الصفحات

البحث الذكي داخل المدونة

تحميل وطباعة هذه الصفحة

Print Friendly and PDF

الخميس، 20 أغسطس 2026

ضوابط السلوك الإنساني الكفيلة باحترام قواعد القانون الدولي الإنساني د. محمد عمر النجار

ضوابط السلوك الإنساني الكفيلة

باحترام قواعد القانون الدولي الإنساني

د. محمد عمر النجار

غزة – فلسطين

ملخص البحث

دراستنا هنا تتعلق بالالتزام بكفالة احترام قواعد القانون الدولي الإنساني، باعتباره التزام تعاوني ببذل عناية ذو نطاق داخلي، وبشكل خاص ضمان التزام المواطنين باحترام قواعد القانون الدولي الإنساني والانصياع لأحكامه، ومن هنا ارتأينا أن نوجه عنايتنا إلى دراسة السلوك الإنساني، باعتباره نابع من دوافع ومفاهيم داخلية ويتأثر بعوامل ومفاهيم خارجية، فكانت دراستنا في بحثنا هذا على ضوابط السلوك الإنساني، والتي تتحكم وتأثر في هذا السلوك وتوجيهه إلى السياق القويم بما يوافق المبادئ والقيم الإنسانية، وإبعاده عن كل ما من شأنه الإساءة إلى هذه القيم والمفاهيم، وفي مكنة الدولة إذا قامت بتوظيف هذه الضوابط ستجد أن لها قدرة لا يستهان بها في توجيه السلوك الإنساني القويم عند مواطنيها، وبناء على ذلك حاولنا بتسليط الضوء على ضوابط السلوك الإنساني الداخلية والمتمثلة في الأخلاق والقيم والتقاليد والأعراف، والخارجية المتمثلة في الدين والقانون، بالطبع من منظور اجتماعي وإسلامي وقانوني.



Our present study discusses the commitment to respect the regulations of the International Humanitarian Law, as a cooperative commitment that ensures internal abidance by the Conventions. Particularly, the study discusses the commitment to ensure citizen abidance by the Conventions, through respect for the International Humanitarian Law. Therefore, we have selected to focus on studying the human behavior, as it emerges from internal motives and concepts and is affected by external factors. We are studying the controls on human behavior that dictate and affect such behavior, guide it to the acceptable direction in accordance with humanitarian values and principles, and drive it away from all causes of violation of such values. Implementing these controls will provide states with a considerable ability to guide the human behavior of its citizens to the acceptable direction. Therefore, we aimed to shed light on internal human behavior controls (ethics, values, traditions, and norms), and external controls (religion and law), from a social, Islamic and legal perspective.




المقدمة

لقد جاء في نص المادة الأولى المشتركة من اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949: "تتعهد الأطراف السامية المتعاقدة بأن تحترم تلك الاتفاقية وتكفل احترامها في جميع الأحوال"، ومن ذلك النص يستشف أن الأطراف السامية المتعاقدة تأخذ على عاتقها التزامين رئيسين، الأول: الالتزام بتحقيق نتيجة، والثاني: الالتزام ببذل عناية، أما بالنسبة لالتزام الأطراف السامية المتعاقدة بتحقيق نتيجة فيقضي بوجوب التزام تلك الأطراف بشكل كامل لتلك الاتفاقيات وعدم الخروج على أحكامها تحت أي ظرف من الظروف، كونها تمثل الأساس الفعلي لغالبية أحكام القانون الدولي الإنساني، وذلك الالتزام بالرغم من كونه التزام بالإرادة المنفردة لكل طرف من تلك الأطراف، إلا أنه بمجرد انضمام ذلك الطرف يصبح مقيد بالإرادة المشركة لجميع الأطراف المتعاقدة، باعتبار أن اتفاقيات جنيف هي من أكثر الاتفاقيات التي تتمتع بشبه إجماع دولي عليها و ذلك مبني على عدد الدول التي انضمت وصادقت عليها، حتى بالرغم من الحق المكفول لأي طرف سامي متعاقد بالانسحاب من تلك الاتفاقيات، إلا أنه لا يحق له الخروج على مقتضياتها أم التحلل من مبادئ القانون الدولي الناشئة من الأعراف الراسخة بين الأمم المتمدنة ومن القوانين الإنسانية، أم ما يمليه الضمير العام.


أما الالتزام الثاني والقاضي ببذل عناية، وهو متعلق بكفالة احترام تلك الاتفاقيات، وذلك الالتزام أيضا يتفرع إلى التزامين، الأول التزام تعاوني ذو نطاق خارجي؛ فالأطراف السامية المتعاقدة ملقى على عاتقها التكاتف معا في مواجهة أي طرف يصدر منه أي فعل يعبر فيه عن عدم التزامه بتلك الاتفاقيات أم يشكل انتهاكا لأحكامها، وأن تبذل عنايتها وجهدها وطاقاتها القصوى في سبيل كفالة احترامها، وذلك بطبيعة الحال يتم من خلال جهد مشترك تحت مظلة المؤسسات الدولية العاملة في ذلك المجال بحفظ الأمن والسلم الدوليين، وأن تستعين بالآليات التي نصت عليها تلك الاتفاقيات لضمان التزام جميع الأطراف بها. والثاني: التزام تعاوني ذو نطاق داخلي؛ فالأطراف السامية المتعاقدة تلتزم بالتعاون مع الجهات ذات العلاقة سواء أكانت داخلية أم خارجية ببذل العناية المطلوبة لتحقيق كفالة الاحترام بتلك الاتفاقيات على الصعيد الداخلي من قبل المواطنين لكل طرف من تلك الأطراف، وأن تستغل في سبيل ذلك كل الإمكانيات المتوفرة المادية والبشرية، وذلك الالتزام أيضا يتفرع للعديد من الالتزامات، من ذلك التزامها بتوعية ونشر تلك الاتفاقيات وأخلاقياتها على أوسع نطاق ممكن ليشمل جميع شرائح المواطنين، ومنها سن القوانين والتشريعات والتي تتواءم مع اتفاقيات جنيف والكفيلة بضمان احترام المواطنين لها، ومنها التصدي لكل من تسول له نفسه من مواطنيها بالخروج على مقتضيات تلك الاتفاقيات وأن تبذل كل طاقتها لحيلولة دون حدوث ذلك، ومنها محاسبة ومعاقبة أي فرد من مواطنيها أمام محاكمها الوطنية إذا ارتكب أي فعل يشكل انتهاكا لاتفاقيات جنيف، ومنها التزام الأطراف السامية المتعاقدة بتسليم أي فرد من مواطنيها للقضاء الدولي للتحقيق معه بخصوص ما نسب إليه من مخالفات أم انتهاكات موجهة لاتفاقيات جنيف، ومعاقبته على ذلك.


ودراستنا هنا تتعلق بالالتزام بكفالة احترام قواعد القانون الدولي الإنساني؛ باعتباره التزاما تعاونيا ببذل عناية ذو نطاق داخلي، وبشكل خاص ضمان التزام المواطنين باحترام قواعد القانون الدولي الإنساني والانصياع لأحكامه، ومن هنا ارتأينا أن نوجه عنايتنا إلى دراسة السلوك الإنساني، باعتباره نابعا من دوافع ومفاهيم داخلية ويتأثر بعوامل ومفاهيم خارجية، فأكانت دراستنا في بحثنا ذلك على ضوابط السلوك الإنساني، والتي تتحكم وتأثر في ذلك السلوك وتوجيهه إلى السياق القويم بما يوافق المبادئ والقيم الإنسانية، وإبعاده عن كل ما من شأنه الإساءة إلى تلك القيم والمفاهيم، وفي مكنة الدولة إذا قامت بتوظيف تلك الضوابط ستجد أن لها قدرة لا يستهان بها في توجيه السلوك الإنساني القويم عند مواطنيها، وبناء على ذلك حأملنا بتسليط الضوء على ضوابط السلوك الإنساني الداخلية والمتمثلة في الأخلاق والقيم والتقاليد والأعراف، والخارجية المتمثلة في الدين والقانون، بالطبع من منظور اجتماعي وإسلامي وقانوني، وقد خصصنا لكل منها مبحث مستقل ومسبوقة بتمهيد وذلك على النحو التالي:


المطلب الأول: وسائل ضبط السلوك الإنساني الداخلية.


المطلب الثاني: وسائل ضبط السلوك الإنساني الخارجية. 


 


التمهيد:

تحدث (ابن خلدون) في مقدمة كتابه المشهور (العبر وديوان المبتدأ والخبر) والمعرف (بمقدمة ابن خلدون) الذي قال فيه بلسان العالم بأحوال الأمم: "إن الحرب وأنواع المقاتلة لم تزل واقعة منذ برأها لله، وأصلها إرادة الانتقام بعض البشر من بعض، ويتعصب لكل منها أهل عصبيته، فإذا تذامروا لذلك وتوافقت الطائفتان، إحداها تطلب الانتقام والأخرى تدافع... أكانت الحرب، وهو أمر طبيعي في البشر لا تخلوا عنه أمه ولا جيل... وسبب ذلك الانتقام في الأكثر إما غيرة ومنافسة، وإما عدوان، وإما غضب لله ولدينه، وإما غضب للملك وسعي في تمهيده" ([1]). ومما يثير الدهشة والاستغراب عند كل عاقل متفكر يبحث عن حقائق الوقائع دون فكر مسبق أم مغرض؛ ليحق الحق في نصابه، أن يسأل بموضوعية مجردة لماذا أكانت غزوات رسول الله محمد بن عبد الله، والفتوحات التي تمت على أيدي خلفائه الراشدين، وحتى ما تم فيما لحقهم من أمراء للمؤمنين في الدولة الأموية والعباسية أن ذلك أكان موجه بداية إلى مشركين مكة واليهود في المدينة المنورة وما حولها، إلى غزو تبوك ومؤتة، إلى الفتوحات التي اتجهت شمالاً حيث بلاد الشام حتى وصلت إلى قلاع القسطنطينية، وإلى الشمال الشرقي لبلاد العراق وفارس حتى مشارف الهند والصين، كما انطلقت تلك الفتوحات إلى الغرب ومن ثم قطعت البحر المتوسط حتى وصلت شمالاً لبلاد الأندلس، وفي المقابل لم نجد غزوة واحدة توجه شرقا عبر البحر الأحمر لبلاد الحبشة والقرن الأفريقي، وهي أقرب إلى الجزيرة العربية مما سواها.


ولا يمكن أن نجد إجابة عن ذلك التساؤل إلا إجابة واحدة وهي أن المشركين والفرس والروم واليهود قد ناصبوا العداء منذ بداية دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك الدين الجديد وقد مكرت تلك القوى للإسلام، فأكان الرد الطبيعي على ذلك رد العدوان، ولم تكن بحال من الأحوال حربا عدائية؛ وذلك يستشف من الآيات القرآنية الواردة حول ذلك الأمر بالسماح للمسلمين بالقتال، ومن ذلك قوله تعالي: " وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ " البقرة الآية 193، فقد نزلت تلك الآية بعد عقد صلح الحديبية الذي صاحب استعداد المسلمين للحج إلى بيت الله الحرام، وقد أكان يعتريهم الشك حول نية المشركين بالسماح لهم من تأدية مناسك الحج وكره الصحابة قتال المشركين في حال تحقق منعهم وهم بالأشهر الحرم فنزلت تلك الآية؛ لتمنح لهم الإذن بالقتال دفاعا عن دينهم وبعد أن نكث مشركي مكة بالعهد الذي أبرموه مع المسلمين في العام المنصرم، ولاستمرارهم بتعذيب المسلمين الذين لازالوا مقيمين في مكة والمكر للمسلمين في مدينة رسول الله وتأليب القبائل والاتفاق مع اليهود عليهم، ونلتمس ذلك المعنى من كلمة الفتنة الواردة في الآية السابقة من سورة البقرة في الآية 191.


حتى أن عجز ذات الآية قال فيه تعالي: " فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ " البقرة الآية 193، وذلك يدل على أن القتال لا يستهدف إلا الظالمين الذين يمكرون السوء لذلك الدين الحنيف، فإن كفوا أيديهم توقف بالتالي قتالهم. وقد سبقت تلك الآية الآيات "190- 193" من ذات السورة التي أوضحت أسباب النزول فقال عز من قائل: " وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا أن اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (191) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (192) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ " (193).


ورب قائل: أن تلك الآيات والتي سمحت بقتال المشركين والكافرين قد تضمنت أمرين الأول: "حتى لا تكون فتنة "والثاني: "ليكون الدين لله"، وذلك يعني استمرار القتال ليكون الدين هو الدين الأوحد لله حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ولكن ذلك الرأي قد خالفه القرآن في مواضع عدة، فقال تعالي: " فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ"، وقوله تعالي: " لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ أن اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أن تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ " سورة الممتحنة الآيات (9)، فليس صحيحا أن التنظيم الدولي في النظرية الإسلامية يقيم علاقات دار الإسلام بدار المخالفين على أساس أحكام قانون الحرب ([2])، وما يؤكد هذ أيضا قوله تعالي في سورة الكافرون: " قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (4) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)".


ومن مجمل تلك الآيات وغيرها نجد أن القتال ما شرع في الإسلام إلا لصد العدوان الناجم عن فتنة ومكر الكفار والمشركين لدين الله، وذلك غيض من فيض فمن يتتبع آيات القتال في القرآن في إطار سياقها سيجدها قاطبة قد فرضت لدفع أذى المشركين وموجهة لكل من يكيد للإسلام وللمسلمين وبالتالي أكانت تلك الحروب هي حروب دفاعية لحفظ الدين ودولة الإسلام، ([3])، ومن استطلاع الآيات القرآنية يمكن لنا تأكيد أن مشروعية الحرب في الإسلام ما أكانت إلا كضرورة مفرضة لدرء مفسدة عظيمة موجهة للإسلام، ويمكن إجمال الضرورات الموجبة لإحدى الأسباب التالية ([4]):-


رد العدوان والدفاع عن النفس والمال والوطن؛ وذلك إتباعا لقوله تعالي: " فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أن اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ " سورة البقرة الآية (194).

الدفاع الشرعي عن الدعوة الإسلامية وتأمين حرية الدين والاعتقاد للمسلمين، وذلك تنفيذاً لقوله تعالي: " وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ أن اسْتَطَاعُوا " سورة البقرة الآية (217).

تأديب ناكثي العهد والقصاص؛ وذلك بموجب الآية الكريمة: " وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ " سورة التوبة الآية (12).

أن تكون الحرب درءا للفتنة التي يحاول أعداء الدين إشعال نارها بين المسلمين، وذلك استنادا لمقتضى الآية (193) من سورة البقرة سابقة الذكر: " وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ ". أكانت تلك الأسباب والتي في حال تحققها جميعا أم تحقق أحدها وجب التصدي بالدخول في حرب مشروعة، فإذا أكانت لغير ذلك من الأسباب أكانت حربا عدوانية.

وفي المقابل وجدنا أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد أوصى بأهل الحبشة خيرا، وهم من أهل الكتاب ذلك أنهم أموا المسلمين ومنعوهم من الكفار، فأكانوا على ود وصداقة مع المسلمين فلم يتعرضوا لهم وحفظوا لهم جميلهم وحسن صنيعهم، وذلك يثبت أن الإسلام هو دين سلام ووئام، ولم يكن دين عدوان وانتقام ([5])، ولم يبدأ حربا عدوانا وظلما؛ وإنما أكان يرد كيد المعتدين، وهو ما يعرف في القانون الدولي الحالي بالحرب العادلة التي توجهه للدفاع الشرعي عن النفس، تلك الحالة لا تعد إرهابا أم عدوانا، إنما هي حالة تقرها القوانين الداخلية الوضعية ويقرها القانون الدولي، وهي حالة يجوز فيها للمعتدى عليه أن يرد العدوان بنفسه وإن وقع ضررا بالطرف الآخر، كما تلتزم الدولة بالدفاع عن مواطنيها وحمايتهم ([6])، لقد أكان ذلك هو المنهج الإسلامي المنزل من لدن حكيم عليم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والذي تكفل الله تعالي بحفظه ما بقيت السماوات والأرض. وإذا أكان الأمر كذلك فلا يجوز أن يتم تحقيق تلك الأهداف المشروعة بالدفاع عن دين الله من أي عدوان بوسائل وأساليب تتعارض مع القيم الإسلامية السمحة والمبادئ الإنسانية التي نادي بها ذلك الدين الحنيف.


فقد أرسى الإسلام نهجا غير مسبوق في زمانه محددا فيه كما أسلفنا أسباب حروبه، والهدف منها، والمحظورات التي لا يجوز الاقتراب منها، حتى ولو أكانت نتيجة حروبه المفروضة عليه دخول المسلمين أرض العدو، فقد روى سليمان بن بريدة عن أبيه فقال: "أكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أمر أميرا على جيش أم سرية أمصاه في خاصته؛ بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا، ثم فال: "أغزوا باسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله، أغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا " ([7])، أين ذلك النهج الرفيع مما نراه ونعايشه في زماننا من ويلات الحروب التي يدفع فاتورتها المدنيين وجلهم من النساء والأطفال والشيوخ بشكل يندى له الجبين؟!، ويظهر ذلك من واقع أعداد الضحايا الذين قضوا إبان الحروب العالمية في القرن المنصرم، والنزاعات المسلحة وخاصة غير الدولية التي استعرت ولازالت حتى يومنا ذلك ([8])، وحتى البيئة لم تسلم من الآثار الضارة والجسيمة التي امتد أثرها دول أخرى لا شأن لها بالنزاع الدائر بين أطرافه ([9]). فأكان من الضرورة بما كان تسليط الضوء على ضوابط سلوكية مستمدة من عادات المجتمع وتقاليده وقيمه الثقافية المتأصلة في وجدان ذلك المجتمع بشكل تراكمي، مغروسة في تكوين أفراده النفسي والاجتماعي منذ صغرهم لتصبح بعد ذلك متجذرة في عقيدتهم الإنسانية، بما ينعكس على سلوكهم في حال أملت الظروف عليهم الاشتراك في القتال زمن النزاع المسلح، وتلك النتيجة لن تتحقق إلا بإتباع خطة منهجية ترتقي بسلوك أفراد المجتمع في السلم والحرب من خلال عملية تربوية شاملة بما يوافق القيم التي يقوم عليها المجتمع الإنساني، وتبدو أهمية التعليم والتدريب السلوكي لأفراد المجتمع المرتبط بطبيعة الحال بعقيدة المجتمع في أنه يتغلغل في كيان الفرد ووجدانه، ويترك بصماته الواضحة على سلوكياته وتصرفاته في شتى المجالات والظروف، لتتسم بالإنسانية المحببة إلى النفس البشرية ([10]).


وفي خضم تلك اللجة سنحاول أن نخوض غمارها لنكشف عن ضوابط تحكم السلوك الإنساني للمحاربين بقيادتهم السياسية والعسكرية عند خوض الحرب بالالتزام بالقواعد التي تألفها النفس البشرية السوية في التعامل مع العدو بنهج إنساني والحيلولة دون انتهاك ما تقره الشرائع السماوية بحرمة تلك النفس أم تعريضها لآلام لا مبرر لها، فقد قال الله تعالي في ذلك المقام: "مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ أن كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ" سورة المائدة الآية (32)، ونشير أيضا في ذلك الموطن لما قاله ابن خلدون: "الاجتماع للبشر ضرورة، وهو معنى العمران الذي نتكلم فيه، وأنه لابد لهم في الاجتماع من وازع حاكم يرجعون إليه، وحكمه فيهم تارة يكون مستندا إلى شرع منزل من عند الله يوجب انقيادهم إليه إيمانهم بالثواب والعقاب عليه الذي به مبلغه، وتارة إلى سياسة عقلية يوجب انقيادهم إليها ما يتوقعونه من ثواب ذلك الحاكم بعد معرفته بمصالحهم، فالأولى يحصل نفعها في الدنيا والآخرة لعلم الشارع بالمصالح العاقبة، ولمراعاته نجاة العباد في الآخرة، والثانية إنما يحصل نفعها في الدنيا فقط "([11]).


وفي حديثنا عن الضوابط فإننا نقصد تلك القواعد والمبادئ التي تحكم السلوك الإنساني للأطراف المتنازعة في النزاعات المسلحة أدولية أكانت أم غير دولية، وبطبيعة الحال فإن المقصود بالسلوك بوجه عام "هو كل ما يقوم به الفرد البشري من نشاطات بحيث تكون صادرة عن بواعث داخلية، وتتأثر الصورة السلوكية بعوامل موضوعية خارجية وأخرى باطنية داخلية، وما السلوك إلا نتاج العلاقات الصادرة عن تفاعل الإنسان بميوله وحاجاته مع مكونات البيئة "([12])، وذلك السلوك بحاجة إلى تنظيم من قبل المجتمع بكافة مكوناته ومؤسساته لضمان توجيهه إلى مصلحة الفرد ذاته ولمصلحة المجتمع بكامله، من خلال غرس القيم والمبادئ المستمدة من عقيدة ذلك المجتمع في شتى المجالات، لضمان تفاعل الفرد داخل المجتمع بشكل إيجابي وتقنين تلك القيم والمبادئ في صورة ضوابط اجتماعية وإنسانية، وقد عرفت البشرية ذلك النظام منذ القدم واتخذ الإنسان بعض الأساليب لتنظيم العلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع من أجل إشباع حاجاتهم، ولضمان استقرار المجتمع واستمرار بقائه، إذ أن طبيعة النفس الإنسانية التأثر بالغرائز المختلفة التي تسيطر على سلوك صاحبها، وقد تنزح به عن الطريق السوي في حالة لم تجد الوسيلة الضابطة لسلوكه، ولذا فإن عملية الضبط السلوكية هي عملية قيمة لها دورها القوي والفعال في توفير الرقابة الفعالة على سلوكيات أفراد المجتمع لتصب في خدمته وتسعى لرقيه ورفعة شأنه ([13]). وبمعنى آخر يمكن تعريف عملية الضبط بأنها: "القوى التي يمارسها المجتمع على أفراده، والطرق والمعايير التي يفرضها للهيمنة والإشراف على سلوكهم وأساليبهم في التفكير والعمل، وذلك لضمان سلامة بنيان المجتمع، والحرص على أوضاعه ونظمه، والبعد به عن عوامل الانحراف "([14]).


وإذا أكان علماء الاجتماع قد اهتموا بضوابط السلوك الإنساني في الإطار الاجتماعي لتنظيم سلوك الفرد مع غيره من أفراد المجتمع وبشكل خاص في الوضع الطبيعي لحياة المجتمع المدني واستمراره ونموه وتطوره في السلم، إلا أن تلك النظريات الاجتماعية من الممكن الاستفادة منها بدرجة لا تقل أهمية في ضبط سلوك الأفراد في الأوقات الاستثنائية عند اللجوء إلى النزاع المسلح سواء أأكان نزاعا داخليا أم دوليا، بحيث يلتزموا بضوابط سلوكية تحكم تصرفاتهم في تلك الأوقات العصيبة. وذلك يدعونا للتطرق بالحديث عن أهمية تلك الضوابط.




أهمية ضوابط السلوك الإنساني:

لقد أعطى علماء الاجتماع أهمية بالغة لضوابط السلوك وضرورتها لتدعيم النظم الاجتماعية واستمرارها، وتلك الضوابط أكانت وستظل ملازمة للمجتمع الإنساني سواء أأكان ذلك المجتمع بدائيا أم متحضرا، لأن التحضر أم التغيير أم التطور لا يتم عادة إلا في إطار مجموعة من الضوابط السلوكية التي يكون لها الأثر الفعال في إحداث ذلك التطور أم التغيير ([15])، ولن تظهر أهمية تلك الضوابط السلوكية ومبلغ خطر القوة التي يمارسها المجتمع على أفراده إلا في ضوء تحليل الحقائق التالية ([16]):-


من المسلم به أن النظام الاجتماعي والإنساني خاضع لقوانين شأنه في ذلك شأن النظام الطبيعي، فبالرغم من أن تلك عرضة للتخلف ولا تتوفر فيها صفة الصلابة والحتمية المزودة بها قوانين النظام الطبيعي، فبالرغم من أن تلك القوانين الاجتماعية والإنسانية قوانين آمرة، إلا أنها ليست حتمية، أي أنه من الممكن الخروج عليها ومن الممكن تغييرها؛ لأنها في حقيقة الأمر عبارة عن قواعد تنظيمية ارتضتها الجماعات لتنظيم العلاقات بين أفرادها وألزمتهم بضرورة الخضوع لها، وهي كذلك قواعد معيارية نسبية تعبر عن الاتجاه العام أم المستوى العام في منطقة معينة، وليس ما يمنع من حدوث انحرافات أم مواقف تخرق تلك المعايير وتشذ عن ذلك المستوى العام. ومن هنا تبدو أهمية الضبط إذ يتعين على المجتمع أن يقوم بالعمل المباشر ضد تلك الانحرافات؛ حتى يحفظ للنظام العام والمعايير المتفق علي هيبتها ووظيفتها الاجتماعية والإنسانية.

ومما يتيح للأفراد الخروج على التنظيمات الاجتماعية والإنسانية والقوالب التي يضعها المجتمع أنها في بعض مظاهرها قد تكون طبقية، فقد تختص بطوائف معينة أم تخدم أغراضا خاصة لفئات لها مكانتها المرموقة، أم لها الأغلبية، ومن ثم فإنها تلقى مقاومة من الآخرين؛ لأنها في تلك الحالة تقيد المسعى نحو تحقيق المصالح الذاتية، لأن مثل تلك المصالح تجري في غالب الأمر ضد المصلحة المشتركة أم ضد رغبات بعض التكتلات، وتلك الاعتبارات تدعو المجتمع إلى أن يتدخل من حين لآخر لوضع الأمور في نصابها وفق المصطلحات الاجتماعية والإنسانية، وذلك التدخل ينطوي على ممارسة المجتمع لحقه في ضبط السلوك الاجتماعي والإنساني لأفراده والرقابة عليه.

يمثل ضبط السلوك الاجتماعي والإنساني القوة الفاصلة بين طغيان الأنانية على الغيرية، وهو الحامي للأنانية من طغيان الغيرية. وإذا أكانت الأولى حقا مطلقا فإن وظيفة الثانية نسبية ومتغيرة تبعا للحدود التي يرسمها المجتمع في كل مرحلة من مراحل تطوره وخاصة بصدد مصالح الذات، وخوفا من تجدد الصراع بين الفرد والجماعة واتساع نطاق نذر المقاومة؛ لابد من اتخاذ طائفة من الإجراءات لمقاومة عصيان قواعد المجتمع أم التمرد عليها.

ومن هنا يبدو أنه ليس ثمة قاعدة اجتماعية تنطوي على طاعة مطلقة لا شذوذ فيها أم خروج عليها، ولذلك يتعين على المجتمع وأجهزته أن يمارس حقه في ضبط سلوك أفراده أم لتلك الفئات التي قد تسول لها نفسها الحيد عن قواعد التنظيمات الاجتماعية والإنسانية.


أهداف عملية ضبط السلوك الإنساني:

تشترك أنماط عملية ضبط السلوك الاجتماعي والإنساني في مجملها في هدف واحد يتمثل في ضرورة التوصل إلى السيطرة السلوكية بكل ما تحمله تلك الكلمة من معنى، وحتى تتحقق تلك السيطرة السلوكية؛ لابد من القضاء على كل ما من شأنه أن يعطل الوصول إليها، وذلك من خلال تحقيق مجموعة من الأهداف الوقائية وأخرى أهداف علاجية، ويمكن نتناول تلك الأهداف على النحو التالي:-


هدف ثقافي: والثقافة هي جملة معارف مكتسبة يتلقاها المرء منذ اللحظة التي يبدأ فيها بالإدراك منذ نعومة أظفاره وتستمر معه على طوال حياته، وذلك لا يعني أن الثقافة فردية أم شخصية بحتة، وإنما هناك في كل مجتمع درجة معينة من التراكم الثقافي في صورة عادات وتقاليد وقيم يتلقاها كل فرد عبر مراحل حياته المختلفة يستقيها من منابع المجتمع والبيئة المحيطة به ([17]). ومن خلال ذلك الهدف يتم تدعيم القيم الإنسانية السائدة وتعديل أية انحرافات قد تطرأ على المسار الذي حدده المجتمع سلفا. وذلك التدعيم يجب أن يتم بصفة مستمرة حتى يظل راسخا في وجدان أفراد المجتمع؛ حتى يكون في الإمكان توظيفه في تنشئة الأجيال المتعاقبة للتسلح بقيم المجتمع الإنسانية وتكون قادرة على مواجهة أية معوقات قد تهدد كيان المجتمع أم تودي به في غياهب الردى ([18]).

هدف تربوي: تعرف التربية بأنها عملية معقدة تتوسط بين راشد وبين ناشئ، وهي توسط ذكي ومقصود بحيث أنها تساعد الإنسان الناشئ على التكامل التدريجي في جسمه ونفسه تكاملا حرا وموجها تولد لديه القدرة على التفكير في أمور حياته والتعامل معها، فيستطيع مواجهة الظروف التي تصادفه والتكيف معها للمحافظة على بقائه ([19]).

والتربية بذلك المعنى تحقق أهدافها من خلال عملية التنشئة الاجتماعية والنفسية لأفراد المجتمع، ذلك أن أي جماعة مهما بلغ حجمها وتعقيدها فإنها تسعى للمحافظة على بقائها واستمرارها، ولا يتحقق ذلك إلا بتمسكها بعاداتها ومعتقداتها وقيمها الاجتماعية والإنسانية، ومعايير السلوك وضوابطه فيها، عن طريق نقلها إلى أفرادها الناشئين، بحيث يتمثلونها في وجدانهم ثم تنعكس في سلوك إيجابي خارجي، ليقوموا بدورهم بنقلها إلى من سيكونون تحت إشرافهم من ناشئة ذلك المجتمع لاحقا، كما تسعى الجماعة من خلال عملية التنشئة إلى المحافظة على تماسكها وتوازنها الداخلي، وذلك عن طريق إيجاد قدر مشترك بين أفرادها من تلك العادات والمعايير السلوكية، وكلما زاد ذلك القدر زادت درجة تماسك وتوازن ذلك المجتمع ([20]).


3. هدف أمني: عندما تكون التنظيمات الاجتماعية والقوالب التي يضعها المجتمع في بعض الحالات طبقية تختص بطوائف معينة، أم تخدم أغراضا خاصة لفئات لها مكانتها المرموقة بين شرائح المجتمع، أم لها الأغلبية، ستجد عندها من يخرج عليها، وستلقى مقاومة من الآخرين؛ لأنها في تلك الحالة تقيد المسعى نحو تحقيق المصالح الذاتية،؛ لأن مثل تلك المصالح تجري في غالب الأمر ضد المصلحة المشتركة، أم ضد رغبات بعض التكتلات داخل المجتمع، وتلك الاعتبارات تدعو المجتمع إلى أن يتدخل من حين لآخر لوضع الأمور في نصابها ([21])، وذلك إعادة الأمور إلى نصابها وبصياغة جديدة للقوالب الاجتماعية التي تسبب ذلك التنافر، وترسيخ مفهوم العدالة بين أفراد المجتمع المحلي، أم حتى بالنسبة للمجتمع الدولي، وذلك باعتبار أن ذلك المجتمع بشموليته هو المسئول عن حفظ أمنه واستقراره، وضمان عدم خروج أيا من أكان على قواعده التي ارتضاها.


وتظهر تلك الصور في التناحر الذي قد يجري بين فئات المجتمع داخل الدولة بما قد يؤدي إلى التمرد على تلك النظم، وذلك عندما تشعر بعض الشرائح بالغبن والظلم وشعورها أيضا بعدم العدالة الاجتماعية، وذلك قد يفضي إلى نزاع مسلح داخلي، وما حدث في الفترة السابقة في الدول العربية والذي عرف بالربيع العربي خير شاهد على ضعف الهدف الأمني في تحقيق عملية الضبط السلوكي لأفراد المجتمع، لفشله أصلا في القضاء على الأسباب التي أمجدت ذلك التنازع بين أفراد المجتمع والسلطات الحاكمة، كون تلك السلطة لم تراع حاجات أفراد المجتمع المتجددة، واهتمت بنفسها وبترفها على حساب باقي فئات الشعب، كما أنه من الممكن أن يحدث ذلك أيضا على المستوى الدولي عندما يبدأ ذلك المجتمع بالتعامل بازدواجية والكيل بمكيالين في القضايا الدولية بين أفراد المجتمع الدولي لصالح أطراف أخرى، ليفرض بالقوة على بعض أفراده، في حين يبقى البعض الأخر في منأى عن الخضوع للإرادة الدولية، وخير مثال على ذلك طريقة تعامل المجتمع الدولي مع إسرائيل بالرغم من كونها تضرب بعرض الحائط بكافة القرارات الدولية، وتنتهك بشكل سافر أبسط قواعد القانون الدولي الإنساني باعتداءاتها المتكررة على حق الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال بالاعتداء على الأرض الفلسطينية بتهويدها وتغير الوقائع على الأرض، وهجمتها المحمومة على المدنيين الفلسطينيين على مرأى العالم بأسره دون أن يحرك ساكن!، في حين نجد تلك الإرادة تتحرك بقوة لمواجهة دول أخرى.


4. هدف إعلامي: ومفاده التأثير والتأثر بين المرسل والمستقبل إيجابيا، مع نبذ محاولة الانتشار الإعلامي لجهات غير متمشية مع قيم ومعايير المجتمع ([22])، مع ضرورة مراعاة أن أمل ما يتطلع إليه المواطن في ذلك العصر بالذات كما أكان عليه الحال على مر العصور هو كفاحه؛ من أجل حريته بشكل عام، وحرية تعبيره بشكل خاص والسعي للحصول على كافة المعلومات المتعلقة بشتى نواحي حياته واهتماماته، فإذا افتقد المواطن تلك المعلومات من القنوات المشروعة الخاضعة لرقابة المجتمع، فإنه سيسعى بكل تأكيد إلى مصادر أخرى قد تدس له السم في الدسم، وذلك يلزم الجهات الإعلامية الرسمية داخل المجتمع بإتاحة جميع المعلومات التي يبحث عنها أفراده، وعرضها بمصداقية تراعي درجة الوعي التي وصل لها أفراد المجتمع في الوقت الحالي واحترام عقولهم وإدراكهم، لأن مصداقية أي وسيلة إعلامية في نظر المواطن هي مصداقية تلك الوسائل في نقل المعلومات والأخبار، فإذا صدق المشاهد ما تبثه تلك الوسائل، فستصبح هي مصدر المعلومات التي تؤثر في آرائه واتجاهاته، والتي توافق عادات وتقاليد المجتمع الذي يعيش فيه ([23]).




أساليب ووسائل ضبط السلوك الاجتماعي والإنساني:

يقصد أملا بمدلول كلمة السلوك: هو كل ما يقوم به الفرد البشري من نشاطات إيجابية أم سلبية تكون صادرة عن بواعث داخلية، والصورة السلوكية تشمل جانبا موضوعيا خارجيا وآخر باطنيا ذاتيا، وما السلوك إلا نتاج تفاعل عوامل داخلية تعبر عن ميول الإنسان واتجاهاته النابعة من حاجاته البيولوجية والسيكولوجية مع مكونات البيئة والمجتمع، فتحدد طبيعة سلوكياته في تعامله مع المواقف التي يتعرض لها، ويقصد ثانيا بأساليب ضبط السلوك الاجتماعي والإنساني: الطرق والممارسات التي تتحكم في تصرفات الأفراد، وتعمل كقوى تجبر الأفراد على الخضوع للمعايير الاجتماعية والإنسانية، فكل مجتمع من المجتمعات البشرية له أساليب تنظم حياة البشر وتحكم سلوكياتهم بضوابط اجتماعية وإنسانية كالقوانين والأعراف والعادات والتقاليد ([24]). بمعنى آخر وسائل ضبط السلوك هي الأدوات المستخدمة في الحفاظ على استقرار وديمومة ورقي وتقدم النظام الاجتماعي، وذلك النظام غالبا ما يتعرض إلى العديد من الأخطار والتحديات التي تهدد أمن وسلامة المجتمع، فتعبر عن نفسها في الممارسات الجانحة والأعمال المنحرفة والاتجاهات التي تخرج عن السياقات السلوكية والتفاعلية السليمة التي يقرها المجتمع وتقبلها الأعراف والعادات والتقاليد، وتوافق عليها القوانين المدونة وغير المدونة، ويرضى بها الضمير الإنساني ويعتمدها الرأي العام، وذلك يعني أن وسائل ضبط السلوك بمثابة الصيغ الإجرائية للحد من ظواهر الانحراف والجريمة، وتمكن المؤسسات من أداء وظائفها الاجتماعية بطريقة إيجابية وفاعلة، ولكن إذا أكانت تلك الوسائل غير قادرة على توجيه سلوك الفرد نحو ما يقره المجتمع ويقبله بما يوافق نظامه  وأهدافه، أم أكانت تلك الوسائل غير حازمة في ردع الجانح أم المسيء، فإنها بالتالي لن يكون في إمكانها التصدي إلى الجرائم والانحرافات، وبالتالي يكون ذلك المجتمع عرضة للأزمات التي تهدد كيانه ([25]).


واستنادا لما سبق يمكن تقسيم تلك القواعد الإجرائية إلى وسائل داخلية أم غير رسمية لضبط السلوك، وقواعد خارجية أم رسمية نتناولها في مطلبين متتالين على النحو التالي:


المطلب الأول

وسائل لضبط السلوك الإنساني الداخلية

وقد سميت بالوسائل الداخلية أم غير الرسمية؛ كونها غير محكومة بمؤسسات رسمية تشرف عليها هيئات ذات صفة شرعية وقانونية، وأن تلك الوسائل تتجسد في الشعور العام والخاص وتلك الأحاسيس والانطباعات الفكرية والقيمية ذات المنشأ الذاتي والجوهري المنبعث من عقل الإنسان أم من ضمير الجماعة أم المجتمع ([26])، كما أن مصدرها المثل الروحية في إطار السياقات التقليدية المقيمة للسلوك سواء أكان سلوكا سويا أم جانحا، فإذا أكان السلوك شاذا ومنحرفا كسلوك: السرقة أم القتل أم الزنا أم التسبب في إلحاق الضرر بالآخرين، فإن وسائل ضبط السلوك الإنساني لا تقيم هنا نوع السلوك فحسب، بل تعاقب صاحبه وتحاسبه حسابا عسيرا،؛ حتى يتخلى عن سلوكه المستهجن، وفي ذات الوقت يكون عبرة للآخرين، بما يحقق الردع العام والخاص، إضافة إلى أن العقاب الذي تفرضه الوسائل الداخلية لضبط السلوك الإنساني برد الاعتبار إلى المجتمع الذي انتهكت قيمه ومثله العليا، وتتمثل الوسائل الداخلية لضبط السلوك الإنساني في العادات والتقاليد والقيم والمعايير السلوكية والأعراف والأديان ([27])، وذلك ما سنحاول دراسته بشيء من التفصيل على النحو التالي:




الفرع الأول

الأخلاق وأثرها في ضبط السلوك الإنساني

تعرف الأخلاق بأنها: مجموعة القواعد المثالية التي كونها المجتمع لدعم الخير والحض عليه، وقمع الشر ومحاربته والعمل على عدم تسربه إلى نفسية أفراده، ومن أمثلتها الصدق والأمانة والدعوة إلى التعاون على البر والتقوى ومساعدة ونجدة الضعيف والمستغيث، وتجنب الكراهية والكذب والنفاق والغدر، بحيث أنها تسعى إلى تقويم شخصية الفرد والارتقاء بها، ويستمدها الفرد من وجدان المجتمع والبيئة المحيطة، ويتمثل جزاء من يخالف قواعد الأخلاق في تأنيب الضمير وازدراء المجتمع وتوبيخه ([28])، وبعبارة أخرى يمكن اعتبار الأخلاق هي مجموعة المثل العليا لمجتمع معين والمستقرة في عقيدته الراسخة يستطيع من خلالها التمييز بين الخير والشر، وجزء كبير من تلك المثل قد يبقى في مكنونات النفس البشرية فلا يخرج بالضرورة إلى حيز الوجود، وتبقى محصورة داخل تلك النفس، لكنها أي النفس البشرية تستنكر وتستهجن أي خروج على تلك المثل، ومع ذلك نجد في الغالب أن البشرية في مجملها وعلى اختلاف مشاربها قد تتلاقى وتجمع على الكثير من تلك المثل؛ لأنها مستقرة في الوجدان الإنساني بحب الخير وما يتجلى فيه من رحمة ورأفة وإيثار، وكراهية نقيضه من فحش وغدر وخيانة، وبالرغم من اختلاف أفراد المجتمعات المختلفة في الضمير أم الوجدان، إلا أنهم يتشابهون إلى درجة كبيرة في المعايير الأخلاقية التي يعتمدونها ([29]).


وقد كانت الكثير من المثل الأخلاقية تمثل المصدر الرئيس لكم لا يستهان به من القوانين والتشريعات الوطنية داخل الدولة، فإنها تعتبر المنبع لكثير من قواعد القانون الدولي الإنساني، ومن ذلك عدم الاعتداء وإعطاء الأمان لمن يطلبه، واحترام الوعد، منع النهب والاغتصاب، وتحريم الغدر.


وقد مثلت الأخلاق الحميدة خلق رسول الله؛ فمدحه عز وجل قائلا: " وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ " سورة القلم الآية (4)، وقال -صلى الله عليه وسلم - عن نفسه: "إنما بعثت لأتمم مكارمكم الأخلاق"، فكان ذلك الهدي نبراسا لخلفائه الراشدون في الدولة الإسلامية خلال حروبهم وفتوحاتهم، حيث شكلت مبادئ الفضيلة والعدالة والعرفاء بالعهد المنهج النبوي في تصرفات المسلمين فيما بينهم أم في علاقاتهم مع الشعوب الأخرى، سواء أكان ذلك زمن السلم - ويظهر ذلك في إفشاء السلام فيما بينهم، كما أكان لتحلي المسلمين بالأخلاق الفاضلة سببا لإسلام الكثير من الشعوب بعد أن تلمسوا أخلاق التجار العرب في تعاملاتهم التجارية والإنسانية معهم - أم كان ذلك زمن الحرب، ويظهر ذلك في أسلوب الأمان الذي يمنحه المسلمين لبقية الشعوب، وقد أكان المسلمون من أمائل الأمم التي رفعت المبادئ الأخلاقية إلى مستوى القواعد الشرعية الإلزامية في مجال معاملة الشعوب الأخرى ([30]).


ومن جانب آخر فقد أكان للآراء الفلسفية التي نادى بها كل من (روسو ومونتسكيو) في فرنسا و (إيمريك فاتيل) في سويسرا (وبنيامين فرانكلين) في أمريكا، أكان لها الأثر الكبير في تدعيم الأساس الأخلاقي للقانون الدولي الإنساني، فقد استلهم البروفيسور (ليبر) من تلك المبادئ والمثل الأخلاقية الكثير حين وضع مسودة التعليمات الموجهة لضباط الولايات المتحدة الأمريكية أثناء الحرب الأهلية عام 1863، فقد أكانت تلك التعليمات مصدرا لأوائل النصوص التي عالجت موضوع النزاعات المسلحة والمعروفة "باللائحة المتعلقة بقوانين الحرب البرية وأعرافها"، والتي تشكل ملحقا لاتفاقية لاهاي الثانية لعام 1899، والرابعة لعام 1907، ومما يؤكد ذلك ما ورد في مقدمة قانون (لاهاي) الشرط الذي يجعل من الأخلاق العامة مصدرا من مصادر القانون الدولي الإنساني، وهو ما يعرف (بشرط مارتينز) الذي نص على: "أنه في الحالات التي تنظمها النصوص الموضوعية من قبل الأطراف المتعاقدة يظل الأهالي والمحاربون تحت حماية وسلطان مبادئ القانون الدولي التي يقررها العرف المستقر بين الشعوب المتمدنة، وقوانين الإنسانية وما يوحي به الضمير العام الإنساني ". وكذا الحال بالنسبة لقانون جنيف فقد أكان للأساس الأخلاقي بصمته الواضحة كون ذلك القانون يقوم في المقام الأول على مبدأ الإنسانية، الذي تشترك فيه كل البشرية، حتى أن فكرة الصليب الأحمر بكاملها ليست أكثر من تكريس لمبدأ احترام الفرد الإنساني وكرامته الشخصية، والذي يمثل أهم المبادئ الأخلاقية ([31]).


الفرع الثاني

العادات السلوكية وأثرها في ضبط السلوك الإنساني

وتعرف العادات بأنها "عبارة عن مجموعة من الأفعال والأعمال وألوان من السلوك الإنساني تنشأ بصفة تلقائية لتحقيق أغراض تتعلق بظاهرة سلوكية تساعد في تنظيم الجماعة أم بالتعبير عن أفكارهم ومشاعرهم وتحقيق غاياتهم وإرضاء طموحاتهم "([32])، فهي تمثل كل ما تواضع عليه الناس من عادات اتفاقية ونواهي سلوكية وسنن وشعائر ومراسيم وممارسات أم حتى بدع، فهناك الكثير من العادات والتي لها فائدة جمة ونفع لا يمكن إنكاره في الوسط الاجتماعي والإنساني، ويؤدي إلى تعزيز وحدة المجتمع، وتقوية الروابط بين أفراده والتجانس في تصرفاتهم، وتتمثل تلك العادات السوية في آداب السلوك العام، وآداب الحديث وصلة ذوي القربى، وفي المقابل هناك بعض العادات الشاذة والضارة تمثل حالات مرضية قد تنتاب المجتمع في بعض المحطات، فتعمل على إعاقة نهوضه وعمل على نشر الفرقة بين أفراد المجتمع ([33])، فتجد عند اندلاع النزاعات المسلحة دولية أم غير دولية الرغبة الجامحة للمقاتلين في الانتقام من الخصم دون مراعاة لأدنى القيم والمعايير الإنسانية، فقط يتم ذلك لإشفاء الغليل حتى لو أكان من يدفع ذلك الثمن ليس له ذنب من قريب أم بعيد في النزاع المشتعل بين الخصوم، وذلك ما يتعرض له في الغالب النساء والأطفال والشيوخ بمعاملة غير إنسانية، عند اشتعال جذوة العنف، فقد أصبح ذلك السلوك عادة مسيئة للإنسانية درج المقاتلين على ممارستها بوحشية دون أي وازع أخلاقي.


أهمية العادات ودورها في ضبط السلوك الإنساني:

تمثل العادات جزءا أم فصلا هاما من دستور الأمة غير المكتوب، بيد أنها مدونة في صدور الأفراد وراسبة في تكوينهم، وتمثل دعامة جوهرية من دعائم التراث الإنساني والاجتماعي، وذلك التاريخ الطويل والشاق الذي يمر على إيجاد تلك العادات يضفي عليها التقديس والاحترام، ويؤكد ثباتها واستقرارها، ويوسع نطاق عموميتها وانتشارها بين مختلف شرائح المجتمع، ولذلك فإن أهم ما يميز العادات العمومية وسعة الانتشار فلا تقتصر على طائفة أم فئة من طوائف أم فئات المجتمع كما هو الحال بالنسبة للتقاليد والأعراف، وهو ما يفسر لنا سر تعلق الأفراد بها وخضوعهم لما تفرضه عليهم ([34]).


وليس معنى ذلك أن تلك العادات هي جبرية وتفرض نفسها على أفراد المجتمع فلا يملكون حيالها حق تغييرها أو تعديلها، إلا أن مقتضيات الواقع ولطبيعة العادات فإن أفراد المجتمع يملكون في الحدود التي تجيزها ثقافة ذلك المجتمع، ومبلغ تطوره، القدرة على إدخال التعديل الذي يناسبهم وفق أوضاعهم وحاجتهم إلى تلك العادات من عدمه، فلا يعتبر ذلك خرقا لإرث ذلك المجتمع؛ كون تلك العادات شأنها شأن ما عداها من مظاهر التراث الاجتماعي والإنساني لذلك المجتمع أم ذاك، ولابد لها من مسايرة سنة التطور، لتخرج عن الصورة النمطية والجامدة، فتستجيب للأوضاع المستحدثة بما يوائم احتياجات الأفراد والمجتمع، لتعطي دلالة على رقي المجتمع والمستوى الثقافي والفكري والمعرفي من خلال شفافية عادات أفراده والمتجسد في سلوكياتهم ([35]).


ونشير أيضا إلى القواسم المشتركة التي تتشابه فيها العادات من جانب أم أكثر مع الضوابط السلوكية الأخرى، إلا أنها تتميز وتختلف عما سواها من جوانب عدة نذكرها على النحو التالي:-


أ. اختلاف العادات من حيث درجة الإلزام: فنجد أن تعاطي بعض العادات اختياريا أم تفضيليا، ومثال ذلك عادات المجاملات في المناسبات الاجتماعية المختلفة والتي قد يأتيها الفرد رغبة في توثيق علاقاته بغير من أفراد المجتمع، وقد ينأى بنفسه عن تلك العادات لظروف خاصة به، ولن تجد في تلك الحالة استهجان من المجتمع ذو بال على من خالف تلك العادات، ولكن هناك من العادات الملزمة والتي لا يتجرأ أيا أكان على مخالفتها وخاصة تلك التي تفرض سلوكا خاصا على أفراد المجتمع في شأن وقائع محددة، ومثال ذلك المسارعة في النجدة لمن يكون في حاجة ماسة إليها، وخاصة عند تعرض أحد الأفراد لحادث معين تجد كل من عايش ذلك الحدث يهب بتلقائية لنجدته وتقديم المساعدة التي في مقدوره عليها، ولكن إذا تخاذل ذلك الشخص عن ذلك ولم يسارع بنجدة من يحتاج إليها وخاصة إذا أكان في مقدوره تقديم مساعدة من شأنها إنقاذ حياة المستغيث، فإنه سيجد مالا تحمد عقباه من المجتمع في صورة ازدراء واستهجان وتحقير.


ب. اختلاف العادات من حيث مدى السيادة والشيوع والانتشار: تختلف العادات من حيث مدى شيوعها وانتشارها، فبعضها خاص يسود في مناطق معينة أم يحكم طائفة بعينها، ولكن بشكل محدود، وبعضها عام يسود المحيط الثقافي كله كعادة ستر الجسد بالملابس الملائمة والتي توافق معتقدات الجماعة وثقافتها، حتى ولو اختلفت من جماعة إلى أخرى، وعادة احترام المرأة للرجل وخضوعها له، ومن أمثلة العادات الخاصة: تلك العادات التي تتخذ شكل الأخذ بالثأر أم التي تسود بين طائفة محددة من الناس مثل العادات التجارية، أم كعادة عدم قتل الفارس إذا هوى عن فرسه في ساحة الوغى.


ج. اختلاف العادات من حيث الجزاءات على من يخالفها: تتدرج الجزاءات على من يخالف العادات الاجتماعية والإنسانية بحسب أهمية العادة وضرورتها للمجتمع، فنجد أن الجزاءات تتدرج من الاستهجان والازدراء ([36])، أم حتى التحقير ونبذ المخالف، وقد تصل إلى حد مقاطعة من يخرج على عادات المجتمع بشكل سافر. وبالتالي تعتبر تلك الجزاءات رادعة للأفراد؛ لضمان عدم إخلالهم بعادات المجتمع، وانسجام سلوكهم ومن ثم تكون العادة قد أدت دورها الفعال في ضبط السلوك الإنساني.


د. اختلاف العادات من حيث مدى الدوام والبقاء والتطور: توجد عادات وقتية وقصيرة الأجل وعابرة تظهر ثم تختفي ومثال ذلك العادات التي تظهر إبان الأزمات التي قد يتعرض لها المجتمع سواء أكانت في حالات الكوارث الطبيعية، أم حتى زمن النزاعات المسلحة، فتظهر تلك العادات لمعالجة وفائع لا توجد إلا في زمن الأزمات، ومن ثم تختفي بانتهاء ذلك الظرف الطارئ، وهناك عادات أصيلة راسخة وعريقة دائمة بدوام العرق الإنساني، ومن ذلك تفاني الوالدين في توفير كل ما يلزم لرعاية أبنائهم وضمان سعادتهم حتى ولو أكان ذلك على حساب راحتهم الشخصية أم سعادتهم.


وتجدر الإشارة إلى أن كل شيء في ذلك الكون الحافل بالمتلازمات والمتناقضات حادث وخاضع لسنة التطور، وأن العادات حتى وإن أكانت محكمة فهي بدورها صائرة إلى الانحطاط والضعف تدريجيا حتى تصير إلى زوال في بعض الحالات، ومن ذلك حين تطغى ظروف عارضة وتستمر لفترات غير محدودة، فيكون لا مفر في ظل تلك الظروف من ترك ما ألفه المجتمع من عادات قديمة وموروثة، واعتناق مسالك أخرى يرى أنه لا مندوحة له من تبنيها، وهو في تلك الحالة مجبر ومرغم على ذلك وحكمه حكم المذعن والمكره، ومثال ذلك تلك الحالات التي يجبر فيها البعض على هجر مواطنهم بداعي الظلم والعدوان فشردوا وأرغموا على اتخاذ بلاد أخرى مأوى لهم، وشتان بين ما ألفوه في موطنهم من عادات موروثة، وبين تلك العادات التي أكرهوا على ممارستها بحكم الضرورة والظروف الواقعية، والتاريخ مليء بأمثال تلك الأقوام، الذين تعرضوا لتلك المحنة جراء الغزوات والحروب التي كثيرا ما أنجبت مثل تلك التغيرات ([37]). وما حدث للشعب الفلسطيني الشاهد الحي على ذلك النظر بعدما تم اقتلاعه من أرضه ومن جذوره الضاربة في عمق التاريخ بغير وجه حق، في حين أكان العالم المتحضر والمتمدن شاهد زور على أبشع جرائم العصر الحديث، فيجبر ذلك الشعب المكلوم على أن يترك خلفه الكثير من العادات التي ألفها من الآباء والأجداد، ليهجروا إلى شتات الأرض، فلم يكن هناك من بد إلا بالتعامل مع الواقع الجديد ومع أهل تلك البلاد واكتساب عادات جديدة والتي قد تختلف بشكل أم آخر عما أكان لديهم من تراث.


ومما تقدم يظهر أن تطور العادة أمر لابد منه، ونسبة تطورها تقاس بمقياس الزمان والمكان والحاجة والاختيار، فقد تزول العادات في بيئة معينة في مدة قد تطول أم تقصر تبعا لقوة العامل المهيمن عليها ودرجة تأثيرها في كيانها، وقد يكون في زوال عادات أمة الضرر البليغ الذي قد يصيبها في مقتل، فيعتور نشؤها فتور يزلزل مقومات حضاراتها ويدك قواعدها ويقوض أركانها ويجعلها تسير تابعة غير متبوعة ([38]).


وبنظرة خاطفة إلى واقعنا العربي والإسلامي سنجد أن الكثير من العادات الإسلامية التي سنها رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه لصحابته عليهم رضوان من الله في غزواتهم وحروبهم ضد أعدائهم، والتي ميزتهم في زمن أكانت الوحشية هي السمة المميزة لحقبة لم يكن للمعايير الإنسانية أي اعتبار إلا النذر اليسير، فإن تلك العادات كنجدة الملهوف وإعطاء الأمن لمن يطلبه والنخوة، والزهد في الحياة الدنيا، قد خفتت وتلاشت عند فئات من أبناء جلدتنا فجللت أبصارهم وبصيرتهم غشاوة، في ظل تعصب حزبي ومذهبي مقيت، فتقلدوا عادات سلوكية !، مثال ذلك العادات التي تدعوهم إلى تغليب المصلحة الخاصة بفرقتهم أم لمذهبهم على كل المبادئ السامية والإسلامية الموروثة، واللهفة على الحياة الدنيا وطلب زينتها، مما انعكس على صورة منفرة للإسلام والإساءة للمسلمين أمام الباقي الأمم.


الفرع الثالث

القيم السلوكية وأثرها في ضبط السلوك الإنساني

والمراد بقيم السلوك الصفات السلوكية الخيرة التي يقتضيها الشرع والعقل والفطرة ([39])، وتعتبر القيم السلوكية من أدوات أم وسائل الضبط الاجتماعي والإنساني، فالقيم بمعناها الدقيق هي الضوابط السلوكية التي تسيطر على سلوكية الفرد وتضعه في قالب أم إطار معين يحظى بتثمين أم تقييم المجتمع ([40])، وبصيغة أخرى تعرف القيم بأنها الصفات الشخصية التي يفضلها أم يرغب فيها الناس في ثقافة معينة كالشجاعة والجلد والاحتمال والإيثار وضبط النفس، والتي يمكن اعتبارها كل على حدة أم في مجموعها بالصفات المرغوبة في كل ثقافة، ولكن ذلك لا يعني أنها صفات مجردة، بل هي في الواقع أنماط سلوكية تعبر عن تلك القيم ([41]). ويمكن النظر إلى قيم السلوك الإنساني على أنها اهتمام أم اختيار وتفضيل أم حكم يصدره الإنسان على شيء ما مهتد بمجموعة المبادئ والمعايير التي وضعها المجتمع الذي يعيش فيه، والذي يحدد المرغوب فيه والمرغوب عنه من سلوك ([42]).


أهمية قيم السلوك الإنساني:

بما أن القيم السلوكية نتاج اجتماعي يتعلمها الفرد ويتشربها تدريجيا، ثم يضيفها إلى إطاره المرجعي للسلوك من خلال عملية التنشئة الاجتماعية، فإن تلك العملية تلعب دورا مهما في حياة الفرد والجماعة، ويبدو ذلك بصفة خاصة في انتقاء بعض الأفراد الصالحين لبعض المهن التي توافق قيم سلوكية أثرت فيهم وتركت بصمتها في تكوينهم وميولهم بشكل واضح، ونقل تلك القيم السلوكية الصالحة لنشيء ذلك المجتمع ([43]).


خصائص قيم السلوك الإنساني: تتصف القيم السلوكية بمجموعة من الصفات والخصائص يذكر منها ([44]):-


أن القيم ليست من وضع شخص معين بل هي حصيلة تجربة جماعية.

أنها ليست صفات مجردة بل يتوصل إلى معرفتها عن طريق دراسة أنماط السلوك التي تعبر عن تلك القيمة الإنسانية التي تمثلها.

أنها معايير وضوابط للسلوك الإنساني فما يعتبره الناس صحيحا أم خطأ يؤثر في سلوكهم، ويلتزمون به تحت طائلة الجزاءات المجتمعية كالعزلة التي تفرض على المخالف.

مصادر قيم السلوك الإنساني: تتباين المصادر التي تشتق منها كثير من القيم السلوكية بين مجتمع وآخر، وعلى وجه العموم فإن المصادر التي تشتق منها القيم المجتمعية والإنسانية في المجتمعات هي ([45]):


التشريعات السماوية: ويشتق منها الكثير من القيم الروحية والخلقية والمادية وغيرها.

الأوضاع الاجتماعية: ويشتق منها أيضا كثير من القيم المعنوية والمادية المختلفة.

أقسام قيم السلوك الإنساني: وتقسم تلك القيم إلى قسمين أساسيين هما القيم السلوكية الإيجابية النافعة والمفيدة والقيم السلوكية السلبية أم الضارة:


- فالقيم الإيجابية تنعكس في قيم الشجاعة والبطولة والنخوة والتعاون والصبر على الشدائد والتضحية والإيثار والانضباط.


- في حين تتمثل القيم السلبية في الأنانية والطائفية والمذهبية والعنصرية، والمخالفة للمبادئ الإنسانية.


فالقيم السلوكية الإيجابية التي يؤمن بها الفرد ويتمسك بتفاصيلها ومفرداتها ويطبقها على سلوكه اليومي لابد أن تمنعه من القيام بالسلوك السلبي والمشين أم الرديء، فالذي يؤمن بالإيثار والتضحية؛ من أجل قضايا عادلة أم من أجل الآخرين لن يحتمل أن يكون أنانيا، حتى أنه سيسخط على كل من يسلك السلوك الأناني والفردي، وذلك يدل على الدور الذي تلعبه القيم في تقييم سلوك الأفراد الإنساني، وتدفعهم إلى التصرف بموجب ما تقره قيم المجتمع الإنسانية وما تنهى عنه، إضافة إلى أهميتها في إلزام الأفراد على انتهاج السلوك المتأتي من مفردات القيم السلوكية الإيجابية، والتخلي عن السلوك النابع من القيم التي تخالف إنسانيته ([46]).


الفرع الرابع

التقاليد السلوكية وأثرها في ضبط السلوك الإنساني

التقاليد عند البعض ([47]) هي عبارة عن طائفة من قواعد السلوك الخاصة بطبقة معينة، أم في بيئة محدودة النطاق، وهي تنشأ من الرضى والاتفاق الجمعي على إجراءات وأوضاع معينة خاصة بالمجتمع المحدود الذي تنشأ فيه، ولذلك فهي تستمد قوتها من قوة المجتمع الذي اصطلح عليها، وتفرض سلطتها على الأفراد باسمه، فالتقاليد شأنها شأن العادات والعرف عبارة عن مصطلحات اجتماعية وسلوكية تأخذ صفة الضبط ومزودة بصفة الجبر والإلزام، وعند البعض الآخر ([48]) فالتقاليد ما هي إلا تعبير عن الرغبة بالعيش بكيفية معينة، وفق طريقة أيسر في الحياة داخل المجتمع، وأصول التعاطي لأمور الفرد الحياتية وتصريفها وتهيئة الجو لحياة هادئة طبيعية، والتعامل مع الغير وما إلى ذلك من تفرعات، وتلك التقاليد الموروثة، أما منشأ التقاليد فقد أجمع ذوو الرأي ([49]) على أن الطفل منذ خلقته يتأثر بما يراه من حوله من أوضاع، وكذلك فإن حواسه تستفيد وتنشط على ضوء ما تراه وما تشعر به من عوامل عامة تبقى في مخيلته، وتنمو مع جسمه إلى أن يترعرع ويشب فتشب معه تلك الخصال التي نشأت وإياه في حجر أمه فتلازمه ملازمة الظل، وبديهي أن يأخذ الطفل عن أبويه تلك التقاليد أيا أكان نوعها؛ لأنه إنما ينشأ في كنفهما. إلا أنه عندما يصل إلى سن تؤهله إلى الانطلاق من رعاية أم بالأحرى قيود الوالدين، يشترك في تكوين تقاليده عامل آخر هو العامل الخارجي الذي يتأثر به لدى تعامله مع الآخرين متوصلا معهم على سلوك موحد في الأمور الدنيوية العامة، فيأخذ عنهم ظواهر أخري قد تكون شبيهة بما عنده من قبل، وقد تخالفها في بعض الظواهر والحالات، وتلك هي التقاليد المكتسبة، ومن مجموع الاثنين يتكون لديه النهج الذي كثيرا مالا يخرج عن نطاقه مدى الحياة ([50]).


وبالرغم من وجه الشبه الذي تلتقي فيه التقاليد مع العادات والعرف؛ باعتبارها أدوات ضابطة للسلوك الإنساني، إلا أن الفرق بينها يكمن في الدرجة، وذلك أنه عندما تبدأ الممارسة السلوكية من طرف معين كبداية كونها عادة فردية، تستمر لتكون اجتماعية أم جماعية بعد أن يقتنع بها عدد من أفراد المجتمع، ومن ثم تنتقل تلك العادة إلى تقليد ملزم لتلك الجماعة، ولا تكون كذلك إلا إذا وجد المجتمع أن تلك التقاليد يؤدي خدمة مجتمعية أم إنسانية، فيعمل على تنظيم أركانه، فيتوارث الجيل اللاحق لتلك التقاليد عن الجيل الذي سبقه وتستمر تلك التقاليد لفترة زمنية لتصبح تقاليد موروثة من تقاليد المجتمع فتميزه عن غيره من المجتمعات ([51]).



خصائص تقاليد السلوك الإنساني: تتميز التقاليد السلوكية بخصائص عدة منها:


الاكتساب: أن التقاليد ليست فطرية عند الإنسان، وإنما هي مكتسبة يتوارثها الأبناء عن الآباء، وتنتقل بواسطة عدة طرق، فقد يكون ذلك بطريقة شفهية بتلقي السلف عن الخلف التقاليد الموروثة مشافهة بواسطة الأساطير والقصص والحكايات الشعبية والأغاني التراثية، وقد تنتقل التقاليد السلوكية بطريقة مكتوبة وخاصة في تلك الحضارات التي اعتمدت على الكتابة، فينتقل ذلك التراث عن طريق دراسة تاريخ تلك الحضارات باعتبارها تاريخ الأمة التي ينتمي إليها الفرد فيتلقاها باعتزاز وفخر، وقد يكون ذلك عبر قصائد شعرية أم نثرية وما إلى ذلك؛ من أنواع الأدب التراثي، وقد تنتقل بالتجربة والممارسة ويظهر ذلك عبر الطقوس الدينية أم القومية.

التمسك: من الصعب على المجتمع أن يتنازل عن تقاليده بسهولة، فيتمسك بتقاليده بإصرار في مواجهة المستحدثات السلوكية المغايرة لتقاليد المجتمع، معتبرا أن تنازله عن تقاليده إنما هو تنازله عن هويته.

الإصرار والتعمد: أن استخدام التقاليد يصر عليه المجتمع كما يصر عليه الأفراد، فلا يمكن الخروج عليها إذ أن من يخرج عن التقاليد يقابل بالتأنيب على ذلك الخروج، فترى الأفراد يتمسكون بممارسة تقاليدهم ويحثون أبنائهم على إتيانها كما ينقلونها إلى الأجيال اللاحقة، ويطلبون بإصرار من الذي لا يأتيها ولا يمارس تقاليد ذلك المجتمع ضرورة قيامه بها وممارستها ليتجنب نبذه من قبل المحيطين به.

الشعور بالطمأنينة: يقوم الناس بممارسة تقاليدهم وهم مطمئنون على أنهم لن يقابلوا بالمعارضة أم الاستغراب والاستهجان، ثم أن من يمارس تقاليد مجتمعه السلوكية يمارسها بكل ثقة وهدوء نفسي لثقته بأن ممارسته لتلك التقاليد يرضي من حوله والجماعة بكاملها، وذلك بحد ذاته يمنحه الشعور بالطمأنينة ([52]).

أهمية تقاليد السلوك الإنساني: أن للتقاليد السلوكية أهمية كبيرة في حياة المجتمع وتنظيمه وضبطه لا تقل عن أهمية القوانين والأنظمة الاجتماعية الأخرى؛ لأنها:-


تشكل ضابطا مهما في تنظيم الميول والاتجاهات والنزعات السلوكية.

تعمل على التماسك الاجتماعي وتقوية بنيان المجتمع.

تنير للأفراد الطريق السوي في التعامل مع بعضهم إزاء مواقف حياتية مختلفة.

توجه الفرد إلى ممارسة ما هو مقبول ومباح وتبعده عما هو غير مقبول ولا مباح ومحرم ([53]).

وتلك الأهمية لا يمكن تحقيقها إلا بتنشئة نخبة صالحة من الرجال العالمين والعاملين وضمان توافر القسط الكافي لديهم من التهذيب الاجتماعي والأخلاقي والإنساني فيسيرهم غير مخيرين في طريق النجاح، ويجعل منهم سلما لرقي أمتهم في معارج المدنية والفلاح. وأن ذلك كله يأتي في الدرجة الأولى على قدر تأثر الأفراد والجماعات بالبيئة والتقاليد، فإذا أراد مجتمع معين الازدهار الحقيقي عليه أن يسعى أملا لجعل تلك التقاليد بعيدة عن الإسفاف، خالية من السخف، نقية لا تشوبها شائبة الخرافة والبدعة والتقليد الأعمى والحقد بأنواعه، والتعصب العرقي أم الديني، فيرمي جانبا ما علق بتلك التقاليد من أدران ويعززها بالصالح من المقومات، ويذر ما يصلح منها ليكون أساسا لبناء قويم الأرأكان لا يتداع في مواجهة الشدائد والعواصف التي قد يواجهها ([54]).




الفرع الخامس

العرف وأثره في ضبط السلوك الإنساني

للعرف معنيان أحدهما معنى واسع والآخر محدد، فالعرف في معناه الواسع يشمل كل قاعدة قانونية تنبع من واقع الحياة وممارسة أفراد مجتمع معين لسلوكيات ملزمة بدون تدخل من سلطة تشريعية، ولا يقتصر ذلك التعريف على السلوكيات التي درج الناس على اتباعها في علاقاتهم، بل يشمل أيضا السوابق القضائية التي استقرت في أروقة المحاكم، والآراء الفقهية السائدة في ذلك المجتمع، ولكن الذي يعنينا هنا العرف بمعناه المحدد أم الضيق، والذي يقتصر على نطاق محدد هو نطاق القاعدة القانونية غير المسنونة التي تنشأ من اطراد سلوك الأفراد في تعامل ما على وجه خاص فترة زمنية قد تطول أم تقصر مع اعتقادهم بقوتها الملزمة ([55])، ولا يختلف ذلك التعريف القانوني عن العرف لدى علماء الاجتماع الذين ينظرون إلى العرف باعتباره طائفة من الأفكار والآراء والمعتقدات التي تنشأ عند جماعة ما وتنعكس على أعمالهم وما يلجئون إليه في كثير من سلوكهم الجمعي، فيضطر الأفراد إلى الخضوع لتلك المعتقدات؛ لأنها تستمد قوتها من فكر الجماعة ومعتقداتها، فلا يملكون الخروج عليها أم على ما تم رسمه لهم إلا في أضيق الحدود، ولا يستطيعون أن يعزلوا أنفسهم عن الأخذ بها أم التفكير على خلاف ما توحي به، ولذلك نجد أن معظم الأفراد منساقين إلى السير في ركاب تلك القواعد السلوكية التي يفرضها العرف، ومن يحاول أن يتصدى لما تفرضه من مظاهر سلوكية أم معتقدات يقابل من الجماعة برد فعل تتناسب مع قوة العقيدة ومبلغ تأثيرها في الجماعة ([56]).




أهمية العرف وضرورته في ضبط السلوك الإنساني:

يعتبر العرف من أدوات ضبط السلوك الإنساني ذات الأهمية التي لا يستهان بها، فهو في بعض الحالات أن لم يكن في مجملها قد يسد مكان القانون المكتوب إذا أغفل حالة معينة من معالجتها بنص صريح، فالعرف من بين أدوات ضبط السلوك الإنساني ذو سيطرة قوية وسيد مطاع، ويتميز العقاب لمن يخالف قاعدة عرفية بأنه عقاب فوري دون الدخول في محاكمات وشكليات يقتضيها توقيع العقاب في القانون الوضعي، فالعرف يصدر حكمه في العادة فورا دون تأخير، وحكمه واجب النفاذ وهو أكثر ما يكون حكما قاسيا ورادعا ([57]).


وتظهر أهمية العرف كمصدر لعدد كبير من القواعد القانونية، حيث أكان له شأن عظيم فيما مضى باعتباره المصدر الوحيد لتلك القواعد في المجتمعات السياسية القديمة ذلك أن الكتابة لم تكن لها المكانة المعتبرة في تلك الأزمان، وحينما عرفت البشرية أهمية الكتابة على نطاق عملي بادرت إلى تدوين القواعد العرفية المستقرة، فتحول العرف بذلك إلى قانون مكتوب، كما جرى ذلك عند (الرومان) عندما ثبتوا قواعدهم العرفية في صحائف من البرونز عرفت بعد ذلك بالألواح الاثني عشر، وذلك ما حدث في العراق حيث تحولت الأعراف السائدة بين سأكان ما بين الرافدين إلى شرائع مكتوبة كشريعة (حمورابي) ([58]).


والعرف وما يتصل به من عقائد شعبية وأفكار يعتبر أهم جزء من دستور الأمة غير المكتوب، والعرف يختلف عن العادات في نقطة أساسية وهي ارتباطه بالناحية العقائدية، أما العادات في مجملها مرتبطة بأفعال وأعمال، ويخضع العرف للتطور شأنه شأن العادات، فهو لا يتجمد على أوضاع معينة، ولكنه يتزحزح إلى حد ما عن صورته الأولية وأشكاله القديمة، غير أن تطوره عن قواعده المألوفة والذي قد يتعارض فيها مع المعتقدات الشعبية الدارجة للمجتمع، فلابد أن يقابل في بداية الأمر برفض قوي وعنيف وعدم ارتياح، حتى يتمثل المجتمع في تفكيرهم و مشاعرهم فيستسيغه الوجدان الجمعي، فيصبح العرف الجديد نمطا أم نموذجا مضافا إلى القواعد العرفية القديمة، ومن الملاحظ أن الأوضاع والأنماط السلوكية الجديدة تساير إلى حد ما قواعد العرف القديم في صراع بين مد وجذر حتى تنصر عليها وتحل محلها ([59]).


عناصر أم أركان العرف الضرورية لضبط السلوك الإنساني:

حتى يؤدي العرف دوره باعتباره أحد ضوابط السلوك الإنساني؛ لابد أن يتوافر في العرف ركنان أم عنصران، عنصر مادي وآخر معنوي:-


أ. العنصر المادي: ويقصد به الاعتياد على اتباع قاعدة معينة في مزاولة نشاط خاص بحدث ما، وتنشأ العادة على اتباع سلوك معين في مواجهة مسألة معينة واستقرار ذلك السلوك نتيجة لتكراره في الحالات المماثلة، والعنصر المادي يتوافر بتكرار ذلك السلوك، فالتكرار يعد دليلا على وجود عنصر الرضا والقبول لدى الجماعة، ويجب أن يتوافر في العادة عدة شروط حتى يصبح ذلك السلوك وعرفا من تلك الأشراط:


- العمومية: أي أن لا تكون خاصة ببعض أفراد المجتمع بشكل شخصي، وإنما تعم جميع أفراد الجماعة المخاطبين بها.


- القدم: فلا يجوز اعتبار أي قاعدة سلوكية حديثة النشأة قاعدة عرفية.


- الثبات: أي أن يستمر الأفراد على اتباعها دون انقطاع.


- العلانية والذيوع: بمعنى أن يستطيع الأفراد معرفة وجودها ومقتضاه بيسر وسهولة.


ب. العنصر المعنوي: ويقصد به توفر الاعتقاد لدى الأطراف والمعنيين الذين تستهدفهم القاعدة العرفية بضرورة الخضوع والالتزام بها ووجوب اتباعها وسريانها، وبسبب تكرارها؛ أصبحت بمثابة قانون واجب الاحترام ومعاقبة من يخالفه ([60]). ويتوفر (هذين العنصرين) تنشأ قاعدة عرفية ضابطة للسلوك الإنساني لها طبيعتها التي تختلف باختلاف المخاطبين بها، فهناك قواعد عرفية لها صفة العمومية والتي تشمل جميع أفراد المجتمع، وهناك بعض الأعراف تخاطب فئة محددة من أفراد المجتمع تنظم شئونهم في ناحية معينة من نواحي معاملاتهم فيكون عرفا خاصا أم فئويا، وهناك عرف محلي يشمل أفراد جهة أم ناحية أم إقليما خاصا داخل الدولة، كما قد يكون العرف عالميا، وذلك عندما يكون محوره في تنظيم علاقات أشخاص المجتمع الدولي، وهنا نجد أن ذلك العرف يعد ضابط لسلوك أعضاء ذلك المجتمع ولممثليهم أمام المؤسسات والدول الأخرى ولرعاياهم أيضا.


وبعد أن علمنا أن أي قاعدة للسلوك الإنساني داخل المجتمع الوطني لا تصبح قاعدة عرفية ضابطة للسلوك الإنساني إلا بتوافر الركن المادي المتمثل بإتيان سلوك معين بشكل متكرر ومنتظم فترة من الزمن، وأن يتولد شعورا عاما بإلزامية ذلك السلوك وذلك بمقتضى الركن المعنوي، إلا أن الأمر قد يختلف عن ذلك بالنسبة للقاعدة العرفية والتي تمثل ضابط على سلوك الدولة وأفرادها له أهميته في علاقاتها الدولية، فتنشأ تلك القاعدة بشكل قد يختلف نسبيا عن نشأة القاعدة العرفية داخل الدولة، فتنشأ القواعد العرفية الدولية من خلال ممارسات وسلوكيات الدول والتي تعبر فيه عن إرادتها، والتي تنطبق زمن السلم وزمن النزاعات المسلحة بشكل ملزم على جميع أعضاء المجتمع الدولي، فنجد أن هناك ضرورة للتعرف على كيفية نشأة تلك القواعد العرفية حتى يعتد بها ومن ثم تصبح ملزمة، فتنشأ تلك القواعد العرفية من خلال الممارسات والسلوكيات التالية ([61]):


يعتبر من الممارسات والسلوكيات التي يعتد بها لنشأة القواعد العرفية الدولية ما يصدر عن الدول من أفعال مادية أم لفظية، وتتمثل الأفعال المادية بسلوك الجيوش للدول في ساحة المعركة أم في استخدامها لأسلحة بذاتها، أم معاملة متميزة لفئات معينة من الأشخاص، وتتمثل الممارسات السلوكية اللفظية للدول في ما يصدر عنها من كتيبات دليلها العسكري وتشريعاتها الوطنية، والمبادئ القضائية التي استقر عليها القضاء الوطني، وغير ذلك من تصرفات أم ممارسات تعبر فيها الدولة عن نفسها في إطار علاقاتها الدولية، أم ما تعبر عنه مؤسسات الدولة الوطنية بشكل رسمي.

كما ويعتبر من الممارسات السلوكية التي تنشأ القواعد العرفية ممارسة مؤسسات الدولة الوطنية وسلطاتها سواء أكانت التنفيذية أم التشريعية أم حتى القضائية إذا أكان مواقف تلك السلطات يتناغم في تعبيره عن مواقف الدولة في علاقاتها مع مختلف الأشخاص الدولية، وحتى يعتد بتلك التصرفات من المفترض أن تظهر وتعبر عن موقف الدولة سواء أكان بشكل إيجاب أم سلبي، فتستطيع باقي الدول استقراء موقف تلك الدولة بشكل واضح لا لبس فيه، حتى تتمكن من تحديد موقفها من ذلك إذا أرادت.

ومع أن قرارات المحاكم الدولية لا تشكل ممارسات وسلوكيات دولية، وهي من المصادر الفرعية للقانون الدولي العام، إلا أن ما يصدر عن المحاكم الدولية من قرارات تعترف فيها بوجود قاعدة عرفية معينة، فإن ذلك يعتبر دليلا مقنعا على وجودها، مما يشكل في ذات الوقت سابقة قضائية وذلك في حد ذاته له قيمة يعتد بها في إيجاد القواعد العرفية الدولية ونشأتها، ومن جانب آخر فإن ما يدفع به أمام المحاكم من قبل الدول تعبر فيه عن مواقفها فإن ذلك يعتبر من قبيل ممارسات وسلوكيات دولة ومن ثم يعتد به.

كما يعتبر من الممارسات والسلوكيات الدولية ما يصدر عن المنظمات الدولية من تصرفات باعتبارها ذات شخصية وأهلية قانونية في المجتمع الدولي وبشكل مستقل عن الدول، فإن تلك التصرفات لها دور في نشأة قواعد عرفية دولية، وبشكل خاص فيما يتعلق بالقرارات الصادرة عنها، أم التصديق عليها من قبل المنظمات الدولية أم المؤتمرات الدولية، وما يصاحب التصويت على تلك القرارات من قبل أعضاء المجتمع الدولي تفسيرات ترد على ما يتم طرحه، وكلما أكان هناك دعما لتلك القرارات من أعضاء المجتمع الدولي وقبولها من الدول كلما أكان لتلك القرارات دورها في إيجاد قواعد عرفية دولية.

أما بالنسبة لممارسات جماعات المعارضة المسلحة وما يصدر عنها من سلوك أم التزامها بقواعد معينة من قواعد القانون الدولي فإن تلك الممارسات لا تمثل ممارسة دولة فلا يعتد بها في إرساء القواعد العرفية الدولية، ومع ذلك فإن ذلك يعبر عن قبول تلك الجماعات لقواعد معينة في النزاعات المسلحة غير الدولية وبالتالي يشكل موقفها مرسخا لقاعدة عرفية دولية معينة مما يوجب على تلك الجماعات وغيرها الالتزام بها.

وحتى تعتبر ممارسة الدولة منشئة لقاعدة عرفية دولية لابد من توافر مجموعة من الأشراط ([62]):


الشرط الأول: لابد أن تكون ممارسة الدولة لتصرفاتها منتظمة فعلا، كما ويجب ألا تكون دول أخرى قد مارست تصرفا أم سلوكا مغايرا له من حيث الأصل.

الشرط الثاني: وحتى يتحقق وجود قاعدة عرفية في القانون الدولي العرفي هو وجوب أن تكون الممارسة المعنية من قبل الدول منتشرة وتمثيلية على حد سواء، غير أنها لا تستلزم أن تكون عالمية إذ يكفي أن تكون ممارسة عامة، بما يولد الاعتقاد القانوني بوجود قاعدة عرفية واجبة الاحترام، وأن ذلك التنفيذ قد تم بالفعل وظهر ذلك السلوك للغير، غير أنه لا يمنع أن تختلف صيغة الممارسة ما دامت تدل على موقف محدد باعتقاد قانوني لا لبس فيه وفقا لما تقتضيه القاعدة المعنية، سواء أكان ما تضمنته بمقتضى القاعدة العرفية الدولية الحظر لسلوك معين، أم تنفيذا لواجب، أم مجرد حق بالتصرف بطريقة معينة.

الشرط الثالث: ويتعلق بالوقت اللازم والكافي لتكوين قاعدة من قواعد القانون الدولي العرفي من خلال اعتماد ممارسة منتظمة ومنتشرة وتمثيلية بشكل فعلي، وعلى الرغم أنه من الطبيعي أن يمر بعض الوقت قبل أن تكون هناك ممارسة كافية لتنشأ قاعدة عرفية دولية وتستوفي تلك المعايير، فإنه لا يوجد إطار زمني محدد لنشأتها، فالمسألة برمتها تتعلق بتراكم ممارسات كافية من حيث الانتظام والمدى والتمثيل.

أهمية العرف الدولي لضبط سلوك الدول ورعاياها في المجال الدولي:

علمنا سابقا أهمية العرف المحلي؛ باعتباره أحد مصادر القاعدة القانونية للقانون الوطني وكضابط للسلوك الإنساني لأفراد المجتمع، فإن للعرف أهمية لا تقل عن ذلك على صعيد القانون الدولي العام والإنساني، متمثلة في أن معرفة القواعد العرفية الدولية مفيدة لكل الأطراف المعنية بتطبيق ونشر القانون الدولي الإنساني كالنظم السياسية في دول المجتمع الدولي، والجيوش التابعة لها، والمنظمات الدولية، ومكونات الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر، والمنظمات غير الحكومية، فتحدد لها مجال علاقاتها مع غيرها وترسم خط سيرها، فتنظم لكل الأطراف المعنية سلوكياتها في إطار ذلك المجتمع، ذلك أن القانون العرفي ملزم لكافة أعضاء المجتمع الدولي، ذلك من جانب ومن آخر فإن معرفة القواعد العرفية الدولية مفيد في تقليص الشكوك ونطاق الجدل الملازمين لمفهوم القانون الدولي العرفي، كذلك من الممكن أن يكون الإلمام بتلك القواعد لها فائدة جمة وبشكل خاص في تلك الحالات التي يكون الاعتماد على القواعد العرفية الدولية ضروريا، وذلك متعلق بطبيعة الحال بعمل المنظمات الدولية أم حتى بالنسبة للمحاكم الدولية والمصادر التي تستند إليها في حل المنازعات المنظورة أمامها، وبالفعل فكثيرا ما ترى المحاكم ضرورة بتطبيق القانون الدولي العرفي، وعلى سبيل المثال: فتلك المحكمة الجنائية الدولية (ليوغسلافيا) السابقة التي لها وفقا للمادة الثالثة من نظامها الأساسي اختصاص يتعلق بانتهاكات قوانين وأعراف الحرب، ونتيجة لذلك أكان على تلك المحكمة أن تحدد ما إذا أكانت انتهاكات معينة للقانون الدولي الإنساني تشكل انتهاكا للقواعد العرفية الدولية فيشملها اختصاص المحكمة، وبالإضافة إلى ذلك فإن القانون الدولي العرفي يعتبر في بعض الدول كمصدر للقانون المحلي، ويمكن الاستشهاد به، أم إصدار الحكم القضائي استنادا لتلك القواعد من قبل المحاكم الوطنية ([63]).


وتجدر الإشارة إلى أن أصول القانون الدولي الإنساني يعود في أصله إلى الممارسات العرفية للجيوش والتي تطورت على مر العصور، فلم يكن فيما سبق لذلك القسم من القانون الدولي والذي يعرف بقوانين وأعراف الحرب أن يطبق من قبل جميع الجيوش، كما لم يطبق بالضرورة تجاه كل الأعداء، حتى ولم تكن جميع القواعد المطبقة هي نفسها، غير أن النموذج الذي أكان معتمدا ذلك القائم في الأصل على مفهوم شرف الجندي والذي اقتصر على ضبط السلوك تجاه المقاتلين والمدنيين، وأكان مضمون القواعد يشتمل عموما على حظر السلوك الذي أكان يعتبر قاسيا أم شائنا ولا ضرورة له، وهو مضمون يتطور من قبل الجيوش وحدها، كما أكان لكتابات القادة الروحيين الأثر الكبير فيه ([64]).




المطلب الثاني

وسائل ضبط السلوك الإنساني الخارجية

تستعمل وسائل ضبط السلوك الإنساني الخارجية؛ للحد من ظاهرة السلوك الخارج والجانح التي لم تفلح معه ضوابط السلوك الإنساني الداخلية من مبادئ وقيم وأعراف وتقاليد، ولعدم نجاعة تلك الوسائل في ردع المخالف، وقد سميت بالوسائل الخارجية أم الرسمية ذلك أن من يسهر على ضمان الالتزام بها جهات وسلطات رسمية داخل الدولة، كما أنها مصبوبة في قوالب لفظية ونصوص مدونة يسهل على كل فرد في المجتمع التعرف عليها من عدة مصادر إعلامية، وهي أيضا غير مقصورة أم حكراً على شخص بذاته أم فئة محدودة وإنما هي متاحة للجميع، وبالتالي: يسهل تطبيقها على جميع الحالات التي تستوفي شروطها، وفي حالة مخالفتها تسعى الجهات الرسمية المختصة في الدولة بمحاولة إعادة الطمأنينة للضمير العام الذي خدش من جراء مخالفته، فيتم توقيع الجزاء المناسب على المخالف، الأمر الذي يسهم في تحقيق الردع العام والخاص، إضافة إلى رد الاعتبار إلى المجتمع. ونرى أن وسائل ضبط السلوك الخارجية تتعلق بوسيلتين على قدر كبير من الأهمية، الوسيلة الأولى هو أثر الدين في ضبط السلوك الإنساني، ونحن باعتبارنا شعوبا مسلمة حيث تعتبر الشريعة الإسلامية مصدر رسمي من مصادر التشريع في غالبية الدول الإسلامية، وتقوم مؤسسات رسمية على الكثير من الشئون الدينية تحت إشراف ورعاية الدولة وسلطتها التنفيذية ممثلة بوزارات الأوقاف والشئون الدينية، لذلك نعتبر أن الشريعة الإسلامية من وسائل الضبط الرسمية أم الخارجية لضبط السلوك الإنساني، والوسيلة الثانية هو أثر القانون في ضبط السلوك الإنساني، كونه صادرا من سلطة مختصة ورسمية في الدولة، وتقوم سلطة أخرى بالسهر على تنفيذه، وسلطة أخرى وظيفتها فض النزاعات استنادا إلى نصوصه، وكلها سلطات رسمية وتستطيع فرض إرادتها على المواطنين بالقوة الجبرية عند اللزوم، وعليه سنقوم بدراسة هاتين الوسيلتين على النحو التالي:-




الفرع الأول

الدين وأثره في ضبط السلوك الإنساني

لقد انحرفت البشرية للحياة المادية وظلامها؛ مبتغية من ذلك حياة أفضل، ولكن تلك الحياة لم تستطع، أن توفر للناس الأمن والسلام، ولا المودة أم الرحمة والحنان، ولا التعاون ولا الإيثار، ولا تهذيب للنفس البشرية ولا تقويم للخلق، فأكان أن أصيبت الإنسانية بنكسة خطيرة من جراء سعة العقل المادية وضيق القلب والروح ([65]). فمن يعتقد أنه سيجد السعادة والرضى والراحة النفسية في غير الدين وليس أي دين بطبيعة الحال فهو واهم، ذلك أن الدين ونتحدث هنا عن الدين الإسلامي الحنيف هو نظام عقلاني منطقي موزون يتكون من مجموعة من المعتقدات والأفكار والقيم والطقوس السلوكية المتعلقة بقوى ومعاني تفوق بطبيعتها وأهميتها تلك الأشياء المادية التي يستطيع الإنسان خلقها وصنعها أم السيطرة عليها، فالدين الإسلامي يمثل أهم وسائل ضبط السلوك الإنساني كونه يؤثر في سلوك وعلاقات الأفراد وفي اتجاهاتهم الوجدانية والفكرية والعقائدية والسلوكية بموجب المبادئ الدينية التي يلتزم بها الإنسان المؤمن، كما أن تلك المبادئ والقيم الدينية تحمل الأفراد على التصرف وفق ما يقره دينهم ويتجنبوا ما ينهى عنه، فالفرد الملتزم بتلك المبادئ السامية والفاضلة يمتنع عن إتيان تلك السلوكيات التي ينهى عنها الدين الحنيف ومن ذلك على سبيل المثال الكذب والغش والغدر والخداع، كما يوجد لمن لديه الإيمان الراسخ بالدين ومعتقداته ملكه يميز بين الخير وفضائله وبين الشر ودروبه، وذلك يحمل المسلمين لله بالتقرب إلى دين الله الحنيف بالتمسك بقيمه وأخلاقه الفاضلة وشمائله. فالدين الإسلامي وسيلة مهمة من وسائل ضبط السلوك الإنساني فطالما أنه يحث الأفراد على القيام بالأعمال الصالحة والنافعة للإنسان نفسه ولمن حوله وللبيئة بشكل عام، والابتعاد عن الأعمال المنحرفة والشاذة والإجرامية التي تتقاطع مع أوامر ووصايا ومعتقدات وقيم الدين الحنيف ([66]).


ويعتبر الدين بالتالي من أهم النظم الاجتماعية والسلوكية وأخطرها شأنا في مبلغ ما يؤديه من وظائف في حياة الفرد والأمة، فليس ثمة عاطفة إنسانية أبعد غوزا وأرسب تأثيرا في مشاعر الفرد والمجتمع من العاطفة الدينية ([67])، فقد يبدو للبعض أن الدين في مدنيتنا المعاصرة لم يكن له من الجلاء والقدسية ما أكان له في العالم القديم، ذلك لاستعلاء العلم على دوائر المجهول التي أكانت تعتبر مملكة الدين وحصنه المكين قدرته الفائقة في سيطرته على النفوس وتوجيهها والتحكم فيها، ولكن ذلك تصور فاسد، فلا ينتظر أن ينكمش سلطان الدين حتى في عصر المدنية؛ لأن التفسير العلمي للكون لم يتمكن من أن يحل مأكان التفسير الديني، فلا يزال الدين محتفظا بمفتاح مغاليق السبب الأول لبداية الخلق، ولا تزال الشقة بعين العالم الروحي والعالم المادي عزيزة المنال، ومن العسير عبورها، ولا تزال الحدود بين المعلوم واللامعلوم قائمة، ولو أنها مرنة وفي حراك نحو جانب العلم، فما أكان مجهولا بالأمس القريب أصبح الآن معلوما ليؤكد ما فسره الدين، ومع ذلك فكلما اقتحم العلم مغارة من مغارات اللامعلوم، كلما أمغل في صحرائه بدون هدى إلا بنبراس ذلك الدين.


ومن جانب آخر نجد أن العالم اليوم يتمتع بدرجة لم يخالها الفرد أن تكون موجودة فيما سبق من العصور والأزمان، وذلك لأن امتزاج الحضارات أكان من شأنه- عند من يرى أن المدنية قادرة على توحيد الأمم على اختلاف مشاربها - أن يؤدي إلى تسامح ديني بين مريدي الديانات المختلفة، وبين أتباع المذاهب والنحل الذين يعتنقون ديانة واحدة، وأكان من المفترض أن يؤدي ذلك الامتزاج الحضاري بالرغم من اختلاف الشروح والتفسيرات وتأويل النصوص الدينية إلى سيولة فكرية في شئون الدين وما يشتمل عليه من عقائد وعبادات وطقوس وشعائر، إلا أن ما حدث مغاير لذلك ذلك أن الإسراف في تلك الأمور قد أدى إلى قيام تيارات شكلية وإلحادية والتي أساءت إلى جوهر الدين والقيم التي ينطوي عليها، وذلك الانحراف في الاتجاه الدنيوي أصاب كثيرا من المجتمعات المعاصرة بالانحلال وجر عليها كثيرا من المصائب، فلعلها تثوب إلى رشدها وتدير رأسها ثانية إلى القيم الدينية التي تؤدي إلى السعادة الحقة والخير الأسمى للبشرية ([68]).


تلك القيم النابعة من عقيدة راسخة بأن تلك الشريعة لم ولن يأتيها الباطل من بين أيديها ولا من خلفها كونها موروثة من أنبياء الله ورسله وقد تكفل الله بحفظها حتى يرث الأرض ومن عليها، وليس سرا ما يقوله المرء: إن العقيدة في الأونة الأخيرة قد أصيبت بهزة عنيفة وأزمات حادة وذلك نتيجة مخالطة تلك العقيدة الإسلامية السمحة الكثير من الأفكار البشرية الضالة، ما أخرجها عن بساطتها ووسطيتها، فأكان من أثر ذلك أن ضعفت عند خلق كثير وأصبحت مجرد أفكار ومجموعة من الآراء لا تمثل الاعتقاد الحق، ولا تصل أعماق نفوسهم، ففقدت دورها في توجيه سلوكهم كما هو لازم، ولا تعينهم على السلوك الذي يمثل الرشد الإنساني والرقي الروحي، ومع ذلك فإن من فضل الله أن تلك العقيدة الإسلامية لا تزال كما هي في صفائها ونقائها وبساطتها وقدسيتها ووسطيتها، فقد تكفل الله بحفظها إلى يوم القيامة في كتابه الكريم وسنة نبيه الصحيحة، تلك العقيدة ميراث رسل الله جميعا وأنها عقيدة جامعة ربطت المؤمنين بدين الله الواحد، الذي لا يختلف بمرور الأزمان و السنين، ولا في المكان؛ لأنها عقيدة إيجابية توجه سلوك المؤمنين إلى ما فيه صلاحهم في الدنيا والآخرة ([69]).


وفي تلك المعاني جاء في الآيات الكريمة: " شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آَمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ"(15) سورة الشورى، فالإسلام باعتباره خاتم الأديان وهو دين الله الذي أمحاه إلى محمد صلوات الله وسلامه عليه قد بني على إيمان وعمل، فالإيمان يمثل العقيدة والأصول التي تقوم عليه شرائع الإسلام، وعنها تنبثق فروعه، والعمل يمثل الشريعة، والإيمان والعمل أم العقيدة والشريعة متربطة مع بعضها ارتباط وثيق لا ينفصم، ولأجل ذلك الارتباط جاءت أكثر آيات القرآن الكريم يقترن فيه الإيمان بالعمل ([70])، ومثال ذلك قوله تعالي: " وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ " سورة البقرة الآية 25، وقوله تعالي في موطن آخر: " مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ " سورة النحل الآية (97)، وقوله تعالي: " إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا " سورة مريم الآية (96)، وفي ذلك الإطار نشير إلى أن الشريعة الإسلامية بما تميزت به من واقعية قد واجهت ظاهرة من ظواهر السلوك الإنساني لا يمكن إنكار وجودها وهي غريزة القتال فهي ظاهرة لا تتناسب مع ديانة أكان السلام تحيتها وبالتالي فلا يمكن قبول تلك الظاهرة على إطلاقها، فعمدت الشريعة الغراء مثلما فعلت بالنسبة لكافة الغرائز إلى تهذيبها وتشذيب زوائدها الضارة، ومحاولة إفراغها في نمط محدد تسير فيه بشكل معلوم وإطار واضح، لترقى إلى السلوك الإنساني القويم، وتصل إلى مرتبة الظواهر الاجتماعية المفيدة، فأكانت المهمة الأساسية للشريعة الإسلامية إزاء تلك الظاهرة المرتبطة بجوهر السلوك الإنساني أكثر بكثير من كثير من الظواهر السلوكية الأخرى أن تنقلها من إطار الغريزة المجردة الغاشمة إلى مستوى السلوك المنظم بضوابط واضحة المعالم، فلا قتال إلا حيث تفرضه الضرورة وفقا لمعايير وضوابط تولت الشريعة الإسلامية بيانها بالتفصيل، ثم أنه إذا اندلع القتال فإن على المقاتل المسلم أن يسلك فيه مسلكا تولى القرآن والسنة النبوية بيان العديد من مقوماته وحدوده، كما ووضعت الشريعة الغراء مجموعة من المبادئ العامة التي تحكم سلوك المقاتل المسلم حينما يعوزه نص مباشر في القرآن أم السنة، تلك المبادئ تمثل الأساس القانوني الإسلامي برمته، فما وافقها أكان سلوكا إسلاميا يثاب فاعله، ومن خالفها خرج عن حدوده ([71]).


وكما هو معلوم فإن هناك مصادر للشريعة الإسلامية لخصها الشيخ الإمام الآمدي في بيان الدليل الشرعي بقوله: "هو خمسة أنواع. ذلك، أنه إما أن يكون واردا من جهة الرسول أم لا من جهته. فإن أكان الأول، فلا يخلو إما أن يكون من قبيل ما يتلى، فهو الكتاب. وإن أكان من قبيل ما لا يتلى، فهو السنة. وإن لم يكن واردا من جهة الرسول، فلا يخلو إما أن يشترط فيه عصمة من صدر عنه، وإما لا يشترط ذلك. فإن أكان الأول فهو الإجماع، وإن أكان الثاني، فلا يخلو إما أن تكون صورته بحمل معلوم على معلوم في حكم بناء على جامع، أم لا يكون كذلك. فإن أكان الأول فهو القياس؛ وإن أكان الثاني؛ فهو الاستدلال، وكل واحد من تلك الأنواع، فهو دليل لظهور الحكم الشرعي عندنا به. والأصل فيها إنما هو الكتاب؛ لأنه راجع إلى قول الله تعالي المشرع للأحكام، والسنة مخبرة عن قوله تعالي وحكمه. ومستند الإجماع فراجع إليهما، أما القياس والاستدلال فحاصله يرجع إلى التمسك بمعقول النص أم الإجماع، فالنص والإجماع أصل، والقياس والاستدلال فرع تابع لهما "([72]).


وتلك المصادر هي مصادر الشريعة التي تستقى منها الأحكام الشرعية، ومنها شريعة الحرب في الإسلام والتي ساهمت في تكوين وإرساء قواعد وأحكام القانون الدولي الإنساني، فقد تناولت تلك الشريعة النص على كثير من القواعد التي تتعلق بالقتال موجباته وسلوك المقاتلين وحتى القواعد التي تتعلق بمعاملة أبناء الشعوب الأخرى في السلم والحرب ([73]). ومن ذلك قوله تعالي: " لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ " سورة الممتحنة (9)، فالإسلام لا ينهى عن مودة الذين لا يقاتلون المسلمين والبر إليهم، ولكن ينهاهم عن مودة وبر من يقاتلهم فقط ([74])، وذلك هو الأساس الإسلامي للتعامل مع الشعوب الأخرى، وقد جاء في السنة النبوية المطهرة وصية رسول الله لزيد بن الحارثة لما أنفذه إلى مؤتة قوله: "اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا "([75]). ومن المعلوم أن الأحكام الشرعية تستمد من الكتاب أم من السنة والإجماع، والتي تتدرج بين الوجوب والتحريم أم الندب والكراهة ([76])، والمسلم المكلف يلتزم بإتيان الأوامر بتنفيذ مقتضاها ويتجنب النواهي والابتعاد عن شبهاتها، أعمالا للقاعدة الفقهية كل أمر للوجوب وكل نهي للتحريم، فالمكلف يلتزم بتلك الأحكام في معاملاته في كل شئون حياته ومعاملاته ليحظى بالأجر والثواب من رب العباد، وكما هو ملتزم بتلك الأحكام في إطار معاملاته في داخل مجتمعه فهو أيضا مطالب بالالتزام بها في تعاملاته الدولية، فالمسلمون يلتزمون بأحكام الشريعة الإسلامية التي أرستها فيما يتعلق بالحرب والواجبات المفروضة على المقاتلين والنواهي التي لا يجوز لهم إتيانها، وتلك الأحكام كما أسلفنا تمثل ركنا له ماكانته في القانون الدولي الإنساني، وقواعد العلاقات الدولية للمجتمع الإسلامي مع غيره من المجتمعات، تطبيقا للقاعدة الأصولية كل ما هو مباح في دار الإسلام مباح في دار الحرب، وما هو محرم في الأولى محرم في الثانية، فالمسلم يلتزم بأحكام شريعته الغراء حيثما أكان وأينما أكان ([77]).




أساس التزام المسلمون بقواعد القانون الدولي الإنساني:

هناك من يرى: أن أساس الإلزام حسب النظرية الإسلامية هو القانون الطبيعي الموحى به من عند الله، بوصف أن الوحي الإلهي هو المصدر الإلهي وهو المصدر الرئيس للقواعد الشرعية، وذلك ما جاء في الآيات 8،9 من سورة الممتحنة والتي تعتبر بمثابة دستور ومنهج للعلاقات الدولية ملزمة للمسلمين دولا وأفراد بالانصياع للأوامر والنواهي الواردة في تلك الآيات، وذلك يولد فكرة الارتباط أم الالتزام بالتطبيق سواء أكانت تلك القواعد شرعية بحتة أم ناتجة عن تعاملها مع الدول الأجنبية. فتلتزم الدول الإسلامية بتطبيق القواعد الإسلامية الدولية؛ لأن ذلك يشكل على عاتقها التزاما دينيا وتطبيقه ضروري لحياتها المدنية ([78]).


خصائص القاعدة الدولية في الشريعة الإسلامية:

تتميز القواعد والأحكام الدولية التي قررتها الشريعة الإسلامية بعدة خصائص ([79]):


أنها قواعد ملزمة للأفراد والسلطات المسلمة وعدم مخالفتها، فلا عذر لأحد بجهله للقانون.

أنها قواعد عامة التطبيق فتسري في الحدود التي قررتها الشريعة وقواعدها الكلية والتفصيلية.

أنها قواعد ذات نزعة أخلقية ذلك أن تقوي عزيمة الفرد المسلم وضميره وهما العاملان الأساسيان اللذان يدفعان إلى ضرورة احترامها.

وهي قواعد من لدن عزيز حكيم، مصدرها خالق الكون وخالق كل شيء، وذلك على خلاف القوانين الوضعية التي هي من صنع مخلوقاته.

وإذ أرست الشريعة الإسلامية تلك الضوابط والأحكام وما يميزها عن غيرها من الأنظمة الوضعية إنما فعلت ذلك في وقت لم يكن فيه أي ضابط يحد من سلوك المتحاربين، ولذا فإن الشريعة الإسلامية تعد بحق أفضل نظام يتحكم في سلوك المكلفين إيجابيا وبما يوافق أرفع المثل وأرقى القيم الإنسانية عرفته البشرية من حيث احترامه لقدسية الإنسان وكرامته في وقت السلم ووقت الحرب ([80]).


الفرع الثاني

القانون وأثره في ضبط السلوك الإنساني

تتمتع الدولة بشخصية قانونية وهي في ذات الوقت أكبر الهيئات السياسية وأوسعها نطاقا ذات السيادة الأولى داخل إقليمها الجغرافي، وهي بتلك الصفات هي الموجهة لضوابط السلوك الإنساني الخارجية بقواعد سلوكية مفروضة على الأفراد، ومن يخرج عن تلك القواعد السلوكية المحددة بنصوص القوانين المختلفة والنافذة، فذلك يعطي الدولة الحق بالتدخل وتوقيع الجزاء المناسب على الفعل المخالف لنص قانون محدد، أما الأشكال الأخرى من الجزاءات الاجتماعية الأخرى على الأفعال السلوكية المخالفة لضوابط السلوك الإنساني الداخلية فهي غير محددة بالضبط ومن المتعذر ضبط أم المحافظة على سلوك الأفراد داخل إطارها، أما في حالة مخالفة القوانين المدونة وغير المدونة داخل إقليم الدولة، فالدولة صاحبة الولاية على إلزام أفراد المجتمع على الانصياع واحترام قواعدها القانونية، وذلك الإلزام يتمثل في استخدام القوة وهو حق مقرر وثابت من حقوق الدولة متمثلة في مؤسساتها الرسمية دون سواها من القوى الاجتماعية الأخرى داخل المجتمع، وتبدو أهمية ذلك المظهر في الدولة الحديثة وذلك أنه كلما ارتفع شأن القانون فوق باقي القوى الأخرى، وكلما تضاءلت نسبيا قوى السنن الاجتماعية، كلما استقرت الأوضاع في المجتمع وازدادت قوة القانون واتسع نطاق سلطانه ([81]).




دور القانون في ضبط السلوك الإنساني:

ومما سبق يتضح أن القانون يعد من أهم وسائل ضبط السلوك الخارجية، فالقانون بمعناه العام ما هو إلا مجموعة من الأحكام والنصوص المكتوبة أم المستمدة من قيم المجتمع وضميره؛ لتنظيم سلوك أفراده وعلاقاتهم في شتى مناحي الحياة وعلى وجه ملزم؛ بهدف تحقيق مصلحة المجتمع والمحافظة على أمنه واستقراره، فالقانون بمفهومه الطبيعي أم الوصفي أم الاجتماعي والإنساني يتوخى تنظيم العلاقات والتفاعلات السلوكية لبني البشر، ونشر قيم الخير والعدالة بينهم، وتحقيق المصلحة الجماعية والتي تشعر فيها الجماعة بالرضا والطمأنينة والراحة، كما يوازن القانون بين الواجبات والحقوق، فيحل الاستقرار في ربوع المجتمع الإنساني، وينشر مبادئ العدالة فيسعى إلى فض المنازعات والخصومات والتناقضات بين الأفراد والجماعات، ويذلك تعتبر المجتمعات الحديثة والمتقدمة أن القوانين بمثابة الوسائل العملية لتقويم السلوك المنحرف ووضع نهاية سريعة لانتشاره ولآثاره المدمرة على المجتمع ومقدراته ([82]).


ومن شبه المؤكد أن لكل أمر من أمور الدنيا قواعد سلوكية وأعرافا درج الناس على اتباعها فتمثل كلاهما بمثابة ميثاق ملزم لا يجوز الخروج عليه، والحرب جزء يأخذ حيز كبير من القواعد المنظمة للسلوك الإنساني، ذلك أن الحرب هي ذلك الأمر الذي يخلف أضرارا بالغة، وذلك ناجم عن الخروج على قواعدها وأعرافها وقانونها المكتوب، وقد تقل إلى الحد الذي يقبله الضمير الإنساني إلى حد ما وذلك كلما أكان هناك التزام بتلك القواعد والأعراف والقوانين ذات العلاقة، ويمثل القانون المنظم للحرب وما يجوز استخدامه من أسلحة وما يجب أن يكون عليه سلوك المقاتلين زمن الحرب، فتلك القواعد القانونية بمجملها تعتبر ميراثا للبشرية، فهي توفر حماية قانونية كبيرة لطوائف عديدة من البشر، أم ما توفره من حماية للممتلكات المدنية والثقافية، كما أنها أي القواعد القانونية المنظمة للحرب والمتعارف على تسميتها بالقانون الدولي الإنساني يحقق نوعا من ضبط أعمال القتال وأساليبه ووسائل الدمار المختلفة، ويضع قيودا عديدة على حرية المقاتلين، بهدف تخفيف المعاناة والآلام التي تخلفها المنازعات المسلحة دولية أكانت أم غير دولية والتي يتعرض لها فئات كثيرة من البشر عسكريين ومدنيين، وهي معاناة تتزايد باضطراد مع التقدم العلمي الهائل في مجال الأسلحة ووسائل القتال والدمار، لذلك فإن أهمية قانون الحرب أم القانون الدولي الإنساني وفائدته تتزايد يوما بعد يوم وبات من الضروري الاهتمام بمضمونه وفحواه بقواعده وأحكامه، بتطويرها ونشرها على أوسع نطاق بين العسكريين بصفة أساسية وبين المدنيين أيضا، مع التركيز على إلزامية القانون وضرورة تنفيذه. فقد أصبح ذلك القانون مستقرا في الضمير الإنساني العالمي ويمثل الخروج على قواعده انتهاكا لحقوق الإنسان وجريمة يعاقب عليها، إضافة إلى ذلك فإن ذلك الانتهاك أم الخروج على قواعد القانون الدولي الإنساني سيسجل بأحرف قاتمة في صحف التاريخ بحق الدولة المنتهكة، ويتبعها أم يسبقها محاسبة أتباع تلك الدولة الذين انتهكوا قواعده ([83]).


والقانون الدولي الإنساني فرع من فروع القانون الدولي العام وذلك يعني أنه بمثابة فرع الفرع، فالقانون الدولي العام هو فرع من فروع القانون العام، وبذلك فإن الفرع يخضع لذات الطبيعة التي يتميز بها الأصل، وإذا أكان محور اهتمام الأصل أي القانون الدولي العام بالقواعد التي تحدد الحقوق والواجبات الخاصة بالدول وعلاقاتها المتبادلة، فإن الفرع أي القانون الدولي الإنساني تهدف قواعده العرفية والمكتوبة إلى حماية الأشخاص المتضررين في حالة نزاع مسلح، وما نجم من ذلك النزاع من آلام، كما يهدف إلى حماية الأموال التي ليست لها علاقة مباشرة بالعمليات العسكرية ([84]).




مصادر القانون الدولي الإنساني:

بما أن القانون الدولي الإنساني يعد فرعا للقانون الدولي العام فإن مصادر الأول هي ذات مصادر الأخير، ويقصد بالمصدر الوسيلة أم الإجراء الضروري؛ لخلق القاعدة القانونية، أو المنبع الذي تستمد منه قوتها الإلزامية، وتحديد مصدر القاعدة القانونية الدولية يعني تحديد القوالب الشكلية التي يمكن الاستدلال على وجود القاعدة القانونية الدولية من خلالها حتى تنظم العلاقات بين الدول في المجال الذي تتناوله في السلم والحرب، وحتى يتمكن القاضي أيضا من الرجوع إليها لإعمال مضمونها عندما تعوزه لفض نزاع دولي معروض عليها. فإذا ما تعلق الأمر بالصعيد الداخلي لمعرفة مصادر قواعد لقانون ما فإن الأمر يكون سهلا ذلك أن المشرع يتعهد بتحديد مصادرها وترتيب تلك المصادر، وتلك المصادر ملزمة لذوي الشأن داخليا وأن يتقيدوا بترتيبها، غير أن الأمر على خلاف ذلك على الصعيد الدولي، حيث أنه من الثابت أن القانون الدولي يرتكز إلى أساس الرضا العام بإحكامه من قبل أعضاء المجتمع الدولي، ومن الطبيعي أن تتعدد مصادره بتعدد وسائل تعبير الدول عن ذلك الرضا، وعليه فقد أشارت المادة (38) من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية وهو جزء لا يتجزء من ميثاق الأمم المتحدة إلى أهم مصادر القانون الدولي العام وهي ذات المصادر القانون الدولي الإنساني باعتباره فرعا له وتلك المصادر: "إن وظيفة المحكمة أن تفصل في المنازعات التي تدع إليها وفقا لأحكام القانون الدولي وهي تطبق في ذلك الشأن:-


الاتفاقيات الدولية العامة والخاصة التي تضع قواعد معترف بها صراحة من جانب الدول المتنازعة.

الأعراف والعادات الدولية المرعية المعتبرة بمثابة قانون دل عليه تواتر الاستعمال.

مبادئ القانون التي أقرتها الأمم المتمدنة.

أحكام المحاكم ومذاهب كبار المؤلفين ". مع العلم أن مختلف المصادر التي تضمنتها المادة (38) متساوية من حيث القوة أم القيمة القانونية، وأكان الغرض من ذلك الترتيب؛ إنما هو لتوضيح أولويات الرجوع إليها لبيان أم تحديد القاعدة القانونية واجبة التطبيق، وبالتالي سنعرض تلك المصادر:

الاتفاقيات الدولية العامة والخاصة والتي تضع قواعد معترف بها صراحة من جانب الدول المتنازعة ويظهـر ذلك من خلال المعاهدات والاتفاقيات الثنائية والدولية: والمعاهدات وسيلة اتصال دولية عرفت منذ القدم، وقد جرى العمل على استخدام المعاهدات كوسيلة لتنظيم العلاقات الدولية في عهد مبكر، وازداد استخدام المعاهدات بشكل مكثف عبر التاريخ حتى أنها كادت تصبح الوسيلة الوحيدة في مجال التنظيم الدولي، وخاصة في أواخر القرن التاسع عشر، وفي مطلع القرن العشرين وبعد الحربيين العالميتين، حيث أبرمت أهم الاتفاقيات الدولية لتنظيم علاقات الدول في السلم وإيجاد منظمات دولية تتمتع بالشخصية الدولية ترعى مصالح دولية جديرة باهتمام المجتمع الدولي.

ذلك وقد لعبت المعاهدات الدولية دورا هاما في خلق القواعد الدولية، وهي تعتبر المصدر الرئيس والأول حسب الترتيب الوارد في المادة (38) من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية، وأكثرها وضوحا، وأقل المصادر مثارا للخلاف واكثر تعبيرا عن إرادة الأطراف الحقيقية.


وقد وجدت منذ نهاية القرن التاسع عشر اتفاقيات متعددة تتناول جوانب معينة عند خوض الحرب، ومن ذلك اتفاقية الحرب البرية وأعرافها لعام 1899، والتي تم تعديلها عام 1907، وتطبيقها على الحروب والنزاعات البحرية والتي سميت لاحقا (باتفاقيات لاهاي)، كما تمثل الصكوك الأساسية للقانون الدولي الإنساني نابعة من اتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949، وبروتوكوليها الإضافيين لعام 1977 ليسري أولهما: على النزعات المسلحة الدولية، وثانيهما على النزاعات المسلحة غير الدولية، وقد بلغ عدد الدول الأطراف في اتفاقيات جنيف الأربعة عدد (189) دولة في حين بلغ عدد الأطراف الموقعة على البرتوكول الأول (159) دولة والثاني عدد (151) دولة، وجميع تلك مصادر لا يستهان بها في تشكيل دعائم القانون الدولي الإنساني فقد جات نتاج معاهدات واتفاقيات دولية، كما نذكر بالاتفاقيات العديدة إلي تحظر أم تقيد استخدام أسلحة معينة، كاتفاقية عام 1980 بشأن استخدام أسلحة تقليدية معينة، وبروتوكولاتها الأربعة، واتفاقية عام 1997، بشأن الألغام المضادة للأفراد، كما نشير أيضا إلى اتفاقية عام 1954 لحماية الأعيان الثقافية أثناء النزاع المسلح وبروتوكوليها الأول لعام 1954 والثاني لعام 1999. وجميع تلك الاتفاقيات وغيرها تمثل المرجع الأهم للقانون الدولي الإنساني ([85]).


2. الأعراف والعادات الدولية المرجمة والمعتبرة بمثابة قانون دل عليه تواتر الاستعمال: يعتبر العرف الدولي أقدم مصادر القاعدة القانونية ولكنه يلي مرتبة المعاهدات في ترتيب مصادر تلك القواعد حسب ما جاء في نص المادة (38) من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية، وقد أكان العرف الدولي مصدرا لمجموعة كبيرة من القواعد التي شكلت القسم الأكبر من قواعد القانون الدولي العام والإنساني المعترف بها، والعرف الدولي ما هو إلا مجموعة من الأحكام القانونية التي نشأت من تكرار التزام الدول بها في تصرفاتها مع غيرها في حالات معينة بوصفها قواعد تكتسب اعتقادا جازما من غالبية الدول وصفا ملزما قانونيا ([86])، ونشير إلى أن معظم القواعد العرفية الدولية سنجد لها قواعد مناظرة في الاتفاقات القائمة، لكن ما يميزها أن مجال تطبيقها غالبا ما يكون أوسع، فمعظم قواعد القانون الاتفاقي يسري فيما بين الدول الأعضاء دون غيرها، كما أنها تتعلق بشكل خاص في النزاعات المسلحة الدولية ولا تتناول تلك النزاعات غير الدولية إلا الشيء اليسير ([87])، أما قواعد القانون الدولي العرفي فشمري على النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية على حد سواء ([88]).


3. مبادئ القانون التي أقرتها الأمم المتمدنة: تشكل المبادئ العامة للقانون المصدر الثالث للقاعدة القانونية الدولية، وقد وردت الإشارة إلى ذلك الأصل لأمل مرة في ديباجة اتفاقيات لاهاي 1899 الخاصة بقوانين وأعراف الحرب البرية، ثم تناولها الفقهاء فاعتبرت كمصدر للقواعد الدولية في نظام محكمة العدل الدولية الأساسي في المادة (38)، ويقصد بالمبادئ القانونية مجموعة القواعد التي تؤمن بها الدول وتكون صالحة للتطبيق في كل الأنظمة القانونية، وهي المبادئ الأساسية التي تشترك في احترامها والأخذ بها مجموع الدول، ومثال ذلك مبدأ التعسف في استعمال الحق، ومبدأ المسئولية التقصيرية ومبدأ المساواة بين الأطراف أمام القضاء، وقد اشترطت المادة (38) سالفة الذكر أن يكون المبدأ معترف به من قبل الأمم المتمدنة وذلك عن طريق الإفرار الصريح أكان تتضمنه قوانينها الوطنية أم تتبناه محاكمها، أم يكون اعترافا ضمنيا وذلك بعدم الاعتراض عليه أم النص على خلافه.


4. ويأتي في المرتبة الرابعة من مصادر القانون الدولي العام والإنساني بحسب البند "د "من المادة 38 من نظام محكمة العدل الدولية الأساسي أحكام المحاكم ومذاهب كبار المؤلفين:-


أ. الأحكام القضائية: فقد أكان لها مساهمة ظاهرة في تكوين قواعد القانون الدولي العام والإنساني رغم نسبية الأحكام القضائية، فقد ساهمت تلك الأحكام في إقرار بعض مبادئ القانون الدولي، كما لا يمكن إنكار دور القضاء في تطوير قواعد القانون الدولي بمساهمته في تكوين العرف، وذلك بتوجيه سلوك الدول على نحو يؤدي إلى استقراره فيما بينها، وقد أكان للأحكام القضائية دورا مميزا وخاصة عندما أكان المرشد للجنة القانون الدولي لتقنين قواعده، وللقضاء دور رئيس في تأكيد وجود القاعدة العرفية الدولية من عدمه، إضافة إلى تحديد مداها ومضمونها وتفسيرها.


ب. مذاهب كبار المؤلفين: وهي تمثل الآراء الفقهية في مجال القانون الدولي العام، وهو ما يتناوله الفقهاء القانونيون من جوانب ذلك القانون المتعددة من شروحات وتفسيرات للاتفاقيات الدولية الموقعة، أم للأعراف الدولية الدارجة المستقرة بين الدول، أو حتى للأحكام القضائية، فتلك كلها تعتبر من مصادر القانون الدولي العام أم الإنساني، فقد اضطلع الفقه بدور بارز وخاصة عند بداية تكوين قواعد ذلك القانون فأرسى الكثير منها أم تفسيرها ورسم معالمها.


5. مبادئ الصالة والإنصاف: لقد جاء في الفقرة الثاني من المادة 38 من نظام محكمة العدل الدولية الأساسي ما نصه: "2. لا يترتب على النص المتقدم ذكره أي إخلال بما للمحكمة من سلطة الفصل في القضية وفقا لمبادئ العدل والإنصاف متى وافق أطراف الدعوى على ذلك"، وذلك النص يخول المحكمة بناء على تراضي أطراف الدعوى المنظورة أمامها استبعاد مصادر القانون الدولي العام والإنساني سالفة الذكر - إلا ما يتعلق منها بقواعد آمرة بطبيعة الحال فلا يجوز الاتفاق على مخالفتها- والحكم بمقتضى ذلك المصدر، مما يفيد أنه مصدر متميز عن باقي المصادر السابقة. ومن المبادئ التي تعطي مثالا واضحا ذلك الشرط المعروف بشرط مارتينز الذي ورد في ديباجة لائحة لاهاي لعام 1899 الخاصة بقوانين وأعراف الحرب البرية، وذلك الشرط يرجع إلى "مبادئ قانون الشعوب والمبادئ الإنسانية"، حتى أن العديد من مواد اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 يعود إلى ذلك الشرط عينه فيكتسي بروحه ([89])، فقد جاء ما نصه: "يظل المدنيين والمقاتلون في الحالات التي لا ينص عليها في الاتفاقيات تحت حماية وسلطان مبادئ قانون الشعوب كما استقر بها العرف ومبادئ الإنسانية وما يمليه الضمير العام".


وكما أسلفنا فإن مصادر القانون الدولي الإنساني هي ذات مصادر القانون الدولي العام؛ باعتباره فرعا، ومع ذلك تجدر الإشارة إلى أن القانون الدولي الإنساني في صورته الحالية حديث النشأة نسبيا، فقد أكانت أول بدايته في العصر الحديث جاء نتاج مبادرة (هنري دونان) في كتابه (تذكار سولفرينو)، الذي أسفرت عن اتفاقية جنيف لعام 1864 والخاصة بحماية الجرحى في الميدان، وقد أكان ذلك إثر ما شاهده السيد (هنري) من مآس أثناء موقعة (سولفرينو)، ويذكر هنا أن أحكام القانون الدولي الإنساني ترتبط في وجودها وتطورها بمثل تلك المآسي التي حدثت في (سولفرينو)، فمع كل مأساة إنسانية تنجم عن النزاعات المسلحة تظهر الحاجة لإيجاد قواعد قانونية تناسب الانتهاكات المسببة لتلك المآسي، أم تطوير القواعد الموجودة بما يتناسب مع الوضع القائم والأحداث المستجدة ([90]).


أساس التزام أعضاء المجتمع الدولي بقواعد القانون الدولي الإنساني:

تعتبر قواعد القانون الدولي العام ومن ثم الإنساني كونه فرعا له قواعد قانونية بالمعنى الصحيح، مع مراعاة طبيعة المجال الذي يطبق فيه، ومن المعلوم هو عدم وجود جهاز دولي أعلى يشرع قواعد قانونية دولية ويفرض احترامها على المخاطبين بها جبرا مما يعطي تلك القواعد الفعالية اللازمة لتنظيم الشأن والمجال الخاص بها، ولكن في الواقع نجد أن القواعد المنتهكة في المجال الدولي والإنساني أكثر من تلك التي يتم احترامها والالتزام بمضمونها والامتثال لها، ومع ذلك يمكن القول: أن هناك شعور عام بإلزامية القاعدة الدولية والإنسانية بالرغم من كثرة الانتهاكات بحقها، إذن فما هو أساس ذلك الشعور ([91])؟ هناك أكثر من مذهب للشعور بالإلزام حيث يرى البعض أن أساس ذلك الإلزام هو إرادة الدول الحرة ورغبتها في ذلك، في حين يرى البعض الآخر أن ذلك الالتزام يرجع إلى عوامل موضوعية خارجة عن إرادة تلك الدول:-


أولا: المذهب الإرادي: وينطلق ذلك المذهب من فكرة أساسية وهي أن إرادة الدولة هي الأساس الذي يستند إليه القانون الدولي، فالإرادة هي خالقة القانون الدولي وهي في ذات الوقت خاضعة له، فالدول لا تلتزم إلا برضاها، وإن خير الجماعة الدولية يتطلب التضحية ببعض المصالح الخاصة بالدولة، ولكن ينقسم أنصار ذلك المذهب إلى تيارين أم فريقين:-


الفريق الأول:- القيد الذاتي أم الإرادة المنفردة: وتقضي بأن القاعدة القانونية الدولية تستمد قوتها الإلزامية من إرادة الدول منفردة، فالدولة سيدة في تصرفاتها ولا تقيد تلك إرادتها أية سلطة خارجية، وإنما تقيد الدولة ذاتها بإرادتها من خلال الدخول في علاقات مع غيرها من الدول عن طريق ما تعقده معها من معاهدات ثنائية واتفاقيات دولية متعددة الأطراف، ولكن يؤخذ على ذلك الاتجاه أن الإرادة الذاتية لا تصلح كمصدر للإلزام، وذلك لأن هدف أي قاعدة قانونية هي تقييد الإرادة فكيف يمكن اعتبار الإرادة المنفردة هي مصدر الإلزام.


الفريق الثاني:- الإرادة المشتركة: ومؤداها أن إرادة الدول المنفردة قد تصلح لالتزام صاحب الإرادة ذاته بإرادته، ولكنها لا تصلح لإلزام غيره بها، وأن الإرادة الجماعية المشتركة بين الدول هي أساس الإلزام في القانون الدولي، ومع ذلك يؤخذ على ذلك الاتجاه أيضا كونه يفترض اجتماع إرادات جميع الدول، وذلك عمليا صعب التحقق وبشكل خاص بالنسبة للدول حديثة الاستقلال وموقفها من الاتفاقيات المبرمة قبل وجود الشخصية الدولية لتلك الدول، ومع ذلك فإذا أكان ذلك قد يصدق بالنسبة للقانون الدولي العام إلا أنه بالنسبة للقانون الدولي الإنساني فنجد أنه قد حدث فعلا اتفاق أم شبه إجماع من أعضاء المجتمع الدولي عندما تم التوقيع على اتفاقيات جنيف الأربعة للعام 1949، وبالتالي فإن الإرادة المشتركة لجميع الدول الموقعة والمصدقة على تلك الاتفاقيات يعتبر مصدر التزام الأشخاص الدولية بها وكفالة احترامها، وفي ذلك المقام نشير إلى المادة الأولى من اتفاقيات جنيف المؤرخة بـــ 12 آب / أغسطس لعام 1949 الذي جاء فيها: "تتعهد الأطراف السامية المتعاقدة بأن تحترم تلك الاتفاقية وتكفل احترامها في جميع الأحوال"، ونرى هناك بالنظر لعدد الدول الموقعة على تلك الاتفاقيات وتعهدها باحترامها وكفالة احترامها فإن مصدر التزام الدول بها يرجع أولا إلى الإرادة المنفردة عند توقيع أم تصديق أي طرف سامي على تلك الاتفاقيات لحظة التوقيع أم المصادقة، أما ثانيا فإنه بمجرد مصادقة وانضمام ذلك الطرف أم ذاك إلى تلك الاتفاقيات فإنه يصبح عندها مصدر التزام ذلك الطرف السامي أم غيره بها يرجع إلي الإرادة المشركة التي تراضت فيما بينها على أن تخضع وتلتزم باحترام بنود تلك الاتفاقيات وكفالة احترامها.


ثانيا: المذهب الموضوعي ([92]): ويبحث ذلك المذهب عن أساس الإلزام خارج إرادة الدول، فيرى أنصاره بأن الالتزام بأي قاعدة قانونية لا يحدث حقيقة إلا بتوافر عوامل خارجية مستقلة عن إرادة الأشخاص الخاضعين لمقتضاها، وقد انقسم أنصار ذلك المذهب إلى فريقين:


الفريق الأول: نظرية تدرج القواعد القانونية: "النظرية القاعدية "وتقضي تلك النظرية بأن القواعد القانونية تستند وتخضع لقواعد تسمو عليها، وهكذا حتى نصل في التسلسل التصاعدي إلى أسمي قاعدة متمثلة في قاعدة قدسية الوفاء بالعهد، وتلك النظرية تقوم على الافتراض والخيال بوجود قاعدة تسمو على غيرها، ولم تعطي تفسيرا حول كيفية اكتساب تلك القاعدة السمو والقدسية التي تتمتع وتمتاز به عن غيرها.


الفريق الثاني: النظرية الاجتماعية: وتقضي بأن أساس كل قانون هو الحدث الاجتماعي الذي يفرض نفسه على كل جماعة، فيتحول إلى قاعدة قانونية بعد أن يعم الشعور بوجودها، فتكتسب القاعدة صفة الإلزام من ضرورة خضوع أعضاء الجماعة لها؛ من أجل الضرورة الاجتماعية بالمحافظة على بقائهم واستمرار جماعتهم، ونجد أن ذلك الفريق قد استخف بمفهوم الدولة وسيادتها وأنكر دورها في المساهمة في إيجاد قواعد قانونية دولية، وقد تجاهل أيضا دور الجزاء في منح القاعدة القانونية الصفة الملزمة للمخاطبين بأحكامها، ومع ذلك نرى أنه من الضروري لمعرفة أساس الإلزام للقواعد القانونية وجوب الرجوع إلى فلسفة القانون الذاتية سواء أكان ذلك على المستوى الوطني أو الدولي، فالقانون وليد الحاجة الاجتماعية صدقا، والقانون الدولي العام وبالتبعية القانون الدولي الإنساني لا يشذ عن تلك القاعدة، لكن حتى يتسم بصفة الإلزام يجب أن تستمد من الموافقة المشتركة التي أملتها ضرورة العيش في مجتمع منظم لتكون الأساس المنطقي للانصياع للقانون، فلا يمكن تصور حياة اجتماعية بدون تنظيم، فالرضا هو الذي يولد الإلزام بعد أن تعبر كل دولة عن إرادتها المنفردة بما توافقت عليه مع الأطراف الأخرى.


كذلك فإن هناك مصلحة مشتركة بين الدول في القبول بالتنازل عن حد معقول من حقوقها المتعلقة بسيادتها في مقابل المحافظة على تنظيم جمعي يضمن مصالح عليا للدولة ذاتها ولباقي الدول، وبذلك يتولد شعور بإلزامية تلك القواعد، والدليل على ذلك نجد أن الدول الكبرى لا تجرؤ على التصريح بمخالفة القانون الدولي أم الإنساني - حتى ولو قامت على أرض الواقع بمخالفته، مع إدراكها أنه لا يوجد من يجرؤ على التصدي لها أم أن يفرض جزاء قسري عليها، بالتالي يمكن القول: أن الموافقة الجماعية والمشتركة أم القيد الذاتي لازال يمثل الجزاء الجوهري في الالتزام بأحكام القاعدة القانونية الدولية، وذلك لا يعني إهمال أم إغفال العوامل الأخرى التي تساهم بشكل كبير في حمل الدول على الامتثال للقانون الدولي، وعلى سبيل المثال فإن للرأي العام الدولي يمكن أن يكون له دورا لا يستهان به في توجيه سلوك الدول في المحافل الدولية بما يوافق القواعد القانونية الدولية.


ومن جانب آخر لا يمكن إنكار دور الجزاء في إلزام المخاطب بالقاعدة القانونية وانصياعه لأحكامها على الصعيد الوطني، وقد يكون له ذات الفاعلية كذلك على المستوى الدولي في مواجهة تلك الدول التي تنتهك قواعد القانون الدولي العام أم الإنساني، ولا يخفى على أحد أن المرحلة الحالية شهدت تغيرا ملموسا في المفاهيم التقليدية لذلك القانون وتشهد حراك واسع لإيجاد آليات فاعلة أم تفعيل الآليات الموجودة حاليا بما يوافق تلك التغيرات في إعطاء القاعدة القانونية الدولية السمة والصفة الإلزامية بما يضمن احترام كافة الدول لها، ونجد أن القانون الدولي الإنساني قد سار على ذلك الدرب حيث يعمل على تحميل الأفراد بصورة شخصية مسئولية ما يرتكبونه، أم يأمرون بارتكابه من انتهاكات لقواعد ذلك القانون، ويقضي بمحاكمة ومعاقبة الانتهاكات الجسيمة وتلتزم الدول بمقتضى اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 وبروتوكوليها الإضافيين لعام 1977 بقمع أي انتهاكات لتلك الصكوك، كما تتحمل التزامات خاصة تجاه انتهاكات خطير بعينها يطلق عليها المخالفات الجسيمة ([93]).


أهم مبادئ القانون الدولي الإنساني ([94]):

ونشير أيضا إلى أن القانون الدولي الإنساني في شكله الحالي يقوم على جملة من المبادئ الهامة، تتفرع إلى أحكام تستهدف في مجموعها تحديد الضمانات اللازمة للحد من آثار النزاعات المسلحة، على الأشخاص الذين لا يشاركون في القتال أم أصبحوا غير قادرين على المشاركة فيه، وتمتد تلك الضمانات أيضا إلى حماية الممتلكات التي لا تشكل أهدافا عسكرية، وتفرض أحكامه على الأطراف المتحاربة احترام الضمانات الواردة في مواثيقه، وتقيد أم تحظر استخدام وسائل وأساليب معينة في القتال.


والقانون الدولي الإنساني وإن أكان لا يمنع الحرب، فإنه يسعى إلى الحد من آثارها حرصا على مقتضيات الإنسانية مع عدم إغفال مقتضيات الضرورة الحربية، وإلى جانب مبدأي الإنسانية والضرورة الحربية، هناك قواعد أخرى متعلقة بالتمييز بين الأهداف المدنية والأهداف العسكرية، وبين الأشخاص المدنيين والمقاتلين المشاركين في العمليات الحربية، مع الالتزام بمبدأ التناسب في حجم القوة المادية مع الفائدة العسكرية ([95]).


أولاً: مبدأ الإنسانية: أن الهدف الأساسي لاتفاقيات جنيف وما تلاها من مواثيق وأعراف دولية هو توفير حماية عامة للإنسان عسكريا أكان أم مدنيا زمن النزاعات المسلحة، وتخفيف آلامه وتقديم الرعاية التي يكون هو في أمس الحاجة إليها وتجنيبه أي معاناة لا مبرر لها في تلك الأوقات العصيبة ([96]). فلا يمكن الحديث عن قانون إنساني دون الرجوع إلى الأصل، أي إنسانية البشر كافة بدون أي اعتبار آخر من: جنس أم عرق أم جنسية أم لون أم دين أم لغة فجميع البشر يحق رعاية إنسانيتهم وعدم المساس بها بأي شكل أكان وتحت أي ظرف، والحرب بالرغم من كونها حالة واقعية من صنع البشر، فلا يمكن السماح لتلك الحالة أن تقوم لتحرق الأخضر واليابس وتدوس على مبادئ الإنسانية التي وهبهم إياها رب العزة، وذلك ما تؤكده الصكوك الدولية أعرفية أكانت أم مكتوبة إذ تقضى جميعها بوجوب معاملة الضحايا بإنسانية واحترام أعراضهم وأرواحهم وسلامة أجسادهم ومالهم ([97])، ومن ذلك على سبيل المثال (شرط مارتينز) سابق الإشارة إليه الذي يقضي بأن يظل المدنيين والمقاتلون في الحالات التي لا ينص عليها في الاتفاقيات تحت حماية وسلطان مبادئ قانون الشعوب كما استقر بها العرف ومبادئ الإنسانية وما يمليه الضمير العام، وذلك المبدأ يظهر أيضا بوضوح في الدين الإسلامي؛ باعتباره دينا للسلام فقد قال تعالي: "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْن تَفْضِيلًا " سورة الإسراء الآية (70).


ثانيا: مبدأ التفرقة بين المقاتلين وغير المقاتلين ([98]): "التمييز "جاء في نص المادة 48 من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 ما نصه: "تعمل أطراف النزاع على التمييز بين السكان المدنيين والمقاتلين، وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية، ومن ثم توجه عملياتها ضد تلك الأهداف العسكرية دون غيرها".


وهذه القاعدة تعتبر في الأصل قاعدة عرفية، ونظرا للمضمون الذي تحتويه والموجه للضمير العام الدولي بضرورة حماية الإنسانية لبني البشر كافة، وذلك بالتمييز بين من هو مدني يستحق الحماية الكاملة وبين المقاتل الذي يقاتل بالفعل، فإن تلك القاعدة تمثل أساس قوانين الحرب وأعرافها، وقد تم صياغتها بوضوح وإدراجها في ذلك الملحق تأكيدا على ضرورتها وأهميتها والالتزام بها أيا أكانت أوضاع النزاع المسلح. ومن مقتضى ذلك المبدأ أيضا حظر استخدام أسلحة معينة إذا أكان من شأنها إصابة المقاتلين والمدنيين دون تمييز ([99])، وتعتبر تلك القاعدة القاضية بوجوب التفرقة بين كل ما هو مدني وبين الأهداف العسكرية هي ذات الوصية التي أوصاها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمراء السرايا عند إرسالهم للدفاع عن دين الله بنهيه عن قتل فئات معينة: كالنساء والصبيان والأجراء والشيخ الفاني وأصحاب الصوامع كما سبق معنا آنفا، ونشير أيضا: إلى خطبة خليفة رسول الله أبو بكر الصديق رضي الله عنه للجيش في السنة العاشرة للهجرة، فقد وضع رضي الله عنه أسس وأحكام القتال على النحو التالي، حيث قال: "أيها الناس قفوا أوصيكم بعشر فأحفظوها عني: لا تخونوا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا طفلا صغيرا ولا شيخا كبيرا ولا امرأة، ولا تعقروا نخلا ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرا إلا لمأكلة، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له، وسوف تقدموا على قوم يأتونكم بأنية فيها ألوان الطعام فإذا أكلتم منها؛ فاذكروا اسم الله عليه "([100])، وحسبنا تلك الكلمات القليلة في عددها الجليلة في معناها حتى نقول أن الشريعة الإسلامية قد أرست نظاما قائما على الأخلاق وعلى الفضيلة، وعلى المبادئ الإنسانية وضرورة التمييز، ويشمل كافة الأحكام والضوابط الخاصة بالقتال وإرساء جل المبادئ التي يقوم عليها القانون الدولي الإنساني بعد ما يقارب من أربعة عشر قرنا ويزيد، فقد أرسى الإسلام نظرية متكاملة للجهاد من حيث أسبابه كما مر معنا سابقا، ودوافعه، وكيفية سير القتال والقيود التي ترد على استخدام القوة أثناء المعركة، ومجمل تلك الضمانات ستجد لها أصلا متينا نابعا من القرآن الكريم أم من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، أم من إرث صحابته رضوان الله عليهم ([101]).


ثالثا: مبدأ الضرورة العسكرية: قد تطرأ على سير العمليات العسكرية حالة تستوجب اتخاذ إجراءات سريعة تكفل بتحقيق إنجاز عسكري أتكتيكي أم استراتيجي ويكون من شأن ذلك الإنجاز حسم النزاع عسكريا أم على أقل تقدير إلحاق خسارة فادحة أم تسديد ضربة تنهار على إثرها معنويات العدو، فإذا تأني القائد العسكري لدراسة الوسائل والبدائل واختيار الأنسب من بينها والحصول على الإذن من القيادة العامة العسكرية والسياسية ولم يعطي أوامره بالرد السريع وتوجيه الضربة العسكرية لحظة حصوله على تلك الفرصة، فقد يفوته تحقيق ذلك الإنجاز الذي قد تكون له عواقبه الوخيمة على مجريات المعركة، وعليه فإن الضرورة العسكرية تتمثل في تلك الحالة الآنية والملحة والتي لا تترك وقتا كافيا للأظراف المتحاربة باختيار الوسائل المناسبة المستخدمة في أعمالها العسكرية الفورية، والتي قد تستوجب حال قيامها ارتكاب ردود عسكرية بعينها على وجه السرعة بسبب قيام تلك الظروف الاستثنائية الناشئة في تلك اللحظة. وتلك الظروف هي التي قد تكون خصما لدودا لمبدأ الإنسانية فتصبح الحجة الأسهل لانتهاك القيم الإنسانية وإتباع أساليب سلوكية غير إنسانية تؤدي بحكم المؤكد إلى ارتكاب أعمال محظورة إنسانيا وقانونيا وتشكل انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني أم جرائم حرب أم جرائم ضد الإنسانية، ومع ذلك فإنه في حال تحقق حالة الضرورة فإنه يسمح باستخدام القوة العسكرية لتحقيق الإنجاز العسكري المنشود ولكن وفق القيود التالية ([102]):-


حاول الضرورة هي حالة مؤقتة غير دائمة: فتبدأ مع بداية الحدث الطارئ ثم تنتهي بنهايته، وترتبط بحالة الاشتباك الفعلي بين الأطراف المتنازعة، ولذلك لا يجوز الادعاء بتوافر حالة الضرورة العسكرية في حالة الهدوء أم عند سريان اتفاقات وقف إطلاق النار أم خلال الهدنة بين الأطراف.

قيود متعلقة باستخدام الأسلحة: تتقيد الأطراف حال قيام حالة الضرورة العسكرية بعدم استخدام وسائل محظورة بموجب أحكام القانون الدولي الإنساني: كالتذرع باستخدام الأسلحة المحرمة دوليا أم بقصف أم إبادة السكان المدنيين، أم الثأر أم القيام بأعمال الاقتصاص منهم أم من ممتلكاتهم.

قيود متعلقة بطبيعة الرد العسكري المناسب: حتى يعتد بحالة الضرورة لابد ألا يكون هناك مجالا أمام القوات المتحاربة لتحديد طبيعة ونوع الوسائل غير تلك التي تم استخدامها بالفعل حال قيام وتوافر الضرورة العسكرية والتي تسمح باستخدام وسائل متفاوتة الضرر كاستخدام وسيلة إجلاء السكان المدنيين وفق قيود معينة كإجراء بديل عن قصف التجمعات السكانية بشكل عشوائي أم الاستيلاء والمصادرة للممتلكات الخاصة والعامة طالما استمرت العمليات العسكرية كإجراء بديل عن التدمير، وبالتالي فليس للمحاربين الحق المطلق في اختيار وسائل إلحاق الضرر بالعدو. وفي جميع الأحوال فإن المعيار المناسب الذي يمكن من خلاله الحكم على قيام حالة ضرورة عسكرية من عدمه تطبيق القاعدة الفقهية والقانونية بأن الضرورة تقدر بقدرها.

رابعا: مبدأ التناسب: وذلك المبدأ يعنى بإقامة التوازن بين مصلحتين متعارضتين، فتتمثل الأولى بما تمليه اعتبارات الضرورة العسكرية، بينما تتمثل الثانية بما يمليه اعتبار مبدأ الإنسانية أثناء سير العمليات العسكرية، وعليه فإن ذلك المبدأ يقضي بعد جواز الإفراط في استخدام القوة العسكرية ووسائل القتال بحجم لا يتناسب مع الميزة العسكرية والمباشرة للهدف المقصود والغاية المتوخاة من ذلك الاستهداف، مع التقيد بالاحتياطات اللازمة والكفيلة بعدم وقوع خسائر عرضية مبالغ فيها، وألا يكون الاستهداف العسكري بحجم كبير للغاية بالمقارنة مع حجم الإنجاز أم الميزة العسكرية أم حتى النصر المتوخى تحقيقه من ذلك الهجوم أم الاستهداف ([103]).


وتلك الاحتياطات الواجب مراعاتها عند الهجوم وحرصا على تفادي وقوع خسائر بين السكان المدنيين والأعيان المدنية يجب الامتناع عن القيام بهجوم يمكن أن يتوقع منه بحسب مجريات الأمور العادية أن يسبب عرضيا خسائر بشرية في صفوف المدنيين أو أضرارا جسيمة بالأعيان المدنية، أم بإطلاق قوى خطرة لا يمكن السيطرة عليها، أم تعرض حياة وممتلكات السكان المدنيين لخسائر لا يمكن دفعها أم تحملها وبشكل مفرط بما لا يتناسب والمنفعة العسكرية المباشرة والمتوقعة، كما ويجب إيقاف أم إلغاء أي هجوم يتضح أن هدفه غير عسكري، وأي هجوم لا يراع تلك الاعتبارات يعتبر هجوم عشوائي بما يمثل جريمة حرب ([104]).




الخاتمة

النتائج والتوصيات:

لقد ظهر لنا من خلال بحثنا: أن الدول الأطراف المتعاقدة في اتفاقيات جنيف الأربع والتي تمثل الأساس الفعلي للقانون الدولي الإنساني، يقع على عاتق تلك الأطراف التزامان رئيسان، الأول التزام بتحقيق نتيجة، والثاني التزام ببذل عناية، بالنسبة لالتزامها الأول تلتزم تلك الأطراف باحترام تلك الاتفاقيات، أما الثاني متعلق بالتزامها التعاوني ببذل العناية والجهد اللازم لكفالة احترامها على الصعيد الداخلي من قبل مواطنيها وعدم الخروج عليها، وذلك بالطبع يفرض عليها مجموعة من الالتزامات، وقد ظهر لنا أيضا الدور الهام الذي تلعبه ضوابط السلوك الإنساني على تعددها والتي في مجملها تؤثر في سلوك أفراد المجتمع ومن جانبنا نوصى بما يلي:-


أولا: الحياة لا تنتظم من غير منهج، ولا تصلح من غير مبدأ، وانطلاقا من تلك المقولة، نوصي بأن تعمل الأطراف المتعاقدة استنادا لالتزامها التعاوني ببذل العناية اللازمة والمطلوبة للتنسيق فيما بينها وبين كافة الجهات الدولية أم الداخلية ذات العلاقة، وبشكل فاعل العمل الجاد وفي إطار منظومة متكاملة بإعداد الخطط الاستراتيجية والبرامج التي تتوخى إعادة التأهيل والتكيف مع معطيات العصر ومتطلبات الحياة في المجتمع الداخلي أم الدولي قائم على القيم الفاضلة والمثل الإنسانية، بإيجاد آليات عملية يتم من خلالها إنشاء هيئات أم لجان رسمية أم أهلية داخل حدود كل طرف، تضم بين جنباتها أخصائيين اجتماعيين ورجال دين وقانونيين تعمل على التنقيب والحصر عن كل ما من شأنه التأثير في سلوك الإنسان من أخلاق وقيم وعادات وتقاليد وأعراف راسخة واتجاهاته الفكرية والسلوكية، باعتبارها ضوابط للسلوك الإنساني ولها دورها الفاعل في التأثير فيه وتوجيهه في السياق الذي يحقق خير الإنسانية، وبما يضمن تحقيق الهدف المنشود والقاضي بأن يكون سلوك المواطنين في إطار احترام قواعد القانون الدولي الإنساني، ذلك إذا دعت الضرورة لأي فرد أن يكون له أي دور في نزاع مسلح مستعر.


ثانيا: وبناء على ما قدمنا نوصي أيضا بأن تتضافر جهود المؤسسات التربوية بالشراكة مع تلك اللجان أم الهيئات في إطار برنامج تربوي متكامل يشمل الناشئة في المجتمع؛ باعتبار أن للتربية دورا لا يمكن إغفاله في غرس القيم والمثل التي يقوم عليها المجتمع في أفراده منذ نعومة أظفارهم، فالتربية تمثل نشاط إنساني ميدانه الحياة البشرية، وغايته الإنسان بتكوينه النفسي والعقلي، وكل ما يتعلق بسلامته الجسدية والنفسية والوجدانية ومن ثم السلوكية، وتشتمل على خطة منظمة وتتجسد عمليا من خلال رؤية واضحة يتم تنفيذها عبر مدخلات مدروسة تبدأ بتنمية الشعور بالانتماء ومعرفة ما له ما عليه من حقوق وواجبات قبل المجتمع، وذلك بغرس الخصال الطيبة والقيم والمثل الإنسانية في الناشئة؛ لتحصل في مخرجاتها على مواطن صالح يتسلح بتلك المبادئ، ويلتزم بالسلوك الإنساني القويم في سياق المعايير والمبادئ المجتمعية المستقرة.



ثالثا: لا يخفى على أي عاقل الدور الذي يلعبه الدين في تشكيل الوعي الإنساني وتوجيه السلوك في السياق المحدد من قبل المجتمع؛ وذلك بتنظيم علاقة المكلف بربه وعلاقته بمن حوله من أفراد ينتمون لذات الدين أم لدين آخر أم حتى بالبيئة المحيطة به، وفق ما تتميز به الأديان السماوية وبشكل خاص الدين الإسلامي الحنيف، من نشر المحبة والمودة والسلام، وبالنظر لخطورة الدور الذي يلعبه الدين وفي ذلك المجال الذي نحن بصدده بالذات، فإننا نوصي الدولة بمؤسساتها الرسمية، أن ترعى كافة المؤسسات الدينية بشكل مباشر وفق المنهج الديني السليم، كي لا يترك المجال مفتوحا أمام أصحاب الفكر التكفيري والمتعصب من بث أفكارهم وأيديولوجيتهم بين الناس البسطاء والسيطرة على مشاعرهم وتوجيه سلوكياتهم بما يتنافى مع المبادئ الدينية السمحة، وذلك متوقع من تلك الجماعات؛ كونها تعمل على استغلال الوازع الديني لدي أفراد المجتمع لتحقيق أهداف خاصة بهم، والتي تتعارض مع سماحة الأديان في المقام الأول، وتتعارض مع القيم الإنسانية التي حضت عليها الأديان، وفي المقابل تشجيع الفكر الوسطي البعيد عن التعصب الديني، وتنمية المبادئ والقيم الفاضلة بين أفراد المجتمع.


رابعا وأخيرا: نوصي الدولة من خلال مؤسساتها التشريعية، بتبني (المنهج الإسلامي) في تشريعاتها الوطنية، ذلك أن ما شرعه الإسلام في ذلك الإطار يمثل أبلغ ما توصلت إليه البشرية في تشريعاتها الوضعية، برعايته لحقوق الإنسان في السلم والحرب انطلاقا من كون الإنسان بشكل عام وبغض النظر عن دينه أم لغته أم عرقه أم لونه في الشريعة الإسلامية يمثل أقدس المخلوقات، فقد كرمه الله عز وجل عمن سواه من مخلوقاته، فإذا أكانت التشريعات الوضعية تركز على الجزاءات الدنيوية والجسدية على كل من يخالف تشريعاتها، فإن التشريع الإسلامي يركز على الجزاءات الواجب تنفيذها على المخالفين بدون تمييز، أم محاباة في الحياة الدنيا، مع اليقين الجازم أن هناك جزاءات أقسى وأشد قد تنالهم في الحياة الآخرة، وحتى لو تهرب المخالف من جزاءات الدنيا لن يملك التهرب من جزاءات الحياة الآخرة؛ وذلك يدفعه إلى التمسك بالقيم الإنسانية في سلوكياته الحياتية؛ لأنه يبتغي رضوان الله عز وجل ويخشى مخالفة أمره، حتى لو أكان ذلك بعيدا عن أعين البشر؛ ليقينه بأن عين الله لا تنم.


[1] مقدمة ابن خلدون لكتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر: دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ص 211.


[2] أ. د. صلاح عبد البديع شلبي: حتي الاسترداد في القانون الدولي، ط 1، (د. ن)، 1983، ص 29.


[3] للمزيد انظر: - د. محمد طلعت الغنيمي: قانون السلام في الإسلام، منشأة المعارف بالإسكندرية، 2007، ص 47 وما بعدها.


وانظر أيضا - د. سهيل حسين الفتلامي - د. عماد محمد ربيع: القانون الدولي الإنساني، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان - الأردن،2007 ، ص 130 وما بعدها.


وانظر ايضاً: - د. زيد بن عبد الكريم الزيد: مقدمة في القانون الدولي الإنساني في الإسلام، منشورات اللجنة الدولية للصليب الأحمر، 1425 هـ، ص 12.


[4] د. إحسان هندي: مبادئ القانون الدولي العام في السلم والحرب، ط1، دار الجليل للطباعة والنشر - دمشق، 1984، ص 264.


[5] د. محمد طلعت الغنيمي: مرجع سابق، ص 56.


[6] د. سهيل حسين الفتلأمي - د. عماد محمد ربيع: مرجع سابق، ص 132.


[7] الإمام مسلم: صحيح مسلم 3/ 1357.


[8] جان بكتيه: القانون الدولي الإنساني- تطوره ومبادئه، معهد. هنري دونان، جنيف، 1984، ص 83.


[9] عقيد/ أحمد الأنور: حمايه ضحايا الحرب بين الشريعة والقانون الدولي الإنساني، مقال منشور ضمن مقالات في القانون الدولي والإنساني والإسلام، تجميع د. عامر الزمالي، منشورات اللجنة الدولية للصليب الأحمر 2007، ص 129.


[10] د. جعفر عبد السلام: القانون الدولي الإنساني في الإسلام، مقالات في القانون الدولي الإنساني والإسلام، المرجع السابق، ص 204.


[11]مقدمة ابن خلدون: مرجع سابق، ص 238.


[12] http://wwwboukehil:blogspot.com/2012/12/blog-post.html


[13] د. عبد العاطي فرج علي: الضبط الاجتماعي في سوسيولوجيا المفهوم، كلية الآداب والعلوم_ جامعة عمر المختار فرع القبة_ ليبيا. http://www.swmsq.net/articles.php?action=show&=2335


[14] د. مصطفى الخشاب: علم الاجتماع ومدارسه، الكتاب الثاني_ المدخل إلى علم الاجتماع، مكتبة الأنجلو مصرية، 2006، صـ275.


[15] د. سلوى علي سليم: الإسلام والضبط الاجتماعي، رسالة دكتوراه، منشورة بمكتبة كلية الآداب جامعة الأزهر مصر، 1985، صـ23.


[16] د. مصطفى الخشاب: مرجع سابق، صـ275.


[17] د. إحسان هندي: أثر الثقافة والأخلاق والدين في القانون الدولي الإنساني، مقالات في القانون الدولي الإنساني، مرجع سابق، صـ148.


[18] جبارة عطية جبارة: المشكلات الاجتماعية: دار المعارف بالإسكندرية، 1992، صـ230.


[19] د. عبد الله الرشدان: علم اجتماع التربية، دار الشروق، عمان، 1999، صـ27.


[20] د. عبد الله زاهي الرشدان: التربية والتنشئة الاجتماعية، دار وائل للنشر، ط1، 2005، صـ17.


[21] د. مصطفى الخشاب: مرجع سابق، صـ276.


[22] جبارة عطية جبارة: مرجع سابق، صـ232.


[23] حمدي قنديل: في تعقيبه على دراسة للأستاذ/ سعدي لبيب المكأمي بعنوان الاختراق الإعلامي في المنطقة العربية، أعمال ندوة الاختراق الإعلامي للوطن العربي، معهد البحوث والدراسات العربية- القاهرة، ط2، 1999، صـ62.


[24] د. عبد العاطي فرج علي: مرجع سابق.


[25] د. إحسان محمد الحسن- د. عدنان سليمان الأحمد: المدخل إلى علم الاجتماع، دار وائل للنشر، ط1، 2005، صـ291.


[26] Johnson, H. Soociology: A sestematic Intrduction London, Rutledge and Kegan Paul. 1961. P. 581


نقلاً عن د. إحسان الحسن- د. عدنان الأحمد: المرجع السابق، ص292.


[27] _ Mackenzie .J. Qutlines of Social Philosphy. London. George Allen and Unwin, 1961. P. 214.


نقلاً عن. إحسان الحسن- د. عدنان الأحمد: المرجع السابق، ص292.

[28] د. حمدي عبد الرحمن- د. أنور عبد الله: مدخل القانون ونظرية الحق، مكتبة عين شمس، د. ت، صـ40.


[29] د. إحسان الحسن- د. عدنان الأحمد: مرجع سابق، صـ293.


[30] د. إحسان هندي: أثر الثقافة والأخلاق والدين في القانون الدولي الإنساني، مرجع سابق، صـ150.


[31] د. إحسان هندي: المرجع السابق، صـ150.


[32] د. عبد الله الرشدان: علم اجتماع التربية، مرجع سابق، صـ139.


[33] د. مصطفى الخشاب: مرجع سابق، صـ164.


[34] د. مصطفى الخشاب: المرجع السابق، ص165.


[35] د. مصطفى الخشاب: المرجع السابق، ص165.


[36] د. عبد الله الرشدان: مرجع سابق، ص142.


[37] د. فوزي هنانو: أثر التقاليد في تطور الجنسين، المطبعة العصرية، صيدا- لبنان، 1950، صـ13.


[38] د. فوزي هنانو: المرجع السابق، صـ14.


[39] د. فرج بن سليمان بن عبد الله القوسي: ضوابط السلوك مع الله عند ابن القيم، مجلة البحوث الإسلامية،  http://www.alifta.net/fatwa/fatwachapters.aspx?langua


[40] Mitchwll,D.A.Dictionary of sociology, P.218- نقلاً عن د. إحسان الحسن- د. عدنان الأحمد: مرجع سابق، صـ293.


[41] د. عبد الله الرشدان: مرجع سابق، صـ157.


[42] د. فوزية دياب: القيم والعادات الاجتماعية، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، (د. ت)، صـ15.


[43] د. حامد زهران: علم النفس الاجتماعي، ط4، عالم الكتب، 1977، صـ136.


[44] د. حسني عايش- د. عيسى أبو شيخة: المجتمع العربي، ط11، 1985، صـ149 وما بعدها.


[45] د. عبد الله الرشدان: مرجع سابق، صـ160.


[46] د. إحسان الحسن- د. عدنان الأحمد: مرجع سابق، صـ293.


[47] د. مصطفى الخشاب: مرجع سابق، ص169.


[48] د. فوزي هنانو: مرجع سابق، صـ9.


[49] د. عبد الله الرشدان: مرجع سابق، صـ147.


[50] د. فوزي هنانو: مرجع سابق، ص10.


[51] د. فوزي هنانو: المرجع السابق، صـ9.


[52] د. عبد الله الرشدان: مرجع سابق، صـ148.


[53] د. عبد الله الرشدان: المرجع السابق، ص152.


[54] د. فوزي هنانو: مرجع سابق، صـ12.


[55] د. حمدي عبد الرحمن- د. أنور عبد الله: مرجع سابق، ص70.


[56] د. مصطفى الخشاب: مرجع سابق، صـ167.


[57] د. مصطفى الخشاب: المرجع السابق، ص 164.


[58] د. عبد الله الرشدان: مرجع سابق، ص162.


[59] د. مصطفى الخشاب: مرجع سابق، ص168.


[60] د. عبد الله الرشدان: مرجع سابق، ص163.


[61] جون ماري هنكرتس- لويز دوز والد- بك: القانون الدولي الإنساني العرفي، المجلد الأول- القواعد، منشورات اللجنة الدولية للصليب الأحمر، 2007،، صـ xxviii.


[62] جون ماري هنكرتس- لويز دوز والد- بك: المرجع السابق، صـ xxxi.


[63] جون ماري هنكرتس- لويز دوز والد- بك: المرجع السابق صxxvi.


[64] جون ماري هنكرتس- لويز دوز والد- بك: المرجع السابق صxxiii.


[65] السيد سابق: العقائد الإسلامية، دار الفكر، ط3، بيروت- لبنان، 1983، صـ و.


[66] د. إحسان الحسن- عدنان الأحمد: مرجع سابق، صـ294.


[67] د. مصطفى الخشاب: مرجع سابق، صـ313.


[68] د. مصطفى الخشاب: المرجع السابق، صـ318.


[69] السيد سابق: مرجع سابق، صـ و.


[70] السيد سابق: المرجع السابق، صـ7.


[71] د. محمد سعيد الدقاق: القانون الدولي الإنساني بين المفهوم الإسلامي والقواعد الوضعية، مقال منشور ضمن مقالات في القانون الدولي الإنساني والإسلام، مرجع سابق، صـ65.


[72] الشيخ الإمام العلامة سيف الدين أبي الحسن بن علي بن أبي علي بن محمد الآمدي: الإحكام في أصول الأحكام، ج1، دار الحديث بجوار إدارة الأزهر، صـ226.


[73] د. إحسان هندي: مرجع سابق، صـ154.


[74] د. صلاح عبد البديع شلبي: مرجع سابق، صـ25.


[75] مشار إليه سابقاً.


[76] الآمدي: مرجع سابق، صـ137.


[77] د. أحمد أبو الوفا: كتب إعلام بقواعد القانون الدولي والعلاقات الدولية في شريعة الإسلام، ج2، ط2، دار النهضة العربية، 2007، ص22.


[78] د. أحمد أبو الوفا: المرجع السابق، ص23.


[79] د. أحمد أبو الوفا: المرجع السابق، ص24.


[80] د. راشد فهيد المري: الحماية القانونية المقررة لغير المشاركين في النزاعات المسلحة غير الدولية، 2011، صـ15.


[81] د. مصطفى الخشاب: مرجع سابق، ص282 وما بعدها.


[82] د. إحسان الحسن- د. عدنان الأحمد، مرجع سابق، صـ296.


[83] لواء/ أحمد الأنور: قواعد وسلوك القتال، مقال منشور ضمن محاضرات في القانون الدولي الإنساني، تحرير د. شريف عتلم، منشورات اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ط8، القاهرة، 2010، صـ110.


[84] د. عامر الزمالي: مدخل إلى القانون الدولي الإنساني، مشار إليه ضمن مقال الدكتور شريف عتلم الموسوم بـ مدلول القانون الدولي الإنساني وتطوره التاريخي، محاضرات في القانون الدولي الإنساني، مرجع سابق، صـ10.


[85]شارلوت ليندسي: نساء يواجهن الحرب، ط3، منشورات اللجنة الدولية للصليب الأحمر، 2009، ص19.


[86] د. حامد سلطان: القانون الدولي العام وقت السلم، ط4، دار النهضة العربية، 1969، صـ47.


[87] لم يتناول تنظيم النزاعات المسلحة غير الدولية إلا المادة الثالثة المشتركة في اتفاقيات جنيف، والبروتوكول الثاني لعام 1977 مع الإشارة إلى أن الدول الموقعة على ذلك البروتوكول لم يتجاوز عدد 151 دولة.


[88] شارلوت ليندسي: مرجع سابق، ص19.


[89] د. جان بكتيه: مبادئ القانون الدولي الإنساني، مقال منشور ضمن كتيب محاضرات في القانون الدولي الإنساني، مرجع سابق، ص49.


[90] د. شريف عتلم: مدلول القانون الدولي الإنساني وتطوره التاريخي ونطاق تطبيقه، مقال منشور ضمن كتيب محاضرات في القانون الدولي الإنساني، المرجع سابق، ص49.


[91] د. سارة محمود عبد الله العراسي: القانون الدولي العام، كتاب مقرر لجامعة العلوم والتكنولوجيا- صنعاء، 2013، ص27.


[92] د. سارة محمود عبد الله العراسي: المرجع السابق ص28.


[93] شارلوت ليندسي: مرجع سابق، ص19.

[94] د. راشد فهيد المري: مرجع سابق، ص216.

[95] د. عامر الزمالي: الإسلام والقانون الدولي الإنساني حول بعض مبادئ سير العمليات الحربية، منشور ضمن كتيب مقالات في القانون الدولي الإنساني والإسلام، مرجع سابق، ص161.

[96] لواء/ أحمد الأنور: قواعد وسلوك القتال، مرجع سابق، ص113.

[97] د. عامر الزمالي: الإسلام والقانون الدولي الإنساني حول بعض مبادئ سير العمليات الحربية، مرجع سابق، ص161.

[98] د. أبو الخير أحمد عطية: حماية السكان المدنيين والأعيان المدنية إبان النزاعات المسلحة، دار النهضة العربية، 1998، صـ56.

[99] شارلوت ليندسي: مرجع سابق، ص22.

[100] د. عامر الزمالي: مرجع سابق، ص161.

[101] د. محمد فهاد الشلالدة: القانون الدولي الإنساني، مكتبة دار الفكر، القدس- فلسطين، صـ25.

[102] د. علي عواد: العنف المفرط، ط1، دار المؤلف، بيروت- لبنان، 2001، صـ68.

[103] د. علي عواد: العنف المفرط، المرجع السابق، ص71.

[104] د. عامر الزمالي: مرجع سابق، ص164.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق