الصفحات

البحث الذكي داخل المدونة

تحميل وطباعة هذه الصفحة

Print Friendly and PDF

الخميس، 20 أغسطس 2026

القانون الدولي الإنساني في ضوء الفقه الإسلامي - الأسس والمبادئ الإسلامية للعلاقات الدولية أ.د. على محيى الدين القره داغي

القانون الدولي الإنساني في ضوء الفقه الإسلامي

- الأسس والمبادئ الإسلامية للعلاقات الدولية –

بقلم

أ.د. على محيى الدين القره داغي

الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

ونائب رئيس المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبع هداه إلى يوم الدين أما بعد:

فقد أكرم الله تعالى هذه الأمة بهذه الشريعة الغراء التي نزلت رحمة وخيرا وسعادة ومصلحة للعباد فقد قال تعالى: (وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا) ([1]) وقال تعالى في وصف الرسول الكريم محمد صلى الاله عليه وعلى آله وسلم: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) ([2]) وقال تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) ([3]).

فإذا كان الإسلام خيرا وهدى وبشرى للمسلمين، فإنه أيضا رحمة للعالمين، وشفاء للناس كلهم أجمعين.

من هنا أدرك الفقهاء هذه الحقيقة حيث نصوا على أن هذه الشريعة شرعت لتحقيق المصالح، ودرء المفاسد، وأينما كانت الشريعة فثم المصلحة، وأينما كانت المصلحة الحقيقية فثم شرع الله، قال العز بن عبدالسلام: (وقد علمنا من موارد الشرع ومصادره أن مطلوب الشرع إنما هو مصالح العباد في دينهم ودنياهم) ([4]) قال ابن القيم: (فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل...) ([5]).

ومن ذلك المنطلق وتلك المبادئ عالج الإسلام القضايا المتعلقة بحالات الحرب، وحقوق الإنسان في خضم المعارك، والقواعد والأعراف الدولية التي تنظم هذه الأمور التي تسمى: القانون الدولي الإنساني، وتكمن أهمية دراسة هذه المبادئ التي تحكم هذه المسائل في أنها تبرز عظمة الإسلام ورحمته، وسبق الفقه الإسلامي في تنظيم هذه الأمور بعدة قرون للفقه الوضعي، وليس سبقا تاريخيا فقط، وإنما من حيث المضمون والتأصيل، والتطبيق العملي من خلال السيرة العطرة للرسول الكريم صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وسيرة خلفائه الراشدين، وآله الطيبين، وصحبه، والتابعين له بإحسان في حروبهم مع أعدائهم.

وقد بذلنا ما في وسعنا من جهد؛ لتوضيح أهم المبادئ والأسس التي تحكم العلاقات الدولية، وبالأخص في حالات الحرب، وللمقارنة المتاحة في هذا البحث بين القانون الدولي الإنساني، والأسس والمبادئ التي قررها الإسلام منذ عدة قرون.

والله أسال أن يلبس أعمالنا كلها جمعاء ثوب الإخلاص والقبول، ويجعلها خالصة لوجهه الكريم، وأن يعصمنا من الخطأ والزلل في العقيدة والقول والعمل، إنه مولانا فنعم المولى ونعم النصير.


كتبه الفقير إلى ربه


علي بن محي الدين القره داغي


 



التعريف بالعنوان:


أولا: يقصد بالقانون الدولي الإنساني:


مجموعة القواعد التي تهدف إلى الحد من آثار النزاعات المسلحة لأسباب إنسانية، وإلى حماية غير المدنيين من الأعمال العدائية، وإلى تقييد حق اختيار الوسائل والأساليب المستعملة في الحرب، كما يعرف هذا القانون بقانون الحرب، أو قانون النزاعات المسلحة ([6]).


وهذا القانون جزء من القانون الدولي الذي يضمن الاتفاقيات الموقعة بين الدول التي تصبح ملزمة قانونا بحكم ممارسة الدول لها، ولكنه لا ينظم استخدام الدولة فعليا للقوة، الذي هو جزء من القانون الدولي المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة.


وقد ورد جزء كبير من القانون الدولي الإنساني في اتفاقيات جنيف الأربع عام 1949، حيث التزمت بها الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، وقد طورت تلك الاتفاقيات من خلال البروتوكولين المعتمدين في عام 1977، بالإضافة إلى اتفاقية لاهاي لعام 1954 لحماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح وبروتوكوليها، واتفاقية الأسلحة البيولويجية عام 1972، واتفاقية الأسلحة التقليدية وبروتوكولاتها الأربعة عام 1980، واتفاقية الأسلحة الكيمياوية عام1993 ، ومعاهدة الألغام المضادة للأفراد عام 1997، والبروتوكول الاختياري لعام 2000 بشأن مشاركة الأطفال في النزاعات المسلحة ([7]).


وترجع أصول القانون الدولي الإنساني إلى المبادئ العامة الموجودة في الديانات والحضارات القديمة، ولكنه بدأ تدوينه منذ القرن التاسع عشر، ولم تعتمد إلا في عام 1949 م أي بعد الحربين العالميتين اللتين وقعت فيهما من الأهوال ما يندى لها جبين الإنسانية.


نوعية الحماية:


يعطي القانون الدولي الإنساني الحماية للمدنيين، وأفراد الخدمات الطبية، والدينية، وللمقاتلين الجرحى، أو المرضى بالإضافة إلى أسرى الحرب، حيث يوجب على الدول المحاربة أن تحترم حياتهم وسلامتهم البدنية والمعنوية وان يعاملوا معاملة إنسانية، ويمنحهم الضمانات القضائية، وكذلك بحظر قتلهم أو جرحهم، وضرورة جمع جرحاهم ومرضاهم، والاعتناء بهم وإسعافهم، كما أنه يحدد قواعد تفصيلية لقضايا الأسرى، وظروفهم، ويوجب على الدولة منع وقوع كافة الانتهاكات، ومعاقبة مرتكبيها... ([8]).


ويحدد القانون الدولي الإنساني بعض العلامات المميزة التي يمكن استخدامها بتحديد هوية الأشخاص المحميين، والأعيان والممتلكات المحمية، مثل شارتي الهلال الأحمر، والصلىيب الأحمر، والعلامات المميزة الخاصة بالممتلكات الثقافية والدفاع المدني.


ما يمنعه القانون الدولي الإنساني:


يمنع القانون الدولي الإنساني ما يلي:


الأسلحة والخطط العسكرية التي لا تميز المقاتلين والمدنيين.

ما يسبب آلاما مفرطة.

ما يسبب أضرارا جسيمة وطويلة المدى للبيئة.

ولذلك؛ فقد حظر استخدام العديد من الأسلحة مثل الأسلحة البيولوجية والكيميائية، وأسلحة الليزر المسببة للعمى، والألغام المضادة للأفراد، والرصاص المتمدد في الجسم ([9]).


هل يطبق القانون الدولي الإنساني في الحروب؟


إن من المؤسف حقا أن هذا القانون لا تطبقه الدول المتحاربة، حتى الدول المتقدمة، فقد أرينا ماذا فعل الجيش الأمريكي المحتل في العراق وأفغانستان؟، وفي سجن أبي غريب؟، وقلعة الموت بكابل؟، ولكن الذي يستفاد من القانون الدولي الإنساني في ظل انتهاكاته هو حق اللجوء إلى القضاء، واتهام الدولة أو الأشخاص بجرائم الحرب، وحق التعويض ونحو ذلك.


إلزامية تدريس القانون الدولي الإنساني:


إن الدول الموقعة على هذا القانون ملزمة بتدريسه لقواتها المسلحة، والجمهور العام، وعليها أن تمنع وقوع الانتهاكات ومعاقبة مرتكبيها، واعتماد قوانين لمعاقبة أشد في حالة انتهاكت اتفاقيات جنيف وبروتوكوليها الإضافيين، ويجب عليها اعتماد قانون يكفل حماية شارتي: الصليب الأحمر والهلال الأحمر.


ولتحقيق ذلك؛ اتخذت تدابير على المستوى الجولي حيث أنشئت محكمتان للمعاقبة على الأعمال المرتكبة في النزاعات الأخيرة في يوغسلافيا السابقة، ورواندا، كما أنشئت محكمة جنائية دولية لجرائم الحرب وفقا لنظام روما الأساس الذي اعتمد في عام 1988 م ([10]).


التحديات المعاصرة أمام القانون الدولي الإنساني:


هناك تحديات كثيرة أمام تطبيق القانون الدولي الإنساني، من أهمها في نظري:


أ-التحدي الأخلاقي أو الأزمة الأخلاقية التي يمز بها العالم اليوم، حيث قل الالتزام الأخلاقي على مستوى الدول والأفراد، فقد رأينا ما حدث مع الاحتلال الأمريكي لأفغانستان في قلعة الموت، وفي العراق في سجن أبي غريب: وما حدث كذلك من استعمال النظام العراقي للغازات الكيماوية في حلبجة في مارس عام 1988، حيث راح ضحيتها خلال دقائق خمسة عشر ألف من الأطفال والنساء والشيوخ والشباب، وما حدث في رواندا، وما حدث في البوسنة والهرسك على أيدي الصرب ضد المسلمين المدنيين، ما يندى له جبين العصر الذي نحن فيه!


ب-ومنها: الخلط بين القضايا الإنسانية والإرهاب، والاحتلال حيث -كما يقال-اختلط الحابل بالنابل، وما تقوم به الدول في ظل ما يسمى بالحرب على الإرهاب من الانتهاكات الفظيعة لحقوق الإنسان في حالة السلم، ومن جرائم في حالة الحرب والنزاعات.


ج-ومنها: خصخصة الحرب، ونقصد بها دخول الشركات الأمنية والعسكرية لأداء مهمات عسكرية من خلال عقود مالية بمليارات الدولارات، ومعظم أفراد تلك الشركات يختارون أو يؤخذون من الدول الفقيرة، ومن المجرمين أو على الأقل: هم مستأجرون لأجل القتل والقتال، وبالتالي فلا نجد لدى معظمهم أي قيمة أخلاقية، ولا إنسانية، ولا اعتراف بأي قانون إنساني، وإنما يهمهم حماية أنفسهم وتحقيق رواتبهم العالية، والغنايم التي يكتسبونها خفية، و....


د-ومنها: سيطرة الأمن وهاجس الأمن على القيم والأخلاق والقانون في معظم الدول، ولا سيما في ظل الجرائم الإرهابية التي وقعت في: أمريكا، وبريطانيا، وإسبانيا، وبالتالي فالدولة وأجهزتها الأمنية لا تفكر إلا في منع الإرهاب بأي ثمن كان.


هــ-ومنها: قيام الحروب التي تقوم بها الجماعات المتمردة أو الإرهابية في معظم بقاع العالم، حيث لا تلتزم تلك الجماعات بأي قانون في هذا المجال، وهنالك تكمن المشكلة الكبرى بالنسبة للمدنيين الذين يكونون ضحية دون حماية.


وقد أشار السيد جاكون (كلينبرغر) رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر في 21-09-2010 في كلمته إلى تلك التحديات فقال: (إن طبيعة النزاعات المسلحة، وأسبابها، وعواقبها قد تغيرت على مر السنين، وأن على المجتمع الدولي توقع بروز حاجات جديدة في مجال حماية ضحايا النزاعات المسلحة والاستعداد لتلبيتها ...) ([11]).


وقد قام خبراء اللجنة الدولية بدراسة علمية، وميدانية حول تلك التحديات، وكيفية معالجتها، نذكر خلاصتها لأهميتها: (لقد خلصت الدراسة إلى أن القانون الإنساني لا يزال يشكل إطارا ملائما لتنظيم تصرف الأطراف في النزاعات المسلحة الدولية منها وغير الدولية، وذلك في ما يتعلق بمعظم المسائل المدروسة. لقد تطور على مر السنين قانون المعاهدات والقانون العرفي على حد سواء: فجاء سد بعض الثغرات وتوضيح بعض الإشكالات. وأثبتت التجارب الأخيرة ديمومة أهمية القانون الإنساني وملاءمته في حماية حياة الإنسان وكرامته أثناء النزاعات المسلحة، وما هو مطلوب في أغلب الحالات؛ من أجل تحسين أوضاع الأشخاص المتضررين من النزاع المسلح ليس اعتماد قواعد جديدة، بل تعزيز الامتثال للقوانين القائمة. ولا يمكن أن يخطئ المرء إذا قال أن معظم المشاكل الإنسانية التي نواجهها لن يعود لها وجود لو أظهرت كل الأطراف المعنية احتراما فعليا للقانون الإنساني، ولذلك يجب أن تستند جميع محاولات تعزيز القانون الإنساني إلى الإطار القانوني القائم. ولا حاجة لمناقشة قواعد ثبتت ملاءمتها منذ وقت طويل.


ويجدر التذكير، في هذا السياق، بأن تعزيز الإطار القانوني المنطبق على النزاعات المسلحة يتطلب أيضا أن تؤخذ في الاعتبار، إلى جانب القانون الإنساني، أنظمة قانونية أخرى ذات صلة، ومن الضروري أن يتجنب أي تطور أو توضيح للقانون الإنساني الازدواجية مع قواعد قائمة في قانون حقوق الإنسان، كما يجب تجنب أي خطر من شأنه تقويض تلك القواعد، غير أنه ينبغي أن يظل عنصرا أساسيا ماثلا أمام أعيننا ألا وهو أن احترام القانون الإنساني واجب في كل الظروف في حين أنه يسمح بالخروج عن بعض أحكام قانون حقوق الإنسان في حالات الطوارئ، ويمكن بالتالي أن يساعد تدوين القانون الإنساني في منع بروز ثغرات قانونية في التطبيق العملي.


إلا أن الدراسة أظهرت أيضا: أن القانون لا يستجيب دائما بالكامل للحاجات الإنسانية الفعلية، حيث تنتج بعض التحديات المطروحة في مجال حماية الأشخاص والأعيان، عن ثغرات أو نقاط ضعف في القوانين القائمة والتي تتطلب المزيد من التطوير أو التوضيح.


وخلصت اللجنة الدولية بصورة أكثر تحديدا إلى أن القانون الإنساني يجب أن يضع أجوية جديدة في أربعة مجالات رئيسية.


يشمل المجال الأول حماية الأشخاص المحرومين من الحرية، لاسيما في حالات النزاعات المسلحة غير الدولية. وتزور اللجنة الدولية مئات الآلاف من المحتجزين كل سنة الأمر الذي يوفر للمنظمة امتلاك رؤية فريدة عن المشاكل القانونية والعملية التي ترافق الحرمان من الحرية. صحيح أن غياب البنى التحتية والموارد الملائمة يعيق في بعض الحالات إنشاء نظام احتجاز لائق، ولكن ندرة المعايير القانونية الواجبة التطبيق في النزاعات المسلحة غير الدولية تشكل على نحو مماثل عائقا كبيرا أمام الحفاظ على حياة المحتجزين وصحتهم وكرامتهم.


ومما لا شك فيه أن الظروف المادية الرديئة للاحتجاز من الأرجح أن تخلف، وغالبا ما تخلف فعلا، آثارا مباشرة على الصحة الجسدية والعقلية للمحتجزين يتعذر بعد ذلك إزالتها، ومن بين المشاكل المرافقة للاحتجاز الأكثر شيوعا، نذكر عدم توفر ما هو ملائم من الطعام والماء واللباس وغياب أنظمة الصرف الصحي وظروف السكن الملائمة وصعوبة الحصول على خدمات الرعاية الطبية اللازمة، وقد تكون بعض الفئات مثل: النساء والأطفال مثلا، أكثر تعرضا للأخطار من غيرها بسبب حاجاتها الخاصة في مجال الحماية. ومع ذلك، بينما توجد قواعد مفصلة ملزمة عن شروط الاحتجاز في النزاعات المسلحة الدولية، لا تحكم قواعد من هذا النوع النزاعات المسلحة غير الدولية ولاسيما تلك النزاعات التي لا يغطيها البروتوكول الإضافي الثاني وبالتالي لا تنظمها إلا المادة 3 المشتركة بين اتفاقيات جنيف الأربع.


وثمة مشكلة إنسانية أخرى مهمة تكمن في عدم تمتع المعتقلين والمحتجزين لأسباب أمنية خلال النزاعات المسلحة غير الدولية بالحماية الكافية، فالاعتقال يمارس على نطاق واسع باعتباره وسيلة لمراقبة بعض الأشخاص بدون توجيه التهم الجنائية إليهم. ولا تحتوي معاهدات القانون الإنساني على أية ضمانات قضائية لمواجهة ذلك الوضع أثناء النزاعات المسلحة غير الدولية، ولذلك يتعرض المعتقلون لعواقب عدة منها احتمال أن يخضعوا لفترات اعتقال طويلة بدون إخطارهم على النحو الواجب بالأسباب التي أدت إلى حرمانهم من الحرية، وعدم وجود أية إجراءات متاحة لهم للطعن في قانونية اعتقالهم أو تأمين الإفراج عنهم إذا لم يكن مثل ذلك الاعتقال مبررا أو لم يعد مبررا. وتؤكد خبرة اللجنة الدولية أن عدم معرفة أسباب الاعتقال أو طول مدته هو أحد المصادر الرئيسية للمعاناة التي يعيشها المعتقلون وعائلاتهم.


وتبرز مشكلة أخرى مثيرة للقلق تتمثل في المخاطر التي يتعرض لها المحتجزون حين ينقلون من سلطة إلى سلطة أخرى سواء أكانت أثناء عملية النقل أم بعدها. ويكون أولئك الأشخاص قد عانوا في حالات معينة من انتهاكات خطيرة لحقوقهم من اضطهاد وتعذيب واختفاء قسري وحتى القتل، ومن الواضح أن التوجيهات القانونية المتوفرة لسلطات الاحتجاز في مثل هذه الحالات هي غير كافية. وذلك يعني أن ثمة ضرورة ماسة لوجود مجموعة من القواعد الممكنة التطبيق، في الجوهر وفي الإجراءات؛ من أجل حماية سلامة الذين يعانون من تلك الظروف وكرامتهم.


ومن الضروري أيضا ضمان إمكانية أن تزور المحتجزين هيئة مستقلة ومحايدة مثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر. وتساعد مثل تلك الزيارات السلطات المسؤولة على التعرف إلى المشاكل المطروحة وتشكل قاعدة للحوار حول تحسين معاملة المحتجزين والظروف المادية لاحتجازهم. ويعترف القانون الذي يحكم النزاعات المسلحة الدولية بحق زيارة الأشخاص المحرومين من الحرية، ولكن وبالرغم من أن القبض على الأغلبية العظمى من المحتجزين واعتقالهم يجري اليوم أثناء النزاعات المسلحة غير الدولية، فلا وجود لذلك الحق في الإطار القانوني الذي يحكم ذلك النوع من النزاعات المسلحة.


إن اللجنة الدولية تعتقد، مستندة بشكل خاص إلى تلك الاعتبارات، أن استكشاف طرق قانونية جديدة تتيح معالجة شاملة لموضوع حماية الأشخاص المحرومين من الحرية أثناء النزاعات المسلحة غير الدولية هو ضرورة ملحة.


تنفيذ القانون الإنساني وإنصاف ضحايا الانتهاكات هو مجال آخر تبدو الحاجة ملحة فيه إلى تطور قانوني. فعدم الاحترام الكامل للقواعد الواجبة التطبيق هو السبب الرئيس لمعاناة الناس أثناء النزاعات المسلحة. وجاء التركيز خلال السنوات الأخيرة على وضع إجراءات في القانون الجنائي تتيح مقاضاة ومعاقبة الذين ارتكبوا انتهاكات خطيرة للقانون الإنساني ولكننا لا نزال نفتقد للوسائل الملائمة لوقف الانتهاكات والتعويض عنها عندما تحصل.


وقد ثبت أن معظم الآليات التي ينص عليها القانون الإنساني غير كافية إلى الآن، ولم تستخدم عمليا الإجراءات المحددة لمراقبة الأطراف المتحاربة في النزاعات المسلحة الدولية، أو لم تستخدم القط تقريبا، عموما؛ بسبب عدم موافقة مختلف الأطراف في النزاع. أما فيما يتعلق بالنزاعات المسلحة غير الدولية فمثل هذه الإجراءات هي ببساطة غير موجودة.


وبدلا من ذلك، أمكن تنفيذ أنشطة المراقبة في النزاعات المسلحة بفضل آليات وضعت خارج نطاق القانون الإنساني، على سبيل المثال داخل إطار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، أو مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، أو أنظمة إقليمية للدفاع عن حقوق الإنسان. وتكمن الميزة الرئيسة لتلك الآليات في إمكانية استخدامها بدون الحصول على موافقة أطراف النزاع، وفي أنها تنطبق أيضا على كل أشكال النزاعات المسلحة الدولية منها وغير الدولية، غير أن تلك الآليات تصطدم أيضا بتقييدات، فالبعض منها مثلا يركز على تصرف الدول ولا يتناول مسؤوليات الأطراف غير الحكومية، إضافة إلى أن بعض الهيئات ملزمة قانونا بتطبيق قانون حقوق الإنسان وذلك ما يجعل من الصعب عليها مراعاة أحكام القانون الإنساني ذات الصلة عندما يتعلق الأمر بحالات النزاع المسلح. وأخيرا لم يكن تأمين تعاون أطراف النزاعات في تنفيذ إجراءات المراقبة ممكنا دائما.


وبالتالي لا يقدم نظام التنفيذ الساري حاليا إلا حلولا غير فعالة أو حلولاً جزئية، بينما تبقى الحاجة ملحة لتعزيز احترام القانون الإنساني من جانب كل الأطراف المشاركة في النزاعات المسلحة. فالمطلوب بوضوح هو نظام قادر على تلبية حاجات ضحايا تلك النزاعات.


وفي صلة بموضوع التنفيذ، هنالك أيضا قضية أخرى بالغة الأهمية هي تعويض ضحايا انتهاكات القانون الإنساني. فالتعويض مسألة أساسية بالنسبة إلى الضحايا، من أجل تمكينهم من التغلب على المعاناة الرهيبة الناجمة عن تلك التجارب المؤلمة وإعادة بناء حياتهم، وينبغي أن يكون التعويض متوافقا والظروف التي يعيشها الضحايا وملائما لحاجاتهم. ولا يشمل بالضرورة التعويضات المالية فهناك أشكال أخرى من التعويض تشمل إعادة الحق، ورد الاعتبار، و "الترضية"، وضمان ألا تتكرر الانتهاكات.


وتشكل حماية البيئة الطبيعية المجال الثالث المثير للقلق والذي ينبغي تعزيز القانون الإنساني فيه. فالأضرار الخطيرة التي أصابت البيئة الطبيعية في عدد كبير من النزاعات المسلحة ساهمت في زيادة حالة الاستضعاف لدى الذين عانوا أصلا من القتال، إن البيئة ذات قيمة كبيرة بحد ذاتها ولكن الناس يعتمدون أيضا عليها لكسب الرزق وتأمين الراحة والرفاهية كذلك، وهي تلعب دورا حاسما في ضمان حياة وبقاء الأجيال الحاضرة والقادمة.


غير أن القانون الحامي للبيئة أثناء النزاعات المسلحة ليس واضحا دائما ولا متطورا بما يكفي. فعلى سبيل المثال: لا يتضمن قانون المعاهدات شرطا خاصا بحماية البيئة والحفاظ عليها أثناء العمليات العدائية في إطار النزاعات المسلحة غير الدولية. صحيح أن القانون العرفي يحتوي على بعض الأحكام ذات الصلة مثل واجب عدم مهاجمة البيئة الطبيعية ما لم يكن هناك هدفا عسكريا، أو حظر الهجمات التي من شأنها التسبب بأضرار عرضية غير متناسبة في البيئة. إلا أن تحسين حماية البيئة أثناء النزاعات المسلحة يتطلب صياغة تفاصيل أوفى عن النطاق المحدد لهذه القواعد من القانون العرفي وما يترتب عليها.


وثمة ضرورة ملحة أيضا لإيجاد وسائل أفضل لمواجهة عواقب الأضرار التي تلحق بالبيئة فورا وفي الأمد الطويل. فتدمير محطات الكهرباء والمنشآت الكيمائية وغيرها من الصناعات وأنظمة التصريف الصحي والمجاري، وحتى مجرد الأنقاض الناجمة عن ذلك التدمير، كل ذلك يمكن أن يؤدي إلى تلوث خطير لمصادر المياه والأراضي الصالحة للزراعة والهواء، الأمر الذي يؤثر في حياة جميع السكان، ولذلك ينبغي إنشاء نظام جديد لضمان تنظيف المناطق المتضررة بسرعة وفعالية، وكما يجب أن يشمل ذلك إنشاء أنظمة للتعاون الدولي.


ويجب أيضا تطوير العمل الوقائي، كالنظر مثلا في إمكانية تعيين مناطق ذات أهمية بيئية كبيرة باعتبارها مناطق منزوعة السلاح قبل بداية نزاع مسلح أو على الأقل لدى اندلاعه، ويمكن أن تشمل مثل تلك المناطق مساحات تحتوي على نظم إيكولوجية فريدة أو على أنواع مهددة بالانقراض.


أما المجال الرابع الذي ينبغي تعزيز القانون الإنساني فيه، فهو موضوع حماية الأشخاص النازحين داخليا. ويشكل منح الحماية الملائمة للنازحين أحد المهمات الأكثر صعوبة في العمل الإنساني، وقد أثبتت ذلك التجربة الطويلة للجنة الدولية في هذا المجال، ومع ذلك، لا نزال نفتقر في هذا الصدد إلى الحماية القانونية الكافية. إلا أنه ينبغي القول: إن اعتماد المبادئ التوجيهية بشأن التشرد الداخلي عام 1998 شكل خطوة هامة في تعزيز الإطار القانوني الدولي لحماية الأشخاص النازحين إلى داخل بلدانهم، ومن المؤكد أن تدوين بعض عناصر هذا الصك الدولي وتطويرها سيساعدان في تعزيز آثارها.


إن الأشخاص المشردين داخليا الذين تركوا منازلهم وأراضيهم قد يفتقرون إلى وسائل كسب العيش. وربما كانوا معزولين أو يعيشون في مناطق غير آمنة. وقد يصبحون ضحايا العنف بتجنيدهم قسرا في القوات المقاتلة، أو بالتعرض للاغتصاب وحتى القتل، وقد ينفصل الأفراد عن عائلاتهم، فيما يمكن أن يجد أولئك الذين هربوا بدون أوراق تثبت أوضاعهم المدنية صعوبة في الحصول على الخدمات الاجتماعية أو في التحرك بحرية داخل البلاد، لذلك ينبغي وضع قواعد قانونية لتأمين بعض الأمور منها مثلا الحفاظ على وحدة الأسرة أو إمكانية حصول النازحين إلى داخل البلاد على الوثائق اللازمة للتمتع بحقوقهم.


ويمكن أن تتفاقم مأساة النازحين داخليا إلى حد خطير؛ إذا طال النزوح لأمد طويل وأصبحوا عاجزين عن العودة إلى منازلهم أو أماكن سكنهم العادية أو إيجاد حل دائم آخر، وقد تكون ممتلكاتهم قد تعرضت للدمار أو استولى عليها آخرون، واحتلت أراضيهم أو لم تعد صالحة للاستعمال بسبب العمليات العدائية، كما يمكن أن يتعرضوا لعمليات انتقام في حال عودتهم، ويحتمل أيضا أن يواجهوا مشاكل في اندماجهم في المجتمع الذي لجأوا إليه. ومع ذلك يفتقر القانون الدولي الساري إلى الأحكام اللازمة لمواجهة كل تلك القضايا، لذلك ينبغي أن يطور القانون الإنساني إجراءات تمكن النازحين داخليا من العودة إلى منازلهم أو أماكن سكنهم في ظروف مرضية.


إن هذه الدراسة التي أجرتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر ليست إلا خطوة واحدة من بين الخطوات العديدة التي يجب الاضطلاع بها، إلى حين تقديم حلول عملية فعالة، ونظرا إلى طبيعة مهمتها، فإن اللجنة الدولية لعازمة على اتخاذ كل الإجراءات اللازمة لضمان توصل هذه المبادرة إلى نتائج إيجابية. إلا أن اللجنة الدولية تدرك أيضا أن مثل هذه النتائج لا يمكن أن تتحقق بدون المزيد من التعاون والدعم، ففي النهاية، وحدها الدول قادرة على تحقيق تطور في القانون الدولي.


وتود اللجنة الدولية إقامة حوار مع الدول ومع الأطراف المعنية الأخرى بشأن الاستنتاجات الواردة في الدراسة وبشأن أية متابعة محتملة.


وإننا نرحب شاكرين بأية تعليقات أو اقتراحات تصلنا حول هذه المبادرة، سواء أكانت بالنسبة إلى المحتوى أم الإجراءات، ونولي اهتماما خاصا لمعرفة مدى موافقة الجهات الأخرى على قراءتنا للمشاكل الإنسانية الفظيعة التي تواجهنا وما تطرحه من تحديات أمام القانون الإنساني.


وسعيا منها لتشجيع ذلك الحوار، تنوي أيضا اللجنة الدولية، خلال الأشهر القادمة، الدخول في مناقشات ثنائية مع مجموعة من الدول، وهي مستعدة كذلك لإقامة حوار مع جميع الدول التي ترغب في ذلك. واستناداً إلى تلك المشاورات، سوف تتخذ قرارا بشأن إمكانية طرح مبادرات تهدف إلى تعزيز الإطار القانوني الواجب التطبيق في النزاعات المسلحة وكيفية إجراء ذلك.


وسوف تبلغ الدول بنتائج تلك العملية، وسيشكل المؤتمر الدولي للصليب الأحمر والهلال الأحمر المزمع عقده في تشرين الثاني /نوفمبر القادم خطوة مهمة في هذا السياق.


ربما بدا سعينا هذا مفرطا في طموحه، ذلك أن العوائق أمامنا كثيرة حقا، إلا أن المعاناة التي تسببها النزاعات المسلحة تفرض علينا أن نكون طموحين، وإذا لم نكن كذلك فكيف لنا أن نضمن أن يستمر القانون الإنساني في الاستجابة فعلا لحاجات الذين يتحملون عبء الأضرار التي تسببها تلك النزاعات المسلحة؟ لقد أقنعتني التجارب الماضية أن من الممكن تجاوز العقبات التي تبرز أمامنا؛ إذا توفرت الإرادة السياسية لذلك. ولا يسع اللجنة الدولية إلا أن تعرب عن أملها في أن توحد الدول جهودها لصالح ضحايا النزاعات المسلحة) ([12]).


فتلك التحديات في مجملها تحديات ومشاكل أخلاقية، وبالتالي لا تعالج إلا من خلال الالتزام الديني والأخلاقي، والتربية الروحية الداخلية، والإحساس الداخلي والشعور برقابة الله تعالى على تصرفات الإنسان مهما كانت خفية (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ) ([13]).


وهذا ما عبر عنه في الإسلام بالتقوى والخوف الداخلي من الله تعالى، وهذه مرتبة الإحسان التي تأتي بعد الإيمان والإسلام، حيث سأل جبريل عليه السلام عن الإحسان في حديث سيدنا عمر رضي الله عنه؟، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) ([14]).


أو كما كان الآل الأطهار والصحب الأبرار يلتزمون بأحكام الشريعة في جميع الأحوال في السلم والحرب، في حقوقهم، والتزاماتهم، فيما لهم، وفيما عليهم، بل هم لم يتعاملوا حتى مع الأعداء بالعدل فقط، بل به وبالإحسان كما أمرهم الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) ([15]).


فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قدوة في الرحمة في كل حالات الحرب والسلم، فقد تعامل مع من آذوه من أهل مكة وقتلوا بعض أصحابه بالتعذيب، وأخرجوه وآله الأطهار وصحبه الكرام من مكة المكرمة، وفعلوا ما فعلوا في غزوة أحد والأحزاب، حتى قتلوا عمه الكريم حمزة رضي الله عنه، ومثلوا به، ومع كل ذلك حينما انتصر عليهم في فتح مكة سامحهم وقال: (اذهبوا فأنتم الطلقاء) وقال في يوم الفتح: (اليوم يوم المرحمة) ردا على من قال: اليوم يوم الملحمة ([16]) وقال أيضا: (قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) ([17]) وقد نزل قوله تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ) ([18]) فاختار الرسول صلى الله عليه وسلم أن يغفر عنهم ويصبر فقال: (نصبر ولا نعاقب) ([19]).


ثانيا: الأسس: جمع أساس، وهو قاعدة البناء التي يقام عليها، وأصلى كل شيء، ومبدؤه، ومنه أساس الفكرة، وأساس البحث ([20]).


والمقصود بها هنا: الأصول التي ترجع إليها الفروع والمسائل الجزئية.


ثالثا: والمبادئ: جمع مبدأ، ومبدأ الشيء: أوله ومادته التي يتكون منها، أو يتركب منها، ومبادئ العلم أو الفن أو الدستور أو القانون: قواعده الأساسية التي يقوم عليها ولا يخرج منها ([21])، والمقصود بمبادئ الإسلام وأسسه هي القواعد الأساسية التي يقوم عليها الإسلام، والغايات والمقاصد العامة التي نزلت الشريعة؛ لأجل تحقيقها، من حماية الكليات الأساسية الخمس، أو الست، أو الثمان، وتنميتها ([22])..


رابعا: العلاقات الدولية: والمقصود بها هي الأسس التي تحكم العلاقات بين الدول المختلفة دينيا أو عرقيا، أو إقليميا في حالات السلم والحرب، وحديثنا يتناول أيضا بإيجاز العلاقات الإنسانية في ظل القانون الدولي الإنساني الذي يحاول الحد من الأثار التي تحدث أثناء الحرب، وتجنيب المدنيين من آثار الحرب ([23]).


الإسلام والعلاقات الدولية: (نبذة من سيرة الرسول القائد صلى الله عليه وسلم)

نزل الإسلام؛ لتنظيم علاقة الإنسان بربه، وبأخيه الإنسان مسلما أو غير مسلم، وبالكون الذي حوله، ووضع لذلك منهجا متكاملا، ومبادئ عامة، وقواعد كلية صالحة لكل زمان ومكان؛ لما لها من قابلية للتطوير والمعاصرة مع الحفاظ على الأصالة والثوابت.


وفي الفترة المكية لم تكن هناك دولة، وإنما كانت العلاقة فردية، يدعو الرسول صلى الله عليه وسلم الناس جميعا إلى الدخول في دين الله والاهتداء بصراطه المستقيم، وإلى التوحيد، وبناء الإنسان على العقيدة الصحيحة، والتربية السليمة الشاملة لجوانب الإنسان الروحية والنفسية البدنية والاجتماعية...


وقد تحمل الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام الكثير والكثير من الأذى النفسي والبدني في سبيل تبليغ الدعوة الحقة، حيث كان شعارهم (كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة) ([24]) والدعاء لأولئك المشركين الذين يؤذونهم: (اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون).


وعندما هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة وتأسست دولة الإسلام الأولى سعى الرسول صلى الله عليه وسلم إلى تقوية المجتمع المدني والجبهة الداخلية من جانبين أساسين:


الجانب الخاص بالمسلمين، حيث قام بتوحيد أواصر الأخوة الحقيقية فيما بينهم من خلال التآخي بين المهاجرين بعضهم وبعضهم، ثم بين المهاجرين والأنصار حيث أشرك الأنصار حقا إخوانهم المهاجرين في أموالهم، وفي نخيلهم وثمارهم ([25]).

الجانب العام الشامل كل من يعيش على أرض المدينة من المسلمين واليهود وغيرهم من خلال الوثيقة التي كانت الدستور لتنظيم العلاقة بين أهل المدينة على أساس المساواة في المواطنة في الحقوق والواجبات والدفاع عن المدينة ونحوها ([26]).

ثم كانت العلاقة بين الدولة الإسلامية الفتية وقريش، والقبائل المحيطة بها علاقة هجوم وحرب من قبلهم عليها، وكان موقف الرسول صلى الله عليه وسلم موقف الدفاع عن الإسلام ودولته مع حرصه الشديد على الدعوة أولا والتصالح معهم، ولكنهم كانوا لا يلتزمون بعهودهم ومواثيقهم.


وأما موقف الرسول صلى الله عليه وسلم مع الدول المحيطة بالجزيرة هو أن الرسول صلى الله عليه وسلم دعا رؤساءها من خلال رسائل إليهم إلى الدخول في الإسلام، وحينئذ يبقون على حكمهم مع إجراء الإصلاحات والعدالة التي يقتضيها الإسلام.


ويمكن تلخيص العلاقة الدولية في حالة السلم، وفي حالة الحرب في الآيات الثلاث في سورة الممتحنة وهي: (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (7) لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) ([27])، فالآية الأولى بينت أن الإسلام يتطلع إلى إزالة العداوة، وتحقيق المودة بكل الوسائل المتاحة، وأما الآية الثالثة فقد بينت العلاقة بين المسلمين وغيرهم في حالة السلم وعدم الاعتداء حيث تقوم على ما يلي: 1 - البر والإحسان 2. والعدل والميزان.


وأما الآية الثانية فبينت العلاقة مع غير المسلم في حالة الحرب والعداوة حيث تقوم على أن يتحد المسلمون ويكون ولاؤهم لله تعالى وللمؤمنين بالمحنة والنصرة، وألا تكون نصرتهم لأولئك الكفرة المحاربين ومع ذلك تقوم على العدل والإنصاف حتى في حالة الحرب.


والعظيم في هذه الآية أنها جاءت في سورة تبدأ بما فعله أعداء الله تعالى مع المسلمين، وما يريدون أن يفعلوه معهم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ) ([28]) ثم قال الله تعالى: (إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ) ([29]) ومع ذلك أمر الله تعالى فيها بالعدل وعدم الظلم، كما أكد ذلك قوله تعالى: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) ([30]).


والأعظم من ذلك أن سورة الممتحنة نزلت بعد سورة البراءة مما يبعد كل البعد مسألة النسخ ونحوه، حيث برهنت السورة على أن أولئك المشركين كانوا لا يرعون عهودهم، بل إنهم قد خانوا الله وخانوا المؤمنين، ومع ذلك أكدت هذه الآيات على أن يتعامل المسلمون مع غيرهم على قواعد العدل في جميع الأحوال، وعلى قواعد البر والإحسان أيضا، إذا لم يمارسوا ضد المسلمين الظلم والإخراج والقتل والإرهاب، فالقاعدة الإسلامية الكبرى في العلاقات الدولية هي جعل المقاطعة والخصومة خاصة بحالة العداء والعدوان وفيما عدا ذلك تكون العلاقة هي البر والإحسان، فالإسلام ليس براغب في الخصومة، ولا مقطوع بها كذلك، وهو في حالة الخصومة ستبقى أسباب الود في النفوس بنظافة السلوك وعدالة المعاملة انتظارا لليوم الذي تجتمع فيه النفوس على المحبة والسلام.


قال سيد قطب: (وتلك القاعدة في معاملة غير المسلمين هي أعدل القواعد التي تتفق مع طبيعة هذا الدين ووجهته ونظرته إلى الحياة الإنسانية، بل نظرته الكلية لهذا الوجود، الصادر عن إله واحد، المتجه إلى إله واحد، المتعاون في تصميمه اللدني وتقديره الأزلي، من وراء كل اختلاف وتنويع، وهي أساس شريعته الدولية، التي تجعل حالة السلم بينه وبين الناس جميعا هي الحالة الثابتة، لا يغيرها إلا وقوع الاعتداء الحربي وضرورة رده، أو خوف الخيانة بعد المعاهدة، وهي تهديد بالاعتداء؛ أو الوقوف بالقوة في وجه حرية الدعوة وحرية الاعتقاد، وهو كذلك اعتداء، وفيما عدا ذلك فهي السلم والمودة والبر والعدل للناس أجمعين.


ثم هي القاعدة التي تتفق مع التصور الإسلامي الذي جعل القضية بين المؤمنين ومخالفيهم هي قضية هذه العقيدة دون غيرها؛ ويجعل القيمة التي يضن بها المؤمن ويقاتل دونها هي قضية العقيدة وحدها، فليس بينهم وبين الناس ما يتخاصمون عليه ويتقاتلون إلا حرية الدعوة وحرية الاعتقاد، وتحقيق منهج الله في الأرض، وإعلاء كلمة الله.


هذا التوجيه يتفق مع اتجاه السورة كلها إلى إبراز قيمة العقيدة، وجعلها هي الراية الوحيدة التي يقف تحتها المسلمون، فمن وقف معهم تحتها فهو منهم، ومن قاتلهم فيها فهو عدوهم، ومن سالمهم فتركهم لعقيدتهم ودعوتهم، ولم يصد الناس عنها، ولم يحل بينهم وبين سماعها، ولم يفتن المؤمنين بها، فهو مسالم لا يمنع الإسلام من البر به والقسط معه.


إن المسلم يعيش في هذه الأرض لعقيدته، ويجعلها قضيته مع نفسه ومع الناس من حوله، فلا خصومة على مصلحة، ولا جهاد في عصبية، أي: عصبية. من: جنس أو أرض أو عشيرة أو نسب، إنما الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا، ولتكون عقيدته هي المنهج المطبق في الحياة) ([31]).


فالإسلام لم يحمل السلاح لفرض عقيدته بالقوة والإكراه قال تعالى: (لا إكراه في الدين) ([32]) كما أن فكرة الهيمنة والاستعلاء فكرة مرفوضة في الإسلام، فقال تعالى: (تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) ([33]) فالحرب في الإسلام هي للدفاع عن العدل ورفع الظلم قال تعالى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) ([34]) وأنها للدفاع عن المستضعفين قال تعالى: (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا) ([35]).


وقد تشكلت أول دولة إسلامية في المدينة المنورة حيث قامت على قاعدة المؤاخاة بين المسلمين من المهاجرين والأنصار، وانهم أمة واحدة من دون الناس، وأنهم جسد واحد، وان يدهم واحدة ضد من عاداهم، وعلى قاعدة العدل والمواطنة والحقوق والواجبات المتقابلة لغير المسلمين، حيث كتبت فيما بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين اليهود صحيفة ووثيقة نصت على حوالي 47 بندا منها:


أن ذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم، وان المؤمنين بعضهم موالي بعض من دون الناس.

وأنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم.

وأن تسلم المسلمين واحدة، لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم.

وأن كل غازية غزت معنا يعقب بعضهم بعضا.

وأنه مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله، وإلى محمد.

وأن يهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين.

وأن على يهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم، وان بينهم النصر على من حارب أهل تلك الصحيفة، وان بينهم النصح والنصيحة، والبر دون الإثم.

وأنه لا يأثم أمرؤ بحليفه، وإن النصر للمظلوم.

وأنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها.

وأن ما كان بين أهل تلك الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن الله على أتقى ما في تلك الصحيفة وأبره.

وأن بينهم النصر من دهم يثرب.

وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه، ويلبسونه فإنهم يصالحونه ويلبسونه وإنهم إذا دعوا إلى مثل ذلك فإن لهم على المؤمنين إلا من حارب في الدين.

على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قبلهم.

وأن يهود الأوس مواليهم وأنفسهم على مثل ما لأهل تلك الصحيفة مع البر المحض من أهل تلك الصحيفة، وإن البر دون الإثم لا يكسب كاسب إلا على نفسه، وإن الله على أصدق ما في تلك الصحيفة، وأبره.

وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم، وانه من خرج آمن، ومن قعد آمن بالمدينة إلا من ظلم وأثم، وإن الله جار لمن بر واتقى...([36]).

كما أكدت الوثيقة على الحرية الدينية بكل وضوح فنصت على أن للمسلمين دينهم، ولليهود دينهم، وحتى حينما حاول بعض الأنصار أن يجبروا بعض أبناء عشيرتهم الذين تهودوا على العودة إلى الإسلام أنزل الله تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) ([37]) حيث نصت إحدى مواد الصحيفة على أن: (لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم: مواليهم وانفسهم إلا من ظلم نفسه وأثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه...) ([38]) كما أكدت الوثيقة على المسؤولية الشخصية تأكيدا لقوله تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) ([39]).


غير أن اليهود لم يحافظا على تلك الوثيقة ومحتواها، بل نقضوا عهودهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأصابهم ما أصابهم بظلمهم ونقضهم العهود.


وأما القبائل (وعلى رأسها قريش) وأهل الأديان المحيطة بتلك الدولة فلم تقبلوا بوجود تلك الدولة، بل قاومتها بكل وسائل البطش والعدوان، وبذلت كل جهودها للقضاء عليها قضاء مبرما، ولذلك لم تكن العلاقة فيما بينهم وبين الدولة الإسلامية علاقة ود وتعاون بل كانت علاقة تخاصم وحرب وعداء، ومع ذلك استطاع الإسلام أن يربي أتباعه على اتباع العدل والقسط، فكان من الطبيعي أن تدافع تلك الدولة العقدية عن نفسها، حيث نلاحظ تلك الروح الدفاعية في أول آية نزلت بخصوص تشريع الجهاد: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ في بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) ([40]).


ثم بينت الآية الثانية بأن مبررات الجهاد والقتال هو أنهم ظلموا وأنهم أخرجوا من ديارهم، وبالتالي فهم يدافعون عن أنفسهم، وعن درء الظلم، والدفاع عن العقيدة وأماكن العبادة حتى لغير المسلمين قال تعالى: (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصلوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) ([41]).


ولذلك فالحرب في نظر الإسلام ضرورة لا يلجأ إليها إلا عندما تضيق السبل، وتنسد الطرق على الدعوة وقبول الإسلام، أو الاعتراف بدولته من خلال ما يسمى (بالجزية) التي هي مشاركة من غير المسلم في تحمل أعباء الأمن والمواطنة، كما يتحمل المسلمون أكثر من ذلك من الواجبات المالية من الزكاة ونحوها ولذلك لا يبدأ المسلمون بالحرب ضد غيرهم بل بعرض الدعوة عليهم أولا، فإن قبلوها؛ فبها ونعمت، وإلا فالجزية، أي المسالمة والصلح.


ويدل على تلك الروح في أسمى معانيها صلح حديبية حيث قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمجموعة من الشروط التي في ظاهرها إجحاف واعتساف، ومع ذلك قال صلى الله عليه وسلم: (والله لا تدعوني قريش إلى خطة يسألونني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها) ([42]) وأعظم من ذلك سمى الله تعالى ذلك الصلح بالفتح المبين، نزلت فيه سورة سميت بسورة الفتح.


وقد أكد القرآن الكريم على هذا المنهج في أكثر من آية فقال تعالى: (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) ([43]).


حتى من الناحية الفقهية فإن جماهير الفقهاء (الحنفية، والمالكية في قول، والشافعية والحنابلة) ([44]) قد أكدوا بوجوب الدعوة إلى الإسلام قبل بدء الحرب استدلالا بقوله تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا)([45]) وكان منهج الرسول صلى الله عليه وسلم ووصيته لصحبه الكرام عندما يرسلهم في مهمة حتى مع المشركين (...وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى خصال ثلاث، أو خلال، فأيهن أجابوك إليها فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام....) ([46]).


بل حسم ابن عباس (ترجمان القرآن وحبر الأمة) هذه المسألة بصيغة الحصر فقال: (ما قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما قط حتى يدعوهم إلى الإسلام) ([47]).


وقد أجيب عن إغارة الرسول صلى الله عليه وسلم على بني المصطلق بأنهم هم الذين بدأوا بالقتال خلال إعدادهم القوة للإغارة على المدينة المنورة ([48]) كما أنهم قد بلغتهم الدعوة.




الأسس الفكرية الإسلامية التي تساعد على التعايش وتعضده (بإيجاز)

أولا: الإنسانية:

اعترف الإسلام بكرامة الإنسان؛ باعتباره إنسانا مع قطع النظر عن فكره وعقيدته، قال تعالى: (ولقد كرمنا آدم) ([49]).


كما جعل الله تعالى الإنسان خليفة في الأرض وزوده بالإرادة والاختيار قال تعالى: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) ([50]) وحينما تدخلت الملائكة لبيان الحكمة من ذلك أثبت لهم بأن الإنسان اعلم منهم في مجال الاستخلاف والتعمير.


وقد أكرم الله تعالى الإنسان بالحرية في مجال العقيدة قال تعالى: (لا إكراه في الدين) ([51]) وحرره من رق العبودية لغير الله، وسعى بكل ما في وسعه لإعتاق العبد ومنع المثلة والتعذيب وحتى الترويع وأعطى حرمة عظيمة لحرمات الإنسان وخصوصياته وحقوقه، وممتلكاته، وساوى بين جميع البشر إلا من خلال العمل الصالح قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) ([52]).


وجعل المسؤولية شخصية قال تعالى: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى) ([53]) وقال تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) ([54]).


والتحقيق أن الإسلام يعترف بمجموعة من دوائر الارتباط والوشائج وإن كان قد جعل وشيجة العقيدة والأخوة الإيمانية هي الأساس، حيث يريد من خلال التوسع في هذه الدوائر إيجاد أرضيات مشتركة للتقارب والتعايش والتعاون، والدعوة، وتلك الدوائر هي:


دائرة الإنسانية حيث الجميع من آدم وحواء ولذلك جاء الخطاب بــــ: يا أيها الناس.

دائرة القومية، حيث عبر القرآن، أحدهم صالح..

دائرة من هم أهل الكتاب (سورة مريم).

وأخيرا دائرة الباحثين عن الحق (وإنا أو إياكم)

ثانيا: وحدة الأديان:

يرجع الإسلام الأديان السماوية كلها جمعاء إلى أصل واحد وهو الوحي الإلهي، وأن شرائع الله تعالى قد انبثقت من مشكاة نور واحد، ولذلك دعاء الإسلام أتباعه إلى الإيمان بجميع الأنبياء والرسل السابقين، والكتب السماوية، والكتب المنزلة السابقة، قال تعالى: (آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) ([55]) وقال تعالى: (قُلْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) ([56]).


ويبين الله تعالى بأنه شرع لهذه الأمة كل الشرائع الأساسية التي شرعها على بقية الأنبياء (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ)([57]).


وقد ذم الله تعالى الذين فرقوا دينهم قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ)([58]).


بل إن القرآن الكريم قد دعا اتباعه إلى اتباع سنن المرسلين قال تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ)([59]).


وأكثر من ذلك فإن القرآن الكريم جعل لفظ الإسلام اسماً مشتركاً لجميع الأديان وعلى ألسنة أكثر الأنبياء فيقول في شأن إبراهيم: (إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين) ([60]) وقال في شأن يعقوب: (إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133))([61]) ويقول تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ)([62]).


ونتج عن ذلك:


1. الاعتراف بالأديان السماوية الحقة، وبجميع الرسل والأنبياء الذين ذكرهم القرآن أو الذين لم يذكرهم، وفسح المجال لأصحاب الأديان أن يعيشوا في ظل الإسلام.


2. التعامل مع غير المسلمين بالتسامح دون الإكراه والاعتداء قال تعالى (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)([63]) وقال تعالى: (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (22))([64]) وقال تعالى محدداً وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم (مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ)([65]) وقال تعالى: (فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آَمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (15))([66]) وقال تعالى: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6))([67]) وقد أكد الله تعالى هذه المعاني في الآيات التي نزلت بالمدينة مثل قوله تعالى: (وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (20))([68]).


ومن الناحية العملية كانت وثيقة المدينة التي تعتبر بمثابة دستور يحكم أهل المدينة الذين كانوا مختلفين من حيث الدين: (الإسلام والشرك واليهودية)، ومن حيث الجنس: (القحطانيون والعدنانيون واليهود) حيث سوت بين الجميع في الحقوق العامة والواجبات من حسن الجوار والتناصر وما يسمى في عصرنا الحاضر بحقوق المواطنة.



ثالثاً: الأصل في الإسلام هو السلام لا الحرب:


الحرب في الإسلام لا يلجأ إليها إلا في حالة الضرورة، فهي ليست محبوبة من حيث المبدأ بل هي مكروهة في نفوس المؤمنين قال تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ...)([69]).


وقد أكد القرآن الكريم ذلك حيث قال: (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (7))([70]). وقد من الله على رسوله محمد وصحبه بأنه منعهم من الوقوع في الحرب قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ) ورد الله الذين كفروا لم ينالوا خيراً.


وقد دلت هذه الآية بوضوح: على أن الإسلام دين سلام وعقيدة، ونظام يستهدف أن يظلل العالم كله أجمع بظله، وأن يقيم فيه منهجه، وأن يجمع الناس تحت لواء الله أخوة متعارفين متحابين، وهذا الرجاء من الله تعالى معناه القطع بتحققه، وهذا ما تحقق فعلاً حيث أسلمت قريش ومعظم القبائل المحيطة، وأن وقف الجميع تحت لواء واحد، وأن طويت الثارات والمواجد.


رابعاً: تقديم الصلح على الحرب حتى ولو كان الصلح فيه بعض الغبن:


وقد أطلق الله تعالى الخير على الصلح فقال: (وَالصلحُ خَيْرٌ)([71]) وقال تعالى: (...أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصلحُوا بَيْنَ النَّاسِ...)([72]) ولم يقل بين المؤمنين فقط، بل عمم الصلح والإصلاح بين الناس جميعاً، فذلك الخير والأنفع، وقال تعالى: (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاة اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (114))([73]).


وقد بين الإسلام خطورة الإفساد في الأرض وعدم الإصلاح فجعله من الكبائر المحرمات الموبقات، قال تعالى: (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205))([74]) وقال تعالى في وصف الكفرة المجرمين: (الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصلحُونَ (152))([75]).


والإصلاح هو رسالة الأنبياء قال تعالى على لسان شعيب عليه السلام: (إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب) ([76]) وقد جعل الله التوفيق حليف إرادة من يريد الإصلاح دائماً فقال تعالى: (إِنْ يُرِيدَا إِصلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا) ([77]).


وربط الله تعالى بين الهلاك والإفساد، وبين النجاة والإصلاح قال تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصلحُونَ (117))([78]).


وليس الصلح والإصلاح في الإسلام مجرد شعار، وإنما طبقه الرسول صلى الله عليه وسلم في سيرته العطرة حيث حينما جاء للعمرة ومعه عدد كبير من صحبه الكرام، منعهم قريش على الرغم من أن كل الدلائل كانت تشير إلى أن الهدف الأساس هو أداء العمرة، ولذلك أتوا محرمين، وساقوا الهدي حتى وصلوا حديبية، حيث بركت ناقته القصواء. ثم قال: (والذي نفسي بيده، لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها)([79]) ثم حاول الرسول صلى الله عليه وسلم دخول مكة، ولكن قريش منعته، فأرسل رسله تتري لبيان موقفه لهم، حيث أرسل خراش بن أمية الخزاعي، فأرادت قريش قتله لولا أن منعهم الأحابيش ثم أرسل عثمان بن عفان فأبلغهم رسالة النبي صلى الله عليه وسلم بأن الهدف هو زيارة الكعبة وتعظيمها، غيران قريشاً أخرته حتى ظن المسلمون أنها قتلته، فدعا الرسول صلى الله عليه وسلم إلى البيعة تحت الشجرة([80]) فبايعوه جميعاً على الموت سوى الجد ابن قيس (وكان منافقاً) ثم انتهى الأمر بالصلح الذي في ظاهره تنازل من طرف المسلمين لصالح المشركين، فمثلاً كتب علي بن أبي طالب عقد الصلح، وسطر بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بـ: بسم الله الرحمن الرحيم، فاعترض ممثل قريش سهيل بن عمرو فقال: أما الرحمن فو الله ما أدري ما هي، ولكن اكتب: باسمك اللهم، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا باسم الله الرحمن الرحيم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اكتب باسمك اللهم.


ثم اعترض سهيل على عبارة: (هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله) حيث قال سهيل: (والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب: محمد بن عبد الله) فاعتذر علي بن أبي طالب عن مسح كلمة (رسول الله) فأخذ الرسول صلى الله عليه وسلم الكتاب، فمحاها بيده([81]).


ثم اعترض سهيل على بند: (على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به) حيث قال: (والله لا تحدث العرب أنا أخذنا ضغطة)([82]).


ثم اشترط شرطاً تعسفياً غير عادل وهو: (أنه لا يأتيك منا رجل. وإن كان على دينك. إلا رددته إلينا) في حين أن من عاد من المسلمين إلى قريش فإنها لا ترده([83]).


ومع ذلك قبل الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الاتفاقية مع تذمر المسلمين منها حيث ضاقوا ذرعاً ببنودها، وأسلوب الإملاء والصياغة، حتى قال عمر له: (ألست نبي الله حقاً؟ قال: بلى، قلت ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قلت فلِم نعطي الدنية في ديننا إذاً؟ قال: (إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري)([84]).


ومما زاد الطين بلة أنه أثناء الاتفاقية جاء أبو جندب بن سهيل وهو مرسف في قيوده، وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده إلي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنا لم نقض الكتاب بعد، فقال: والله إذاً لم أصالحك على شيء أبداً، ففي صحيح البخاري: (وأبي سهيل أن يقاضي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا على ذلك، فكره المؤمنون ذلك وامعضوا، فتكلموا فيه، فلما أبى سهيل... كاتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم... ورد أبا جندل إلى أبيه... ولم يأت رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد من الرجال إلا رده في تلك المدة وإن كان مسلماً...)([85]).


وقد غضب المسلمون نفسياً من رد المسلمين الفارين بدينهم حتى قالوا: يا رسول الله تكتب هذا؟ قال: (نعم، إنه من ذهب إليهم فأبعده الله، ومن جاء منهم سيجعل الله له فرجاً ومخرجاً)([86]).


ذلك الصلح الذي أنجزه الرسول صلى الله عليه وسلم وبهذه الشروط وفي ظل حنق المسلمين وغضبهم إن دل على شيء فإنما يدل على مدى أهمية الصلح لدى الرسول صلى الله عليه وسلم بل لدى الإسلام حيث نزلت الآيات من فوق سبع سموات سمته بالفتح (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1)) حتى قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (لقد أنزلت علي الليلة سورة لهي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس) ثم قرأ: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1))([87]).


وحقاً كان ذلك الصلح فتحاً عظيماً للقلوب حيث دخل في الإسلام من بعد الصلح عام ست من الهجرة إلى عام فتح مكة في ثمان آلاف مؤلفة، حيث جاء الرسول صلى الله عليه وسلم في صلح حديبية ومعه حوالي 1500، في حين جاء في فتح مكة ومعه ثمانية آلاف.


وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم من أشد المتمسكين بتنفيذ بنود العقود معه، كما سبق، والمحافظين عليه، حتى إن بعض شباب قريش الطائشين أرادوا أخذ مسكر المسلمين غرة، وكان عددهم ثمانين شاباً، لكنهم أسروا، فعفا عنهم الرسول صلى الله عليه وسلم وأطلق سراحهم([88]) مع أنه كان بالإمكان أن يجعل ذلك سبباً لنقض الاتفاقية، كما عفا عن سبعين أسيراً أسرهم المسلمون بعد الصلح، وعن أربعة حاولوا الإيقاع بالرسول فأخذهم سلمة بن الأكوع([89]).


وروى مسلم في صحيحه بسنده عن أنس بن مالك: أن ثمانين رجلاً من أهل مكة هبطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من جبل التنعيم متسللين يريدون غرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فأخذهم مسلماً فاستحياهم، فأنزل الله عز وجل: (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ)([90]).


وفي هذه الآية دلالة أخرى على أهمية الصلح وعدم الوقوع في الحرب حيث إن الله تعالى امتن بذلك على المؤمنين، مما يدل على أنه من النعم الكبرى، وأن الحرب من حيث هي ليست محببة في الإسلام.


قال الشيخ محمد عبد الله دراز: (ومن هنا نرى أن الحرب في نظر الإسلام شر لا يلجأ إليه إلا المضطر، فلأن ينتهي المسلمون بالمفاوضة إلى صلح مجحف بشيء من حقوقهم، ولكنه في الوقت نفسه يحقن الدماء، خير من انتصار باهر للحق تزهق فيه الأرواح)([91]).


خامساً: مبدأ العدل والقسط([92]):


يعتبر هذا المبدأ في الإسلام من أعظم المبادئ التي تقوم عليها الشرعية، بل تقوم عليه السموات والأرض، ولذلك تكرر لفظ العدل ومشتقاته في القرآن الكريم ثماني وعشرين مرة، كما ذكر رديفه (القسط) في القرآن الكريم... تناول القرآن الكريم خلالهما أهمية العدل والقسط، حيث أمر بالعدل والإحسان، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ)([93]) وقال تعالى: (اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ)([94]) وقال تعالى: (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى)([95]) وقال تعالى: (وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ)([96]) وشدد في حرمة عدم العدل مع قوم ولو كانوا أعداء فقال تعالى: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)([97]) وأمر المسلمين أن يكون حكمهم قائماً على العدل بين الناس جميعاً، بل جعل العدل أساساً للحكم الإسلامي، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ)([98]) وشدد الإسلام في اتباع الهواء والرغبات والمصالح الشخصية ليؤدي ذلك إلى ترك العدل فقال تعالى: (فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا)([99]) وأمر بالعدل حتى مع البغاة الخارجين على الدولة المقاتلين قال تعالى: (فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصلحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9))([100]).


بل إن الله تعالى نهى عن التعدد بين النساء إذا أدى إلى الجور وعدم العدل قال تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَة ً)([101]) وجعل العدل شرطاً في قبول الشهادة والحكم ونحوهما، قال تعالى: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ)([102]).


وتكرر لفظ (القسط) ومشتقاته في القرآن الكريم سبعاً وعشرين مرة، حيث أمر الله تعالى فيها بالقسط مطلقاً أي العدل فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ)([103]) وبالقسط في الحكم فقال تعالى: (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42))([104])، وبالقسط في النزاعات حتى مع الخارجين عن القانون قال تعالى: (فَأَصلحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9))([105]) وجعل الله مصير أولئك الذين يقتلون العادلين إلى النار والعذاب الأليم قال تعالى: (وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (21))([106]) وأمر أن يكون الوفاء في الكيل والوزن في الماديات والمعنويات بالقسط والعدل قال تعالى: (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ)([107]) وقال تعالى: (وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ)([108]).


ومن الناحية العملية شهدت السيرة النبوية العطرة وتعامل الرسول صلى الله عليه وسلم مع الناس جميعاً أروع الأمثلة في العدل والقسط، وكذلك سيرة خلفائه الراشدين.


سادساً: الاعتراف بالاختلاف والتنوع:


من واقعية الإسلام اعترافه بالاختلاف في العقائد والأفكار والألوان والأطياف، على الرغم من أنه ينشد وحدة الأمة ويريد لهم الخير كله، حيث قال القرآن: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً) أي بعد ذلك اختلفوا (فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ...)([109]) وبعد أن ذكر الله تعالى اليهود والنصارى واختلافهم قال: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ)([110]).


وقد أكد القرآن الكريم أن الاختلاف أحد المقاصد المعتبرة للابتلاء، قال تعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ)([111]).


وهذه الآيات الكثيرة ومثلها من الأحاديث النبوية تهيئ نفوس المسلمين لقبول الآخرين المختلفين معهم عقدياً وفكرياً وأصولياً وفرعياً، والتعايش معهم بأمن وأمان، وهذا ما حدث طوال التأريخ الإسلامي، حيث عاش غير المسلمين في أكتاف الدولة الإسلامية القوية، وهم يتمتعون بكامل حقوقهم بل تقلدوا مناصب رفيعة في ظلها، ولم يحدث مثل ذلك في ظل الإمبراطوريات الدينية الأخرى مثل الدولة الرومانية التي كانت تضطهد اليهود، وغير النصارى، ثم لا ينسى التأريخ ما فعل الصليبيون بالمسلمين واليهود في الأندلس.


سابعاً: الحوار بدل الشجار وقوة المنطق بدل منطق القوة.


ركز القرآن الكريم على تعويد الأمة على الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وبالحوار، والجدال بالتي هي أحسن، دون القهر والاستبداد والصراع، حيث قال القرآن الكريم: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)([112]). وأكد القرآن الكريم مرة أخرى بالنهي عن الجدال مع أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن فقال: (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)([113]).


والقرآن الكريم بنفسه هو كتاب حوار، حيث استعرض مجموعة رائعة من الحوارات منها: حوار الملائكة مع الله تعالى في استخلاف الإنسان، ومنها حوار الشيطان مع الله تعالى، ومنها حوار الأنبياء مع الله مثل حوار موسى، ومنها حوار الأنبياء مع أممهم وشعوبهم، ومنها حوارات أخرى مثل حوار صاحبي الجنة في سورة الكهف.



ثامناً: الدفاع بدل الصراع هو الأصل في التعامل:


لم يستعمل القرآن الكريم لفظ الصراع، وإنما استعمل لفظ الدفع والدفاع والمدافعة بدل الصراع([114])، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (38))([115]) وقال تعالى: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ)([116]) وقال تعالى: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصلوَاتٌ وَمَسَاجِدُ)([117]) حيث دلت هذه الآيات على سنة التدافع، وأنها من سنن الله تعالى حيث يدفع الظالمين ولكنها لا تدل على تأصيل فكرة الصراع في قلوب المسلمين بأن يتخذوا الصراع منهجاً في تعاملهم، كما هو الحال بالنسبة لسنة الخلاف والاختلاف فهي سنة، ومع ذلك لا ينبغي للمسلمين أن يتخذوه منهجاً لهم في التعامل.


وإنما الذي أكد عليه القرآن في كيفية التعامل مع المخالفين هو منهج الدفع بالتي هي أحسن فقال تعالى في سورة المؤمنون: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (96))([118]) وفي سورة فصلت: (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35))([119]).


فقد دلت هذه الآيات أن الواجب على الرسول صلى الله عليه وسلم ومن يقتدي به من الدعاة أن يقابل سيئة الكفرة والمنافقين والفسقة بالحسنة سواء أكان في نطاق الأقوال حيث يقابل الأقوال حيث القول السيء بالقول الطيب، أم في مجال الأعمال والتصرفات حيث يقابل ذلك بالأعمال الصالحة والتصرفات النافعة الطيبة قال تعالى في وصف عباد الرحمن (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63)) فالمسلم ينبغي أن يكون كالشجرة المثمرة التي يرميها الرامي بالحجر فتقابله برمي ثمرة، وهذا هو الأسلوب الناجح في التعامل وهو الذي له ثمار طيبة حيث تتحول العداوة إلى المحبة، والإساءة إلى الإحسان، والقطيعة إلى التواصل والأخوة، وإن كان هذا الأسلوب ليس سهلاً إلا على الصابرين الذين أعطاهم الله حظاً عظيماً من الصبر على الإيذاء، فيجزيهم الله تعالى بالأجر العظيم والثواب الجزيل في الدنيا والآخرة.


التطبيقات العملية للعلاقات الدولية في حالة السلم والحرب:


أولاً: في حالة السلم:


حرص الإسلام كل الحرص على الحفاظ على الأمن والأمان، والسلام، وعلى العهود والمواثيق التي تمت بين دولة الإسلام، أو المسلمين، وبين غيرهم دولاً وأفراداً؛ فجاءت مجموعة من النصوص الصريحة تأمر بالوفاء بالعهود والعقود والمواثيق، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)([120]) وقال تعالى: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (34))([121]) وجعل الوفاء بالعهود والمواثيق من صفات المؤمنين، ونقضها من صفات الكفرة والمنافقين قال تعالى في وصف المؤمنين المصلحين: (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8))([122])، بل إن القرآن الكريم لا يجيز للدولة المسلمة نقض العهد مع دولة غير إسلامية بينها عهود ومواثيق ما دامت لم تنقض عهدها.


وقد تضمنت الآيات العشرون (55-75) من سورة الأنفال التي هي من أواخر السور التي نزلت على الرسول الكريم صورة واضحة للعلاقات الخارجية بين الدولة المسلمة وما حولها من الدول والطوائف والمعسكرات، حيث تقرر إمكان إقامة عهود تعايش بين المعسكرات المختلفة ما أمكن أن تصان تلك العهود من النكث بها مع إعطاء تلك العهود الاحترام الكامل والجدية الحقيقة ([123]) وذلك من خلال المفاهيم التالية:


وجوب صون العهود والمواثيق من النقض والنكوث حيث سمى الناكثين بشر الدواب، فقال تعالى: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ) هم الذين نقضوا عهودهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

إن الدولة المسلمة التي لها عهد مع أناس آخرين إذا خافت من خيانتهم؛ فإنها تنبذ إليهم عهدهم، وتخبرهم بذلك، ولا تخونهم؛ لأن الله تعالى لا يحب الخائنين، فالإسلام يريد من العهد الصيانة، ومن العقد الحفاظ عليه، ومن المواثيق الالتزام بها، فإذا وجد المقابل لا يحافظ على عهد، ولا يفي بعقده بل من طبعه الخيانة والمكر؛ فإن المسلمين لا يجوز لهم أن يقابلوا خيانتهم بخيانة، ونقضهم بنقض، بل يصارحونه، ولذلك يرتفع الإسلام بالبشرية إلى آفاق من الشرف والاستقامة، ويرتقي بهم إلى آفاق الأمن والطمأنينة والاستقرار، وعدم الخوف من الإغارة والخيانة.

ضرورة إعداد القوة كي لا يطمع الأعداء في الدولة الإسلامية، وهذه تسمى في الوقت الحاضر نظرية القوة الرادعة.

إنهم إذا جنحوا للسلم فعلى الدولة الإسلامية أن تختار خيار السلام مع التوكل على الله: (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61))([124]).

وقد شدد القرآن الكريم في ضرورة الأخذ بالسلام العادل والجنوح له حتى ولو مع الخوف من الخيانة قال تعالى: (وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62))([125]).


ضرورة توفير الهيبة لهذا الدين، والإرادة القوية، والاستعداد الدائم المستمر لحماية الأمة، وليست للاعتداء: لأن الله لا يحب المعتدين.

ضرورة التأكيد على مبدأ الموالاة في مقابل موالاة الكافرين بعضهم لبعض، فلا ينبغي للأمة المسلمة أن تبقى متفرقة ممزقة، وعدوها متحد يرميها من قوس واحدة، وأن الفتنة كل الفتنة هي ألا يستوعب المسلمون قضية الولاء (إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (73))([126]).

هؤلاء الذين لا يستطيع أحد أن يطمئن إلى عهدهم وجوارهم وشرورهم، جزاؤهم تخويفهم، والضرب على أيديهم بشدة حتى يتركوا هذا الصنيع الفاحش.

وجوب قيام العلاقات على الصراحة وحماية العهود والمواثيق، ونبذ الخيانة، والميكافيلية، قال سيد قطب: (إن الإسلام يريد للبشرية أن ترتفع، ويريد للبشرية أن تعف، فلا تبيح الغدر في سبيل الغلب، وهو يكافح لأسمى الغايات وأشرف المقاصد، ولا يسمح للغاية الشريفة أن تستخدم الوسيلة الخسيسة؛ إن الإسلام يكره الخيانة، ويحتقر الخائنين الذين ينقضون العهود، ومن ثم لا يحب للمسلمين أن يخونوا أمانة العهد في سبيل غاية مهما تكن شريفة، إن النفس الإنسانية وحدة لا تتجزأ، ومتى استحلت لنفسها وسيلة خسيسة فلا يمكن أن تظل محافظة على غاية شريفة، وليس مسلماً كاملاً من يبرر الوسيلة بالغاية، فهذا المبدأ غريب على الحس الإسلامي والحساسية الإسلامية)([127]).

من دلائل حفاظ المسلمين على عهودهم مع غيرهم أن بعض المسلمين الذين لم ينضموا إلى الدولة الإسلامية لو استنصروا بها في الدين فعليها النصرة على شرط ألا يخل ذلك بعهد من عهود المسلمين مع المعسكر الآخر حتى ولو كان ذلك المعسكر معتدياً على أولئك الأفراد في دينهم وعقيدتهم قال تعالى: (وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ)([128]).

ثانياً: في حالة الحرب:


من المعلوم أن الحرب المشروعة في الإسلام هي الجهاد في سبيل الله، وهو لأجل إعلاء كلمة الله، وليس لأجل أي غرض دنيوي، ولذلك فهو ديني أخلاقي في نظر الإسلام، وهو في حقيقته دفاع. بمعناه الواسع، عن الدين، والوطن([129])، وإذا حدث فقد وضع الإسلام قواعد عملية كثيرة تخفف من آثاره وتحدد بإنصاف ما يقتضيه الموقف الدفاعي البحت، فنهى عن قتل المرأة، والراهب في معبده، والفلاح في مزرعته قال تعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ)([130]) ونهى عن الاعتداء حتى في حالة الحرب وأثناء الحرب قال تعالى: (وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190))([131]) وذلك من خلال الإجراءات التالية:


تصديق من يعلن إسلامه ولو كان في ساحة القتال وهو منهزم وقد قتل من المسلمين، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإيمان، وحسابهم على الله)([132]) وقد قال تعالى: (وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)([133])، وبقبول المقاتل مسلماً يعصم دماء ذريته الصغار أيضاً([134]).

عدم جواز قتل الرسل والرهائن مهما كانت طبيعة الدولة التي أرسلتهم، فقد روى الحاكم وصححه، وأبو داود بسندهما عن نعيم بن مسعود قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لرسولي مسيلمة حين قرأ كتاب مسيلمة: ما تقولان أنتما، قالا نقول كما قال، فقال صلى الله عليه وسلم: (لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما)([135]).

عدم قتل النساء والأطفال وكبار السن والرهبان والفلاحين والعمال والحراثين، ونحوهم ممن لم يشاركوا في القتال فقال تعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا)([136]). وقد ترجم الإمام مسلم في صحيحه: باب تحريم قتل النساء والصبيان في الحرب، ثم روى بسنده عن عبد الله أن امرأة وجدت في بعض مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم مقتولة فأنكر صلى الله عليه وسلم قتل النساء والصبيان([137]).

وروى أبو داود بسنده أن رسول الله قال: (لا تقتلوا فانياً ولا طفلاً صغيراً)([138]) وروى أحمد بسنده عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث جيوشه قال: (اخرجوا بسم الله... ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع)([139])، وجاء في وصية أبي بكر ليزيد بن آبي سفيان: (إنك ستجد قوماً حبسوا أنفسهم لله تعالى فذرهم وما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم له)([140]). وروى ابن ماجه بسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقتلوا ذرية ولا عسيفاً)([141]) أي أجيراً.


كراهة قتل الوالدين وذوي الأرحام إلا في حالة الضرورة أو الحاجة وهذا رأي الحنفية والشافعية والزيدية([142]) وذلك للأدلة المعتبرة، أما الوالدان فلقوله تعالى: (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا)([143]) وذكر الإمام محمد بن حسن الشيباني في كتابه العظيم أن: (حنظلة بن أبي عامر وعبد الله بن عبد الله بن أبي سلول استأذنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل أبويهما فنهاهما) ثم ذكر بعض روايات قتل الابن أباه في الحرب وسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يدل على أن الابن لا يقصد قتل أبيه، ولكن إذا اقتضته الضرورة، أو الحاجة فلا يأثم بقتله([144]).

عدم التحريق والإغراق وقطع الأشجار ونحوها إلا إذا اقتضتها ضرورة الحرب، أو يترتب على ذلك الإقلال من إراقة الدماء.

عدم استعمال أسلحة الدمار الشامل التي يترتب عليها أضرار بغير المقاتلين من النساء والأطفال والحيوانات والأجيال اللاحقة، حيث الأدلة الشرعية على عدم جواز ذلك متضافرة من الكتاب والسنة.

وقد نص بعض الفقهاء منهم المالكية على عدم جواز استعمال السم على الأعداء([145]).


عدم قتل الحيوانات، وقد كانت وصية أبي بكر لمن يرسلهم إلى القتال: (لا تعقرن شاةً ولا بعيراً إلا لمأكله)([146]).

عدم الإضرار بالبيئة بقدر الإمكان من عدم قطع الشجر ونحوه إلا إذا اقتضته ظروف الحرب، حيث جاء في وصية أبي بكر رضي الله عنه: (لا تحرقن شجراً، ولا تقطعن شجراً مثمراً)([147]).

الأمان والاستجارة، حيث أعطى الإسلام الحق لكل مؤمن أن يعطي حق الأمان لأي كافر من حيث المبدأ، حيث ذكرنا من الأحاديث والآثار الدالة على ذلك منها قوله صلى الله عليه وسلم: (ويسعى بذمتهم أدناهم)([148]) وقد قال تعالى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ....)([149]). وقد أفاض الإمام محمد الشيباني في هذا الموضوع إفاضة رائعة([150]).

الصلح والهدنة. حيث ذكرنا أهمية ذلك في نظر الإسلام، وتطبيقه في صلح الحديبية.

ثالثاً: في حالة انتهاء المعركة وانتصار المسلمين، يتدخل الإسلام في كيفية التعامل مع المهزومين وبالأخص مع الأسرى:


حيث يأمر بالإحسان إليهم، وتوفير حاجياتهم الأساسية من المأكل والمشرب والمسكن، حيث جعل الله تعالى إطعام الطعام للأسير من أفضل القربات إلى الله تعالى قال تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9))([151])، حيث نزلت هذه الآية في سيدنا الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم الله وجهه حيث أعطى كل ما عنده لمسكين، ويتيم، وأسير، وترك أهله الشريف رضي الله عنهم يتضورون الجوع([152])، وكذلك يتدخل الإسلام بفرض إكرام جثث القتلى بدفنهم، وعدم جواز أخذ المقابل للتسليم، أو الدفن أو نحوهما.


ومن أروع الأمثلة في هذا المجال موقف الرسول صلى الله عليه وسلم من أهل مكة الذين أذوه وعذبوا أصحابه، وفعلوا ما فعلوا طوال أكثر من عشرين سنة، ومع ذلك لم يلجأ إلى الشماتة والتشفي، بل قال لهم قولته المعروفة: (اذهبوا فأنتم الطلقاء).


المقارنة بين المبادئ الإسلامية والقانون الدولي الإنساني:


يقصد بالقانون الدولي الإنساني –كما سبق-: مجموعة القواعد والمبادئ التي تضع قيوداً على استخدام القوة في وقف النزاع المسلح وذلك من أجل:


الحد من الآثار التي يحدثها العنف على المقاتلين بما يتجاوز القدر اللازم الذي تقتضيه الضروريات الحربية.

تجنيب الأشخاص الذين لا يشتركون بشكل مباشر في الأعمال الحربية([153]).

ومصطلح القانون الدولي الإنساني حديث النشوء حيث استخدم أول مرة من جانب اللجنة الدولية للصليب الأحمر في الوثائق التي قدمتها إلى مؤتمر الخبراء الحكوميين الذي عقد في دورته الأولى بجنيف عام 1971 والسبب في استخدام هذا المصطلح الجديد هو إبراز الطابع الإنساني الخالص للقواعد الحربية([154]).


ولم نجد في الفقه الإسلامي هذا المصطلح، ولا مصطلح القانون الدولي، ولكن الفقه الإسلامي قد سبق القوانين الوضعية بوضع الأسس والمبادئ للعلاقات الدولية والقانون الدول الإنساني، ولكنه استعمل مصطلح الجهاد، أو السير، وكان للأئمة الكرام، وبالأخص الإمام محمد بن حسن الشيباني المولود في 132هـ ثم المتوفى في 189هـ الذي ألف سفراً عظيماً في خمسة أجزاء في السير أو بعبارة دقيقة في القانون الدولي، والقانون الدولي الإنساني، حيث يعتبر أول رائد من رواد التأليف في القانون الدولي، حيث سبق بكتابه هذا غروسيوس الهولندي 1583- 1645م الذي سمي أبا القانون الدولي في عصره.


ومن الإنصاف أن نقول: إن علماء القانون الدولي والمشتغلين به في مختلف بلاد العالم أسسوا جمعية في غوتنجن بألمانيا باسم: (جمعية الشيباني للحقوق الدولية) وانتخب لرئاستها في وقته الفقيه القانوني المصري الدكتور عبد الحميد بدوي، كما انتخب الدكتور صلاح الدين منجد الذي حقق كتاب السير الكبير للشيباني([155]).


جاءت الحماية في الإسلام من خلال نصوص القرآن الكريم التي أمرت أولاً بالعدل والإحسان في السلم والحرب، وإذا اضطر المسلم أو الدولة الإسلامية إلى الحرب فيجب عليها أن لا تعتدي ولا تتجاوز أبداً قال تعالى: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194))([156]) وقال تعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190))([157]) فقد دلت الآيتان على أن الحرب في الإسلام تأتي رداً على اعتداء المعتدين، وليست ابتداءً، ومع ذلك فإن الرد يكون بالمثل، وأنه لا يجوز أن يقاتل إلا من يقاتل فعلاً من الأعداء، وبالتالي فإن الحماية في الإسلام تشمل كل من لم يقاتل فعلاً، سواء أكان رجلاً أم امرأة لأي سبب كان، فما دام لم يدخل في ساحة القتال فلا يجوز قتله ولا الاعتداء عليه بنص القرآن الكريم.


وفي آية أخرى عالج القرآن الجانب النفسي في الإنسان، وهو الكراهية والتصرفات السيئة من قبل الأعداء، والبغض لهم فيحذر من أن يكون ذلك دافعاً للظلم، والاعتداء فقال: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا)([158]) فأهل مكة منعوا الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه في صلح حديبية وهم محرمون عن العمرة بشكل مؤذ جداً، ومع ذلك يطلب القرآن منهم ألا يكون لذلك أثر في العدل.


كما أمر الله تعالى بالعدل والقسط ومنع الظلم في أكثر من ثلاثمائة آية ليس هذا البحث مجال الخوض فيها، ولكنها تدل على أن العدل مبدأ عظيم، وقيمة لا تضاهى حتى جعل الله تعالم الظلم المرجعية للشرك قال تعالى: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13))([159]).


وقد ذكرنا في السابق بعض التطبيقات العملية في السيرة العطرة لرسولنا العظيم صلى الله عليه وسلم ولخلفائه الراشدين وآله المطهرين.


فالقانون الدولي الإنساني –كما سبق-يشمل:


قانون لاهاي الذي أقر عام 1899، 1907م والذي ينظم حقوق وواجبات المقاتلين عند وقوع الحرب.

وقد ذكرنا أن الإسلام يوجب على المسلم مجموعة من الواجبات في جميع الحالات منها العدل وعدم الاعتداء على أحد إلا بالمثل وبالحق، كما أوصى الرسول صلى الله عليه وسلم مجموعة من الوصايا التي ذكرناها بشأن حالة القتال، تدل بوضوح على: أنه لا يجوز للمقاتل المسلم أن يوجه سلاحه إلا إلى المقاتلين، وكان ذلك مطبقاً في الحروب التي قادها الرسول صلى الله عليه وسلم، وخلفاؤه الراشدون، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.


قانون جنيف الذي يستهدف نحو توفير الحماية والمعاملة الإنسانية للمدنيين الذين لا يشاركون في الحرب، حيث اشتمل على اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949م الخاصة بضحايا الحرب والبروتوكلين المضافين إليها اللذين أقرا في جنيف عام 1977([160]).

وتلك الاتفاقيات تستهدف حماية حقوق الإنسان في حالة الحرب، وحماية المدنيين، وأن تكون الحرب نفسها مشروعة، وهكذا، وقد رأينا علاج الإسلام في تلك المجالات.


وبذلك يتبين لنا من خلال هذه الدراسة المتواضعة أن الفقه الإسلامي سبق المجتمع الدولي في وضع الأسس والمبادئ العامة للتعامل في حالة الحرب، وطبقها بدقة وأمانة ومنتهى الشفافية في الحروب والغزوات التي خاضها الرسول صلى الله عليه وسلم، وكذلك أبلى سيدنا الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه بلاءً حسناً، وقدوة ومباركة في حالة الحرب والنزاعات الداخلية، حيث عامل الخوارج الذين قاتلوه معاملة المسلمين على الرغم من أنهم شددوا القول في حقه، وكفروه، فمنع أخذ أموالهم وعامل أسراهم وجرحاهم معاملة في قمة الإحسان.


 


والله الموفق وهو أعلم بالصواب، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين،


وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه إلى يوم الدين.


كتبه الفقير إلى ربه


د. علي محيي الدين القره داغي


[1] سورة النحل / الآية (30).


[2] سورة الأنبياء / الآية (107).


[3] سورة النحل / الآية (89).


[4] قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام (1/35) ط. الريان بالقاهرة.


[5] إعلام الموقعين، ط. الأزهرية (3/14)


[6] أ. د. جعفر عبد السلام: القانون الدولي الإنساني، بحث منشور في مجلة كلية الشريعة والقانون بالقاهرة، العدد الثاني 1406 ه ص 166، ود. عبد الغني محمود: القانون الدولي الإنساني ص 5، ويراجع الموقع الرسمي للجنة الدولية للصليب الأحمر ICRC وويكيبيديا، الموسوعة الحرة، مصطلح القانون الدولي


[7] المصادر السابقة


[8] المصادر السابقة


[9] الموقع الرسمي للجنة الصليب الأحمر ICRC 


[10] المصادر السابقة


[11] المراجع السابقة


[12] الموقع الرسمي للجنة الدولية للصليب الأحمر، وكلة رئيسها في الموقع نفسه ICRC حيث تضمنت الكلمة هذه الدراسة بالكامل.


[13] سورة لقمان/ الآية 16.


[14] الحديث رواه البخاري في صحيحه، رقم الحديث 4777، ومسلم، الحديث رقم 9.


[15] سورة النحل/ الآية 90.


[16] يراجع: سيرة ابن هشام (2/412) والأموال لأبي عبيد ص143 بإسناد حسن، وفتح الباري (8/18) وتأريخ الطبري (2/312) ويراجع: السيرة النبوية الصحيحة للدكتور أكرم ضياء العمري ط. قطر (2/481).


[17] سورة يوسف/ الآية 92.


[18] سورة النحل/ الآية 126.


[19] رواه أحمد (5/135) والترمذي في جامع السنن (4/361) ورواه الحاكم في المستدرك (2/359) وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.


[20] القاموس المحيط، ولسان العرب، والمعجم الوسيط، مادة: أسس.


[21] المصادر السابقة مادة: بدأ.


[22] جمهور العلماء على أن الكليات الأساسية هي الدين، والنفس، والعقل، والمال، والنسل، وأضاف بعضهم: العرض أيضاً، وقد توصلت من خلال معيارية منضبطة إلى إضافة: أمن المجتمع، وأمن الدولة الرشيدة. يراجع: حقيبة طالب العلم الاقتصادية، الجزء 1 ط. دار البشائر الإسلامية ببيروت 2010م.


[23] المصادر القانونية السابقة.


[24] سورة النساء/ الآية (72).


[25] يراجع: أ.د. أكرم ضياء العمري، السيرة النبوية الصحيحة ط. قطر (1/240).


[26] المرجع السابق (1/272-289).


[27] سورة الممتحنة/ الآية (7، 8، 9) ويراجع التفسير الكبير للرازي ط. إحياء التراث العربي (29/303).


[28] سورة الممتحنة/ الآية (1).


[29] سورة الممتحنة/ الآية (2).


[30] سورة المائدة/ الآية (2).


[31] في ظلال القرآن/ سيد قطب، ط. دار الشروق بالقاهرة 1406هـ (6/3544-3545).


[32] سورة البقرة/ الآية (256).


[33] سورة القصص/ الآية (83).


[34] سورة الحج/ الآية (39).


[35] سورة النساء/ الآية (75).


[36] يراجع نص الوثيقة في: الأستاذ محمد حميد الله في مجموعة الوثائق السياسية، ط. دار الإرشاد ببيروت 1389هـ، ص41-47، وأستاذنا الدكتور أكرم العمري: السيرة النبوية الصحيحة، ط. مركز بحوث السنة والسيرة بقطر 1411هـ ص282. 285 حيث خرج بنودها من المصادر المعتمدة.


[37] سورة البقرة/ الآية (256).


[38] المراجع السابقة.


[39] سورة الأنعام/ الآية (164).


[40] سورة الحج/ الآية (39).


[41] سورة الحج/ الآية (40).


[42] رواه البخاري مع فتح الباري (5/329).


[43] سورة الأنفال/ الآية (61).


[44] يراجع: مجمع الأنهر (1/635) والشرح الكبير مع الدسوقي (2/176) وروضة الطالبين (10/239) والمغني لابن قدامة مع الشرح الكبير (10/379).


[45] سورة الإسراء/ الآية (15).


[46] صحيح مسلم، كتاب الجهاد (3/1357).


[47] مسند أحمد (1/231) والسنن الكبرى (9/107).


[48] يراجع: صحيح مسلم، كتاب الجهاد (3/1356) وسيرة ابن هشام (3/228).


[49] سورة الإسراء/ الآية (70).


[50] سورة البقرة/ الآية (30).


[51] سورة البقرة/ الآية (256).


[52] سورة الأنعام/ الآية (164).


[53] سورة النجم/ الآية (39).


[54] سورة الأنعام/ الآية (164).


[55] سورة البقرة/ الآية 285).


[56] سورة البقرة/ الآية (136).


[57] سورة الشورى/ الآية (13).


[58] سورة الأنعام/ الآية (159).


[59] سورة الأنعام/ الآية (90).


[60] سورة البقرة/ الآية (131).


[61] سورة البقرة/ الآية (133).


[62] سورة آل عمران/ الآية (19).


[63] سورة البقرة/ الآية (256).


[64] سورة الغاشية/ الآية (21).


[65] سورة المائدة/ الآية (99)


[66] سورة الشورى/ الآية (15).


[67] سورة الكافرون/ الآية (6).


[68] سورة آل عمران/ الآية (20).


[69] سورة البقرة/ الآية (216).


[70] سورة الممتحنة/ الآية (7).


[71] سورة النساء/ الآية (128).


[72] سورة البقرة/ الآية (224).


[73] سورة البقرة/ الآية (220).


[74] سورة البقرة/ الآية (205).


[75] سورة الشعراء/ الآية (152).


[76] سورة هود الآية (88).


[77] سورة النساء/ الآية (35).


[78] سورة هود (117).


[79] رواه البخاري مع فتح الباري (5/329).


[80] يراجع: فتح الباري شرح صحيح البخاري (7/439) وصحيح مسلم كتاب الإمارة (3/1409) ويراجع للمزيد: أ.د. أكرم ضياء العمري: السيرة النبوية الصحيحة، ط. قطر (2/434- 453).


[81] صحيح مسلم، كتاب الجهاد (3/1410- 1411).


[82] مصنف عبد الرزاق (5/343).


[83] صحيح البخاري- مع الفتح- المغازي (7/453).


[84] صحيح مسلم (3/1412).


[85] صحيح البخاري. مع الفتح. كتاب المغازي (7/453).


[86] صحيح مسلم (3/1412).


[87] صحيح البخاري. مع الفتح. كتاب المغازي (7/452).


[88] صحيح مسلم، الجهاد (3/1442).


[89] انظر: تفصيل بنود الصلح في صحيح مسلم (3/1433- 1441) الحديث 1807، والسيرة الصحيحة (2/000446).


[90] صحيح مسلم (3/1442) الحديث 1808، والآية من سورة الفتح 24.


[91] دراسات إسلامية للدكتور محمد عبد الله دراز، ط. دار القلم بالكويت عام 1979 ص142.


[92] يقول أبو البقاء العكبري في الكليات، ط. مؤسسة الرسالة ص150: (الاعتدال هو توسط حال بين حالين في كم وكيف) ويقول في ص639: (العدل ضد الجول..؛ والعدالة لغة الاستقامة، وفي الشريعة عبارة عن الاستقامة على الطريق الحق بالاختيار) وذلك بالاجتناب عن الهواء، ويقول في ص733: القسط بالكسر العدل، وبالضم الجور) والقسطاس هو الميزان الدقيق للاحتراز عن الزيادة والنقصان، وجاء في معجم الوسيط، ط. قطر ص588: (العدل: الإنصاف، وهو إعطاء المرء ماله، وأخذ ما عليه) وفي ص734: (القسط: العدل، وهو من المصادر الموصوف بها، يوصف به الواحد، والجمع، يقال: (ميزان قسط، وميزانان قسط، وموازين قسط.. والقسطاس: أضبط الموازين وأقومها).


[93] سورة النحل/ الآية (90).


[94] سورة المائدة/ الآية (8).


[95] سورة الأنعام/ الآية (152).


[96] سورة الشورى/ الآية (15).


[97] سورة المائدة/ الآية (8).


[98] سورة النساء/ الآية (58).


[99] سورة النساء/ الآية (135).


[100] سورة الحجرات/ الآية (9).


[101] سورة النساء/ الآية (3).


[102] سورة الطلاق/ الآية (2).


[103] سورة النساء/ الآية (135)


[104] سورة المائدة/ الآية (42).


[105] سورة الحجرات/ الآية (9)


[106] سورة آل عمران/ الآية (21).


[107] سورة الأنعام/ الآية (152)


[108] سورة آل عمران/ الآية (35).


[109] سورة البقرة/ الآية (213).


[110] سورة المائدة/ الآية (48).


[111] سورة هود/ الآية (118- 119).


[112] سورة النحل/ الآية (125).


[113] سورة العنكبوت/ الآية (46).


[114] لم يرد في القرآن الكريم لفظ: صرع، ولا الصراع، ولا مشتقاته إلا لفظ: صرعى في سورة الحاقة الآية 7: (فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (7)).


[115] سورة الحج/ الآية (38)


[116] سورة البقرة/ الآية (251).


[117] سورة الحج/ الآية (40).


[118] سورة المؤمنون/ الآية (96).


[119] سورة فصلت/ الآية (34- 35).


[120] سورة المائدة/ الآية (1).


[121] سورة الإسراء/ الآية (34).


[122] سورة المؤمنون/ الآية (8).


[123] سيد قطب: في ظلال القرآن، ط. دار الشروق (3/1539)


[124] سورة الأنفال/ الآية (61).


[125] سورة الأنفال/ الآية (62).


[126] سورة الأنفال/ الآية (73).


[127] سيد قطب: في ظلال القرآن (3/1542).


[128] سورة الأنفال/ الآية (72).


[129] يراجع: الإسلام والقوة، بحث لنا منشور في مجلة مركز بحوث السنة والسيرة


[130] سورة البقرة/ الآية (190).


[131] سورة البقرة/ الآية (190).


[132] صحيح البخاري، كتاب الإيمان، مع فتح الباري (1/)


[133] سورة النساء/ الآية (94).


[134] المغني مع الشرح الكبير (10/413).


[135] المستدرك (2/155) وسنن أبي داود (3/83).


[136] سورة البقرة/ الآية (190).


[137] صحيح مسلم، كتاب الجهاد (3/1364)


[138] سنن أبي داود، كتاب الجهاد (3/371).


[139] مسند أحمد (1/300).


[140] معرفة السنن والآثار للبيهقي (13/249)


[141] سنن ابن ماجه، كتاب الجهاد (2/948)


[142] يراجع: النتف للسغدي (2/710) ونهاية المحتاج (8/64).


[143] سورة لقمان/ الآية (15).


[144] كتاب السير الكبير، ط. مطبعة الإعلانات الشرقية (1/106).


[145] مواهب الجليل (3/352)


[146] معرفة السنن للبيهقي (13/249)


[147] المرجع السابق.


[148] سبق تخريجه.


[149] سورة التوبة/ الآية (6).


[150] السير الكبير (2/420)


[151] سورة الإنسان/ الآية (9)


[152] يراجع لنفسر الآية: تفسير الطبري (14/254).


[153] أ.د. جعفر عبد السلام: القانون الدولي الإنساني، بحث منشور في مجلة كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر، العدد الثاني 1406هـ ص166، والمراجع القانونية السابقة.

[154] المراجع السابقة

[155] مقدمة مدير معهد المخطوطات بالقاهرة لكتاب السير الكبير، ط. شركة الإعلانات الشرقية 1971 (1/3).

[156] سورة البقرة/ الآية 194.

[157] سورة البقرة/ الآية 190.

[158] سورة المائدة/ الآية 2.

[159] سورة لقمان/ الآية 13.

[160] د. عبد الغني محمود: القانون الدولي الإنساني، ص5.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق