وسائل تطوير آليات احترام القانون الدولي الإنساني
احترام حقوق أسرى الحرب أنموذجا
بقلم الأستاذ / عزوز بن تمسك
كلية الحقوق والعلوم السياسية بسوسة
جامعة سوسة - تونس
ملخص البحث
لطالما أثبتت الحقائق التاريخية أن ظاهرة الحروب ظاهرة ملازمة للبشرية، فبالرغم من أن القانون الدولي المعاصر قد حرم استخدام القوة، أو التهديد باستخدامها ضد السلامة الإقليمية والاستقلال السياسي لأية دولة، بحيث أصبحت قاعدة استخدام القوة المسلحة، في غير الحالات الاستثنائية التي يباح فيها استخدام القوة، قاعدة آمرة لا يجوز مخالفتها، أو الاتفاق على مخالفتها. إلا أن هذا المنع القانوني لا يعني اختفاء الأسباب والمصادر المنتجة للحروب، حيث لازالت الحروب السمة البارزة لواقع العلاقات الدولية، فإذا كانت هذه الأخيرة كذلك، فإن ظاهرة الأسر الحربي هي نتيجة حتمية لكل الحروب، بل إنها تكاد تشكل الجزء الأكبر من الآثار التي تخلفها، إذ استخدم الأسر كوسيلة للحد من قدرة العدو، وإضعافه عن مواصلة القتال ذلك أن الأسير طالما كان محتجزا فهو لا يشكل خطرا على آسريه.
إلا أن الإشكال الذي بقي ملازما لظاهرة الأسر هو النظر إلى الأسرى على أنهم أعداء، ومن ثم كان الأسرى عرضة للقتل، والاستعباد، والتعذيب الوحشي، ومن هنا تبرز قضية حمايتهم كإحدى القضايا الهامة التي استدعت اهتمام القانون الدولي بهم، وتخصيصهم بجملة من القواعد، مسايرة مع تطور الوضع القانوني للفرد بصورة عامة على الصعيد الدولي، وتحسن وضعه يوما بعد يوم في نطاقه، حيث بذلت محاولات عديدة لوضع قيود وضوابط اتفاقية للحد من التعسف الذي يلقاه أسرى الحرب من آسريهم، وتوفير حدود مقبولة من المعاملة الإنسانية.
إن القواعد المكفولة لحماية أسرى الحرب وحقوقهم تظل حبرا على ورق، أي قواعد عديمة الفعالية إذا لم تلحق بآليات لتجسيدها على أرض الواقع. قلا شك أن اكتساب أي نظام قانوني الفعالية المطلوبة منه إنما يرتهن بتطبيق القواعد التي يتضمنها هذا النظام تطبيقا فعليا، فإذا ظلت هذه القواعد دون تطبيق فلن يتسني لها تحقيق الهدف الذي من أجله تمت صياغتها، وهو تحقيق الحماية لهذه الفئة.
فمسألة الحماية إذن لم تعد تطرح ضمن إطارها النظري فقط وإنما صارت تطرح أكثر على الصعيد العملي خصوصا في ظل وجود انتهاكات واسعة لمجمل هذه القواعد من قبل الدول الآسرة. ومن هنا تتجلى أهمية هذه الآليات في بسط الرقابة على تنفيذ هذه الأحكام فإذا لم تفلح هذه الآليات في منع وقوع المخالفة، أو تعمدت الدول الخروج على أحكام الاتفاقيات التي ارتبطت بها، فإنها تعد مسؤولة عن تصرفاتها، وتصرفات قواتها المتحاربة، أي أن تنفيذ قواعد حماية أسرى الحرب وحقوقهم عملية تفترض وجود آليات تؤدي وظيفتها في زمن السلم، أو زمن النزاع، تشترك فيها أطراف عديدة، مطالبة بصفة ملحة بإيجاد وسائل فعالة من شأنها تطوير هذه الآليات.
Abstract
For as long as the historical facts have proved that the phenomenon of war phenomenon inherent to mankind, although the contemporary international law has been denied the use of force, or the threat of force against the territorial integrity or political independence of any state, so that became the base of the use of armed force, in the exceptional cases in which it is permissible to use force, peremptory norm shall not be violated, or to violate the agreement. However, this legal prohibition does not mean the disappearance of the causes and sources producing wars, where still wars prominent of the reality of international relations feature, if the latter were the case, the phenomenon of military families is the inevitable result of both wars, but they hardly constitute the bulk of the effects, as Use the families as a means to limit the ability of the enemy, and weaken continue fighting so that the prisoner had been held as long as it does not pose a threat to his captors.
However, the confusion which has remained inherent in the phenomenon of families is to look at the prisoners as enemies, and then the prisoners vulnerable to murder, enslavement, and brutal torture, hence the issue of protection as one of the important issues that summoned the attention of the international law them, and be engaged in a set of rules, keep pace with the evolution of the legal status of the individual in general on the international level, and improve and put it day after day in its scope, where has made numerous attempts to place restrictions and controls agreement to curb the abuse it receives prisoners of war from their captors, and provide acceptable humane treatment limits.
The rules guaranteed to protect prisoners of war and their rights remain a dead letter, any rules ineffective if you did not catch her portrayal of the mechanisms on the ground. There is no doubt that the acquisition of any required effective legal system but it depends on the application of the rules contained in this system actually applied, if the rules remained without application will not enable them to achieve the goal for which it was formulated, which is to achieve protection for this category.
The question of protection permission is no longer poses within its theoretical framework, but became only put more on the practical level, especially in the presence of massive violations of all of these rules by the family of nations. Hence the importance of these mechanisms in extending its control over the implementation of these provisions if these mechanisms did not succeed in preventing the occurrence of the violation, or countries deliberately go out on the provisions of the conventions associated with them, they are responsible for their actions, and the actions of its forces warring, namely that the implementation of the rules protecting prisoners War and rights process presupposes the existence of mechanisms work in time of peace or in time of conflict, involving many parties, demanding an urgent basis to find effective ways that develop these mechanisms
لطالما أثبتت الحقائق التاريخية أن ظاهرة الحروب ظاهرة ملازمة للبشرية، فبالرغم من أن القانون الدولي المعاصر قد حرم استخدام القوة، أو التهديد باستخدامها ضد السلامة الإقليمية والاستقلال السياسي لأية دولة، بحيث أصبحت قاعدة استخدام القوة المسلحة، في غير الحالات الاستثنائية التي يباح فيها استخدام القوة، قاعدة آمرة لا يجوز مخالفتها، أو الاتفاق على مخالفتها. إلا أن هذا المنع القانوني لا يعني اختفاء الأسباب والمصادر المنتجة للحروب، حيث لازالت الحروب السمة البارزة لواقع العلاقات الدولية، فإذا كانت هذه الأخيرة كذلك، فإن ظاهرة الأسر الحربي هي نتيجة حتمية لكل الحروب، بل إنها تكاد تشكل الجزء الأكبر من الآثار التي تخلفها، إذ استخدم الأسر كوسيلة للحد من قدرة العدو، وإضعافه عن مواصلة القتال، ذلك أن الأسير طالما كان محتجزا فهو لا يشكل خطرا على آسريه.
إلا أن الإشكال الذي بقي ملازما لظاهرة الأسر هو النظر إلى الأسرى على أنهم أعداء، ومن ثم كان الأسرى عرضة للقتل، والاستعباد، والتعذيب الوحشي، ومن هنا تبرز قضية حمايتهم كإحدى القضايا الهامة التي استدعت اهتمام القانون الدولي بهم، وتخصيصهم بجملة من القواعد، مسايرة مع تطور الوضع القانوني للفرد بصورة عامة على الصعيد الدولي، وتحسن وضعه يوما بعد يوم في نطاقه، حيث بذلت محاولات عديدة لوضع قيود وضوابط اتفاقية للحد من التعسف الذي يلقاه أسرى الحرب من آسريهم، وتوفير حدود مقبولة من المعاملة الإنسانية.
وتندرج حماية أسرى الحرب وحقوقهم صلب دائرة اهتمام أحد الفروع الأساسية للقانون الدولي العام هو القانون الدولي الإنساني، هذا الأخير الذي أخذ على عاتقه حماية كل الأنفس البشرية المندمجة بطريقة أو بأخرى في النزاعات المسلحة.
ومفهوم الحماية في نطاق القانون الدولي الإنساني مفهوم واسع، إلا أن ما يمكن قوله في هذا الإطار هو أن الحماية بصورة عامة تعني مساعدة الشخص بوقايته من الاعتداء، أو سوء المعاملة، وتلبية حاجاته إلى الأمان والحفاظ عليه. كما تعني جميع الأنشطة التي ترمي إلى ضمان احترام الحقوق الأساسية للفرد كما هي محددة ضمن قواعد القانون الدولي الإنساني، وعلى ذلك فإن الحماية المتوخاة ليست حماية من عنف الحرب ذاتها، وإنما حماية من السلطة التحكمية التي يكتسبها أطراف النزاع في سياق نزاع مسلح على أشخاص منتمين إلى الطرف الآخر، ذلك أنه وإن تعذر إكساء الحرب بطابع إنساني، فإن القانون الدولي الإنساني المطبق في النزاعات المسلحة يعمل على المفارقة القائمة بين متطلبات السيادة والأمن ومتطلبات حماية الأسير.
ولا تعد مسالة مناقشة موضوع حماية أسرى الحرب في الحقيقة أمرا جديدا، حيث سبق أن تناولت بعض الدراسات القانونية هذا الموضوع في سياق البحوث العامة المتعلقة بالقانون الدولي الإنساني، لكنه لم يحظ بالعناية الكافية من دراسات متخصصة كغيره من المواضيع الأخرى. من جانب آخر، وبالنظر إلى اتساع نطاق النزاعات المسلحة وتناميها
في شتى أصقاع العالم، وكذا ظهور أنواع جديدة من الحروب، كالحرب على الإرهاب، ورفض منح الحماية لبعض المقاتلين من قبل عدد من الدول، وكذلك المعاملة الوحشية والقسوة التي يتعرض لها الأسرى في كثير من المعتقلات المنتشرة في العالم وخاصة في فلسطين والعراق وغيرها، جعل من موضوع حماية أسرى الحرب وحقوقهم في ضوء قواعد القانون الدولي الإنساني يفرض نفسه وبقوة في ظل هذا الواقع.
إن القواعد المكفولة لحماية أسرى الحرب وحقوقهم تظل حبرا على ورق، أي قواعد عديمة الفعالية إذا لم تلحق بآليات لتجسيدها على أرض الواقع. فلا شك أن اكتساب أي نظام قانوني الفعالية المطلوبة منه إنما يرتهن بتطبيق القواعد التي يتضمنها هذا النظام تطبيقا فعليا، فإذا ظلت هذه القواعد دون تطبيق فلن يتسنى لها تحقيق الهدف الذي من أجله تمت صياغتها، وهو تحقيق الحماية لهذه الفئة.
فمسألة الحماية إذن لم تعد تطرح ضمن إطارها النظري فقط، وإنما صارت تطرح أكثر على الصعيد العملي خصوصا في ظل وجود انتهاكات واسعة لمجمل هذه القواعد من قبل الدول الآسرة. ومن هنا تتجلى أهمية هذه الآليات في بسط الرقابة على تنفيذ هذه الأحكام، فإذا لم تفلح هذه الآليات في منع وقوع المخالفة، أو تعمدت الدول الخروج على أحكام الاتفاقيات التي ارتبطت بها، فإنها تعد مسؤولة عن تصرفاتها، وتصرفات قواتها المتحاربة، أي أن تنفيذ قواعد حماية أسرى الحرب وحقوقهم عملية تفترض وجود آليات تؤدي وظيفتها في زمن السلم، أو زمن النزاع، تشترك فيها أطراف عديدة، مطالبة بصفة ملحة بإيجاد وسائل فعالة من شأنها تطوير هذه الآليات.
وتأسيسا على ما سبق قوله، فان إشكالية البحث تكون كالآتي:
ما هي وسائل تطوير آليات احترام حقوق أسرى الحرب؟
إن وسائل تطوير آليات احترام حقوق أسرى الحرب يمكن تصنيفها إلى صنفين:
وسائل وطنية تتصل بالقانون الداخلي للدول الأطراف الموقعة على اتفاقيات جنيف الأربعة الخاصة بالقانون الدولي الإنساني والبروتوكولين الإضافيين (المبحث الأول)، ووسائل دولية تتعلق بمختلف الأجهزة والمنظمات الدولية المشرقة على حسن تنفيذ أحكام القانون الدولي الإنساني (المبحث الثاني).
المبحث الأول
الوسائل الوطنية لتطوير آليات احترام حقوق أسرى الحرب
لا يمكن أن تتحقق الفعالية لأي قاعدة قانونية دولية أيا كانت إلا إذا ارتضت الدول الالتزام بها ورغبت في تنفيذها، ولذا نصت المادة الأولى المشتركة بين اتفاقيات جنيف الأربعة على أن تتعهد الأطراف السامية المتعاقدة بان تحترم هذه الاتفاقيات، وتكفل احترامها في جميع الأحوال. لكن هذا النص لم يضف شيئا جديدا إلى مبادئ القانون الدولي الإنساني لأنه يعد تقريرا لأمر مفترض، وتقريرا لمبدأ الوفاء بالعهد Pacta sunt servanta فالدول مفترض فيها أن تحترم قواعد القانون الدولي الإنساني طالما ارتضت الالتزام به وذلك بالمواقفة على اتفاقيات جنيف الأربعة ويروتوكوليها الإضافيين ([1]).
من جانب آخر، يؤكد الفقه الدولي أن قواعد القانون الدولي الإنساني تندرج في طائفة القواعد الآمرة Jus Cogens التي لا يجوز الاتفاق على ما يخالفها، وهذا ما نصت عليه صراحة المادة 60 من اتفاقية قيينا لقانون المعاهدات لسنة 1969، فبعد أن ذكرت إمكانية التحلل من الالتزامات التي تتضمنها المعاهدات متعددة الأطراف في حال إخلال أحد الأطراف بمخالفة هذه الالتزامات، نصت على أنه يستثنى من ذلك النصوص المتعلقة بحماية الشخصية الإنسانية في القانون الدولي الإنساني ([2]).
ويعد تنفيذ قواعد القانون الدولي الإنساني عن طريق الدول من أهم أنواع الإشراف على تنفيذ أحكام هذا القانون، وهو ما أكد عليه فريق العمل الذي كلفه المعهد البريطاني للقانون الدولي والمقارن سنة 1985 بمناقشة موضوع قانون النزاعات المسلحة، فبعدما أصدر الفريق المجلد الأول المتعلق بدراسة بروتوكولي جنيف لسنة 1977 واتفاقية الأسلحة التقليدية لسنة 1980، نشر أفكاره في مجلد ثان تعرض فيه لمختلف جوانب مشكلة تقيد سلوك الدول بقواعد القانون الدولي الإنساني، وقد ذكر فيه الأستاذ Gearge. H. Aldrikh الأسباب الثلاثة التي تدعو، حسب رأيه، إلى الاستهزاء بهذا القانون وهي:
الجهل بآليات تطبيق القواعد الإنسانية من جانب المسؤولين.
الريبة والسخرية على أساس أن الإخلال بهذه القواعد لا يردع كما ينبغي.
عدم وجود أي آلية فعالة لتنفيذ هذه القواعد تكون مسؤولة عن المراقبة، وإجراء التحقيقات، وتسوية الخلافات.
كما ذكر المؤلف بعد ذلك مختلف الوسائل التي يمكن اللجوء إليها لتلافي هذه العقبات، وشدد بوجه خاص على مسؤولية الدول عن نشر قواعد القانون الدولي الإنساني ومعاقبة أي انتهاك لها ([3]).
كما شدد المؤتمر الدولي لحماية ضحايا الحرب - الذي دعت الحكومة السويسرية إلى عقده في جنيف من 30 أوت إلى الأول من سبتمبر 1993 على ضرورة أن تسعى الدول إلى اعتماد وتنفيذ كافة القواعد والقوانين والإجراءات على المستوى الوطني من أجل تطوير آليات احترام حقوق أسرى الحرب([4]) وذلك عبر الالتزام بالوقاية (المطلب الأول)، والالتزام بالرقابة (المطلب الثاني)، والالتزام بالقمع (المطلب الثالث).
المطلب الأول
الالتزام بالوقاية
المقصود بهذا الالتزام مجموعة الوسائل التي تستخدمها الدول مسبقا لضمان تطبيق أحكام القانون الدولي الإنساني لصالح الضحايا تطبيقا سليما حينما يقتضي الأمر تطبيقها([5]) ويتفرع عن هذا الالتزام أنه يجب على الدول اتخاذ الإجراءات الضرورية للتعريف بقواعد القانون الدولي الإنساني سواء في وقت السلم أو في وقت الحرب وذلك بهدف التعريف بما تضمنته هذه القواعد من حقوق وواجبات ([6])، ومن هنا تلتزم الدول بنشر قواعد حماية حقوق أسرى الحرب باعتبار أن هذه الأحكام هي جزء لا يتجزأ من قواعد القانون الدولي الإنساني (الفرع الأول)، إضاقة إلى ذلك يستوجب على الدول العمل على مواءمة تشريعاتها الداخلية مع ما هو مقرر من أحكام لصالح هذه الفئة ([7]) (الفرع الثاني).
الفرع الأول
الالتزام بنشر المعرفة بآليات احترام حقوق أسرى الحرب
من المعلوم أن نشر القانون الدولي الإنساني والتعريف به يعتبر من الآليات الهامة لتطبيق القانون الدولي الإنساني وتنفيذه على الصعيد الوطني، ذلك أن النشر يترتب عليه إعلام الكافة بمبادئه والتوعية به، فالجهل بالقانون الدولي الإنساني وعدم مراعاته هو على درجة أكبر من الخطورة من الجهل بفروع القانون الأخرى، لأن انتهاكات هذا القانون هي أكبر فداحة من انتهاكات أي قانون آخر، حيث تؤدي هذه الانتهاكات إلى معاناة إنسانية وخسائر في الأرواح البشرية، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، لا يمكن لضحايا النزاعات المسلحة التمسك بحقوقهم والذود عنها ما لم يكونوا على علم بها، وهذا ما يجعل النشر يحظى بأهمية قصوى في مجال القانون الدولي الإنساني([8]).
ومسالة النشر هي مسالة إلزامية وليست اختيارية، حيث وقع التنصيص عليها في مختلف اتفاقيات القانون الدولي الإنساني، بالإضافة إلى تأكيد البروتوكول الإضافي الأول عليها بموجب نص المادة 38 ([9]). كما أبرزت المؤتمرات الدولية للصليب الأحمر مرارا أهمية نشر القانون الدولي الإنساني، ودعت الدول إلى تنفيذ تعهداتها في هذا المجال، وهذا ما قامت به أيضا الجمعية العامة للأمم المتحدة في أكثر من مناسبة من قبيل ذلك القرار 3032 (الدورة27) الصادر في 1972 والقرار 3102 (الدورة 28) الصادر في 1973 ([10]).
وفي سبيل نشر القواعد الخاصة بحماية حقوق أسرى الحرب، ألزمت المادة 127 الدول الأطراف في اتفاقية جنيف الثالثة أن تعمل جاهدة في سبيل نشر أحكام معاملة الأسرى على أوسع نطاق ممكن، وذلك حتى تكون معلومة لدى جميع قواتها المسلحة والسكان المدنيين، بالإضافة إلى إلزام السلطات العسكرية، أو المدنية التي تضطلع بمسؤوليات تجاه أسرى الحرب أن تكون على دراية تامة وكاملة بجميع الأحكام التي تخص هذه الفئة، أي أن الجهات المستهدفة من عملية النشر هي:
1-السلطات العسكرية والمدنية:
حيث أنه يجب على أي سلطة عسكرية كانت أو مدنية، تضطلع بمسؤوليات تجاه أسرى الحرب، أن تكون على إلمام تام بأحكام حمايتهم الواردة في نصوص المواثيق الدولية، ومن ثم يتعين أن يتلقى أولئك الذين يتولون مسؤولية مباشرة على أسرى الحرب تدريبا خاصا بأحكام معاملتهم التفصيلية الواردة في الاتفاقيات الإنسانية، إذ لا تكفي حيازة النصوص فقط، بل يستوجب توفر عنصر التلقين. وعلى سبيل المثال، لا بد لمن يعين قائدا لمعسكر الأسرى أن يكون أكثر إلماما في هذا الشأن بالأحكام التي تخصهم من الجندي العادي، وفي هذا الإطار، تنص المادة 2/127 من اتفاقية جنيف الثالثة على أنه يتعين على السلطات العسكرية أو غيرها التي تضطلع وقت الحرب بمسؤوليات إزاء أسرى الحرب أن تكون حائزة لنص الاتفاقية، وأن تلقن بصفة خاصة أحكامها.
ويؤكد البروتوكول الإضافي الأول على هذا الحكم، بل ويشدد على معناه بعض الشيء بموجب المادة 2/83 حيث يجب على أية سلطات عسكرية أو مدنية تضطلع أثناء النزاع المسلح بمسؤوليات تتعلق بتطبيق الاتفاقيات والبروتوكول الإضافي أن تكون على إلمام تام بنصوص المواثيق الإنسانية ([11]).
2- أفراد القوات المسلحة والسكان المدنيون:
ينطوي القانون الدولي الإنساني على عدد كبير من القواعد التي يتوجب على أفراد القوات المسلحة التقيد بها في ميدان القتال، الأمر الذي يقتضي نشر تلك القواعد في صفوف القوات المسلحة، وبعبارة أخرى فإن وفاء العسكريين بالتزاماتهم يتطلب أن يكونوا على علم بهذه الالتزامات في زمن السلم ([12])، إذ لا يجوز أن يطلب من مقاتل الالتزام بقانون هو لا يعرف شيئا عن أحكامه ([13]). وقد تناولت اتفاقية جنيف الثالثة هذا الحكم حيث ألزمت الدول بإدراج دراسة الاتفاقية ضمن برامج التعليم العسكري وهذا بموجب المادة 127/1، كما أضاقت المادة 87 من البروتوكول الإضافي الأول حكما آخر في نفس السياق، إذ يقع على عاتق القادة التأكد من أن القوات المسلحة الذين يعملون تحت إمرتهم على علم وبينة من التزاماتهم. وعلى هذا الأساس يمكن القول أن الإلمام الجيد بأحكام معاملة أسرى الحرب من طرف القوات المسلحة يمثل عاملا جوهريا في الحيلولة دون وقوع انتهاكات عليهم، وهو الهدف الذي تتوخاه نصوص القانون الدولي الإنساني.
وتتجسد عملية النشر في صفوف القوات المسلحة من خلال عدة وسائل نذكر من بينها:
إصدار نشرات وكتابات إرشادية عسكرية الهدف منها نشر المعرفة بمبادئ وقواعد القانون الدولي الإنساني في صفوف القوات المسلحة.
عقد دورات تدريبية للقوات المسلحة المشاركة في عمليات حفظ السلام، أو مهمات المراقبين الدوليين.
تدريس القانون الدولي الإنساني ومبادئه في الكليات والمعاهد العسكرية والشرطية([14]).
أما قيما يتصل بنشر أحكام القانون الدولي الإنساني بين السكان المدنيين، فيمكن للدول الاستعانة بالجمعيات الوطنية عند الاقتضاء، وبذل جهود لإعداد برامج ومواد تعليمية مخصصة للتعريف بهذه الأحكام خصوصا في أوساط الشباب، وإدراجها في مناهج التعليم الوطني. كما تعد الصحافة، والإذاعة، والتلفزيون وسائل ممتازة لنشر المعرقة بالقواعد الأساسية للقانون الدولي الإنساني بين الجمهور ([15]).
كما تجدر الإشارة إلى أن البروتوكول الإضافي الأول أضاف آليتين جديدتين من أجل نشر أحكام القانون الدولي الإنساني بصفة عامة، وحقوق أسرى الحرب بصفة خاصة، هما:
- المستشارون القانونيون:
نظام المستشارين القانونيين في القوات المسلحة نظام حديث نسبيا، فقد ورد التنصيص عليه لأول مرة في المادة 82 من البروتوكول الإضافي الأول، وبمقتضى هذه المادة فإن المستشارين القانونيين يمكن أن يقدموا إسهامات فعالة في مجال نشر القانون الدولي الإنساني فهم يقومون بإسداء النصح للقادة العسكريين، ويفسرون النصوص القانونية، ويعملون على تحديد كيفية تطبيقها([16]). وتبين المادة أن دور هؤلاء الأشخاص مزدوج: تقديم المشورة للقادة العسكريين بشأن تطبيق الاتفاقيات والبروتوكول الملحق بها، وتقديم المشورة بشان التعليمات المناسبة التي تعطى للقوات المسلحة بخصوص هذا الموضوع([17]).
-العاملون المؤهلون:
دعا البروتوكول الإضافي الأول في الفقرة الأولى من المادة السادسة الأطراف السامية المتعاقدة إلى أن تسعى في زمن السلم لإعداد عاملين مؤهلين بغية تسهيل تطبيق الاتفاقيات، والملحق الإضافي خاصة قيما يتعلق بنشاط الدول الحامية. وعلى الرغم من أنه تم التركيز على العاملين المؤهلين لأجل مساعدة الدول الحامية على أداء واجباتها، وتحقيق الفائدة المرجوة منها في ضمان عدم إغفال أو إهمال تطبيق القانون الدولي الإنساني في بلدانها، إلا أن هذه الفئة يمكن أن تشارك مشاركة قعالة في أنشطة النشر العامة([18])، وذلك بمساعدة السلطات الحكومية عن طريق اقتراح التدابير الوطنية اللازمة لتنفيذ القانون الدولي الإنساني، وفي التعرف على التشريعات الوطنية التي يقتضي القانون الدولي الإنساني وضعها، أو تعديلها بغية المواصلة بينهما وبين القانون الدولي الإنساني، كما يقوم هؤلاء الأشخاص المؤهلون بمتابعة كل ما هو جديد في ميدان القانون الدولي الإنساني في الدول الأخرى، وإبلاغ السلطات المختصة في دولها([19])، وكذلك القيام بمساعدتها في ترجمة الاتفاقيات الدولية التي تندرج في إطار القانون الدولي الإنساني([20]).
الفرع الثاني
الالتزام بمواءمة التشريعات الداخلية
إن التزام الدول بإصدار تشريعات وطنية تعكس احترام التزاماتها التي يفرضها عليها القانون الدولي الإنساني لا سيما في حال السلم، يشمل الانتقال من مرحلة التوقيع والتصديق على نصوص الاتفاقيات، أو الانضمام إليها إلى إعداد نصوص على الصعيد الوطني تتماشى والتزاماتها، وإلى تكييف تشريعاتها الوطنية مع قواعد الاتفاقيات الجديدة التي ارتبطت بها، ويكون ذلك قبل التصد على الاتفاقيات، أو في نفس الوقت مع التصديق، أو في أقرب قرصة بعد هذا التصديق ([21])، وكمثال على ذلك قانون الأحكام العسكرية رقم 25 لسنة 1966 في مصر الذي تضمن أحكام حماية أسرى الحرب على النحو المنصوص عليه في اتفاقية جنيف الثالثة، فضلا عن الحماية للأشخاص عموما سواء بنص الدستور الذي يقرر حماية الإنسان في جسده ومعنوياته أيا كانت جنسيته أو مركزه القانوني، هذا ناهيك عن التطبيق الميداني للقوات المسلحة المصرية لأحكام معاملة أسرى الحرب تطبيقا أشادت به اللجنة الدولية للصليب الأحمر، واعترفت به إسرائيل بالنسبة للمعاملة التي عومل بها أسراها الذين وقعوا في أيدي القوات المسلحة المصرية أثناء العمليات الحربية في شرق قناة السويس، وعلى خط السويس، وعلى خط برليف، والمناطق المحررة من سيناء في حرب أكتوبر سنة 1973([22]).
إن احترام القانون الدولي الإنساني بتنفيذه عن طريق القوانين الداخلية، يمثل وسيلة هامة لتنفيذ هذا الالتزام، غير أن هذه التدابير تبقى وحدها غير كافية ما لم يتم إتباعها بتدابير رقابية وقمعية.
المطلب الثاني
الالتزام بالرقابة
حددت اتفاقية جنيف الثالثة مجموعة من الآليات تضطلع من خلالها الدولة المحاربة بالرقابة على أحكام حماية حقوق أسرى الحرب زمن النزاع المسلح، وتتمثل هذه الآليات في إلزام الدولة المحاربة بإنشاء مكتب رسمي للإعلام عن الأسرى (الفرع الأول)، ومنح الحق لأسرى الحرب في التظلم وتقديم الشكاوى (الفرع الثاني)، إضاقة إلى حقهم في اختيار ممثلين عنهم (الفرع الثالث).
الفرع الأول
الالتزام بإنشاء مكتب رسمي للإعلام عن الأسرى
مكتب الإعلام عن الأسرى هو جهاز متخصص ينشأ لدى كل طرف فور نشوب النزاع وجميع حالات الاحتلال([23])، مهمته جمع البيانات الخاصة بأسرى الحرب، حيث تلتزم الدول المتحاربة أن تقدم إلى مكتب الاستعلام التابع لها البيانات اللازمة بشأن الأسرى الذين وقعوا في قبضة قواتها، وأن تزوده بجميع التفاصيل المتاحة لها، بما يسهل تحديد هوية هؤلاء، وإخطار ذويهم في أقرب وقت ممكن([24]).
ومن بين البيانات التي تلتزم الدول بتقديمها إلى المكتب أسماء الأسرى كاملة، ورتبهم، وأرقامهم بالجيش، وتاريخ ميلادهم، وأماكن اعتقالهم، ونقلهم من مكان إلى آخر، هروبهم، ووفاتهم، ومرضهم، وعلاجهم بالمستشفيات، ومحاكماتهم، والإفراج عنهم، وإعادتهم إلى الوطن، إلى غير ذلك من البيانات التي تخصهم. كما يستوجب على الدولة الآسرة أن تقدم إلى المكتب كافة المعلومات المتعلقة بحالة الأسرى الذين أصيبوا بمرض خطير، أو جرح بليغ أسبوعيا حتى يتمكن المكتب من متابعة الحالة الصحية لهؤلاء ([25]).
هذا، ويعد المكتب مسؤولا عن الإجابة عن جميع الاستفسارات التي ترسل إليه بخصوص الأسرى، بما فيهم الذين قفدوا الحياة خلال الأسر، وعليه إزاء ذلك القيام بالتحريات الضرورية اللازمة للحصول على المعلومات المطلوبة منه إذا لم تتوفر لديه هذه الأخيرة. إضاقة إلى ذلك، مكتب الإعلام تقع عليه مسؤولية جمع كل الأدوات الشخصية ذات القيمة الخاصة بالأسرى بما فيها المبالغ المالية التي تحمل عملة تختلف عن عملة الدولة الحاجزة، والمستندات ذات الأهمية التي يكون قد تركها الأسير الذي أعيد لوطنه، أو أفرج عنه، أو هرب، أو توفي، وإرسال تلك الأشياء إلى الدولة في طرود مختومة مرفقة ببيانات تفصيلية دقيقة ومستوفاة عن شخصية صاحب تلك الأشياء، وقائمة بمحتويات الطرود ([26]).
ويمكن للجمعيات الوطنية للصليب الأحمر والهلال الأحمر المشاركة في إدارة المكتب الوطني للاستعلامات، أو القيام بإدارته وهو ما يتماشى مع مطالبة المؤتمر الدولي التمهيدي للجمعيات الوطنية للصليب الأحمر المنعقد سنة 1946 بان تقوم الجمعيات الوطنية بعمل المكتب الوطني للاستعلامات ([27]).
وقد نفذت بعض الدول بالفعل الأعمال التحضيرية لإنشاء المكتب بان أسندت إلى الجمعية الوطنية مهمة إدارة هذا المكتب، حيث كلفت السلطات الإيرانية الجمعية الوطنية بإدارة المكتب الوطني للاستعلامات الذي نظم بمقر الجمعية بطهران، وعمل في تعاون مع الوكالة المركزية للبحث عن المفقودين التابعة للجنة الدولية بمتابعة حالات الأسرى لدى كل من إيران والعراق، إذ تم تبادل 21 مليون رسالة منذ بداية الحرب سنة 1980حتى نهايتها سنة 1989 في الاتجاهين بين إيران والعراق ([28]).
الفرع الثاني
الحق في التظلم وتقديم الشكاوى
نصت على هذا الحق المادة 78 من اتفاقية جنيف الثالثة، وبموجبها يحق للأسرة تقديم الشكاوى بخصوص أي مساس، أو خروج عن الأحكام المتعلقة بنظام الأسر، وتوجه هذه الشكاوى إما مباشرة للسلطات العسكرية للدولة الآسرة الموجودين تحت سلطتها، أو توجه مباشرة، أو عن طريق ممثلين عنهم إلى ممثلي الدولة الحامية. ويعد حق تقديم الشكاوى حقا مطلقا، ذلك أن هذه الشكاوى لا تخضع لأي تقييد كمي، كما أنه لا توقع عقوبات على مقدميها إذا كانت غير مؤسسة.
الفرع الثالث
حق الأسرى في اختيار ممثلين عنهم
تم إقرار هذا الحق ضمن المادة 79 من اتفاقية جنيف الثالثة، وبموجبها تسمح السلطات الحاجزة للأسرى باختيار ممثلين عنهم أمام السلطات العسكرية، والدول الحامية، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، وأية هيئة أخرى تعاونهم.
ويقوم الأسرى باختيار ممثليهم بحرية بالاقتراع السري كل ستة أشهر، شريطة اعتماد نتائج الانتخاب عن طريق الدولة الحاجزة، وفي حال رفض هذه الدولة اعتماد انتخاب أحد الأسرى ممثلا لزملائه، فإنه يستوجب عليها إبلاغ الدولة الحامية عن الأسباب المؤدية للرفض. أما بخصوص معسكرات الضباط الأسرى ومن في حكمهم في المعسكرات المختلطة، فإن أقدم الضباط هو الذي يكون ممثلا عن الأسرى. أما بالنسبة لمعسكرات العمل، فيجوز للأسرى انتخاب ممثلين من بين الضباط الذين توكل لهم مهمة إدارة المعسكر ([29]).
وفي جميع هذه الحالات يجب أن يكون ممثل الأسرى متمتعا بجنسية من يمثلهم، عالما بلغتهم، مدركا لعاداتهم. واستنادا إلى ذلك، يكون لكل مجموعة من الأسرى موزعة على أقسام المعسكر المختلفة وفقا لجنسيتهم، ولغتهم، وعاداتهم الحق في اختيار من يمثلهم ممن يشترك معهم في الجنسية، واللغة، والعادات حتى يكون أقدر على تفهم حاجاتهم، والعمل على تحقيق مطالبهم. وبصوره عامة، تتمثل مهام ممثلي الأسرى في تحسين حالة زملائهم الأسرى البدنية، والمعنوية، والذهنية ([30]). وفي المقابل، تلتزم الدولة الآسرة بمنح كافة التسهيلات المادية لهم، وبالخصوص الحرية في التنقل بالقدر اللازم لأداء المهام الموكولة لهم ([31]).
إن منح أسرى الحرب الحق في اختيار من يمثلهم، وحقهم في تقديم الشكاوى يعد عاملا مهما في تنفيذ جانب من جوانب الامتيازات الممنوحة لهم، هذا فضلا على أنه يعد سبيلا هاما في الكشف عن أي مخالفات قد ترتكب ضدهم، وبالتالي وضع حد لهذه المخالفة في أقرب وقت، وبأسرع وسيلة ممكنة.
المطلب الثالث
الالتزام بالقمع
بما أن الأطراف السامية تلتزم التزاما دائما باحترام الاتفاقيات التي وافقت عليها ووقعتها، فإن الضرورة الواضحة بجلاء تقتضي أن تتخذ تلك الأطراف التدابير اللازمة لتأمين احترام القانون لاسيما في حالة النزاع. وإزاء النظام العالمي الراهن، لا بد لأي نظام قانوني من الاعتماد على حسن نوايا الأطراف، ورغبتها في تطبيق هذا القانون، ولكن لا يمكن أن يتوقع من أحد أن يفعل المستحيل، فلا يمكن استبعاد إمكانية، أو فرضيه وقوع الانتهاكات أيا كانت درجة كفاءة وفعالية عملية التدريب والنشر. من هنا، يخصص القانون الدولي الإنساني جزءا مهما من أحكامه لقمع المخالفات الجسيمة التي ترتكب ضد الفئات المحمية على أساس أن العفوية هي جزء من كل بنيان قانوني متماسك، وأن التهديد بفرض العقوبة هو عنصر رادع لمرتكبيها ([32]).
وقد جسدت المادتان 129 و130 من اتفاقية جنيف الثالثة هذا المعنى، حيث ألزمت الدول باتخاذ الإجراءات الكفيلة بقمع الجرائم الواقعة ضد أسرى الحرب. ويعد هذا الالتزام التزاما مطلقا ينبغي أن لا يؤثر عليه شيء، ولا حتى اتفاق يبرم بين الأطراف المعنية ([33]). هذه الإجراءات الخاصة بالقمع تتمثل في الالتزام باتخاذ التدابير التشريعية اللازمة لقمع الجرائم المرتكبة على أسرى الحرب (الفرع الأول)، والالتزام بملاحقة مرتكبي المخالفات الجسيمة (الفرع الثاني).
الفرع الأول
الالتزام باتخاذ التدابير التشريعية اللازمة لقمع الجرائم المرتكبة على أسرى الحرب
ألزمت المادة 129من اتفاقية جنيف الثالثة الدول الأطراف بوضع التشريعات اللازمة لفرض عقوبات على كل من يرتكب، أو يأمر بارتكاب المخالفات الجسيمة ضد أسرى الحرب ([34])، والتي تكفلت المادة 130 من الاتفاقية بتعدادها، وتتمثل هذه المخالفات فيما يلي:
أفعال القتل العمد.
التعذيب أو المعاملة اللاإنسانية، بما في ذلك التجارب الخاصة بعلم الحياة، وتعمد إحداث آلام شديدة، أو الإضرار الخطير بالسلامة البدنية، أو بالصحة.
إرغام أسير الحرب على الخدمة في القوات المسلحة بالدولة المعادية.
حرمان أسير الحرب من أن يحاكم بصورة قانونية، ويدون تحيز وفقا للتعليمات الواردة في اتفاقية جنيف الثالثة.
وأضاقت المادة 85 من البروتوكول الإضافي الأول إلى ذلك التأخير غير المبرر في إعادة الأسرى إلى أوطانهم.
إن هذه المخالفات الجسيمة هي بمثابة جرائم حرب ([35])، وهو ما نص عليه البروتوكول الإضافي الأول في الفقرة الأخيرة من نص المادة 85ويرجع سبب تسميتها بالمخالفات الجسيمة في الاتفاقيات بدلا من جرائم الحرب إلى أن لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة لم تفرغ بعد في ذلك الوقت، أي سنة 1949 من دراسة موضوع جرائم الحرب ([36]).
ما يلاحظ هو أن قواعد القانون الدولي الإنساني قد اختصت بتعريف هذه الجرائم وتحديد عناصرها تاركة للمشرع الوطني الالتزام بتقرير العقوبات الملائمة لها في التشريعات الوطنية ([37]). إن هذه الأفعال المجرمة التي سبقت الإشارة إليها تتحمل الأطراف المتعاقدة مسؤولية إدراجها ضمن التشريع الوطني ([38])، ويكون للمشرع الوطني في سبيل تحقيق ذلك عدة خيارات:
تطبيق القانون العسكري القائم، أو القانون الجنائي العادي للبلد المعني باعتبار هذا الخيار يتفق مع الرأي القاتل بان قانون العقوبات النافذ بالفعل ينص على عقوبات مناسبة للأفعال الإجرامية التي تشكل انتهاكا خطيرا للقانون الدولي الإنساني، وأن الحاجة ليست قائمة إذن للنص على تجريمها تحديدا باعتبار أن القانون الدولي له الأسبقية على القانون الوطني، ومن هنا يجب تفسير التشريع الوطني وفقا لأحكام القانون الدولي.
التجريم العام في القانون الوطني وذلك بإدراج مادة تحيل على الأحكام ذات الصلة في القانون الدولي الإنساني، أو الاتفاقيات الإنسانية.
التجريم الخاص بإدراج الأفعال المجرمة في القانون الوطني، إما بنقل القائمة كاملة إلى القانون الوطني بنفس العبارة الواردة فيها في الاتفاقية مع إيراد العقوبات التي تنطبق عليها، وإما عن طريق إعادة التعريف، أو الصياغة بصورة منفصلة لمواصفات السلوك التي تشكل جرائم في القانون الوطني.
خليط من الخيارات السابقة، أي الجمع بين التجريم العام والتجريم الصريح والمحدد لبعض الجرائم الخطيرة. وإجمالا يتخذ التجريم العام طابعا تكميليا إذ أنه يتعلق بالأفعال التي لم يتم تجريمها على نحو محدد وإخضاعها للعقاب وفقا لمبدأ الخاص يقيد العام ([39]).
الفرع الثاني
الالتزام بملاحقة مرتكبي المخالفات الجسيمة
بمقتضى المادة 129 من اتفاقية جنيف الثالثة تتعهد الدول بالبحث عن مرتكبي المخالفات الجسيمة المرتكبة ضد أسرى الحرب، وتقديمهم للمحاكمة أمام محاكمها الوطنية، أو تسليمهم لدولة أخرى. وهذا الالتزام لا يقع على أطراف النزاع فقط، وإنما على جميع الأطراف المتعاقدة ([40])، أي أن هذا الالتزام يقضي أن يقوم الطرف المتعاقد الذي يلقي القبض على المتهمين باقتراف المخالفات الجسيمة بمحاكمتهم أمام محاكمه الوطنية، وله أيضا وطبقا لأحكام تشريعية أن يسلمهم إلى طرف متعاقد لمحاكمتهم شريطة أن تتوفر لدى هذا الطرف الآخر أدلة اتهام كافية ضد هؤلاء الأشخاص ([41]).
ورغم أن الأصل هو عدم سريان التشريعات الجنائية للدولة إلا على الجرائم التي ترتكب على إقليمها، أو التي يرتكبها رعاياها، إلا أن القانون الدولي الإنساني يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، إذ يفرض على الدول واجب ملاحقة أي شخص ارتكب انتهاكا جسيما، وتوقيع العقاب عليه بصرف النظر عن موقع حدوث الجريمة، وجنسية مقترفها، وهو ما يعرف "بالولاية القضائية العالمية" Universal Jurisdiction. ويبرز هذا الحكم المسؤولية العامة للمجتمع الدولي في مكافحة الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني. غير أنه لا اتفاقيات جنيف ولا البروتوكولان الإضافيان يستبعدان إمكانية تكليف محكمة دولية للقضاء الجزائي بهذه المهمة ([42]). إن الهدف من الاختصاص العالمي هو حرمان المتهمين باقتراف الجرائم الخطيرة التي تعتبر إهانة للمجتمع الدولي ككل من الحصول على ملاذ آمن. وينبغي الإشارة في هذه النقطة إلى أن جميع اتفاقيات جنيف لعام 1949 والملحق الإضافي لها، بالإضافة إلى اتفاقية مكافحة التعذيب تنص جميعها على وجوب التزام الدول الأطراف في هذه المعاهدات بالاختصاص القضائي العالمي.
ومع ذلك، ينبغي من الناحية العملية الوفاء بالعديد من الشروط قبل إقامة الدعوى القضائية بصورة فعلية في أي دولة أخرى. ففي البداية، ستكون هناك حاجة في معظم الأحوال إلى تشريع محلي نظرا لتردد القضاة الوطنيين في الالتزام بتطبيق الاختصاص العالمي ما لم ينص القانون المحلي على ذلك. ولسوء الحظ، لم يتخذ هذه الخطوة سوى عدد قليل من الدول حتى الآن. وتعد بلجيكا من الدول الرائدة في هذا المجال، حيث يسمح قانون الاختصاص القضائي العالمي فيها الصادر سنة 1993 بصيغته المعدلة الصادرة سنة 1999 بممارسة المحاكم البلجيكية للاختصاص القضائي العالمي فيما يتعلق بجرائم الحرب حتى في حالة عدم وجود المتهم بالإقليم البلجيكي، ولا يسمح القانون بالتذرع بالحصانة الرسمية لمنع تطبيقه ([43]).
والجدير بالذكر أن البروتوكول الإضافي الأول أضاف آلية أخرى لقمع الانتهاكات، حيث ألزمت المادة 87 الأطراف السامية المتعاقدة، وأطراف النزاع تكليف القادة العسكريين بمنع الانتهاكات الواقعة على الاتفاقيات والبروتوكول، وإذا لزم الأمر بقمعها، وإبلاغ السلطات المختصة وذلك فيما يتعلق بأفراد القوات المسلحة الذين يعملون تحت إمرتهم. وأضاقت أيضا أنه يجب على كل قائد كل حسب رتبته، أن يكون على بينة من أن بعض مرؤوسيه، أو أي أشخاص آخرين خاضعين لسلطته على وشك أن يقترفوا انتهاكات للاتفاقيات أو البروتوكول الإضافي، وبالتالي فهو مطالب بتطبيق الإجراءات اللازمة لمنع هذه الخروق ([44]).
المبحث الثاني
الوسائل الدولية لتطوير آليات احترام حقوق أسرى الحرب
إن الأسرى في النزاع يعتبرهم آسروهم أعداء، ولهذا فهم بحاجة إلى تدخل كيان مستقل ومحايد لضمان معاملتهم معاملة إنسانية، وتأمين احتجازهم في ظروف مقبولة وقد تكفلت قواعد القانون الدولي الإنساني بتحديد هذه الكيانات فنجد الوكالة المركزية للإعلام عن الأسرى (المطلب الأول)، واللجنة الدولية للصليب الأحمر (المطلب الثاني)، والدولة الحامية (المطلب الثالث)، والدولة المحايدة (المطلب الرابع).
المطلب الأول
الوكالة المركزية للإعلام عن الأسرى
الوكالة المركزية للإعلام عن الأسرى هي جهاز دولي وظيفته الأساسية تجميع كافة البيانات الخاصة بأسرى الجانبين المتحاربين. ويتعين على الدول المعنية إنشاء تلك الوكالة في دولة محايدة. ويلاحظ أن هيئة الصليب الأحمر الدولية تأخذ زمام المبادرة في إنشاء تلك الوكالة، وذلك بتدخلها لدى الدول المعنية، وعرض خدمات الهيئة المساهمة في تشكيل وتنظيم تلك الوكالة، الأمر الذي يكون له أثر كبير في تسهيل إنشائها ونجاح أعمالها ([45]).
ويمكن للوكالة المركزية للإعلام عن الأسرى الحصول على المعلومات بالطرق إما الرسمية وإما الخاصة، وتكلف هذه الأخيرة بنقل هذه المعلومات بأسرع ما يمكن إلى بلد منشأ الأسرى، أو الدولة التي يتبعونها ([46])، وفي هذه الحالة يجب على أطراف النزاع تقديم جميع التسهيلات اللازمة لنقل هذه المعلومات، وتقديم الدعم المالي الذي تحتاجه ([47]).
وعلى أي حال، فإنه ورغم أن جهد هذه الوكالة ينحصر في النطاق الإعلامي البحت، إلا أنه من جهة أخرى يعتبر مرآة تعكس بوضوح ظروف وأحوال الأسرى على نحو يدعو كل دولة محاربة إلى متابعة أسراها لدى دولة العدو، ومراقبة سلوكها نحوهم من واقع حالاتهم التي تعلنها الوكالة، وهو ما يمثل ضمانة لكفالة تطبيق أحكام معاملة أسرى الحرب الواردة في النصوص القانونية على الوجه الأكمل والسليم.
المطلب الثاني
اللجنة الدولية للصليب الأحمر
منذ نشأتها ارتبطت اللجنة الدولية للصليب الأحمر على نحو وثيق بتطور القانون الدولي الإنساني، فمنذ اعتماد اتفاقية جنيف الأولى لسنة 1864والخاصة بتحسين أحوال الجرحى والمرضى في الميدان، كرست جهودها لإنماء هذا القانون في ضوء تطور النزاعات، ويعكف خبراؤها القانونيون على تطويره، والإسهام في نشره ([48]).
بيد أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر تسعى أيضا نحو إنفاذ القانون الدولي الإنساني بتوفير الحماية والمساعدة لضحايا النزاعات، والواقع أنه يتعين عليها الاضطلاع بالمهام الموكلة إليها بموجب اتفاقيات جنيف، والعمل على التطبيق الدقيق لقواعدها، وتلقي أي شكاوى بشأن الانتهاكات المزعومة لها، والسعي في جميع الأوقات كمؤسسة محايدة تمارس نشاطها الإنساني بصفة خاصة في وقت النزاعات المسلحة لتامين الحماية لضحايا هذه الأحداث. لنلك، فان دراستنا لهذا الكيان ستتعرض إلى تاريخ نشأة اللجنة الدولية للصليب الأحمر (الفرع الأول)، والتعريف بها (الفرع الثاني)، واستعراض دورها في الإشراف على تنفيذ القواعد الخاصة بحماية أسرى الحرب (الفرع الثالث).
الفرع الأول
نبذة تاريخية حول نشأة اللجنة الدولية للصليب الأحمر
يعود الفضل في نشأة اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى رؤية وإصرار المواطن السويسري هنري دونان بعد مشاهدته لمعركة من أبشع الحروب هي موقعة سولفارينو بشمال إيطاليا، حينما اشتبك الجيشان النمساوي والفرنسي في معركة ضارية، ويعد 16 ساعة من القتال غصت ساحة القتال بأجساد 40 ألفا من القتلى والجرحى، وقد تركوا يعانون بلا معين بسبب ندرة الخدمات الطبية. وإزاء ذلك وجه نداء إلى السكان المحليين طالبا منهم مساعدته على رعاية الجرحى ملحا على واجب العناية بالجنود الجرحى من كلا الجانبين على حد سواء. ويعد عودته إلى سويسرا كتب هنري دونان مذكرات سولفارينو المنشورة سنة 1863. وفي تلك السنة أسس دونان اللجنة الدولية لإغاثة الجرحى مع أعضاء آخرين هم جوستاف موانيه، غيوم هنري دوقور، لوي أبيان، وتثيبودور مونوار. وفي سنة 1867 أطلق عليها اسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر ([49]).
وبناء على دعوى من اللجنة، أوقدت 16 دولة و4 جمعيات إنسانية ممثلين لها إلى المؤتمر الدولي الذي افتتح في جنيف يوم 26 أكتوبر 1863 والذي اعتمد الشارة المميزة، شارة الصليب الأحمر على أرضية بيضاء والتي ولدت من خلاله مؤسسة الصليب الأحمر.
ومن أجل إضفاء الطابع الرسمي على حماية الخدمات الطبية في ميدان القتال، والحصول على اعتراف دولي بالصليب الأحمر ومثله العليا، عقدت الحكومة السويسرية مؤتمرا دبلوماسيا في جنيف سنة 1864 شارك فيه ممثلو 12 حكومة اعتمدوا معاهدة بعنوان اتفاقية جنيف لتحسين حال جرحى الجيوش في الميدان التي غدت أولى معاهدات القانون الدولي الإنساني. وعقدت مؤتمرات أخرى لاحقة وسعت من نطاقه ليشمل فئات أخرى من الضحايا. وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية عقد مؤتمر دبلوماسي دامت مداولاته 4 أشهر اعتمدت على إثره اتفاقيات جنيف الأربعة لسنة 1949([50]).
الفرع الثاني
التعريف باللجنة الدولية للصليب الأحمر
تعد اللجنة الدولية للصليب الأحمر مؤسسة إنسانية مستقلة خاصة ذات طابع دولي لا بسبب تركيبها، وإنما بسبب المهام التي تقوم بها، معترف بمهامها الدولية من قبل اتفاقيات جنيف الأربعة والبروتوكولين الإضافيين، ولذا فإنها تتمتع بحصانات دبلوماسية الطابع بموجب هذه الاتفاقيات، وكذلك بموجب اتفاقيات خاصة تعقد بينها وبين الحكومات المختلفة كما هو منصوص عليه بالمادة الخامسة من النظام الأساسي للحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر. كما تعتبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر من أشخاص القانون السويسري من حيث نظامها الأساسي، ومن حيث العضوية البالغ عددها 25 عضوا جميعهم من الجنسية السويسرية ([51]).
يتم تمويل ميزانيتها من ثلاث مصادر، الدول الأطراف في اتفاقيات جنيف والبروتوكولين الإضافيين، الجمعيات الوطنية للصليب الأحمر والهلال الأحمر، وإيرادات مالية مختلفة منها الصناديق الدولية والتبرعات والوصايا ([52]).
وينسب إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر تأسيس الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر ([53])، هذه الأخيرة هي منظمة إنسانية مهمة على الصعيد الدولي، تنشط منذ إنشائها في مجال القانون الدولي وتحديدا في مجال القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، غير أن اهتمامها بالفرع الأخير بدأ خلال العقد الأخير من القرن العشرين، بينما كان الفرع الأول جزءا من عملها على الدوام، ومن ناحية أخرى، فقد تطورت مهام هذه الحركة عبر الزمن، حيث أصبحت أنشطتها اليوم تتم في زمن السلم والحرب على السواء، وتحول من مجرد محاولة التخفيف من حدة آلام الإنسان إلى السعي لتلافيها ([54]).
وتتألف الحركة إضافة إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر من الجمعيات الوطنية للصليب الأحمر والهلال الأحمر ومن الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر.
فالجمعيات الوطنية للصليب الأحمر والهلال الأحمر، وبحسب النظام الأساسي للحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر، هي تنظيمات وطنية مستقلة، تستمد مشروعية نشاطها من القوانين والأنظمة الأساسية المنشئة لها، وتشكل هذه الجمعيات قاعدة الحركة والمحرك الحيوي لها، وتضطلع بمهامها الإنسانية تبعا لاحتياجات السكان في كل بلد، وتساهم مع السلطات العامة في الوقاية من الأمراض، وتعزيز الصحة، وتخفيف المعاناة البشرية من خلال برامجها الخاصة لمنفعة المجتمع في مجالات عديدة مثل التثقيف، والصحة، والرعاية الاجتماعية ([55])، كما أنها تضطلع مع الأجهزة المعنية في بلادها بالتعاون مع بقية عناصر الحركة الدولية بحماية ومساعدة ضحايا النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية، وضحايا الكوارث الطبيعية. وقد بلغ عدد الجمعيات الوطنية للصليب الأحمر والهلال الأحمر 150 جمعية حتى بداية سنة 1982([56]).
أما بالنسبة للاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر فهو منظمة إنسانية ليس لها طابع حكومي، أو سياسي، أو عرقي، أو مذهبي، يتمتع بالشخصية القانونية الدولية، يتألف من هيئة عامة، ومجلس تنفيذي، وأمانة عامة ([57]). وتنحصر مهام الاتحاد الدولي في تنسيق المساعدات الدولية المقدمة من الجمعيات الوطنية إلى ضحايا الكوارث، وتشجيع وتعزيز إنشاء الجمعيات الوطنية وتنميتها، ثم في العمل كجهاز دائم للاتصال والتنسيق، والدراية في خدمة الجمعيات الوطنية ([58]).
إن اللجنة الدولية، والاتحاد الدولي، والجمعيات الوطنية كيانات مستقلة لكل منها نظامه الأساسي الخاص به، وليس لأحدها سلطة على الآخر، تجتمع هذه المؤسسات معا كل سنتين في إطار مجلس المندوبين، كما تجتمع من حيث المبدأ مرة كل أربع سنوات مع ممثلي الدول الأطراف في اتفاقيات جنيف وذلك في إطار المؤتمر الدولي للصليب الأحمر والهلال الأحمر ([59]).
ووفقا للنظام الأساسي للحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر الذي اعتمده المؤتمر الثالث عشر في لاهاي سنة 1928، ونقحه المؤتمر الثامن عشر في تورونتو سنة 1952، وكما نقحه من ثم المؤتمر الخامس والعشرون في جنيف سنة 1986، يتألف المؤتمر الدولي من وفود اللجنة الدولية للصليب الأحمر، والاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، علاوة على وفود ما يزيد على 160 جمعية للصليب الأحمر أو الهلال الأحمر المعترف بها، وممثلي أكثر منه 180 دولة طرفا في اتفاقيات جنيف. ولكل من هؤلاء الأعضاء حق التصويت، وله صوت واحد. وفضلا عن ذلك يجوز للمراقبين حضور المؤتمر دون أن يكون لهم حق التصويت، وهم يمثلون أكثر من 60 منظمة حكومية أو غير حكومية، إقليمية أو دولية، تقيم علاقة عمل مع الحركة، أو تهتم اهتماما خاصا بالمشكلات الإنسانية، أو بالقانون الإنساني، وتدعى إلى حضور المؤتمر أيضا بصفة مراقب الجمعيات الوطنية التي لم يعترف بها بعد ([60]).
ويعد المؤتمر الدولي أعلى سلطة في حركة الصليب الأحمر والهلال الأحمر، ولكن قراراته غير ملزمة، وله وحده حق تعديل دستور الصليب الأحمر وتفسيره، وليس من شأنه التعرض للجوانب السياسية وذلك ليكون غير منحاز في أعماله. والمؤتمر ليس منظمة دولية حكومية كما هو منصوص عليه بالمادة الثامنة من النظام الأساسي. وتدير أعمال المؤتمر لجنة دائمة تتألف من 9 أعضاء يتم انتخابهم في دورة عمل المؤتمر، ويجب أن يكون اختيارهم مبنيا على الكفاءة. وتمارس اللجنة مهمة مكتب تنسيق داخل الحركة الدولية خاصة بين الجمعيات الوطنية والفيدرالية ([61]). وهكذا تبدو الحركة الدولية الدولية بمؤسساتها، وفي مقدمتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر بمثابة منظمة دولية تتولى إدارة مرفق عام دولي هو حماية ضحايا النزاعات المسلحة والكوارث البشرية الطبيعية ([62]).
الفرع الثالث
دور اللجنة الدولية للصليب الأحمر في الإشراف على تنفيذ القوات الخاصة بحماية حقوق أسرى الحرب
في واقع الأمر انتهجت اللجنة الدولية للصليب الأحمر منذ اندلاع الحرب الفرنسية الروسية سنة 1870 منهجا جديدا فقدمت خدمات جليلة للأسرى، متجاوزة بذلك المهمات التي كان مؤتمر برلين قد خصصها لمكتب الاستعلامات عن الأسرى، بالتنصيص على أن تسهر اللجنة الدولية في حالة الحرب على أن ينشأ في كل مكان مختار على الوجه المناسب مكتب للمراسلات والمعلومات يسهل بكل الوسائل تبادل المخابرات بين اللجان ومواد الإغاثة. إن هذا الأمر قرض ضرورة مناقشته، ذلك أن هذا النشاط الجديد كان فيه إعادة توجيه للحركة برمتها، فالصليب الأحمر لم يكن يهتم حتى ذلك الوقت سوى بالعسكريين الجرحى أو المرضى، ومن ثم تم تناول دور الصليب الأحمر في مساعدة أسرى الحرب من خلال المؤتمر الدولي السابع الذي عقد في سان بترسبورغ سنة 1902 وتناول المشاركون فيه تلك المسالة بالارتباط باللائحة المتعلقة بقوانين وأعراف الحرب البرية التي كان مؤتمر السلام الأول قد اعتمدها في لاهاي سنة 1899. ورأت اللجنتان المركزيتان أن بإمكان الصليب الأحمر وحده أن يؤدي المهمات المنصوص عليها في لائحة لاهاي، وتخليص أسرى الحرب من الإهمال والانعزال اللذين كانا جزاء الأسر في كل الأزمنة.
ومن أجل تحقيق ذلك الغرض كان من المقترح أن تلحق بكل جمعية وطنية مكلفة بإغاثة أسرى الحرب لجنة خاصة يمكن لها أن تستفيد من تنظيم الجمعية واتصالاتها، ولما كان ذلك المقترح يؤدي إلى إعادة توجيه الصليب الأحمر أساسا، فقد قرر المؤتمر تأجيل فحصه إلى مؤتمر لاحق. ومن ثم طرحت المسالة على المؤتمر الدولي الثامن للصليب الأحمر الذي عقد في لندن سنة 1907، غير أن حدثين جديدين وقعا في غضون ذلك، فمن جهة كانت الجمعيات الوطنية قد - حاسبت نفسها - وقررت أغلبيتها العظمى أن تتكفل بمساعدة أسرى الحرب، ومن جهة أخرى، شرع الصليب الأحمر الروسي والصليب الأحمر الياباني في إغاثة الأسرى الأصحاء علاوة على العسكريين الجرحى أو المرضى إبان النزاع الروسي الياباني. وأدى المكتبان الوطنيان المخصصان للإعلام عملهما حسبما هو منصوص عليه في المادة 14 من لائحة لاهاي ليحسم المسالة المؤتمر الدولي التاسع للصليب الأحمر المنعقد في واشنطن سنة 1912 الذي قرر أن يتكفل الصليب الأحمر بالمهمات المعهود بها إلى جمعيات إغاثة الأسرى المنصوص عليها في لائحة لاهاي ([63]).
إن هذا القرار الذي اعترف فيه باختصاص الصليب الأحمر بمساعدة أسرى الحرب أدى إلى توجيه المؤسسة نحو سبل جديدة أضفت على عملها أهمية لا سابق لها، فقد أضحت اللجنة الدولية بناء على هذا القرار مختصة بزيارة الأسرى، وتزويدهم بمواد الإغاثة، وكلفت بمهمات لا تتعلق بمجرد الاتصال، وأضحت في الحقيقة المحرك الأساسي لعملية مساعدة أسرى الحرب. وكما هو معروف، تطور عمل اللجنة الدولية إبان الحرب العالمية الأولى حيث قام مندوبوها بأكثر من 500 زيارة في معسكرات الأسرى، وأشرقت اللجنة على تسيير ما يزيد على 1800 حافلة من حافلات شحن مواد
الإغاثة، وأسهمت إسهاما حاسما في ترحيل الأسرى إلى أوطانهم بعد نهاية الحرب ([64]).
إن التواجد الميداني للجنة الدولية للصليب الأحمر لأجل مساعدة الضحايا عموما من خلال مندوبيها، وسمعتها الحيادية، وسلطتها المعنوية أكسباها حقا تقليديا في المبادرة والتدخل لصالح الضحايا، وهو الذي يسمح بان تلعب اللجنة الدولية دورا معتبرا في إنفاذ وتطبيق أحكام الاتفاقيات الإنسانية ([65]). وقد اعترف بهذا الحق للصليب الأحمر بناء على نص المادة المشتركة بين اتفاقيات جنيف الأربعة، كما اعترف به لكل منظمة إنسانية غير متحيزة شريطة موافقة أطراف النزاع، وهذا سواء وجدت الدولة الحامية أم لا ([66]). كما يتأسس أيضا من منطلق دورها كبديل محتمل للدولة الحامية وهو ما نصت عليه المادة 10 من اتفاقية جنيف الثالثة، وأكدت كذلك عليه المادة الخامسة من البروتوكول الإضافي الأول، قفي حالة وجود الدولة الحامية فإن اللجنة تمارس مهامها بالموازاة مع ما تقوم به الدولة الحامية من مهام، وإن لم توجد هذه الأخيرة فإن مهام اللجنة الدولية تكون أكثر شمولا واتساعا من المهام التي تضطلع بأدائها عادة.
وكما هو الشأن بالنسبة للدولة الحامية يخضع نشاط اللجنة إلى موافقة أطراف النزاع، لكن وكما أوضح الأستاذ Maurice Torreli في كتابه "القانون الدولي الإنساني"، فإنه يتعين على أطراف النزاع دراسة الطلب المقترح بحسن نية، وأن يكون الرفض المحتمل لذلك مؤسسا. كما دعم البروتوكول الإضافي الأول الدور المحوري الذي تلعبه اللجنة الدولية للصليب الأحمر وهذا بموجب المادة 5/4 مؤكدا على ضرورة الاستجابة دون تعطيل للعرض الذي تتقدم به اللجنة لأطراف النزاع بان تعمل كبديل بعد إجراء المشاورات اللازمة مع أطراف النزاع، هذا على الرغم من أن هذا النص قد انتقد باعتبار أن التزام اللجنة بتقديم خدماتها لا يعدو أن يكون سوى التزام معنوي ([67]).
وقيما يلي نحاول التطرق لأهم الوسائل التي تضطلع اللجنة الدولية للصليب الأحمر بواسطتها على إنفاذ قواعد حماية حقوق أسرى الحرب وهي اعتماد أسلوب الزيارات (أولا)، والتصدي للانتهاكات (ثانيا)، وإعادة الروابط الأسرية (ثالثا)، والإشراف على عمليات تبادل الأسرى والإعادة إلى الوطن (رابعا).
أولا-اعتماد أسلوب الزيارات
لا تستطيع اللجنة الدولية للصليب الأحمر القيام بأنشطتها العملية من خلال التواجد فحسب في البلد الذي يشهد حالة حرب، وإنما تحتاج أيضا إلى الوصول إلى مناطق النزاع التي يتواجد بها الضحايا، فتقديم الحماية اللازمة أثناء النزاع يتطلب بالضرورة التواجد على مقربة من الضحايا، ولا يمكن الاتفاق على مقر أو تواجد محدود في العاصمة أن يكون بديلا عن الوصول المباشر للضحايا. ويعد انتشار المندوبين في المناطق ذات الطبيعة الحساسة التي تجري فيها النزاعات، والوصول للأشخاص أكثر عرضة للخطر وخاصة أسرى الحرب شرطين ضروريين للحماية الفعالة. وقد نصت المادة 126 من اتفاقية جنيف الثالثة صراحة على هذا التواجد ([68])، ومن هذا المنطلق يحق لمندوبي اللجنة الدولية للصليب الأحمر زيارة الأماكن الجغرافية التي يتواجد فيها الأسرى ([69]).
ومن خلال هذه الزيارات يقوم مندوبو اللجنة الدولية للصليب الأحمر بمعاينة المعسكرات الخاصة بالأسرى، ومقابلتهم، حيث يحق لهم إجراء مقابلات مع الأسرى دون رقيب، والتحقق من أنهم يعاملون معاملة لائقة، ويقيمون في أماكن مناسبة، ويحصلون على الطعام المناسب ([70])، أي أن ما ترمي إليه هذه الزيارات هو الكشف عن المشكلات التي يعانيها الأسرى، وكذا الممارسات التعسفية والانتهاكات التي قد تتعرض لها حقوقهم كما تحددها القواعد الدولية. ويمتد عمل اللجنة الدولية للصليب الأحمر في زيارة أسرى الحرب إلى أن يتم الإفراق عنهم. تعمل اللجنة الدولية أثناء هذه الفترة على تشجيع السلطات الآسرة على تحسين ظروف الاحتجاز كلما أمكن ذلك، وتطالبها باتخاذ أي خطوات تراها ضرورية لتحسين معاملة الأسرى المحتجزين. ويعد المندوبون عن كل زيارة تقريرا ترسل نسخة منه إلى كلا الطرقين المتحاربين ([71]).
أما إذا كان الأسرى واقعين في قبضة قوات الأمم المتحدة لحفظ السلام فإنها تسلم التقارير عادة إلى الدول التي ينتمون إليها وإلى منظمة الأمم المتحدة، وكذلك إلى حكومات الدول المشاركة في قوات حفظ السلام التي أسرت الأسرى موضوع الزيارة ([72]).
ويعد هذا الإجراء من الإجراءات الاعتيادية التي تلتزم بها اللجنة الدولية لدى زيارتها لأماكن الاحتجاز في شتى أنحاء العالم، كالتقرير السري الذي أعدته اللجنة الدولية في جانفي 2004 بعد زيارة مندوبيها إلى سجون العراق وصفت فيه اللجنة أحوال الأسرى، وسلمت نسخة منه إلى قوات التحالف في فيفري 2004([73]).
ثانيا-التصدي للانتهاكات
حين تلاحظ اللجنة الدولية للصليب الأحمر وقوع انتهاكات تجري اتصالا سريا مع السلطات المسؤولة، ويقوم مندوبو اللجنة الدولية للصليب الأحمر من خلاله بلفت أنظار السلطات لما يرونه مخالفا لقواعد القانون الدولي الإنساني المقررة لحماية أسرى الحرب، سواء كانت أعمالا محظورة، أو امتناع عن أفعال أوجبها القانون. ويقدمون في هذا الإطار مقترحات ملموسة بغية تجنب تكرارها ([74])، كما أنهم يسعون لتقصي الحقائق بدقة دون أن يدقعهم ذلك نحو البحث عن مرتكبي المخالفات، حيث تتكفل بهذا الدور الدول في المقام الأول وأطراف النزاع، ذلك أنه ليس من مهمة اللجنة مقاضاة مرتكبيها، بل إن اللجنة الدولية تمتنع عن مجرد السؤال عن هوية مرتكبي المخالفات، وعما إذا كانوا قد لقوا العقاب وكيفية ذلك ([75]).
إن فعالية المساعي السرية التي تضطلع بها اللجنة الدولية للصليب الأحمر والتي يمكن أن تتفاوت في مستواها وشكلها وفقا لأهمية الانتهاك المزعوم تتوقف بوضوح على علاقات الثقة القائمة بين السلطات المعنية واللجنة الدولية ([76])، وإذا كانت القاعدة هي أن المساعي تظل سرية، فإنه يمكن للجنة الدولية، إذا كانت هذه الانتهاكات جسيمة ومتكررة ومؤكدة على وجه اليقين ولم تساعد الاتصالات السرية مع السلطات في تحسين الوضع، أن تحتفظ لنفسها بالحق في اتخاذ موقف علني تدين فيه هذا الانتهاك وذلك عندما ترى أن الإعلان يخدم مصالح الأشخاص المتضررين، أو المهددين بهذه الانتهاكات. ويظل اللجوء إلى هذا الإجراء أمرا استثنائيا ([77])، ولا يتم اللجوء إليه إلا بعد التحقق من الشروط الآتية:
الإجراءات التي قامت بها اللجنة الدولية للفت نظر الحكومة المعنية إلى الانتهاكات لم تجد لها صدى ولم تتوقف.
أن تكون هذه الانتهاكات قد بلغت درجة من الفظاعة بحيث لا جدوى من التنبيه إليها لأن الأسوأ قد انتهى ([78]). على سبيل المثال، أصدرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر نداءا إلى المجتمع الدولي إثر الانتهاكات التي وقعت لأسرى
الحرب سنة 1992في البوسنة والهرسك جاء فيه: "لقد لوحظ أنه يوجد مدنيون أبرياء تم توقيفهم، أو هم عرضة للمعاملة اللاإنسانية. أما حالتهم في المعتقلات فقد لاحظت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أنه يجب اتخاذ إجراءات ضرورية وسريعة من أجل حماية الكيان المعنى والبدني للإنسان وهذا تماشيا مع الاتفاقيات الثالثة والرابعة لجنيف التي يجب أن تحترم جملة وتفصيلا...وقد يوجد في أماكن الاعتقال العديد من الأبرياء المضطهدين والمعاملين أسوأ معاملة([79])".
إلا أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر في الحقيقة لا تعول كثيرا على الادعاءات بانتهاك القواعد الإنسانية الصادرة عن طرف ثالث، وهذا لإتاحة المجال لطرف النزاع بنفسه لتقديم هذه الشكاوى خشية الاعتماد على ادعاءات غير صحيحة([80]).
ثالثا-إعادة الروابط الأسرية
تعمل اللجنة الدولية للصليب الأحمر على إعادة الروابط الأسرية حيث يفتح في كل عام ملفات لآلاف الحالات الجديدة لأناس يبحثون عن أقاربهم من الأسرى، وتعطي الفرصة لمن يعثر عليهم الاتصال باسرهم بفضل الشبكة العالمية التي تدعمها اللجنة الدولية، إذ تسعى جاهدة إلى جمع المعلومات الخاصة بالأسرى، وإيصالها إلى ذويهم. على سبيل المثال، في جوان 1977، بعد سقوط واحة برداي في شمال التشاد، طلبت حركة فرولينات تدخلت اللجنة الدولية لإجلاء عائلات الأسرى من منطقة القتال، ولكن العملية تأجلت بسبب كثير من المشاكل التقنية، وكذلك لاستثناء الأعمال العدائية في المنطقة، ولم يقع تنفيذها إلا في 5 ديسمبر 1978 حيث أعيدت زوجات 15 أسيرا مع 22 طفلا إلى عاصمة التشاد بواسطة اللجنة الدولية للصليب الأحمر ([81]).
رابعا-الإشراف على عمليات تبادل الأسري والإعادة إلى الوطن
تطبيقا لنص المادة 118 من اتفاقية جنيف الثالثة التي تنص على أن يفرج عن أسرى الحرب ويعادون إلى أوطانهم دون إبطاء بعد انتهاء الأعمال العدائية الفعلية، وبالنظر لأهمية عمليات الإفراج عن الأسرى، تقوم اللجنة الدولية للصليب الأحمر بدور هام في عمليات تبادل الأسرى، وإجراءات الترحيل، والإعادة إلى الوطن. وقد تولت اللجنة الدولية في هذا الإطار الإشراف على العديد من هذه العمليات، حيث طبقت هذه المادة فعليا عند عملية الإفراج عن أسرى الحرب الهندوراسية - السلفادورية التي نشب بينهما نزاع مسلح في جوان سنة 1969، فبعد اتصالات مباشرة أجرتها اللجنة الدولية، ومفاوضات قامت بها منظمة الدول الأمريكية، تمت عمليات الإفراج عن أسرى الحرب من الطرفين، وتبادلهم في منطقة الحدود بين البلدين يوم 12 أوت 1969 بحضور مندوبي اللجنة([82]).
وقي 22 سبتمبر 1988 سمح للجنة الدولية بمقابلة الأسرى الذين تم الإفراج عنهم من قبل السلطات الليبية عندما أفرجت هذه الأخيرة عن 214 أسيرا حربيا تشاديا كبادرة من جانب واحد، وهذا للتأكد من عدم إعادة أي منهم ضد رغبته. وبعد ذلك سلم الأسرى بحضور كل من الجمعية الليبية واللجنة الدولية إلى ممثلي منظمة الوحدة الإفريقية الذين كلفوا بنقلهم إلى التشاد.
كما قامت اللجنة الدولية للصليب الأحمر في الفترة الممتدة من 23 أوت 1988 إلى 1 سبتمبر 1988 بتنظيم الإفراج عن الأسرى الصوماليين والإثيوبيين ضحايا نزاع أوغدين، حيث سيرت 20 رحلة جوية بين مقديشو- الصومال وديراداوا في إثيوبيا، نقلت خلالها 3543 أسير حرب إثيوبيا، ونقلت 246 أسير حرب صوماليا من إثيوبيا إلى الصومال([83]).
وفي سنة 1992، سجلت اللجنة الدولية من شهر جويلية إلى ديسمبر 10800 أسير في أكثر من 50 مركزا للاعتقال في البوسنة والهرسك، وقد تم الإفراج عن مجموعة مكونة من 5534 أسير تحت رعايتها، وتم نقلهم جميعا إلى أماكن آمنة باستثناء 115 قرروا البقاء في البوسنة والهرسك ([84]).
كما ورد في تقرير مقدم من الأمين العام للأمم المتحدة عن إثيوبيا وإريتريا أنه وتحت رعاية اللجنة الدولية للصليب الأحمر، أفرجت حكومة إريتريا في 15 جانفي2002 عن 25 من أسرى الحرب، وأعرت عن استعدادها للإفراج عن جميع أسرى الحرب الإثيوبيين وإعادتهم إلى وطنهم عملا باتفاقي الجزائر للسلام واتفاقية جنيف الثالثة، ووصل مجموع أسرى الحرب الذين أفرج عنهم منذ ديسمبر 2000 إلى 937 أسيرا إريتريا و 703 أسرى إثيوبيين أعيدوا إلى وطنهم([85]).
المطلب الثالث
الدولة الحامية
الدولة الحامية من الآليات المهمة للإشراف على تنفيذ قواعد حماية أسرى الحرب وحقوقهم، قما هو تعريف الدولة الحامية (الفرع الأول)؟ وأي دور تلعبه في الإشراف على تنفيذ القواعد الخاصة بحماية أسرى الحرب وحقوقهم (الفرع الثاني)؟ وماهي بدائل الدولة الحامية (الفرع الثالث)؟
الفرع الأول
تعريف الدولة الحامية
تعرف الدولة الحامية بانها دولة تكلفها دولة أخرى، تعرف باسم دولة المنشأ، برعاية مصالحها ومصالح مواطنيها حيال دولة ثالثة تعرف باسم دولة المقر ([86]). ويتم تعيين الدولة الحامية من قبل أطراف النزاع عن طريق اتفاق مزدوج، حيث تطلب الدولة الأصلية التي ترغب في حماية مصالحها من دولة محايدة قبول القيام بهذه المهمة لدى الدولة الحاجزة، فإذا ما قبلت الدولة المحايدة القيام بهذا الدور، فإنها تطلب من الدولة الحاجزة الموافقة على ذلك ([87]).
ويرجع نظام الدولة الحامية إلى القرن 16، قفي ذلك الوقت لم تكن هناك سفارات إلا للدول الكبيرة، وكانت الدول الصغيرة تطلب إليها رعاية مصالحها في المناطق التي لم تكن ممثلة فيها ([88]). وعلى الرغم من أن مصطلح الدولة الحامية لم يكن منصوصا عليه في اتفاقيات لاهاي، فقد قامت الدول الحامية بدور هام في تطبيق تلك الاتفاقية خلال الحرب العالمية الأولى بموجب عرف دولي معترف به.
وقد طبق هذا التدبير لأول مرة في العصر الحديث لصالح أسرى الحرب عندما كلفت بريطانيا العظمى برعاية شؤون الأسرى الفرنسيين الذين احتجزتهم ألمانيا نتيجة حرب 1870-1871 أما الأسرى الألمان من بروسيين وساكسونيين وأسرى المقاطعات الألمانية الأخرى الذين كانت تحتجزهم فرنسا، فقد كلفت ثلاث دول برعاية شؤونهم، وهي الولايات المتحدة الأمريكية، وروسيا، وسويسرا. وقد استمر إتباع هذا النموذج، قفي الحرب الصينية اليابانية عام 1894 كلفت الولايات المتحدة الأمريكية بحماية أسرى الطرقين.
وفي الحرب اليونانية التركية عام 1897، أوكل إلى ألمانيا حماية الأسرى الأتراك، وإلى فرنسا وبريطانيا العظمى وروسيا حماية الأسرى الأمريكيين. أما الأسرى الأسبان، فقد أوكلت حمايتهم إلى فرنسا، والإمبراطورية النمساوية الهنجارية.
وفي الحرب الروسية اليابانية عامي 1904 و 1905، أوكل إلى فرنسا حماية الأسرى الروسيين، وإلى الولايات المتحدة الأمريكية حماية أسرى اليابان. وفي الحرب الإيطالية التركية عام 1911 قامت ألمانيا بحماية أسرى الطرقين.
وفي الحرب العالمية الأولى، تعددت الدول الحامية. على سبيل المثال، تولت الولايات المتحدة حماية الأسرى الألمان في فرنسا. وبعد عام 1917، عندما دخلت الولايات المتحدة في الحرب، تولت سويسرا حماية الأسرى الألمان، كما تولت هولندا حماية الأسرى البريطانيين في ألمانيا ([89]).
الفرع الثاني
دور الدولة الحامية في الإشراف على تنفيذ القواعد الخاصة بحماية حقوق أسرى الحرب
لقد كانت الدول في خضم الحروب السابقة تتطلع أن يكون نظام الدولة الحامية منصوصا عليه في وثيقة دولية رسمية، وهو ما تحقق سنة 1929 بموجب المادة 86 من الاتفاقية الخاصة بمعاملة أسرى الحرب، وبموجبها تقر الأطراف السامية المتعاقدة بان التطبيق لهذه الاتفاقية إنما يكمن في إمكانية قيام التعاون مع الدول الحامية المكلفة بحماية مصالح الأطراف المتحاربة ([90]). وكان الغرض من هذا النص تأمين حماية أسرى الحرب بصورة مماثلة للحماية التي يتمتع بها الأجانب في زمن السلم.
من أجل ذلك خولت اتفاقية جنيف الآنفة الذكر للمندوبين عن الدولة الحامية حق زيارة معسكرات أسرى الحرب، والتحدث مع الأسرى على انفراد وبدون شهود ([91]). ولقد طبقت هذه المادة على نطاق واسع أثناء الحرب العالمية الثانية، حيث أسهمت الدولة الحامية في تحسين أحوال ضحاياها. إلا أن المادة كشفت عن أوجه قصور في جوانب عديدة، ويتجلى هذا القصور في أنه كان على الدول القليلة التي ظلت على الحياد أن توافق على أن تصبح دولا حامية كثر من بلد، وقد بلغ بها الأمر إلى حد تمثيل أطراف متعاقدة. كما يتجلى أيضا هذا القصور في حرمان حوالي 70% من أسرى الحرب من خدمات الدولة الحامية([92]).
ومع وضع تلك العناصر جميعها في الاعتبار، وجهت اللجنة الدولية للصليب الأحمر اهتمامها بعد الحرب إلى مجموعة من النقاط تم التركيز عليها، من بينها:
توسيع نطاق مبدأ إشراف الدول الحامية بحيث يمتد ليشمل جميع الاتفاقيات.
اتخاذ الترتيبات اللازمة لإحلال الدول الحامية التي لم يعد بمقدورها العمل أو التصرف ([93]).
وتبعا لدراسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر تم تطوير نظام الدولة الحامية، وتم النص عليه في اتفاقيات جنيف الأربعة لسنة 1949 وبموجبها يتم تطبيق هذه الاتفاقيات بمساعدة وتحت إشراف الدولة الحامية التي تكلف برعاية مصالح أطراف النزاع([94]).
ويشير الأستاذ Levie إلى أن مهام الدولة الحامية في الإشراف على تنفيذ اتفاقية جنيف الثالثة متعددة وغير محددة، ويرجع ذلك في رأيه إلى رغبة الدول المتعاقدة في إعطاء الفرصة اللازمة للدولة الحامية كلما أمكن ذلك حتى تتمكن من إيجاد الحلول المناسبة للمسائل التي تثار عند تطبيق الاتفاقية ([95]). إلا أنه يمكن القول أنه في سياق مهمة تنفيذ قواعد حماية أسرى الحرب يمكن للدولة الحامية بصرف النظر عن موظفيها الدبلوماسيين أن تعين مندوبين من بين مواطنيها، أو مواطني دول محايدة أخرى، ولابد أن يحظى تعيين هؤلاء المندوبين بموافقة الطرف المحارب الذي سيضطلعون معه بمهمتهم، على أن يفوض لهم بالوصول دون استثناء يذكر إلى أي مكان يكون أسرى الحرب محتجزين فيه، كما يتعين أن يصلوا أيضا إلى كل المراكز التي يشغلها الأسرى، ويتمكنون من التحدث معهم على انفراد ويدون شهود حسبما تقضي به القاعدة العامة، سواء تحدثوا شخصيا مباشرة، أو استعانوا بمترجمين. وتجدر الإشارة إلى أنه لابد من إخطار السلطات العسكرية بهذه الزيارة، كما يتعين أن يوافق كلا الطرقين المتحاربين بالسماح لأشخاص يحملون نفس جنسية الأسرى بالمشاركة في الجولات التفقدية ([96]).
كما أن الدولة الحامية تضطلع بمراقبة الإجراءات القضائية التي تتخذها الدولة الآسرة ضد الأسرى المتهمين بمجرد إخطارها بذلك، كما يجب عليها العمل على تعيين محام للأسير المتهم إذا لم يوق هو في اختيار محام، وعلى ممثليها أن يحضروا جلسات المحاكمة. وفي حالة إبلاغها بصدور الأحكام الصادرة ضد هؤلاء الأسرى قعليها مراقبة تنفيذ هذه الأحكام. فإذا كانت إجراءات محاكمة الأسرى لا تتفق وما جاء بالاتفاقية، فإن للدولة الحامية الحق في توجيه نظر السلطات المسؤولة في الدولة الآسرة إلى ذلك، ومطالبتها بمنح الأسير المتهم كافة الضمانات التي نصت عليها الاتفاقية ([97]).
إضافة إلى ذلك، تتعاون الدولة الحامية في تسوية الخلافات الناشئة بين طرفي النزاع بخصوص تطبيق، أو تفسير أحكام الاتفاقية لمصلحة الأسرى، وفي سبيل ذلك يتعين عليها أن تعمل على اجتماع ممثليها مع ممثلي أطراف النزاع، إما بناء على مبادرة منها، أو بناء على طلب إحدى الدول المتنازعة، ويكون هذا الاجتماع على أرض دولة محايدة يتم اختيارها بكيفية مناسبة. وتلتزم الدول المتنازعة في هذه الحالة بتنفيذ المقترحات التي تقدم لها لهذا الغرض، وفي جميع الأحوال يتعين على الدولة الحامية أن تخطر الدولة التي يتبعها الأسرى بكل مخالفة تعاينها عند مباشرة مهامها، مع مدها
بالبيانات والمعلومات اللازمة في هذا الشأن.
ولأجل قيام الدولة الحامية بمهامها على أكمل وجه، نصت المادة 8 من اتفاقية جنيف الثالثة على أن يلتزم أطراف النزاع بتسهيل مهمة ممثلي، أو مندوبي الدولة الحامية إلى أقصى حد ممكن. لكن في مقابل ذلك يجب أن لا يتجاوز ممثلو الدولة الحامية، أو مندوبوها بأي حال من الأحوال حدود مهمتهم بمقتضى الاتفاقية، وعليهم بصفة خاصة مراعاة مقتضيات أمن الدولة التي يقومون فيها بواجباتهم، ولا يجوز تقييد نشاطهم إلا إذا استدعت ذلك الضرورة الحربية وحدها، ويكون ذلك بصفة استثنائية ومؤقتة ([98]).
الفرع الثالث
بدائل الدولة الحامية
لقد ثارت مشكلة بخصوص كيفية إيجاد البديل عن الدولة الحامية في حالة عدم وجود هذه الدولة، أو في حالة عدم قدرتها على القيام بمهامها. وكان هناك اتجاه لجعل اللجنة الدولية للصليب الأحمر هي البديل التلقائي للدولة الحامية، ولكن صرف النظر عن هذا الخيار بسبب اختلاف مهام ووظائف الدولة الحامية عن أوجه نشاط اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وأن اللجنة الدولية للصليب لا تستطيع القيام إلا ببعض المهام المناطة بالدولة الحامية ومن زاوية واحدة فقط ([99]). كما كان هناك اتجاه آخر أثناء مداولات المؤتمر الدبلوماسي بجنيف عام 1949 يخشى ألا توجد في المستقبل بلدان محايدة، أو على الأقل بلدان محايدة وفي نفس الوقت قادرة على العمل الفعال كبلدان حامية أو كبدائل لها، ولذلك اقترحوا أن تنشئ الدول منظمة محايدة تباشر وظائف الدول الحامية. ولكن كان من الصعب جدا إثبات أن هذه الفكرة قابلة للتطبيق، فقد اقترح أن يختار أعضاء هذا الجهاز دون النظر إلى جنسياتهم من بين قادة الدول، ورجال الدين، والعلماء، وأمثالهم من المعروفين بنفوذهم الأدبي وخدماتهم للبشرية، على أن يكون انتخابهم لمدة ثلاث سنوات بواسطة مجلس يضم مندوبين عن الدول الموقعة على اتفاقيات جينيف الأربعة، وعليهم أن يتخلوا عن جنسياتهم، وتكون لهم حصانة دبلوماسية. وقد رحبت أكثرية بهذه المقترحات ولكن مع شيء من التشكك، فلم يحدث من قبل أن منظمة دولية التشكيل استطاعت أن تعمل في استقلال وعدم تحيز على دولة محارية، وأن وجود ممثلين للبلدان المتحاربة في مثل هذه المنظمة لن يحقق حيادها باي حال نتيجة التساوي في المواقف المتعارضة، وكما قال أحد المندوبين "إن مثل هذه المنظمة
ليست إلا أضغاث أحلام"، من أجل ذلك اكتفى المؤتمر بالدعوة في عبارات عامة إلى الاتفاق في أي وقت بين الأطراف المتعاقدة على أن تفوض منظمة تقدم كل ضمانات عدم التحيز والكفاءة في تولي الواجبات الملقاة على الدول الحامية بموجب هذه الاتفاقية، ويسمح ذلك باللجوء إلى خدمات مؤسسة قائمة كاللجنة الدولية للصليب الأحمر ([100]).
وفي هذا الشأن تطرح المادة 10 من اتفاقية جينيف الثالثة مجموعة كاملة من البدائل تتمثل فيما يلي:
يمكن لأطراف النزاع تعيين منظمة بديلة تتوفر فيها كل ضمانات الحياد والكفاءة، مفضلة إياها على الدول المحايدة، الأمر الذي يتيح للأظراف اختيارا وليس مجرد إمكانية بديلة لا تطبق إلا في حال الفشل في العثور على دولة حامية.
على الدولة الحاجزة المحمية بمقتضى الاتفاقية واجب المطالبة بدولة محايدة، أو منظمة، وذلك في حال الانعدام والانتفاع فعليا من أنشطة دولة حامية، أو هيئة من هذا القبيل.
وحين لا تجد الدولة الحاجزة دولة محايدة، أو هيئة محايدة تتوفر فيها الصفات اللازمة وتكون مستعدة لتحمل هذه المسؤولية، فعندئذ يكون على الدولة الحاجزة في هذه الحالة أن تطلب إلى هيئة إنسانية، أو أن تقبل عند الاقتضاء عرض الخدمات التي تقدمها مثل هذه الهيئة للاضطلاع بالمهام الإنسانية التي تنص عليها الاتفاقية ([101]).
إلا أن الإشكال الذي بقي مطروحا هو أن تعيين الدولة الحامية يتطلب موافقة كل الدول المعنية وهي الأطراف المتحاربة والدول المحايدة المختارة لهذه المهمة وهذا ما قد يتعذر تحقيقه. ولحل هذه المشكلة، فإن المادة 5 من البروتوكول الإضافي الأول قد نصت على أنه إذا لم يتم تعيين أو قبول دولة حامية فإنه يمكن للجنة الدولية للصليب الأحمر، أو أي منظمة إنسانية أن تعرض مساعيها الحميدة من أجل تعيين دولة حامية. ويمكن للجنة الدولية للصليب الأحمر أن تطلب من بين أمور أخرى إلى طرف في النزاع أن يقدم إليها قائمة تضم خمس دول على الأقل يرى أنه يمكن قبولها للعمل باسمه كدولة حامية لدى الخصم. وتقوم اللجنة بمقارنة القائمتين، وتعمل للحصول على موافقة أي دولة ورد اسمها في كلا القائمتين ([102]). فإن لم يتم تعيين الدولة الحامية رغم كل ما تقدم، فيجب أن تقبل أطراف النزاع البديل الذي تقدمه اللجنة الدولية للصليب الأحمر، أو أية منظمة إنسانية أخرى تتوافر فيها صفة الحياد ([103]).
هذا ويلاحظ أن تعيين الدولة الحامية لا يشكل أي عقبة في سبيل الجهود الإنسانية التي يمكن أن تقوم بها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، أو أي منظمة إنسانية أخرى محايدة بموافقة الأطراف المتنازعة بغرض تقديم الحماية والعون للأشخاص المشمولين بالحماية، ذلك أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر تضطلع بدور رئيسي في عملية الإشراف على تنفيذ وتطبيق القانون الدولي الإنساني حيث تقوم بمهام عديدة بموجب اتفاقيات جنيف الأربعة والبروتوكول الأول لعام 1977، وتقوم بهذا الدور بصفة مستقلة عن عمل الدول الحامية. فعلي سبيل المثال، فإنه بمقتضى المادة 126 من اتفاقية جنيف الثالثة يجب أن يسمح لمندوبي اللجنة الدولية للصليب الأحمر بزيارة جميع الأماكن التي يوجد فيها أسرى الحرب بما فيها أماكن الحجز، والسجن، والعمل، ومقابلتهم دون رقيب ([104]).
غير أن هذا الأمر ليس على إطلاقه حيث كثيرا ما عملت الدولة الحامية واللجنة الدولية للصليب الأحمر جنبا إلى جنب، أو كل على انفراد كما سبق القول. وقد أثبتت التجربة أن ذلك لم يكن ازدواجا في العمل باي حال من الأحوال، فقد كان كل عمل لأحد الجانبين مكملا للآخر. وعموما فإن اللجنة الدولية للصليب الأحمر هي السلطة الوحيدة القادرة على العمل في معسكرات الجانبين وعلى مقارنة الأحوال السائدة في البلدين، أما الدولة الحامية فإنها ترى جانبا واحدا فقط من الصورة ([105]).
إلا أنه ورغم الوظائف الهامة المناطة بالدولة الحامية، يلاحظ أنه نادرا ما لجأت إليها الدول في الحروب الحديثة، وإن هي وجدت فإنها لا تطبق سوى بعض الجوانب فقط مثلما حدث في حرب السويس عام 1956، وغوا بين الهند والبرتغال سنة 1971، والنزاع بين الهند وباكستان سنة 1971، وحرب المالوين بين الأرجنتين وبريطانيا سنة 1982، حيث رعت البرازيل بعض مصالح الأرجنتين وسويسرا بعض مصالح بريطانيا ([106]).
المطلب الرابع
الدولة المحايدة
الحياد هو موقف الدولة التي لا تشترك في حرب قائمة وتحتفظ بعلاقاتها السلمية مع كل من الفريقين المتحاربين. وتتخذ الدول موقف الحياد لتجنب نفسها ويلات حرب لا مصلحة لها في الدخول فيها، ولا فائدة تجنيها من ورائها. وتلتزم مقابل ذلك بالامتناع عن تقديم المساعدة لأي من طرفي الحرب، وبعدم التحيز لأحدهما ضد الآخر ([107]).
وتضطلع الدولة المحايدة بتنفيذ قواعد حماية أسرى الحرب في عدة حالات، فقد تطلب منها الدولة الآسرة القيام بمهام الدولة الحامية في حال غياب هذه الأخيرة، وقد يتم إيواء بعض أسرى الحرب من الجرحى والمرضى على إقليمها لحين تمام شفائهم، كما أنه قد يكون هناك اتفاق بين الدولة الحاجزة والدولة التي يتبعها الأسرى على حجز أسراها في الدولة المحايدة إذا قبلت هي ذلك. وقد تجد الدولة المحايدة نفسها مضطرة للتصرف في بعض الحالات التي تمس الوضع القانوني للأسرى وفقا لقواعد القانون الدولي وما تمليه عليها واجبات الحياد ([108]). هذه الحالات تتعلق بحلول الدولة المحايدة محل الدولة الحامية في الإشراف على تنفيذ القواعد الخاصة بحماية أسرى الحرب وحقوقهم (الفرع الأول)، واتفاق الأطراف المتنازعة على حجز الأسرى في دولة محايدة (الفرع الثاني)، وآثار لجوء الأسرى إلى إقليم إحدى الدول المحايدة (الفرع الثالث).
الفرع الأول
حلول الدولة المحايدة محل الدولة الحامية في الإشراف على تنفيذ القواعد الخاصة بحماية حقوق أسرى الحرب
سبق وأن تمت الإشارة أنه في حال عدم وجود دولة حامية تقوم بالإشراف على تطبيق أحكام حماية أسرى الحرب، أو في حال انعدام منظمة إنسانية تقوم بمباشرة هذه المهام، فإنه يستوجب على الدولة الحاجزة أن تطلب من إحدى الدول المحايدة القيام بمهام الدولة الحامية في الإشراف على تطبيق الأحكام المذكورة. وقبول الدولة المحايدة لتلك المهام يفرض عليها القيام بمسؤولياتها على أكمل وجه، ومن هنا يشترط أن تتوفر فيها القدرة والكفاءة اللازمة للقيام بأعباء الواجبات المذكورة في اتفاقية جنيف الثالثة، وهي في قيامها بذلك تكون مسؤولة أمام الدولة التي يتبعها الأسرى عن التصرفات التي يقوم بها ممثلوها.
وعموما إذا ما أوكلت للدولة المحايدة القيام بمهام الدولة الحامية، فإنها تتمتع بكافة الحقوق، وتلتزم بكافة الالتزامات المقررة للدولة الحامية وفق ما تورده النصوص القانونية في هذا الشأن.
الفرع الثاني
اتفاق الأطراف المتنازعة على حجز الأسرى في دولة محايدة
يجوز للدول أطراف النزاع أن تعمل بالاتفاق مع دولة محايدة من أجل عقد اتفاقات يتم بموجبها حجز أسرى الحرب في أراضي الدولة المحايدة إلى غاية نهاية الأعمال العدائية ([109]). فإذا تم الاتفاق على ذلك، فإنه على الدولة التي قبلت حجز الأسرى على إقليمها القيام بتطبيق أحكام معاملة أسرى الحرب، وهنا يجوز لممثلي الدول المتنازعة زيارة معسكرات أسراهم في الدولة المحايدة للتحقق من احترام حقوق وامتيازات الأسرى المقررة لهم. وبموجب القانون الدولي الإنساني في مثل هذه الأحوال، فإن الأسرى المتواجدين في أراضي الدولة المحايدة يكونون تحت حمايتها، هذه الأخيرة التي تكون قد حلت محل الدولة الآسرة في جميع حقوقها، والتزاماتها تجاه الأسرى.
وقد يشمل الاتفاق المعقود بشأن حجز الأسرى على إقليم الدولة المحايدة تنظيم بعض المسائل التي أوردتها اتفاقية جنيف الثالثة كأنواع العمل التي يقوم بها الأسرى وما إلى ذلك من مسائل أخرى. وطالما تم تنظيم مثل تلك المسائل في الاتفاق، فإن من الواجب على الدولة المحايدة أن تعمل به وتنفذه، لأن كل اتفاق يكون في مصلحة الأسرى يجب تنفيذه والعمل به. والدولة المحايدة في هذه الحالة تكون لها إضاقة إلى مهمة الإشراف على تنفيذ أحكام حماية أسرى الحرب، تطبيق بنود الاتفاق المعقود بينها وبين الدول التي يتبعها الأسرى ([110]).
الفرع الثالث
آثار لجوء الأسرى إلى إقليم إحدى الدول المحايدة
هذا الموضوع يرتبط أساسا بواجب الدول المحايدة نحو إيواء قوات الدول المتنازعة على إقليمها بصفة عامة، فقد يحدث في بعض الأحيان أن تضطر فرق من جيش إحدى الدول المتحاربة إلى الاحتماء بإقليم دولة محايدة هروبا من الأسر، وللدولة المحايدة في هذا الشأن حق قبول، أو رفض إيواء مثل هؤلاء الأفراد. فإن تم قبول إيواء بعض أفراد الجيوش المتحاربة فلها أن تنتزع أسلحتهم، وتقوم بحجزهم إلى غاية نهاية الحرب، كما لها أن تعتقلهم في معسكر أو أماكن مخصصة لهذا الغرض، ولها أيضا أن تطلق سراح الضباط بعد أخذ كلمة الشرف منهم على عدم مغادرتهم للإقليم المحايد، وفي هذه الحالة على الدولة المحايدة القيام بتقديم الملبس والمؤونة لهؤلاء المقاتلين المحتجزين لديها على أن تسدد المصاريف من طرف الدولة التي ينتمي إليها هؤلاء الأفراد عند نهاية الحرب ([111]).
إذا كان اللاجئون إلى إقليم الدولة المحايدة أسرى حرب فارين من الأسر، أو كان مع الجيش اللاجئ أسرى حرب، فإن القانون الدولي يوجب على الدولة المحايدة اعتبار مثل هؤلاء الأسرى مستردين لحريتهم بمجرد دخولهم إلى إقليمها، وهو ما نصت عليه المادة 13 من اتفاقية لاهاي الخامسة لسنة 1907 والتي تقضي بوجوب أن تطلق الدولة المحايدة سراح أسرى الحرب الذين يدخلون إقليمها، فإذا قبلت بقاءهم على إقليمها جاز لها أن تعين لهم أماكن إقامة خاصة. وتطبق نفس هذه القاعدة إذا لجا إلى إقليم الدولة المحايدة فرقة من جيش إحدى الدول المحاربة ومعها أسرى حرب من الجانب الآخر.
ويفهم من نص المادة 91 من اتفاقية جنيف الثالثة لأسرى الحرب أن نجاح الأسير في الهروب من الأسر ولجوئه إلى إقليم دولة محايدة يعتبر منهيا لحالة الأسر، ومن ثم فإن الأسير يسترد حريته بمجرد دخوله إقليم الدولة المحايدة، وليس للدولة المحايدة أن تستجيب لطلب دولة العدو في القبض عليهم، وإعادة تسليمهم لها لأن ذلك يعتبر مخالفا لقواعد الاتفاقية فضلا عن مخالفته لقواعد الحياد ([112]).
ومن تطبيقات مبدأ الحياد واقعة إسقاط المدفعية السورية لطائرة حربية إسرائيلية في 2 إبريل 1974 حيث تحطمت الطائرة، وسقطت على الأراضي اللبنانية، وقفز منها الطياران سالمين قبل تحطمها، وأسرعت السلطات اللبنانية بالقبض على الطيارين. وعندما طالبت سوريا بتسليم هذين الطيارين إليها كأسيرين رفضت الحكومة اللبنانية هذا الطلب، كما رفضت طلبا آخر تقدمت به إسرائيل. وقد بررت الحكومة اللبنانية لرفضها كلا الطلبين أنها دولة محايدة في المعارك القائمة تلتزم بان تحتجز لديها أيا من مقاتلي الطرفين ممن يأوي إليها، سواء كان لجوؤه فرارا من الأسر، أو بمحض إرادته. كما أضاقت أيضا أنه بالنسبة للطيارين اللذين هبطا على إقليمها من طائرتهما المصابة، فإنها مضطرة إلى حجزهما لديها إلى غاية نهاية الأعمال الحربية. ولا شك في أن وجهة نظر لبنان تتفق مع قواعد القانون الدولي ومع التزامات الدول المحايدة في مثل هذه الحالات ([113]).
[1] إبراهيم أحمد خليفة -"الرقابة الدولية على تطبيق القانون الدولي الإنساني"، دار الجامعة الجديدة، الطبعة الأولى، الإسكندرية، مصر، 2007، صفحة 91.
[2] سعيد سالم جويلي -"الطبيعة القانونية الخاصة للاتفاقيات الدولية في القانون الدولي الإنساني"، المؤتمر العلمي السنوي لكلية الحقوق بجامعة بيروت العربية حول القانون الدولي الإنساني (أفاق وتحديات)، الجزء الثالث، الطبعة الأولى، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، لبنان، 2005، صفحة 264.
[3] سيلفان فيتي -تقيد سلوك الدول بقواعد القانون الإنساني"، المجلة الدولية للصليب الأحمر، العدد 31، أبريل/ ماي 1993، صفحة 228.
[4] بول برمان -"دائرة للخدمات الاستشارية بشأن القانون الدولي الإنساني (تحدي التنفيذ على الصعيد الوطني) "، المجلة الدولية للصليب الأحمر، العدد 49، ماي /جوان 1996، صفحة 366.
[5] إيف ساندو-"نحو إنفاذ القانون الدولي الإنساني"، دراسات في القانون الدولي الإنساني، الطبعة الأولى، دار المستقبل العربي، القاهرة، مصر، 2000، صفحة 509.
[6] إبراهيم أحمد خليفة -"الرقابة الدولية على تطبيق القانون الدولي الإنساني"، مصدر سبق ذكره، صفحة 931.
[7] اللجنة الدولية للصليب الأحمر "تعرف على اللجنة الدولية للصليب الأحمر"، اللجنة الدولية للصليب الأحمر، جنيف، سويسرا، سبتمبر 2006، صفحة 30.
[8] محمد يوسف علوان –"نشر القانون الدولي الإنساني"، دراسات في القانون الدولي الإنساني، الطبعة الأولى، دار المستقبل العربي، القاهرة، مصر، 2000، صفحة .487
[9] محمد الطراونة –"تطبيق القانون الدولي الإنساني على الصعيد الوطني في الأردن"، في "القانون الدولي الإنساني تطبيقاته على الصعيد الوطني في الأردن)، اللجنة الدولية للصليب الأحمر، دون تاريخ النشر، صفحات 128-129.
[10] محمد يوسف علوان –"نشر القانون الدولي الإنساني"، مصدر سبق ذكره، صفحات .489-487
[11] إيف ساندو-"نحو إنفاذ القانون الدولي الإنساني"، مصدر سبق ذكره، صفحة 515.
[12] محمد يوسف علوان –"نشر القانون الدولي الإنساني"، مصدر سبق ذكره، صفحة 492.
[13] أحمد علي الأنور-"حماية ضحايا الحرب بين الشريعة والقانون الدولي الإنساني"، المجلة الدولية للصليب الأحمر، العدد 29، فيفري /مارس 1999، صفحة 15.
[14] محمد الطراونة –"تطبيق القانون الدولي الإنساني على الصعيد الوطني في الأردن"، مصدر سبق ذكره، صفحة 130.
[15] تقرير مقدم من اللجنة الدولية للصليب الأحمر عن متابعة المؤتمر الدولي لحماية ضحايا الحرب (جنيف، ديسمبر 1995)، المجلة الدولية للصليب الأحمر، العدد 48، مارس /إبريل 1996، صفحة 223.
[16] عامر الزمالي -"مدخل إلى القانون الدولي الإنساني"، الطبعة الثانية، المعهد العربي لحقوق الإنسان، اللجنة الدولية للصليب الأحمر، تونس 1997، صفحة 90.
[17] أحمد أبو الوفا- "النظرية العامة للقانون الدولي الإنساني في القانون الدولي وفي الشريعة الإسلامية"، الطبعة الأولى، دار النهضة العربية، القاهرة، مصر، 2006، صفحة 132.
[18] إيف ساندو-"نحو إنفاذ القانون الدولي الإنساني"، مصدر سبق ذكره، صفحة 516.
[19] محمد فهاد الشلالدة-"القانون الدولي الإنساني"، منشأة المعارف، الإسكندرية، مصر، 2005، صفحة 112.
[20] محمد يوسف علوان –"نشر القانون الدولي الإنساني"، مصدر سبق ذكره، صفحة 500.
[21] عمر سعد الله -"القانون الدولي الإنساني (وثائق وأراء) "، الطبعة الأولى، دار مجدلاوي، عمان، الأردن، 2002، صفحات 275-274.
[22] أمين مهدي -"الجوانب التشريعية للتنفيذ أحكام القانون الدولي الإنساني (العلاقة التبادلية في القانون الإنساني والقانون المصري) "، في "القانون الدولي الإنساني (دليل للتطبيق على الصعيد الوطني) "، الطبعة الثالثة، بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر بالقاهرة، مصر، 2006، صفحات . 286-277
[23] عمر سعد الله –"تطور تدوين القانون الدولي الإنساني"، الطبعة الأولى، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، 1997، صفحة 154.
[24] اللجنة الدولية للصليب الأحمر "القانون الدولي الإنساني: إجابات على أسئلتك"، اللجنة الدولية للصليب الأحمر، جنيف، سويسرا، مارس 2006، صفحة25. راجع أيضا المادة 122/ 2 من اتفاقية جينيف الثالثة 1949.
[25] راجع الفقرتان 4 و 5 من المادة 122 من اتفاقية جنيف الثالثة .1949
[26] راجع الفقرتان 6 و 7 من المادة من اتفاقية جنيف الثالثة .1949
[27] محمد حمد العسبلي -"الجمعيات الوطنية للهلال الأحمر والصليب الأحمر وخدماتها المحمية في القانون الدولي الإنساني"، الطبعة الأولى، دار الكتب الوطنية، بنغازي، ليبيا، 1995، صفحة 214.
[28] المرجع السابق، صفحة .215
[29] راجع الفقرتان 1 و 2 من المادة 79من اتفاقية جنيف الثالثة .1949
[30] راجع المادة 80من اتفاقية جنيف الثالثة 1949.
[31] راجع المادة 81من اتفاقية جنيف الثالثة .1949
[32] ماريا تريزا دوتلي وكريستينا بيلانديني-"اللجنة الدولية للصليب الأحمر وتنفيذ نظام قمع الإخلال بقواعد القانون الدولي الإنساني"، المجلة الدولية للصليب الأحمر، العدد 36، مارس /أبريل 1994، صفحة 101.
[33] محمد فهاد الشلالدة-"القانون الدولي الإنساني"، مصدر سبق ذكره، صفحة 315.
[34] جان س. بكتيه-"القانون الدولي الإنساني: تطوره ومبادئه"، دراسات في القانون الدولي الإنساني، الطبعة الأولى، دار المستقبل العربي، القاهرة، مصر، 2000، صفحة 78.
[35] عامر الزمالي -"مدخل إلى القانون الدولي الإنساني"، مصدر سبق ذكره، صفحة 137.
[36] عبد الواحد محمد يوسف الفار-"أسرى الحرب. دراسة فقهية وتطبيقية في نطاق القانون الدولي العام والشريعة الإسلامية"، عالم الكتب، القاهرة، مصر، 1975، صفحة 408.
[37]( Anna Segall-«Punishing violations of international humanitarian law at the national level», A guide for common law states, ICRC, Geneva, 2001, p 51.
[38]( Lerent Moreillon et autres-«Droit pénal humanitaire», Collection Latine, série 2, volume 4, Bruylant Bruxelles, p 139.
[39] شريف عتلم –"تطبيق القانون الدولي الإنساني على الأصعدة الوطنية"، في "القانون الدولي الإنساني (دليل للتطبيق على الصعيد الوطني)، الطبعة الثالثة، بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر بالقاهرة، مصر، 2006، صفحات 299-304.
[40] عامر الزمالي -"مدخل إلى القانون الدولي الإنساني"، مصدر سبق ذكره، صفحة 141.
[41] إلينا بيجيتش-"المساءلة عن الجرائم الدولية من التخمين إلى الواقع"، المجلة الدولية للصليب الأحمر، مختارات من أعداد 2002، صفحة 193.
[42] كامن سخاريف-"حماية الحياة الإنسانية. حقوق الدول في مجال تدابير تنفيذ القانون الدولي الإنساني"، المجلة الدولية للصليب الأحمر، العدد 07، ماي / جوان 1989، صفحة 145.
[43] إلينا بيجيتش -"المساءلة عن الجرائم الدولية من التخمين إلى الواقع"، مصدر سبق ذكره، صفحة 195.
[44] عامر الزمالي -"أليات تنفيذ القانون الدولي الإنساني"، في "القانون الدولي الإنساني (دليل للتطبيق على الصعيد الوطني) "، الطبعة الثالثة، بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر بالقاهرة، 2006، صفحة 264.
[45] عبد الواحد محمد يوسف الفار-"أسرى الحرب. دراسة فقهية وتطبيقية في نطاق القانون الدولي العام والشريعة الإسلامية"، مصدر سبق ذكره، صفحة 414.
[46] عمر سعد الله –"تطور تدوين القانون الدولي الإنساني"، مصدر سبق ذكره، صفحة 157.
[47] راجع المادة 123 من اتفاقية جنيف الثالثة 1949.
[48] يفيد ديلابرا -"اللجنة الدولية للصليب الأحمر والقانون الدولي الإنساني"، دراسات في القانون الدولي الإنساني، الطبعة الأولى، دار المستقبل العربي، القاهرة، مصر، 2000، صفحة 393.
[49]( Ives Sandoz- «Le Comité International de la Croix Rouge (gardien du droit international humanitaire) », ICRC, Genève, 1998, pp.3-4.
[50] اللجنة الدولية للصليب الأحمر-"تعرف على اللجنة الدولية للصليب الأحمر"، مصدر سبق ذكره، صفحة 6.
[51] فرانشواز بوشيه سولنييه -"القاموس العملي للقانون الإنساني"، ترجمة محمد مسعود، الطبعة الأولى، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، 2005، صفحة 343.
[52] إبراهيم أحمد خليفة -"الرقابة الدولية على تطبيق القانون الدولي الإنساني"، مصدر سبق ذكره، صفحة 112.
[53] المرجع نفسه، صفحة 113.
[54] عمر سعد الله -"القانون الدولي الإنساني (وثائق وأراء) "، مصدر سبق ذكره، صفحة 252.
[55] فرانشواز بوشيه سولنييه -"القاموس العملي للقانون الإنساني"، مصدر سبق ذكره، صفحة 340.
[56] محمد حمد العسبلي -"الجمعيات الوطنية للهلال الأحمر والصليب الأحمر وخدماتها المحمية في القانون الدولي الإنساني"، مصدر سبق ذكره، صفحة 7.
[57] زهير الحسني -"القانون الدولي الإنساني"، المجلة الدولية للصليب الأحمر، العدد 27، سبتمبر /أكتوبر 1992، صفحة 370.
[58] المرجع السابق، صفحة 371.
[59] عمر سعد الله -"معجم في القانون الدولي المعاصر"، الطبعة الأولى، ديوان المطبوعات الجامعية، جامعة بن عكنون، الجزائر، 2005، صفحة 9.
[60] فيليب أبلانالب-"المؤتمرات الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر تمثل أحد عوامل تطور القانون الدولي الإنساني وتماسك الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر"، المجلة الدولية للصليب الأحمر، العدد 45، سبتمبر /أكتوبر 1995، صفحة 382.
[61] زهير الحسني -"القانون الدولي الإنساني"، مصدر سبق ذكره، صفحة 372.
[62] اللجنة الدولية للصليب الأحمر-"تعرف على اللجنة الدولية للصليب الأحمر"، مصدر سبق ذكره، صفحة 9.
[63] فيليب أبلانالب-"المؤتمرات الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر تمثل أحد عوامل تطور القانون الدولي الإنساني وتماسك الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر"، مصدر سبق ذكره، صفحة 388.
[64] المرجع نفسه، صفحة 389.
[65] سيد علي بلمختار-"المركز القانوني للمرأة في ظل اتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949 وبروتوكولها الأول لعام 1977، رسالة مقدمة لنيل شهادة الماجستير في القانون الدولي العام والعلاقات الدولية، جامعة الجزائر، 2001/2002، صفحة 160.
[66] موريس توريللي-"هل تتحول المساعدة الإنسانية إلى تدخل إنساني؟"، دراسات في القانون الدولي الإنساني، الطبعة الأولى، دار المستقبل العربي، القاهرة، مصر، 2000، صفحة 464.
[67] سيد علي بلمختار -"المركز القانوني للمرأة في ظل اتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949 وبروتوكولها الأول لعام 1977"، مصدر سبق ذكره، صفحة 161.
[68] ديفيد ديلابرا-"اللجنة الدولية للصليب الأحمر والقانون الدولي الإنساني، مصدر سبق ذكره، صفحة 397.
[69] ماريا تريزا دوللي وكريستينا بيلانديني-"اللجنة الدولية للصليب الأحمر وتنفيذ نظام قمع الإخلال بقوات القانون الدولي الإنساني"، مصدر سبق ذكره، صفحة .106
[70] اللجنة الدولية للصليب الأحمر-محرومون من الحرية"، اللجنة الدولية للصليب الأحمر، جنيف، سويسرا، سبتمبر 2006، صفحة 9.
[71] سعيد سالم جويلي –"تنفيذ القانون الدولي الإنساني"، دار النهضة العربية، القاهرة، مصر، 2002، صفحة 37.
[72] أوميش بالفانكر-"قابلية تطبيق القانون الدولي الإنساني على قوات الأمم المتحدة لصيانة السلم"، المجلة الدولية للصليب الأحمر، العدد 31، أبريل /ماي 1993، صفحة .203
[73] جاكوب كلينبرغر-"هل نتحدث علانية أم نصمت أثناء العمل الإنساني؟"، المجلة الدولية للصليب الأحمر، مختارات من أعداد 2004، صفحة 13.
[74] علي عواد-"العنف المفرط. فانون النزاعات المسلحة وحقوق الإنسان"، الطبعة الأولى، دار المؤلف، القاهرة، مصر، 2001، صفحة 115.
[75] ديفيد ديلابرا-"اللجنة الدولية للصليب الأحمر والقانون الدولي الإنساني، مصدر سبق ذكره، صفحة 402.
[76] المرجع نفسه، صفحة 403.
[77] اللجنة الدولية للصليب الأحمر-"تعرف على اللجنة الدولية للصليب الأحمر"، مصدر سبق ذكره، صفحة 17.
[78] زهير الحسني -"القانون الدولي الإنساني"، مصدر سبق ذكره، صفحة 381.
[79] فوزي أو صديق –"تطبيق القانون الدولي الإنساني وتأثيره على مبدأ السيادة"، رسالة مقدمة للحصول على درجة الدكتوراه في القانون، جامعة وهران، الجزائر، 1996-1995 صفحة .118
[80] زهير الحسني -"القانون الدولي الإنساني"، مصدر سبق ذكره، صفحة 381.
[81] فرانسواز كريل -"حماية النساء في القانون الدولي الإنساني"، الترجمة العربية لمقال منشور في المجلة الدولية للصليب الأحمر، نوفمبر /ديسمبر 1985، صفحة 24.
[82] محمد حمد العسبلي -"الجمعيات الوطنية للهلال الأحمر والصليب الأحمر وخدماتها المحمية في القانون الدولي الإنساني"، مصدر سبق ذكره، صفحة 217.
[83] المرجع نفسه، صفحة 218.
[84] حسام علي عبد الخالق الشيخة -"المسؤولية والعقاب على جرائم الحرب (مع دراسة تطبيقية على جرائم الحرب في البوسنة والهرسك) "، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية، مصر، 2004، صفحة 333.
[85] تقرير مقدم من الأمين العام للأمم المتحدة عن إثيوبيا وإريتريا في 8 ابريل 2002 وريقة الأمم المتحدة رقم (S2002/245.
[86] سعيد سالم جويلي -:تنفيذ القانون الدولي الإنساني"، مصدر سبق ذكره، صفحة 27.
[87] مصطفى كامل شحاتة -"الاحتلال الحربي وقواعد القانون الدولي المعاصر (مع دراسة عن الاحتلال الإسرائيلي للأقاليم العربية) "، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1981، صفحة 194.
[88] جان س. بكتيه-"القانون الدولي الإنساني: تطوره ومبادئه"، مصدر سبق ذكره، صفحة 72.
[89] محمد عبد الجواد الشريف –"قانون الحرب (القانون الدولي الإنساني) "، الطبعة الأولى، المكتب المصري الحديث، مصر، 2003، صفحة 474.
[90] سعيد سالم جويلي –"تنفيذ القانون الدولي الإنساني"، مصدر سبق ذكره، صفحة 27.
[91] مصطفى كامل شحاتة -"الاحتلال الحربي وقواعد القانون الدولي المعاصر (مع دراسة عن الاحتلال الإسرائيلي للأقاليم العربية) "، مصدر سبق ذكره، صفحة 194.
[92] إيف ساندو-"نحو إنفاذ القانون الدولي الإنساني"، مصدر سبق ذكره، صفحة 521.
[93] المرجع السابق، صفحة 522.
[94] سعيد سالم جويلي –"تنفيذ القانون الدولي الإنساني"، مصدر سبق ذكره، صفحة 29.
[95] عبد الواحد محمد يوسف الفار-"أسرى الحرب. دراسة فقهية وتطبيقية في نطاق القانون الدولي العام والشريعة الإسلامية"، مصدر سبق ذكره، صفحة 423.
[96] سعيد سالم جويلي –"تنفيذ القانون الدولي الإنساني"، مصدر سبق ذكره، صفحة 28. راجع أيضا المادة 126 من اتفاقية جنيف الثالثة 1949.
[97] عبد الواحد محمد يوسف الفار-"أسرى الحرب. دراسة فقهية وتطبيقية في نطاق القانون الدولي العام والشريعة الإسلامية"، مصدر سبق ذكره، صفحة 424.
[98] محمد فهاد الشددة-"القانون الدولي الإنساني"، مصدر سبق ذكره، صفحة 323.
[99] مصطفى كامل شحاتة -"الاحتلال الحربي وقواعد القانون الدولي المعاصر (مع دراسة عن الاحتلال الإسرائيلي للأقاليم العربية) "، مصدر سبق ذكره، صفحة 196.
[100] جان س. بكتيه-"القانون الدولي الإنساني: تطوره ومبادئه"، مصدر سبق ذكره، صفحة 74.
[101] محمد فهاد الشلالدة-"القانون الدولي الإنساني"، مصدر سبق ذكره، صفحة 327.
[102] عبد الغني محمود -"القانون الدولي الإنساني (دراسة مقارنة بالشريعة الإسلامية) "، الطبعة الأولى، دار النهضة العربية، القاهرة، مصر، 1991، صفحة 179.
[103] سعيد سالم جويلي –"تنفيذ القانون الدولي الإنساني"، مصدر سبق ذكره، صفحة 32.
[104] عبد الغني محمود-"القانون الدولي الإنساني (دراسة مقارنة بالشريعة الإسلامية) "، مصدر سبق ذكره، صفحة 179.
[105] سعيد سالم جويلي –"تنفيذ القانون الدولي الإنساني"، مصدر سبق ذكره، صفحة 37.
[106] عامر الزمالي -"أليات تنفيذ القانون الدولي الإنساني"، في "القانون الدولي الإنساني (دليل للتطبيق على الصعيد الوطني) "، مصدر سبق ذكره، صفحة 261.
[107] علي صادق أبو هيف-"القانون الدولي العام"، الجزء الأول، "النظريات والمبادئ العامة، أشخاص القانون الدولي، النطاق الدولي، العلاقات الدولية، التنظيم الدولي، المنازعات الدولية، الحرب والحياد"، منشأة المعارف، الإسكندرية، مصر، دون تاريخ النشر، صفحة 719.
[108] عبد الواحد محمد يوسف الفار-"أسرى الحرب. دراسة فقهية وتطبيقية في نطاق القانون الدولي العام والشريعة الإسلامية"، مصدر سبق ذكره، صفحة 431.
[109] راجع المادة 111 من اتفاقية جنيف الثالثة 1949.
[110] عبد الواحد محمد يوسف الفار-"أسرى الحرب. دراسة فقهية وتطبيقية في نطاق القانون الدولي العام والشريعة الإسلامية"، مصدر سبق ذكره، صفحة 434.
[111] راجع المادة 11 من الاتفاقية الخامسة من اتفاقيات لاهاي 1907.
[112] عبد الواحد محمد يوسف الفار-"أسرى الحرب. دراسة فقهية وتطبيقية في نطاق القانون الدولي العام والشريعة الإسلامية"، مصدر سبق ذكره، صفحة 436.
[113] المرجع نفسه، صفحات 436-441.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق