الصفحات

البحث الذكي داخل المدونة

تحميل وطباعة هذه الصفحة

Print Friendly and PDF

الخميس، 20 أغسطس 2026

مبدأ التمييز بين المقاتلين وغير المقاتلين في الشريعة الإسلامية والقانون الدولي الإنساني د. تيسير كامل إبراهيم د. باسم صبحي بشناق

مبدأ التمييز بين المقاتلين وغير المقاتلين

في الشريعة الإسلامية والقانون الدولي الإنساني

د. تيسير كامل إبراهيم  د. باسم صبحي بشناق

كلية الشريعة والقانون- الجامعة الإسلامية- غزة- فلسطين

ملخص

تناول ذلك البحث مبدأ التمييز بين المقاتلين وغير المقاتلين في الشريعة الإسلامية، والقانون الدولي الإنساني، وقد اهتم البحث بالتأصيل للمبدأ من الناحية الشرعية والقانونية.

وهدف البحث إلى جانب التأصيل للمبدأ من الناحية الشرعية إلى محاولة وضع مقترحات قانونية من شأنها تدعيم، وتطوير مفهوم مبدأ التمييز وفق قواعد القانون الدولي الإنساني استنادا إلى مبادئ وأحكام الشريعة الإسلامية. وخلص البحث إلى أن الشريعة الإسلامية تتفق مع القانون الدولي الإنساني في تبني مبدأ التمييز بين المقاتلين وغير المقاتلين في النزاعات المسلحة.

واستخدم البحث كلأ من المنهج الوصفي، والمنهج المقارن من خص استعراض الأحكام التي تتعلق بالتمييز في الشريعة الإسلامية، وكذلك من خلال استعراض وتحليل النصوص القانونية الخاصة بذلك الشأن في القانون الدولي الإنساني، والمقارنة فيما بينها كلما تطلب الأمر.

Abstract


This research deals with the principle of distinction between combatants and non-combatants in international humanitarian and Islamic Sharia law. This research was interested in rooting the principle from legitimate and legal sides .


The aim of the research as well as rooting for the principle of the legitimate side is to try to put legal proposals that would strengthen and develop the concept of the principle of distinction in accordance with the rules of international humanitarian law on the basis of the principles and provisions of Islamic Sharia. The research found that Islamic law consistent with international humanitarian law in the adoption of the principle of distinction between combatants and non-combatants in armed conflicts.


The research used both of descriptive and comparative approaches through reviewing the provisions and rules of jurisprudence in Islamic law, which related to distinction, as well as through the review and analysis of the legal provisions in this regard in international humanitarian law, and the comparison between them when it is needed.




المقدمة

يرتكز القانون الدولي الإنساني على مجموعة من القواعد التي تشكل في مجملها مبادئ قانونية واجبة الاحترام من قبل الأطراف المتحاربة في أي نزاع مسلح، وهي تهدف بالدرجة الأولى إلى الحد من آثار العمليات العسكرية بين الأطراف المتحاربة، وبشكل خاص تجنب تأثيراتها بشكل مباشر على الأشخاص المدنيين الذين لا يشاركون في القتال، أو أصبحوا غير فادرين على المشاركة فيه، وكذلك تجنب تأثيراتها على الممتلكات المدنية.


وهناك أربعة قواعد، أو مبادئ أساسية يرتكز عليها القانون الدولي الإنساني، وهي مبدأ الإنسانية، مبدأ الضرورة العسكرية، مبدأ التمييز، مبدأ التناسب.


وكذلك فإن أحكام الشريعة الإسلامية قد نظمت قواعد وسلوك المتحاربين وفرضت قيودا عدة عليها، كما أنها سبقت القانون الدولي الإنساني في النص على تلك المبادئ سالفة الذكر، وأوجبت احترامها.


طبيعة الموضوع:


موضوع البحث عبارة عن دراسة تأصيلية مقارنة بين الشريعة، والقانون لأحد أهم مبادئ القانون الدولي الإنساني وهو مبدأ التمييز بين المقاتلين وغير المقاتلين في النزاعات المسلحة.


أهمية البحث:


تأتي أهمية إعداد ذلك البحث في ظل تزايد النزاعات، والحروب المسلحة التي تشهدها مناطق مختلفة من العالم، وخاصة المناطق العربية، والإسلامية، حيث شهدت تلك النزاعات، والحروب ولا تزال انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وخاصة المدنيين منهم، ودون تمييز بينهم وبين العسكريين.


مشكلة البحث:


تتلخص مشكلة البحث في استيضاح حقيقة فاعلية تنظيم مبدأ التمييز كأحد أهم مبادئ القانون الدولي الإنساني، وموقف الشريعة الإسلامية منه.


أسئلة البحث:


هل تتفق الشريعة الإسلامية مع القانون الدولي الإنساني في الإقرار بمبدأ التمييز بين المقاتلين وغير المقاتلين في النزاعات المسلحة؟.

هل هناك حالات يسمح فيها باستهداف المدنيين، وفق كل من القانون الدولي الإنساني، والشريعة الإسلامية؟.

ما هي أوجه القصور في الاتفاقيات الدولية بشان مفهوم، وتنظيم مبدأي التمييز؟.

فرضيات البحث:


ينطلق البحث من فرضية واحدة مفادها أن الشريعة الإسلامية تتفق مع قواعد القانون الدولي الإنساني في كفالة مبدأ التمييز بين المقاتلين وغير المقاتلين، بل أنها سبقت القانون الدولي في الإقرار وتنظيم ذلك المبدأ.


هدف البحث:


يهدف البحث إلى جانب التأصيل لمبدأي التمييز من الناحية الشرعية إلى محاولة وضع مقترحات قانونية من شانها تدعيم، وتطوير مفهوم مبدأ التمييز وفق قواعد القانون الدولي الإنساني، واستنادا إلى مبادئ، وأحكام الشريعة الإسلامية.


منهج البحث:


سيتم استخدام كلا من المنهج الوصفي، والمنهج المقارن في ذلك البحث من خلال استعراض الأحكام، والقواعد الفقهية في الشريعة الإسلامية التي تتعلق بالتمييز، وكذلك من خلال استعراض، وتحليل النصوص القانونية الخاصة بذلك الشأن في القانون الدولي الإنساني، والمقارنة فيما بينها كلما تطلب الأمر.


هيكلية البحث:


مقدمة:


المبحث الأول: مبدأ التمييز في الشريعة الإسلامية.


المبحث الثاني: مبدأ التمييز في القانون الوضعي.


الخاتمة: نتائج وتوصيات



المبحث الأول

مبدأ التمييز بين المقاتلين وغير المقاتلين في الشريعة الإسلامية


أقرت الشريعة الإسلامية مبادئ إنسانية متكاملة وأهمها مبدأ التمييز بين المقاتلين وغير المقاتلين- موضوع بحثنا- فقد فرق الإسلام بين المقاتلين الذين يجوز استهدافهم في العمليات الحربية وبين غير المقاتلين لصفتهم أو لعجزهم عن القتال لسبب ما ممن يتوجب حمايتهم واحترامهم، نتناول من خلال ذلك المبحث ما تضمنته الشريعة الإسلامية في ذلك المجال.


تعتبر قاعدة التمييز في القتال من القواعد الأساسية واجبة الاحترام وفق أحكام الشريعة الإسلامية حيث العديد من الأحكام التي تمنع استهداف من ليس له علاقة مباشرة بالعمليات القتالية، ويستدل على مبدأ التمييز في الشريعة الإسلامية من القرآن الكريم والسنة النبوية ووصايا الخلفاء وقادة الجيوش الإسلامية. نستعرضها على النحو التالي:


المطلب الأول : أساس مبدأ التمييز في القرآن الكريم والسنة النبوية

الفرع الأول: أساس مبدأ التمييز في القرآن الكريم


جاءت العديد من الآيات القرآنية التي تقرر مبدأ التمييز سواء أكانت بالنص العام أم النص الخاص المباشر، وفيما يأتي نورد بعضا من الآيات القرآنية ذات العلاقة بمبدأ التمييز.


أولا: أوجب الله سبحانه وتعالى بشكل عام في كتابه العزيز الدعوة للبر مع المخالفين من غير المحاربين، والبر كلمة جامعة لمعاني الخير من عدل، وكرم، وإحسان، قولا، وفعلا ([1]).


قال تعالى: "لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" ]الممتحنة: 8[، ومن المؤكد أنه ليس من البر استهداف المدنيين من غير المحاربين الذين لا يضطلعون بمهام حربية.


ثانيا: حصر القتال في الرد على المقاتلين المعتدين قال تعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (البقرة: 190). وهي آية واضحة في التأصيل لمبدأ التمييز حيث نصت الآية على حصر القتال فيمن يمارسون القتال؛ "فمعنى قوله: ولا تعتدوا، أي: لا تقتلوا النساء، والصبيان، والشيخ الكبير، والرهبان، ولا من ألقى إليكم السلام " ([2]). ولو وقفت الآية عند قوله تعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ) لكان كافيا في إقرار مبدأ التمييز، إلا أن المشرع الحكيم أراد أن يؤكد على ذلك المبدأ بالنهي عن الاعتداء، وبيان أنه لا يحب المعتدين، فتكون الآية قد جمعت في إقرارها لمبدأ التمييز بين الأمر به، والنهي عن ضده.


ثالثا: نفي أن يكون للمسلمين سبيل بالقتل، أو القتال على من ألقى السلام، وكف اليد، واعتزل قال تعالى: (فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا) (النساء: 90).


رابعا- جعل السبيل بالقتل، والقتال على المعتدين الذين لم يكفوا أيديهم، ولم يعتزلوا، ولم يلقوا السلم قال تعالى: (فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا) (النساء: 91).


والآيتان السابقتان توسعان من دائرة المدنيين بحيث تجعل كل من اعتزل القتال من جملة المدنيين الذين نهينا عن استهدافهم؟ مما يقوي تعريف المدنيين الذي سيخلص إليه البحث في الفقرات التالية.


الفرع الثاني: أساس مبدأ التمييز في السنة النبوية


أقر النبي محمد صلي الله عليه وسلم مبدأ التمييز في الحروب فقد ميز بين المقاتلين، وغير المقاتلين ممن يواجهون جيوش المسلمين، فنهى المحاربين عن استهداف من لا يشاركون في القتال، كما نهاهم عن قتل فئات معينة كالنساء، والصبيان، والمزارعين، والشيخ الفاني، وأصحاب الصوامع، ومن خلال سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبين أنه صلى الله عليه وسلم جعل الفئات التالية من المدنيين الذين يحرم قتلهم:


أولا: النساء والأطفال: فعن ابن عمر رضي الله عنه، فال: وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي رسول الله، فنهى رسول الله عن قتل النساء، والصبيان ([3]).


ثانيا: الأجراء: فقد أرسل رسول الله صلي الله عليه وسلم إلى خالد أن "لا تقتلن ذرية، ولا عسيفا" ([4]).


ثالثا: الشيخ الكبير: فقد نهى صلي الله عليه وسلم عن قتل الشيخ الكبير فقال: "ولا تقتلوا شيخا فانيا" ([5]).


رابعا: الفلاحين: فعن عمر رضي الله عنه أنه قال: " اتقوا الله في الفلاحين فلا تقتلوهم إلا أن ينصبوا لكم الحرب" ([6]).


خامسا: أصحاب الصوامع المنقطعين للعبادة: فعن ابن عباس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلي الله عليه وسلم إذا بعث جيوشه قال: "لا تغدروا، ولا تغلوا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا الولدان، ولا أصحاب الصوامع" ([7]).


سادسا- التجار: عن جابر رضي الله عنه قال: " كانوا لا يقتلون تجار المشركين " ([8]).



المطلب الثاني

التمييز بين المقاتلين وغير المقاتلين لدى الصحابة وفى الفقه الإسلامي


نتناول من خلال ذلك المطلب التمييز بين المقاتلين وغير المقاتلين لدى الصحابة وفي الفقه الإسلامي.


الفرع الأول: التمييز بين المقاتلين وغير المقاتلين في وصايا الصحابة وقادة الجيوش


سار الصحابة رضوان الله عليهم على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتزموا وصاياه في التمييز بين المقاتلين، وغير المقاتلين، ويستدل على ذلك من وصية أبي بكر الصديق رضي الله عنه إلى يزيد بن أبي سفيان رضي الله عنه عندما أرسله أميرا على رأس أحد الجيوش إلى الشام فقال له: إنك ستجد قوما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم في الصوامع فدعهم وما زعموا ولا تقتلن امرأة، ولا صبيا، ولا كبيرا هرما، ولا تقطعن شجرا مثمرا، ولا نخلا، ولا تحرقها، ولا تخربن عامرا، ولا تعقرن شاة ولا بقرة إلا لمأكله، ولا تغلل ولا تجبن ([9]).


ويقيت تلك الوصايا موضع تأكيد، والتزام لكافة الصحابة الذين خلفوا أبا بكر الصديق رضي الله عنه، فقد عمل بمقتضاها عمر رضي الله عنه وكان يوصي بها قادة جيوشه، وكذلك من بعده من الخلفاء.


الفرع الثاني: التمييز بين المقاتلين وغير المقاتلين في الفقه الإسلامي المعاصر


فرق فقهاء الشريعة الإسلامية بين المقاتلين وغير المقاتلين؛ مستندين في ذلك لأدلة الشرع من قرآن وسنة، غير مكتفين بماء جاء النص عليه؟ بل ألحقوا بما نص عليه من في حكمهم ممن تنطبق عليهم صفة غير المقاتلين؛ "بجامع عدم النفع والضرر وهو المناط " ([10])، وعليه فقد عد فقهاء الحنفية غير المقاتلين فقالوا: "لا يحل قتل امرأة، ولا صبي، ولا شيخ فان، ولا مقعد، ولا يابس الشق، ولا أعمى، ولا مقطوع اليد والرجل من خلاف، ولا مقطوع اليد اليمنى، ولا معتوه، ولا راهب في صومعة، ولا سائح في الجبال لا يخالط الناس، وقوم في دار، أو كنيسة ترهبوا، وطبق عليهم الباب " ([11]).


لقد كان تعليل الحنفية واضحا لعدم جواز قتل أولئك بأنهم "ليسوا من أهل القتال" ([12]). والضابط عندهم أن "كل من لم يكن من أهل القتال لا يحل قتله إلا إذا فاتل حقيقة، أو معنى" ([13]).


إلا أنهم لم يعدوا "الذي يجن ويفيق، والأصم والأخرس، وأقطع اليد اليسرى، وأقطع إحدى الرجلين" ([14]). من جملة المدنيين؟ وعللوا ذلك بأنهم "من أهل القتال" ([15])، بما يشير إلى أن التفرقة بين المقاتلين، وغير المقاتلين مسالة ذات علاقة بالأعراف العسكرية، فاعتبار أولئك (الذي يجن ويفيق، والأصم والأخرس، وأقطع اليد اليسرى، وأقطع إحدى الرجلين) في عداد المقاتلين غير مقبول في عصرنا؟ فمعايير التجنيد تجعلهم خارج دائرة المحاربين بلا شك.


وعليه فإن تصنيف المقاتلين، وغير المقاتلين فقها يعتمد معيارين:


الأول: معيار القدرة على القتال؟ فمن لا يتسنى له القتال إما لطبيعة فطرية كالنساء، أو لعجز مؤقت كالصبيان، أو لعجز دائم كالزمنى، والشيخ الهرم، فليسوا في عداد المقاتلين.


والثاني: معيار عدم إرادة القتال الواضحة المدلول عليها بالاعتزال، والانقطاع في الصوامع، أو في أي شيء آخر، كالاشتغال بالتجارة، أو الصناعة، أو الحراثة، ونحو ذلك فقد قاس فقهاء المالكية الصناع المشتغلين بصناعاتهم على الرهبان المشتغلين بعبادتهم في عدم جواز التعرض؛ معللين ذلك بان اشتغالهم بصنائعهم يمنعهم عنا كاشتغال الرهبان بالتعبد ([16]). وكذلك نصوا على أنه "من وجد بساحلنا من العدو، وقالوا نحن تجار ونحوه فلا يقتلون " ([17]).


وعليه فإنه يمكن اعتبار المعابير السابقة معايير في تعريف المدنيين فيقال المدنيون هم: من لا قدرة لهم علي القتال لأي سبب من الأسباب، سواء أكانت أسباب فطرية كالنساء، أو أسباب مؤقتة كالصغر، أو دائمة كالزمنى، ومن ظهر اعتزالهم، وتركهم للمثال لأي سبب كالمنقطعين للعبادة في صوامعهم، أو للتدريس في جامعاتهم، أو للبحث في معاملهم، ومكتباتهم، والجالسين في بيوتهم، والمعارضين السياسيين للحرب، والمسجونين، والتجار ونحو ذلك. أما اعتماد معيار من لديه القدرة على القتال وإن لم يقاتل في تصنيف المقاتلين فلا يصح.


ومن أوسع الأقوال في توسيع دائرة المدنيين ما ذهب إليه د. وهبة الزحيلي من استثناء الملحقين العسكريين الأجانب، ومراسلي الصحف، ورجال الدين التابعين للقوات المسلحة من المحاربين، واعتبارهم من جملة المدنيين حيث قال: "المحاربون هم كل من نصب نفسه للقتال بطريق مباشر، أو غير مباشر وذلك كالجنود الإجباريين، والمتطوعين...أما المدنيين الذين ألقوا السلاح، وانصرفوا إلى أعمالهم، وكل من له صفة حيادية عن معاونة العدو كالملحقين العسكريين الأجانب، ومراسلي الصحف، ورجال الدين التابعين للقوات الحربية فأولئك لا يعتبرون محاربين يهدر دمهم" ([18]).


ولعل في كلام بعض الفقهاء القدامى ما يؤصل لكلام د. الزحيلي حيث جاء عن المازري "أن إغزاء (التشجيع على الغزو) المرأة بالصياح لا يبيح قتلها، ولا حراستها العدو" ([19]). بل جاء عن بعضهم أن قتالها بما لا يفضي للقتل لا يبيح قتلها، حيث نصوا على أنه إن رمت المرأة بالحجارة فلا يبيح ذلك قتلها إلا أن تكون قتلت بما رمت ([20]).


وقال ابن حبيب من المالكية: لا يجوز القصد إلى قتلها إذا قاتلت إلا إن باشرت القتل، أو قصدت إليه ([21]).


فالضابط عندهم في جواز قتل المرأة أن تقاتل "قتالا يقتضي قتلها بان قتلت، أو قاتلت بالسلاح" ([22]).


وعليه فإن المرأة تعد من المقاتلين، وتخرج من دائرة المدنيين إن قاتلت قتالا يفضي للقتل؛ حيث نراها في عصرنا تقود الطائرة، والدبابة، وتحمل السلاح فإن هي فعلت ذلك لم تعد من جملة المدنيين.



المبحث الثاني

التمييز بين المقاتلين وغير المقاتلين في القانون الدولي الإنساني


يعد مبدأ التمييز بين المقاتلين وغير المقاتلين مبدأ هاما في القانون الدولي الإنساني، فهو يضع القيود الواردة على وسائل القتال، وأساليبه المستخدمة في النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية، ويلعب ذلك المبدأ دورا أساسيا في الحد من آثار النزاع المسلح لاعتبارات إنسانية.


وقد تضمن البروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جنيف لسنة 1949 والصادر عام1977، النص بشكل مباشر على مبدأ التمييز بين المقاتلين وغير المقاتلين أثناء النزاعات المسلحة الدولية، حيث نصت المادة ( 48) منه على أنه: "تعمل أطراف النزاع على التمييز بين السكان المدنيين والمقاتلين وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية. ومن ثم توجه عملياتها ضد الأهداف العسكرية دون غيرها. وذلك من أجل تامين احترام وحماية السكان المدنيين والأعيان المدنية " ([23])


والتمييز بين المقاتلين وغير المقاتلين لم تكن عملية سهله لفقهاء القانون الدولي الإنساني، وواضعي الاتفاقيات الدولية التي تتضمن ذلك المبدأ، فهو يختلف باختلاف نصوص القانون الدولي وحتى باختلاف طبيعة النزاع المسلح؛ دوليا أم غير دولي ([24]).


وحتى نستطيع فهم مبدأ التمييز والمقصود منه وفق قواعد القانون الدولي الإنساني ارتأينا أن نبحث في تحديد فئات المقاتلين والمدنيين من خص مطلبين على النحو التالي بيانه:



المطلب الأول

تحديد فئات المقاتلين وتصنيفاتهم وفق القانون الدولي الإنساني


نتناول تحديد فئات المقاتلين وتصنيفاتهم على النحو التالي:


الفرع الأول: تحديد فئة المقاتلين


لا يمكن فهم وإعمال مبدأ التمييز في النزاعات المسلحة بين المقاتلين وغير المقاتلين دون تحديد من هم هاتين الفئتين.


لذلك فإن فقهاء القانون الدولي قالوا في تعريف المدني إنه: هو ذلك الشخص المخول بحمل السلاح واستخدامه ضد الخصم دون أن يتبع ذلك ملاحقة قانونية طالما يحترف قواعد وأعراف الحرب ([25]). وحتى تضح الصورة أفضل حول من هو المقاتل عن غيره من غير المقاتلين، سنقوم بتوضيح من هم المقاتلون وفق بعض من النصوص القانونية في الاتفاقيات الدولية ذات الصلة.


أولا- المقاتلون حسب اللائحة الملحقة باتفاقية لاهاي الرابعة لعام 1907


باستقراء المادتين الأولى والثانية من الفصل الأول من القسم الأول بعنوان:


تعريف المحاربين الواردتين في اللائحة المتعلقة بقوانين وأعراف الحرب البرية لاهاي لعام 1907؛ يتبين أنهم على النحو التالي ([26]):


عناصر وضباط الجيش.

أفراد المليشيات والوحدات المتطوعة التي تتوفر فيها الأشراط الأربعة التالية:

أن يقودها شخص مسؤول عن مرؤوسيه.

أن تكون لها شارة مميزة محددة يمكن تمييزها عن بعد.

أن تحمل الأسلحة علنا.

أن تلتزم بقوانين الحرب وعاداتها.

سكان الأراضي غير المحتلة الذين يحملون السلاح من تلقاء أنفسهم عند اقتراب العدو لمقاومة القوات الغازية دون أن يتوفر لهم الوقت لتشكيل وحدات مسلحة نظامية وذلك مع ضرورة توافر شرطين:

 أن يحملوا السلاح بشكل ظاهر.

 أن تلتزم بقوانين الحرب وأعرافها.

ثانيا- المقاتلون حسب اتفاقية جنيف الثالثة بشان معاملة أسرى الحرب لعام:1949


نصت المادة الرابعة من اتفاقية جنيف الثالثة لعام 1949 على مفهوم أسرى الحرب، وباستقراء نص المادة يتضح أن المقاتلين هم من ينتمون إلى إحدى الفئات التالية ([27]):


"أفراد القوات المسلحة لأحد أطراف النزاع، والمليشيات أو الوحدات المتطوعة التي تشكل جزءا من تلك القوات المسلحة.

أفراد المليشيات الأخرى والوحدات المتطوعة الأخرى، بمن فيهم أعضاء حركات المقاومة المنظمة، الذين ينتمون إلى أحد أطراف النزاع ويعملون داخل أو خارج إقليمهم، حتى لو كان ذلك الإقليم محتلا، على أن تتوفر الأشراط التالية في تلك المليشيات أو الوحدات المتطوعة بما فيها حركات المقاومة المنظمة المذكورة:

أن يقودها شخص مسئول عن مرؤوسيه

أن تكون لها شارة يمكن تمييزها عن بعد

أن تحمل الأسلحة علنا

أن تلتزم بقوانين الحرب وعاداتها

أفراد القوات المسلحة النظامية الذين يعلنون ولاءهم لسلطة لا تعترف بها الدولة الحاجزة.

 سكان الأراضي غير المحتلة الذين يحملون السلاح من تلقاء أنفسهم عند اقتراب العدو لمقاومة القوات الغازية دون أن يتوفر لهم الوقت لتشكيل وحدات مسلحة نظامية شريطة أن يحملوا السلاح جهزا وأن يراعوا قوانين الحرب وعاداتها".

يتضح من استعراض تلك الفئات أن المادة الرابعة قد أتت بإضافتين، أولها تمثلت في التصريح المباشر بتعبير حركات المقاومة المسلحة وبنفس الأشراط المطبقة على المليشيات والوحدات المتطوعة، والثانية تتمثل في إضافة فئة أفراد القوات المسلحة النظامية الذين يعلنون ولاءهم لحكومة لا تعترف بها الدولة الحاجزة.


الفرع الثاني: تصنيفات فئات المقاتلين في القانون الدولي الإنساني


أولا- أفراد القوات المسلحة لأحد أطراف النزاع، والمليشيات أو الوحدات المتطوعة التي تشكل جزءا من تلك القوات المسلحة:


أفراد القوات المسلحة النظامية:

نصت الفقرة (2) من المادة 43 من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 على أنه:


"يعد أفراد القوات المسلحة لطرف النزاع (عدا أفراد الخدمات الطبية والوعاظ الذي تشملهم المادة 33 من الاتفاقية الثالثة) مقاتلين بمعنى أن لهم حق المساهمة المباشرة في الأعمال العدائية " ([28]).


المليشيات والوحدات المتطوعة التي تشكل جزءا من القوات المسلحة:

وتشمل تلك الفئات التالي:


الميليشيات أو الوحدات الاحتياطية النظامية:

الميليشيات أو الوحدات الاحتياطية هم المواطنون الذين انتهت خدمتهم العسكرية، ولكنهم يبقون جاهزين للاستدعاء في حالات الطوارئ أو عند الحاجة لمدة معينة.


يذكر أن الاستخدام الحديث لمصطلح "ميليشيات" للتعبير عن الجماعات المسلحة الحربية والطائفية في النزاعات المسلحة الداخلية غطى على الاستخدام الحقيقي للمصطلح في اتفاقيات القانون الدولي الإنساني، ويستخدم ذلك النظام في الدول التي تستبقي قوات مسلحة مع الاحتفاظ بوحدات احتياطية غير دائمة للاستدعاء في حالة الحرب ([29]).


الوحدات المتطوعة النظامية:

تتألف القوات المسلحة في الدول من جنود وضباط في إطار الخدمة الإجبارية يخضعون بعد أداء خدمتهم لنظام الاحتياط، تضاف إليهم "وحدات المتطوعين " الذين ينضمون إلى القوات المسلحة من تلقاء أنفسهم بامتهان العمل العسكري، وقد يكون المتطوعون مواطنين أو أجانب، والمتطوعون حسب المادة الرابعة من اتفاقية جنيف الثالثة 1949 يعدون مقاتلين نظاميين ([30]).


ثانيا: أفراد الميليشيات الأخرى والوحدات المتطوعة الأخرى، بمن فيهم أعضاء حركات المقاومة المنظمة:


وتتضمن تلك الفئات ما يلي:


أفراد الميليشيا والوحدات المتطوعة الأخرى:

وهم الأفراد المقاتلون غير النظاميين الذين يعملون إلى جانب القوات المسلحة النظامية للتشويش على العدو وإرهاقه واستهداف مؤنه ومواصلاته لدعم المجهود الحربي للقوات النظامية، وتلك الفئة تضم:


أفراد الميليشيا أو الوحدات الاحتياطية (غير النظامية):

في ظل غياب مفهوم صريح في اتفاقية جنيف الثالثة للميليشيا المستقلة أو الوحدات الاحتياطية الأخرى يرى بعض الكتاب أن المقصود بهم: ".. الأفراد العسكريون الذين انتهت مدة خدمتهم الفعلية والاحتياطية إضافة إلى التشكيلات النظامية الأخرى التي لا تشكل جزءا من القوات المسلحة النظامية كالحرس الوطني وحرس الحدود والحرس المدني والشرطة التي تتشكل من وحدات من المقاتلين غير النظاميين للدفاع عن الوطن.." ([31]).


أفراد الوحدات المتطوعة:

أفراد الوحدات المتطوعة المستقلة هم الأفراد المتطوعون في جماعات تساهم في دعم المجهود الحربي لأحد أطراف النزاع دون أن تشكل جزءا من القوات المسلحة لذلك الطرف ([32]). ولا يختلف الأمر أن يكون أولئك المتطوعون من المواطنين أو من الأجانب مادام أن المادة الرابعة لم تشترط العنصر الوطني، بل مجرد توافر الأشراط الأربعة المعروفة ([33]).


3-أفراد حركات المقاومة المنظمة:


تضمنت المادة الرابعة من الاتفاقية الثالثة لعام 1949 النص الصريح على تعبير أفراد حركات المقاومة، إضافة إلى ذلك تم الاعتراف صراحة بأفراد حركات المقاومة في الإقليم المحتل الذين يعملون خارج أو داخل الإقليم في الوقت الذي كان فيه الاعتراف- حسب اتفاقية لاهاي 1907- بالمقاومة في حالة الغزو فقط. فيما كانت المقاومة في حالة الاحتلال الحربي خارج التنظيم الدولي.


وقد اشترطت المادة الرابعة في فقرتها الثانية أربعة شروط يجب أن تتوفر في الميلشيا والوحدات المتطوعة الأخرى وحركات المقاومة تتمثل في:


أن يقودها شخص مسؤول عن مرؤوسيه

أن تكون لها شارة مميزة محددة يمكن تمييزها عن بعد

أن تحمل الأسلحة جهرا

أن تلتزم في عملياتها بقوانين الحرب وعاداتها


ثالثا- أفراد القوات المسلحة النظامية الذين يعلنون ولاءهم لحكومة أو سلطة لا تعترف بها الدولة الحاجزة


ذكرت الفقرة الثالثة من المادة الرابعة من اتفاقية جنيف الثالثة 1949 فئة جديدة ضمن فئات المقاتلين وتم وصفهم بأفراد القوات المسلحة النظامية الذين يعلنون ولاءهم لحكومة أو سلطة لا تعترف بها الدولة الحاجزة.


رابعا- سكان الأراضي غير المحتلة الذين يحملون السلاح من تلقاء أنفسهم عند اقتراب العدو لمقاومة القوات الغازية دون أن يتوفر لهم الوقت لتشكيل وحدات مسلحة نظامية:


لقد قامت اتفاقية جنيف الثالثة لعام 1949بالاحتفاظ بأسس التفرقة التقليدية بين المقاومة المنظمة وغير المنظمة بحيث لا يتم الاعتراف بالمقاومة الشعبية إلا في حالتين، حالة الغزو وحالة الاحتلال واللتين تعرفان كما يلي:


"الغرو: وهي وصف مؤقت للحالة التي تقوم فيها القوات المسلحة لدولة ما باجتياح إقليم دولة أخرى أو جزء منه على غير إرادتها.


الاحتلال الحربي: الحالة التي ينجم فيها عن الاحتلال غزو القوات المسلحة لدولة ما باجتياح إقليم دولة أخرى أو جزء منه حيثما يتحقق لوجود تلك القوات الغازية نوع من الثبات والسيطرة على الإقليم" ([34]).



المطلب الثاني

تحديد فئات غير المقاتلين في القانون الدولي الإنساني


نبحث في تحديد فئات غير المقاتلين في القانون الدولي الإنساني من خلال تحديد كل من فئة المدنيين في النزاعات المسلحة، وكذلك تحديد فئات غير المقاتلين ممن توقفوا عن القتال لسبب من الأسباب.


الفرع الأول : تحديد فئة المدنيين في النزاعات المسلحة

أولا- تعريف المدنيين


نصت الفقرة الأولى من المادة الثالثة المشتركة بين اتفاقيات جنيف لعام 1949 على معيار عدم المشاركة في العمليات العسكرية كتعريف المدنيين إذ جاء فيها: "


أنهم الأشخاص الذين لا يشتركون مباشرة في الأعمال العدائية.. وبالتالي ينطبق نص المادة على جميع النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية.


كما نصت المادة (50) الفقرة (1) من البرتوكول الإضافي الأول لاتفاقية جنيف لعام 1977، والمعنونة بتعريف الأشخاص المدنيين والسكان المدنيين على أنه:


1- المدني هو أي شخص لا ينتمي إلى فئة من فئات الأشخاص المشار إليها في البنود الأول والثاني والثالث والسادس من الفقرة  من المادة الرابعة من الاتفاقية الثالثة، والمادة 43 من ذلك الملحق (البرتوكول) وإذا ثار الشك حول ما اذا كان شخص ما مدنيا أم غير مدني فإن ذلك الشخص يعد مدنيا. 2- يندرج في السكان المدنيين كافة الأشخاص المدنيين.


2-لا يجرد السكان المدنيون من صفتهم المدنية لوجود أفراد بينهم لا يسري عليهم تعريف المدنيين.


وبالرجوع إلى المادة الرابعة والمادة 43سالفة الذكر، كما سياتي توضيحهما لاحقا؛ يتضح من مفهوم النصوص القانونية أن المدنيين هم كافة الأشخاص الذين لا ينتمون إلى القوات المسلحة.


وتجدر الإشارة إلى أن الحماية التي يكفلها القانون الإنساني للأشخاص تظل قائمة ما لم يشارك الشخص المحمي في العمليات الحربية.



ثانيا- تحديد فئة المدنيين في النزاعات المسلحة


يعد معيار عدم العضوية في القوات المسلحة من أبرز المعايير التي تضمنتها الاتفاقيات الدولية ذات العلاقة لتحديد فئة المدنيين في النزاعات المسلحة الدولية، وقد جاء ذلك المعيار في البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، حيث نصت الفقرة الأولى من المادة (50) منه على أنه: "المدني هو أي شخص لا ينتمي إلى فئة من فئات الأشخاص المشار إليها في البنود الأول والثاني والثالث والسادس من الفقرة  من المادة الرابعة من الاتفاقية الثالثة والمادة 43 من ذلك البروتوكول " ([35]).


وتبعا لذلك وبالعودة إلى نص المادتين الرابعة من اتفاقية جنيف الثالثة والمادة 43 من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 نجد أن المدنيين هم الأشخاص الذين لا ينتمون إلى أحد الفئات التالية:


أفراد القوات المسلحة لأحد أطراف النزاع، والمليشيات أو الوحدات المتطوعة التي تشكل جزءا من تلك القوات المسلحة.

أفراد المليشيات الأخرى والوحدات المتطوعة الأخرى، بمن فيهم أعضاء حركات المقاومة المنظمة، الذين ينتمون إلى أحد أطراف النزاع ويعملون داخل أو خارج إقليمهم، حتى لو كان ذلك الإقليم محتلا على أن تتوفر الأشراط التالية في تلك المليشيات أو الوحدات المتطوعة، بما فيها حركات المقاومة المنظمة المذكورة:

أن يقودها شخص مسؤول عن مرؤوسيه.

أن تكون لها شارة مميزة محددة يمكن تمييزها من بعد.

أن تحمل الأسلحة جهزا.

أن تلتزم في عملياتها بقوانين الحرب وعاداتها.

أفراد القوات المسلحة النظامية الذين يعلنون ولاءهم لحكومة أو سلطة لا تعترف بها الدولة الحاجزة.

سكان الأراضي غير المحتلة الذين يحملون السلاح من تلقاء أنفسهم عند اقتراب العدو لمقاومة القوات الغازية دون أن يتوفر لهم الوقت لتشكيل وحدات مسلحة نظامية شريطة أن يحملوا السلاح جهرا وأن يراعوا قوانين الحرب وعاداتها" ([36]).

الفرع الثاني: تحديد فئات غير المقاتلين ممن توقفوا عن القتال لسبب من الأسباب


يعد من الفئات غير المقاتلين الذين لم يعودوا يشاركون في الأعمال العدائية؛ وهم توقفوا أو عجزوا عن القتال لسبب من الأسباب كالجرح والمرض أو الغرق أو الاسر، وبالتالي يجب التمييز بينهم وبين المقاتلين الفعليين أثناء النزاع المسلح، بمعنى يجوز استهدافهم، حيث نصت الفقرة (2) من المادة 41 من البروتوكول الإضافي لعام 1977 على أنه: "يعد الشخص عاجزا عن القتال إذا:


وقع في قبضة الخصم.

أو أفصح بوضوح عن نيته في الاستسلام.

أو فقد الوعي أو أصبح عاجزا على نحو آخر بسبب جروح، أو مرض ومن ثم غير قادر على الدفاع عن نفسه، شريطة أن يحجم في أي من تلك الحالات عن أي عمل عدائي، وألا يحاول الفرار. ([37])"


النتائج والتوصيات

أولا- النتائج:


تقر كل من الشريعة الإسلامية، والقانون الدولي الإنساني مبدأ التمييز بين المقاتلين وغير المقاتلين كأصل عام في النزاعات المسلحة مهما كان نوعها.

مراعاة الشريعة لمبدأ التمييز بين المقاتلين وغير المقاتلين يدل على سبق الشريعة في إقراره، وأنها الأصل في ذلك، وأن تشريعات القانون الدولي الإنساني المتعلقة بالأمر جاءت تبعا لما أقرته الشريعة.

الاتفاقيات الدولية ذات العلاقة بتحديد قواعد، وسلوك القتال بين المتحاربين لا تخرج عن مقررات الشريعة.

المدنيون في الشريعة الإسلامية هم بشكل عام من لا قدرة لهم على القتال لأي سبب من الأسباب، وكذلك من أظهروا عدم إرادة واضحة للقتال باعتزاله، وتركه كالمنقطعين للعبادة في صوامعهم، أو للتدريس في جامعاتهم، أو للبحث في معاملهم، ومكتباتهم، والجالسين في بيوتهم، والمعارضين السياسيين للحرب، والمسجونين، والتجار ونحو ذلك، وعليه فلا يصح فقها اعتماد معيار من لديه القدرة على القتال وإن لم يقاتل في تصنيف المقاتلين.

إن الأطراف المتحاربة ملزمة بمراعاة المبادئ الأساسية التي تحكم وسائل القتال وسلوكه أثناء النزاعات المسلحة، وذلك من خلال التطبيق الصحيح لتلك المبادئ، وخصوصا مبدأ التمييز من أجل الحماية الإنسانية للمدنيين.


ثانيا: المقترحات


ضرورة التوعية بإلزام أطراف النزاع المسلح باحترام المبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني؛ عن طريق بيانها لوسائل وأساليب القتال بما لا يتجاوز الضرورة العسكرية، وإقرارها أن للإنسان حرمة مصونة لا يجوز خرقها.

ضرورة العمل على ترسيخ واستقرار مبدأ التمييز بين المقاتلين وغير المقاتلين في قواعد القانون الدولي الإنساني من أجل ترشيد آثار الحرب، مما يجعل من الضروري إعادة التأكيد على ذلك المبدأ في اللقاءات والمؤتمرات الدولية، وخاصة المتعلقة بالنزاعات المسلحة بين الدول أو النزاعات المسلحة الداخلية.

التأكيد على أطراف النزاعات المسلحة، بضرورة مراعاة مبدأ التمييز باعتباره قواعد قانونية ملزمة، والتشديد على أن تجاوز تلك القواعد يعد جريمة حرب تقتضي الملاحقة أمام الجهات القضائية الدولية.

ضرورة العمل على حظر أساليب القتال التي تهدد فئات غير المقاتلين؛ باستصدار قوانين دولية تجرم صناعة تلك الأساليب فضلا عن استخدامها.

ضرورة عدم تساهل المجتمع الدولي إزاء أي استهداف لغير المقاتلين في النزاعات المسلحة والتشديد على اعتبارها جريمة حرب ضد من يقترفها من القادة، والجنود وملاحقتهم أمام الجهات القضائية الدولية، وإنشاء محاكم دولية خاصة بذلك.

ضرورة مراجعة الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بالنزاعات المسلحة، والتحديد الدقيق فيها لفئات المقاتلين وغير المقاتلين في الاتفاقيات الدولية ذات الصلة.

ضرورة تعزيز دور اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ومثيلاتها كالهلال الأحمر للقيام بدور نشط أثناء النزاعات المسلحة بتذكير الأطراف المتحاربة بدورهم في احترام مبدأ التمييز.


المراجع

الاتفاقيات الدولية


اتفاقية لاهاي الخاصة باحترام قوانين وأعراف الحرب البرية لعام 1907.

اتفاقية جنيف الأولى، لتحسين حال الجرحى والمرضى والغرقى بالقوات المسلحة في الميدان المؤرخة في 12/أب/.1949

اتفاقية جنيف الثانية، لتحسين حال جرحى ومرضى وغرقى القوات المسلحة في البحار المؤرخة في /12أب/ .1949

اتفاقية جنيف الثالثة، بشأن معالة أسرى الحرب المؤرخة في 12/أب/ 1949.

اتفاقية جنيف الرابعة، بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب، المؤرخة في 12 / أب، .1949

اللحق (البروتوكول) الأول الإضافي إلى اتفاقيات جنيف الأربع، المتعلق بحماية ضحايا النزاعات المسلحة الدولية، لعام 1977.

اللحق (البروتوكول) الثاني الإضافي إلى اتفاقيات جنيف الأربع، المتعلق بحماية ضحايا النزاعات المسلحة غير الدولية، لعام 1977.

الكتب باللغة العربية:


ابن حنبل، أحمد، المسند، تحقيق: أحمد شاكر (القاهرة: دار الحديث، ط 1، 1995م)

ابن ماجه: محمد بن يزيد القزويني، سنن ابن ماجه، تحقيق: الشيخ الألباني (بيروت: دار إحياء الكتب العربية، د.ت)

أبو داود، سليمان بن الأشعث السجستاني، سنن أبى داود، تحقيق: الشيخ شعيب الأرناؤوط (بيروت: دار الرسالة، ط 1 2009 م)

الإمام مالك: مالك بن أنس، الموطأ، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي (بيروت: دار إحياء التراث العربي، ط 1985 م)

البخاري، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، الجامع الصحيح، المحقق: محمد زهير الناصر (بيروت: دار طوق النجاة، ط 1، 1422 هـ)

البيهقي، أحمد بن الحسين بن علي، السنن الكبرى، تحقيق: محمد عطا (بيروت: دار الكتب العلمية، ط 3، 2003 م)

الخرشي، محمد بن عبد الله، شرح مختصر خليل (بيروت: دار الفكر، د. ط، د.ت)

الزحيلي، د. وهبة، آثار الحرب في الفقه الإسلامي دراسة مقارنة (بيروت: دار الفكر، ط 3، 1998 م)

سعد الله، عمر. 2002)). القانون الدولي الإنساني، وثائق وآراء، الطبعة الأولى، دار مجدلاوي، عمان.

الشوكاني، محمد بن علي، نيل الأوطار، تحقيق: عصام صبابطي (القاهرة: دار الحديث، ط 1، 1993 م)

صلاح الدين عامر. (2000) التفرقة بين المقاتلين وغير المقاتلين، دراسات في القانون الدولي الإنساني، الطبعة الأولى، دار المستقبل العربي، القاهرة.

عتلم، حازم محمد. (2002). قانون النزاعات المسلحة الدولية، دار النهضة العربية، القاهرة.

القرافي، أحمد بن إدريس الصنهاجي، الذخيرة (بيروت: دار الغرب، ط 1، 1994 م)

الكاساني، أبو بكر بن مسعود بن أحمد، بدائع الصنائع (بيروت: دار الكتب العلمية، ط 2، 1986 م)

النسفي، عبد الله بن أحمد، تفسير النسفي، المحقق: يوسف بديوي (بيروت: دار الكلم الطيب، ط 1، 1998 م)

المواقع الإلكترونية:


موقع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، المنشورات: بتاريخ 5/7/2015 .https://www.icrc.org/ara/resources/publications

[1] النسفي، عبد الله بن أحمد، تفسير النسفي، المحقق: يوسف بديوي (بيروت: دار الكلم الطيب، ط 1، 1998) م) ج 3، ص .469


[2] البغوي، الحسين بن مسعود، تفسير البغوي، المحقق: عبد الرزاق المهدي (بيروت: دار إحياء التراث، ط 1 1420 هـ) ج 1، ص .236


[3] البخاري، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، الجامع الصحيح، المحقق: محمد زهير الناصر (بيروت: دار طوق النجاة، ط 1، 1422 هـ)، باب قتل النساء في الحرب، ج 4، ص 61، حديث رقم 3015.


[4] ابن ماجه: محمد بن يزيد القزويني، سئن ابن ماجه، تحقيق: الشيخ الألباني (بيروت: دار إحياء الكتب العربية، د.ت)، ج 2، ص 984، باب الغارة والبيات، وقتل النساء، حديث رقم 2842قال الشيخ الألباني: صحيح.


[5] أبو داود، سليمان بن الأشعث السجستاني، سنن أبي داود، تحقيق: الشيخ شعيب الأرناؤوط (بيروت: دار الرسالة، ط 1، 2009 م)، ج 4، ص 256، باب في دعاء المشركين، حديث رقم 2614، قال الشيخ شعيب: حسن لغيره.


[6] البيهقي، أحمد بن الحسين بن علي، السنن الكبرى، تحقيق: محمد عطا (بيروت: دار الكتب العلمية، ط 3، 2003 م)، ج 9، ص 155، باب ترك قتال من لا قتال فيه، حديث رقم 18159.


[7] ابن حنبل، أحمد، المسند، تحقيق: أحمد شاكر (القاهرة: دار الحديث، ط 1، 1995 م )، مسند عبد الله بن عباس، حديث رقم 2728، ج 3 ص 218، قال الشيخ أحمد شاكر: حسن.


[8] البيهقي، ج 9، ص 155، باب ترك قتال من لا قتال فيه، حديث رقم 18160.


[9] الإمام مالك: مالك بن أنس، الموطأ، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي (بيروت: دار إحياء التراث العربي،ط 1985 م)، ج 2، ص 447، باب النهي عن قتل النساء والولدان في الغزو، حديث رقم 10.


[10] الشوكاني، محمد بن علي، نيل الأوطار، تحقيق: عصام صبابطي (القاهرة: دار الحديث، ط 1، 1993 م( ج 7، ص 292.


[11] الكاساني، أبو بكر بن مسعود بن أحمد، بدائع الصنائع (بيروت: دار الكتب العلمية، ط 2، 1986 م)، ج 7، ص 101.


[12] المرجع السابق.


[13] المرجع السابق.


[14] المرجع السابق.


[15] المرجع السابق.


[16] القرافي، أحمد بن إدريس الصنهاجي، الذخيرة (بيروت: دار الغرب، ط 1، 1994 م)، ج 3، ص 399.


[17] المرجع السابق، ج 3، ص 400


[18] الزحيلي، د. وهبة، آثار الحرب في الفقه الإسلامي دراسة مقارنة (بيروت: دار الفكر، ط 3، 1998 م)، ص 408.


[19] القرافي، الذخير، ج 3، ص 398.


[20] المرجع السابق، ج 3، ص399.

[21] الشوكاني، محمد بن علي، نيل الأوطار، تحقيق: عصام صبابطي (مصر: دار الحديث، ط 1 1993) ج 7، ص. 291

[22] الخرشي، محمد بن عبد الله، شرح مختصر خليل (بيروت: دار الفكر، د. ط، د. ت)، ج 3، ص 131.

[23] راجع، البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 الملحق باتفاقيات جنيف الأربعة، منشورات اللجنة الدولية للصليب الأحمر، جنيف، سويسرا، 1977.

[24] راجع، صلاح الدين، عامر، التفرقة بين المقاتلين وغير المقاتلين، دراسات في القانون الدولي الإنساني، الطبعة الأولى، دار المستقبل العربي، القاهرة: 2000، ص 22.


[25] المرجع سابق، ص 122.


[26] موسوعة اتفاقيات القانون الدولي الإنساني، النصوص الرسمية للاتفاقيات والدول المصدقة والموقعة، اتفاقية لاهاي الخاصة باحترام قوانين وأعراف الحرب البرية لعام 1907، المادتين، 1 و 2، منشورات اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الطبعة الثالثة، 2003، ص 7.


[27] المرجع السابق، المادة (4) ص 118.


[28] البرتوكول الإضافي الأول لعام 1977، مرجع سابق، ص 36.

[29] سعد الله، عمر، القانون الدولي الإنساني، الطبعة الأولى، دار مجدلاوي، عمان، 2002، ص 55.

[30] موسوعة الاتفاقيات الدولية، مرجع سابق، ص .118

[31] عتلم، حازم محمد، قانون النزاعات المسلحة، دار النهضة العربية، القاهرة: 2002، ص 321

[32] المرجع السابق، ص 324.

[33] عامر، صلاح الدين، مرجع سابق، ص 126

[34] معجم القانون، مجمع اللغة العربية، القاهرة، 1999، ص590 ، و ص 646.

[35] البرتوكول الإضافي الأول لعام 1977، مرجع سابق، ص 41.

[36] موسوعة الاتفاقيات الدولية، مرجع سابق، ص 118- 119.

[37] البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، المرجع السابق، ص 35.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق