الصفحات

البحث الذكي داخل المدونة

تحميل وطباعة هذه الصفحة

Print Friendly and PDF

الخميس، 20 أغسطس 2026

المنهج النبوي في صنع السلام العالمي د. نادر نمر وادي

المنهج النبوي في صنع السلام العالمي

إعداد:

د. نادر نمر وادي

أستاذ الحديث وعلومه المساعد

جامعة الأقصى (غير متفرغ)

الملخص:

هذا البحث بعنوان: (المنهج النبوي في صنع السلام العالمي) وقد تناول موضوعا هاما من الموضوعات التي شغلت بال الإنسانية قديما وحديثا، حيث سعت الأمم والشعوب عبر مر الزمان لتحقيق السلام فيما بينهم، ولكن لغياب الهدي الرباني القويم؛ لم يتسن لهم الوصول إلى السلام المأمول، لغياب الدين الرباني الذي يحفظ حقوق الجميع ويساوي بينهم ويضبط سلوك الناس أفرادا وجماعات.


وازدادت أهميته في السنين الأخيرة؛ حيث أثيرت الشبهات حول الإسلام، واتهم بالإرهاب، ورمي بمعاداة الإنسانية، وجدت هذه الدعاية آذانا أسمعتها، وقلوبا أشربتها، بمكر الأعداء، وجهل الأصدقاء للأسف!.


وقد تبين من خلال البحث أن الإسلام دين السلام عقيدة وشريعة وأخلاقا، وأنه وضع تشريعات تقي الناس شر الحروب والنزاعات، كما أنه تعامل بواقعية مع مجتمعات الناس، فوضع حلولا في حال وقوع الحروب والنزاعات، فكان منهجه من جانبين: وقائي يستبق وقوع الأزمات، وعلاجي: يقدم حلولا ناجعة في حال وقوعها، متخذا من السلام الفردي والأسري أركانا للسلام العالمي، وحث على الالتزام بالأخلاق الحسنة، والإحسان إلى الناس، والقسط بينهم، ونفى التمييز العنصري بكل أشكاله، وحافظ على حقوق المعاهدين، وحرم الاعتداء عليها، وشرع الصلح والمعاهدات، كوسائل لضمان السلام العالمي، وراسل الملوك والأمراء وعقد التحالفات؛ لتحقيق العدل والقسط والسلام، وجعل الحرب هو الوسيلة الأخيرة التي يلجأ إليها بعد استنفاذ الوسائل السلمية في حل النزاعات، وبين أن السلام الذي يدعوا إليه الإسلام هو سلام القوة والعزة لا سلام الخنوع والذل والمهانة.




Abstract


I entitled my research (The Prophet`s Approach in Creating Universal Peace). This research sheds light on an important topic that nations, in the course of time, tried to achieve peace in their societies. Some nations successfully achieved it, however, others failed due to the incompetence of humanitarian curriculums and the absence of divine laws. In the last decades, this matter became more important because of the misconceptions and the suspicions agitated about the Islamic religion, accusing it with terrorism and hostility towards humanity. Therefore, regrettably, some people believe this propaganda due to the cunning enemies of Islam and the unawareness of some Muslims.


This research shows that the Islamic religion is the peaceful one doctrinally and ethically by legislating laws to protect people from the turmoil of wars and conflicts.


In addition, it treats humanity realistically so that it presents effective solutions to the wars and conflicts wherever they take place. Therefore, the Islamic approach consists of two aspects: the preventive aspect which prevents the crises and the solutional aspect which comes to solve the problems once they occur. It considers individual and domestic peace as pillars of universal peace. Moreover, it encourages and guides people to good morals and justice amongst all, rejects racial discrimination, legislates agreements as a means to guarantee universal peace and contracts alliances with heads of states for this noble purpose. Also, it abides to not using force except when all peaceful means become unavailable. Finally, it indicates that Islamic peace means power, dignity and justice with no servitude, prejudice or oppression.


Praise be to Allah.




المقدمة:


إن الحمد لله، نستعينه ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد:


فإن الشريعة الإسلامية اهتمت اهتماما بالغا في موضع تحقيق الأمن والسلم العام، للمسلمين خصوصا، وللناس عموما؛ وما ذلك إلا لأن الإسلام دين الرحمة والمحبة والسلام، ويتبين هذا من أبجديات الآداب الإسلامية، وبديهيات الشريعة المحمدية، حينما قال النبي صلي الله عليه وسلم: ((أفشوا السلام بينكم)) ([1]).


وأما في العصر الحديث؛ فقد اختلطت الأمور، وأثيرت الشبهات، واتهم الإسلام والمسلمون بالإرهاب والعنف !؛ وقد وجدت هذه الدعاية آذانا سمعتها، وقلوبا أشربتها، بمكر الأعداء، وبجهل الأصدقاء.


لذلك فإنه من الضروري تسليط الضوء على هذا الأمر، وإبرازه من خلال نصوص الشريعة الإسلامية، وما علينا إلا السعي، وعلى الله التكلان، ومنه القبول، ولا حول ولا قوة إلا بالله.


أولا:- أهمية الموضوع وبواعث اختياره:


استمد هذا البحث أهميته من الأهداف التي يسعى للوصول إليها، حيث إنه يتناول مسالة مهمة جدا؛ وهي مسألة إفشاء السلام ومحاربة الإرهاب في الإسلام؛ لما لها من خطر عظيم على واقع الأمة وحاضرها ومستقبلها، فهو ميدان زلقت فيه الأقدام، كثيرا في السنوات الأخيرة.


ثانيا:- أهداف الموضوع: يمكن إجمال أهداف هذا البحث من خلال النقاط التالية:-


1-بيان مفهوم الأمن والسلم الدوليين في الإسلام.


2-بيان التحديات التي توجهها الأمة الإسلامية في هذا الجانب.


3-إبراز منهج النبي صلي الله عليه وسلم في إفشاء السلام وتعزيز الأمن والسلم العام والخاص.


4-الرد على الشبهات المثارة حول الموضوع.


ثالثا:- خطة البحث: يتكون البحث من: مقدمة وتمهيد ومبحثين وخاتمة:-


- المقدمة: وفيها أهمية الموضوع، وبواعث اختياره، وأهداف البحث، وخطة الدراسة.


- المبحث الأول: فيه تمهيد ونظره تاريخية على جهود صنع السلام.


- المبحث الثاني: وفيه هدي النبي صلي الله عليه وسلم في صنع السلام العالمي.


- الخاتمة: وفيها أهم النتائج والتوصيات.


رابعا:- منهج الباحث: عزو الآيات في متن البحث، وتخريج الاحاديث في الهامش، والاستدلال بالصحيح والمقبول إلا ما كان فيه ضعف فأبينه.



المبحث الأول


تعريفات البحث، ونظرة تاريخية على جهود صنع السلام


أولا: التمهيد:- تعريف بمصطلحات البحث:


أ- السلام لغة: اسم مصدر من سلم يسلم تسليما، كالكلام والطلاق، وهو بمعنى النجاة والتخلص مما لا يرغب فيه، يقال: ((سلم من الأمر))؛ إذا نجا منه، وهذه المادة (السين واللام والميم) تفيد معنى التخلص من الآفات والنجاة منها، فهو بمعنى السلامة، وكذا ما اشتق من هذه المادة فهو يدل على هذا المعنى ([2]).


2-والسلام شرعا: السلام في الشرع له عدة إطلاقات:-


الإطلاق الأول: يطلق ويراد به اسم الله تعالى، قال تعالى [هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ] [الحشر 23]، سمي بذلك سبحانه؛ لسلامته مما يلحق المخلوقين من العيب والنقص والفناء ([3]).


الإطلاق الثاني: يطلق ويراد به السلامة من الآفات، وهو المعنى الأصل، ومنه قول الله عز وجل: [وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا] [الفرقان 63]، أي: قولا يسلمون فيه من الإثم ومن مقابلة الجاهل بجهله ([4]).


الإطلاق الثالث: يطلق ويراد به التحية، وهو قولنا: ((السلام عليكم)) ومنه قوله تعالى: [وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا] [النساء 94] ([5]).


الإطلاق الرابع: يطلق ويراد به الصلح والمهادنة، وضده الحرب، وسمى سلاما؛ لأنه يحصل به سلامة من القتال وتبعاته.


وقد ورد (السلام) بهذا الإطلاق بألفاظ أخرى مرادفة له، ومشتقة من نفس مادته، منها: (السلم) و(السلم)، قال ابن منظور (السلم والسلم: الصلح، يفتح ويكسر ويذكر ويؤنث) ([6])، ومنها: (السلم)، ومنه قول الله تعالى: [فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ] [النساء 91]، أي: المهادنة والصلح ([7]).


إذا: السلام اسم من أسماء الله تعالى، والتسليم والتحية عند المسلمين، والسلامة والبراءة من العيوب، والأمان والصلح، والنشيد الوطني الرسمي (محدثة)، وضرب من الشجر، ودار السلام الجنة، ومنه في التنزيل العزيز [لهم دار السلام] وبغداد ([8]).


وبهذا يتبين لنا أن السلام من الألفاظ المشتركة، والذي يحدد معناه إذا ورد هو السياق، والسلام الذي نحن بصدد بحثه هو الذي بمعنى الإطلاق الرابع، وهو المراد عند إطلاقه في العصر الحاضر، لاسيما في وسائل الإعلام ([9]).


3-والسلام حسب اصطلاح أهل السياسة:


أما تعريف السلام من ناحية عسكرية: حالة الهدوء والسكينة وغيبة القلاقل. ومن وجهة النظر العسكرية والسياسية يعني السلام غيبة الاضطرابات العنيفة، مثل الحروب وأعمال العنف ([10]).


4-مصطلح "عالمي": اسم منسوب إلى عالم: بمعنى شائع ومعروف في العالم كله (طبيب عالمي) (حرب عالمية).


وعالمية الثقافة: تعميم الثقافة بمنطق إنساني، والانتقال بالتراث المحلي إلى آفاق إنسانية عالمية بهدف إيجاد تقارب بين الثقافات في إطار التعدد والتنوع الثقافي ([11]).


والعالم: جمعه عوالم وعلاليم، ويراد به الخلق كله، كل فئة من فئات الخلق نحو (عالم الحيوان) ([12]).


خلاصة مفهوم مصطلح: (السلام العالمي):


مما سبق يتبين أن مفهوم مصطلح "السلام العالمي" يعني غيبة الحروب والقلاقل والاضطرابات بين الأمم والشعوب المختلفة، وعيش العالم أفرادا وجماعات ودولا في سلام وصلح وأمن، وحل النزاعات بالطرق السلمية.


ثانيا: لمحة تاريخية حول الجهود المبذولة لصنع السلام تاريخيا: ([13])


1-السلام في العالم الإغريقي والروماني القديم: كان العالم الإغريقي يتكون من عدد من المناطق المستقلة يطلق عليها الدول ( المدن) وكثيرا ما كانت الدول (المدن) تدخل في حروب مع بعضها، ونتيجة لذلك، تجمع عدد منها وكون تنظيما يعتبر إحدى المحاولات الأولى للحد من الحروب، ذلك التنظيم الذي أطلق عليه اسم (العصبة الأمفكتيونية)، كان يحظر على أي عضو في التنظيم أن يدمر عضوا آخر أو أن يقطع إمداداته من المياه.


وكانت الألعاب الأوليمبية تجمع الدول (المدن) مرة كل أربع سنوات، فتقوم بينها هدنة تخلق جوا من السلام المؤقت في طول البلاد وعرضها؛ لإتاحة الفرصة لإقامة تلك الألعاب، فكان يحظر على أي فرد خلال مدة شهر أن يحمل السلاح أو أن يدخل في حرب ضد الآخرين. وقامت الإمبراطورية الرومانية بحفظ السلام في جزء كبير من العالم خلال فترة عرفت باسم (السلام الروماني)، وقد استمر ذلك السلام لأكثر من مائتي عام، أي من عام 72 ق.م إلى عام 180م. وخلال فترة السلام الروماني، اتسعت الإمبراطورية الرومانية لتغطي أجزاء كبيرة من أوروبا والشرق الأوسط وشمال إفريقيا. في ذلك الوقت، لم تكن هناك أي دولة لها من القوة ما يمكنها من مهاجمة الرومان.


2-فترة العصور الوسطى الأوروبية: عندما ضعفت الإمبراطورية الرومانية في القرن الخامس الميلادي؛ اندلعت حروب صغيرة في أوروبا كلها، وصارت الكنيسة هي أكبر قوة لدعم السلام. وساد عرف كنائسي شمي (هدنة الله) كان يقصر القتال في المنازعات الخاصة على أيام معينة من أيام الأسبوع، كما كان هناك حكم كنائسي آخر عرف باسم (سلام الله) يحرم القتال في بعض الأماكن، مثل: الكنائس والأضرحة. ولكن الكنيسة كانت تسمح باندلاع بعض الحروب، مثل تلك التي ترى أن من شأنها تعزيز موقعها.


3-الفترة الممتدة من القرن الخامس عشر إلى القرن الثامن عشر: خلال تلك الفترة اقترح الكثيرون عدة مشاريع تهدف إلى تحقيق السلام الدائم، فعلى سبيل المثال: قدم رجل الدولة الفرنسي (ماكسيمليان دي بيثون دوق سلي) في أوائل القرن السابع عشر الميلادي المشروع الكبير لتحقيق السلام في أوروبا، وكانت خطة (دوق سلي) تدعو إلى تشكيل مجلس من ممثلي الدول الأوروبية تكون مهمته حلن الخلافات التي تقوم بين الدول.


وفي عام 1625 م اقترح رجل الدولة الهولندي (هوجو جروتيوس) مجموعة من قواعد السلوك الدولي في كتاب بعنوان قانون الحرب والسلام. ومما جاء فيه على سبيل المثال: أن على الدول أن تضمن حقوقا معينة للدول المحايدة التي لا تشترك في الحرب. وأصبحت أفكار (جروتيوس) الركيزة التي قام عليها القانون الدولي.


وفي عام 1648 م انتهت حرب الثلاثين عاما بتوقيع معاهدة (وستفاليا) التي حاولت أن تضمن السلام من خلال إقامة توازن القوى. ويعتمد مبدأ توازن القوى على التوزيع المتساوي للقوة العسكرية والاقتصادية بين الأمم، بحيث لا يكون لدى أي دولة أو أي مجموعة من الدول القوة الكافية لغزو أي دولة أو مجموعة أخرى من الدول.


وفي نحو عام 1647 م، أنشا الزعيم الديني الإنجليزي (جورج فوكس) جمعية الأصدقاء التي تشتهر اليوم باسم جمعية (الكويكرز)، وتؤمن تلك الجماعة بأن تعاليم عيسى المسيح - عليه السلام - تحرم الحرب، لذا فقد عارض أعضاؤها الحروب طوال تاريخ وجودهم، وساندوا حركات السلام. ولقد اقترح (وليم بن)، أحد قيادات الجماعة التي أنشأت مستعمرة بنسلفانيا الأمريكية، مشروعا للسلام يشبه مشروع (سلي الكبير)، ففي كتاب له صدر عام 1693 م بعنوان نحو حاضر ومستقبل السلام في أوروبا دعا (وليم بن) إلى إقامة مجلس دولي لحل المنازعات بين الدول.


وفي عام 1713 م قام رجل الدين الفرنسي، (القس شارل أريني كاستل دي سان بيير) بنشر مؤلفه مشروع للسلام الدائم دعا فيه لإقامة مجلس شيوخ أوروبي يضم (24) مندوبا يمثلون دول أوروبا.


4-مرحلة القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين: في عام 1815م أنشأ رجل الأعمال الأمريكي (ديفيد ل. دودج) جمعية نيويورك للسلام التي كانت أول منظمة في الولايات المتحدة تهدف إلى الحفاظ على السلام. وتبع ذلك قيام العديد من الجماعات المحبة للسلام والداعية إليه، كان من ضمنها الجمعية الأمريكية للسلام التي أنشئت عام 1828م، والاتحاد العالمي للسلام الذي تكون عام 1866م


وفي القرن التاسع عشر الميلادي عقدت عدة مؤتمرات دولية؛ لمناقشة موضوع حفظ السلام، فعقدت مؤتمرات للسلام في لندن عام 1843 م، وفي مدينة بروكسل ببلجيكا عام 1848 م، وفي باريس عام 1849 م، وفي مدينة فرانكفورت بألمانيا عام 1850 م. وفي عام 1898 م، دعا (نيقولا الثاني) قيصر الروس إلى عقد اجتماع دولي؛ لمناقشة موضوع الحد من التسلح ونتج عن تلك الدعوة انعقاد مؤتمر لاهاي في هولندا عامي 1899 م و 1907 م. وعلى الرغم من أن ذنيك المؤتمرين لم ينجحا في الحد من التسلح، إلا أنهما أسفرا عن قيام المحكمة الدائمة للتحكيم لتتولى أمر المنازعات القانونية التي تنشأ بين الأمم.


وعلى المستوى الفردي، شعر الكيميائي السويدي (ألفرد ب. نوبل) الذي اخترع الديناميت بالأسى لما أحدثه اختراعه من وفيات وإصابات في وقت الحرب، فرصد في وصيته مبلغا من المال؛ لتمويل عدد من الجوائز السنوية من بينها جائزة لعمل مميز يسهم في تحقيق السلام العالمي. وقد منحت أول جائزة من جوائز نويل للسلام عام 1901 م.


وعندما وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها عام 1918م، قامت مجموعة مكونة من (42) دولة بإنشاء عصبة الأمم. وكان هدف تلك المنظمة الدولية؛ هو الحفاظ على السلام في العالم أجمع. وطبقا لنظام عصبة الأمم، كان على الدول الأعضاء فض المنازعات التي تنشأ بينها عن طريق عرضها على مجلس العصبة، أو عرضها للتحكيم أو قبول حكم طرف ثالث. ولكن عصبة الأمم لم تكن لها سلطة كبيرة. وكان ذلك راجع إلى حد ما إلى عدم انضمام الولايات المتحدة ويعض الدول الكبيرة الأخرى إلى عضويتها.


5-الجهود الحالية لتحقيق السلام: عند انتهاء الحرب العالمية الثانية في عام 1945 م، قامت عدة محاولات لتحقيق السلام الدائم بين كافة الأمم، وكانت أهم الأشكال التي تضمنتها تلك الجهود ما يلي: (1) الدبلوماسية (2) المنظمات الدولية (3) نزع السلاح (4) الأمن الجماعي (5) تحسين الاتصالات والتجارة الدولية.


الدبلوماسية: تتعلق بالمفاوضات بين دولتين أو أكثر، ومعظم الحكومات لها دبلوماسيون يمثلونها لدى الدول الأخرى لتنمية التعاون والوفاق الدوليين. وتعتبر الدبلوماسية في رأي كثير من خبراء السياسة أهم عوامل حفظ السلام.


المنظمات الدولية: تعمل المنظمات الدولية لحل الخلافات بين الأمم بالطرق السلمية.


وفي عام 1945 م اجتمع ممثلو خمسين دولة وقاموا بإنشاء الأمم المتحدة وهي المنظمة الدولية الرئيسية؛ لخدمة السلام العالمي. وفي العام التالي، تم رسميا حل عصبة الأمم.


ويبحث مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة المنازعات التي تقوم بين الدول ويقترح الطرق لحلها. فإذا قامت أي دولة بتهديد السلام فإن المجلس يفرض ضدها عقوبات اقتصادية، فمثلا تقوم الدول الأعضاء بالامتناع عن تبادل التجارة مع الدولة المعتدية، فإذا لم تنجح تلك الإجراءات في ردع المعتدي، على المجلس أن يطلب من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة مده بالقوات اللازمة لتنفيذ قراراتها، وقد أحرزت الأمم المتحدة بعض النجاح في عملية حفظ السلام. ولكنها لم تستطع أن تمنع قيام الحروب المحلية في عدد من المناطق، منها إفريقيا وجنوب شرقي آسيا، والشرق الأوسط، وفي أحيان أخرى تراخى مجلس الأمن أو غض الطرف عما يجري من حروب وكوارث، وبخاصة حين تكون الشعوب الإسلامية هي المستهدفة بالعدوان، وتشكل مواقف مجلس الأمن الدولي ومواقف الدول الكبرى من العدوان على المسلمين في فلسطين المحتلة والبوسنة والهرسك أكبر دليل على ذلك !!.


نزع السلاح: وتتضمن عملية نزع السلاح الرقابة على الأسلحة، وخفض القوات المسلحة أو الاستغناء عنها. وقد وافقت الأمم المتحدة في عام 1968م على معاهدة منع الانتشار؛ لوقف انتشار الأسلحة النووية. تلك المعاهدة التي دخلت حيز التنفيذ في عام 1970 م، تحظر على الدول النووية مد الدول الأخرى بأي أسلحة أو تقنية ذرية. وفي عامي 1972 م و 1988 م، وقع الاتحاد السوفييتي (سابقا) والولايات المتحدة اتفاقيتين للحد من إنتاج وحيازة الأسلحة الذرية... وفي عام 1993م، وقعت (125) دولة برعاية الأمم المتحدة اتفاقية تحظر تصنيع الأسلحة الكيميائية واستخدامها ونقلها وتخزينها، وقد أصبحت الاتفاقية نافذة عام 1997 م. ولكن ظلت بعض الدول، من بينها إسرائيل، تمتلك هذه الأسلحة.


الأمن الجماعي: يشبه الأمن الجماعي نظام ميزان القوى، حيث يوافق كل عضو في مجموعة من الدول على مساعدة أي عضو آخر في المجموعة، إذا ما تعرض ذلك العضو للاعتداء. ويذلك تقوم قوة المجموعة المشتركة بإحباط أية محاولة لهجوم العدو.


وتشمل منظمات الأمن الجماعي (حلف شمال الأطلسي) و (حلف وارسو) السابق.


تحسين الاتصالات والتجارة الدولية: تزيد تنمية الاتصالات والتجارة الدولية من التفاهم بين الدول، فهي تقتل من خطر الحرب عن طريق خفض الحواجز الثقافية والاقتصادية التي تفصل بين البلاد. ويعمل عدد من دول أوروبا معا كمجموعة تعرف باسم "الاتحاد الأوروبي"، وقد استطاعت تلك الدول أن تزيد بشكل كبير حركة انسياب البضائع والأفكار والشعوب من دول لأخرى، كما ظهرت داخل المجتمعات العربية مثل تلك الاتصالات والمشاركات الفعالة، وتم تشكيل مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وذلك للتعاون في كافة المجالات الدفاعية والاقتصادية والثقافية والتنموية، وكذلك دول المغرب العربي، وكل هذا في إطار تحسين قاعدة التعامل العربي وزيادة التبادل المشترك في كافة المجالات ([14]).


وإن الناظر إلى جهود الأمم المتحدة في حفظ السلام، فهي رغم كل ما تملكه من إمكانيات؛ إلا أنها لم تستطع فرض السلام ونشر الأمن في كثير من الأماكن في العالم، وكانت ولا زالت شعوب كثيرة وأمم عديدة ويلدان مختلفة تتجرع ويلات الحرب، ومنظمة الأمم المتحدة لا تقوم بدورها المنوط بها، وتقف موقف المتفرج، حتى أصبحت هيئة لحفظ مصالح الدول الكبرى فحسب، ذلك أنها منظمة قائمة على غير هدى، وتكيل بعدة مكاييل، وأن أكثر جهودها تنصب على معالجة آثار الحروب، لا العمل على وأدها قبل نشوبها والوقاية منها قبل اندلاعها.


ومن هنا من الضروري إبراز منهج الإسلام في بث الأمن ونشر السلام في الناس جميعا، ونرى فضل الإسلام على غيره، ونرى كم يخسر العالم بتركه للإسلام !.



المبحث الثاني


منهج النبي صلي الله عليه وسلم في تحقيق السلام


أولا: الإسلام دين السلام عقيدة وشريعة وأخلاقا:


حرص الإسلام عقيدة وشريعة وأخلاقا على تحقيق السلام بأشكاله المختلفة ودرجاته المتنوعة، سواء أكان السلام الفردي، أم السلام الأسري، أم السلام المجتمعي، أم السلام العالمي، وموضوع بحثنا بدرجة أولى هو السلام العالمي، الذي يسع الناس جميعا، وإن كنا سنمر سريعا عبر درجات السلام المختلفة الفردي والأسري والاجتماعي، فما هي إلا لبنات للسلام العالمي.


الإسلام دين السلام: السلام مبدأ من المبادئ التي عمق الإسلام جذورها في نفوس المسلمين، فأصبحت جزءا من كيانهم وعقيدة من عقائدهم، لقد صاح الإسلام –منذ طلع فجره وأشرق نوره - صيحة المدوية في آفاق الدنيا، ودعا إلى السلام، ووضع الخطة الرشيدة التي تبلغ بالإنسانية إليه، ورسم الطريقة المثلى لتعيش الإنسانية متجهة إلى غايتها من الرقي والتقدم وهي مظللة بظلال الأمن الوارفة.


إن لفظ الإسلام -الذي هو عنوان هذا الدين - مأخوذ من مادة السلام، فالسلام والإسلام يلتقيان في توفير الطمأنينة والأمن والسكينة ([15])، والإسلام ذاته وطبيعته سلم، وقد سماه الله سلما في قوله [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ] [البقرة: 208] وسمى المؤمنين والمطيعين لهذا الدين مسلمين [مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ] [الحج: 78] ([16]).


وجعل الله جزاء الطائعين الخلود في "دار السلام " وهي الجنة، قال تعالى: [وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ] [يونس 25]، وقال تعالى: [لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ] [الأنعام 127].


وجعل الله السلام اسما من أسمائه الدالة عليه اسما وصفة: [هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ] [الحشر 23].


وكان رسول الله صلي الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته، استغفر ثلاثا، وقال: [اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت ذا الجلال والإكرام] ([17]).


والنبي صلي الله عليه وسلم أول ما دعا إلى الله؛ دعا إلى التوحيد، الذي يحمل في طياته السلام ونفي التصادم ونفي التعدد والتضاد المسبب للفساد والهلاك.


وكان من آيات العقيدة: "قوله تعالى: [قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)] وبذلك يبت كل أسباب الفرقة والخلاف في مصدر الكون الأول. ويرفع أسباب الفساد والصدام في صميم الناموس. فوحدة الإله الخالق تنفي عن ناموس الكون تعدد التصاميم والنظام. وتنفي عنه تبعا لهذا أسباب التعارض

والاصطدام، وذلك مصداق ما قال الله تعالى في القرآن: [لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ] [الأنبياء 22]" ([18]).


وقد أمر الله تعالى بترك الكفر والمعاصي التي هي سبب الخوف والجوع والإضرابات الفردية والجماعية، قال تعالى: [وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ] [النحل 112].


كما أمر بالعبادات وعمل الصالحات لما لها من أثر في تحقيق السلم العالمي: والعبادة تشمل جميع جوانب الحياة البشرية النفسية والاجتماعية والفكرية والروحية، وهي كل انقياد وطاعة لله تعالى، فتشمل: الاعتقادات والأخلاق والمعاملات.


والعبادات التي شرعها الله تعالى ذات أثر شمولي واضح في تمكين الحقائق وتحقيق الفطرة وهي تجسد عناصر الحب والذل والرجاء والخوف وهي السلام عينه الذي يدعو إليه البارئ: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً] [البقرة 208]


فالصلاة صلة بين العبد ورله، وهي أجل شعيرة في الإسلام، فهي واحة وراحة لمن أداها على وجهها الحق (أرحنا بها) ([19])، في ذكر الله وخضوع وتزلل.


والزكاة التي أخذت معناها من النماء والزيادة لها أثر كبير في تنقية المجتمع المسلم من الشح والبخل والأحقاد، بل هي ركيزة الأمن والطمأنينة وعنوان الرحمة والسلام، قال تعالى: [خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ] [التوبة 103].


والصوم له دوره الأساسي في غرس خلق الصبر والضبط النفسي والكف عن اللغو والرفث وتعويد النفس على مكارم الأخلاق وجميل السجايا.


أما الحج فالأثر الاجتماعي له أوسع من أن يسطر هنا، إذ هو أكبر اجتماع عرفته البشرية وهو تلبية وإجابة لنداء خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام، ففيه جمع أطراف الأمة الإسلامية من جميع بقاع الأرض على اختلاف ألسنتهم وألوانهم، وأسمى غايات الحج ومقاصده المساواة الكبرى بين الشعوب الإسلامية، وهو أكبر مجمع عرفته البشرية؛ لنبذ الفرقة والاختلاف وفض المشاكل والخلاف وإشاعة السلام؛ إذ فيه غرس لروح التضحية حتى بالأهل والمال.


والمتأمل لخطبة الوداع وما ورد فيها من أقوال وأفعال يجده في كل من مقطع من مقاطعا يدعو إلى السلام وما ذاك إلا لأهمية تحقيقه في الأمة الإسلامية، قوله صلي الله عليه وسلم ((لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض)) ([20])، وقد اشتملت خطبته صلي الله عليه وسلم على وصايا جامعة أكد فيها أن اجتناب جميع المشكلات وحلها إذا اعترضتهم لا يكون إلا بالسلام والإسلام والرجوع إلى الكتاب والسنة.


وكذا المعاملات مع غير المسلمين وما أمر الله به من أمانة وصدق تحفظ السلم وتجنب الناس الحروب والنزاعات.


والسلام شعار الإسلام وتحيته، قال تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [النساء 94].


وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله أخبرني بشيء إذا عملته أو عملت به دخلت الجنة، قال: ((أفش السلام، وأطعم الطعام، وصل الأرحام، وقم بالليل والناس نيام، تدخل الجنة بسلام))([21]).


وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن السلام اسم من أسماء الله وضعه في الأرض، فأفشوا بينكم، فإن الرجل المسلم إذا مر بقوم فسلم عليهم فردوا عليه كان له عليهم فضل درجة بتذكيره إياهم السلام، فإن لم يردوا عليه رد عليه من هو خير منهم وأطيب، يعني: الملائكة))([22]).


ولقد فطر الله الكون كله على مبدأ السلم والسلام، من أصغر ذراته حتى أكبر أجرامه، قال تعالى: { لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنبياء 22].


حتى مع الجمادات: فقد ذم الله الفساد في الأرض ونهى عنه في كثير من الآيات الكريمة، منها قوله تعالى: {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [البقرة: 205].


وكان النبي صلى الله عليه وسلم يوصي بعوثه وسراياه بعدم الظلم أو الاعتداء أو الإفساد في الأرض، كما في حديث خالد بن زيد رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مشيعاً لأهل مؤتة حتى بلغ ثنية الوداع فوقف ووقفوا حوله فقال: ((اغزوا بسم الله، فقاتلوا عدو الله وعدوكم بالشام، وستجدون فيهم رجالاً في الصوامع معتزلين من الناس فلا تعرضوا لهم، وستجدون آخرين للشيطان في رؤوسهم مفاحص فافلقوها بالسيوف، ولا تقتلوا امرأة ولا صغيراً ضرعاً ولا كبيراً فانياً، ولا تقطعن شجرة، ولا تعقرن نخلاً، ولا تهدموا بيتاً))([23]).


ونهى أبو بكر الصديق –رضي الله عنه- يزيد بن أبي سفيان لما بعثه أميراً إلى الشام أن يقطع شجراً مثمراً أو يخرب عامراً، وعمل به المسلمون بعده([24]).


وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن آطام المدينة أن تهدم. وفي رواية ((لا تهدموا الآطام فإنها زينة المدينة))([25]).


حتى بين البهائم: فإن الله حرم الاعتداء، وأوجب عليه القعاب، فإنه يقوم القيامة يقتص من الشاة الجلحاء من االشاة القرناء تنطحها: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء تنطحها) وقال ابن جعفر يعني في حديثه: (يُقاد للشاة الجلحاء)([26]).


من خلال الاستدلالات السابقة يتضح أن مبدأ السلام مبدأ أصيل في الدين الإسلامي، بل هو جوهر الدعوة الإسلامية، وهو الغاية التي يبحث عنها الإسلام، بين جميع الناس، ل بين جميع الكائنات، ليعيش الناس في سلام في الدنيا والآخرة دون بغي ولا حروب ولا ظلم ولا اضطرابات.


ثانياً: نزع أسباب الخلاف والتناحر بين الناس:


عادة ما تنشب الحروب لأسباب معينة، من الطمع والمنافسة والعدوان والاستحواذ وغيره، وقد ذكرها ابن خلدون كالتالي:-


غيرة أو منافسة بين القبائل المتجاورة.

حرب عدوان، وتحدث بين الأمم الوحشية (الساكنين في الأماكن النائية).

غضب لله ولدينه، وهذا يسمى جهاداً.

غضب للملك([27]).

وقد نزع الإسلام كل أسباب الخلاف فيما بين الناس، من خلال إجراءات وقائية حامية للسلم العام، ومن ذلك: حفظ الموارد العامة من الاستيلاء والاستحواذ:


فإن غالب النزاعات الفردية والجماعية إنما هو تناحر على الموارد، واقتتال على الثروات، وقد جاء الإسلام ونهى عن ذلك وبين للناس ما لهم وما عليهم.


وإن "الإسلام ينفي منذ الخطوة الأولى معظم الأسباب التي تثير في الأرض الحروب، ويستبعد ألواناً من الحرب التي لا يقر بواعثها وأهدافها.


ويستبعد الحروب التي تثيرها القومية العنصرية، فلا مكان فيه للقومية العنصرية، وهو يقرر أن الناس كلهم من أصل واحد، وأنهم خلقوا كلهم من نفس واحدة، وأنهم جعلوا شعوباً وقبائل ليتعارفوا.


ويستبعد الحروب التي تثيرها المطامع والمنافع؛ حروب الاستعمار والاستغلال، والبحث عن الأسواق والخامات، واسترقاق المرافق والرجال، فلا مكان فيه لتلك الحروب، وهو يعد رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((عن أبي موسى رضي الله عنه قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال الرجل يقاتل للمغنم والرجل يقاتل للذكر والرجل يُقاتل ليُرى مكانه فمن في سبيل الله قال من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله))"([28]).


وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((ثلاث لا يمنعن: الماء، والكلأ، والنار))([29]).


وعن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما: أنه حدثه أن رجلاً من الأنصار خاصم الزبير عند النبي صلى الله عليه وسلم في شراج الحرة([30]) التي يسقون بها النخل فقال الأنصاري: سرح الماء يمر. فأبى عليه فاختصما عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير: ((أسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك)) فغضب الأنصاري فقال: أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: ((اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر))...([31]).


في الحديث: النبي صلى الله عليه وسلم حكم أولاً بالفضل، ثم لما أبى الأنصاري، حكم بالعدل، وإن من حق الزبير أن يحبس الماء إلى الجدر ثم يرسله.


بمثل هذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يفض النزاع بين الناس حفاظاً على روح الألفة والتسامح والسلام بين الناس.


وإن الناس اليوم دولا وأفراد، التزموا مثل هذه التوجيهات النبوية لساد السلام والأمن في العالم، ولكن الواقع هو انتشار الجشع والهلع وحب السيطرة وحب الاستحواز على مقدرات الآخرين.


ثالثاً: تحقيق السلام الفردي كمدخل للسلام العالمي:


حث النبي صلى الله عليه وسلم على إفشاء السلام، وجعل السلام هي تحية المسلمين:


عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا. أولاً أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم"([32]).


فقد جعل إفشاء السلام من أسباب دخول الجنة.


وها هو يزيد الأمر وضوحاً حينما يحث على التواد والتصافح: عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا)([33]). وفي رواية أبي داود قال: ((إذا التقى المسلمان فتصافحا وحمدا الله عز وجل واستغفراه غفر لهما))([34]).


كما حث النبي صلى الله عليه وسلم على الرحمة مع الآخرين، والإحسان إليهم؛ لتسود روح المحبة والتآلف والسلام: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: جاء شيخ يريد النبي صلى الله عليه وسلم فأبطأ القوم عنه أن يوسعوا له فقال النبي صلى الله عليه وسلم ((ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا))([35]).


وكم وقعت نزاعات أسرية واجتماعية وخلافات ومشاكل نتيجة غياب هذه الثقافة!!


رابعاً:- الحث على البر والإحسان للناس جميعاً:


مما أوصى به الله تعالى عباده المؤمنين وشدد عليه: الإحسان إلى الناس جميعاً: قال تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} (القصص 77).


وعن بن عباس رضي الله عنه قال عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((في ابن آدم ستون وثلاثمائة سلامى أو عظم أو مفصل، على كل واحد في كل يوم صدقة، كل كلمة طيبة صدقة، كل كلمة طيبة صدقة، وعون الرجل أخاه صدقة، والشربة من الماء يسقيها صدقة، وإماطة الأذى عن الطريق صدقة))([36]).


حتى مع غير المسلمين، فالأمر القرآني جاء بالبر والقسط إليهم، ما لم يكن محارباً فيعامل بالمثل: قال تعالى: ((لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ)) (الممتحنة 8).


وقد زار النبي صلى الله عليه وسلم الغلام اليهود حينما مرض ليبين سعة رحمة الإسلام وإحسانه إلى الناس وإن كانوا غير مسلمين: عن أنس بن مالك رضي الله عنه ((أن غلاماً من اليهود كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمرض، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده، فقعد عند رأسه، فقال: أسلم، فنظر إلى أبيه وهو عند رأسه، فقال له: أطع أبا القاسم صلى الله عليه وسلم، فأسلم، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار))([37]).


حتى أنه أمر بالرحمة مع الحيوان:


عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((بينا رجل بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئراً فنزل فيها فشرب ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش فقال الرجل لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني فنزل البئر فملا خفه ماء فسقى الكلب؛ فشكر الله له فغفر له قالوا: يا رسول الله وإن لنا في البهائم لأجراً فقال في كل ذات كبد رطبة أجر))([38]).


وقد شرع الإسلام مخالطة غير المسلمين ومعاشرتهم بالحسنى:


من ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أباح زيارة اليهود والنصارى وعيادتهم وتعزيتهم والزواج منهم وأكل طعامهم، وقبول هداياهم، ما لم يكن إثماً.


عن أنس بن مالك رضي الله عنه ((قال: كان غلام يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمرض فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده فقعد عند رأسه فقال له: أسلم، فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال له أطع أبا القاسم صلى الله عليه وسلم فأسلم فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول الحمد لله الذي أنقذه من النار)([39]).


وكان صلى الله عليه وسلم يعامل مخالفيه من غير المسلمين في البيع والشراء والأخذ والعطاء، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: تُوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعاً من شعير([40]).


وقد قرر الفقهاء قبول هدايا الكفار بجميع أصنافهم حتى أهل الحرب، قال في المغني: "ويجوز قبول هدية الكفار من أهل الحرب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فبل هدية المقوقس صاحب مصر"([41]).


وكان صلى الله عليه وسلم يغشى مخالفيه في دورهم: فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بينما نحن في المسجد إذ خرج علينا (إلينا) رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "انطلقوا إلى يهود فخرجنا معه حتى جئنا بيت المدراس فقام النبي صلى الله عليه وسلم فناداهم: ((يا معشر يهود أسلموا تسلموا)) فقالوا: قد بلغت يا أبا القاسم فقال: ذلك أريد..." الحديث([42]).


وبذلك يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد أرسى دعائم المودة والسلام بين مكونات المجتمع، ولم يجعل المسلمين فئة منعزلة عن الناس، بل هم خير أمة أخرجت للناس، يدعونهم، يهدونهم، يرشدونهم، ينصفونهم، يوادونهم، كل ذلك في غير منكر.


خامساً:- الصفح والإعراض عن الجاهلين وإظهار حسن النوايا:


كان من منهج النبي صلى الله عليه وسلم أن يتجاوز عن مخالفيه، ويعرض عن الجاهلين، حتى ممن ناصبوه العداء، فقد كانت سماحته يوم الفتح غاية ما يمكن أن يصل إليه صفح البشر وعفوهم فكان موقفه ممن كانوا حربا على الدعوة ولم يضعوا سيوفهم بعد عن حربها أن قال لهم: ((اذهبوا فأنتم الطلقاء))([43]).


ومن ذلك دعاؤه صلى الله عليه وسلم لمخالفيه من غير المسلمين فقد قدم الطفيل بن عمرو الدوسي وأصحابه فقالوا: يا رسول الله إن دوساً قد كفرت وأبت فادع الله عليها، فقيل: هلكت دوس، ظناً بأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما رفع يديه للدعاء عليها، فقال صلى الله عليه وسلم: ((اللهم اهد دوساً وأئت بهم))([44]).


فأسلموا فكانوا دعاة وصالحين وقادة ومجاهدين.


ومن صور الدعاء ما كان من اليهود حيث كانوا يتعاطسون عند النبي صلى الله عليه وسلم رجاء أن يقول لهم يرحمكم الله، فلم يحرمهم من الدعوة بالهداية والصلاح، فكان يقول: ((يهديكم الله ويصلح بالكم))([45]).


بتلك الروح من التسامح والعفو والصفح كان يتعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع خصومه.


وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل هدايا الآخرين من غير المسلمين، فقبل هدية زينب بنت الحارث اليهودية امرأة سلام بن مشكم في خيبر، حيث أهدت له شاة مشوية قد وضعت فيها السم.


وكان يؤثر العفو والصفح ما وسعه ذلك، فرغم أنه تعرض لسحر من اليهودي لبيد بن عاصم، إلا أنه تسامح ولم ينتقم ولم يريد إثارة الشر على الناس:


عن عائشة قالت سُحِرَ النبي صلى الله عليه وسلم حتى كان يُخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله حتى كان ذات يوم دعا ودعا ثم قال: أشعرت أن الله أفتاني فيما فيه شفائي أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي فقال أحدهما للآخر ما وجع الرجل قال مطبوب([46]) قال ومن طبه قال لبيد بن الأعصم قال فيما ذا قال في مشط (مُشط)([47]) ومشاقة وجف طلعة([48]) ذكر قال فأين هو؟ قال في بئر ذروان فخرج إليها النبي صلى الله عليه وسلم ثم رجع فقال لعائشة حين رجع نخلها كأنها رؤوس الشياطين فقلت استخرجته؟ فقال لا أمام أنا فقد شفاني الله وخشيت أن يثير ذلك على الناس شرا ثم دفنت البئر([49]).


فقد عفا النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان من حقه صلى الله عليه وسلم الانتقام لذلك الغدر، لكنه آثر العفو في ذلك اليوم، وعدم إثارة الشر على الناس، وإن كان ذلك الأمر موكول لاجتهاد الإمام العام، فله أن يعفو وله أن ينتقم.


كما حث على إظهار النوايا الحسنة والمبادرة بالخير:


يعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم المبادرة بالخير وإظهار حسن النوايا مع الآخرين، أفرادا وجماعات.


عن أبي أيوب الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام))([50]).


ويعلمنا وسائل زرع المحبة في القلوب: منها التهادي: عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((تهادوا تحابوا))([51]).


وقد صنع النبي صلى الله عليه وسلم مجتمعاً مليئاً بالتواد والتراحم والتعاون، وعاشوا بسلام بعد حروب طاحنة لأجل ناقة وبعير، وذلك حينما وفد المهاجرون على الأنصار مهاجرين فارين بدينهم من مكة، فكان مجتمعاً مثالياً في المحبة والتواد والتراحم والعيش بسلام.


عن سعد بن الربيع رضي الله عنه قال: لما قدموا المدينة آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع. فقال لعبد الرحمن إني أكثر الأنصار مالا فأقسم مالي نصفين، ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك فسمها لي أطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها قال بارك الله لك في أهلك ومالك أين سوقكم([52]).


ولم يكن أمراً هيناً أن يحدث ذلك بين قومين عرفوا بالعداء التاريخي فيما بينهما، ثم هم يتقاسموا والأموال والأهلين.



سادساً:- نبذ التمييز العنصري وإقرار العدالة الإنسانية:


وضع الإسلام معيار التفاضل الصحيح بين الناس، ونبذ التمييز بينهم على أساس اللون أو الجنس أو العرق أو اللسان: عن أبي نضرة قال: حدثني من سمع خطبة رسول الله صلي الله عليه وسلم في وسط أيام التشريق فقال: ((يا أيها الناس: ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا أسود على أحمر؛ إلا بالتقوى...)([53]).


وبين للناس أنهم كلهم سواسية لا تفاضل بينهم إلا بالإيمان والعمل الصالح:


عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله عز وجل قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، مؤمن تقى، وفاجر شقى، أنتم بنو آدم، وآدم من تراب، ليدعن رجال فخرهم بأقوام إنما هم فحم من فحم جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع بأنفها النتن))([54]).


وجعل الله سنة التعارف غاية من غايات خلقه: فقال تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } (الحجرات 13).


ونهى عن الفرقة والتشرذم والاختلاف، ووصى بذلك المرسلين والمؤمنين:


قال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (13)} (الشورى 13).


سابعاً:- العدل في الحكم والقضاء بين الناس جميعاً:


أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالعدل والإنصاف ولو على النفس أو الوالدين، حتى أنه أمر بالعدل مع غير المسلمين؛ حرصاً على الأمن والاستقرار، فإن الظلم لا يدوم معه أمن ولا سلام ولا طمأنينة.


من ذلك ما حدث عندما سرق رجل من المسلمين من إحدى قبائل الأنصار من بني أبيبرق بن ظفر بن الحارث، وكان اسمه في رواية: "طعمة بن أبيرق"، وفي رواية أخرى: (بشير بن أبيرق)، وكان ذلك الرجل قد سرق درعاً من جارٍ له مسلم يقال له: (قتادة بن النعمان)، وكانت الدرع في جراب فيه دقيق، فجعل الدقيق ينتثر من خرق في الجراب حتى انتهى إلى الدار، ثم خبأها عند رجل من اليهود يقال لهه: "زيد بن السمين"، فالتمست الدرع عند "طعمة" فحلف بالله ما أخذها، فقال أصحاب الدرع: لقد رأينا أثر الدقيق في داخل داره. فلما حلف تركوه، واتبعوا أثر الدقيق إلى منزل اليهودي، فوجدوا الدرع عنده، فقال اليهودي: دفعها إلي طعمة بن أبيرق!! فجاء بنو ظفر –وهم قوم طعمة- إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسألوه أن يجادل عن صاحبهم، فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعاقب اليهودي، فأنزل الله صلى الله عليه وسلم هذه الآيات من سورة النساء: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (105) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (106) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (107)} إلى قوله تعالى {وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (111) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا } (النساء: 105-112).


لقد اعتقد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن السارق هو اليهودي لوجود القرائن ضده، ولكن الوحي نزل بخلاف ذلك؛ فلم يكتم صلى الله عليه وسلم شيئاً –وحاشاه- بل قام وأعلن بوضوح وصراحة أن اليهودي بريء، وأن السارق مسلم!!


وليس الأمر هيناً!! إن التبرئة تأتي في حق يهودي اجتمع قومه من اليهود على تكذيب الإسلام، والكيد له، والطعن في رسوله صلى الله عليه وسلم، وبث الفرقة بين أتباعه.. ومع ذلك، فكل تلك السلبيات والخلفيات لا تبرر اتهام يهودي بغير حق([55]).


قصة جابر بن عبد الله ويهودي:


ولمزيد من الإيضاح، والتأكيد بصورة أعمق لهذه الحقيقة، لنرى ما رواه جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حيث قال: ((كان بالمدينة يهودي، وكان يسلفني في تمري إلى الجداد –وكانت لجابر الأرض التي بطريق رومة([56])- فجلست، فخلا عاماً، فجاءني اليهودي عند الجداد، ولم أجد منها شيئاً، فجعلت أستنظره إلى قابل فيأبى، فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال لأصحابه: (امشوا نستنظر لجابر من اليهودي) فجاءوني في نخلي، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يُكلم اليهودي، فيقول: أبا القاسم، لا أنظره. فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم قام فطاف في النخل، ثم جاءه فكلمه فأبى، فقمت فجئت بقليل رطبٍ فوضعته بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، فأكل ثم قال: (أين عريشك يا جابر؟) فأخبرته، فقال: (افرش لي فيه) ففرشته، فدخل فرقد ثم استيقظ، فجئته بقبضة أخرى، فأكل منها ثم قام فكلم اليهودي فأبى عليه، فقام في الرطاب في النخل الثانية ثم قال: ((يا جابر، جد واقض)) فوقف في الجداد فجددت منها ما قضيته، وفضل منه، فخرجت حتى جئت النبي صلى الله عليه وسلم فبشرته، فقال: ((أشهد أني رسول الله))([57]).


في تلك الحادثة قام النبي صلى الله عليه وسلم بالقسط بين جاب صاحب المكانة العالية عند النبي صلى الله عليه وسلم، وبين ذلك اليهودي الذي أبى أن ينظره في سداد دينه. وبهذا يسود العدل، ويعم السلام، ويصلح أمر الناس، فلا محاباة، ولا ظلم، وأن كان بين أتقى الناس وأفجر الناس!


وعلى ذلك سار الخلفاء الراشدون:


فمما اشتهر في التاريخ الإسلامي: أن عمرو بن العاص رضي الله عنه، عندما كان والياً على مصر في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، اشترك ابن لعمرو بن العاص مع غلام من الأقباط في سباق للخيول، فضرب ابن الأمير الغلام القبطي اعتماداً على سلطان أبيه، وأن الآخر لا يمكنه الانتقام منه؛ فقام والد الغلام القبطي المضروب بالسفر بصحبة ابنه إلى المدينة المنورة، فلما أتى أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، بين له ما وقع، فكتب أمير المؤمنين إلى عمرو بن العاص أن يحضر إلى المدينة المنورة بصحبة ابنه، فلما حضر الجميع عند أمير المؤمنين عمر، ناول عمر الغلام القبطي سوطاً وأمره أن يقتص لنفسه من ابن عمرو بن العاص، فضربه حتى رأى أنه قد استوفى حقه وشفا ما في نفسه، ثم قال له أمير المؤمنين: لو ضربت عمرو بن العاص ما منعتك؛ لأن الغلام إنما ضربك لسلطان أبيه، ثم التفت إلى عمرو بن العاص قائلاً: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟!!([58]).



ثامناً: الوفاء بالعهود وحفظ حقوق المعاهدين:


حذر النبي صلى الله عليه وسلم أشد التحذير من المساس بحقوق المعاهدين غير المسلمين، ممن لهم حق الأمان والعهد، ممن يعيش في كنف الدولة الإسلامية.


عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاماً))([59]).


قال ابن حجر: "والمراد به: من له عهد مع المسلمين، سواءً أكان بعقد جزية، أم هُدنة من سلطان، أم أمان من مسلم، بل إن قتله خطأ يجب فيه الدية والكفارة، قال الله تعالى: {وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ}"([60]).


وإذا كان قتله خطأ فيه الدية والكفارة، فكيف إذا قتل عمداً؟! فإن الجرم يكون أعظم، والإثم يكون أكبر. وهذا دليل صريح على أن المعاهد معصوم الدم، فلا يجوز قتله إلا بحق، ويدخل في عموم الآيات الدالة على تحريم قتل النفس بغير حق.


ولنرى أنموذجاً من عدل الإسلام مع الآخرين: تروي كتب السيرة والتاريخ: أن عمرا رأى شيخا ضريراً يسأل على باب، فسأل، فعلم أنه يهودي، فقال له: ما ألجأك إلى ما ترى؟ قال: الجزية والحاجة والسن، فأخذ عمر بيده، وذهب به إلى منزله، فأعطاه ما يكفيه ساعتها، وأرسل إلى خازن بيت المال: "انظر هذا وضرباءه، فوالله ما أنصفناه أن أكلنا شبيبته، ثم نخذله عند الهرم. {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ}. وإن ذلك من مساكين أهل الكتاب([61]).



فضل المسلمين على غيرهم:


"كتب ميخائيل الأكبر بعد أن سرد اضطهادات هرقل: وهذا هو السبب في أن إله الانتقام الذي تفرد بالقوة والجبروت الذي يديل دولة البشر كما يشاء، فيؤتيها من يشاء ويرفع الوضيع لما رأى شرور الروم الذين لجأوا إلى القوة فتهبوا كنائسنا وسلبوا أديارنا في ممتلكاتنا كافة وأنزلوا بنا العقاب في غير رحمة ولا شفقة، أرسل أبناء إسماعيل من بلاد الجنوب لتخليصنا على أيديهم من قبضة الروم. وفي الحق إننا إذا كنا قد تحملنا شيئا من الخسارة بسبب انتزاع الكنائس الكاثولوكية منا وإعطائها لأهل خليقدونية فقد استمرت الكنائس في حوزتهم، ولما أسلمت المدن للعرب خصص أولئك لكل طائفة الكنائس التي وجدت في حوزتها ومع ذلك فلم يكن كسبا هينا أن نتخلص من قسوة الروم وأذاهم وحنقهم وتحمسهم العنيف ضدنا، وأن نجد أنفسنا في أمن وسلام.


ولما بلغ الجيش الإسلامي وادي الأردن وعسكر أبو عبيدة في فحل كتب الأهالي المسيحيون في هذه البلاد إلى العرب يقولون: "يا معشر المسلمين أنتم أحب إلينا من الروم، وإن كانوا على ديننا، أنتم أوفى لنا، وأرأف بنا، واكف عن ظلمنا، وأحسن ولاية علينا. ولكنهم غلبونا على أمرنا وعلى منازلنا"([62]).


تاسعاً: تحريم الاعتداء على الناس بغير حق:


حرم الإسلام الاعتداء على الآخرين، الذي هو سبب لكثير من نزاعات العالم اليوم.


قال تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ } (البقرة 190). فحتى حينما أجاز للمظلوم الانتصار، أمره برد الاعتداء مماثلة، دون عدوان أو مبالغة.


وعن ابن سيرين عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه ذكر النبي صلى الله عليه وسلم قعد على بعيره وأمسك إنسان بخطامه أو بزمامه قال: ((أي يوم هذا؟)) فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه قال: ((أليس يوم النحر؟!)) قلنا: بلى، قال: ((فأي شهر هذا)) فسكتتا حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. فقال: ((ليس بذي الحجة؟!)) قلنا بلى. قال: ((فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ليبلغ الشاهد الغائب، فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى له منه))([63]).


وعن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى ((أن لا ضرر ولا ضرار))([64]).


وليس هذا حكراً على المسلمين، بل أيضاً يحرم الاعتداء على غير المسلمين من غير المحاربين، ممن لهم العهد والأمان:


عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاماً))([65]).


وحتى مع غير الآدميين: لما رواه أبو داود في سننه عن عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفرٍ فانطلق لحاجته فرأينا حُمرة معها فرخان فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة فجعلت تفرش فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها) ورأى قرية نمل قد حرقناها فقال "من حرق هذه". قلنا نحن. قال (إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار)([66])، والحمرة طائر صغير كالعصفور([67]).


والحاصل أن الشريعة الإسلامية تحرم الاعتداء بكل أنواعه وصوره، ولذلك شرع الله الحدود، كقطع يد السارق، وقتل القاتل، وجلد الزاني، أو رجمه، ونحو ذلك مما هو معلوم من شريعة الإسلام.



عاشراً: السعي بالإصلاح بين الناس وفض المنازعات بينهم:


قال الله تعالى: ((وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)) (الحجرات 9).


وجاء في سبب نزولها: أن أنساً رضي اله عنه قال قيل للنبي صلى الله عليه وسلم لو أتيت عبد الله بن أبي فانطلق إليه النبي صلى الله عليه وسلم وركب حماراً فانطلق المسلمون يمشون معه وهي ارض سبخة فلما أتاه النبي صلى الله عليه وسلم قال: إليك عني والله لقد آذاني نتن حمارك فقال رجل من الأنصار منهم والله لحمار رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ريحاً منك فغضب لعبد الله رجل من قومه فشتمه فغضب لكل واحد منهما أصحابه فكان بينهما ضرب بالجريد والأيدي والنعال فبلغنا أنها أنزلت {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا}([68]).


وعن سهل بن سعد رضي الله عنه: أن أهل قبا اقتتلوا حتى تراموا بالحجارة فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: ((اذهبوا بنا نصلح بينهم))([69]).


حتى أنه أباح الكذب لأجل إصلاح ذات البين:


عن أم كلثوم بنت عقبة قالت: أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيراً أو يقول خيراً))([70]).


وحتى في حال قتال البغاة من المسلمين، فإن الواجب نصحهم قبل قتالهم، وتعليمهم، وكشف الشبه عنهم، والنظر في حاجتهم، وما شرع قتالهم إلا لردهم إلى الحق دون إسراف في قتل ولا إجهاز على جريح ولا قتل أسير ولا سلب أموال ولا ممتلكات:


لذا فإن "الأحكام التي أمر بها الإسلام قبل قتال أهل البغي وفي أثنائه وبعده، كمراسلتهم، وسؤالهم ما ينقمون منه، وكشف الشبه، وإزالة المظالم التي يدعونها، ووعظهم، وتخويفهم وإمهالهم، وعدم البدء بالقتال، وألا يقتل من حضر معهم وهو لا يقاتل، وعدم قتل مدبرهم، والإجهاز على جريحهم، وألا تغنم أموالهم، ولا تسبى ذراريهم، وغيرها من الأحكام التي ذكرناها، كلها جمعاء دليل على أن الإسلام حريص على السلام معهم ما أمكن؛ لأنه تدرج في معاقبتهم من الأخف إلى الأشد"([71]).


بل وردت نصوص شرعية، صريحة تعظم السلام حال الفتنة، وتحث ولي أمر المسلمين عليه، وعلى تقديمه على ما سواه ما وجد إلى ذلك سبيلاً، منها: قوله صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه: ((إنه سيكون بعدي اختلاف أو أمر فإن استطعت أن تكون السلم فافعل))([72]).


وقد أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على سبطه الحسن بأنه سيد وسيصلح الله به بين فئتين من المسلمين:


عن الحسن بن علي رضي الله عنه سمع أبا بكرة سمعت النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر والحسن إلى جنبه ينظر إلى الناس مرة وإليه مرة ويقول: ((ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين))([73]).


وقد كان ذلك وتحققت نبوءة النبي صلى الله عليه وسلم حينما أصلح الله بالحسن بن علي بين فئة علي ومعاوية، بتنازله عن الخلافة لمعاوية.



الحادي عشر: الدعاء بالأمن والسلام:


قال تعالى حكاية عن سيدنا إبراهيم وهو يدعو لقومه بالأمن والسلام: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} (البقرة 126).


وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو بالأمن والسلام، قال النبي صلى الله عليه وسلم ((اللهم اجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، حرباً لأعدائك، وسلماً لأوليائك))([74]).


وعن ثوبان رضي الله عنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته، استغفر ثلاثاً، وقال: ((اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت ذا الجلال والإكرام))([75]).


وعن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى الهلال قال: ((اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، ربي وربك الله، هلال رشدٍ وخير))([76]).


وكان يدعو لصالحي الناس بالسلام:


عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أسلم سالمها الله، وغفار غفر الله لها)([77]).



الثاني عشر:- تشريع الصلح والمعاهدات لضمان السلم العالمي:


أجاز الإسلام أن يعقد المسلمون المصالحات والمعاهدات مع غير المسلمين، سواءً أكانوا أهل كتاب أم مشركين، وذلك مثل ما حدث في صلح الحديبية:


عن أبي وائل قال قام سهل بن حنيف يوم صفين فقال: أيها الناس اتهموا أنفسكم لقد كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية ولو نرى قتالاً لقاتلنا وذلك في الصلح الذي كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين المشركين فجاء عمر بن الخطاب فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ألسنا على حق وهم على باطل قال: (بلى)، قال أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: (بلى)، قال ففيم نُعطى الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم فقال: (يا ابن الخطاب إني رسول الله ولن يضيعني الله أبداً)، قال فانطلق عمر فلم يصبر متغيظاً فأتى أبا بكر فقال يا أبا بكر ألسنا على حق وهم على باطل؟ قال بلى، قال أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى، قال فعلام نُعطى الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال: يا ابن الخطاب إنه رسول الله ولن يضيعه الله أبداً. قال فنزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفتح فأرسل إلى عمر فأقرأه إياه فقال: يا رسول الله أو فتح هو؟ قال: (نعم). فطابت نفسه ورجع([78]).


وحرص النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك الصلح، رغم معاتبة بعض أصحابه بأن شروط ذلك الصلح فيها جور على المسلمين، فأجابهم أن هذا وحي من الله، وأن الله لن يضيعه أبداً، وفعلاً، كان فيه فتح عظيم.


الثالث عشر:- مراسلة الملوك والأمراء وتنسيق الجهود لنشر السلام ونصرة المظلومين:


وكان من سماحة النبي صلى الله عليه وسلم وحرصه على الخير والسلام بن الناس، أن يخاطب مخالفيه باللين من القول تأليفاً لهم، كما تظهر سماحته صلى الله عليه وسلم مع غير المسلمين في كتبه إليهم حيث تضمنت هذه الكتب دعوتهم إلى الإسلام بألطف أسلوب وأبلغ عبارة.


ولنرى كتاب الرسول إلى المنذر بن ساوى ملك البحرين، وقد أرسل الرسالة مع العلاء بن الحضرمي قال فيها: (بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى المنذر بن ساوى، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، أما بعد فإني أذكرك الله عز وجل، فإنه من ينصح فإنما ينصح لنفسه، ومن يطع رسلي ويتبع أمرهم فقد أطاعني، ومن ينصح لهم فقد نصح لي، وإن رسلي قد أثنوا عليك خيراً، وإني قد شفعتك في قومك، فاترك للمسلمين ما أسلموا عليه، وعفوت عن اهل الذنوب فاقبل منهم، وإنك مهما تصلح، فلن نعزلك عن عملك، ومن أقام على يهودية أو مجوسية فعليه الجزية)([79]).


ذلك خطاب النبي صلى الله عليه وسلم لذلك الملك الذي كان على النصرانية، فأسرع في الدخول إلى الإسلام، فأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ملكه ورعيته وأوصاه بهم خيراً.


وكذا أوجب النبي صلى الله عليه وسلم إكرام الرسل والسفراء وعدم التعرض لهم بإيذاء:


عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: جاء ابن النواحة وابن أُثال رسولا مسيلمة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهما: (أتشهدان أني رسول الله؟) قالا: نشهد أن مسيلمة رسول الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم (آمنت بالله ورسله، لو كنت قاتلاً رسولا ً لقتلتكما) قال عبد الله: "فمضت السنة أن الرسل لا تُقتل"([80]).


وذكر الشوكاني: أن هذا الحديث يدل على تحريم قتل الرسل الواصلين من الكفار، وإن تكلموا بكلمة الكفر في حضرة الإمام أو سائر المسلمين([81]).


وكل هذا مما يسهم في حفظ السلام بين الأمم والشعوب.


كما شرع دخول غير المسلم في حماية المسلم: قال تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ} (التوبة: 6).



كذلك شرع دخول المسلم في حماية غير المسلم، وهو ما يعرف اليوم بـ(اللجوء السياسي):


فيجوز للمسلم أن يطلب ويسعى؛ من أجل اللجوء السياسي في بلد غير إسلامي إذا تعذرت عليه الإقامة في وطنه، وتعذر عليه قبول إقامته في بلد إسلامي آخر، والدليل على ذلك السنة النبوية الصحيحة الثابتة فإن المسلمين في مكة جردوا وعذبوا أوذوا كثيراً وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يراهم ولا يقدر على دفع الأذى عنهم فقال لهم: (لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن فيها ملكاً لا يظلم عنده أحد وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه)([82]).


وقد خرجت جماعة من المسلمين إلى الحبشة سنة (5 هجرية)، وأقاموا مدة، ثم بلغهم أن قريشاً خففت وطأتها على محمد وأن المسلمين ظهروا في مكة، رجع بعضهم فتبتين أن ما سمعوه ليس صحيحاً فمنهم من دخل متخيفاً ومنهم من دخل في جوار كافر كعثمان بن مظعون دخل في جوار المغيرة وأبو سلمة ابن أخت أبي طالب دخل في جوار خالة أبي طالب، ومنهم من رجع([83]).


ولم يكتف النبي صلى الله عليه وسلم بمسالمة الكفار المسالمين، بل استعان بالعديد منهم سياسياً وأمنياً ودعائياً: أفراداً مثل أبي طالب، والمطعم بن عدي، وعبد الله بن أريقط، وصفوان بن أمية، ومعبد الخزاعي.. ودولاً مثل الحبشة.. وقبائل مثل خزاعة.. قال ابن هشام "وكانت خزاعة عيبة([84]) نُصح رسول الله صلى الله عليه وسلم، مسلمها ومشركها، لا يُخفون عنه شيئاً كان بمكة"([85]).



الرابع عشر: إيثار الطرق السلمية في حل النزاعات ما أمكن:


"فالمسلم لا يحارب إلا مكرها على القتال، بعد استنفاذ وسائل المسالمة جميعا، وحين تلوح بارقة أمل في السلم يوجب عليه الإسلام أن ينتهزها وألا يدع الفرصة تفلت من يده وعليه أن يعمل على إطفاء نار الحرب ما استطاع إلى ذلك سبيلاً"([86]).


وقد جاء في كثير من نصوص الكتاب والسنة الحث والتوجيه إلى تجنب الحرب ما أمكن، وتقديم الطرق السلمية في حل النزاعات بين الناس.


قال تعالى واصفاً اليهود وسعيهم الخبيث للإفساد في الأرض: {كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ} (المائدة 64).


وقال تعالى متحدثاً أن القتال مكروه للإنسان وهو أمر طبيعي، ولكنه ضروري في أحوال معينة، حيث يكون القتال هو العلاج الذي لابد منه: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} (البقرة 216).


وقال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: (أيها الناس لا تمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف)([87]).


وفي الحديث قال صلى الله عليه وسلم: (دعوا الحبشة ما ودعوكم واتركوا الترك ما تركوكم)([88]).


كما أن التطبيق العملي لقواعد السلم، فقد سار الرسول صلى الله عليه وسلم ومن بعده الصحابة على مبدأ السلم، فلم تكن الحرب؛ إلا دفاعاً عن الدين أو دفعاً للفتنة أو وقوفاً في سبيل التصدي، وبالتالي فإن الحرب الجائزة هي الحرب الدفاعية والمقيدة بنطاق الضرورة.


ويكشف هذا التطبيق عن مبدأ أن التسوية السلمية لمنازعات المسلمين مع غيرهم من الدول والجماعات الإنسانية مقدمة على الحرب والمواجهة.


وكذا تعد وثيقة المدينة المنورة التي قررها النبي صلى الله عليه وسلم أول وثيقة أسست للسلم الاجتماعي والدولي، وضمنت حقوق الأقليات وفي ظل ما نشهده من الاحتراب العالمي، ضاعت حقوق الأكثرية والأقلية! وصار الإنسان يعادي أخاه.


بل إن الإسلام الحنيف حث المسلمين على السلم حتى وقت الحرب: (فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا) (النساء: 90).


ثم بعد النصر الكبير والفتح المبين لمكة وفي صلح الحديبية وما كان من تعبير الصحابة عن فرحهم بالنصر بقولهم: (اليوم يوم الملحمة) فيجيب نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم بقوله: (بل اليوم يوم المرحمة)([89]).


الخامس عشر:- تشريع القوة لفرض السلام:


ومن ذلك ما وضعه الله تعالى من العقوبات والحدود والقصاص لفرض السلام والقضاء على المفسدين في الأرض.


قال تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (الحجرات: 9).


قال تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ} (المائدة 32).


فقد شرع الإسلام استخدام القوة لفرض السلام، ولفض المتنازعين، وإنصاف المظلومين، واعتبر أن الأصل في الإسلام هو السلم، والحرب استثناء.


"فالسلام أصل أصيل عميق، وهو القاعدة الدائمة، والحرب هي الاستثناء الذي يقتضيه الخروج على هذا التناسق الممثل في دين الله الواحد، بالبغي والظلم، أو بالفساد والاحتلال، واظلم الظلم الشرك بالله، وأفسد الفساد تعبيد العباد لغير الله، فترده الحرب الموقوتة إلى التناسق الدائم والصلاح الواجب {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (الأنفال 39)"([90]).


و"لم تعرف البشرية حروباً غيرت وجه الدنيا ومسار التاريخ بأقل ثمن في الدماء والأموال، مثل حروب النبي صلى الله عليه وسلم؛ والسبب في تلك النتيجة المبهرة هو أنها حروب جسدت روح الجهاد رسالةً وغايةً وأخلاقاً وأحكاماً.


فالحرب في الإسلام اضطرار لا اختيار، وأحمق من يسعى إليها بطراً، وجبان من يتهرب منها إذا فرضت عليه؛ فليس الإسلام دين السيف ولا دين الخشب، بل هو دين القيام بالقسط سلماً وحرباً، وقد جنب الإسلام المسلمين موقفاً منافقاً شائعاً في ثقافات وديانات أخرى؛ يدين الحرب ويخوضها، ويتبرأ من العنف ويمارسه، ويرفع راية المحبة ويخوض في دماء الأبرياء.


وقد صدق الفيلسوف الشاعر (محمد إقبال) حين قال: "إن الدين من غير قوة مجرد فلسفة". فالمدافعة سنة من سنن الله في الحياة البشرية، وهي التي تعصم من الفساد بنص التنزيل: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ} (سورة البقرة، الآية 251)، فلا يحصل العدل وتتحقق الحرية بوعظ الظالم أن يترك ظلمه، بل بإقناع المظلوم بأن يتنزع حقه. ولم يخدم قوم الإنسانية، ولا أثر قوم في مسار الحياة البشرية أكثر مما خدمها وأثر فيها أولئك الذين راهنوا بحياتهم في سبيل الحق والعدل والحرية.


وقد جعل الإسلام كل قتال لرفع الظلم جهاداً، فقال صلى الله عليه وسلم (من قُتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون أهله أو دون دمه أو دون دينه فهو شهيد)([91])، وفي رواية أخرى (من قتل دون مظلمته فهو شهيد)([92])، وفي رواية (دون مظلمة)([93]) بلا إضافة، وهو ما يجعل المعنى أعم وأتم، فيشمل مظلمة النفس ومظلمة الغير.


فالجهاد ليس موقفاً اعتقادياً ضد الكافرين، بل هو موقف أخلاقي ضد الظالمين. وعلى عكس ما تراه بعض الجماعات الإسلامية المولعة بصياغة الأمور العملية صياغة اعتقادية، لم يجعل الإسلام اختلاف الدين مسوغاً شرعياً للقتال، فالجهاد في الإسلام ليس قتال الكافر، بل هو قتال الظالم مسلماً أكان أم كافراً، فهو موقف أخلاقي مع العدل والحرية ضد الظلم والقهر، والمجاهد يقاتل الظالم لظلمه لا لعقيدته أو مذهبه، ولذلك كان من الجهاد الذي أمر به الإسلام: قتال الباغي المسلم، وصد الصائل المسلم، والأخذ على يد الظالم المسلم"([94]).


وفي الحديث: (ما من امرئ يخذل امرأً مسلماً عند موطن تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله عز وجل في موطن يُحب فيه نصرته وما من امرئ ينصر امرأً مسلماً في موطن ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته)([95]).


والإسلام حث على نصرة المظلوم ولو كان كافراً، بل شرع الله للمسلمين الفرح بنصرة المظلومين ولو كانوا من غير المسلمين قال تعالى: {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ} (الروم: 4)، وذلك النصر كان للروم على الفرس، وكان المسلمون ضعفاء في مكة المكرمة، ومع ذلك فقد شرع الله لهم الفرح بذلك الانتصار... وقد حدثنا التأريخ عن موقف إنساني فذ فريد للنبي محمد صلى الله عليه وسلم قبل بعثته، أعطاه القيمة الكبرى بعد البعثة.. وهو موقفه في حلف الفضول.. ما هو حزب الفضول وتاريخه؟ وما قيمة رفع الظلم في الإسلام؟


إن حلف الفضول كان تجمعاً وميثاقاً إنسانياً تنادت فيه المشاعر الإنسانية، وإضاءة العقول، لنصرة الإنسان المظلوم، والدفاع عن الحق المضيع، لم تحدثه سلطات، ولا قوى دولية، بل أنشأته قوى اجتماعية بدوافع إنسانية، وإحساس وجداني عميق بضرورة نصرة المستضعفين والمظلومين.. لنستمع للتأريخ، وهو يروي لنا قصة هذا الحدث الحضاري الكبير في عالم الإنسان.


وقد شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حلف الفضول، وقد جاوز العشرين، وقال بعد ما بعثه الله تعالى: (لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً ما أُحب أن لي به حمر النعم ولو أُدعى به في الإسلام لأجبت)([96]).


إن تلك الوثيقة التاريخية قد كشفت لنا عن أبرز مبادئ الإسلام الإنسانية على المستوى الدولي، وهي نصرة المظلوم، والدفاع عن الحق، بغض النظر عن دين المظلوم ومذهبه وعشيرته وقوميته ووطنه.


فالمظلوم نصرته واجبة ولو كان كافراً، قال تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ} (التوبة: 6)، ولك أن تتصور حجم كلمة من المشركين! حيث قال جل شأنه {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} (المائدة 8).


"ومعنى شنآن قوم أي بغض قوم وهم الكفار... المقصود أن كل خير فهو داخل في القسط والعدل، وكل شر فهو داخل في الظلم، وإذا كان العدل أمراً واجباً في كل شيء وعلى كل أحد، والظلم محرماً في كل شيء ولكل أحد، فلا يحل ظلم أحد أصلاً سواء أكان مسلماً أم كافراً أم كان ظالماً، بل الظلم إنما يُباح أو يجب فيه العدل عليه أيضاً"([97]).


لنرى موقف الرسول صلى الله عليه وسلم من مظلوم استغاث به لإنقاذ حقه ولم يكن ذلك المظلوم مسلماً، ولنتأمل في الظروف الصعبة التي كانت تحيط بالرسول صلى الله عليه وسلم يومها.


نقل ابن كثير قال: "قدم رجل من (أراش) بإبل له إلى مكة، فابتاعها منه أبو جهل بن هشام، فمطله بأثمانها، فأقبل (الأراشي) حتى وقف على نادي قريش، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في ناحية المسجد، فقال: يا معشر قريش من رجل يعديني على أبي الحكم بن هشام؟، فإني غريب، وابن سبيل، وقد غلبني على حقي، فقال أهل المجلس: ترى ذلك، يهمزون به إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم لما يعلمون ما بينه وبين أبي جهل من العداوة، إذهب إليه، فهو يعديك عليه، فأقبل الأراشي حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقام معه فلما رأوه قام معه، قالوا: لمن معهم: اتبعه فانظر ما يصنع؟ فخرج إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءه فضرب عليه بابه، فقال من هذا؟ قال: محمد، فاخرج، فخرج إليه، وما في وجهه قطرة دم، وقد امتقع لونه، فقال: إعط هذا الرجل حقه، قال: لا يبرح حتى أعطيه الذي له، قال فدخل، فخرج إليه بحقه، فدفعه إليه، ثم انصرف([98]).


ذلك الموقف العملي من رسول الله في بداية الدعوة.. يوم كان الرسول صلى الله عليه وسلم مضطهداً محارباً مستضعفاً فلم يمنعه وضعه السياسي والاجتماعي المحاصر آنذاك من الانتصار للمظلوم، والمطالبة بحقه من أعتى طواغيت عصره، وأكثرهم عداوة وخصومة له.


وإن الإسلام يبيح خوض حروب دفاعا عن رعايا الدولة الإسلامية وإن كانوا غير مسلمين، قال ابن حزم:"إن من كان في الذمة وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح ونموت دون ذلك، صونا لمن هو في ذمة الله تعالى وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم فإن تسليمه دون ذلك إهمال لعقد الذمة"([99]).


هذا هو المستوى الرفيع الذي يتعامل به المسلمون مع غيرهم، حيث يصون حقوقهم، ويضمن الأمن والسلم لهم.


إن المجتمع العالمي يشكو مر الشكوى من حالات الفتن والمظالم، إبعاد وطرد، وتصفية عرقية، وعصبية حمراء، وعنصرية سوداء، وحرب إبادة شعواء، أراقوا الدماء، وتحكموا في الرقاب؛ فأساءوا وظلموا واستخفوا بالحرم، إزهاق أرواح، وهتك أعراق، وتمثيل وإذلال، وتهجير وإحراق في كل واد.


وما ذلك P إلا لبعد الناس عن هدي الإسلام، وهجرهم لكتاب الله تعالى، وتنكبهم لسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولو أنهم التزموا دين الله، وحكموا رسوله فيما بينهم؛ لعاشوا في أمن وأمان، وسلامة وسلام، مسلمهم وكافرهم، قويهم وضعيفهم، غنيهم وفقيرهم، أفرادهم وجماعاتهم.


ومما يجب التأكيد عليه: أن الإسلام حث على الرحمة ومراعاة الآداب الإنسانية في الحرب:


من ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بعدم مباغتة الناس بالقتال، بل لابد من إنذارهم وتخيرهم بين ثلاث: الإسلام ويكون لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، أو الجزية ولهم حق الأمن والأمان والرعاية، أو القتال لمن صد عن سبيل الله، وحال دون وصول دين الله إلى الناس.


كذلك ما جاء في وصاياه لأمراء السرايا والبعوث، كما في الحديث الذي رواه بريدة رضي الله عنه حيث قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً ثم قال: (اغزوا باسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقلتوا وليداً، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال –أو خلال-: فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام؛ فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا؛ فسلهم الجزية فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم فإن هم أبوا؛ فاستعن بالله وقاتلهم)([100])، وهذه الخيارات الثلاث كلها سلام، إما باعتبار ذاتها أو باعتبار ما تؤول إليه.


فأما دعوتهم للدخول في الإسلام فلكونه السلام الحقيقي في الدنيا والآخرة؛ ولهذا بدأ به؛ لأنه أشرفها وأما دعوتهم إلى دفع الجزية –في حال رفضهم الإسلام- فهي دعوة إلى السلام أيضاً؛ لأننا نبسط حكم الله تعالى على الأرض، ونطبقه بين عباد؛ ولأنهم يسلمون من كونهم يُقتلون على الكفر أو يُشردون من ديارهم، فبدفعهم الجزية يبقون في بلادهم، وتحت حمايتنا، ويصيرون أهل الذمة، ويقرون على كفرهم، ويعيشون في حرية من دينهم تحت أحكام الإسلام العادلة([101]).


قال الإمام الشافعي: "ولو حاصرنا أهل مدينة من أهل الكتاب فعرضوا علينا أن يعطونا الجزية لم يكن لنا قتالهم إذا أعطوناها، وأن يجري عليهم حكمنا، وأما دعوتهم إلى القتال –حال رفضهم الخيارين السابقين"([102]).


ومما يجب التنبيه عليه: أن السلام في الإسلام سلام عادل وليس سلاماً مهيناً:


فليس السلام في الإسلام هو السلام المهين المذل: فإن "هناك سلم رخيص دني، هو السلم التي تقام على حساب البشرية، وليس على حساب المبادئ العليا للإنسانية، كما أرادها الله في الأرض لبني الإنسان، وذلك هو السلم التي يحذر الله المسلمين منها ({فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} [محمد 35]([103]).




الخاتمة

النتائج:


السلام فريضة شرعية، وضرورة إنسانية، وقد سعت كل الأمم للوصول إليه، وحديثاً تشكلت مؤسسات وأسست هيئات عالمية لتحقيقه؛ لكن كثيراً من الجهود لم تفلح لغياب النزاهة والحيادية والكيل بعدة مكاييل لصالح القوى الكبرى.


الإسلام دين السلام، اسماً وشعاراً، وعقيدة وشريعة، وأخلاقاً وآداباً.


حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تحقيق السلام بكافة أشكاله: الفردي، الأسرى، والاجتماعي، والعالمي.


وضع الإسلام لكفالة السلم العالمي جانبين من الإجراءات، أحدها: وقائي، يتمثل بنزع أسباب الحروب، وتحقيق العدالة، ونبذ التفرقة العنصرية، والثاني علاجي: وهو وضع أسس لفض النزاعات بعد نشوبها وتحقيق العدل وصنع السلام بين المتحاربين.


إن الشريعة الإسلامية تركز على الغاية من التسوية السلمية، ولا تقبل بالسلام المهين الذي يضيع الحقوق.


إن المفاوضات وسيلة مقبولة كإجراء لتسوية المنازعات.


إن الشريعة أجازت موادعة الأعداء وعقد معاهدة سلام مع غير المسلمين، كما شرعت التعاون بين المسلم وغيرهم لتنسيق الجهود من أجل تحقيق العدل ونشر السلام.


يجب الاستجابة لتسوية المنازعات سلمياً إذا كانت بمبادرة من الأعداء ولم تضيع الحقوق الشرعية.


الصلح مع العدو في الإسلام جائز مطلقاً من غير تحديد مدة ولا فرض جزية، وأمره موكول لتقدير أولى الأمر من أهل العلم والحكام.


شرع الإسلام استخدام القوة؛ لنشر السلام والفض بين المتخاصمين وإزالة الظلم حتى لو كان على غير المسلمين.


التوصيات:

موضوع السلام في الإسلام من الموضوعات الهامة التي يجب التأكيد عليها في شتى الأماكن والملتقيات بشتى الوسائل، فإنها من الأمور التي أشكلت على كثير من الناس، وافتتن بها آخرون.


مع ضرورة توعية الأجيال المسلمة بحقيقة السلام الذي يدعو إليه الإسلام، فهو سلام عزيز غير مهينً.


ضرورة ترجمة الكتابات التي تحدثت عن هذا الموضوع إلى اللغات الأخرى لإعلام غير المسلمين بحقيقة الإسلام وكشف الشبهات المثارة حوله.




المراجع:

 أحكام أهل الذمة، محمد بن أبي بكر الزرعي (ابن القيم)، تحقيق: يوسف أحمد البكري، شاكر توفيق العاروري، رمادي للنشر، دار ابن حزم- الدمام، بيروت، الطبعة الأولى، 1418هـ- 1997م.

 الأدب المفرد: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (256هـ) تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار البشائر الإسلامية، بيروت، ط3، 1409هـ- 1989م.

 أساس البلاغة: أبو القاسم محمود بن عمرو الزمخشري جار الله (ت538هـ)، تحقيق: محمد باسل عيون السود، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1419هـ- 1998م.

 الاستيعاب في معرفة الأصحاب: أبو عمر يوسف ابن عبد البر (463ه) تحقيق: علي محمد البجاوي، دار الجيل، بيروت، 1412هـ.

 الأم: محمد بن إدريس الشافعي، المحقق: رفعت فوزي عبد المطلب، دار الوفاء، المنصورة، الطبعة الأولى، 2001م.

 البداية والنهاية: أبو الفداء إسماعيل بن كثير (774هـ) حققه: علي شيري، دار إحياء التراث العربي، ط1، 1408هـ، 1988م.

 تفسير القرآن العظيم، عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي، المحقق: مصطفى السيد محمد ومحمد السيد رشاد وآخرون، مؤسسة قرطبة + مكتبة أولاد الشيخ للتراث، الطبعة الأولى، 1412هـ، 2000م.

 تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان: عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي، عبد الرحمن بن معلا اللويحق، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، 1420هـ- 2000م.

 دخول المسلم إلى دولة غير إسلامية والإقامة فيها، د. عبد الكريم زيدان.

 دعوة الإسلام إلى السلم: مجلة دراسات، الجامعة الإسلامية العالمية، المجلد الثالث، ديسمبر 2006م.

 الرائد: معجم لغوي عصري، جبران مسعود، دار العلم للملايين، 1992م.

 الرحيق المختوم: تأليف فضيلة الشيخ صفي الرحمن المباركفوري الجامعة السلفية، الهند، دار الفكر: طبعة خاصة بدار ومكتبة الهلال بيروت، لبنان.

 زاد المعاد في هدي خير العباد: محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية (751هـ) مؤسسة الرسالة، بيروت، مكتبة المنار الإسلامية، الكويت، ط27، 1415هـ- 1994م.

 السلام العالمي والإسلام، سيد قطب، دار الشروق، الطبعة الرابعة عشرة، القاهرة مصر.

 السلام مع الأعداء في ضوء الشريعة الإسلامية لفضيلة الدكتور خالد بن سليم الشراري: مجلة البحوث الإسلامية، إصدار دار الإفتاء السعودية، العدد الثامن والتسعون، الإصدار من ذي القعدة إلى صفر 1434هـ.

 الخراج: أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم، دار المعرفة، بيروت، 1399هـ- 1979م.

 السلام في الإسلام، حسن البنا (كتاب إلكتروني على موقع www.hassanalbanna.org)

 سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة: محمد ناصر الدين الألباني (1420هـ) دار المعرف، ط1، الرياض، المملكة العربية السعودية، 1412هـ- 1992م.

 سنن ابن ماجه: أبو عبد الله محمد بن يزيد الربعي ابن ماجة القزويني (273هـ): تحقيق: بشار عواد معروف، دار الجيل، ط1، بيروت، 1418ه- 1998م.

 سنن أبي داود بحاشيته عون المعبود: سليمان بن الأشعث السجستاني (275هـ) دار الكتاب العربي.

 سنن الترمذي: أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي (279هـ) المحقق: د. بشار عواد معروف، دار الجيل، بيروت، دار العرب الإسلامي، بيروت، ط2، 1998م.

 سنن الدارمي.

 سنن النسائي بشرح السيوطي وحاشية السندي: أبو عبد الرحمن أحمد بن علي بن شعيب النسائي (303هـ) تحقيق: مكتب تحقيق التراث، دار المعرفة، ط5، بيروت، 1420هـ.

 السنن الكبرى وفي ذيله الجوهر النقي: أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي (458هـ) مجلس دائرة المعارف، ط1، حيدر أباد، 1344هـ.

 السيرة النبوية: للإمام أبي الفداء إسماعيل بن كثير، تحقيق مصطفى عبد الواحد، دار المعرفة، بيروت، لبنان.

 شرح معاني الآثار: أحمد بن محمد أبو جعفر الطحاوي، تحقيق: محمد زهري النجار، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1399هـ.

 صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان: أبو حاتم محمد بن حبان البُستي (354هـ) المحقق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، ط2، بيروت، 1414هـ- 1993م.

 صحيح البخاري: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (256هـ) تحقيق: محمد زهير الناصر، دار طوق النجاة، ط1، 1422هـ.

 صحيح مسلم: أبو الحجاج مسلم بن الحجاج النيسابوري (261هـ) دار الجيل بيروت، دار الآفاق الجديدة، بيروت.

 الفائق في غريب الحديث: محمود بن عمر الزمخشري (538هـ) تحقيق: علي محمد البجاوي- محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعرفة، ط2، لبنان.

 الفتاوى الكبرى: تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)، تحقيق: محمد عبد القادر عطا- مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، الطبعة: الطبعة الأولى 1408هـ- 1987م.

 فتح الباري بشرح صحيح البخاري: أبو الفضل أحمد بن علي ابن حجر العسقلاني (852هـ) تحقيق: محب الدين الخطيب، دار المعرفة، بيروت.

 الفروق أو أنوار البروق في أنواء الفروق: أبو العباس أحمد بن إدريس الصنهاجي القرافي، تحقيق خليل المنصور، الناشر دار الكتب العلمة، سنة النشر 1418هـ- 1998م، مكان النشر بيروت.

 فقه السنة: السيد السابق، الناشر دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان.

 لسان العرب: أبو الفضل جمال الدين ابن منظور (711هـ) المحقق: عبد الله علي الكبير، محمد أحمد حسب الله، هاشم محمد الشاذلي، دار المعارف، القاهرة.

 مسند الإمام أحمد بن حنبل: أبو عبد الله أحمد بن حنبل (241هـ) تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، ط1، طبع على عدة مراحل في عدة سنوات، بيروت، 2001م.

 مسند البزار المنشور باسم البحر الزخار: أبو بكر أحمد بن عمرو المعروف بالبزار (292هـ) تحقيق: مجموعة من الباحثين، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، الطبعة الأولى.

 معجم البلدان.

 معجم اللغة العربية المعاصرة د. أحمد مختار عبد الحميد عمر، وفريق عمل، عالم الكتب، الطبعة الأولى، 1429هـ- 2008م.

 المعجم الوسيط: إبراهيم مصطفى وأحمد الزيات وآخرون، المحقق: مجمع اللغة العربية، دار الدعوة.

 مقاييس اللغة: أبو الحسين أحمد بن فارس الرازي (395هـ) تحقيق: عبد السلام محمد هارون، دار الفكر، الطبعة: 1399هـ- 1979م.

 معرفة السنن والآثار: أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي (458هـ) المحقق: عبد المعطي قلعجي، جامعة الدراسات الإسلامية، دار والوعي، دار قتيبة، كراتشي بباكستان، حلب، دمشق، ط1، 1412هـ- 1991م.

 المغني في فقه الإمام أحمد بن حنبل الشيباني: عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي أبو محمد.

 الناشر: دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى، 1405هـ.

 مقدمة ابن خلدون، تحقيق عبد الله الدويش، الطبعة الأولى، طبعة خاصة.

 منهج الإسلام في تحقيق السلام العالمي: تأليف د. محمد الشحات الجندي، صدر عن المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، وزارة الأوقاف المصرية، ضمن سلسلة دراسات إسلامية، العدد (163)، المحرم 1430هـ/ يناير 2009م.

 الموسوعة العربية العالمية: مؤسسة أعمال الموسوعة للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، 1999م.

 النهاية في غريب الحديث والأثر: أبو السعادات المبارك ابن الأثير (606هـ) تحقيق: طاهر أحمد الزاوي- محمود محمد الطناحي، المكتبة العلمية، بيروت، 1399هـ- 1979م.

 نيل الأوطار: محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني (1250هـ)، تحقيق: عصام الدين الصبابطي، دار الحديث، مصر، الطبعة الأولى، 1413هـ- 1993م.

 الولاية على البلدان في عصر الخلفاء الراشدين: د. عبد العزيز العمري، دار اشبيليا، الطبعة الأولى، 1422هـ.

 مراجع إلكترونية:-

 مقالة: الجهاد على بصيرة، محمد بن المختار الشنقيطي: موقع الجزيرة نت، السبت 14/2/2015م: http://www.aljazeera.net/home/print

 مقالة: عدل الرسول مع غير المسلمين في القضاء: د. راغب السرجاني. على موقعه الإلكتروني.

[1] صحيح مسلم - كتاب الإيمان باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون - حديث: 203، 1/53


[2] معجم مقاييس اللغة 90/3 أساس البلاغة: 470 لسان العرب: 3/2077.


[3] أحكام أهل الذمة 1/413، فتح الباري  11/13


[4] انظر: تفسير السعدي ص 586.


[5] انظر: أحكام أهل الذمة 1/419


[6] لسان العرب 3/2079


[7] انظر: تفسير ابن كثير 7/113.


[8] انظر: معجم الوسيط: 1/446.


[9] بحث: السلام مع الأعداء في ضوء الشريعة الإسلامية لفضيلة الدكتور خالد بن سليم الشراري: مجلة البحوث الإسلامية - إصدار دار الإفتاء السعودية - العدد الثامن والتسعون، الإصدار من ذي القعدة إلى صفر 1434 ه، ج 98/ص 309.


[10] الموسوعة العربية العالمية: 13/28


[11] معجم اللغة العربية المعاصرة د. أحمد مختار عبد الحميد عمر، وفريق عمل، 2/1543 مادة ع ل م، عالم الكتب، الطبعة الأولى، 1429 ه-2008 م.


[12] الرائد: معجم لغوي عصري، جبران مسعود، دار العلم للملايين، 1992 م: ص 536.


[13] الموسوعة العربية العالمية: 13/28 وما بعدها.


[14] انتهى النقل من الموسوعة العربية العالمية.


[15] السيد سابق، فقه السنة: 2/595


[16] دعوة الإسلام إلى السلم: مجلة دراسات - الجامعة الإسلامية العالمية - المجلد الثالث، ديسمبر 2006 م، ص  123


[17] صحيح مسلم - كتاب المساجد - باب استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته - حديث: 1362، 2/94.


[18] السلام العالمي والإسلام، سيد قطب: ص 16.


[19] طرفا من حديث في سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب في صلاة العتمة، حديث: 4987، 4/453


[20] صحيح البخاري، كتاب العلم، باب الإنصات للعلماء، حديث: 121، 1/35.


[21]  صحيح ابن حبان، كتاب البر والإحسان، باب إفشاء السلام وإطعام الطعام، ذكر إيجاب دخول الجنة لمن أفشى السلام وأطعم الطعام، حديث: 508، 2/261.


[22]  البحر الزخار مسند البزار، زيد بن وهب، حديث: 1771، 5/175.


[23]  قال البيهقي: هذا الحديث منقطع وضعيف. وفي رواية له من حديث علي رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث جيشاً من المسلمين إلى المشركين قال: انطلقوا بسم الله" وفيه: "لا تقتلوا وليداً طفلاً ولا امرأة ولا شيخاً كبيراً، ولا تغورن عينا، ولا تعقرن شجرا إلا شجراً يمنعكم قتالاً أو يحجز بينكم وبين المشركين، ولا تمثلوا بآدمي ولا بهيمة، ولا تعذبوا ولا تغلوا". قال البيهقي: في إسناده إرسال وضعف. قال: وهو بشواهده مع ما فيه من الإرسال يقوى.


[24]  انظر جامع الترمذي رقم 1552، 3/210، وقال: حسن صحيح. وأما ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم بنخيل بني النضير، فهذا بأمر خاص من الله تعالى. يقول تعالى {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ} قال ابن هشام: أي فبأمر الله قطعت لم يكن فسادا ولكن كان نقمة الله.


[25]  شرح معاني الآثار للطحاوي، كتاب الصيد والذبائح، باب صيد المدينة، حديث: 5851، 4/194، وغيره، وقال العيني: إسناده صحيح. وذكره الألباني في السلسلة الضعيفة رقم: 4859، 10/458.


[26]  صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، حديث: 6745، 8/18.


[27]  مقدمة ابن خلدون، تحقيق عبد الله الدويش/ ط1: 2/457.


[28]  السلام العالمي والإسلام: ص23. والحديث في صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، حديث: 2810، 4/20.


[29]  سنن ابن ماجه، كتاب الرهون، باب المسلمون شركاء في ثلاث، حديث: 2473، 4/109.


[30]  الشرجة مسيل الماء. (النهاية في غريب الحديث: 2/456).


[31]  صحيح البخاري، كتاب المساقاة، باب سكر الأنهار، حديث: 2360، 3/111.


[32]  صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون. حديث: 203، 1/53.


[33]  سنن ابن ماجه، كتاب الأدب، باب المصافحة، حديث: 3701.


[34]  سنن أبي داود، كتاب الأدب، أبواب النوم، باب في المصافحة، حديث: 4556.


[35]  سنن الترمذي، أبواب البر والصلة، باب ما جاء في رحمة الصبيان، حديث: 1919، 3/479.


[36]  الأدب المفرد للبخاري، باب سقي الماء، حديث: 422، 1/152.


[37]  صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات، حديث: 1356، 2/94.


[38]  صحيح البخاري، كتاب المظالم، باب الآبار على الطرق إذا لم يتأذ بها، حديث: 2467، 3/113.


[39]  صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات، حديث: 1356 2/94.


[40]  صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب ما قيل في درع النبي صلى الله عليه وسلم، حديث: 2916، 4/41.


[41]  المغني لابن قدامة: 10/556.


[42]  صحيح البخاري، كتاب الإكراه، باب في بيع المكره ونحوه، حديث: 6944، 9/20.


[43]  معرفة السنن والآثار للبيهقي، كتاب السير، المسلم يدخل دار الحرب فيشتري دارا أو غيرها، حديث: 5675، 13/293. وهو في السلسلة الضعيفة للألباني: 1163، 3/307.


[44]  صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب الدعاء للمشركين بالهدى، حديث: 6611، 7/180.


[45]  سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب كيف يشمت الذمي، حديث: 5040، 4/468.


[46]  مطبوب: أي مسحور كنوا بالطؤب عن السحر تفاؤلا بالبرء كما بالسليم عن اللديغ. (النهاية: 3/110).


[47]  مشاطة: هي الشعر الذي يسقط من الرأس واللحية عند التسريح بالمشط (النهاية: 4/334).


[48]  الجف وعاء الطلع وهو الغشاء الذي يكون فوقه (النهاية: 1/278).


[49]  صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده، حديث: 5765، 7/137.


[50]  صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب الهجرة، حديث: 6077، 8/24.


[51]  الأدب الفرد البخاري، باب قبول الهدية، حديث: 594، 1/208.


[52]  صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب إخاء النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين، حديث: 3780، 5/31.


[53]  مسند أحمد بن حنبل: حديث: 23489، 38/474.


[54]  سنن أبي داود، كتاب الأدب، أبواب النوم، باب في التفاخر بالأحساب، حديث: 5118، 4/492.


[55]  مقالة: عدل الرسول مع غير المسلمين في القضاء: د. راغب السرجاني. على موقعه الإلكتروني.


[56]  بئر رومة بضم الراء وسكون الواو وفتح الميم وهي في عقيق المدينة. معجم البلدان: 1/299.


[57]  صحيح البخاري، كتاب الأطعمة، باب الرطب والتمر، حديث: 5443، 7/79.


[58]  الولاية على البلدان (1/81)، وعزاها لابن أعثم الكوفي: الفتوح: 2/82.


[59]  صحيح البخاري، كتاب الجزية، باب إثم من قتل معاهداً بغير جرم، حديث: 3166، 4/99.


[60]  فتح الباري لابن حجر: 12/259.


[61]  السلام العالمي والإسلام، سيد قطب: ص160. والأثر في كتاب الخراج، أبو يوسف، ص: (127).


[62]  سيد قطب 161- 164. وعزاه إلى كتاب "الدعوة إلى الإسلام" تأليف "سير ت. و. أرنولد" وترجمة حسن إبراهيم حسن وزميليه في ص53 وما بعدها. ولم أقف عليه.


[63]  صحيح البخاري، كتاب العلم، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: رب مبلغ، حديث: 67، 1/24.


[64]  سنن ابن ماجه، كتاب الأحكام، باب من بنى في حقه ما يضر بجاره، حديث: 2340، 4/27.


[65]  صحيح البخاري، كتاب الجزية، باب إثم من قتل معاهداً بغير جرم، حديث: 3166، 4/99.


[66]  سنن أبي داود، كتاب الجهاد، باب في كراهية حرق العدو بالنار، حديث: 2314.


[67]  النهاية في غريب الحديث: 1/439.


[68]  صحيح البخاري، كتاب الصلح، باب ما جاء في الإصلاح بين الناس، حديث: 2691، 3/183.


[69]  صحيح البخاري، كتاب الصلح، باب قول الإمام لأصحابه: اذهبوا بنا نصلح، حديث: 2693، 3/183.


[70]  صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الكذب وبيان ما يباح منه، حديث: 6799، 8/28.


[71]  السلام مع الأعداء في ضوء الشريعة الإسلامية: مجلة البحوث الإسلامية: العدد الثامن والتسعون، الإصدار من ذي القعدة إلى صفر 1434هـ: ج98/ 342.


[72]  مسند أحمد: حديث 696، 2/106. وقال الأرنؤوط: إسناده ضعيف.


[73]  صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب مناقب الحسن والحسين رضي الله عنهما، حديث: 3746، 5/26.


[74]  سنن الترمذي، أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الألباني: ضعيف (ضعيف الجامع 1194).


[75]  صحيح مسلم، كتاب المساجد- باب استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته، حديث: 1362، 2/94.


[76]  سنن الدارمي، كتاب الصلاة- باب ما يقال عند رؤية الهلال، حديث: 1729، 2/1005.


[77]  صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب ذكر أسلم وغفار ومزينة وجهينة وأشجع، حديث: 3514، 4/181.


[78]  أخرجه البخاري، ومسلم صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب صلح الحديبية في الحديبية، حديث: 4733، 5/175 وهذا لفظه.


[79]  زاد المعاد لابن القيم: 3/693.


[80]  مسند أحمد بن حنبل: 3761، 6/306.


[81]  نيل الأوطار: 8/37.


[82]  البداية والنهاية، ج3/66.


[83]  دخول المسلم إلى دولة غير إسلامية والإقامة فيها، د. عبد الكريم زيدان. وانظر الرحيق المختوم ص82.


[84]  أراد أنهم بطانتي وموضع سري وأمانتي فاستعار الكرش والعيبة لذلك. الفائق في غريب الحديث: 3/253.


[85]  مقالة: الجهاد على بصيرة، محمد بن المختار الشنقيطي: موقع الجزيرة نت: http://www.aljazeera.net/home/print السبت 14/2/2015م. وانظر: (سيرة ابن كثير: 3/315).


[86]  السلام في الإسلام، حسن البنا: 18 (كتاب إلكتروني على موقع www.hassanalbanna.org).


[87]  صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب: لا تمنوا لقاء العدو، حديث: 3024، 4/63.


[88]  سنن أبي داود، كتاب الملاحم، باب في النهي عن تهييج الترك الحبشة، حديث: 4304، 4/486.


[89]  رواه ابن عبد البر في الاستيعاب: 2/597.


[90]  السلام العالمي والإسلام: سيد قطب ص22.


[91]  سنن أبي داود، كتاب السنة- باب في قتال اللصوص، حديث: 4774، 4/391.


[92]  السنن الصغرى، كتاب تحريم الدم- من قتل دون ماله، حديث: 4104، 7/132.


[93]  مسند أحمد: 2780، 1/305.


[94]  مقالة للشيخ محمد بن مختار الشنقيطي بعنوان: الجهاد على بصيرة، موقع الجزيرة نت، السبت 14/2/2015م.


[95]  مسند أحمد: 16368، 26/286، وذكره الألباني في السلسلة الضعيفة: 6871، 14/861.


[96]  السنن الكبرى للبيهقي، كتاب قسم الفيء والغنيمة، جماع أبواب تفريق ما أخذ من أربعة أخماس الفيء غير الموجف، باب إعطاء الفيء على الديوان ومن يقع به البداية: 13461، 6/367.

[97]  الفتاوى الكبرى لابن تيمية: 1/97.

[98]  سيرة ابن كثير: 1/469.

[99]  نقله الإمام القرافي المالكي في كتابه "الفروق" عن الإمام الظاهري ابن حزم في كتابه "مراتب الإجماع" (الفروق ج. 3 ص29 الفرق التاسع عشر والمائة). وحكى في ذلك إجماع الأمة.

[100]  صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب تأمير الإمام الأمراء على المبعوث، حديث: 4619، 5/139.

[101]  السلام مع الأعداء في ضوء الشريعة الإسلامية: ص345.

[102]  الأم للشافعي: 5/685.

[103]  السلام العالمي والإسلام: ص158.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق