الضوابط الأخلاقية للعمليات القتالية في الشريعة الإسلامية
الباحث: د. يوسف على فرحات
ملخص البحث
الحمد لله الذي خلق الإنسان علمه البيان، وفضله على كثير من خلق تفضيله، وأصلي وأسلم أفضل الصلاة وأتم التسليم على النبي الأمين محمد بن عبد الله المبعوث رحمة للعالمين، وعلى أله وصحبه الطيبين الطاهرين صلاة وتسليما دائمين إلى يوم نلقاه، أما بعد:
يقيم الإسلام علاقته مع الآخرين ابتداء على أساس السلام، وإذا اضطر للحرب، فإنه يراعي القواعد الأخلاقية، وميثاق الأخوة الإنسانية، لذا فإنه لا يتجاوز الضرورة العسكرية، بل إنه يعامل أعداءه معاملة إنسانية، ويوفر لهم الحماية اللازمة، لأن الإنسانية تعلي من قدر الإنسان وتمنع كل ما يؤدي إلى امتهانه أو إذلاله أو إخافته أو الانتقاص من حريته أو انتهاك حرماته أو عقيدته.
وبناء عليه حرص الإسلام على منح ضحايا النزاعات المسلحة (من جرحى، ومرضى، وقتلى، وغرقى، وأسرى، ومدنيين) الحماية والاحترام والمعاملة الإنسانية الكريمة، علاوة على حماية الأعيان والممتلكات المدنية، كما وضع الإسلام قيودا بشأن طرق ووسائل القتال، بحيث لا تتعدى الضرورة العسكرية، ذلك أن الحرب في الإسلام، ليست مباحة كقاعدة عامة ولكنها تتاح للضرورة، والضرورة تقدر بقدرها، كما وضع الإسلام ضوابط لحمل السلاح وذلك حفظا لأرواح المدنيين. وسوف يتضح ذلك من خلال هذا البحث (الضوابط الأخلاقية للعمليات الحربية في الشريعة الإسلامية) وبهذا يظهر لنا مدى التوافق بين (القانون الدولي الإنساني)، و(القانون الدولي الإنساني في الشريعة الإسلامية) ويتكون البحث من ثلاثة مباحث:
Ethical controls for combat operations in Islamic law
Islam makes his relationship with others, starting on the basis of peace, and if the war forced on him, he takes in his account the ethical rules, and the compact of Humanitarian brotherhood, so it does not exceed military necessity, but he deals with his enemies humanely, and provides them necessary protection, because the humanitarian raises of human level, and prevent everything leads to underestimate him or humiliate him or intimidate him or detraction from his freedom or violation his sanctities or his creed.
Accordingly, Islam interests to give the victims of armed conflict (of the wounded, the sick, the dead, and shipwrecked, prisoners, and civilians) protection, respect, and decent humanitarian treatment, Moreover the protection of objects and civilian property, as Islam puts restrictions on the ways and means of fighting, so that no more than military necessity , so that the war in Islam is not permitted as a general rule, but there shall be of necessity, and necessity should not be exaggerated, as Islam puts controls to take up weapons to keep civilian life. And it will be seen in this research (ethical controls for Combat operations in Islamic law) and this shows us the compatibility between (international humanitarian law), and (international humanitarian law in Islamic law) And the research consists of three chapters:
الحمد لله الذي خلق الإنسان علمه البيان، وفضله على كثير من خلق تفضيله، وأصلي وأسلم أفضل الصلاة وأتم التسليم على النبي الأمين محمد بن عبد الله المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين صلاة وتسليما دائمين إلى يوم نلقاه، أما بعد:
فإن الإسلام يقيم علاقته مع الآخرين ابتداء على أساس السلام، وإذا اضطر للحرب، فإنه يراعي: القواعد الأخلاقية، وميثاق الأخوة الإنسانية، لذا فإنه لا يتجاوز الضرورة العسكرية، بل إنه يعامل أعداءه معاملة إنسانية، ويوفر لهم الحماية اللازمة؛ لأن الإنسانية تعلي من قدر الإنسان وتمنع كل ما يؤدي إلى: امتهانه أو إذلاله أو إخافته أو الانتقاص من حريته أو انتهاك حرماته أو عقيدته.
وبناء عليه حرص الإسلام على منح ضحايا النزاعات المسلحة (من جرحى، ومرضى، وقتلى، وغرقى، وأسرى، ومدنيين) الحماية والاحترام والمعاملة الإنسانية الكريمة، علاوة على حماية الأعيان والممتلكات المدنية، كما وضع الإسلام قيودا بشأن طرق ووسائل القتال، بحيث لا تتعدى الضرورة العسكرية، ذلك أن الحرب في الإسلام، ليست مباحة كقاعدة عامة، ولكنها تتاح للضرورة، والضرورة بقدرها، كما وضع الإسلام ضوابط لحمل السلاح؛ وذلك حفظا لأرواح المدنيين. وسوف يتضح ذلك من خلال هذا البحث (الضوابط الأخلاقية للعمليات الحربية في الشريعة الإسلامية) وبذلك يظهر لنا مدى التوافق بين (القانون الدولي الإنساني)، و(القانون الدولي الإنساني في الشريعة الإسلامية) ويتكون البحث من ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: الحرب وموقف الإسلام منها.
ويعالج ذلك المبحث: مفهوم الحرب والقتال، وموقف الإسلام من الحرب وكراهيته لها، وخوضه لها مكرها إذا فرضت عليها.
المبحث الثاني: السلام في الإسلام:
ويبين ذلك المبحث مدى تشوف الإسلام للسلام، ومعالم خطته السلمية.
المبحث الثالث: مبادئ الإسلام الأخلاقية في الحروب:
ويتضمن ذلك المبحث أهم المبادئ الأخلاقية التي تراعيها الشريعة في أرض المعركة، مثل: النهي عن قتل المدينين والتخريب والفساد في الأرض، وهدم الأبنية، وقتل الأسرى، والاعتداء على الطواقم الطبية
النتائج والتوصيات
تمهيد
يحسن بي في صدر ذلك البحث أن أعرف ب (القانون الدولي الإنساني في ضوء الشريعة الإسلامية)، والذي هو عنوان المؤتمر:
هو مجموعة الأحكام المستمدة من القرآن أو السنة أو الاجتهاد التي تهدف إلى حل المشكلات الإنسانية الناشئة بصورة مباشرة عن النزاعات المسلحة -الدولية والداخلية -والتي تقيد لأسباب إنسانية حق أطراف النزاع في استخدام طرق أو أساليب الحرب التي تروق لها، أو تحمي الأعيان والأشخاص الذين تضرروا أو قد يتضررون بسبب النزاعات المسلحة (1).
أو هو: مجموعة القواعد والأحكام في الشريعة الإسلامية التي تلتزم بها الدولة الإسلامية في علاقاتها مع الدول أو المنظمات الدولية الأخرى (2).
المبحث الأول : الحرب وموقف الإسلام منها
1-مفهوم الحرب والقتال:
الحرب هي: استخدام السلاح والقوة المادية من فئة ضد أخرى، قد تكون تلك الفئة قبيلة أو أكثر، أو مجموعة قبائل ضد مجموعة أخرى، أو دولة ضد دولة أو أكثر، أو مجموعة دول ضد أخرى.
وهناك من فرق بين الحرب والقتال: فالقتال يعني: مواجهة بين طرفين، وهو ليس من ضرورات الحرب المعاصرة، ففي الحرب اليوم قد لا يوجد إلا طرف واحد يرمي بقنابله الذكية والعنقودية، وبصواريخه الموجهة أو العابرة للقارات، والطرف الآخر: يستقبل الضربات القاتلة والمدمرة ولا يملك إزاءها شيئا.
والأصل في الحرب: أنها (عسكرية) يستخدم فيها السلاح بكل أنواعه. ولكن عرف عصرنا اليوم ألوانا من الحرب، منها: الحرب الثقافية، والحرب الإعلامية، والحرب الاقتصادية، والحرب النفسية. والمفروض في الحرب أن يكون أحد الطرفين محقا عادلا، والآخر مبطلا ظالما وقد يكون كلاهما ظالما، كما قال أحد السلف: "يدفع الله ظالما بظالم، ثم ينتقم من كليهما"، وقال الآخر: اللهم اشغل الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بينهم سالمين (3).
2-المسلم يكره الحرب ويسأل الله العافية:
والمسلم لا يرجو الحرب ولا يحرص عليها لذاتها، بل يرجو السلام والعافية، ولكن إذا فرضت عليه الحرب في سبيل الله خاضها: بقوة وجسارة وصبر موقنا أن له إحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة. قال تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ( (البقرة: 216)
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تتمنوا لقاء العدو، وسلو الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف) (4).
ومن دلائل كراهية الإسلام للحرب أنه يكره لفظة (حرب) ويراها من أقبح الأسماء، وقد كان العرب في الجاهلية يُسمون بها أبناءهم، ففي الحديث (عن أبي وهب الجشمي، وكانت له صحبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تسموا بأسماء الأنبياء، وأحب الأسماء إلى الله عبد الله، وعبد الرحمن، وأصدقها حارث، وهمام، وأقبحها حرب ومُرَّةُ)(5).
وروى الإمام مالك في (الموطأ) عن يحيى بن سعيد –مرسلاً- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للقحة عنده: (من يحلب هذه الناقة؟ فقام رجل، فقال له: ما اسمك؟ فقال له: مُرَّةُ، قال: اجلس، ثم قال: من يحلب هذه الناقة؟ فقام رجل فقال له: ما اسمك؟ قال: حرب، قال: اجلس، ثم قال: من يحلب هذه الناقة؟ فقام آخر، فقال: ما اسمك؟ قال: يعيش، قال: احلب)(6).
وعن علي، قال: لما ولد الحسن جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أروني ابني، ما سميتموه؟"، قلت: سميته حرباً، قال: "بل هو حسن"، فلما ولد الحسين، قال: أروني ابني، ما سميتموه؟"، قلت: سميته حرباً، قال: "بل هو حسين"، فلما ولدت الثالث جاء النبي صلى الله عليه وسلم، فقال :"أروني، ابني ما سميتموه؟"، قلت: حرباً، قال: "بل هو محسن"(7).
فهو يقول ذلك إنسان متعطش للدماء عاشق للحروب؟!(8).
3- نظام الحرب في الإسلام:
إن الحرب في الإسلام شُرعت؛ لدفع الاعتداء وتأمين الدعوة ومنع إرهاق الناس في دينهم، وما كان ليقاتل إلا بعد أن تظهر بوادر الفتنة أو يكون الاعتداء بالفعل، لذا حين تتأكد الأمة من نية العدوان والغدر لدى أمة من الأمم ضدها، يجب عليها أن تستعد بكل ما تملك من قوة (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) [الأنفال: 60] فهو استعداد للإرهاب لا للاعتداء، ولإرهاب أعداء الأمة لا أصدقائها ومسالميها.
فإن كف العدو عن فكرة العدوان، وعدل عن الحرب وجب على الأمة أن تجنح للسلم وتدخل فيه (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) [الأنفال: 61].
وإن أبى العدو إلا الحرب والعدوان، فجزاء سيئة سيئة مثلها (إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (42)) [الشورى: 41- 42] (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194)) [البقرة: 194].
فإذا بدأت الحرب فلتخفف ويلاتها بقدر ما يمكن؛ وذلك جازت الخديعة في الحرب (الحرب خدعة)(9)، بمعنى إحباط مناورات العدو وخططه وتثبيط عزيمته، فإن في ذلك إنهاء الحرب وإقرار السلام بأقل ما يمكن من الزمن، وأقل ما يقع من الضحايا.
فإذا حمي الوطيس فليثبت المقاتلون، وليستمدوا عونهم من الله، وليذكروا الله كثيراً (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45)) [الأنفال: 45] اذكروا الله لتذكروا دائماً أنكم لا تقاتلون رياء ولا حمية ولا ثأراً ولا استعلاءً وإنما تحاربون في سبيل الله... فحذار أن تتحول نيتكم أثناء القتال إلى معنى من المعاني التي يحارب من أجلها الأعداء فتكونوا مثلهم معتدين ظالمين.
وحين تشتعل نار الحرب يجب أن يذكر الجيش المحارب أنه يخوض حرباً دفاعية لتحرير الضعفاء والمضطهدين، فليضيق حدودها كي لا يصطلي بنارها إلا من حمل السيف وبدأ العدوان، فلا تؤخذ أمة العدو كلها بجريرة جيشها أو فريق منها اعتدوا على أمتنا (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) [البقرة: 190] وهنا يسمو الإسلام إلى منتهى ذروة الإنسانية حين يُحرم قتل: الشيخ الكبير والعاجز والمرأة والصبي ورجل الدين المنقطع للعبادة والفلاح والمسالم الذي لم يشترك في القتال، ومنع التخريب بكل أشكاله من قطع الشجر والنخيل وهدم البناء. وحسبنا أن نذكر وصية أبي بكر لأول جيش خرج من: الجزيرة العربية ليرد عدوان الروم المبيت على دولة الإسلام الفتية، وهي وصايا تجعل أبا بكر على قمة الخلود بين رجال التاريخ وقادة الأمم مدنيين وعسكريين، إذ قال: "لا تخونوا، ولا تغدروا، ولا تغلوا، ولا تُمثلوا، ولا تقتلوا طفلاً ولا شيخاً كبيراً ولا امرأة، ولا تعقروا نخلاً وتُحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرا إلا لمأكلة، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع، فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له، وسوف تقدمون على قوم قد فحصوا أوساط رءُوسهم، وتركوا حولها مثل العصائب، فاخفقوهم بالسيف خفقا. اندفعوا باسم الله"(10).
تلك هي وصايا الأمة التي تحارب بروح مسالمه، وتأبى أن تنقلب إلى أمة معتدية تنطلق وراء غرائزها وثاراتها تخرب وتنتقم.
فإذا رغب المحاربون في الصلح عند اشتداد المعركة؛ وجب أن نقبل الصلح منهم ولو أشرفنا على النصر، ثم الوفاء بما تم عليه العهد (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) [النحل: 91]. فإذا بدا منهم بعد ذلك نية الغدر والخيانة فلا يجوز أن نفاجئهم بالقتال، بل لابد من إخبارهم بانتهاء العهد بيننا وبينهم وفسح المجال لهم ليستعدوا لحربنا وقتالنا، وذلك هو النبذ الوارد في الآية الكريمة (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ) [الأنفال: 58]
وإذا انتهت المعركة باستسلام العدو وانتصار الأمة، فلا عدوان على الأعراض، ولا تخريب للمدن، ولا استلاب للأموال ولا إذلال للكرامات، ولا اندفاع وراء الثأر والانتقام، وإنما هو الإصلاح والتحرير والعدالة ونشر الخير ومكافحة الشر (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) [الحج: 41]. ولقد روى أبو موسى الأشعري، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يسمي لنا نفسه فيقول: (أنا محمد، وأحمد، والمقفى، والحاشر، ونبي الرحمة، وبني التوبة)(11).
أما الأسرى فلا يجوز تعذيبهم ولا التمثيل بهم ولا تعريضهم للجوع والسغب (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8)) [الإنسان: 8- 9] ثم الدولة مخيرة فيهم بين إطلاق سراحهم من غير فداء، وبين أخذ الفداء من أسرى أو مال (فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) [محمد: 4].
أما المغلوبون فتحترم عقائدهم ودماؤهم وأموالهم ومعابدهم ولهم حماية الدولة وحقوق المواطنين، ولا يكلفون إلا بالإخلاص للدولة، ودفع مبلغ زهيد يسمى (الجزية) مقابل حمايتهم وإعفائهم من الخدمة العسكرية، وفي ذلك الوقت تمحى العداوة القديمة ولا يبقى إلا العدالة وفتح الصدور للمودة وتطييب النفوس، ولا يقول الإسلام كما يقول أبطال الحروب اليوم: "ويل للمغلوب" بل يقول: كما قال رسول الله يوم فتح مكة: "اليوم يوم المرحمة"(12).
المبحث الثاني: السلام في الإسلام
إن الإسلام- على خلاف ما يتصوره أو يصوره بعض الناس –يُرِّغب في السلام ويحرص عليه، ويدعو إليه ويعتبره هدفاً أصيلاً لدعوته، ويتجلى ذلك من خلال المبادئ التالية:
فالإسلام والسلام من الناحية اللغوية مشتقان من مادة واحدة، هي (س ل م)، وقد قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) [البقرة: 208] وقد فسرت كلمة (السِّلْمِ) في الآية بـ(السلام) المقابل للحرب، كما يفيده ظاهرها، وبذلك تكون الآية دعوة للمؤمنين أن يدخلوا في السلام جميعاً، ولا يعرضوا عنه إذا دعوا إليه(13).
إن الإسلام يُحبب إلى المسلم كلمة السلام، ومفهوم السلام بأساليب شتى، فالسلام من أسماء الله تعالى الحسنى، والأمة المسلمة هي الأمة الوحيدة التي يوجد فيها اسم (عبد السلام) والجنة التي يتوق إليها كل مؤمن تسمى (دار السلام)، بل إن تحية أهل الجنة (سلام). وكما أن السلام تحية المؤمنين في الآخرة، فهو تحيتهم في الدنيا(14).
ومن عناية الإسلام بالسلام انه فرض على كل مسلم في العمر عبادة خاصة، وهي حج البيت الحرام، وهي عبادة يتدرب المسلم فيها على السلام، فهي تتم عادة في الشهر الحرام في ذي الحجة، وفي البلد الحرام مكة المكرمة، وفي حالة الإحرام فتحوطه حرمة الزمان، وحرمة المكان، وحرمة الحال، حال الإحرام الذي يُحظر عليه فيه كل قتل حتى قتل الصيد. فالمسلم في تلك الرحلة سلام لكل من حوله، وكل ما حوله، حتى الصيد يمتنع من صيده وقتله، بل حتى الأشجار والحشائش يحرم عليه قطعها(15).
يؤكد الإسلام أن الناس جميعاً إخوة مهما اختلفت لغاتهم وأنسابهم وأوطانهم، فهم أبناء أب واحد وأم واحدة: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء: 1] وقد كثر في القرآن خطاب الناس بنسبتهم إلى آدم: (يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) [الأعراف: 26] تذكيراً بحق الأخوة بين الناس فلا يعتدي أخ على أخٍ ولا يظلم أخ أخاً.
إن الحب والتعاون وبذل الخير للناس جميعاً هو أساس الإيمان الذي يقبله الله وبه يتفاضل الناس عند ربهم: (لا يؤمن أحدكم، حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)(16). (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [المائدة: 2] وفي الحديث: (الخلق كلهم عيال الله، فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله)(17).
ذلك هو الأساس الذي يتعامل به الناس: حب ورحمة وتعاون، فيكمل به إيمانهم ويدخلون به ملكوت السموات، وقد رغب الإسلام في إفشاء السلام وسيلة للحب والتعاون: قال صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أدلكم على أمرٍ إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم)(18).
4- الصفح والتسامح في حقوق الأفراد، ومعاملة المسيء بالإحسان وغير ذلك من مكارم الأخلاق، هي الميدان الذي يتسابق فيه الناس؛ لإحراز رضا الله ودخول جنته: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) [الشورى: 40]. (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34)) [فصلت: 34]. وفي الخبر (إن العبد ليبلغ بحسن خلقه عظيم درجات الآخرة وشرف المنازل، وإنه لضعيف العبادة)(19).
5- كل ما يؤدي إلى إيغار الصدور، وإيقاع العداوة والبغضاء بين الناس حرام لا يجوز أن يفعل المؤمن: كالغيبة والنميمة والتجسس والاستهزاء والظن السيئ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ) [الحجرات: 11- 12]
6- الأديان السماوية واحدة في أصولها وأهدافها العامة، وما الرسل والأنبياء إلا إخوة بلغوا رسالات الله إلى الناس واحداً بعد الآخر: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) [آل عمران: 144]. فلا ينبغي أن يكون تعدد الأديان سبباً لاقتتال الناس واختصامهم (قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) [البقرة: 136](20).
المبحث الثالث: مبادئ الإسلام الأخلاقية في الحروب
إن الأخلاق في الإسلام إنسانية عالمية، لا تبيح لجنس ما تُحرمه على آخر، العرب والعجم فيها سواء، بل المسلمون وغيرهم أمام أخلاقها سواسية، الربا حرام مع المسلم والكافر، والسرقة حرام لمال المسلم والكافر، والزنى حرام بالمسلمة وغير المسلمة، والعدل واجب مع المسلم وغير المسلم، والعدوان حرام على المسلم وغير المسلم. وفي ذلك قال القرآن: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) [المائدة: من الآية 8]. وبذلك تنزهت الأخلاق الإسلامية عن النزعة العنصرية القومية التي اتسمت بها: الأخلاق اليهودية، والأخلاق القبلية والبدائية على وجه العموم.
والأخلاق في الإسلام ليست نافلة في الدين، بل هي جزء أساسي منه، فالفضائل فرائض في الدين ملتزمة، والرذائل محرمات في الدين مجتنبة، وعليه فإن الحرب في الإسلام حرب أخلاقية، مثل السياسة والاقتصاد والعلم والعمل، فكلها لا تنفصل عن الأخلاق، على خلاف النظرة السائدة في الحضارة الغربية، فالأخلاق فيها نفصلة تماماً عن الحرب، انفصالها عن العلم، وهن السياسة، وعن الاقتصاد. والفكرة الرائجة عندهم أخلاقية الغايات، ولا أخلاقية الوسائل، فنظرية (الغاية تبرر الوسيلة) المنسوبة إلى (ميكافيلي) مقبولة عنهم بصفة عامة(21).
"إن الأخوة الإنسانية التي أرستها الشريعة الإسلامية تقتضي ألا يتجاوز المسلمون –أثناء النزاع المسلح- الضرورة العسكرية، وأن يعاملوا خصومهم أيا كان دينهم معاملة إنسانية، ويوفروا لهم الحماية اللازمة؛ لأن الإنسانية تُعلي من قدر الإنسان، وتمنع كل ما يؤدي إلى امتهانه أو إذلاله أو إخافته، أو الانتقاص من حريته أو انتهاك حرماته أو عقيدته.
وبناء عليه؛ حرص الإسلام على منح ضحايا النزاعات المسلحة الحماية والاحترام والمعاملة الإنسانية الكريمة، علاوة على حماية الأعيان والممتلكات المدنية، كما وضع الإسلام قيوداً بشأن طرق ووسائل القتال، بحيث لا تتعدى الضرورة العسكرية؛ لأن الحرب ليست مباحة كقاعدة عامة، ولكنها تباح للضرورة، والضرورة تقدر بقدرها؛ ومما تجدر الإشارة إليه أن القواعد التي تكفل حماية ضحايا الحرب في القانون الدولي العام لم تبدأ في الظهور إلا بعد منتصف القرن التاسع عشر، وبالتحديد في 12 أغسطس 1949م بعد إبرام اتفاقيات جنيف الخاصة بحماية ضحايا الحرب، والتي تلزم (189) دولة"(22).
أما القواعد الخاصة بحماية ضحايا الحرب في الشريعة الإسلامية فقد استقرت منذ ما يزيد على 1400 عام. وإن مصادر القانون الدولي الإنساني تختلف عن مصادر الشريعة الإسلامية؛ إذ إن مصادر القانون الدولي الإنساني شأنها شأن مصادر القانون الدولي العام بشكل عام تُستمد بصفة أساسية من المعاهدات الدولية والعرف الدولي، في حين تُستمد قواعد الشريعة الإسلامية التي تكفل حماية ضحايا الحرب من القرآن الكريم والسنة النبوية، فإن لم يوجد نص اجتهد أهل الاجتهاد واستناروا بروح التشريع وقواعده العامة(23).
وتلك أهم مبادئ الإسلام الأخلاقية في الحروب:
أولاً: النهي عن قتل المدنيين:
من أخلاقيات الحرب في الإسلام: تحريم قتل من لا يقاتل ولا يحمل السلاح، وهم الذين يسمونهم في عصرنا (المدنيين) من الأطفال والنساء والشيوخ الهرمين، والرهبان الذين يتعبدون في صوامعهم، والعميان والزمنى (المعوقين من أصحاب العاهات الدائمة والعائقة) والفلاحين والتجار وأمثالهم، وفي ذلك أخرج البخاري عن ابن عمر رضي الله عنه قال: وُجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم، (فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان)(24).
ولقد كان صلى الله عليه وسلم يغضب إذا بلغه أن جنده قتلوا صبياناً، فقد بلغه أن ناساً جاوز بهم القتل إلى الذرية، قال: فخطب، يُعرف الغضب في وجهه، فقال: (ما بال أقوام جاوز بهم القتل إلى الذرية؟)(25).
قال الإمام الخطابي: "نهيه عن قتل النساء والصبيان يتأول على وجهين: أحدهما أن يكون ذلك بعد الإسار نهى عن قتلهم لأنهم غنيمة للمسلمين، والوجه الآخر أن يكون ذلك عاماً قبل الإسار، وبعده نهى أن يقصدوا بالقتل وهم متميزون عن المقاتلة فأما وهم مختلطون بهم لا يوصل إليهم إلا بقتلهم فإنهم لا يحاشون. والمرأة إنما لا تقتل إذا لم تكن تقاتل فإن قاتلت؛ قتلت وعلى ذلك مذهب أكثر الفقهاء"(26).
قال الإمام النووي: "أجمع العلماء على العمل بهذا الحديث وتحريم قتل النساء والصبيان إذا لم يُقاتلوا فإن قاتلوا قال جماهير العلماء يُقتلون وأما شيوخ الكفار فإن كان فيهم رأي قُتلوا وإلا ففيهم وفي الرهبان خلاف قال مالك وأبو حنيفة لا يُقتلون والأصح في مذهب الشافعي قتلهم"(27).
وفي المغني لابن قدامة: "وإذا فُتح حصن، لم يُقتل من لم يحتلم، أو يُنبت، أو يبلغ خمس عشرة سنة. وجملة ذلك أن الإمام إذا ظفر بالكفار، لم يجز أن يقتل صبياً لم يبلغ، بغير خلاف"(28).
من ذلك يتبين: حرص الإسلام على الحياة الإنسانية، والنهي عن التعرض لعموم الناس؛ إذا لم يكونوا من المقاتلة.
قال الشيخ القرضاوي –حفظه الله- "إن جمهور الفقهاء المسلمين يحرمون قتل النساء والصبيان والشيوخ والكبار، ومثلهم الزمنى والعميان والرهبان، ومن في حكمهم من كل من لا يباشر القتال، ومن أجاز منهم قتل النساء والصبيان ومن في حكمهم، فإنما يجيزه تبعاً لا قصداً، بحكم ضرورات الحرب، كما يدل عليه مجموع الأحاديث"(29).
ثانياً: النهي عن قطع الشجر وهدم الأبنية:
ومن أخلاقيات الحرب في الإسلام: تحريم الإفساد في الأرض، بقطع أسباب الحياة فيها، وتخريب ما يحتاج إليه الناس، وذلك مثل: قطع الشجر وتحريق الزارع والبيوت. والأصل في ذلك قوله تعالى: (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا) [الأعراف: 56].
ومن هناك جاء في وصية أبي بكر لجيشه: "لا تخونوا، ولا تغدروا، ولا تغلوا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلاً ولا شيخاً كبيراً ولا امرأة، ولا تعقروا نخلاً وتحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيراً إلا لمأكلة، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع، فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له، سووف تقدمون على قوم قد فحصوا أوساط رؤوسهم، وتركوا حولها مثل العصائب، فاخفقوهم بالسيف خفقاً، اندفعوا باسم الله"(30).
ثالثاً: تحريم العدوان:
وأصل ذلك الخلق قوله تعالى: (وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) [البقرة: 190].
وقد فُسر الاعتداء المنهي عنه هنا بأمرين:
إما بقتال غير المسلمين الذين لا يقاتلون المسلمين، ولا يعادونهم أو يظاهرون عليه عدوا.
وإما بقتل: النساء والأطفال والشيوخ الضعفاء والزمنى والعميان وأمثالهم ممن ليسوا من أهل الحرب والقتال(31).
رابعاً: تحريم الغدر والخيانة:
ومن أخلاقيات الحرب في الإسلام: إيجاب الوفاء بالعهود لمن عاهدهم المسلمون، والالتزام بكل ما التزموا به، وتحريم الغدر بكل صورة، واعتباره من خصال النفاق. قال تعالى (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا) [الإسراء: 34]. كما نهى القرآن الكريم عن الخيانة بكل ألوانها: المادية والمعنوية، الخيانة لله، والخيانة للناس، الخيانة في السلم، والخيانة في الحرب، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [الأنفال: 27] وفي الحديث: (لكل غادر لواء يوم القيامة، قال أحدهما: ينصب، وقال الآخر: يرى يوم القيامة، يُعرف به)(32). وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاماً)(33).
خامساً: طلب الأمان لمن يطلبه:
إذا كانت الحروب الأوروبية لم تعرف حتى أوائل القرن العشرين وجوب احترام (طلب الأمان) الذي يمكن أن يطلبه بعض جند العدو، بحيث اضطر المتفاوضون في لاهاي عام 1899م لتضمين (لائحة الحرب البرية) نصاً يشجب لجوء قادة الجيوش المتحاربة للإعلان عن عدم قبول طلب الأمان، فإن الإسلام اعترف بذلك الحق وطبقه منذ ظهوره، وذلك عملاً بنص الآية الكريمة (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ) [التوبة: 6].
المبحث الرابع: حماية الجرحى والمهام الطبية
أولاً: احترام الكرامة الإنسانية:
إن المهمة الطبية تستند إلى مبدأ هام في الحياة، ينطلق من النظرة إلى حياة الإنسان بوصفها أغلى ما يملك، وأثناء النزاعات المسلحة أو الحروب تقع لا محالة الكثير من الإصابات في صفوف المدنيين فضلاً عن العسكريين، وهناك تتجلى عظمة الإسلام وإنسانيته، حيث يحترم الكرامة الإنسانية أثناء الحرب والسيوف متشابكة فينهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المُثلة وتشويه أجسام القتلى ويوجب دفنهم ولا يتركهم نهباً لوحوش الأرض ووحوش الطير. فقد أمر بوضع جثث القتلى من أهل بدر في القليب وهو بئر جافة، كما نهى عن أن يتجه القاتل إلى ضرب الوجه ليشوه جسمه إلا إذا لم يكن من ذلك بد(34).
ومن آثار تلك الكرامة: "قدس الإسلام حق الحياة وحماه، بالتربية والتوجيه، وبالتشريع والقضاء، وبكل المؤيدات: النفسية والفكرية والاجتماعية. واعتبر الحياة هبة من الله لا يجوز لأحد أن يسلبها غيره. فلا يجوز لحاكم أن يسلب حياة المحكوم، ولا لسيد أن يسلب حياة عبده، ولا لزوج أن يسلب حياة زوجه، ولا لوالد أن يسلب حياة ولده"(35).
ومن آثار تلك الكرامة: أن حياة الفرد في قيمتها تكاد تتساوى مع حياة النوع البشري واستمراره، وتمنع كل التصرفات التي تنال من حق الحياة وسلامة البدن والعرض، أو تنقص منه: كتعذيب الإنسان، والعدوان عليه في حياته مادياً أو معنوياً، وحتى التمثيل بجثته بعد وفاته، ولو في الحرب، إذ يمتد التكريم للإنسان إلى ما بعد وفاته.
ومن أجل الحفاظ على حق الحياة للإنسان؛ لم يشرع القتال في الإسلام إلا من أجل الحق، ودفاعاً عن الحق، وبعد الإنذار والإعلان، وحرم الإسلام القتال طلباً للمغانم، أو بدافع من التعصب القومي أو العرقي. وفي الإسلام قيود على ممارسة أعمال الحرب، فيحرم قتل غير المحاربين من النساء والأطفال وكبار السن والمنقطعين للعبادة، ويمنع قتل من يقومون بالعمل بعيداً عن ساحة القتال، كالزراع، أو المهام الطبية ما داموا لا يشتركون في القتال.
ثانياً: رعاية الإسلام للجرحى وحمايتهم أثناء القتال:
جاء تعريف (الجرحى والمرضى) حسب القانون الدولي بأنهم: "الأشخاص العسكريون أو المدنيون الذين يحتاجون إلى مساعدة أو رعاية طبية بسبب الصدمة أ المرض أو أي اضطراب أو عجز بدنياً كان أو عقلياً والذين يحجمون عن أي عمل عدائي(36).
وبخصوص حمايتهم جاء في المادة (12) من اتفاقية جنيف لعام 1864 "... من أفراد القوات المسلحة وغيرهم من الأشخاص الذين هم الجرحى أو المرضى، يجب احترامها وحمايتها في كل الظروف، ويتم معاملتهم معاملة إنسانية ورعايتهم من قبل طرف النزاع الذي يكونون تحت سلطته، دون أي تمييز ضار يقوم على أساس الجنس أو العرق أو الجنسية أو الدين أو الرأي السياسي أو أي معيار مماثل آخر.
وإذا كان القانون الدولي قد وضع القوانين لحماية الجرحى والمرضى والأسرى وغيرهم من ضحايا النزاعات المسلحة منذ وقت يُعد في عمر الزمان قريباً، فإن الإسلام أولى الحماية الكاملة للجرحى وذلك منذ ظهوره قبل ألف وأربعمائة عام وذلك على النحو التالي:
العناية بجرحى المسلمين:
كان تطبيب الجرحى وعلاج المرضى من جيوش المسلمين في أثناء الجهاد والقتال من مهمة النساء المسلمات. تروي أم عطية الانصارية –وهي نسبية بنت الحارث الأنصارية وكانت من فواضل نساء الصحابة أنها قالت: "غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات، أخلفهم في رحالهم، فأصنع لهم الطعام، وأُداوي الجرحى، وأقوم على المرضى"(37). وعن الربيع بنت معوذ، قالت: "كُنا مع النبي صلى الله عليه وسلم نسقي ونداوي الجرحى، ونرد القتلى إلى المدينة"(38). وعن أنس بن مالك، قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو بأم سليم ونسوة من الأنصار معه إذا غزا، فيسقين الماء، ويداوين الجرحى"(39).
فتلك الأحاديث السالفة الذكر تبين المهمة الطبية التي كانت زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث عملت الصحابيات في تلك المهمة الجليلة، بل من أزواج النبي من عملت فيها لما لها من أهمية بالغة، فهي مطلب ضروري؛ لأن فيها حفظا للأنفس من الهلاك، فالشخص المصاب في الحرب إما أن يفقد حياته مباشرة، فهنا يجب دفنه؛ لأن إكرام الميت دفنه، وإما أن لا يموت، وذلك يقتضي العلاج اللازم حتى ينجو بنفسه. والمهمة الطبية المذكورة كانت تؤدى في ساحة الوغى حال التحام القتال.
العناية بجرحى العدو:
كان المسلمون المجاهدون يعاملون جرحى ومرضى عدوهم بأحسن ما تكون المعاملة فلم يفرقوا في مداواتهم للجريح والمرضى بين عدو أو صديق ولا بين شريف أو فقير بل كانوا يرجون شفاءهم فالإسلام دين الرحمة ورسوله أرسله الله رحمة للعالمين (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) [الأنبياء: 107]. فالجرحى والمرضى يتمتعون بالحماية متى أعلنوا إسلامهم؛ لأن الإسلام منع قتل العدو الذي أعلن إسلامه -سواء أكان ذلك وقت السلم أم وقت الحرب- ويدل على ذلك ما رواه البخاري أن المقداد بن عمرو الكندي، وكان حليفاً لبني زهرة، وكان ممن شهد بدراً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبره: أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيت إن لقيت رجلاً من الكفار فاقتتلنا، فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها، ثم لاذ مني بشجرة، فقال: أسلمت لله، أأٌقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تقتله) فقال: يا رسول الله إنه قطع إحدى يدي، ثم قال ذلك بعد ما قطعها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تقتله، فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل ان تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال)(40).
فإذا لم يسلم العدو ولكنه قبل إعطاء المسلمين مبلغاً من المال (الجزية) نظير أن يتولى المسلمون حمايتهم والدفاع عنهم والإبقاء على حقوقهم وممتلكاتهم، فإن الإسلام يكفل لهم ذلك، فقد روى سليمان بن بريدة عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا بعث جيشاً أمر عليهم أميراُ وقال: (فإذا لقيت عدواً من المشركين فادعهم إلى ثلاث خلال، أو ثلاث خصال، شك علقمة، ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم إن هم فعلوا أن لهم ما للمهاجرين، وأن عليهم ما عليهم، فإن اختاروا المقام في دارهم فأعلمهم أنهم كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله كما يجري على المسلمين، وليس لهم في الفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن لم يجيبوك فادعهم إلى أن يعطوا الجزية، فإن فعلوا فأقبل منهم ودعهم، فأن أبوا فاستعن بالله تعالى وقاتلهم)(41).
فإذا كان لابد من القتال بسبب تربص العدو بالمسلمين والاعتداء عليهم فإن الحرب في تلك الحالة ضرورة، والضرورة تقدر بقدرها، ومن ثم يحرم تعذيب المرضى والجرحى أو الإجهاز عليهم، فقد قال صلى الله عليه وسلم (إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا)(42).
والنص هنا عام حيث يفيد تحريم تعذيب الناس سواء أكانوا في وقت السلم أم في وقت الحرب، وسواء أكانوا مسلمين أم غير مسلمين، وبالتالي يحرم –في الإسلام- تعذيب الجرحى والمرضى والمنكوبين في البحار والعاجزين عن الدفاع عن أنفسهم من أفراد العدو.
ومما يدل على حماية الجرحى والمرضى في الإسلام أن قتلهم أو تعذيبهم أو انتهاك إنسانيتهم لا يحق أية ميزة عسكرية –ما دام أن أولئك لم يعودوا قادرين على القتال- وأن قتلهم أو تعذيبهم أو الإجهاز عليهم يُعد تجاوزاً لحالة الضرورة وبالتالي يُعد إفساداً في الأرض، والإفساد في الأرض منهي عنه شرعاً لقوله تعالى: (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا) [الأعراف: 56](43).
وإذا كان الإسلام يُحرم قتل: النساء والأطفال وكبار السن والرهبان؛ لعدم اشتراكهم في القتال ولم يحدث منهم أي أذى، فإن الجرحى والمرضى أصبحوا عاجزين عن القتال وبالتالي لم يعودوا مصدر قوة للجيش المنتمين إليه؛ فيصبح حكمهم حكم من لا يقاتل من النساء والأطفال والرهبان والشيوخ (كبار السن) فكان الإجهاز عليهم محرماً شرعاً.
ومما يدل أيضاً على عدم جواز الإجهاز على الجرحى والمرضى –في حال امتناعهم عن الأعمال العدائية –الموقف الذي اتخذه الرسول صلى الله عليه وسلم إزاء أهل مكة يوم فتحها، حيث لم يعرض لأحد من أهلها بسوء في نفس أو مال، فكان من تعليماته للجيش: (ألا لا يقتل مُدبر، ولا يُجهز على جريح، ومن أغلق بابه فهو آمن)(44).
يقول الدكتور وهبه الزحيلي: "وذلك ليس خاصاً بأهل مكة فإن اللفظ عام وُتمسك به على عمومه"(45).
وتلك الأخلاق نفسها تعامل بها علي رضي الله عنه مع خصومه يوم (صفين) و(الجمل). فعن جعفر بن محمد عن أبيه، عن علي بن حسين، أن مروان بن الحكم، قال له وهو أمير بالمدينة: ما رأيت أحداً أحسن غلبة من أبيك علي بن أبي طالب، ألا أحدثك، عن غلبته إيانا يوم الجمل؟ قلت: الأمير أعلم، قال: لما التقينا يوم الجمل توافقنا، ثم حمل بعضنا على بعض، فلم ينشب أهل البصرة أن انهزموا، فصرخ صارخ لعلي: "لا يُقتل مدبر، ولا يذفف على جريح، ومن أغلق عليه باب داره فهو آمن، ومن طرح السلاح آمن" قال مروان: وقد كنت دخلت دار فلان، ثم أرسلت إلى حسن وحسين ابني علي، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن جعفر فكلموه، قال: هو آمن فليتوجه حيث شاء، فقلت: لا والله ما تطيب نفسي حتى أُبايعه فبايعته، ثم قال: اذهب حيث شئت(46). وعن أبي أمامة قال: "شهدت صفين فكانوا لا يجهزون على جريح، ولا يطلبون موليا ولا يسلبون قتيلا"(47).
3- حماية المهام الطبية:
عرفت الشريعة الإسلامية منذ أربعة عشر قرناً من الزمان مبدأ التفرقة بين المقاتلين وغيرهم من المدنيين المسالمين، والتفرقة بين المنشآت العسكرية، والمنشآت المدنية، فقد فرق الإسلام بنصوصه الشرعية وتطبيقاته العملية بين أولئك وأولئك، وقرر وجوب حماية الأفراد المدنيين المسالمين من الاعتداء عليهم أو الإضرار بهم، قال تعالى: (وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِين َ) [البقرة: 190]. وتلك الآية تأصل لقاعدة عامة، أصبحت محل إجماع بين العلماء وهي: أنه لا يجوز قتل من لا يقاتل. وهي التي أكدها رسول الله صلى الله عليه وسلم في وصاياه لجنده: (انطلقوا بسم الله وفي سبيل الله تقاتلون أعداء الله في سبيل الله، لا تقتلوا شيخاً فانياً ولا طفلاً صغيراً ولا امرأة ولا تغلوا)(48). وعن حنظلة الكاتب، قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمررنا على امرأة مقتولة، قد اجتمع عليها الناس، فأفرجوا له، فقال: (ما كانت هذه تقاتل فيمن يقاتل) ثم قال لرجل: "انطلق إلى خالد بن الوليد، فقل له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك، يقول: (لا تقتلن ذرية، ولا عسيفاً)(49).
وقد سار على ذلك النهج أبو بكر رضي الله عنه كما تقدم في وصيته للجند.
وبناء على ذلك فإنه يتعين حماية أفراد الهيئات الطبية والدينية المصاحبة للقوات المقاتلة، وتمتد الحماية إلى الأعيان الطبية اللازمة للأشخاص المنتفعين بخدمات تلك الأعيان، ويقصد بالأعيان الطبية جميع المنشآت الطبية كالمشافي وغيرها من الوحدات الطبية كمراكز نقل الدم ومراكز الأدوية ومعاهد الطب الوقائي والمستودعات الطبية والصيدليات المخصصة لتلك الوحدات. كما تمتد الحماية إلى وسائل النقل الطبي المخصص لنقل الجرحى والمرضى.
النتائج والتوصيات:
أولاً: النتائج:
إن القانون الدولي الإنساني يُعد مصطلحاً حديث النشأة، مقارنة بالقواعد المقررة في أحكام الشريعة الإسلامية التي كفلت حقوق الإنسان أثناء النزاعات المسلحة منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام.
إن الأصل في علاقة الأمة الإسلامية بالأمم الأخرى هي المسالمة، والحرب في الإسلام للضرورة، ولا تكون إلا لدفع عدوان أو للدفاع عن حق، أو لتأمين حرية الدين، ومتى قامت الحرب على ذلك النحو فإن شرف الوسيلة يجب أن يكون محفوظاً، وباب القيم مرعياً.
للأخلاق في القانون الدولي العام في الإسلام مكانة خاصة، فكما يجب رعاية الأخلاق في التعامل بين الأفراد، فإن التعامل بين الدول يجب أن يكون أكثر تمسكاً والتزاماً بالأخلاق.
لا يختلف القانون الدولي الإنسانين عما تقرره الشريعة الإسلامية بشأن معاملة الجرحى والمرضى والطواقم الطبية العاملة في إسعاف المتضررين، وإذا كان القانون الإنساني حرم أخيراً الإجهاز على أولئك أو تعذيبهم، فإن الإسلام حرم الشيء نفسه منذ ما يزيد على 1400 سنة، ولا يختلف كذلك القانون الإسلامي عما يقرره القانون الدولي بشأن الرعاية الطبية؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد حث أصحابه على إكرام الأسرى، فضلاً أن ذلك ينسجم مع القاعدة العامة: أنه لا يقتل من يقاتل.
ثانياً: التوصيات:
على الدعاة والمثقفين نشر ثقافة الحب والسلام والرحمة، ولاسيما بين الشباب.
دعوات الجامعات والمؤسسات العلمية بالعمل على نشر المفاهيم الصحيحة، حول نظام الحرب والسلام في الإسلام.
إعطاء المزيد من الأولوية في وسائل الإعلام لإبراز دور الإسلام المشرق في دعوته للتعايش مع الآخر غير المسلم.
حواشي البحث وفهارسه
انظر: بحث: حماية ضحايا النزاعات المسلحة في القانون الدولي الإنساني والشريعة الإسلامية ص261، أ.د. عبد الغني عبد الحميد محمود، بحث منشور في كتاب: دراسات في القانون الدولي، تقديم: مفيد شهاب، صادر عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر بالقاهرة، الطبعة 2000م.
مقدمة في القانون الدولي الإنساني في الإسلام ص15 أ. د. زيد عبد الكريم الزيد، من إصدارات اللجنة الدولية للصليب الأحمر.
فقه الجهاد، الشيخ القرضاوي 1/42، مكتبة وهبة، طبعة 2009م.
رواه البخاري رقم (2966)، دار طوق النجاة، الطبعة الأولى 1422هـ، ومسلم (1742)، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار التراث العربي، بيروت.
أخرجه أبو داود، رقم (4950)، وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم (4140).
رواه مالك، باب ما يكره من الأسماء، رقم (24) تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (8/47، رقم 12831): إسناده حسن، تحقيق: حسام الدين القدسي، مكتبة القدسي القاهرة، 1414هـ، 1994م.
رواه أحمد في المسند (769)، وقال محققه شعيب الأرنؤوط: إسناده حسن، طبعة مؤسسة الرسالة 1421هـ، 2001م.
انظر: فقه الجهاد 1/415- 418، ومقدمة في القانون الدولي ص12.
أخرجه البخاري، كتاب الجهاد، باب: الحرب خدعة، رقم (3029)، ومسلم، كتاب الزكاة، باب: التحريض على قتل الخوارج، رقم (1066).
تاريخ الطبري 3/226، دار التراث، بيروت، الطبعة الثانية 1387هـ.
رواه مسلم، رقم (2355)، كتاب الفضائل، باب في أسمائه صلى الله عليه وسلم.
انظر: العلاقات الدولية في السلام، محمد أبو زهرة ص89- 116، دار الفكر العربي، وكتاب: نظام السلم والحرب في الإسلام، الدكتور مصطفى السباعي ص42- 51 دار الوراق، الطبعة الثانية 1419هـ- 1998م].
فقه الجهاد، القرضاوي 1/413.
المصدر السابق 1/414.
المصدر السابق 1/412.
أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب من الإيمان أن يحب لأخيه كما يحب لنفسه، رقم (13).
أخرجه أبو يعلى في "مسنده" 6/65، رقم (3315)، تحقيق حسين سليم أسد، دار المأمون للتراث، دمشق، الطبعة 1404هـ- 1984م. وقال محققه: ضعيف.
أخرجه مسلم، رقم (93)، وانظر نظام السلم والحرب في الإسلام، لمصطفى السباعي، ص19.
أبو بكر محمد بن جعفر الخرائطي، في (مكارم الأخلاق) 1/40 رقم (61)، تحقيق: أيمن عبد الجابر البحيري، الناشر: الآفاق العربية، القاهرة، الطبعة: الأولى، 1419هـ- 1999م. وأبو القاسم سليمان بن حمد الطبراني 1/260، رقم (754)، تحقيق: حمدي بن عبد المجيد السلفي، دار النشر: مكتبة ابن تيمية- القاهرة، الطبعة: الثانية.
انظر: نظام السلم والحرب في السلام ص21.
فقه الجهاد، القرضاوي 1/722.
محاضرات في القانون الدولي الإنساني، تحرير: شريف حتلم ص: 8 من إصدارات اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الطبعة 2009م.
مقدمة في القانون الدولي الإنساني في الإسلام ص14- 24.
رواه البخاري، كناب الجهاد والسير، باب: قتل النساء في الحرب رقم (3015) ومسلم، كناب الجهاد والسير، باب: قتل النساء والأطفال في الحرب رقم (1744).
الأموال، لأبي أحمد حميد بن مخلد بن قتيبة بن عبد الله الخرساني المعروف بابن زنجويه 1/154 رقم (147)، تحقيق: شاكر ذيب فياض، الناشر: مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، السعودية، الطبعة: الأولى، 1406هـ- 1986م.
الخطابي، أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البستي، معالم السنن 2/263 المطبعة العلمية، حلب، الطبعة الأولى، 1351هـ- 1932م.
النووي، أبو زكريا يحيى بن شرف، شرح النووي على مسلم 12/48 دار إحياء التراث العربي- بيروت، الطبعة الثانية، 1392.
المغني، لابن قدامة، أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامه الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي، بيروت: دار الفكر، الطبعة الأولى 1405هـ الجزء 9/310.
فقه الجهاد 1/723.
تاريخ الأمم والملوك، الطبري، 3/227 الناشر: دار التراث، بيروت، الطبعة: الثانية- 1387هـ.
انظر: تفسير الطبري (تهذيب وتقريب) الدكتور صلاح الخالدي 1/582، طبعة: دار القلم- دمشق، والدار الشامية- بيروت 1418هـ- 1997م.
أخرجه البخاري، كتاب الجزية، باب إثم الغادر للبر والفاجر، رقم (3186)، ومسلم، كتاب الجهاد والسير، باب: تحريم الغدر، رقم (1735).
أخرجه البخاري، كتاب: الجزية، باب: من قتل معاهداً بغير جرم، رقم (3166).
انظر المعاهدات الدولية في الإسلام، أبو زهرة ص106.
الخصائص العامة للإسلام، القرضاوي ص79 طبعة مكتبة وهبه، الطبعة الأولى 1397ه- 1977م.
محاضرات في القانون الدولي الإنساني، تحرير شريف عتلم ص81- 82 من إصدارات اللجنة الدولية للصليب الأحمر، طبعة 2009م].
أخرجه مسلم، كتاب :الجهاد والسير، باب: النساء الغازيات، رقم (1812).
البخاري، كتاب: الجهاد والسير، باب: مداواة النساء الجرح في الغزو، رقم (2882).
أخرجه مسلم: كتاب: الجهاد والسير، باب: غزو النساء مع الرجال، رقم (1810).
أخرجه البخاري، كتاب المغازي، رقم (4019).
أخرجه مسلم، كتاب: الجهاد والسير، باب: تأمير الأمير الأمراء على البعوث، رقم 1731.
أخرجه مسلم، كتاب: البر والصلة، باب: الوعيد الشديد لمن عذب الناس بغير حق، رقم (3613).
انظر: نظرية الحرب في الإسلام، محمد أبو زهرة ص61 (مصر: المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بوزارة الأوقاف 1380هـ).
مصنف أبو بكر ابن أبي شيبة 6/498 رقم (33276)، المحقق: كمال يوسف الحوت، الناشر: مكتبة الرشد- الرياض، الطبعة: الأولى، 1409.
آثار الحرب في الفقه الإسلامي، وهبة الزحيلي، ص477، طبعة دار الفكر، دمشق 1419هـ.
سنن سعيد بن منصور 2/389 رقم (2947)، الناشر: الدار السلفية- الهند، الطبعة: الأولى، 1403هـ- 1982م.
مصنف أبو بكر ابن أبي شيبة رقم 1/498، رقم (33278) وأخرجه الحاكم، وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، رقم (2660) 2/167، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، الناشر: دار الكتب العلمية- بيروت، الطبعة: الأولى، 1411- 1990.
مصنف أبو بكر ابن أبي شيبة في 6/483 رقم (33118).
أخرجه ابن ماجه، رقم (2842) وصححه الألباني. والعسيف: الأجير والعامل.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق