الصفحات

البحث الذكي داخل المدونة

تحميل وطباعة هذه الصفحة

Print Friendly and PDF

الخميس، 20 أغسطس 2026

الكرامة الإنسانية في ضوء التشريع الإسلامي د. ماهر أحمد السوسي

الكرامة الإنسانية

في ضوء التشريع الإسلامي

تقديم

د. ماهر أحمد السوسي

أستاذ الفقه المقارن وعميد كلية الشريعة والقانون

بالجامعة الإسلامية غزة

ملخص البحث:

بحث الكرامة الإنسانية في التشريع الإسلامي يسلط الضوء على نصوص الكتاب والسنة وأقوال علماء المسلمين، بخصوص التعرف على المظاهر الدالة على احترام كرامة الإنسان في الشريعة الإسلامية، ومدى اهتمام الإسلام بهذا الأمر، وقد خلص البحث في هذا المجال إلى سعة وشمول نطاق النصوص التي تقرر احترام كرامة الإنسان، وعدم امتهانه أو إذلاله بحال من الأحوال، فالإنسان في الإسلام هو خليفة الله على الأرض، وقد وردت النصوص صريحة في كونه مخلوقا مكرما، وكذلك ما جاء من النصوص التي تكفل له حقه في الحياة وسلامة جسده، وحقه في الحرية والمساواة، واحترام إرادته وعقله وفكره، وكذلك النصوص التي جاءت لتبين أن الإنسان في الإسلام مكرم حتى بعد وفاته.

إن هذا كله يبين بوضوح مدى اتساع نطاق الكرامة الإنسانية في الإسلام، وأنها تشمل كل مراحل حياته، وتستوعب كل حقوقه المتقررة له شرعا، مع العلم بأن الأمر لم يقف عند تقرير الإسلام للنصوص الدالة على كرامة الإنسان؛ بل إنه أوجد من المؤيدات الشرعية التي تحمي هذا الحق، وتحفظه من الاعتداء عليه.


ABSTRACT

Search human dignity in Islamic legislation sheds light on the texts of the Quran Sunnah and sayings of Muslim Scholars, regarding the identification of the function on the respect for human dignity in Islamic law manifestations, and the attention span of Islam in this matter, it concluded research in this filed to the capacity and coverage of the texts the scope of which was decided to respect the dignity human, and not humiliate him in any way, man in Islam is the successor of Allah on earth, has received texts explicit in being a creature honored, as well as what came from the texts which guarantees him the right to life and safety of his body, and the right to freedom, equality, and respect for the will and mind The idea, as well as the texts that came to show that the rights in Islam respect even after his death.

All this clearly shows the breadth of human dignity in Islam, and that it include all stages of his life, and accommodate all his rights legally; with the knowledge that it did not stop at the report of Islam texts function of human dignity; it created legitimacy supporters that protect this right, and reservation of assaulting him.


المقدمة:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وخاتم الأنبياء كلهم أجمعين، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد.

فإن حكمة الله تعالى قد اقتضت أن يكون الإنسان سيد هذا الكون، وأن يتربع على عرش المخلوقات فيه، وأن يكون كل ما في الكون مسخرا لخدمته، ومذللا له، وفي هذا قال الحق عز وجل: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ) ([1])، وقال تعالى (وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) ([2])، وقوله أيضا: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ) ([3])، فالمتأمل لهذه الآيات - وغيرها كثير في القرآن الكريم - يجد أنها بمجموعها تدلل على أن الله تعالى قد خلق كل شيء في هذا الكون، وجعله مسخرا لخدمة الإنسان.

وإن دل هذا الأمر على شيء؛ فإنه يدل على ما للإنسان من مكانة مرموقة، ومنزلة فاضلة عند خالقه، الذي وهبه من النعم ما لم يهبه لغيره من المخلوقات: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) ([4]).

وفي هذا البحث المقدم إلى مؤتمر (القانون الدولي الإنساني في ضوء الشريعة الإسلامية - ضمانات التطبيق والتحديات المعاصرة) الذي أقامته كلية الشريعة والقانون بالجامعة الإسلامية، بالاشتراك مع المؤسسة الدولية للصليب الأحمر، سأحاول بيان مظاهر تكريم الإسلام للإنسان، من خلال استقراء الأدلة الشرعية الدالة على ذلك؛ كي يمكننا تعزيز كل التشريعات والنظم التي تهدف إلى احترام الإنسان، وإنزاله منزلته التي أرادها الله تعالى، ونصرة الضعفاء من البشر، الذين قد تستباح إنسانيتهم لأسباب كثيرة، أهمها: المصالح الآنية، والعنصرية، والأهواء والشهوات: وقد تناولت هذا الموضوع بشيء من التأصيل الشرعي، حسب الترتيب التالي:


أولا: أهمية البحث:


ترجع أهمية البحث؛ إلى أنه يسلط الضوء على ما تقرر في الشريعة الإسلامية من مظاهر احترام الكرامة الإنسانية، ومدى شمول هذه المظاهر وتغلغلها في ثنايا التشريع كله أجمع بما يحتويه من: قواعد ومبادئ وأسس وأصول وفروع.


ثانيا: أهداف البحث: يهدف البحث إلى:


بيان منزلة الإنسان في التراث التشريعي الإسلامي، ومدى احترام المشرع له.

كيف حافظ على كل الأحكام الدالة على الكرامة الإنسانية؛ فوضع لها المؤيدات التشريعية التي تحفظها؛ ومنع من الاعتداء عليها، مع معاقبة المعتدي.

بيان شمول التشريع الإسلامي في ضمان كرامة الإنسان.

ثالثا: مشكلة البحث:


افترض الباحث أن هناك اتهام للتشريع الإسلامي بقصوره وتخلفه عن التشريعات القانونية الأخرى في مجال القواعد التي نصت على حق الكرامة الإنسانية، وما يتوصل به إلى تلك القواعد، والحفاظ على مقرراتها في هذا المجال.


رابعا: أسئلة البحث:


السؤال الرئيس في هذا الموضوع هو: هل تضمنت نصوص التشريع الإسلامي على اختلافها ما يضمن الحفاظ على الكرامة الإنسانية واحترام إنسانية الإنسان؟


وقد تفرعت عن هذا السؤال مجموعة من الأسئلة مثل:


هل كفل الإسلام حق الإنسان في الحياة؟.

هل كفل الإسلام حق الإنسان في سلامة جسده؟

هل كفل الإسلام حق الإنسان في الحرية؟

هل كفل الإسلام حق الإنسان في الفكر والعقيدة؟

هل كفل الإسلام حق الإنسان في العدل والمساواة؟

خامسا: منهج البحث:


إن المنهج (الاستقرائي التحليلي) هو المنهج الأمثل في مثل هذه البحوث، حيث سيتم استقراء الشواهد والأدلة من التشريع الإسلامي المتعلقة بموضوع البحث، ومن ثم تحليلها والتوصل إلى هدف البحث منها.


سادسا: خطة البحث:


تناول هذا البحث موضوعه على النحو التالي:


المبحث الأول: أسس تكريم الإنسان في الإسلام:


المطلب الأول: القاعدة العامة في تكريم الإنسان.


المطلب الثاني: طبيعة وظيفة الإنسان على الأرض.


المبحث الثاني: المظاهر التشريعية لتكريم الله - تعالى- للإنسان


المطلب الأول: حق الإنسان في الحياة.


المطلب الثاني: حق الإنسان في سلامة جسده.


المطلب الثالث: حق الإنسان في الحرية.


المطلب الرابع: حق الإنسان في العدل والمساواة.


المبحث الثالث: احترام إرادة الإنسان وفكره ودلالتهما على تكريمه


المطلب الأول: احترام عقل الإنسان وفكره.


المطلب الثاني: احترام إرادة الإنسان.


المبحث الرابع: احترام الإنسان حتى بعد وفاته.


أهم النتائج والتوصيات


قائمة المراجع


 


المبحث الأول: أسس تكريم الإنسان في الإسلام


المطلب الأول: القاعدة العامة في تكريم الإنسان


قضت تشريعات الإسلام: بان الإنسان مخلوق مكرم، وهذه قاعدة عامة في الإسلام، حيث كل تشريعاته المتعلقة بالإنسان تتوافق مع هذه القاعدة، ولا تتناقض معها؛ بل إن كل ما يناقض هذه القاعدة من تشريعات تنشأ عن اجتهاد المجتهدين؛ تكون غير مشروعة؛ ذلك أنها تولد مخالفة لشرع الله تعالى، ومعلوم أن كل ما ناقض الشرع؛ فهو باطل، كما ورد عن الإمام الشاطبي - رحمه الله تعالى - في كتابه الموافقات ([5])، حيث استفاد ذلك من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل عمل ليس عليه أمرنا هذا فهو باطل "([6]).


والقاعدة العامة في تكريم الإنسان مستمدة من قول الحق عز وجل: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) ([7]).


هذا نص صريح من الله تعالى، بين فيه تكريم الإنسان، والناظر في هذا النص يرى أنه يتحدث عن مطلق (إنسان) دون تمييز: بجنس أو لون أو عرق، أو أي داع من دواعي التمييز التي يعرفها البشر، حيث كل ابن آدم هو إنسان كما هو مسلم به.


وعلى ذلك، فكل إنسان مكرم عند الله تعالى، لا فرق بين إنسان وإنسان إلا بالتقوى، كما بين الحق عز وجل بقوله: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) ([8])، حيث التقوى متاحة لجميع الناس، كل من أراد أن يتقي الله يمكنه ذلك، وهذا قمة العدل؛ بل هو العدل المطلق، حيث جعل الله تعالى ميزان التفاضل بين الناس أمرا يستطيعه الجميع، غير مقصور على فئة من الناس، ولا عجب في ذلك، ففي كل التشريعات حتى الوضعية منها، لا بد من تفضيل بين الناس، فكل تشريع يسعى إلى تحقيق المواطن الصالح، وهو في نظر التشريعات الوضعية الأكثر التزاما بالقانون.


المطلب الثاني: طبيعة وظيفة الإنسان على الأرض:


الإنسان هو خليفة الله - عز وجل - على الأرض، وفي ذلك قال الحق عز وجل: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) ([9])، جاء في تفسير القرطبي في شرح هذه الآية نقلا عن ابن عباس وابن مسعود، وجميع أهل التأويل: أن المقصود بقوله خليفة هو (آدم) عليه السلام -، أبو البشر، فهو خليفة الله - عز وجل - على الأرض، يخلفه في تنفيذ أحكام شرعه ([10])، وإذا كان الأمر كذلك فإن كل رسول هو خليفة، كما جاء في قوله تعالى في حق داود - عليه السلام - (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ) ([11])، وإذا كان البشر جميعا مكلفون بالحكم أو الاحتكام إلى شرع الله تعالى، فهم خلفاء له عز وجل.


وإن دل هذا على شيء، فإنه يدل على ما لهذا الإنسان من شرف، إذ شرفه الله تعالى بخلافته، ولما كان الله تعالى في حس كل الموحدين هو الإله، وهو الخالق وهو الأعظم، وهو المتصف بصفات الكمال؛ إذا لابد أن يكون خليفته صاحب شرف عظيم، يستمد شرفه من شرفه، بما يناسب بشريته، وعدم عصمته.



المبحث الثاني: المظاهر التشريعية لتكريم الله -تعالى - للإنسان


المطلب الأول: حق الإنسان في الحياة


من مظاهر تكريم الله تعالى للإنسان: أنه وهبه الحياة، وهي كسائر الحقوق لم يكتف الحق عز وجل بأن أنعم على الإنسان بها؛ بل إنه تكفل بحفظها، ووضع التشريعات التي تمنع الاعتداء عليها؛ بل حرم ذلك، وذلك على النحو التالي:


أمر الله تعالى الإنسان بالحفاظ على حياته:


أمر الله تعالى الإنسان بالمحافظة على حياته، وأوجد له مقومات ذلك، والأدلة على ذلك كثيرة أذكر منها:


قوله تعالى: (يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) ([12])، فالآية اشتملت على أمرين ونهي على النحو التالي:


مرت بأخذ الزينة، والمقصود بالزينة هنا، ما يتزين به الإنسان من الملابس التي تقيه برد الشتاء وحر الصيف، وهذا يعني: أن الآية أمرت الإنسان بوقاية نفسه من مظاهر الطبيعة التي قد تلحق به الضرر، وتؤثر في استقامة حياته ([13]).

كما أمرت الآية بالأكل والشرب، ومعلوم أنهما من مقومات حياة الإنسان التي لا تستقيم بدونهما.

نهت عن الإسراف، ومعلوم طبيا ما للإسراف في الطعام والشراب من مضار: تعود على صحة الإنسان؛ بل قد تكون مهلكة له، ناهيك عن الأمراض المزمنة التي يصاب بها نتيجة الإسراف في الطعام والشراب.

قوله تعالى: (وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ) ([14])، والسرابيل: هي اسم لنوع من الملابس أو الدروع، وفي الآية امتن الله تعالى على الإنسان بأن أنعم عليه بهذه الملابس والدروع، التي يحافظ من خلالها على نفسه من الحر والبرد، والتي تقيه من سلاح العدو في المعركة؛ فيحفظ بها حياته ([15]).


قول الله تعالى: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) ([16])، منع الله الإنسان صراحة في هذه الآية من أن يلقي نفسه بنفسه إلى التهلكة، وقد جاء في تفسير (الماوردي) ([17]) أن من تأويلات هذه الآية (ألا تخرجوا للسفر من غير زاد فتهلكوا).


قول الله تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) ([18])، أي: لا يجوز لكم أن تقتلوا أنفسكم بالآثام والمعاصي ([19])، والملاحظ هنا أن الإسلام أمر بالحفاظ على حياة الإنسان في الدنيا وفي الآخرة؛ لأنه ينشد له الحياة الكريمة دائما.


قوله صلى الله عليه وسلم: لكل داء دواء فتداووا ولا تداووا بحرام "([20])، فقد روى الترمذي عن أسامة بن شريك قال قالت الأعراب: ألا نتداوى يا رسول الله؟ قال:" نعم. يا عباد الله تداووا فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء أو دواء إلا داء واحد" قالوا: يا رسول الله وما هو؟ قال:" الهرم ([21])" فالحديثان صريحان في مداواة النفس من الأسقام التي تصيبها، وإن كان ذلك لشيء؛ فلا يكون إلا من أجل المحافظة على النفس من الهلاك، وإبقاء على حياتها.



حرم الله تعالى الاعتداء على حياة الناس وجعل ذلك جريمة:


والأدلة على تحريم الاعتداء على الحياة ما يلي:


قوله تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) ([22]).

قوله تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) ([23]).

قوله تعالى: (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا) ([24]).

قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يحل دم امرء مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينة المفارق للجماعة "([25]).

هذا والناظر في الآيتين الأوليين يجد فيهما نهيا عن قتل النفس، والنهي في الراجح عند الأصوليين يفيد التحريم؛ إذا لم يصرفه صارف عن ذلك ([26]) ولا صارف هنا عن التحريم.


وفي الآية الثالثة بين الحق سبحانه وتعالى أن من قتل نفسا واحدة فكأنما قتل الناس جميعا، وفيه دلالة على خطر القتل، وسوء عاقبته.


وفي الحديث بيان بعدم جواز قتل النفس إلا بما يسوغه الشرع؛ وهو القتل العمد، والزاني المحصن، والردة عن الإسلام، وعليه فإن قتلها بدون هذا المسوغ؛ حرام يخالف ما أباحه الله تعالى.



شرع الله تعالى عقوبة لمن يقتل النفس الإنسانية:


ويدل على ذلك ما يلي:


قوله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) ([27])، والقصاص هو قتل القاتل العمد إلا أن يعفو أولياء الدم عن ذلك ([28]).

قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى) ([29])، والنص واضح: في أن القاتل يفعل به مثل ما فعل في المقتول، وهذا فرض، حيث (كتب) في عرف الشرع بمعنى (فرض) ([30]).

قوله تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) ([31])، فالنص غاية في الوضوح في ترتيب عقوبة القاتل العمد.

وغير ذلك كثير من النصوص التي بينت عقوبة من يعتدي على حياة غيره من البشر.



المطلب الثاني: حق الإنسان في سلامة جسده:


إن الله تعالى قد خلق الإنسان في أحسن تقويم، حيث قال عز وجل: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) ([32])، وهذا يعني: أنه خلقه في أحسن صورة، وأبهى منظر؛ وهذا مظهر من مظاهر تفضيل الإنسان وتكريمه على غيره من المخلوقات الأخرى، فالإنسان يمشي على رجلين، وغيره من المخلوقات إما أن يزحف على بطنه، وإما أن يمشي على أربع، قال الله تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ([33])، والناظر إلى هذا الخلق يجد أن الذي يزحف على بطنه، والذي يمشي على أربع وجهه أقرب إلى الأرض، وهو ألصق بها، أما الإنسان الذي يمشي على رجلين، فهو أقرب إلى السماء، وهذا يعني سمو الإنسان، ورقيه على تلك المخلوقات جميعا؛ وهذا فيه تفضيل للإنسان وتكريم له إيما تكريم.


ولكي يبقى الإنسان في أحسن تقويم؛ منع الله سبحانه وتعالى الاعتداء على جسده، وإيذائه فيه، سواء أكان بالضرب، أم الجرح، أم القطع، أم التشويه، أم التقبيح، أم بأي نوع من أنواع الأذى المادي أو المعنوي، وقد جاءت نصوص كثيرة في الشريعة الإسلامية تبين ذلك كله أجمع؛ حفاظا على الكيان المادي لهذا الإنسان، وإبقاء له على الصورة الحسنة التي خلقه الله تعالى عليها، ومن هذه النصوص ما يلي:


قوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ) ([34])، بينت الآية أن الاعتداء على أي عضو من أعضاء الإنسان إنما هو جريمة يعاقب عليها بالقصاص، حيث ذكرت الآية تحريم الاعتداء على: العين والأنف والأذن، ثم ذكرت أيضا تحريم جرح أي إنسان، حيث قالت: (والجروح قصاص) ([35]).

قوله تعالى: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) ([36])، حيث أباح النص: رد الاعتداء باعتداء مثله، والاعتداء المذكور في النص هو اعتداء مطلق، والاعتداء على أعضاء الإنسان: بالقطع أو الجرح، أو الضرب هو اعتداء، وذلك يبيح الرد بالمثل كما ورد صريحا في النص السابق، وكما فهم الفقهاء حينما اعتمدوه في عقوبة الاعتداء على ما دون النفس ([37]).

عن النبي صلى الله عليه وسلم: "فإنه قد دنا مني خفوق من بين أظهركم فمن شتمت له عرضاً فهذا عرضي، ومن ضربت له ظهراً فهذا ظهري فليستقد منه"([38])، والحديث صريح في تحريم الضرب والتعذيب بدون وجه حق، حيث قرر النبي صلى الله عليه وسلم مبدأ القصاص ولو من نفسه، والقصاص لا يكون إلا عقوبة على جريمة.

جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: "ظهر المؤمن حمى إلا في حد من حدود الله تعالى "([39])، وهذا يعني تحريم التعذيب بكل أشكاله حتى وإن كان الشخص متهما، ثم أكد عمر رضي الله عنه هذا المعنى بقوله: "إني لا أبعث عمالي ليضربوا أبشاركم ولا ليأخذوا أموالكم ([40]).

ما جاء عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه رداً على عدي بن أرطاة الذي كتب يستأذنه في ضرب من امتنع عن دفع الخراج، فقال له: "العجب كل العجب من استئذانك إياي في عذاب البشر: كأني جنة لك من عذاب الله، أو كأن رضاي ينجيك من سخط الله، إذا أتاك كتابي هذا فمن أعطاك ما قبله - من الخراج - عفوا - أي: سهلا من غير تعذيب؛ فخذه وإلا أي: أن ادعى الفلس؛ فأحلفه، فوالله لأن يلقون الله بجناياتهم أحب إلي من أن ألقاه بعذابهم" ([41]). وفي ذلك نهي صريح عن ضرب حتى من كان يظن أنه مقصرا في حقوق الدولة.

ومن دلالات هذا أن يبقى الإنسان سالما من الإيذاء، فيبقى جسده في أحسن تقويم، حتى يستطيع أن يؤدي وظائفه على خير وجه؛ ذلك إن تعطيل عضو من أعضاء الإنسان يعيقه على أداء عمله الذي يؤديه بذلك العضو، ثم إن ذلك يسبب له ألما نفسيا حيث إنه يشعره بالنقص عن غيره.


ثم إن كون الإنسان في أحسن تقويم يساعده على الإتقان في كل شيء، ألا ترى أن الإنسان يمكنه أن يشبع غريزته مع أي إنسان آخر، بغض النظر عن قبحه أو جماله، ولكن الإنسان أذكراً كان أم أنثى يحب دائما أن يقترن بالأجمل، حتى إذا ما أشبع غريزته معه يكون ذلك عن دافع التمتع بهذا الجمال، ومن ثم فإن شريكه إن كان يتمتع بقدر من الجمال؛ فإنه يمنعه من قضاء وطره في غير ما أحل الله له.



المطلب الثالث: حق الإنسان في الحرية:


إن الإسلام كفل للإنسان حقه في الحرية؛ بل إنه جعل الحرية بمنزلة الحياة؛ تأكيدا على منزلتها في الإسلام، وتحريضا على حفظ هذا الحق على الناس وعدم مصادرته. ومن النصوص الدالة على ذلك ما يلي:


قال تعالى: (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) ([42])، قرر النص أن من أحيا نفسا؛ فقد أحيا الناس جميعا، والمقصود هنا بإحياء النفس هو تحرير عبد مسترق، حيث الرق عند الفقهاء هو موت حكمي، ومن أعتقه يكون قد أحياه من ذلك الموت ([43]).

قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيعتقه" ([44])، أفاد الحديث الشريف أن الولد لا يمكن أن يكافئ والده الذي كان سببا في إيجاده في هذه الحياة، إلا أن يعيد له حريته، حيث الحرية في الإسلام وحدها هي التي تساوي الحياة.

وإن دل هذا على شيء، فإنه يدل على مدى حرص الإسلام على حرية الإنسان، تلك الحرية التي تجعل الإنسان أكثر أمنا واطمئنانا، وأكثر انطلاقا في تأدية واجباته، والقيام بوظائفه الاجتماعية.




المطلب الرابع: حق الإنسان في العدل والمساواة:

العدل والمساواة في الإسلام أساس قامت عليهما علاقات الدولة الإسلامية الخارجية، ومبدأ تعاملت به الدولة مع رعاياها في الداخل ([45])، ومما يدل على ذلك ما يلي:


قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) ([46])، وقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) ([47])، جاءت الآيات مخاطبة جميع الناس بأنهم صدروا جميعا من مصدر واحد، وأنهم جميعا خلق الله تعالى، فإذا كان الأمر كذلك فلا داعي للتفاضل بينهم بحال من الأحوال فيما لا سلطان لهم عليه، وقد أكد ذلك:

قول النبي صلى الله عليه وسلم: "كلكم لآدم، وآدم من تراب، لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي، ولا لأبيض على أحمر، ولا لأحمر على أبيض إلا بالتقوى..." ([48]).

قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) ([49])، أمر صريح وواضح بوجوب العدل، والأمر للناس جميعا.

قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) ([50])، خطاب موجه إلى الحكام بضرورة العدل، باعتباره واجبا شرعيا عليهم.

أمر عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه بسحب جيش المسلمين من مدينة سمرقند حيث إن المسلمين قد دخلوها عنوة، ولم يعاملوا أهلها كما يعاملون غيرهم من الناس.

أمر عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - أحد ولاته على الشام أن يرد كنيسة استولى عليها من أصحابها وحولها إلى مسجد أمره أن يردها لهم.

رفض عمر بن الخطاب رضي الله عنه الصلاة في كنيسة القيامة حينما فتح القدس لئلا يتخذها المسلمون مصلى لهم.

حينما تنازع يهودي مع مشرك، واقترح المشرك أن يتحاكما إلى حيي بن أخطب من اليهود، رفض اليهودي ذلك، وطلب التحكيم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلل اليهودي ذلك؛ بأن محمداً صلى الله عليه وسلم يحكم بالعدل، وأما حيي بن أخطب؛ فإنه يقبل الرشوة.

المبحث الثالث: احترام إرادة الإنسان وفكره ودلالتهما على تكريمه


المطلب الأول: احترام عقل الإنسان وفكره


إن الله تعالى كرم الإنسان بالعقل، وميزه به، وحرص الإسلام كثيرا على احترام عقل الإنسان وسلامته من كل ما يشوبه من: جهل وخرافة، وعلمه كيف يقابل الحجة بالحجة، وألا يقول إلا ببرهان ودليل، ووجهه الوجهة التي يمكن أن يستغل من خلالها طاقته العقلية دونما أن تهدر أو تضيع سدى، ومن ذلك ما يلي:


قول الله تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) ([51])، قررت الآية: أنه لا إكراه في الدين، حيث أصبح الفرق بين الهدى والضلال واضحا، وبإمكان الإنسان أن يعقل ذلك، وأن الإكراه على الإيمان هو ضرب من ضروب الهوى الذي لا يفيد شيئا، وهو مظهر من مظاهر الحجر على العقل، وهذا ما جات الآية بخلافه ([52]).

قوله تعالى: (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ...) ([53]) في كثير من مواضع القرآن الكريم، وكان ذلك بعد دعاوى يدعيها الكافرون، فعلمهم وجوب احترام عقول الناس عن طريق تقديم الدليل على كل دعوى.

قوله تعالى: (هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) ([54])، فالآية بينت ضرورة التحري عند أي دعوى، وذلك يكون بالدليل البين الواضح الذي وسيلته العقل.

وكذلك قوله - تعالى - ردا على من قاموا بنشر حديث الإفك: (لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ) ([55])، أي: أنه كان ينبغي عليهم أن يؤكدوا دعواهم تلك بالدليل وألا يستخفوا بعقول الناس.

ما جاء من قول النبي صلى الله عليه وسلم، "تفكروا في خلق الله ولا تتفكروا في ذات الله "([56]) ففي هذا الحديث: دليل على وجوب الحفاظ على الطاقة العقلية من الإهدار، حيث نهى عن التفكر في المغيبات ومنها ذات الله تعالى؛ لأن العقل لا يستطيع أن ينتج إلا إذا عمل فيما يشاهد أو يحس، حيث المعرفة مبنية دائما على استنتاجات من: خبرات وتجارب سابقة.


المطلب الثاني: احترام إرادة الإنسان


احترم الإسلام اختيار الإنسان وإرادته، ولم يكرهه على ما لا يرضى، سواء أكان ذلك في جانب العبادات أو المعاملات، وقد بينا قبل ذلك: كيف أن الإسلام منع الإكراه في الدين، ونبين هنا بالدليل: كيف أن الإسلام احترم إرادة الإنسان التعاقدية، وذلك:


عن ابن بريدة عن أبيه قال: "جاءت فتاة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: إن أبي زوجني أبن أخيه، ليرفع بي خسيسته، قال، فجعل الأمر إليها، فقالت: قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن تعلم النساء أن ليس إلى الإباء من الأمر شيء" ([57])، فذلك صريح في احترام حرية تلك المرأة التعاقدية، واحترام إرادتها في الزواج مما ترغب.

قرر الفقهاء: أن الرضا هو روح أي عقد من العقود، والإكراه على إبرام أي عقد العقد يبطله ([58]).

وقد أكد ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه "([59]) فهو صريح في رفع أي حكم يترتب على الإنسان بغير إرادته،


المبحث الرابع: كرامة الإنسان ميتاً:


كل ما ذكرناه سابقا: يدلل على تكريم الإسلام للإنسان حيا، ويقي أن نشير إلى كرامة الإنسان ميتا، حيث التفت الإسلام إلى هذا الجانب، والأدلة على ذلك هي:


قول الله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ) ([60])، واللفظ في الآية عام، بمعنى: أنه يعم كل بني آدم في حياتهم، وفي مماتهم وفي كل الأحوال والظروف التي تعرض لهم، بغض النظر عن جنسهم أو دينهم أو أي سبب من أسباب التمييز، كما بينا من قبل، وأنه لا دليل على تخصيص الآية بالأحياء من بني آدم فقط.

قول النبي صلى الله عليه وسلم: "كسر عظم الميت ككسره حيا في الإثم " ([61])، إذا كان من المعلوم: أن الشرع حرم الاعتداء على جسد الإنسان الحي، وقرر وجوب سلامته كما بينا سابقا، فإن هذا الحديث: يدل على حرمة الاعتداء على الميت، وإن عقوبة كسر عظمه هي القصاص تماما، كعقوبة كسر عظم الحي.

نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن التمثيل بالجثث: حيث روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من مثل بذي روح؛ مثل الله به يوم القيامة " ([62]) ثم ما ورد من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان دائما يوصي قواده على الجيش بمجموعة وصايا منها: "ولا تمثلوا"، أي: لا تعتدوا على الأموات بتشويه جثثهم حتى وإن كانوا أعداءكم.

كما قرر بعض الفقهاء أنه لو مات إنسان ودفن دون أن يغسل ويكفن، فإنه لا يجوز نبش قبره؛ من أجل تغسيله وتكفينه ([63]).


أهم النتائج:


بعد استعراض أدبيات هذا الموضوع فإنه يمكن للباحث استخلاص النتائج التالية:


حرص الإسلام حرصا شديدا على تكريم الإنسان، وجعله متربعا على عرش المخلوقات، وتوجه سيدا لهذا الكون.

دل البحث وبوضوح على سعة نطاق تكريم الإنسان في الإسلام، وأن هذا التكريم لم يكن حال حياة الإنسان فقط؛ بل كان حال حياته وبعد وفاته، وإن هذا التكريم تمثل في صورة مجموعة كبيرة من الحقوق التي منحها الإسلام للإنسان، والتي كانت لازمة من لوازم عيشه الكريم: كحق الحياة والحرية والعدل والمساواة...الخ.

لم يكتف الإسلام بتقرير مجموع الحقوق التي تحفظ كرامة الإنسان؛ بل إنه شرع مجموعة من العقوبات الدنيوية والأخروية؛ لمنع الاعتداء على هذه الحقوق، ومن ثم إذلال الإنسان وهدر كرامته.

يظهر من خلال البحث: كيف حرص المسلمون الأوائل على الحفاظ على كرامة الإنسان بغض النظر عن: جنسه أو لونه أو لسانه أو دينه.

إن كل أحكام التشريع الإسلامي جاءت منسجمة مع ما تقرر في هذا التشريع من الحفاظ على كرامة الإنسان ولا تناقض في هذا الأمر.

إن شمول نطاق الكرامة الإنسانية في الإسلام يعتبر حاكما على كل: السلوكيات والتصرفات الاجتهادية عند الاجتهاد في النوازل الحادثة، بحيث لا يمكن تقرير حكم لها يكون فيه امتهان لكرامة الإنسان.

 



قائمة المراجع:


أحمد: أبو عبد الله بن محمد بن حنبل، ت241هـ، مسند الإمام أحمد بن حنبل، ط1، 1416هـ 1995م، دار الحديث، القاهرة.

البزار: أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق، بن خلاد، ت292هـ، مسند البزار، ط1988م، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة.

البغوي: أبو محمد الحسين بن مسعود، معالم التنزيل في تفسير القرآن، المعروف ب(تفسير البغوي)، ط1، 1420، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

البيهقي: أحمد بن الحسين بن علي، السنن الكبرى، ط3، 1424هـ، 2003م، دار الكتب العلمية، بيروت.

الترمذي: محمد بن عيسى بن سورة، سنن الترمذي، ط2، 1395هـ 1975م، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر.

عبد الجبار: صهيب، الجامع الصحيح للسنن والمسانيد،

ابن الجوزي: مناقب عمر بن عبد العزيز

ابن حبان: محمد بن حبان بن أحمد، صحيح ابن حبان، ط1، 1408هـ 1988م، مؤسسة الرسالة، بيروت.

الخطيب: شمس الدين محمد بن أحمد، مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج، ط1، 1415هـ 1994، دار الكتب العلمية.

أبو داود: سليمان بن الأشعث بن سليمان، سنن أبي داوود، المكتبة العصرية، صيدا.

الدريني: محمد فتحي، خصائص التشريع الإسلامي في السياسة والحكم، ط1، دار الكتب العلمية.

الرملي: شمس الدين محمد بن أبي لعباس، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، دار الفكر، بيروت.

الزرقا: المدخل للفقه الإسلامي.

الشاطبي: إبراهيم بن موسى بن محمد، الموافقات، ط1، 1417هـ 1997م، دار ابن عفان.

الطبراني: سليمان بن أحمد بن أيوب، المعجم الأوسط، دار الحرمين، القاهرة.

ابن عابدين: محمد بن عمر بن عبد العزيز، حاشية رد المحتار على الدر المختار، ط2، 1442هـ 1992م، دار الفكر، بيروت.

القرطبي: أبو عبد الله محمد بن أحمد، الجامع لعلوم القرآن، ط2، 1384 ، 1964م، دار الكتب العلمية، القاهرة.

الكاساني: علاء الدين أبو بكر بن مسعود، ت587هـ، البدائع في ترتيب الشرائع، ط2، 1406هـ 1986م مدار الكتب العلمية.

ابن كثير: أبو الفداء إسماعيل بن عمر، ت774هـ، تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)، ط2، 1420هـ 1999م، دار طيبة، للنشر والتوزيع.

الماوردي: أبو الحسن علي بن محمد بن محمد، ت450هـ، تفسير الماوردي (النكت والعيون)، دار الكتب العلمية، بيروت.

ابن ماجة: أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني، ت273هـ، سنن ابن ماجة، دار إحياء الكتب العربية، مصر.

مسلم: أبو الحسن بن الحجاج القشيري، ت261هـ صحيح مسلم، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

النسفي: عبد الله بن أحمد بن محمود، ت710هـ، تفسير النسفي، ط1، 1419هـ 1998م، دار الكلم الطيب، بيروت.

 


هذا، وبالله التوفيق


[1] سورة إبراهيم، آية 32.


[2] سورة إبراهيم، الآية 33.


[3] سورة الحج، الآية 85.


[4] سورة إبراهيم، الآية 34.


[5] الشاطبي: الموافقات، 3/45.


[6] صحيح البخاري، 3/69، 3/184.


[7] سورة الإسراء، الآية 70.


[8] سورة الحجرات، من الآية: 13.


[9] سورة البقرة، من الآية 30.


[10] القرطبي: تفسير القرطبي، 1/263.


[11] سورة ص، الآية 26.


[12] سورة الأعراف، الآية 31.


[13] النسفي: تفسير النسفي، 1/564.


[14] سورة النحل، من الآية 81.


[15] البغوي: تفسير البغوي: 5/36.


[16] سورة البقرة من الآية 195.


[17] الماوردي: تفسير الماوردي، 1/253.


[18] سورة النساء، من الآية 29.


[19] ابن كثير: تفسير ابن كثير 1/379.


[20] سنن أبي داود، 6/75.


[21] سنن الترمذي، 3/451/


[22] سورة النساء، الآية 29.


[23] سورة الأنعام، من الآية 151.


[24] سورة المائدة من الآية 32.


[25] صحيح مسلم، 2/271.


[26] السبكي: الإبهاج في شرح المنهاج، 2/47.


[27] سورة البقرة الآية 179.


[28] الشربيني الخطيب: مغني المحتاج، 5/274.


[29] سورة البقرة، من الآية 178.


[30] البغوي: تفسير البغوي، 1/207.


[31] سورة النساء، الآية 93.


[32] سورة التين، الآية 3.


[33] سورة ص، الآية 45.


[34] سورة المائدة من الآية 45.


[35] القرطبي: تفسير القرطبي، 6/201.


[36] سورة البقرة من الآية 194.


[37] ترجم كثير من الفقهاء في مصنفاتهم لعقوبة الاعتداء على ما دون النفس بهذا العنوان وكان جل كلامهم على العقوبة بالمثل، انظر في ذلك: الكاساني: بدائع الصنائع، 7/296، ابن عابدين: حاشية رد المحتار على الدر المختار 6/650، الرملي: نهاية المحتاج، 7/321،


[38] البزار: مسند البزار، 6/98.


[39] الطبراني: المعجم الكبير، 17/180.


[40] الخراج مع الرتاج 2/60.


[41] ابن الجوزي: مناقب عمر بن عبد العزيز ص125.


[42] سورة المائدة، من الآية 32.


[43] شرح العناية على الهداية، مطبوع مع فتح القدير، 4/328.


[44] صحيح ابن حبان، 2/167.


[45] الدريني: خصائص التشريع الإسلامي في السياسة والحكم ص407.


[46] سورة النساء، الآية 1.


[47] سورة الحجرات، الآية 13.


[48] سيرة ابن هشام، 4/194.


[49] سورة النحل، الآية 90.


[50] سورة النساء، الآية 58.


[51] سورة البقرة، الآية 265.


[52] النسفي: تفسير النسفي، 1/211.


[53] سورة البقرة من الآية 111، سورة الأنبياء من الآية 24، سورة النمل، من الآية 64، سورة القصص من الآية 76.


[54] سورة الكهف، الآية 15.


[55] سورة النور، الآية 13.

[56] صهيب عبد الجبار: الجامع الصحيح للسنن والمسانيد، 10/174.

[57] ابن ماجة: سنن ابن ماجة، 1/502.

[58] مصطفى الزرقا: المدخل للفقه الإسلامي،

[59] البيهقي: السنن الكبرى، 6/139.

[60] سورة الإسراء، من الآية 70.

[61] ابن ماجة: سنن ابن ماجة، 1/516.

[62] مسند الإمام أحمد 2/92.

[63] غمز عيون البصائر 1/276.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق