الصفحات

البحث الذكي داخل المدونة

تحميل وطباعة هذه الصفحة

Print Friendly and PDF

الجمعة، 21 أغسطس 2026

الدعوى رقم 111 لسنة 39 ق دستورية عليا "دستورية" جلسة 1 / 8 / 2026

المنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ : ⁦۲۰۲٦/۰۸/۰۲⁩

باسم الشعب

المحكمة الدستورية العليا

بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت الأول مــــن أغسطس سنة ٢٠٢٦م، الموافق الثامن عشر من صفر سنة ١٤٤٨هـ.

برئاسة السيد المستشار/ بولس فهمي إسكندر رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين: الدكتور عادل عمر شريف ومحمود محمد غنيم والدكتور محمد عماد النجار والدكتور طارق عبد الجواد شبل وطارق عبد العليم أبو العطا وخالد أحمد رأفت دسوقي الدكتور نواب رئيس المحكمة

وحضور السيد المستشار الدكتور/ عماد طارق البشري رئيس هيئة المفوضين

وحضور السيد/ عبد الرحمن حمدي محمود أمين السر

أصدرت الحكم الآتي

في الدعوى المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم ١١١ لسنة ٣٩ قضائية "دستورية"، بعد أن أحالت محكمة جنايات دمنهور، بحكمها الصادر بجلسة ١٣/٥/٢٠١٧، ملف الدعوى رقم ٨٣٩٠ لسنة ٢٠١٦ جنايات قسم دمنهور، المقيدة برقم ١٢٧٧ لسنة ٢٠١٦ كلي وسط دمنهور

المقامة من

النيابة العامة

ضد

أشرف محمد محمود أحمد البهنسي

--------------

الإجراءات

بتاريخ الرابع والعشرين من شهر يونيو سنة ٢٠١٧، ورد إلى قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا ملف الدعوى رقم ٨٣٩٠ لسنة ٢٠١٦ جنايات قسم دمنهور، المقيدة برقم ١٢٧٧ لسنة ٢٠١٦ كلي وسط دمنهور، نفاذًا لحكم محكمة جنايات دمنهور الصادر بجلسة ١٣/٥/٢٠١٧، بوقف الدعوى، وإحالتها إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في دستورية نص المادتين (٣٨٤ و٣٩٥/١، ٢) من قانون الإجراءات الجنائية، المستبدل بهما المادة الأولى من القانون رقم ١١ لسنة ٢٠١٧.

وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، طلبت فيها الحكم، أصليًّا: بعدم قبول الدعوى، واحتياطيًّا: برفضها.

وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرًا برأيها.

ونظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وفيها قررت المحكمة إصدار الحكم بجلسة اليوم.

----------------

المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.

حيث إن الوقائع تتحصل -على ما يتبين من حكم الإحالة وسائر الأوراق- في أن النيابة العامة قدمت المتهم .... إلى المحاكمة الجنائية، أمام محكمة جنايات دمنهور، في الدعوى رقم ٨٣٩٠ لسنة ٢٠١٦ قسم دمنهور، المقيدة برقم ١٢٧٧ لسنة ٢٠١٦ كلي وسط دمنهور، متهمة إياه بأنه في يوم ٢٥/٥/٢٠١٦، بدائرة قسم دمنهور- محافظة البحيرة: ١- أحرز بقصد الاتجار عقار (الترامادول) المخدر في غير الأحوال المصرح بها قانونًا. ٢- أحرز بقصد الاتجار مادة خاضعة لقيود المواد المخدرة (كلونازبيام) في غير الأحوال المصرح بها قانونًا. ٣- أحرز بغير ترخيص سلاحًا أبيض (مقصًّا) دون مسوغ قانوني. وطلبت عقابه بالمنطبق من مواد القانون رقم ١٨٢ لسنة ١٩٦٠ في شأن مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها، المعدل، وبالقانون رقم ٣٩٤ لسنة ١٩٥٤ في شأن الأسلحة والذخائر المعدل، وقرارات وزير الصحة والسكان ووزير الداخلية ذات الصلة. وتحدد لنظر الدعوى أمام تلك المحكمة جلسة ٢٢/٣/٢٠١٧. وإذ لم يحضر المتهم، فقضت المحكمة غيابيًّا بمعاقبته بالسجن المشدد لمدة عشر سنوات. وفي تاريخ ٢٣/٣/٢٠١٧، طلب المحكوم عليه إعادة المحاكمة، فتحدد لذلك جلسة ١٣/٥/٢٠١٧، فلم يحضر بشخصه الجلسة المحددة لنظر الدعوى، وحضر وكيل عنه بتوكيل خاص. وإذ تراءى لمحكمة الموضوع عدم دستورية نص المادتين (٣٨٤ و٣٩٥/١، ٢) من قانون الإجراءات الجنائية، بعد أن استبدل بهما نص المادة الأولى من القانون رقم ١١ لسنة ٢٠١٧؛ فقررت وقف الدعوى، وإحالة الأوراق إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في دستوريتهما.

وينعى حكم الإحالة على النصين المحالين، فيما تضمناه من إجازة تخلف المتهم أو المحكوم عليه غيابيًّا عن حضور الجلسة المحددة لنظر الدعوى وحضور وكيل عنه بتوكيل خاص ويكون الحكم الصادر في الدعوى حضوريًّا، مخالفة ذلك لأصل من أصول المحاكمة الجنائية، باعتبار أن تخلف المتهم أو المحكوم عليه غيابيًّا يحول دون مباشرة إجراءات المحاكمة أمام محاكم الجنايات المنصوص عليها في المواد (٢٧١ و٢٧٤ و٣٨١) في مواجهته، وعلى الأخص الإجراءات المتعلقة باستجواب المتهم ومواجهته بالأدلة القائمة ضده، وهي إجراءات لا يمكن مباشرتها إلا في حضور المتهم بشخصه، ولا يغني عن ذلك سلطة المحكمة الجنائية في استدعاء المتهم، والأمر بضبطه وإحضاره؛ لما لذلك من أثر في إبطاء وتعطيل إجراءات المحاكمة، فضلًا عن أن النصين المحالين لا يحققان الردع العام والخاص، الذي لا يتأتى إلا بحضور المتهم بشخصه أمام محكمة الجنايات، كما ينالان من قواعد تنفيذ الأحكام في الجنايات بمجرد صدورها، مما يخل بمبدأ المساواة في الحقوق الإجرائية للمتهم المقدم إلى محكمة الجنايات بين من حضر بشخصه إجراءات المحاكمة ومن حضر بوكيل عنه بمقتضى وكالة خاصة، كما يفضي النصان إلى تفاوت في المراكز القانونية بين المتهم والمحكوم عليه غيابيًّا في جناية الذي يكون له إنابة وكيل خاص يباشر في غيبته إجراءات المحاكمة، في حين أن المتهم في جنحة واستئنافها يجب عليه في بعض نماذجها، وبالنظر إلى العقوبة المقررة لها، أن يحضر بشخصه، وإلا اعتبر الحكم الصادر في الدعوى غيابيًّا.

وحيث إن المادة (٣٨٤) من قانون الإجراءات الجنائية، المستبدل بها المادة الأولى من القانون رقم ١١ لسنة ٢٠١٧- قبل تعديلها بالقانون رقم ١ لسنة ٢٠٢٤- تنص على أنه "إذا صدر أمر بإحالة متهم بجناية إلى محكمة الجنايات ولم يحضر هو أو وكيله الخاص يوم الجلسة بعد إعلانه قانونًا بأمر الإحالة وورقة التكليف بالحضور، يكون للمحكمة أن تحكم في غيبته، ويجوز لها أن تؤجل الدعوى وتأمر بإعادة تكليفه بالحضور.

ومع عدم الإخلال بسلطة المحكمة المنصوص عليها بالمادة (٣٨٠) من هذا القانون، يكون الحكم حضوريًّا إذا مثل المتهم أو وكيله الخاص بالجلسة".

وتنص الفقرتان الأولى والثانية من المادة (٣٩٥) من القانون ذاته، المستبدل بهما المادة الأولى من القانون رقم ١١ لسنة ٢٠١٧، على أنه "إذا حضر المحكوم عليه في غيبته، أو قبض عليه، أو حضر وكيله الخاص وطلب إعادة المحاكمة قبل سقوط العقوبة بمضي المدة، يحدد رئيس محكمة الاستئناف أقرب جلسة لإعادة نظر الدعوى، ويعرض المقبوض عليه محبوسًا بهذه الجلسة، وللمحكمة أن تأمر بالإفراج عنه أو حبسه احتياطيًّا حتى الانتهاء من نظر الدعوى، ولا يجوز للمحكمة في هذه الحالة التشديد عما قضى به الحكم الغيابي.

فإذا تخلف المحكوم عليه في غيبته أو وكيله الخاص عن حضور الجلسة المحددة لإعادة نظر دعواه، اعتبر الحكم ضده قائمًا، فإذا حضر المحكوم عليه في غيبته مرة أخرى قبل سقوط العقوبة بمضي المدة تأمر النيابة بالقبض عليه، ويحدد رئيس محكمة الاستئناف أقرب جلسة لإعادة نظر الدعوى، ويعرض محبوسًا بهذه الجلسة، وللمحكمة أن تأمر بالإفراج عنه أو حبسه احتياطيًّا حتى الانتهاء من نظر الدعوى".

وحيث إن المصلحة –وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية– مناطها أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة في الدعوى الموضوعية؛ وذلك بأن يكون الحكم في المسألة الدستورية المطروحة على بساط البحث أمام هذه المحكمة لازمًا للفصل في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها، المطروحة أمام محكمة الموضوع. والمحكمة الدستورية العليا وحدها هي التي تتحرى توافر شرط المصلحة في الدعوى المقامة أمامها أو المحالة إليها للتثبت من شروط قبولها.

متى كان ذلك، وكان النصان المحالان قد أجازا تخلف المتهم أو المحكوم عليه في غيبته عن الحضور أمام محكمة الجنايات اكتفاءً بحضور الوكيل الخاص لأيهما، وإبداء دفاعه عنه، ويكون الحكم في هذه الحالة حضوريًّا، ومن ثم فإن الفصل في دستورية النصين المحالين يغدو لازمًا للفصل في الدعوى الموضوعية، وهو ما يقيم شرط المصلحة في الدعوى الدستورية المعروضة، ويتحدد نطاقها في عجز الفقرة الأخيرة من المادة (٣٨٤) وصدر الفقرة الثانية من المادة (٣٩٥) من قانون الإجراءات الجنائية، المستبدل بهما نص المادة الأولى من القانون رقم ١١ لسنة ٢٠١٧، وقبل تعديل أولاهما بالقانون رقم ١ لسنة ٢٠٢٤، فيما تضمنتاه من أن يكون الحكم الصادر من محكمة الجنايات في جناية حضوريًّا إذا تخلف المتهم أو المحكوم عليه في غيبته عن حضور جلسة المحاكمة أو إعادة المحاكمة –بحسب الأحوال– متى حضر الوكيل الخاص لأيهما أمام تلك المحكمة.

وحيث إن المقرر في قضاء هذه المحكمة أن الدولة القانونية، طبقًا لنص المادة (٩٤) من الدستور الحالي، هي التي توفر لكل مواطن في كنفها الضمانة الأولية لحماية حقوقه وحرياته بما يتوافق مضمونها مع الضوابط التي التزمتها الدول الديمقراطية باطراد في مجتمعاتها، واستقر نهجها على التقيد بها في مظاهر سلوكها على اختلافها، فلا تنزل بالحماية التي توفرها لمن يمارسونها عما يكون لازمًا لضمان فعاليتها في إطار من المشروعية، وهي ضمانة يدعمها القضاء من خلال استقلاله وحصانته، لتصبح القاعدة القانونية محورًا لكل تنظيم، وحدًّا لكل سلطة، ورادعًا ضد العدوان عليها.

وحيث إن الأصل في سلطة المشرع في تنظيمه حق التقاضي أنها سلطة تقديرية، جوهرها المفاضلة التي يجريها بين البدائل المختلفة التي تتصل بالموضوع محل التنظيم، لاختيار أنسبها لفحواه، وأحراها بتحقيق الأغراض التي يتوخاها، وأكفلها للوفاء بأكثر المصالح وزنًا. وليس من قيد على مباشرة المشرع لهذه السلطة إلا أن يكون الدستور ذاته قد فرض في شأن مباشرتها ضوابط محددة تعتبر تخومًا لها ينبغي التزامها. وفي إطار قيامه بهذا التنظيم لا يتقيد المشرع باتباع أشكال جامدة لا يريم عنها، تفرغ قوالبها في صورة صمَّاء لا تبديل فيها، بل يجوز أن يغاير فيما بينها، وأن يقدر لكل حال ما يناسبها، على ضوء مفاهيم متطورة تقتضيها الأوضاع التي يباشر الحق في التقاضي في نطاقها، وبما لا يصل إلى إهداره، ليظل هذا التنظيم مرنًا، فلا يكون إفراطًا يطلق الخصومة القضائية من عقالها انحرافًا بها عن أهدافها، ولا تفريطًا مجافيًا لمتطلباتها، بل يكون بين هذين الأمرين قوامًا؛ التزامًا بمقاصدها، باعتبارها شكلًا للحماية القضائية للحق في صورتها الأكثر اعتدالًا. ومن هنا فإن ضمان سرعة الفصل في القضايا، الذي أوجبه نص المادة (٩٧) من الدستور، غايته أن يتم الفصل في الخصومة القضائية –بعد عرضها على قضاتها– خلال فترة زمنية لا تجاوز باستطالتها كل حد معقول، على نحو يلحق بأي من أطرافها ضررًا، ولا يكون قصرها متناهيًا إلى حد يعوق طلب الحماية القضائية. وإن الدستور عهد إلى كل من السلطتين التشريعية والقضائية بمهام قصرها عليهما، فلا تتداخل هاتان الولايتان أو تتماسَّان، بل يتعين دومًا مراعاة الحدود التي فصل بها الدستور بينهما، فلا تباشر السلطة التشريعية غير اختصاصاتها التي بينتها المادة (١٠١) من الدستور، ومن بينها سلطة إقرار التشريعات، ولا تتولى السلطة القضائية –من خلال محاكمها على اختلاف أنواعها ودرجاتها– إلا ولاية الفصل في المنازعات والخصومات التي أثبتتها لها المادة (١٨٤) من ذلك الدستور.

وحيث إن الحق في التقاضي يفترض -ابتداءً وبداهة- تمكين كل متقاض من النفاذ إلى القضاء نفاذًا ميسرًا لا تثقله أعباء مالية، ولا تحول دونه عوائق إجرائية، ولا يعدو هذا النفاذ -بما يعنيه من حق كل شخص في اللجوء إلى القضاء، وأن أبوابه المختلفة غير موصدة في وجـــه من يلوذ بهـــا، وأن الطريق إليها معبد قانونًـــا- ولا يستقيم هذا الحق إلا إذا كان الفصل في الحقوق التي تقام الدعوى لطلبها موكولًا إلى أيد أمينة عليها تتوافر لديها - ووفقًا للنظم المعمول بها أمامها- كل ضمانة تقتضيها إدارة العدالة إدارة فعالة، بما يعكس حيدة المحكمة واستقلالها، وحصانة أعضائها والأسس الموضوعية لضماناتها العملية، وهي بذلك تكفل بتكاملها المقاييس المعاصرة التي توفر لكل شخص حقًّا مكتملًا ومتكافئًا مع غيره في محاكمة منصفة وعلنية تقوم عليها محكمة مستقلة محايدة ينشئها القانون، تتولى الفصل -خلال مدة معقولة- في حقوقه والتزاماته المدنية أو في التهمة الجنائية الموجهة إليه، ويتمكن في كنفها من عرض دعواه وتحقيق دفاعه ومواجهة أدلة خصمه؛ ردًّا وتعقيبًــا، في إطار من الفرص المتكافئة، وبمراعاة أن تشكيل المحكمة، وأسس تنظيمها، وطبيعة القواعد الموضوعية والإجرائية المعمول بها في نطاقها، وكيفية تطبيقها من الناحية العملية، هي التي تحدد الملامح الرئيسية التي يتطلبها الدستور في الجهة التي يعهد إليها بالفصل في الأنزعة القضائية. وأنه كلما أتاح المشرع في تنظيمه حق التقاضي لأطراف الخصومة فرصًا منصفة لإبداء دفاعهم، والتعقيب على دفاع ودفوع خصومهم في كل مرحلة من مراحل التقاضي، كان أقرب إلى التزام أحكام الدستور، وتحري مضمونها.

وحيث إن حق الدفاع، أصالةً أو بالوكالة، قد كفله الدستور في المادة (٩٨) منه، ولا ينفك عن حق التقاضي باعتبار أن ضمانة الدفاع لا يمكن فصلها أو عزلها عن حق التقاضي؛ ذلك أنهما يتكاملان ويعملان معًا في دائرة الترضية القضائية التي يعتبر اجتناؤها غاية نهائية للخصومة القضائية، فلا قيمة لحق التقاضي ما لم يكن متساندًا لضمانة الدفاع مؤكدًا لأبعادها، عاملًا من أجل إنفاذ مقتضاها. كذلك لا قيمة لضمانة الدفاع بعيدًا عن حق النفاذ إلى القضاء، وإلا كان القول بها وإعمالها واقعًا وراء جدران صامتة. يؤيد ذلك أن الحقوق التي يكفلها الدستور أو القانون تتجرد من قيمتها العملية إذا كان من يطلبها عاجزًا عن بلوغها من خلال حقي التقاضي والدفاع، أو كان الخصوم الذين تتعارض مصالحهم بشأنها لا يتماثلون فيما بينهم في أسلحتهم التي يشرعونها لاقتضائها.

وحيث إنه من المقرر في قضاء هذه المحكمة أن مبدأ المساواة أمام القانون يتعين تطبيقه على المواطنين كافةً؛ باعتباره أساس العدل والحرية والسلام الاجتماعي، وعلى تقدير أن الغاية التي يستهدفها تتمثل أصلًا في صون حقوق المواطنين وحرياتهم في مواجهة صور التمييز التي تنال منها أو تقيد ممارستها، وأضحى هذا المبدأ في جوهره وسيلة لتقرير الحماية القانونية المتكافئة التي لا يقتصر نطاق تطبيقها على الحقوق والحريات المنصوص عليها في الدستور، بل يمتد مجال إعمالها كذلك إلى تلك التي كفلها المشرع للمواطنين في حدود سلطته التقديرية، وعلى ضوء ما يرتئيه محققًا للصالح العام. إذ كان ذلك، وكان من المقرر أيضًا أن صور التمييز المجافية للدستور وإن تعذر حصرها، فإن قوامها كل تفرقة أو تقييد أو تفضيل أو استبعاد ينال بصورة تحكمية من الحقوق والحريات التي كفلها الدستور أو القانون، وذلك سواء بإنكار أصل وجودها أو تعطيل أو انتقاص آثارها بما يحول دون مباشرتها على قدم المساواة الكاملة بين المؤهلين للانتفاع بها، بما مؤداه أن التمييز المنهي عنه دستوريًّا هو ما يكون تحكميًّا؛ ذلك أن كل تنظيم تشريعي لا يُعتبر مقصودًا لذاته، بل لتحقيق أغراض بعينها يُعتبر هذا التنظيم ملبيًا لها، وتعكس مشروعية هذه الأغراض إطارًا للمصلحة العامة التي يسعى المشرع لبلوغها متخذًا من القواعد القانونية التي يقوم عليها هذا التنظيم سبيلًا إليها؛ إذ إن ما يصون مبدأ المساواة ولا ينقض محتواه هو ذلك التنظيم الذي يقيم تقسيمًا تشريعيًّا ترتبط فيه النصوص القانونية التي يضمها بالأغراض المشروعة التي يتوخاها، فإذا قام الدليل على انفصال هذه النصوص عن أهدافها، أو كان اتصال الوسائل بالمقاصد واهيًا، كان التمييز انفلاتًا وعسفًا، فلا يكون مشروعًا دستوريًّا.

وحيث إنه عما نعى به حكم الإحالة؛ من أن أحكام النصين التشريعيين المحالين تمثل إخلالًا بأصول المحاكمات الجنائية أمام محكمة الجنايات، وإهدارًا لنظام قضائي استقر في ضمير القضاء الجنائي وصار أصلًا له، بما يُعد افتئاتًا من السلطة التشريعية على اختصاصات السلطة القضائية، وتدخلًا من المشرع في تكوين عقيدة المحكمة، وإهدارًا لدور المحاكمة الجنائية في تحقيق الردع العام والخاص؛ فمردود أولًا: بأن الأصل في أي تنظيم إجرائي -مهما استطال زمن تطبيقه، واستقرت عليه العديد من الأنظمة القضائية- أنه لا يستعصي على التعديل والتطوير، ما دام قد استهدف هذا التعديل أو ذاك التطوير مصلحة عامة جديرة بالحماية، ولم يستطل هذا التنظيم إلى الإخلال بمحارم الدستور ومحاذيره. ولم يهدر أيًّا من الحقوق التي يحميها الدستور. وإذ كان ذلك، وكان المشرع قد ارتأى أن يُمكَّن المتهم أو المحكوم عليه في غيبته من إبداء الدفاع بواسطة الوكيل الخاص دون اشتراط حضور أيهما، قاصدًا من ذلك إزالة أية عوائق تعطل حق الدفاع بالوكالة في جناية، ويتيح للمحكمة مكنة الاطلاع على دفاع المتهم قبل إصدار الحكم عليه، وكان هذا التعديل يجنب المحاكمة الجنائية صدور أحكام لا يتاح فيها للمحكمة الجنائية الوقوف على دفاع المتهم أو المحكوم عليه عن بصر وبصيرة، مبتغيًا من هذا التنظيم الإجرائي تقليص أحوال المحاكمات الغيابية، لمواجهة ظاهرة بطء التقاضي أمام محكمة الجنايات الناشئ عن إصدار الأحكام الغيابية، وما يترتب على ذلك من سقوط هذه الأحكام عند حضور المحكوم عليه في غيبته أو القبض عليه، قاصدًا إلى سرعة إنجاز المحاكمة الجنائية الحضورية؛ بالتوسع في أحوالها دون إخلال بحق الدفاع.

ومردود ثانيًا: بأن النصين المطعون فيهما قد وافقا ما نصت عليه المادة (٩٨) من الدستور، التي أكدت كفالة حق الدفاع أصالة أو بالوكالة، باعتباره أحد الحقوق الدستورية اللصيقة بشخص المواطن على ما تنص عليه المادة (٩٢) من الدستور.

ومردود ثالثًا: بأن النصين المحالين لم يحولا بين المتهم في أي من مراحل المحاكمة الجنائية، وبين حقه في حضور إجراءاتها لإبداء دفاعه بنفسه متى رأى لذلك ضرورة، فالأمر يقع في دائرة الاختيار، لا الإلزام، يقدره المتهم في ضوء مصلحته في الدفاع، فضلًا عن أن النصين المحالين لم يحولا بين المحكمة الجنائية وبين حقها في الأمر بضبط المتهم وإحضاره، لمباشرة سائر الإجراءات في مواجهته، متى رأت ضرورة حضوره؛ الأمر الذي يكشف عن أن النصين المحالين قد سعى بهما المشرع إلى تحقيق سرعة الإجراءات في المحاكمات الجنائية أمام محكمة الجنايات، والحد من عدد الأحكام الغيابية، وإعادة المحاكمة في الدعاوى التي تصدر فيها هذه الأحكام، وبين سلطة محكمة الجنايات في مباشرة إجراءات المحاكمة أمامها على النحو الذي تراه كافلًا لمقتضيات المحاكمة المنصفة.

ومردود رابعًا: بأن النصين المحالين لا ينطويان على مساس بالحق في المساواة بين من حضر بشخصه المحاكمة أمام محكمة الجنايات، ومن أبدى دفاعه بوكيله الخاص في غيبته؛ ذلك أن المشرع لم يمايز بين المتهمين المقدمين إلى محكمة الجنايات في أن يتخيروا الحضور بأشخاصهم، أو بوكلاء عنهم، وأن يبدوا دفاعهم في كل حال منهما، كما أن النصين المحالين لا ينطويان على تمييز بين من يحاكم أمام محاكم الجنح في الأحوال التي يستوجب فيها القانون حضور المتهم جلسات المحاكمة بشخصه، وبين من يحاكم أمام محكمة الجنايات ويجيز القانون غيابه وتمثيله بوكيل خاص عنه، ذلك أنه فضلًا عن اختلاف طبيعة وإجراءات المحاكمة أمام محكمة الجنايات عنها أمام محكمة الجنح، بما يبرر اختلاف التنظيم القانوني بين الأمرين، فإن الأصل في الحق في المساواة أنه قيمة دستورية رافعة، القصد منها مساواة المحروم من الحقوق الموضوعية أو الإجرائية محل التنظيم، بمن حصل عليها بمقتضى التشريع المانح؛ لتتحقق المساواة في الحقوق في المنح، وليس في المنع، وليست المساواة بالقيمة الخافضة التي تغمط حقًّا أقره القانون للبعض دون البعض الآخر، ليتساوى الجميع في السلب. إذ كان ذلك، وكان المشرع في النصين المحالين قد توسع فأجاز مباشرة حق الدفاع عن المتهم في حضوره وغيابه، بعد أن كان مقصورًا على حال حضور المتهم إجراءات المحاكمة بشخصه، فضلًا عن أنه توسع في مجال صيانة الحرية الشخصية للمتهم، بإقرار اختياره إبداء دفاعه أمام المحكمة الجنائية في حضوره وغيابه، فإنه بهذه المثابة يكون قد توسع في إقرار حق الدفاع، والحق في الحرية الشخصية، وهي من الحقوق الدستورية الجوهرية؛ الأمر الذي يجعل هذا التوجه التشريعي- من الناحية الدستورية- تشريعًا معظمًا للحقوق الدستورية في المجال الإجرائي، ورافعًا لمقدار حمايتها، ومن ثم فإن إعمال المقابلة بينه وبين أحوال أخرى لم يقر المشرع فيها الحقوق عينها –لأسباب قدرها– فإن الاحتجاج بها يكون قد وقع مخالفًا لأصل شرعه الحق في المساواة في الدستور. لما كان ذلك، وكان المشرع قد نظم الحق في حضور محام في غيبة المتهم على أسس موضوعية تنبسط على سائر المحاكمات أمام محكمة الجنايات دون تمييز، فإن قالة الإخلال بالحق في المساواة تضحى فاقدة لأسسها، ويضحى هذا الوجه جديرًا بالالتفات عنه.

ومردود خامسًا: بأن المحاكمة الجنائية في إجراءاتها لا تستهدف بذاتها تحقيق الردع العام أو الخاص –وإن تحقق أحدهما أو كلاهما كأثر عارض للمحاكمة أمام محكمة الجنايات– كونهما بحسب الأصل من أغراض العقوبة لا المحاكمة التي تخضع في كافة مراحلها لأصل البراءة الذي نصت عليه المادة (٩٦) من الدستور، التي أوجبت فقرتها الأخيرة على الدولة حماية المتهمين -وغيرهم من أطراف الدعوى الجنائية– عند الاقتضاء، وذلك وفقًا للقانون، مما مفاده أن النعي على النصين المحالين قصورهما عن تحقيق الردع العام والخاص، بإتاحة حضور وكيل خاص عن المتهم في جناية أو المحكوم عليه غيابيًّا فيها أمام محكمة الجنايات دون مثول أيهما بشخصه، يغدو أمرًا يخارج بالكلية مفهوم الردع العام والخاص، والتمحل به في غير مجال إعماله.

لما كان ذلك جميعه، وكان النصان المحالان، في النطاق المحدد سلفًا، لا يهدران مبادئ سيادة القانون والمساواة والعدل، ولا ينالان من الحق في التقاضي والمحاكمة المنصفة، والحق في الدفاع بالوكالة، ولا يخالفان الحق في المساواة والحرية الشخصية، ولا يفتئتان على استقلال القضاء وحيدته، ولم يتضمنا مخالفة لأي حكم آخر في الدستور؛ ومن ثم فإن المحكمة تقضي برفض الدعوى.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة برفض الدعوى.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق