثالث


مبدأ التناسب "النسبية" في الشريعة الإسلامية والقانون الدولي الإنساني


يسعى مبدأ التناسب لإقامة التوازن بين مصلحتين متعارضتين، تتمثل الأولى: فيما تمليه اعتبارات الضرورة العسكرية "الضرورة الحربية"، بينما تتمثل الضرورة الثانية في ما تمليه مقتضيات الإنسانية حينما لا تكون هناك حقوقا أو محظورات مطلقة، لذلك جاء البرتوكولان الإضافيان (1977) لتعزيز كفالة احترام مبدأ التناسب في جميع العمليات العسكرية منعا لمعاناة المدنيين التي لا ضرورة لها، ويتطلب ذلك من كل المعنيين اتخاذ كافة الاحتياطات الضرورية والممكنة عند اختيار وسائل وأساليب الحرب، لمنع إلحاق خسائر بالمدنيين أو إلحاق الأذى بهم أو الإضرار بالممتلكات المدنية بشكل عرضي.


وسنقسم ذلك المطلب إلى الفرعين التاليين:


الفرع الأول: مبدأ التناسب "النسبية" في الشريعة الإسلامية.


الفرع الثاني: مبدأ التناسب في القانون الدولي الإنساني.



الفرع الأول


مبدأ التناسب "النسبية" في الشريعة الإسلامية


إن القواعد التي كان المجاهدون المسلمون يتقيدون بها في حروبه ضد أبناء الشعوب والأمم الأخرى لم تكن مجرد مبادئ أخلاقية عامة، أو وصايا تلقوها عن قادتهم وأمرائهم، وإنما كانت واجبات شرعية منصوص عليها غالبا في القرآن والسنة ويعاقب مخالفوها ليس من قبل رؤسائهم فقط، وإنما يتعرضون للعقاب في الحياة الأخرى؛ لأنهم خالفوا نصوصا شرعية قطعية واردة في القرآن أو السنة أو في كليهما معا.


وأهم القواعد الشرعية التي كانت تحكم سلوك المجاهدين المسلمين في ذلك المجال هي التالية:


قصر الحرب على رجال العدو والمحاريين فقط:

حيث يروى عن الرسول صلي الله عليه وسلم أنه قال موصيا زيدا بن حارثة لما أنفذه إلى مؤتة: "لا تقتلوا وليدا ولا امرأة ولا كبيرا ولا فانيا ولا منعزلا بصومعة". ([44])


كما أوصى الرسول بعدم استخدام الجرحى في الحروب: "لا تقاتل بمجروح فإن بعضه ليس منه"، وكذلك بعدم التعرض بالأذى لعمالة الزراعة والأطفال وذلك بقوله: "لا تقتلوا ذرية ولا عسيفا"، علما بأن الذرية هم الأولاد، والعسيف هو العامل الذي يفلح الأرض ويزرعها.


وأما بالنسبة للنساء فقد أمر الرسول بعدم التعرض لهن؛ إلا إذا حملن السلاح في وجه المسلمين، حيث إن الرسول عندما رأى جثة لامرأة قتيل من المشركين قال لائماً من قتلها أو أذن بقتلها: "ما كانت هذه لتقاتل"



خوض المعارك بروح إنسانية

حيث لا يجوز القتل إلا لسبب شرعي كما هو ثابت من نص الآية الكريمة "ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلك وصآكم به لعلكم تعقلون ([45]).


ويجب أن يكون القتل الشرعي ضمن أفضل الطرق وأكثرها إنسانية نزولا عند حكم الحديث الشريف "إذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة"، وعلى ذلك يمنع التعذيب حتما: "أنا نبي الملحمة وأنا نبي المرحمة"، وكذلك التمثيل بالجثث وذلك احتراما لقدسية الميت وإنسانية الإنسان حيث يروى عن الرسول صلي الله عليه وسلم أنه قال: "إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور".


والمعتقد أيضا في رأي أغلبية الفقهاء أن إحراق الجثث بالنار أمر يتنافى مع الإسلام، لأنه تقليد من تقاليد الوثنية، ولا يستثنى من ذلك إلا الحالة التي تستوجب المصلحة العامة من ذلك العمل، كما في حالة الخوف من تفشي مرض الطاعون مثلا.


وعموماً يجب احترام إنسانية الإنسان وكرامته تنفيذا لنص الآية: "ولقد كرمنا بني آدم ([46]) "...حيث قال الإمام الفخر الرازي في شرح تلك الآية: "النفس الإنسانية أشرف النفوس في ذلك العالم، والبدن الإنساني أشرف الأجسام في ذلك العالم ([47])."



منع النهب الذي كان يسود حروب الجاهلية

نهي الرسول صلي الله عليه وسلم عن النهبة أيضا، حيث روي عن رجل من الأنصار أنه قال: "خرجنا مع رسول الله في سفر فأصاب الناس حاجة شديدة وجهد، فأصابوا غنماً فانتهبوها، فإن قدورنا لتلغي إذ جاء رسول الله يمشي فأكفأ -أي قلب -القدور بقوسه، ثم جعل يرمل اللحم بالتراب وقال "إن النهبة ليست بأحل من الميتة ([48])". ويجب أن نميز هنا بين "النهب" و"الغنائم"، إذ أن الأخيرة مشروعة ومحللة حسب نص قرآني.


ومن الجدير بالذكر أن القانون الدولي الإنساني لا زال يجيز حتى الآن الاستيلاء على الغنائم الحربية. (Butin de guerre)


منع الخيانة والغدر

حتى في حالة الشك بسوء نية العدو، فقد ورد في الآية الكريمة: "وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ" ([49]).


وفي مجال الحديث النبوي نجد وصية للرسول تمنع الخيانة والغدر حيث قال: "سيروا باسم الله في سبيل الله وقاتلوا أعداء الله. لا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً"



منع التدمير وإتلاف الأموال

كما أن القانون الدولي الإنساني المعاصر يمنع ما يسمى (التدمير المنهجي) تمنع شريعة الحرب في الإسلام مثل ذلك التدمير أيضاً. ولذلك يمنع في الإسلام قطع الأشجار المثمرة، وإحراق النخيل وذبح شياه العدو ويقره وبعيره، إلا إذا كان ذلك مراعاة لضرورة حربية لإضعاف العدو وانتزاع الظفر به ([50]) وذلك استنادا لرأي الإمام الأوزاعي رحمه الله.


إعطاء الأمان لمن يطلبه

إذا كانت الحروب الأوروبية لم تعرف حتى أوائل القرن العشرين وجوب احترام (طلب الأمان) الذي يمكن أن يطلبه بعض جند العدو، بحيث اضطر المتفاوضون في لاهاي عام 1899 لتضمين (لائحة الحرب البرية) نصاً يشجب لجوء قادة الجيوش المتحاربة للإعلان عن عدم قبول طلب الأمان، فإن الإسلام اعترف بذلك الحق وطبقه منذ ظهوره وذلك عملا بنص الآية الكريمة " وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ " ([51]).


الانقطاع عن القتال إذا انقطع عنه العدو

إن الحرب في نظر الإسلام ليست غاية في حد ذاتها، وإنما هي سبيل لإحقاق الحق وإزهاق الباطل، ولذا يجب عدم الإصرار على مواصلة القتال إذا انقطع العدو عنه، وذلك نزولا عند حكم الآية الكريمة: " وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ "


ولكن فقهاء المسلمين أجازوا للأمير قتال جند العدو سواء كانوا مقبلين أم مدبرين حيث من الجائز أن يتظاهر العدو بالانسحاب كجزء من خطة عسكرية، وليس تسليماً منه وطلبا للصلح. كما أن الاستجابة للصلح مشروطة بإزالة العدو للأسباب التي دعت للحرب أصلا، أو باستعداد لإزالتها على الأقل، وإلا أصبحت الاستجابة لطلب الصلح خضوعا لإرادة العدو واعترافا بالأمر الواقع.


وبعد، فتلك هي أهم القواعد التي تحكم سلوك المجاهدين المسلمين في الحرب التي يمكن أن يخضوها ضد العدو.


الفرع الثاني


مبدأ التناسب في القانون الدولي الإنساني


تعتبر قاعدة النسبية من أكثر القيود على استخدام الأسلحة واللجوء إلى أساليب القتال، ويتمثل ذلك القيد في أن يلزم عند الإصابة أو التدمير أن تقف عند حد المصالح المحمية بالقانون، وأن تتناسب مع الضرورة العسكرية التي تطلبت ذلك بحيث لا تزيد أو تفرط (الإصابة أو التدمير) عن المزايا العسكرية المطلوب تحقيقها ([52]).


وأقرت لائحة لاهاي المتعلقة بقوانين وأعراف الحرب البرية لعام 1907 م بموجب المادة (22) ذلك المبدأ والتي نصت على أنه "ليس للمتحاربين حق مطلق في اختيار وسائل إلحاق الضرر بالعدو". وجاءت أحكام البرتوكولان الإضافيان لعام 1977 م الملحقان باتفاقيات جنيف الأربعة، لتعزيز كفالة واحترام مبدأ التناسب في العمليات العسكرية منعا لمعاناة المدنيين التي لا ضرورة لها.


فأكد البرتوكول الإضافي الأول لعام 1977 م والخاص بالمنازعات المسلحة الدولية، في الفقرة الخامسة من المادة (51) على أنه "تعتبر الأنواع التالية، من بين هجمات أخرى، بمثابة هجمات عشوائية:


أ-الهجوم قصفاً بالقنابل، أياً كانت الطرق والوسائل، الذي يعالج عددا من الأهداف العسكرية الواضحة التباعد والتميز بعضها عن البعض الآخر والواقعة في مدينة أو بلدة أو قرية أو منطقة أخرى تضم تركزا من المدنيين أو الأعيان المدنية على أنها هدف عسكري واضح.


ب-والهجوم الذي يمكن أن يتوقع منه، أن يسبب خسارة في أرواح المدنيين أو إصابة بهم أو أضرارا بالأعيان المدنية، أو أن يحدث خلطاً من تلك الخسائر والأضرار، يفرط في تجاوز ما ينتظر أن يسفر عنه ذلك الهجوم من ميزة عسكرية ملموسة ومباشرة".


حيث تؤكد تلك المادة على حظر توجيه الهجمات العشوائية التي لا تميز بين المقاتلين والمدنيين، لتؤكد على تعزيز وكفالة احترام مبدأ التناسب في جميع العمليات العسكرية منعا لمعاناة المدنيين التي لا ضرورة لها ([53]).


وتأكيدا على نفس المبدأ، تقر قواعد القانون الدولي الإنساني العرفي على أنه "يحظر الهجوم الذي قد يتوقع منه أن يسبب بصورة عارضة خسائر في أرواح المدنيين أو إصابات بينهم، أو أضرارا بالأعيان المدنية، أو مجموعة "من تلك الخسائر أو الأضرار ويكون مفرطاً في تجاوز ما ينتظر أن يسفر عنه من ميزة عسكرية ملموسة ومباشرة" ([54]).


كما أقر إعلان سان بيترسبورغ لعام 1868 م، الخاص بحظر استعمال بعض القذائف في وقت الحرب قاعدة مفادها أن "الهدف المشروع الوحيد الذي يجب أن تسعى إليه الدول أثناء الحرب هو إضعاف قوات العدو العسكرية. "وقد تتجاوز الدولة المعتدية فلك المبدأ إذا استخدمت أسلحة تزيد بدون مبرر من آلام الأشخاص الذين أصبحوا عاجزين عن القتال أو تجعل موتهم محتوما، وفي ذلك الاستخدام مخالفة للإعلان المذكور، ولنصوص اتفاقية لاهاي التي أكدت على أنه "من المحظورات استخدام الأسلحة والقذائف والمواد التي من شأنها إحداث آلام مفرطة".


وأكد على ذلك البروتوكول الإضافي الأول لسنة 1977 م في المادة (35) بالنص على "إن حق أطراف أي نزاع مسلح في اختيار وسائل القتال ليس حقا لا تقيده قيود. يحظر استخدام الأسلحة والقذائف والمواد ووسائل القتال التي من شأنها إحداث إصابات أو آلام لا مبرر لها. يحظر استخدام وسائل أو أساليب للقتال، يقصد بها أو قد يتوقع منها أن تلحق بالبيئة الطبيعية أضرارا بالغة واسعة الانتشار وطويلة الأمد".


أما المادة (36) فنصت على أن "يلتزم أي طرف سامي متعاقد، عند دراسة أو تطوير أو اقتناء سلاح جديد أو أداة للحرب أو إتباع أسلوب للحرب، بأن يتحقق مما إذا كان ذلك محظورا في جميع الأحوال أو في بعضها بمقتضي ذلك اللحق "البروتوكول" أو أية قاعدة أخرى من قواعد القانون الدولي التي يلتزم بها ذلك الطرف السامي المتعاقد.



المطلب الرابع


مبدأ التمييز في الشريعة الإسلامية والقانون الدولي الإنساني


يعتبر مبدأ التمييز حجر الأساس الذي تقوم عليه أنسنه الحرب، ويتطلب ذلك المبدأ من أطراف النزاع المسلح ضرورة التمييز بين السكان المدنيين والمقاتلين وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية، وسوف نقسم ذلك المطلب إلى الفرعين الآتيين:


الفرع الأول: التمييز بين المحاربين والأشخاص المدنيين في الشريعة الإسلامية.


الفرع الثاني: التمييز بين المحاربين والأشخاص المدنيين في القانون الدولي الإنساني.


الفرع الأول


التمييز بين المحاربين والأشخاص المدنيين في الشريعة الإسلامية


اتسمت الحروب، والصراعات في العصور القديمة بالوحشية والمغالاة في سفك الدماء فلم ينج من ويلاتها شيخ فالق، أو امرأة حامل أو طفل رضيع ([55]).


إذا كانت الحروب في تلك المجتمعات الأولى، انتصارا داميا للأقوى بسبب ما كان يعقب تلك المعارك من مذابح عندما يقع أفراد الشعب المهزوم بمن فيهم النساء، والشيوخ، والأطفال تحت رحمة الغزاة الذين يريقون دماءهم، أو يحيلونهم إلى أرقاء ([56])، فكان الغالب يمعن في التشفي والانتقام، وإذلال خصمه، مستبيحا لنفسه كل ما تقتضيه ضرورات الحرب نفسها، ولو كان فيه انتهاك لأبسط مبادئ الإنسانية ([57])، حتى ظهور الإسلام بمبادئه الإنسانية السمحة، والتي هذبت قواعد الحروب، وأرست مبادئ نبيلة ليس للبشرية بها عهد.


فالشريعة الإسلامية لا تجيز توجيه الأعمال العسكرية إلا للأشخاص القادرين على القتال الذين تم تخصيصهم، وتكريسهم له سواء باشروا القتال بالفعل، أو لم يباشروه.


وإذا دققنا النظر فيما أرساه الرسول صلي الله عليه وسلم من قواعد قانونية في مجال أنسنة الحرب وجعلها بمثابة ضرورة تقدر بقدرها، فإننا سنجد أن قواعد التمييز بين المقاتلين وغير المقاتلين، ظهر تأصيلها التطبيقي على يده صلي الله عليه وسلم وعلى يد الخلفاء الراشدين ([58]) فعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم قال "انطلقوا باسم الله وبالله، وعلى ملة رسول الله، ولا تقتلوا شيخا فانيا، ولا طفلا صغيرا، ولا امرأة، ولا تغلوا، وضموا غنائمكم، وأصلحوا، وأحسنوا إن الله يحب المحسنين" ([59]) رواه أبو داود سنن صالح وعن عمر رضي الله عنه قال وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي النبي صلي الله عليه وسلم فنهى عن قتل النساء والصبيان" رواه الجماعة إلا النسائي ([60]) وعن بن عباس رضي الله عنهما، قال كان رسول الله صلي الله عليه وسلم إذا بعث جيوشه قال: أخرجوا باسم الله تعالى، تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله، ولا تغدروا ولا تغلوا، ولا تمثلوا ولا تقتلوا الولدان، ولا أصحاب الصوامع ([61]). وفي حديث آخر قال لخالد بن الوليد (لا تقتل ذرية، ولا عسيفا) ([62]).


فقد روى مالك عن أبى بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال في وصيته للجيش المسافر إلى الشام بقيادة يزيد بن أبى سفيان "إنك ستجد قوما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم في الصوامع فدعهم وما زعموا، وستجد قوما قد فحصوا أوساط رؤوسهم من الشعر، وتركوا منها أمثال العصائب، فاضربوا ما فحصوا بالسيف، وأني موصيك بعشر، لا تقتلن امرأة، ولا صبيا، ولا كبيرا هرما، ولا تقطعن شجرا مثمرا، ولا نخلا، ولا تحرقها، ولا تخربن عامرا، ولا تعقرن شاة، ولا بقرة إلا لمأكله، ولا تجبن، ولا تغل" ([63]).


وفي كتاب لعمر بن الخطاب لقيادة جيوشه "لا تغلوا، ولا تغدروا ولا تقتلوا وليدا، وقال ولا تقتلوا هرما، ولا امرأة، ولا وليا، وتوقوا قتالهم إذا التقى الزحفان، وعند شن الغارات" ([64]) كما قال على بن أبي طالب كرم الله وجهه لجنوده في حربه مع معاوية حيث أمرهم بالآتي (إذا هزمتموهم فلا تقتلوا مدبرا، ولا تجهزوا على جريح، ولا تكشفوا عورة، ولا تمثلوا بقتيل، ولا تهتكوا ستراً، ولا تدخلوا دارا إلا بإذن، ولا تأخذوا من أموالهم شيئا، ولا تعذبوا النساء بأذى، وإن شتمنكم وشتمن أمراءكم، واذكروا الله لعلكم تعملون) ([65]).



الفرع الثاني


التمييز بين المحاربين والأشخاص المدنيين في القانون الدولي الإنساني


مبدأ التمييز الذي يشكل تعبيرا عن مبدأ الحاجة العسكرية، يستوجب التمييز خلال القتال بين مقاتلين وأهداف عسكرية وبين مدنيين وأهداف مدنية. ذلك المبدأ يجد أساسه في نص المادة (48) من البروتوكول الأول على أن "تعمل أطراف النزاع على التمييز بين السكان المدنيين والمقاتلين، وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية، ومن ثم توجه عملياتها ضد الأهداف العسكرية دون غيرها وذلك من أجل ذلك المبدأ المنبثق عن العرف الدولي الذي هو أساس تأمين احترام وحماية السكان المدنيين والأعيان المدنية" ([66]) يحظر توجيه الهجمات ضد مدنيين وأهداف مدنية ([67]).


وبموجبها طالما أن المدنيين ليسوا مقاتلين فهم محميون من كل هجوم ([68]). أي إن الهجمات التي لا تميز بين مقاتلين ومدنيين، وبين أهداف عسكرية وأهداف مدنية، محظورة ([69]).


كما ورد ذلك المبدأ لأول مرة في إعلان سان بطرسبرغ، الذي نص على إن الهدف المشروع الوحيد الذي يجب على الدول أن تسعى إلى تحقيقه أثناء الحرب، هو إضعاف القوات العسكرية ([70])، وورد أيضاً بشكل ضمني في لائحة لاهاي لعام 1907 م ([71]).


وقد عرفت المادة (50) الفقرة (9) من البرتوكول الإضافي الأول لاتفاقية جنيف لعام 1977 م، المدنيين بأنهم الأشخاص الذين لا ينتمون إلى القوات المسلحة على المعنى المبين في المادة (4) الفقرة  اتفاقية جنيف الثالثة، والمادة (43) من البرتوكول الإضافي الأول الملحق بها.


وقد أكد النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لعام 1998 م، على وجوب التمييز بين المدنيين والمقاتلين ([72]).


ويقتضي مبدأ التمييز بين المقاتلين وغير المقاتلين من جهة، والأهداف العسكرية والأعيان المدنية من جهة أخرى، وأن لا تستهدف العمليات الحربية المدنيين وأولئك الأشخاص الذين أصبحوا غير قادرين على القتال -أي الجرحى والمرضى والغرقى وأسرى الحرب -أو أفراد الخدمات الطبية والدينية سواء كانوا مدنيين أم عسكريين، وأفراد الدفاع المدني وأفراد منظمات الإغاثة الإنسانية الدوليين والمحليين المرخص لهم بأعمال الإغاثة.


وفي ما يتعلق بالأعيان يوجب القانون الدولي الإنساني على الأطراف المتحاربة الامتناع عن استهداف كل مبني لا يشكل هدفا عسكريا، وخص بالذكر السدود والمحطات النووية لتوليد الطاقة الكهربائية، والممتلكات التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين على قيد الحياة، وتوفير الحماية للمناطق الآمنة والمحايدة ومنزوعة السلاح، والمحلات غير المحمية عسكريا والأعيان الثقافية.


ومعيار التمييز بين المقاتلين والمدنيين في النزاعات المسلحة، يتحدد من خلال المشاركة بصورة مباشرة في العمليات العدائية، فالمقاتلون هم فقط الأشخاص الذين يكون لهم دور مباشر في العمليات القتالية، ومن ثم يفقد المدنيون صفتهم تلك ويصبحون مقاتلين أم محاربين عندما يقومون بدور مباشر في العمليات القتالية، ويفقدون الحماية الدولية الممنوحة لهم، وذلك أستناد إلى المادة الثالثة المشتركة لاتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 م، والبروتوكول الإضافي الثاني لعام 1977 م المادة (13/3)، إذ يعدان الأشخاص الذين لا يشاركون مباشرة في الأعمال العدائية، من طائفة المدنيين الذين يجب أن يتمتعوا بالحماية العامة من خطر الأعمال العدائية ([73]).


والحماية التي يكفلها القانون الدولي الإنساني للأشخاص والممتلكات تظل قائمة ما لم يشارك الشخص المحمي في العمليات الحربية وما لم تستخدم الممتلكات المحمية لأغراض حربية، ومن ثم يفقد المدنيون صفتهم تلك ويصبحون مقاتلين أو محاربين عندما يقومون بدور مباشر في العمليات القتالية، ويفقدون الحماية الدولية الممنوحة لهم، وذلك أستناد إلى المادة الثالثة المشتركة لاتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 والبروتوكول الإضافي الثاني لعام 1977 المادة (13/3)، إذ يعدان الأشخاص الذين لا يشاركون مباشرة في الأعمال العدائية، من طائفة المدنيين الذين يجب أن يتمتعوا بالحماية العامة من خطر الأعمال العدائية ([74]).


ويعطي القانون الدولي الإنساني الأولوية لمنح الصفة المدنية للأشخاص والأعيان المدنية، في حال ثار الشك حول حقيقة صفتها "مدنية أم عسكرية". وفي حال وجود ذلك الشك يجب التصرف على اعتبار أن الهدف المشكوك في هويته هو هدف مدني لا يجوز استهدافه. كما ويمنع القانون الدولي الإنساني القيام بهجمات عشوائية ويلزم أطراف النزاع باتخاذ الاحتياطات اللازمة للتثبت من طبيعة الهدف المقصود مهاجمته.


ويخلص مبدأ التمييز إلى ما يلي:


حظر تظاهر المقاتلون بمظهر المدنيين.

حظر توجيه العمليات العسكرية ضد الأهداف المدنية أو السكان المدنيين.

حظر ارتكاب أعمال الخطف الرامية أساسا إلى بث الذعر بين السكان المدنيين وتهديدهم

تحظر الهجمات العشوائية، حيث يجب أن تتخذ جميع الاحتياطات اللازمة عند مهاجمة الأهداف العسكرية أو في اختيار مكان تلك الأهداف من أجل تقليل الخسائر والأضرار المدنية العارضة إلى الحد الأدنى، ويجب ألا تزيد الخسائر والأضرار عن المزايا العسكرية الملموسة والمنتظرة من الهجوم وذلك ما أكدت عليه المادة (57) من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 م

يحظر استخدام سلاح تجويع السكان المدنيين التابعين للخصم أو تدمير المواد الأساسية والأغذية التي لا غنى عنها لبقاء المدنيين.

لا يجوز إحداث إضرار بالغة واسعة الانتشار وطويلة الأمد للبيئة الطبيعية.

توفير الحماية الخاصة للأعيان الثقافية والأشغال الهندسية والمنشآت المحتوية على مواد خطرة، كالمنشآت النووية السلمية، ويحظر الهجوم على دور العبادة وتدمير الآثار.

حظر مهاجمة المناطق المجردة من وسائل الدفاع والمناطق المنزوعة السلاح والمناطق المأمونة والمحايدة.

على القادة عند الإعداد لهجوم اتخاذ التدابير والاحتياطات أثناء الهجوم للحفاظ على حياة المدنيين.

الخاتمة


يرتكز القانون الدولي الإنساني على مجموعة من القواعد التي تشكل في مجملها مبادئ قانونية واجبة الاحترام من قبل الأطراف المتحاربة في أي نزاع مسلح، وهي تهدف بالدرجة الأولى إلى الحد من أثار العمليات العسكرية بين الأطراف المتحاربة، وبشكل خاص تجنب تأثيراتها بشكل مباشر على الأشخاص المدنيين الذين لا يشاركون في القتال أو أصبحوا غير فادرين على المشاركة فيه وكذلك تجنب تأثيراتها على الممتلكات المدنية.


وهناك أربعة قواعد أو مبادئ أساسية يرتكز عليها القانون الدولي الإنساني، وهي مبدأ الإنسانية، مبدأ الضرورة العسكرية، مبدأ التمييز، مبدأ التناسب.


وكذلك فإن أحكام الشريعة الإسلامية قد نظمت قواعد وسلوك المتحاربين وفرضت قيود عدة عليها كما أنها قد سبقت القانون الدولي الإنساني في النص على تلك المبادئ سالفة الذكر وأوجبت احترامها.



وانتهي البحث إلى مجموعة من النتائج وعدد من التوصيات:


النتائج


الجذور الإسلامية للمبادئ الأساسية التي تحكم النزاعات المسلحة وكيف أن المسلمون قد طبقوها بصدق وأمانة في كافة نزاعاتهم المسلحة.

أهمية مبدأ التمييز بين المقاتلين وغير المقاتلين والأعيان المدنية وغيرها من الأعيان العسكرية تأكيدا على أنسنه الحرب.

التأكيد على مبدأ الإنسانية في النزاعات المسلحة وغيرها من المبادئ الحاكمة النزاعات المسلحة.

الأثر السلبي لوسائل القتال خاصة الحديثة منها على المبادئ الحاكمة للنزاعات المسلحة.

التوصيات


أولوية العمل على حظر أي وسائل للقتال يتضح بشكل قاطع أنها تشكل خطر على فئة غير المقاتلين بأثرها العشوائي وغير التمييزي من خلال إطار اتفاقي واضح.

ضرورة التحديد الدقيق لفئات المقاتلين وغير المقاتلين، وإمكانية جمع معياري عدم المشاركة المباشرة في العمليات العدائية وعدم العضوية في القوات المسلحة في سبيل تحديد فئة المدنيين لأغراض انطباق مبدأ التمييز بين المقاتلين وغير المقاتلين.

يجب على المجتمع الدولي ولاسيما الأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، ضمان توفير الحماية القانونية الممنوحة للأعيان المدنية والممتلكات الثقافية في مواجهة ممارسات سلطات دولة الاحتلال الحربي بحق الأعيان المدنية والممتلكات الثقافية.

يجب مقاضاة القادة العسكريين والمدنيين حال انتهاكهم أحكام القانون الدولي الإنساني أثناء النزاعات المسلحة، أمام المحكمة الجنائية الدولية.

 


أهم المراجع:


احمد أبو ألوفا، النظرية العامة للقانون الدولي الإنساني (في القانون الدولي والشريعة الإسلامية)، الطبعة الأولى، دار النهضة العربية، القاهرة، 2006.

احمد عبيس نعمة الفتلاوي، مشروعية استعمال بعض الأسلحة التقليدية في ضوء مبادئ القانون الدولي الإنساني، مجلة العلوم القانونية والسياسية، كلية القانون جامعة الكوفة، 2009.

إسماعيل عبد الرحمن، الأسس الأولية للقانون الدولي الإنساني، الطبعة الأولى، بحث منشور في كتاب القانون الدولي الإنساني دليل للتطبيق على الصعيد الوطني، القاهرة، 2003.

جعفر عبد السلام، القانون الدولي الإنساني في الإسلام، مجلة الشريعة والقانون، عدد 2، 1986،

جون ماري هنكرتس، ولويز دوزالد بك القانون الدولي الإنساني العرفي، المجلد الأول: القاعدة رقم 14، منشورات اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

حيدر كاظم عبد علي، آليات تنفيذ القانون الدولي الإنساني، أطروحة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة النهرين، 2009.

صلاح الدين بسيوني رسلان، الفكر السياسي عند الماوردي، مكتبة نهضة الشرق، 1985 م،.

صلاح الدين عامر، التفرقة بين المقاتلين وغير المقاتلين، دراسات في القانون الدولي الإنساني، الطبعة الأولى، دار المستقبل العربي، القاهرة، 2000،.

صلاح الدين عامر، مقدمة لدراسة قانون النزاعات المسلحة، ط 1، دار الفكر العربي، القاهرة، 1976 م،.

عامر الزمالي "مدخل إلى القانون الدولي الإنساني"، منشورات المعهد العربي لحقوق الإنسان.

عبد الكريم علوان خضر، الوسيط في القانون الدولي العام، الطبعة الأولى، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، 1997 م،.

عبد الله غوشة، الجهاد طريق النصر، بحث مقدم لمجمع البحوث الإسلامية، 1968 م،.

علي منصور "الشريعة الإسلامية والقانون الدولي العام" إصدار المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، 1965 م، لقاهرة،.

عمر على موفق، الجزاءات الانفرادية بين الدول في القانون الدولي، رسالة ماجستير، كلية القانون، جامعة بغداد، 2004،.

فريتس كالسهوفن، وإليزابيث تسغفلد، ضوابط تحكم خوض الحرب، مدخل للقانون الدولي الإنساني، منشورات اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

ليث الدين صلاح حبيب الباجلاني، الحماية الدولية لضحايا النزاعات المسلحة (من غير الأسرى) رسالة ماجستير، كلية القانون، جامعة بغداد، 2006.

محمد طلعت الغنيمي، نظرة عامة في القانون الدولي الإنساني الإسلامي، الندوة المصرية الأولى حول القانون الدولي الإنساني، القاهرة، 1982 م.

محمد نبيل سعد الشاذلي، أحكام الأسرى في الفقه الإسلامي، ط 1، دار النهضة العربية، القاهرة، 1994.

محمود شريف بسيوني، الوثائق الدولية المعنية بحقوق الإنسان، المجلد الثاني، دار الشروق، القاهرة، 2003.

ناصر الريس، دليل تدريبي حول القانون الدولي الإنساني، مؤسسة الحق الفلسطينية، طبعة .2005

[1] نيل الأوطار، ج 7، ص 301، شرح مسلم ج 12، ص 87. لمزيد من التفصيل انظر د/عبد الغني محمود القانون الدولي الإنساني دراسة مقارنة بالشريعة الإسلامية الطبعة الأولى سنة 1991 م الناشر دار النهضة العربية، ص 98.


[2] تفسير بن كثير، ج 4 ص 454، 455 أحكام القرآن لابن العربي، تحقيق على محمد البخاري ج 4، دار المعرفة، بيروت، ص 1898


[3] سورة الأنسان أية 8.


[4] انظر د/ محمد نبيل سعد الشاذلي، أحكام الأسرى في الفقه الإسلامي، ط 1 1994، دار النهضة العربية، القاهرة ص 21.


[5] انظر، زيد الزيد، مقدمة في القانون الدولي الإنساني في الإسلام. (ص 38)،


[6] فتح الباري للعسقلاني، ج 6، ص 108 وما بعدها، العيني شرح صحيح البخاري ج 15 ص 257. لمزيد من التفصيل انظر د/ عبد اللطيف عامر" أحكام الأسرى والسبايا في الحروب الإسلامية" رسالة دكتوراه، الناشر دار الكتاب المصري اللبناني، القاهرة، 1986 م، ط أولى، ص 148.


[7] قال الشافعي: إذا ملك الرجل جارية وهي في أول حيضتها أو وسطها أو أخرها لم تكن هذه الحيضة استبراء، وعليه أن يستبرئها بحيضة أمامها طهر، ويجزيها حيضة واحدة وإذا ارتابت المستبرأة لم توطأ حتى تذهب الريبة (الأم خ 4 ص 187).


[8] انظر د/عبد الغني محمود "القانون الدولي الإنساني دراسة مقارنة بالشريعة الإسلامية" مرجع سابق ص 101.


[9] نيل الأوطار للشوكاني، ج 8 ص 3-4.


[10] تاريخ الطبري: 2/187-188


[11] أنظر أبو عبيد القاسم بن سلام: كتاب الأموال، تحقيق وتعليق محمد خليل هراس، مكتبة الكليات الأزهرية، الأزهر، 1969، ص 59.


[12] ابن كثير: تفسير القران العظيم، 4/ 68.


[13] انظر: حقوق الإنسان في الإسلام. عبد اللطيف الحاتمي (ص 24 فما بعدها).


[14] سورة البقرة: من الآية 256.


[15] د. إسماعيل عبد الرحمن، الأسس الأولية للقانون الدولي الإنساني، الطبعة الأولى، بحث منشور في كتاب القانون الدولي الإنساني دليل للتطبيق على الصعيد الوطني، القاهرة، 2003، ص 33، وأنظر أيضا د. عبد الكريم علوان خضر، الوسيط في القانون الدولي العام، الطبعة الأولى، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، 1997 م، ص 252.


[16] انظر، د. عامر الزمالي، مقال بعنوان الإسلام والقانون الدولي الإنساني، من منشورات اللجنة الدولية للصليب الأحمر.


http:// www.icrc.org/ web/ara/siteara0.nsf/html/5zyG8Q


[17] انظر، د. محمد فهد الشلادة، القانون الدولي الإنساني، مبدأ الإنسانية، طبعة 2005


[18] انظر: العلاقات الدولية في الإسلام، محمد أبو زهرة، ص 19-48، دار الفكر العربي، القاهرة، أثار الحرب في الفقه الإسلامي، وهبة الزحيلي، ص 141. 147 الفكر، دمشق، ط/ 4، 1992 م.


[19] الإسراء: 70


[20] الأم، 7/322


[21] سنن الترمذي 4/323، برقم (1922)، وقال: نلك حديث حسن صحيح.


[22] سنن الترمذي، 4/323، برقم (1923).


[23] سنن الترمذي، 4/323، برقم (1923).


[24] المعجم الصغير، الطبراني (سليمان بن أحمد بن أيوب أبو القاسم) 1/143، برقم (217)، نشر المكتب الإسلامي، بيروت، عمان، 1985 م، ط/1، تحقيق: محمد شكور محمود الحاج أمرير.


نوادر الأصول في أحاديث الرسول، محمد بن علي بن الحسن أبو عبد الله الحكيم الترمذي، 3/152 نشر دار الجيل، بيروت، 1992 م، ط/1، تحقيق: د. عبد الرحمن عميرة.


[25] أثار الحرب في الفقه الإسلامي، وهبة الزحيلي، مرجع سابق، ص 144.


[26] لم أجده بذلك اللفظ في شيء من كتب السنة. واللفظ الموجود [أحب للناس ما تحب لنفسك). انظر: مجمع الزوائد، الهيثمي 186/8. مسند أحمد 4/70. المعجم الكبير، الطبراني 22/3/238، برقم (625). شعب الإيمان، البيهقي (أحمد بن الحسين أبو بكر) 7/501، برقم (11129) نشر دار الكتب العلمية، بيروت، 1410، ط/1، تحقيق: محمد السعيد بسيوني زغلول.


[27] آثار الحرب في الفقه الإسلامي، وهبة الزحيلي، مرجع سابق، ص 146.


[28] انظر: نبذة عن القانون الدولي الإنساني الإسلامي (بحث غير منشور)، حنفي (د. إسماعيل محمد حنفي الحاج)، قدم في معهد التدريب والإصلاح القانوني في دورة تدريبية، السودان، 2003 م. كما قدم في مؤتمر القانون الدولي الإنساني الواقع والأبعاد والرؤى، كلية الحقوق، جامعة جرش الأهلية، الأردن، في الفترة من 11. 13/5/2004 م.


[29] انظر: سنن أبي داود 2/50. سنن البيهقي 9/82. المستدرك، الحاكم 2/122. المجموع، النووي 18/83. فتح الباري 6/148. نيل الأوطار، الشوكاني 7/247. مراتب الإجماع، ابن حزم، ص 119. بداية المجتهد، ابن رشد 1/371. المغني، ابن قدامة 9/278، 300، 303. شرح صحيح مسلم، النووي 7/297، 310. نيل الأوطار، الشوكاني 7/247


[30] انظر: بداية المجتهد، ابن رشد 1/371، 372. مراتب الإجماع، ص 119. المحلى، ابن حزم، ص 928. المغني، ابن قدامة 9/277، 280.


[31] صحيح البخاري، باب علامة النفاق 1/21، برقم (33). صحيح مسلم، باب بيان خصال المنافق 1/78، برقم (58).


[32] صحيح مسلم 3/1357. مسند أحمد 1/93. سنن الترمذي 3/85.


[33] فتوح الشام، الأزدي، ص 12.


[34] تاريخ اليعقوبي 2/189.


[35] مسند أحمد 93/1. صحيح مسلم 1357/3. سنن الترمذي 85/3.


[36] فتوح الشام، الأزدي، ص 12، القاهرة، 1970 م.


[37] مروج الذهب ومعادن الجوهر، علي بن الحسين المسعودي 2/362 دار الأندلس، بيروت، 1965 م.


[38] انظر: مسند أحمد 5/411، برقم (23536). السنن الكبرى، البيهقي 10/234. مسند أبي داود 4/274، برقم (4895). صحيح مسلم بشرح النووي 16/138. تفسير الطبري 4/23. تفسير ابن كثير 1/390.


[39] سورة الحجرات، الآية (13).


[40] راجع، ناصر الريس، دليل تدريبي حول القانون الدولي الإنساني، مؤسسة الحق الفلسطينية، طبعة 2005.


[41] راجع، د. إسماعيل عبد الرحمن، المصدر السابق، ص 31.


[42] راجع، فريتس كالسهوفن، وإليزابيث تسغفلد، ضوابط تحكم خوض الحرب، مدخل للقانون الدولي الإنساني، منشورات اللجنة الدولية للصليب الأحمر.


[43] راجع، ناصر الريس، دليل تدريبي حول القانون الدولي الإنساني، مؤسسة الحق الفلسطينية، طبعة 2005.


ولمزيد من التفصيل راجع:


ليث الدين صلاح حبيب الباجلاني، الحماية الدولية لضحايا النزاعات المسلحة (من غير الأسرى) رسالة ماجستير، كلية القانون، جامعة بغداد، 2006، ص 57.


أحمد عبيس نعمة الفتلاوي، مشروعية استعمال بعض الأسلحة التقليدية في ضوء مبادئ القانون الدولي الإنساني، مجلة العلوم القانونية والسياسية، كلية القانون جامعة الكوفة، 2009، ص 7.


حيدر كاظم عبد علي، آليات تنفيذ القانون الدولي الإنساني، أطروحة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة النهرين، 2009، ص 81.


[44] راجع د. عامر الزمالي: "مدخل إلى القانون الدولي الإنساني"، منشورات المعهد العربي لحقوق الإنسان، ص 10.


[45] سورة الأنعام -الآية 151.


[46] سورة الإسراء – الآية 70.


[47] الإمام فخر الدين الرازي – "مفاتيح الغيب".


[48] راجع د. إحسان هندي، "الإسلام والقانون الدولي" ص 138-139.


[49] سورة الأنفال - الآية 58.


[50] المقدم محمد فرج (الإسلام والحرب في الإسلام )، القاهرة 1990.


[51] سورة التوبة -الآية 6.


[52] لمزيد من التفصيل:


راجع، د. أحمد أبو ألوفا، النظرية العامة للقانون الدولي الإنساني (في القانون الدولي والشريعة الإسلامية)، الطبعة الأولى، دار النهضة العربية، القاهرة، 2006، ص 82، وراجع، أيضا عمر علي موفق، الجزاءات الانفرادية بين الدول في القانون الدولي، رسالة ماجستير، كلية القانون، جامعة بغداد، 2004، ص 74.


[53] وتأكيدا لذلك تنص المادة (52) من البروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جنيف لعام 1979 على أنه" 1. لا تكون الأعيان المدنية محلا للهجوم أو لهجمات الردع. 14 والأعيان المدنية هي كافة الأعيان التي ليست أهدافا عسكرية وفقا لما حددته الفقرة الثانية.


[54] جون ماري هنكرتس، ولويز دوزالد بك القانون الدولي الإنساني العرفي، المجلد الأول: القاعدة رقم 14، منشورات اللجنة الدولية للصليب الأحمر.


[55] انظر، د/ صلاح الدين عامر، مقدمة لدراسة قانون النزاعات المسلحة، ط 1، دار الفكر العربي، القاهرة، 1976 م، ص 5.


Jean Jacques Rousseau, du contrat Social, précédé du discours sur les sciences et las arts présentation par rogergérard Schwartzenberg, éditions Seghers, paris 1971, Livre I.ch .IV, pp. 111 -112


A.Zammal: Combattants et Prisonnier de Guerre en Droit Islamique et en Droit International Humanitaire,(Thèse)Edition A.DEDONE31rue Souffdot 75005 paris 1997.


[56] انظر د/ صلاح الدين عامر "مقدمة لدراسة فانون النزاعات المسلحة " المرجع السابق ص 12.


[57] انظر المستشار /علي منصور "الشريعة الإسلامية والقانون الدولي العام" إصدار المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، 1965 م، القاهرة، ص 291.


[58] انظر د/ صلاح الدين عامر "مقدمة لدراسة فانون النزاعات المسلحة" المرجع السابق ص 19 وما بعدها. انظر وصية أبي بكر الصديق لجنود الإسلام عند فتح بلاد الشام (12 هجرية) قال: "يا أيها الناس، قفوا أوصيكم بعشر فأحفظوها عني: لا تخونوا ولا تغلوا، ولا تغدروا ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلا صغيرا، ولا شيخا كبيرا ولا امرأة، ولا تعقروا نخلا ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرا إلا لمأكلة، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع؛ فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له، وسوف تقدمون على قوم يأتونكم بآنية فيها ألوان الطعام، فإن أكلتم منها شيئا بعد شيء فاذكروا اسم الله عليها. وتلقون أقواما قد فحصوا أوساط رؤوسهم وتركوا حولها مثل العصائب، فاخفقوهم بالسيف خفقا. اندفعوا باسم الله". د/ محمود شريف بسيوني، الوثائق الدولية المعنية بحقوق الإنسان، المجلد الثاني، دار الشروق، القاهرة، 2003. وقد نشرت هذه الوثيقة بتصريح من المعهد الدولي لحقوق الإنسان بجامعة دي بول شيكاغو.


[59] انظر أ. عبد الله غوشة، الجهاد طر! النصر، بحث مقدم لمجمع البحوث الإسلامية، 1968 م، ص 83.


د/صلاح الدين بسيوني رسلان، الفكر السياسي عند الماوردي، مكتبة نهضة الشرق، 1985 م، ص 243.


محمد على الصابوني، روائع البيان، تفسير آيات الأحكام، الجز الثاني، دار الصابوني، 1986 م، ص 460


رودلف بيترز، الإسلام والاستعمار، 1985 م، دار شهدي للنشر، القاهرة ص 34.


[60] انظر. سنن أبي داود، الجز الثالث، باب قتل النساء، طبعة دار الحديث، القاهرة 1988 م.


[61] انظر، د/جعفر عبد السلام، القانون الدولي الإنساني في الإسلام، مجلة الشريعة والقانون، عدد 2، 1986 ص 191


[62] العسيف هو العامل المنصرف للزراعة، أو المنصرف لأي عمل أخر. راجع فضيلة الشيخ محمد أبو زهرة"


نظرية الحرب في الإسلام "المجلة المصرية للقانون الدولي، عدد 14، 1958 م، ص 22 وما بعدها.


[63] د/صلاح الدين بسيوني رسلان، الفكر السياسي عند الماوردي، المرجع السابق، ص 343.


[64] انظر أ. عبد الله غوشة، الجهاد طريق النصر، المرجع السابق، ص 86.


[65] انظر د/ محمد طلعت الغنيمي، نظرة عامة في القانون الدولي الإنساني الإسلامي، الندوة المصرية الأولى حول القانون الدولي الإنساني، القاهرة، 1982 م، ص 27.


[66] أنظر أحكام البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 الملحق باتفاقيات جنيف الأربعة، على الرابط التالي


http://www.icrc.org/Web/ara/siteara0.nsf/html/5NTCCF


[67] Jean-Marie Henckaerts; Louise Doswald-Beck, Customary International Humanitarian Law, Vol 1: Rules


القاعدة 1، ص 3، والقاعدة 7، ص 25، ينظر البند 4. 8 و52 (2) من البروتوكول الإضافي الأول لمعاهدة جنيف.


[68] القاعدة 6، ص 19.


[69] القاعدتان 11 و12، البند 51 (4) من البروتوكول الأول.


[70] ورد ذلك النص في ديباجة إعلان سان بطرسبورج لعام 1868.

[71] راجع، د. صلاح الدين عامر، التفرقة بين المقاتلين وغير المقاتلين، دراسات في القانون الدولي الإنساني، الطبعة الأولى، دار المستقبل العربي، القاهرة، 2000، ص 99-100.

وعلى الرغم من أهمية ذلك المبدأ إلا أنه لم يقنن بشكل صريح في الاتفاقيات الدولية كاتفاقيات جنيف مثلا ولكنه ورد بشكل مقنن وصريح في البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 وتحديدا في المواد (48 و51/2) وقد وضعت المادة (48) القاعدة الأساسية لمبدأ التمييز بين المقاتلين والمدنيين.

[72] راجع، المادة (2/8) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية التي أشارت إلى "أن تعمد توجيه هجمات ضد السكان المدنيين بصفتهم تلك أو ضد أفراد مدنيين لا يشاركون مباشرة في الأعمال الحربية يشكل جريمة حرب في النزاعات المسلحة غير الدولية" ينظر جون ماري هنكرتس ولويز دوزوالد بك، القانون الدولي الإنساني العرفي، اللجنة الدولية للصليب الأحمر، المجلد الأول، القاهرة، 2007، ص 5.

كما صدرت قرارات عديدة من مجلس الأمن الدولي طالبت بضرورة التميز بين المقاتلين والمدنيين أثناء النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية، فقد أدان مجلس الأمن الدولي الهجمات ضد السكان المدنيين في النزاعات الداخلية التي وقعت في أفغانستان وبورندي وأنغولا ورواندا ويوغسلافيا السابقة وغيرها من الدول الأخرى كما أعاد تأكيد إدانته الشديدة للهجمات المتعمدة على المدنيين في جميع حالات النزاعات المسلحة في القرار رقم (1296) لعام 2000 بشان حماية المدنيين في النزاعات المسلحة وغيرها من القرارات الأخرى التي لا يسع المجال لذكرها جميعا، كما أشارت الجميعية العامة لكمم المتحدة في القرار رقم (2444) في عام 1968 بشان احترام حقوق الإنسان في النزاعات المسلحة إلى انطباق مبدأ التمييز في جميع النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية.

[73] المجلة الدولية للصليب الأحمر، القانون الدولي الإنساني وتحديات النزاعات المسلحة المعاصرة، مختارات من أعداد 2004، ص 180.

[74] المجلة الدولية للصليب الأحمر، القانون الدولي الإنساني وتحديات النزاعات المسلحة المعاصرة، مختارات من أعداد 2004، ص 180.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق