الصفحات

البحث الذكي داخل المدونة

تحميل وطباعة هذه الصفحة

Print Friendly and PDF

الجمعة، 21 أغسطس 2026

آليات تطبيق قواعد القانون الدولي الإنساني ومدى فاعليتها د. باسم صبحي بشناق

آليات تطبيق قواعد القانون الدولي الإنساني ومدى فاعليتها

د. باسم صبحي بشناق

أستاذ القانون العام المساعد

كلية الشرعية والقانون-الجامعة الإسلامية -غزة-فلسطين

ملخص الدراسة

ملخص البحث

لقد تناول هذا البحث آليات تطبيق قواعد القانون الدولي الإنساني ومدي فاعليتها، حيث تم استعراض وتحليل واستقراء النصوص القانونية في الاتفاقيات الدولية ذات العلاقة المباشرة بإعمال ومراقبة وتطبيق قواعد القانون الدولي الإنساني.


وهدف البحث بشكل أساسي إلى تقديم مقترحات قانونية من شأنها تقوية وتفعيل أليات احترام قواعد القانون الدولي الإنساني وجعلها أكثر إلزاما للدول والأطراف المتحاربة، وبالتالي الحد من ارتكاب جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في النزاعات المسلحة. وقد تم تقسيم البحث إلى ثلاثة مباحث رئيسية؛ تم التناول فيها على التوالي كل من الآليات الوقائية، والآليات الرقابية، والآليات العقابية، لتطبيق القانون الدولي الإنساني.


وخلص البحث إلى مجموعة من النتائج مفادها أن هناك ضعفا وقصورا في تنظيم أليات إعمال ومراقبة وتطبيق قواعد القانون الدولي الإنساني، مما أدي إلى عدم فاعليتها. كذلك أن قواعد القانون الدولي الإنساني بشكل عام لا زالت لا تملك القوة القانونية الملزمة للدول لاحترامها.


كما قدم البحث مجموعة من المقترحات أهمها ضرورة تعزيز دور اللجنة الدولية للصليب الأحمر في تطبيق أحكام القانون الدولي الإنساني. وكذلك إلغاء دور الدول في محاكمة مواطنيها الذين يرتكبون الانتهاكات الجسيمة للاتفاقيات الدولية المتعلقة بالقانون الدولي الإنساني، وتكون هذه المهمة هي فقط من اختصاص المحكمة الجنائية الدولية.



Abstract

This study discusses mechanisms of applying the rules of the international humanitarian law and their effectiveness. Legal texts from international conventions that are directly related to implementing and monitoring the international humanitarian law rules were scrutinized and analyzed. The study primarily aims to provide legal suggestions that would strengthen and activate mechanisms of respecting the rules of the international humanitarian law and make them more binding for conflicting countries and thereby reduce committing war crimes and crimes against humanity in armed conflicts. The study is divided into three main sections which discuss the preventive mechanisms, supervisory mechanisms, and punitive mechanisms for the application of the international humanitarian law.


This study has reached some findings showing that there is a kind of failure in organizing mechanisms of applying and monitoring the rules of the international humanitarian law. This has led to ineffectiveness of these rules.


Also, the rules of the international humanitarian law do not constitute as legally binging for countries.


The study also offers some recommendations such as the necessity of enhancing the role of International Committee of the Red Cross (ICRC) in applying the rules of the international humanitarian law and in eliminating the role of countries in prosecuting citizens thereof who gravely breach the international conventions that are related to the international humanitarian law.


This last issue should be only practised by the International Criminal Court (ICC).


مقدمة عامة:

شهدت مناطق مختلفة من العالم خلال السنوات القليلة الفائتة، وخاصة المنطقة العربية حروب ونزاعات مسلحة متعددة ولا تزال مستمرة فيها (سوريا، اليمن، العراق) منها ثلاثة حروب متتالية وقعت في فلسطين خلال المدة ما بين السنوات 2008-2014 حيث ارتكبت في هذه الحروب ولا يزال يرتكب العديد من الانتهاكات الجسيمة لقواعد القانون الدولي الإنساني، الأمر الذي أدي إلى كثير من الناس عامة والمختصين خاصة للتساؤل عن حقيقة وجود آليات فاعلة لتطبيق قواعد القانون الدولي الإنساني.


حيث لم يعد من المعقول ومن المنطقي لأي إنسان عاقل القول والاقتناع بوجود آليات دولية فاعلة لتطبيق قواعد القانون الدولي الإنساني، في ظل كل هذه الجرائم والفظائع التي تم ارتكابها ولا تزال في الحروب والنزاعات المسلحة، الأمر الذي يستدعينا جميعا كمختصين إلى ضرورة دراسة هذه أليات للوقوف على الإشكاليات والنواقص التي تعتريها ومحاولة وضع الحلول اللازمة لزيادة فاعليتها.


أهمية البحث:

تكمن أهمية إعداد هذا البحث كونه يسلط الضوء على الإشكاليات القانونية التي تعتري آليات إعمال ومراقبة وتطبيق القانون الدولي الإنساني، حيث أصبح من غير المنطقي قيام الأطراف المتحاربة بارتكاب كل هذه الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب في النزاعات المسلحة التي شهدها العالم مؤخرا، ولا يزال يشهدها في مناطق مختلفة؛ والاستمرار بالعمل وفق الآليات القانونية الدولية الحالية، حيث تبين من خلال نتائج هذه النزاعات المسلحة عدم نجاعة وفاعلية هذه الآليات، الأمر الذي يستدعي البحث عن كيفية تفعيلها لتصبح أكثر نجاعة.


مشكلة البحث:

تتلخص مشكلة البحث في محاولة استيضاح أوجه القصور في آليات إعمال ومراقبة وتطبيق قواعد القانون الدولي الإنساني.


فرضيات البحث

ينطلق الباحث من فرضيتين أساسيتين؛ ملخصهما:


الضعف والقصور في تنظيم آليات إعمال ومراقبة وتطبيق قواعد القانون الدولي الإنساني، يؤدي إلى عدم فاعليتها.

قواعد القانون الدولي الإنساني بشكل عام لا زالت لا تملك القوة القانونية الملزمة للدول لاحترامها.

هدف البحث:

يهدف البحث بشكل أساسي إلى تقديم مقترحات قانونية من شانها تقوية وتفعيل آليات احترام قواعد القانون الدولي الإنساني وجعلها أكثر إلزاما للدول والأطراف المتحاربة، وبالتالي الحد من ارتكاب جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في النزاعات المسلحة.


منهج البحث:

سيستخدم الباحث في هذا البحث كل من المنهج الوصفي، والمنهج الاستقرائي، وذلك من خلال استعراض وتحليل واستقراء النصوص القانونية في الاتفاقيات الدولية ذات العلاقة المباشرة بإعمال ومراقبة وتطبيق قواعد القانون الدولي الإنساني.


هيكلية البحث:

مقدمة:


المبحث الأول: الآليات الوقائية لتطبيق القانون الدولي الإنساني


المبحث الثاني: الآليات الرقابية لتطبيق القانون الدولي الإنساني


المبحث الثالث: الآليات العقابية لتطبيق القانون الدولي الإنساني


خاتمة: نتائج وتوصيات


المبحث الأول

الآليات الوقائية لتطبيق القانون الدولي الإنساني ومدي فاعليتها

تعد الآليات الوقائية لتطبيق القانون الدولي الإنساني أولي الآليات التي تنص عليها اتفاقيات جنيف الأربع، والهدف منها هو العمل على نشر ثقافة القانون الدولي الإنساني والتعريف بقواعده لدي الدول المنضمة للاتفاقيات، وبالتالي الحيلولة دون مخالفة أحكامه أو عدم الالتزام بقواعده أثناء سير العمليات العسكرية وقت النزاعات المسلحة.


وهذه الآليات هي: الالتزام بنشر قواعد القانون الدولي الإنساني على أوسع نطاق. وأعداد عاملين مؤهلين لتسهيل تطبيق القانون الدولي الإنساني. وتعيين مستشارين قانونيين للقوات المسلحة.


نوضح هذه آليات بشكل موجز في ثلاثة نقاط تباعا، وذلك استنادا إلى النصوص القانونية في الاتفاقيات الدولية ذات الصلة.


أولا-الالتزام بنشر قواعد القانون الدولي الإنساني على أوسع نطاق.


تضمنت اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 نصا مشتركا في المعني، ورد في كل من المادة 47 من الاتفاقية الأولي، والمادة 48من الاتفاقية الثانية، والمادة 127 من الاتفاقية الثالثة، والمادة 144 من الاتفاقية الرابعة، يتعلق بالتزام موحد يقع على عاتق كل دولة بمجرد انضمامها إلى هذه الاتفاقيات، ومفاده أن تقوم كل دولة بنشر قواعد اتفاقيات جنيف الأربع في وقت السلم كما في وقت الحرب وبشكل واسع النطاق. كما تم التأكيد على هذا الالتزام في المادة (83) من البرتوكول الإضافي الأول لعام 1977، الملحق باتفاقيات جنيف الأربع. سنكتفي ببيان نص أحد هذه المواد المشتركة سالفة الذكر، وكذلك نص المادة 83من البرتوكول الإضافي الأول.


تنص المادة (144) من اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين وقت الحرب على أنه: "تتعهد الأطراف السامية المتعاقدة بأن تنشر نص هذه الاتفاقية على أوسع نطاق ممكن في بلدانها، في وقت السلم كما في وقت الحرب، وتتعهد بصفة خاصة بأن تدرج دراستها ضمن برنامج التعليم العسكري، والمدني إذا أمكن، بحيث تصبح المبادئ التي تتضمنها معروفة لجميع السكان. يتعين على السلطات المدنية والعسكرية والشرطة أو السلطات الأخرى التي تضطلع في وقت الحرب بمسئوليات إزاء الأشخاص المحميين، أن تكون حائزة لنص الاتفاقية، وأن تلقن بصفة خاصة أحكامها".


وتنص المادة (83) الفقرة الأولي من ذات الاتفاقية على أنه: "تتعهد الأطراف السامية المتعاقدة بالقيام في زمن السلم وكذا أثناء النزاع المسلح بنشر نصوص الاتفاقيات ونص هذا اللحق على أوسع نطاق ممكن في بلادها، وبإدراج دراستها بصفة خاصة ضمن التعليم العسكري، وتشجيع السكان المدنيين على دراستها حتى تصبح هذه المواثيق معروفة للقوات المسلحة وللسكان المدنيين"


يتضح من النصين سالفي الذكر أن الالتزام بنشر قواعد القانون الدولي الإنساني الواقع على عاتق الدول الأطراف في اتفاقيات جنيف والبروتوكول الإضافي الأول هو التزام أساسي، الهدف الأول منه أن يكون العسكريين الذين يشتركون في عمليات القتال علي علم واسع بقواعده، وبالتالي تجنب ارتكاب انتهاكات؛ وخاصة الجسيمة منها لقواعد القانون الدولي الإنساني. كما أن هذا الالتزام لا يقتصر على النشر لدي العسكريين وإنما أيضا لدي المدنيين، وليس فقط في وقت الحرب وإنما في وقت السلم أيضا. ولكن في المقابل يتضح من صيغة النصوص أن هذا التعهد الذي يفترض أن تنفذه الدول الموقعة يفتقر للآليات العملية اللازمة لإجبار الدول على تنفيذه.


وقد أكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في أكثر من مناسبة ضرورة نهوض الدول بالتزاماتها بنشر القانون الدولي الإنساني في زمن النزاعات المسلحة ([1]).


كما أكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر ولا تزال على أهمية نشر القانون الدولي الإنساني على نطاق واسع التزاما بما ورد في اتفاقيات جنيف وبروتوكوليها الإضافيين، ويتضح ذلك جليا من خلال المؤتمرات الدولية، فقد عقدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أكثر من ثلاثين مؤتمرا دوليا كان من أهدافها نشر قواعد القانون الدولي الإنساني، ابتداء من مؤتمر برلين عام 1969، وحتى مؤتمر جنيف في العام 2008 ([2]). وأيضا من خلال المؤتمرات المحلية التي تمولها وتشجع على عقدها ([3]). وكذلك من خلال المنشورات الدورية الصادرة عنها والتي تقوم بتوزيعها ونشرها على نطاق واسع وخاصة في الدول التي تشهد حروب ونزاعات مسلحة ([4]).


ثانيا-أعداد عاملين مؤهلين لتسهيل تطبيق القانون الدولي الإنساني


تضمن البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 إلى اتفاقيات جنيف لعام 1949، التزاما يقع علي عاتق الدول مفاده القيام بتأهيل عاملين مؤهلين بغية تسهيل تطبيق قواعد اتفاقيات جنيف. حيث تنص المادة (6) منه على الآتي:


1-تسعي الأطراف السامية المتعاقدة في زمن السلم أيضا بمساعدة الجمعيات الوطنية للصليب الأحمر (الهلال الأحمر، الأسد والشمس الأحمرين) لإعداد عاملين مؤهلين بغية تسهيل تطبيق الاتفاقيات وهذا اللحق "البروتوكول" وخاصة فيما يتعلق بنشاط الدول الحامية.


2-يعتبر تشكيل وإعداد مثل هؤلاء من صميم الولاية الوطنية.


3-تضع اللجنة الدولية للصليب الأحمر رهن تصرف الأطراف السامية المتعاقدة قوائم بالأشخاص الذين أعدوا على النحو السابق، التي تكون قد وضعتها الأطراف السامية المتعاقدة وأبلغتها إلى اللجنة لهذا الغرض.


4-تكون حالات استخدام هؤلاء العاملين خارج الإقليم الوطني، في كل حالة على حدة، محل اتفاقات خاصة بين الأطراف المعنية.


ويتضح من النص سالف الذكر أنه يهدف إلى تحقيق أمرين؛ الأول: مساعدة الدول الحامية على أداء واجباتها. والثاني: الاستفادة من العاملين الذين يتم تأهيلهم على الصعيد الوطني لدولهم بتقديم النصيحة أو المشورة والمعرفة إلى السلطات المعنية مباشرة والتي تشارك مشاركة فعالة في أنشطة النشر وتطبيق القانون الدولي الإنساني ([5]).


كذلك إعمالا لنفس النص تقوم الأطراف المتعاقدة التي تعد عاملين مؤهلين بإرسال قوائم بأسمائهم إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تضعها تحت تصرف الأطراف المتعاقدة، الأمر الذي يسمح بالاستعانة بهم من قبل دولهم وأي طرف متعاقد آخر ([6]).


ويري جانب كبير من فقهاء القانون الدولي الإنساني، أن هذه الآلية على الرغم من بساطة تطبيقها ألا أنها لم تحظ بالاهتمام اللازم من جانب الدول الأطراف، ولعل ذلك يعود إلى عدم تفعيل آلية الدول الحامية، أو تأخر الدول في لانخراط في منظومة التطبيق الوطني لأحكام القانون الدولي الإنساني، كما يرون أنها ترد على سبيل الذكر ضمن آليات الوقائية التي نص عليها البروتوكول الأول، وتكون التفصيلات حولها محدودة بذكر الالتزام وشرح للمادة السادسة، وهذا مؤشر لمحدودية العمل بها في الواقع العملي ([7]).


ثالثا-تعيين مستشارين قانونيين للقوات المسلحة


يستدل على هذه الآلية من فحوى نص المادة (82) من البرتوكول الإضافي الأول؛ حيث جاء فيها: "تعمل الأطراف السامية المتعاقدة دوما. وتعمل أطراف النزاع أثناء النزاع المسلح على تأمين توقر المستشارين القانونيين عند الاقتضاء، لتقديم المشورة للقادة العسكريين على المستوي المناسب، بشأن تطبيق الاتفاقيات وهذا اللحق "البروتوكول" وبشأن التعليمات المناسبة التي تعطي للقوات المسلحة قيما يتعلق بهذا الموضوع.


ويتضح من نص المادة (82) سالفة الذكر أن الصيغة الواردة فيه مخففة من ناحية الألزام، فالطلب الموجه للدول الأطراف في نص المادة اكتفي بصيغة العمل؛ تعمل الأطراف السامية المتعاقدة. وكذلك تعمل أطراف النزاع. وهذه الصيغ ليست كافية لفرض الالتزام على الدول أو الأطراف المتنازعة بتوفير مستشارين قانونيين عند الاقتضاء، حيث تستطيع الدول التذرع في كل وقت بأنها في صدد العمل على تنفيذ ما ورد في المادة وأنها لا زالت بصدد تعيين هؤلاء المستشارين القانونيين، أو أنها غير قادرة على توفير مثل هؤلاء المستشارين لأنها لا تملك الإمكانيات المادية لذلك أو غيرها من الحجج.


كما يتضح من نص المادة سالفة الذكر أنها لم تحدد نوعية المستشارين القانونيين المطلوب من الدول الاستعانة بهم، فيمكن أن يكونوا من خارج المؤسسة العسكرية، ويمكن أيضا أن يكونوا من داخلها.


وأيا ما كانت عليه طريقة الوفاء بهذا الالتزام فإن آلية المستشارين القانونيين في القوات المسلحة يفترض أن تعمل وفق مفهوم المادة 82 على النحو الآتي:


1-يلجأ القادة العسكريون لاستطلاع رأي المستشار القانوني حول مدي مطابقة أوامر القتال والعمليات العسكرية للقانون الدولي الإنساني. وهذا الرأي القانوني هو مجرد رأي استشاري للتأكد من مدي مطابقة الأمر للقانون، ولا يعفي القادة العسكريين من المسؤولية الجنائية في حالة كانت أوامرهم العسكرية بتنفيذ عمليات معينة ينطوي عليها انتهاكات جسيمة لقواعد القانون الدولي الإنساني ([8]). بمعني آخر أنه لا يمكن التذرع من القادة العسكريين أن أفعالهم المخالفة للقانون كانت مستندة إلى رأي المستشار القانوني.


2-تكليف المستشار القانوني لدي القوات المسلحة إلى إعداد البرامج التدريبية والكتيبات العسكرية التي تحتوي على المعلومات القانونية الهامة التي يجب أن يلم بها كل فرد من أفراد القوات المسلحة حسب درجته في الهرم الرئاسي العسكري ([9]).


يتبين من خلال عرض وتحليل النصوص القانونية التي تضمنت الأليات الوقائية الثلاث؛ نشر القانون الدولي الإنساني، أعداد عاملين مؤهلين، وتعيين مستشارين قانونيين، أنها جميعا تهدف بالدرجة الأولي إلي منع وقوع انتهاكات لقواعد القانون الدولي الإنساني أثناء الحروب والنزاعات المسلحة.


وتجدر الإشارة هنا أنه بالنسبة إلي دولة فلسطين وبعد انضمامها إلى اتفاقيات جنيف والبروتوكولين الإضافيين لها في أبريل من العام 2014، أصبحت ملزمة بالعمل على تنفيذ هذه الأليات الوقائية جميعا، وهذا يستدعي إعادة تفعيل دور اللجنة الوطنية للقانون الدولي الإنساني، للقيام بمهامها جنباً إلى جنب مع كافة المؤسسات المعنية، مثل وزارة الداخلية والأمن الوطني، والمجلس التشريعي، واللجنة الدولية للصليب الأحمر الدولي، للعمل على تنفيذ هذه الالتزامات.


المبحث الثاني

الآليات الرقابية لتطبيق القانون الدولي الإنساني ومدي فاعليتها

تضمنت اتفاقيات جنيف الأربع والبرتوكول الإضافي الأول لعام 1977 إلى جانب الأليات الوقائية سالفة التوضيح، آليات أخري سميت بآليات الرقابية، نظرا لأنها تعطي سلطة الأشراف والمتابعة للجهات المقررة، وهي: آلية الدول الحامية. وآلية الهيئات الإنسانية. وآلية التحقيق. وآلية اللجنة الدولية لتقصي الحقائق.


نتناول كل آلية من هذه الآليات تباعا على النحو الآتي:


أولا-آلية الدولة الحامية


الدولة الحامية هي تلك الدولة التي يتفق طرفي النزاع على قيامها برعاية مصالح أحدهما لدي الآخر ([10]). ولقد نشأ نظام الدولة الحامية مع ظهر اتفاقية جنيف الثانية لعام 1929 بشأن معاملة أسري الحرب. حيث تضمنت المادة (86) من اتفاقية جنيف الثانية التزام الأطراف المتعاقدة بالاعتراف بأن الدولة الحامية هي المسئولة عن حماية مصالح أطراف النزاع عند تطبيق أحكام هذه الاتفاقية ([11]). كما تشير المادة 87من ذات الاتفاقية إلى اختصاص الدولة الحامية في ضرورة بذل المساعي الحميدة لحث الأطراف على تطبيق أحكام الاتفاقية وكذلك لحل الخلاف فيما بينهم، وتقديم المقترحات لهذا الغرض ([12]).


ثم بظهور اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 أصبح للدولة الحامية سلطات أوسع فيما يتعلق بتطبيق أحكام الاتفاقيات المذكورة. إذ تضمنت الاتفاقيات الأربعة في المواد المشتركة ذات الأرقام (8،8،8،9) على فحوى ذات النص، حيث ورد فيه أنه: "تطبق هذه الاتفاقية بمعاونة وتحت إشراف الدول الحامية التي تكلف برعاية مصالح أطراف النزاع. وطلباً لهذه الغاية، يجوز للدول الحامية أن تعين بخلاف موظفيها الديبلوماسيين والقنصليين، مندوبين من رعاياها أو رعايا دول أخري محايدة. ويخضع تعيين هؤلاء المندوبين لموافقة الدول التي سيؤدون واجباتهم لديها. وعلى أطراف النزاع تسهيل مهمة ممثلي أو مندوبي الدول الحامية، إلي أقصي حد ممكن.


ويجب ألا يتجاوز ممثلو الدول الحامية أو مندوبوها في أي حال من الأحوال حدود مهمتهم بمقتضي هذه الاتفاقية؛ وعليهم بصفة خاصة مراعاة مقتضيات أمن الدولة التي يقومون فيها بواجباتهم.


يتضح من النص المشترك بين الاتفاقيات الأربع سالف الذكر أن آلية تعيين الدولة الحامية ليس إجباريا، وإنما يتوقف بالدرجة الأولي على قبول أطراف النزاع، وبالتالي يمكن لأي طرف أعاقة هذه الآلية. كما أن تعيين المندوبين عن الدولة الحامية لأداء مهامهم أيضا يتوقف على موافقة أطراف النزاع. كما أثبت الواقع العملي في الحروب التي شهدتها البشرية منذ إقرار هذه الألية في اتفاقية جنيف لعام 1929؛ ولاحقا بعد التوسع في مهامها في اتفاقيات جنيف الأربع، ظهور عدة إشكاليات كانت عائقا أمام تنفيذ هذه الآلية، نوردها على النحو الآتي:


مبدأ سيادة الدول؛ حيث أن الدول الأطراف في النزاع المسلح ترفض الخضوع لإشراف دولة أخري في المسائل التي تتعلق بتطبيق أحكام القانون الدولي الإنساني ([13]).

صعوبة العثور على دول محايدة تحظي بقبول كلا الطرفين وتكون راغبة وقادرة على العمل بهذه الصفة ([14]).

نظام الدول الحامية وبصفة خاصة بعد اعتماد المادة الخامسة في البرتوكول الإضافي الأول جعل من الدولة الحامية صاحبة اختصاص عام في الرقابة على كل ما يتعلق بالقانون الدولي الإنساني أثناء النزاع المسلح، وكان توسيع هذه الاختصاصات عبئا على ميزانية الدولة الحامية حيث يتطلب تعيين أشخاص مؤهلين وتحمل تكلفة الانتقال ورواتب هؤلاء الأشخاص، الأمر الذي يعيق أن تقوم الدولة الحامية بكامل مهامهما بشكل فاعل ([15]).

وبسبب هذه الإشكاليات لم تحظ آلية الدولة الحامية بالقبول الكافي من قبل الدول المتحاربة، وما يؤكد ذلك هو الممارسة العملية التي أثبتت عدم فاعلية هذه الآلية، حيث تم تطبيقها منذ إقرار اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 فقط في ثلاثة نزاعات مسلحة وبصورة جزئية جداً؛ حرب السويس عام 1956، والنزاع بين نيوزليندا وإندونيسيا عام 1961 والنزاع بين الهند وباكستان عام1971. ولم تطبق مطلقا بعد إقرار البروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جنيف. الذي وسع كما أسلفنا ذكره في المادة الخامسة منه من مهام الدولة الحامية، حيث أقر لها اختصاص عام في الرقابة على كل ما يتعلق بالقانون الدولي الإنساني أثناء النزاع المسلح ([16]).


ثانيا-آلية الهيئات الإنسانية (اللجنة الدولية للصليب الأحمر)


أقرت اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949في المواد المشتركة ذات الأرقام (10،10،10،11) مع اختلاف النص حسب كل اتفاقية بما توفره من حماية للفئات التي صدرت من أجلها؛ آلية الهيئات الإنسانية، كبديل عن آلية الدولة الحامية. فمثلا تنص المادة (11) من اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب لعام 1949 على أنه: "للأطراف السامية المتعاقدة أن تتفق في أي وقت على أن تعهد إلى هيئة تتوفر فيها كل ضمانات الحيدة والكفاءة بالمهام التي تلقيها هذه الاتفاقية على عاتق الدول الحامية.


وإذا لم ينتفع الأشخاص المحميون أو توقف انتفاعهم لأي سبب كان بجهود دولة حامية أو هيئة معينة وفقا للفقرة الأولي أعلاه، قعلي الدولة الحاجزة أن تطلب إلي دولة محايدة أو إلى هيئة من هذا القبيل أن تضطلع بالوظائف التي تنيطها هذه الاتفاقية بالدول الحامية التي تعينها أطراف النزاع. فإذا لم يمكن توفير الحماية على هذا النحو، فعلي الدولة الحاجزة أن تطلب إلى هيئة إنسانية، كاللجنة الدولية للصليب الأحمر، الاضطلاع بالمهام الإنسانية التي تؤديها الدول الحامية بمقتضي هذه الاتفاقية، أو أن تقبل، رهناً بأحكام هذه المادة، عرض الخدمات الذي تقدمه مثل هذه الهيئة. وعلى أية دولة....."


وباستقراء وتحليل النص السالف الذكر يتضح أن آلية الهيئات الإنسانية كاللجنة الدولية للصليب الأحمر منوط باتفاق طرفي النزاع ولا يوجد إلزام عليهما بأن تقوم هذه الهيئة تلقائيا بمجرد نشوء النزاع المسلح بدورها في التأكد من قيام طرفي النزاع باحترام وتطبيق قواعد القانون الدولي الإنساني خلال النزاع المسلح.


ثالثا-آلية التحقيق


تضمنت اتفاقيات جنيف الأربع نصا مشتركا حول آلية التحقيق في حالة ارتكاب انتهاكات جسيمة لقواعد القانون الدولي الإنساني. حيث ورد فيها في المواد ذات الأرقام (52، 53، 132؛ 149) النص على الآتي: " يجري بناءاً على طلب أي طرف في النزاع، وبطريقة تتقرر فيما بين الأطراف المعنية، تحقيق بصدد أي إدعاء بانتهاك هذه الاتفاقية. وفي حالة عدم الاتفاق على إجراءات التحقيق، يتفق الأطراف على اختيار حكم يقرر الإجراءات التي تتبع. وما أن يتبين انتهاك الاتفاقية، يتعين على أطراف النزاع وضع حد له وقمعه بأسرع وقت ممكن.


يتضح من النص سالف الذكر أن آلية التحقيق تتم بناء علي طلب من أحد طرفي النزاع، ألا أن قبولها منوط أيضا بموافقة الطرف الآخر، مما يدل على استحالة تنفيذ هذه آلية فكيف لطرف يقوم بارتكاب انتهاكات لقواعد القانون الدولي الإنساني أن يوافق على قبول آلية التحقيق في الانتهاكات التي يرتكبها.


يذكر أن آلية التحقيق المنصوص عليها في المواد المشتركة لاتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 هي ذات الألية المنصوص عليها باتفاقية جنيف الثانية لعام 1929 في المادة (30) منها، والتي تنبهت اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلي استحالة تنفيذها كما أسلفنا توضيحه، وقد قامت بتقديم مقترح في المؤتمر الدولي السابع عشر الذي عقد في السويد عام1948، الذي سبق إقرار اتفاقيات جنيف الأربع؛ مفاده أن يكون هناك آلية دائمة للتحقيق تعمل فور وقوع انتهاكات للقانون الدولي الإنساني، وذلك للتحقيق في هذه الانتهاكات وقمعها دون اشتراط قبول أي من طرفي النزاع علي ذلك. ألا أن هذا المقترح لم يلق ترحيبا من المشاركين في المؤتمر، وبدلا عن ذلك حاول المجتمعون أنشاء آلية اللجنة الدولية لتقصي الحقائق.


رابعا-آلية اللجنة الدولية لتقصي الحقائق


تم التوافق على آلية اللجنة الدولية لتقصي الحقائق في المؤتمر الديبلوماسي المنعقد عام 1975بشأن اعتماد البرتوكلين الإضافيين لاتفاقيات جنيف الأربعة، ورغم أهمية هذه التوافق الذي اخرج هذه الألية إلى حيز الوجود حيث تم النص عليها بشكل صريح في المادة 90من البرتوكول الإضافي الأول الساري المفعول في العام 1977. حيث انيط باللجنة الدولية لتقصي الحقائق التحقيق في الانتهاكات الجسيمة التي ترتبط بالنزاعات المسلحة الدولية، ألا أن مسالة قبول الدول بهذه الألية بقي أمر أساسي لا يمكن للجنة أن تباشر عملها ما لم يكن هناك إعلان خاص مستقل عند الانضمام أو بعد الانضمام إلى البروتوكول الإضافي الأول من قبل كل دولة علي حدة ([17]). الأمر الذي يتضح معه أن أعمال هذه الألية أيضا يتوقف على إرادة الدول الأطراف في البروتوكول (اللحق) الإضافي الأول، ولا يمكن لها أن تباشر عملها بشكل تلقائي، الأمر الذي يثير التساؤل حول أوجه الاختلاف بين هذه الألية المنصوص عليها في البرتوكول الإضافي الأول، وبين الآلية التحقيق المنصوص عليها في المواد المشتركة سالفة التوضيح، طالما أن كليهما يتوقف على موافقة الدول المسبقة.


المبحث الثالث

الآليات العقابية لتطبيق القانون الدولي الإنساني ومدي فاعليتها

مناط بحثنا في آليات العقابية لتطبيق القانون الدولي الإنساني هو ما ورد من آليات في اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 والبرتوكول الإضافي الأول لعام 1977الخاص بالنزاعات المسلحة الدولية، والتي تتعلق بآليات عقابية على المستوي الداخلي؛ بمعني العقاب على مستوي القضاء الوطني لمرتكبي الانتهاكات الجسيمة (جرائم الحرب) دون القضاء الدولي، وبالتالي يخرج عن نطاق بحثنا تناول موضوع محكمة الجنايات الدولية ودورها في تطبيق قواعد القانون الدولي الإنساني.


تضمنت اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 والبرتوكول الإضافي الأول لعام 1977 نوعين من آليات وهما: آلية التزام الدول المنضمة للاتفاقيات باتخاذ الإجراءات التشريعية اللازمة لفرض عقوبات جنائية فعالة، والآلية الثانية التزام الدول بمحاكمة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة أو تسليمهم لأي دولة طرف أخري ترغب بمحاكتهم (الاختصاص الجنائي العالمي).


سنقوم بتوضيح كلتا الأليتين تباعا بشكل موجز، ولكن قبل ذلك سنتناول توضيح مفهوم الانتهاكات الجسيمة الذي ورد في اتفاقيات جنيف الأربع، والتكييف القانوني لها، وذلك من على النحو الآتي:


أولا-مفهوم الانتهاكات الجسيمة وفق اتفاقيات جنيف الأربع والبروتوكول الإضافي الأول، والتكييف القانوني لها:


تضمنت المواد المشتركة (50، 51، 130، 147 (من اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 قائمة بالانتهاكات الجسيمة على سبيل الحصر. ثم أضاف البرتوكول الإضافي الأول لعام 1977 الملحق باتفاقيات جنيف الأربع في المادة (4/11) والمادة (85/3،4) فئة أخري من هذه الانتهاكات، وكذلك أوضحت المادة (85) من البرتوكول الإضافي التكييف القانوني للانتهاكات الجسيمة، نوضح الانتهاكات الجسيمة وتكييفها القانوني استنادا للنصوص القانونية سالفة الذكر وفق التقسيم الآتي:


1-الانتهاكات الجسيمة المشتركة بين اتفاقيات جنيف الأربع


القتل العمد، التعذيب، المعاملات اللاإنسانية، إخضاع الأشخاص للتجارب الخاصة بعلم الحياة، تعمد إحداث آلام شديدة أو الأضرار الخطير بالسلامة البدنية أو الصحة، تدمير الممتلكات أو الاستيلاء عليها على نطاق واسع لا تبرره الضرورات الحربية ([18]).


2-انتهاكات جسيمة مشتركة بين اتفاقيتي جنيف الثالثة والرابعة


إرغام أسرى الحرب أو الأشخاص المحميين بموجب الاتفاقيتين على الخدمة في القوات المسلحة بالدولة المعادية، حرمان الأشخاص المحميين من المحاكمة بصورة قانونية وفقا للاتفاقيتين ([19]).


3-انتهاكات جسيمة بموجب البرتوكول الإضافي الأول


جعل السكان المدنيين أو الأفراد المدنيين في المواقع المجردة من وسائل الدفاع أو المناطق منزوعة السلاح هدفا للهجوم، شن هجوم عشوائي على السكان المدنيين أو الأعيان المدنية، توجيه هجمات على الأشغال الهندسية أو المنشآت التي تحوي قوي خطرة، اتخاذ شخص ما هدفا للهجوم، مع العلم بانه عاجز عن القتال، الاستخدام الغادر للشارات الحامية، نقل دولة الاحتلال بعض سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها أو ترحيل أو نقل كل أو بعض سكان الأراضي المحتلة داخل نطاق تلك الأراضي أو خارجها، كل تأخير لا مبرر له في إعادة أسري الحرب أو المدنيين إلي أوطانهم، ممارسة التفرقة العنصرية وغيرها من الأساليب المنافية للإنسانية، شن الهجمات علي الأثار التاريخية وأماكن العبادة والأعمال الفنية، حرمان شخص محمي من حقه في محاكمة عادلة ([20]).


4-التكييف القانوني للانتهاكات الجسيمة وفق اتفاقيات جنيف الأربع والبرتوكول الإضافي


تعد الانتهاكات الجسيمة التي وردت في اتفاقيات جنيف الأربع والبرتوكول الإضافي الأول جرائم حرب، وذلك استنادا إلي نص المادة (85) الفقرة (5)، إذ جاء فيها: "تعد الانتهاكات الجسيمة للاتفاقيات ولهذا اللحق (البرتوكول) بمثابة جرائم حرب، وذلك مع عدم الأخلال بتطبيق هذه المواثيق ".


ثانيا-آلية التزام الدول باتخاذ إجراءات تشريعية لفرض عقوبات جنائية فعالة على مرتكبي الانتهاكات


تنص الفقرة الأولي من المادة المشتركة (49، 50، 129، 146) من الاتفاقيات الأربع لعام 1949، وهي ذات الأحكام المطبقة على البروتوكول الإضافي الأول لعام1977 بموجب الفقرة الأولي من المادة (85) على أنه: "تتعهد الأطراف السامية المتعاقدة بأن تتخذ أي إجراء تشريعي يلزم لفرض عقوبات جزائية قعالة على الأشخاص الذين يفترقون أو يأمرون باقتراف إحدى المخالفات الجسيمة لهذه الاتفاقية، المبينة في المادة التالية ([21]). على كل طرف متعاقد اتخاذ التدابير اللازمة لوقف جميع الأفعال التي تتعارض مع أحكام هذه الاتفاقية بخلاف المخالفات الجسيمة المبينة في المادة التالية.


وينتفع المتهمون في جميع الأحوال بضمانات للمحاكمة والدفاع الحر لا تقل ملاءمة عن الضمانات المنصوص عنها بالمواد 105 وما بعدها من اتفاقية جنيف بشأن معاملة أسري الحرب، المؤرخة في 12 آب/ أغسطس 1949.


ومن خلال استقراء وتحليل نص الفقرة الأولي من المواد المشتركة بين الاتفاقيات الأربع والبروتوكول الإضافي الأول سالفي الذكر، يتضح أن النص قد حدد من خلال الإحالة إلى النصوص اللاحقة قائمة بجرائم الحرب في إطار هذه الاتفاقيات بما يلبي مبدأ شرعية التجريم، ثم فرض التزاما على كل دولة تنضم لهذه الاتفاقيات أن يقوم مشرعها الوطني بإدراج عقوبات جنائية لهذه الجرائم، وذلك تكملة لمبدأ شرعية التجريم من خلال مبدأ شرعية العقوبة أيضا، حيث لا جريمة ولا عقوبة ألا بنص. وبدون قيام الدول بوضع عقوبات محددة لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية ضمن تشريعاتها الوطنية تبقي الاتفاقيات الدولية المشار إليها عاجزة عن التطبيق. لذلك كان تنفيذ هذا الالتزام من الأولويات المرتبطة بموضوع تطبيق القانون الدولي الإنساني على الصعيد الوطني ([22]).


ثالثا: التزام الدول بمحاكمة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة أو تسليمهم لأي دولة طرف أخري ترغب بمحاكتهم.


تنص الفقرة الثانية من المواد المشتركة (49، 50، 129، 146) من الاتفاقيات الأربع لعام 1949 وهي ذات الأحكام المطبقة على البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 بموجب الفقرة الأولي من المادة (85) على أنه: يلتزم كل طرف متعاقد بملاحقة المتهمين باقتراف مثل هذه المخالفات الجسيمة أو بالأمر باقترافها، وتقديمهم إلى محاكمة، أيا كانت جنسيتهم. وله أيضا، إذا فضل ذلك، وطبقا لأحكام تشريعه، أن يسلمهم إلى طرف متعاقد معني آخر لمحاكمتهم ما دامت تتوفر لدي الطرف المذكور أدلة اتهام كافية ضد هؤلاء الأشخاص.


وأيضا باستقراء وتحليل نص الفقرة الثانية من المواد سالفة الذكر يتضح أنها تضمنت مبدأين أساسيين، الأول: مبدأ المحاكمة لمرتكبي الانتهاكات الجسيمة، والمبدأ الثاني: هو تسليم مرتكبي الانتهاكات الجسيمة لطرف آخر يرغب بمحاكمتهم (الاختصاص الجنائي العالمي).


وعلى الرغم من أن اتفاقيات جنيف لعام 1949كانت من أول الصكوك الدولية التي تسعي إلى ترسيخ مبدأ الاختصاص الجنائي العالمي، إلا أن أغلب الدول المنضمة إلى اتفاقيات جنيف لم تجر التعديلات اللازمة في تشريعاتها الداخلية بما يلزم لإنفاذ هذا المبدأ، حيث تتدخل الاعتبارات السياسية التي تحول دون أنفاذ ([23]).


وتجدر الإشارة هنا إلى أن النصوص سالفة التوضيح من اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 ، والبرتوكول الإضافي الأول لعام 1977، تخاطب المشرع والقضاء الوطنيين لكل دولة منضمة للاتفاقيات، ولا تشير بأي حال من الأحوال إلى القضاء الجنائي الدولي.


وعلى الرغم من أن النصوص سالفة الذكر تعد ملزمة وواجبة النفاذ في مجال الملاحقة القضائية لمجرمي الحرب على الصعيد الوطني لكل دولة طرف في الاتفاقيات، إلا أن الدول لا زالت لا تقوم بملاحقة ومعاقبة قادتها على الجرائم التي يرتكبونها في غالب الأحيان، لذلك فإننا نري من وجهة النظر الشخصية ضرورة تعديل اتفاقيات جنيف بما يسمح لأي دولة طرف أو المتضررين بشكل شخصي اللجوء إلى القضاء الجنائي الدولي مباشرة، وبغض النظر عن ملاحقة مرتكبي الجرائم على الصعيد الوطني مهما كانت نتائج هذه الملاحقة.


خاتمة: نتائج وتوصيات

تعرضنا من خلال هذا البحث الموجز إلى آليات تطبيق قواعد القانون الدولي الإنساني ومدي فاعليتها، حيث تناولنا كل من آليات الوقائية، والرقابية، والعقابية بشيء من التفصيل وبينا مدي فاعليتها، وخلصنا إلى مجموعة من النتائج والتوصيات نوردها على النحو الآتي:


أولا-النتائج:


الالتزام بالأليات الوقائية التي تنص عليها اتفاقيات جنيف الأربع والبروتوكول الإضافي الأول يتوقف على إرادة الدول بالدرجة الأولي ولم يرد في الاتفاقيات أية عقوبات للدول التي لا تلتزم بإعمال هذه الأليات.

يتوقف إعمال الأليات الرقابية على موافقة الدول ولا يوجد أية الزامية لها بقبولها، حيث تبين عدم فعالية نظام الدولة الحامية لأنه يتوقف بالدرجة الأولي على موافقة الدول أطراف النزاع. كذلك عدم فعالية ومنطقية آلية التحقيق المنصوص عليها في المواد المشتركة لاتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949، لأنها تعتمد بالدرجة الأولي على قبول أحد طرفي النزاع للتحقيق في الانتهاكات التي يرتكبها.

عدم فعالية الأليات العقابية المنصوص عليها في اتفاقيات جنيف الأربع وبروتوكليها الإضافيين، فليس من المنطقي الطلب من الدول محاكمة ومعاقبة قادتها أو ضباط وأفراد جيوشها أمام القضاء الوطني، وذلك على ارتكابهم الانتهاكات الجسيمة في الحروب بين الدول والتي عادة ما تتم بأوامر من قادتهم.

دور اللجنة الدولية للصليب الأحمر هو دور أساسي ومهم لتطبيق أحكام القانون الدولي الإنساني، ألا أن هذا الدور ليس إلزاميا بمقتضي أحكام اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949.

ثانيا -التوصيات:


أ-تعديل اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 على أن تتضمن التعديلات الآتي:


النص صراحة على أن تكون اللجنة الدولية للصليب الأحمر الجهة المكلفة دوليا بمراقبة تطبيق أحكام اتفاقيات جنيف الأربع.

النص صراحة في اتفاقيات جنيف على أن تكون المحكمة الجنائية الدولية ألية العقابية الفاعلة لانتهاك قواعدها من قبل الأشخاص المشاركين في النزاعات المسلحة عند مخالفتهم لقواعد القانون الدولي الإنساني.

ب-إلغاء دور الدول في محاكمة مواطنيها مرتكبي الانتهاكات الجسيمة للاتفاقيات الدولية المتعلقة بالقانون الدولي الإنساني، وتكون هذه المهمة هي فقط من اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، ولهذه الغاية نقترح الآتي:


1-تعديل نظام المحكمة الجنائية الدولية بما يعطيها الدور الأساسي بالتحقيق في الجرائم المنصوص عليها في نظام روما وأن لا يكون دورها فقط مكمل للقضاء الوطني.


2-أنشاء محاكم جنائية فرعية إقليمية عن المحكمة الجنائية الدولية يسند إليها ذات الاختصاص للمحكمة الأم.


ج-تعزيز دور اللجنة الدولية للصليب الأحمر في تطبيق أحكام القانون الدولي الإنساني، ونقترح لهذه الغاية:


عمل اتفاقية دولية تستند إلى اتفاقيات جنيف بعد تعديلها، تتعلق بنظام اللجنة الدولية للصليب الأحمر يحدد اختصاصاتها بشكل واضح ويعطيها الحق في ضمان التزام الدول في احترام وتطبيق قواعد القانون الدولي الإنساني، ويعمل على إلزاميه الانضمام إليها من كافة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة.

أنشاء آلية تحقيق دائمة تتبع للجنة الدولية للصليب الأحمر يكون اختصاصها التحقيق الفوري بانتهاكات قواعد القانون الدولي الإنساني متي وصل إلى علمها ارتكابها دون موافقة أطراف النزاع.

منح الاختصاص للجنة الدولية للصليب الأحمر بإحالة القضايا مباشرة إلى المحكمة الجنائية الدولية إلى جانب الجهات المخول لها هذا الاختصاص بموجب نظام روما.

المراجع

أولا-الاتفاقيات الدولية


اتفاقية لاهاي الخاصة باحترام قوانين وأعراف الحرب البرية لعام 1907.

اتفاقية جنيف الأولي، لتحسين حال الجرحى والمرضي والغرقي بالقوات المسلحة في الميدان المؤرخة في 12/ أب/.1949

اتفاقية جنيف الثانية، لتحسين حال جرحي ومرضي وغرقي القوات المسلحة في البحار المؤرخة في 12/ أب / 1949.

اتفاقية جنيف الثالثة، بشأن معالة أسري الحرب المؤرخة في 12/ أب / 1949.

اتفاقية جنيف الرابعة، بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب، المؤرخة في 12/ أب / 1949.

اللحق (البروتوكول) الأول الإضافي إلى اتفاقيات جنيف الأربع، المتعلق بحماية ضحايا النزاعات المسلحة الدولية، لعام 1977.

اللحق (البروتوكول) الثاني الإضافي إلى اتفاقيات جنيف الأربع، المتعلق بحماية ضحايا النزاعات المسلحة غير الدولية، لعام 1977.

ثانيا-المراجع باللغة العربية:


1. احمد أبو الوفا، أحمد . (2006) النظرية العامة للقانون الدولي الإنساني (في القانون الدولي والشريعة الإسلامية) الطبعة الأولي، دار النهضة العربية، القاهرة.


2. صيام، سري، وعتلم، شريف. (2011). القانون الدولي الإنساني وتطبيقاته في جمهورية مصر العربية، اللجنة الدولية للصليب الأحمر.


3. الزمالي، عامر. (2004). محاضرات في القانون الدولي الإنساني، اللجنة الدولية للصليب الأحمر، القاهرة، الطبعة السادسة.


4. الزمالي، عامر (1997) مدخل إلى القانون الدولي الإنساني، منشورات المعهد العربي لحقوق الإنسان، تونس.


5. آدم عبد الجبار، عبد الله. (2009). حماية حقوق الإنسان أثناء النزاعات المسلحة الدولية بين الشريعة والقانون، الطبعة الأولي، منشورات الحلبي الحقوقية، القاهرة.


6. جون ماري هنكرتس ولويز دوزوالد بك. (2007). القانون الدولي الإنساني العرفي، اللجنة الدولية للصليب الأحمر، المجلد الأول، القاهرة، 2007.


7. عتلم، حازم محمد. (2002). قانون النزاعات المسلحة الدولية، دار النهضة العربية ، القاهرة.


8. سعد الله، عمر. (2002). القانون الدولي الإنساني، وثائق وآراء، الطبعة الأولي، دار مجدلاوي، عمان.


9. العنبكي، نزار. (2010). القانون الدولي الإنساني، الطبعة الأولي، دار وائل للنشر، عمان.


ثالثا-المراجع الأجنبية:


Georg Abi Saab.(1978). Les Mecanismes de Mise en Oeuvre du Droit Humanitaire, Re- vue du Droit International pub.


رابعا -المواقع الإلكترونية:


(·) موقع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، المنشورات:


https://www.icrc.org/ara/resources/publications بتاريخ 5/7/2015.


[1] صيام، سري، وعتلم، شريف، القانون الدولي الإنساني وتطبيقاته في جمهورية مصر العربية، اللجنة الدولية للصليب الأحمر، 2011، ص 38.


[2] المرجع السابق، ص 38.


[3] يذكر أن هذا البحث قد جري أعداده ليتم تقديمه لمؤتمر دولي بعنوان: قواعد القانون الدولي الإنساني والإسلام، أليات الحماية وضمانات التطبيق. تعقده الجامعة الإسلامية بفلسطين-غزة، وبالتعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وهو مؤتمر من عشرات المؤتمرات التي عقدتها ومولتها وشجعت علي عقدها اللجنة الدولية للصليب الأحمر في دول مختلفة.


[4] أنظر، موقع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، المنشورات:


  https://www.icrc.org/ara/resources/publications. بتاريخ 5/7/2015.


[5] Look: Commentaire des Protocoles Additionnels du 8 Juin 1977, op. cit. p. 93-106


[6] الزمالي، عامر، محاضرات في القانون الدولي الإنساني، اللجنة الدولية للصليب الأحمر، القاهرة، الطبعة السادسة، 2004، ص 182.


[7] صيام، سري، وعتلم، شريف، القانون الدولي الإنساني وتطبيقاته في جمهورية مصر العربية، اللجنة الدولية للصليب الأحمر، 2011، ص 40.


[8] صيام، سري، وعتلم، شريف، القانون الدولي الإنساني وتطبيقاته في جمهورية مصر العربية، مرجع سابق، ص 42.


[9] المرجع السابق، ص 42.


[10] العنبكي، نزار، القانون الدولي الإنساني، الطبعة الأولي، دار وائل للنشر، عمان، 2010، ص 112


[11] اتفاقية جنيف الثانية، لعام 1949، المادة (86).


[12] المرجع السابق، المادة (87)


[13] Georg Abi Saab. Les Mecanismes de Mise en Oeuvre du Droit Humanitaire Re- vue du Droit International pub. 1978. P105.


[14] Georg Abi Saab. op. cit.p. 118


[15] صيام، سري، وعتلم، شريف، القانون الدولي الإنساني وتطبيقاته في جمهورية مصر العربية، مرجع سابق، ص 49.


[16] المرجع السابق، ص 48-49.


[17] المادة (95) من اللحقان "البرتوكلان" الإضافيان إلى اتفاقيات جنيف المعقودة في 12 أغسطس 1949، منشورات اللجنة الدولية للصليب الأحمر، جنيف، الطبعة الرابعة، 1997.

[18] اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 المواد المشتركة 50 و 51 و 130 و 147.

[19] اتفاقيتي جنيف الثالثة والرابعة، المادتين 50 أو 51.

[20] البرتوكول الإضافي الأول لعام 1977، المادتين 11 و85.

[21] يقصد بلفظ المادة التالية الوارد في نص هذه المادة المشتركة هو نص كل من المواد 50 من اتفاقية جنيف الأولي، و51 من اتفاقية جنيف الثانية، و130من اتفاقية جنيف الثالثة، و147 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949. تلك المواد التي تحدد ما هي المخالفات الجسيمة التي ورد لفظها في المواد المشتركة 49 و50، و129، 146، سالفي الذكر. وهي التي سبق أن أوضحناها في أولا من هذا المبحث عندما تطرقنا إلي مفهوم الانتهاكات الجسيمة.

[22] صيام، سري، وعتلم، شريف، مرجع سابق، ص 60.

[23] المرجع السابق، ص 60-61

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق