الصفحات

البحث الذكي داخل المدونة

تحميل وطباعة هذه الصفحة

Print Friendly and PDF

الاثنين، 17 أغسطس 2026

الندوة المصرية الأولى حول القانون الدولي الإنساني / نظرة عامة في القانون الدولي الإنساني الإسلامي الأستاذ الدكتور محمد طلعت الغنيمي

نظرة عامة في القانون الدولي الإنساني الإسلامي

الأستاذ الدكتور محمد طلعت الغنيمي

أستاذ ورئيس قسم القانون الدولي العام كلية الحقوق - جامعة الإسكندرية

القانون الإنساني والقانون الإنسانوي :

حديثي هذا في القانون الدولي الإنساني الإسلامي . والحديث في شرع الله يطول ولا يمكن أن تحيط به الأفهام والعقول فهو البحر الزاخر والفيض الهادر . فأنى لفرد أن يسبر أغواره وكيف لمدقق أن يجمع آثاره ، فحسبي من تقصيري صدق المحاولة ويغنيني في عجزي بعدي عن المطاولة ، وكما يقولون فإن ما لا يدرك كله لا يترك كله . فماذا نقصد بالقانون الدولي الإنساني ؟ .

يجرى في لغة الفقه الدولي مصطلحان هما القانون الإنساني وحقوق الإنسان . وحقوق الإنسان عندي هي ( القانون الإنسانوي » فكما أن القانون الإنساني ينسب إلى الإنسانية فان القانون الإنسانوي ينسب إلى الإنسان . ويختلف الفقهاء حول مدلول الاصطلاحين

فهناك فريق يتوسع في التفسير فيقصد باصطلاح « القانون الإنساني » مجموعة القواعد الدولية التي تتضمن حرية شخص الإنسان ورفاهيته وبذلك يجمع تحت هذا الاصطلاح ( القانون الإنسانوي » ومنهم من يتخذ موقفا مقابلا فيرى أن اصطلاح ( القانون الإنسانوي » هو الأوسع مدلولا بحيث يندرج تحته ( القانون الإنساني » كذلك والحق أن هذا الجدل حول مدلول المصطلحات جدل نظري يكفي في حله أن نختار للمصطلح مدلولا نتفق عليه . وإنا استملح أن يكون لكل مصطلح معنى منفصل عن الآخر . فالقانون الإنساني عندي - وفي هذا العرض - هو القانون الذي يهتم بحقوق الإنسان وقت الحرب وأثناء النزاع المسلح ، والقانون الإنسانوي هو القانون الذي ينظم حقوق الإنسان زمن السلام .

وقد يحيك في الصدر حائك وأنا أتكلم عن القانون الدولي الإنساني الإسلامي ، كيف يتفق أن نميز في القانون الدولي الإسلامي فرعا نصفه بأنه إنساني في حين أن القانون الدولي الإسلامي كله قانون إنساني والإسلام من السلام . ولا أنكر أن هذه الحكاكة حاكت بصدري وأنا كذلك ولكني أزحتها لاعتبارات عارضة ، فأنا بصدد دراسة الاصطلاح جرى في لغة العصر على معنى فيه قصر . والحق أنه وان كان السلام روح الإسلام إلا أن السلام ليس هو الحقيقة الوحيدة في الاجتماع البشري الذي يعرف كذلك - وبضراوة - التنافس والتناحر، وفي هذا أذكر القول الكريم : ( وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ) . وإذن فدفع الباطل وكشف شر قوم عن غيرهم بما خلقه الله ويقدره من الأسباب هو درء المفسدة ومجلبة للخير . ومن بين صور هذا الدفع يذكر القرآن الكريم القتال . (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) . فإذا كان القتال طيلة من حقائق الحياة وشأنا من فنون الدنيا فها أخرى الإسلام - وهو دين ودولة - بأن ينظم أموره ويرتب أحكامه بل لقد كان الإسلام أول هدى أضاء أمام بشرنة بربرية هوجاء تجعل من الحرب عديلاً للإبادة وبديلاً للتخريب ولا ترعى في العدو إلا ولا ذمة. وجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة .

لقد كانت الحنيفية السمحاء النقلة الكبرى التي خرجت بالناس من ظلمات الأفكار اليونانية والرومانية عن الحرب مع الأعداء إلى نور ملأ الأرجاء بقهر للعدو بحقوق ويضمن للمحارب حمايات ، ولم تكن هذه النقلة الكبرى بالقياس إلى وحشية الحروب التي عرفها الإغريقي الروماني ، بل أنها لا زالت كبرى بالقياس إلى ما نشهده اليوم بعد جهود أربعة قرون سلخها القانون الدولي المعاصر في محاولات لهدهدة أهوال الحرب وتخفيف ويلاتها

كلمة حق :

وضعت الشريعة الإسلامية علامات تهتدي بها الدولة الإسلامية في علاقاتها الدولية ورسمت لها خطوطاً تتحراها في سلوكها مع غيرها من الدول. وقد كثرت الآيات الكريمة في ذلك ولذا فإني أختار منها على سبيل المثال قوله عز من قائل : الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ، صدق الله العظيم

وفي شرح هذه الآية نقرأ في ابن كثير أن رجلين أتيا ابن عمر في فتنة ابن الزبير مقالا : أن الناس صنعوا وأنت ابن عمر وصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فما منعك أن تخرج ؟ . قال منعني أن الله حرم دم أخي فذكرا له الآية ، قال : قاتلناهم حتى أم تكن فتنة وكان الدين الله وأنتم تريدون القتال حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير الله .

فالحرب في الإسلام تستهدف أحد أمرين : حماية ديار المسلمين من أن تغزى وتمكين دينهم من أن يطمس ولذا فإنها تتوخى الفضيلة وتقيم العدالة وتكرم الفرد ، فلا غرو أن يخاطب الشاعر أحمد شوقي حضرة الرسول فيقول :

الحرب في حق لديك شريعة ومن السموم النافعات دواء

وأن يوضح الهدي الإلهي غاية الحرب إذ يقول تعالى : (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ) .

فلسفة القانون الدولي الإنساني والمفهوم الإسلامي :

أما والأمر كما قلت فما هو دور القانون الدولي الإنساني ؟ . واضح مما أسلفت أن القانون الدولي الإنساني لا يمكن أن يؤدي دوره إلا أنا وفق بين المتناقضين : اعتبارات الإنسانية ومتطلبات الضرورة. فالإنسانية تشده إلى التوادد والتراحم والضرورة لدفعه إلى القوة والتزاحم . وينجح القانون الدولي الإنساني في تحقيق أهدافه وغاياته بقدر ما ينجح في التوفيق بين هذه المتناقضات، ولقد لخص الرسول الكريم هذا الدور للقانون الدولي الإنساني الإسلامي في حديثه الشريف أنا نبي المرحمة وأنا نبي الرحمة ) ، فقرن الملحمة بالمرحمة وقدم المرحمة على الملحمة حتى يقر في قلب المقاتل المسلم بأنه يد العدالة وليس سيف الندالة . وقد كان الرسول الكريم دقيقا في اختيار اللفظ ، فهو عندما اختار المرحمة قصد التعبير عن التعاطف والتراحم في علاقات متبادلة ولذلك فضل المرحمة على الرحمة . أما الملحمة وان كانت تعني القتال الشديد والمعركة العظيمة إلا أن في معناها القتال في الفتنة وليس مجرد القتال فدل بذلك على أن ملحمته ليست ملحمة الغلبة والسلطان وإنما هي ملحمة درء الفتن وتحقيق الأمان وفيها أيضا معنى الإصلاح ، ففي اللغة لحم الأمر إذا أحكمه وأصلحه وتلك هي نهاية القتال في الإسلام وهي أيضا ضابط بضبط سلوك المحارب المسلم. وفي هذه المعاني السامية تلتقي المرحمة مع الملحمة

لقد عارض الإنسان أخاه الإنسان منذ أول لقاءه على البسيطة فما كاد آدم يستقر به المقام عالي الأرض حتى خضب أحد ولديه أديمها ، بدم أخيه وتلك قصة صراع البشرية التي تحكيها القرون وترويها الأحداث التي تقابل بين النوازع البناءة التي تعمر وتوحد والنوازع الهدامة التي تخرب وتقتل ولكنها جميعا لتكامل في ملحمة واحدة هي سياسات القوى في العلاقات الدولية. وفي هذا الصراع يلعب القانون الدولي الإنساني دورا لتغلب نوازع الخير ، ولقد حاول الفقيه السويسري جان بكتيه أن يلخص فلسفة القانون الدولي الإنساني في عبارة جامعة فلم يجد خيرا من مبدأ : أحب لأخيك كما تحب لنفسك . ونحن نعلم أن الحديث الشريف يقول " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ، وهكذا فان الالتزام بفلسفة القانون الدولي الإنساني هو شعبة في الإسلام من شعب الإيمان وهو بعد الأركان الخمسة ركن من الأركان. وادا كانت الفلسفات والأديان الأخرى قد اشتركت مع الإسلام في هذا المبدأ فإنها قد قامت به توجيها ونصيحة ، أما الإسلام فقد أرساه التزاماً واقعاً لا شائبة فيه ولا حرجة .

وقد حار الفقيه السويسري في تحديد جوهر القواعد التي تستمدها من تلك الفلسفة بين أنصار القانون الطبيعي الذين يزعمون إن الفطرة هي التي توحي لنا بتلك القواعد وزين أنضار القانون الوضعي الذين يقولون أن الممارسة الدولية تكشف عن تلك القواعد وتشيدها لسنة فوق أخرى حتى يكتمل البناء، والفقيه عذره في هذه الحيرة فهو كغيره من فقهاء الغرب عندما يطالعون في تاريخ العلاقات الدولية يبدأون بالحضارة الإغريقية والرومانية ثم يروحون في سبات عميق تغلفه ظلمات العصر الوسيط ولا يفيقون إلا على طرقات عصر النهضة ظنا منهم بأنها طرقات يد أوروبية وجهود غربية . وبديهي أن النائم لا يستطيع أن يشهد نور حضارة أهلت على الشرق في هذا العصر الوسيط ولم تغرب شمسها إلا بعد أن أسلمت إلى الغرب تقاليد النهضة ومقومات الصحوة تلك هي حضارة الإسلام التي ابتدعت غير مسبوقة ما يكون القانون الدولي الإنساني من أحكام وانتقل بعضها مع من عاد من محاربي الصليبيين ودرس بعضها في جامعات إيطاليا وأسبانيا حيث نشأ آباء الفقه الدولي المعاصر ، ولا أريد أن أحيد عن موضوع المقال في هذا المجال ولكن الأدلة في ذلك دامغة لمن أراد أن يلقى وما كان الفكر الإغريقي والروماني وهو خلو من السمع وهو شهيد أي احترام للعدو أن يكون مصدراً تاريخياً للمبادئ، لم يعرفها وقواعد لم يطبقها وادا كان القانون الدولي الإنساني المعاصر قد دون في بمعاهدة وثائق لعلها بدأت بفضل جهود السويسري الإنسان دونان . سنة ١٨٦٤ إلا أن هذه المبادئ المكتوبة لا يمكن أن تنفصل عن أصولها العرفية ، وقد سجلت ديباجة الملحقين المكملين لاتفاقيات جنيف تلك الحقيقة بالنص صراحة على أن ما لا تحكمه القواعد المكتوبة إنما تحكمه قواعد العرف الدولي وتحميه مبادئ الإنسانية وما يمليه الضمير العام، ودور الشريعة الإسلامية في إرساء تلك الأعراف مشهود وفضلها غير محدود والتزام موجهات الضمير فيها مبدأ بلا حدود . فالقرآن الكريم يحرم الإثم " ﴿وَذَرْوَ ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ » . والرسول يعرف الإثم بأنه كل ما حاك في صدر الإنسان وخشى أن يطلع عليه الناس ، بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره )

حقيقة إن أحكام القانون الدولي الإنساني هي أحكام الفطرة ولكنها في الإسلام فطرة أوصى بها الله وصاغ مقتضياتها في كتابه الكريم وأحاديث نبيه الحليم فرضاً على الناس وإلزاماً وجبراً عليهم واحتراماً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون )

وإذا كانت الضرورة هي القيد الإنساني الذي يرد على مبدأ حب الخير للغير، فإن شريعة الإسلام قد وقفت من تلك الضرورة موقفاً لم يقفه الغرب ولا أحسب أنه قادر على أن يقفه فهو يستحث المسلم على إيثار الغير على نفسه ولو قامت بالمسلم ضرورة ويجعل ذلك صفة من صفات الإيمان المحببة ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة

وحتى إذا أراد المسلم أن يحتمى بالضرورة فان حقه في ذلك موصوف ومحدود إذ جاء في الوحي القرآني فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه : ومن ثم كان تصرف المسلم في حالة الضرورة ليس مطلق بما يهواه وإنما هو محكوم بألا يكون بغياً ولا عدواناً ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُم . وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ، وفي المعنى ذاته تقول الآية الكريمة ، (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)

مسلمات :

هناك مسلمات أود أن أثبتها قبل أن أخوض في الحديث عن القانون الدولي الإسلامي الإنساني وأوجزها فيما يلي :

1 - أن ما عرض من مبادئ وأفكار إسلامية تحكم علاقة المسلم تماما كما تحكم علاقة المسلم بالمسلم لان الإسلام ينظر إلى الإنسان - بغض النظر عن دينه وعرقه ولونه - على أنه نفحة من روح الله وقبس من نوره وهذا النسب السماوي هو الذي رشحه لأن يكون خليفة في الأرض. وهذا النسب السماوي هو الذي جعل احترام الإنسانية في الفرد احتراماً للقدرة الإلهية، فلا عجب أن يقف رسول الله لجنازة مرت به فلما قال له أصحابه أنها جنازة يهودي أجاب في شفافية النبوة  وسماحة الأخوة ( أليست نفساً » ، ومن هنا كان الحكم الإلهي عاماً شاملاً ( مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا»

الأفكار العامة في القانون الدولي الإنساني ( النزاع المسلح ذو الطبيعة الدولية والنزاع المسلح الذي ليست له الطبيعة الدولية ) :

أقف عند هذا الحد من المقدمة لأنتقل إلى حديث مباشر ولا أجد خيراً في عرض وجيز من أن أسلك طريق الفقيه السويسري جان بكتيه بأن أعرض للمبادئ العامة في القانون الدولي الإنساني الإسلامي على هدى مما هو مستقر الآن من مبادئ دولية إنسانية وضعية . وللمبادئ دور هام فهي التصورات الكلمية التي تجلي القيم العامة وتقدم الحلول لما هو ليس منظورا من قضايا وتقف وراء تطوير ما هو قائم بما تخطه له من درب سليم ونهج قويم . وينقسم النزاع المسلح - أو القتال - في المدرك الإسلامي إلى قسمين عامين أحدهما هو ما يمكن أن نطلق عليه أخذاً باصطلاح الماوردي - حروب المصالح ، والآخر هو حروب المشركين والمرتدين .

ا - حروب المصالح :

يقول الماوردي ويجاريه في ذلك كثير من الفقهاء القدامى - إن حروب المصالح تنقسم الى ثلاثة أفسام : (۱) قتال أهل الردة. (۲) قتال أهل البغي والخوارج . (۳) قتال المحاربين وقطاع الطريق . وفي تقديري أن هذا التقسيم ليس دقيقاً لأن قتال أهل الردة يمكن أن يأخذ حكم قتال المشركين فتنطبق عليه الأحكام ذاتها التي تطبق على قتال المشركين . كما أن قتال المحاربين وقطاع الطريق لا يندرج تحت مدرك القتال الذي يهم القانون الدولي الإنساني . ولا يبقى من حروب المصالح قتال البغاة والخوارج يقابل ما يطلق عليه في مصطلح القانون الدولي الإنساني سوى قتال البغاة والخوارج . ومن هنا أستطيع أن أقول أن قتال البغاة والخوارج يقابل ما يطلق عليه في مصطلح القانون الدولي الإنساني الحديث النزاع المسلح الذي ليست له طبيعة دولية ، كما أن قتال المشركين - ويلحق بهم المرتدون على تفصيل أذكره - يقابل ما نتعارف عليه اليوم بمسمى النزاع المسلح ذي الطبيعة الدولية . وهكذا نرى أن التقسيمة الثنائية للنزاع المسلح في الشريعة الإسلامية يقابلها تقسيمة ثنائية في القانون الدولي الإنساني المعاصر ، ولكن النظامين الإسلامي والوضعي - يختلفان في مسميات النزاع وبعض الأحكام التي تطبق .

وأرى توضيحاً لما قدمت أن أورد فقرة عن كل صنف من أصناف حروب المصالح التي أسلفت تعدادها ، فضلا عن الماوردي وأبي يعلى ومن جاراهما .

أ - قتال أهل الردة أي قتال قوم حكم بإسلامهم ثم ارتدوا عن الإسلام، وهؤلاء قال فيهم رسول الله . من بدل دينه فاقتلوه ) وقال عليه الصلاة والسلام ( لا يحل دم أمرئ المسلم لا بإحدى ثلاث : كفر بعد إيمان أو وزنا بعد إحصان أو قتل نفس بغير نفس ) .

وحكم هؤلاء إن كانوا في قدرة المسلمين لقلة عددهم لأنهم لم يتميزوا بها عن المسلمين فلا حاجة إلى قتالهم فان تابوا قبلت توبتهم ولا يجوز إقرار المرتد على ردته بجزية ولا عهد ولا تؤكل ذبيحته ولا تنكح منهم امرأة . واختلف في قتلهم هل يعجل في الحال أم يؤجلون فيه ثلاثة أيام. والحق أن هذا الفرض لا يخرج من كونه جريمة يرتكبها من تمتد إليه الولاية الشخصية للدولة فيعاقب بالعقوبة الجنائية التي ينص عليها القانون

وهو بذلك في صلته بالقانون الدولي أدخل في القانون الإنسانوي منه في القانون الإنساني، أما إذا انحازوا إلى ارض ينفردون بها عن المسلمين حتى يصيروا فيها ممتنعين أو في قول آخر إذا أصبحوا حكومة واقع تمارس سلطاناً على جزء من الإقليم فيجب قتالهم على الردة ويجري على قتالهم بعد الإنذار والإعذار حكم قتال أهل الحرب مع فروق أربعة : أحدها أنه لا يجوز أن يهادنوا على الموادعة في ديارهم ويجوز أن يهادن أهل الحرب والثاني أنه لا يجوز أن يصالحوا على ما يقرون به على ردتهم ويجوز أن يصالح أهل الحرب والثالث أنه لا يجوز أن يسترقوا ولا أن تسبى نسائهم ( على خلاف بين الفقهاء ، ويجوز أن يسترق أهل الحرب وتسبى نسائهم والرابع أنه لا يملك الغانمون أموالهم ويملكون ما غنموه من أهل الحرب

ويدخل في حكم المرتدين ويعاملون معاملتهم في القتال بما أسلفت من أحكام القوم الذين يمتنعون عن أداء الزكاة الى الإمام العادل جاحدين بها، وتلك هي فتوى أبي بكر وصحابة الرسول التي كانت مبرراً لحروب الردة .

ب - قنال أهل البغي والخوارج وهم الذين يخرجون على الإمام ويخالفون الجماعة وينفردون بمذهب ابتدعوه، والخوارج وان كانوا أهل بغي فإنما يقصد بهم في التاريخ الإسلامي من فارقوا علي بن أبي طالب وخرجوا عليه عندما قبل التحكيم مع معاوية ونزلوا في مكان يقال له حروراء ومن ثم قيل لهم الحرورية ، وكان كبيرهم عبد الله بن الكواء البشكري وشبت التميمي ، وقد عرض منهم قوم لعلي وهو يخطب على منبره وتنادوا ولا حكم إلا لله تعالى ، فقال على ( كلمة حق أريد بها باطل ، لكم علينا ثلاث : لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله . ولا نبدؤكم بقتال . ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم معنا

وحكم هؤلاء إن تظاهروا وهم على اختلاطهم بأهل العدل ( أي باقي الشعب ) أن يوضح لهم الإمام فساد ما اعتقدوا وبطلان ما ابتدعوا ليرجعوا عنه الى اعتقاد الحق وموافقة الجماعة - ويجوز للإمام أن يعزر منهم من تظاهر بالفساد أدباً وزجراً ولا يتجاوز ذلك الى قتل أو حد ، والوضع هنا أقرب ما يكون الي أحزاب المعارضة فإن حرية الرأي مكفولة لهم ما داموا لا يقرنون المعارضة بأعمال عنف أو يدعموها بالقوة فإن هم فعلوا ذلك كان للإمام - أي ولي الأمر - أن يعزرهم وهذا أيضا فرض لا علاقة له بالقانون الدولي الإنساني ، ولا يتغير هذا الحكم حتى ولو اعتزلت تلك الفئة الباغية أهل العدل وتحيزت بدار تميزت فيها عن مخالطة الجماعة - أي أنهم لا يحاربون ما أقاموا على الطاعة وأدوا ما عليهم من حقوق ، فقد اعتزلت طائفة من الخوارج عليا بالنهروان فولى عليهم عاملاً أقاموا على طاعته زماناً إلى أن قتلوه وخرجوا على الطاعة ومنعوا ما عليهم من حقوق ، ولكن الحكم يختلف إذا خرجت الفئة الباغية على الإمام .

ذلك أن المروق عن طاعة الإمام - سواء تجمع أصحابه تحت إمرة زعيم لهم أم لا - هو نوع من الحرب الأهلية تقتضي محاربتهم طواعية لقوله عز وجل ﴿ وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ . والبغي المقصود هنا قد يكون بالتعدي في القتال وقد يكون بالعدول عن الصلح .

ويخالف قتالهم قتال المشركين والمرتدين من ثمانية أوجه :

1 - أن يقصد بالقتال ردعهم ولا يعتمد به قتلهم ويجوز أن يعتمد قتل المشركين والمرتدين

2 - نقاتلهم مقبلين ونكف عنهم مديرين، ويجوز قتال أهل الردة والحرب مقبلين ومدبرين

3 - ألا يجهز على جريحهم وإن جاز الإجهاز على جرحى المشركين والمرتدين ) على تفصيل أذكره ) . وقد أمر على بن أبي طالب مناديه أن ينادي يوم معركة الجمل : ألا لا يتبع مدبر ولا يذف على جريح (أذف الجريح أسرع قتله وتمم عليه ) .

4 - لا يقتل أسراهم وإن قتل أسرى المشركين والمرتدين ( على خلاف اذكره ) .

ويختبر أحوال من في الأسر منهم فمن أمنت رجعته الى القتال أطلق ، ومن لم تؤمنه الرجعة حبس إلى انجلاء الحرب ثم يطلق ولم يجز أن يحبس بعدها . أطلق الحجاج أسيراً من أصحاب قطري بن الفجاوة لمعرفة كانت بينهما فقال له قطري عد الى قتال عدو الله الحجاج فقال هيهات غل يدا مطلقها واسترق رقبة معتقها .

ه - لا تغنم أموالهم ولا تسبى زراريهم . قال الرسول « منعت دار الإسلام ما فيها وأباحت دار الشرك ما فيها » ودار البغاة دار إسلام .

٦ - لا يستعان لقتالهم بمشرك معاهد ولا ذمي و إن جاز أن يستعان على قتال أهل الحرب والردة .

7 - لا يهادنهم الإمام الي مدة ولا يوادعهم على مال فإن هادنهم إلى مدة لم يلزمه فإن ضعف عن قتالهم انتظر بهم القوة عليهم وإن وادعهم على مال بطلت الموادعة ونظر في المال فإن كان من صدقاتهم أو من فيئهم لم يرده عليهم وصرف الصدقات في أهلها والفيء في مستحقها. وان كان من خالص أموالهم لم يجز أن يملكه عليهم ووجب رده اليهم .

8 - لا ينصب عليهم العرارات ( العرارة آلة من آلات الحرب وهي منجنيق صغير ) ولا يحرق عليهم المساكن ولا يقطع عليهم النخيل والأشجار لأنها كما قلت دار إسلام وإن بغى أهلها فإن أحاطوا بأهل العدل ( أي جيوش الدولة الأم والمدنيون فيها ( وخاف أهل العدل منهم الإبادة جاز أن يدفعوا عن أنفسهم ما استطاعوا بالوسائل الفعالة للدفاع فإن المسلم إذا أريدت نفسه جاز له الدفع عنها بقتل من أرادها إذا كان لا يندفع بغير القتل ، وهذا تطبيق منطقي لحق الدفاع الشرعي.

ويختلف الرأي حول جواز الاستعانة بدوابهم وسلاحهم في قتالهم بين مانع ومجيز .

وأهل البغي والخوارج - كما أسلفت - يقابلون من تتكلم عنهم المادة الثالثة المشتركة من اتفاقيات جنيف وأورد نصها على سبيل المقارنة :

(في حالة قيام اشتباك مسلح ليست له صفة دولية في أراضي أحد الأطراف السامية المتعاقدين ، يتعين على كل طرف في النزاع أن يطبق - كحد ادنى – الأحكام الآتية :

1 - الأشخاص الذين ليس لهم دور إيجابي في الأعمال العدائية بما فيهم أفراد القوات المسلحة الذين سلموا سلاحهم أو أبعدوا عن القتال بسبب المرض أو الجروح أو الأسر أو أي سبب آخر ، يعاملون في جميع الأحوال معاملة إنسانية دون أن يكون للعنصر أو اللون أو الدين أو الجنس أو النسب أو الثروة أو ما شابه ذلك أي تأثير سيء على هذه المعاملة .

ولهذا الغرض تعتبر الأعمال الآتية محظورة . وتبقى معتبرة كذلك في أي وقت وفي أي مكان بالنسبة للأشخاص المذكورين أعلاه

أ - أعمال العنف ضد الحياة والشخص وعلى الأخص القتل بكل انواعها وقطع الأعضاء والمعاملة القاسية والتعذيب .

ب - أخذ الرهائن .

ج - الاعتداء على الكرامة الشخصية وعلى الأخص التحقير والمعاملة المزرية .

د - إصدار أحكام وتنفيذ عقوبات دون محاكمة سابقة أمام محكمة مشكلة بصفة قانونية تكفل جميع الضمانات القضائية التي تعتبر في نظر الشعوب المتمدنة لا مندوحة عنها

٤ - يجمع الجرحى والمرضى ويعتني بهم

وقد قيض الله لهذه الفئة لحقاً هو اللحق ( البروتوكول ) الثاني من اللحقين الذين تمخض عنهما مؤتمر جنيف لتطوير القانون الإنساني في ١٩٧٦ . وقد تعثر هذا اللحق الى حد يسمح للمرء بأن يقول في ثقة أنه ولد موؤدا رغم تواضع أحكامه وتخاذل ضماناته . ويشترك اللحق ذاك مع المادة التي أسلفت نصها فى أنه يقصر ضماناته الأساسية على من لا يقوم بدور إيجابي في الأعمال العدوانية ومعهم الجرحى والمرضى والغرقى ، ويقدم لهؤلاء ضمانات لا تخرج في تفصيلها عما عممته المادة آنفة الذكر . ويضيف الى ذلك بشأن وسائل وطرائق القتال ما يمنع الضرار ويحرم الخديعة ولا يسمح بحرمان الأحياء من حق الاستجارة ويضع مبادئ لحماية المدنيين والشعب المدني والأطفال - وما جاء في هذه الحماية وتلك الضمانات هو بعض ما جاء في أحكام النزاع المسلح ذي الطبيعة الدولية ولذا اكتفى هنا بالإشارة الى أن أوضح فيما بعد العبارة

ولنا أن نقارن هذا بما قاله علي بن أبي طالب لجنوده في حربه مع معاوية فقد أمرهم بالآتي : ( إذا هزمتموهم فلا تقتلوا مدبراً ولا تجهزوا على جريح ولا تكشفوا عورة ولا تمثلوا بقتيل ولا تهتكوا ستراً ولا تدخلوا دارا إلا بإذن ولا تأخذوا من أموالهم شيئاً ولا تعذبوا النساء بأذى وان شتمنكم وشتمن أمراءكم واذكروا الله لعلكم تعلمون ) .

وجلي مما قدمت أن التنظيم الخاص بالنزاع العسكري الذي ليست له طبيعة دولية يسعى على استحياء ، فهو دون الضمانات التي جاءت بها أحكام النزاع المسلح ذي الطبيعة الدولية بكثير بل إن الفلسفة من وراء تجزئة أحكام تطوير القانون الإنساني الى لحقين إنما قامت على الضن على النزاع المسلح ذي الطبيعة الدولية . أما النظرية الإسلامية فتقف على النقيض إذ تنظر الى الاشتباك المسلح مع البغاة والخوارج نظرة حانية تضمن لهم من القواعد والكفالات ما بخلت به على النزاع المسلح ذي الطبيعة الدولية مع المشركين والمرتدين .

ج - قتال المحاربين وقطاع الطريق . ويقصد بهؤلاء طائفة من أهل الفساد تجتمع على شهر السلاح وقطع الطريق وأخذ الأموال وقتل النفوس ومنع السابلة فهم المحاربون الذي عناهم الله سبحانه وتعالى بقوله : « إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ » .

وحدود هؤلاء عند أبي يعلى مرتبة باختلاف أحوالهم لا باختلاف صفاتهم : فما قتل وأخذ المال قتل وصلب ، ومن قتل ولم يأخذ المال قتل ولم يصلب . ومن أظهر السلاح ولم يأخذ المال عزر ولم يقتل ولم يقطع وتعزيره نفيه من بلد الى بلد ومن قرية إلى قرية .

أما الماوردي فيقول أن الفقهاء اختلفوا في حكم هذه الآية على ثلاثة مذاهب : أحدها هو المذهب الذي قال به أبو يعلى والمذهب الثاني هو أن الإمام ومن استنابه على قتالهم من الولاة بالخيار بين أن يقتل ولا يصلب وبين أن يقتل ويصلب وبين أن يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وبين أن ينفيهم من الأرض . والمذهب الثالث أن من كان منهم ذا رأي وتدبير قتله ومن كان ذا بطش وقوة قطع يده ورجله من خلاف ومن دون ذلك عزره وحبسه

وجلي أننا هنا أمام صنف من القتال لا يندرج تحت مفهوم القتال الذي يستهم القانون الدولي الإنساني ، ولذا فان الحكم فيه أتى تشريع جنائي تطبقه الدولة على إقليمها ومن فيه بما لها من سيادة والعقوبة المشددة التي فرضتها الآية الكريمة ترجع الى بشاعة الجرم وتهديده لأمن الجماعة . وقيل أن الآية نزلت في قوم من عرينة أو عكل ارتدوا عن الإسلام وقتلوا راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذوا ماله . وقيل المحارب هو اللص الذي يقطع الطريق . وقيل الذي يشهر السلاح في المصر على أهليه ليلاً أو نهاراً . والفساد هنا هو الزنا والسرقة والقتل وإهلاك الحرث والنسل

ب - حروب المشركين والمرتدين :

انتقل الآن الي الكلام عن الاشتباك المسلح ذي الطبيعة الدولية أي حروب المشركين وأهل الردة . وكما وعدت فإنني سأوجز الحديث عن أحكام القانون الدولي الإنساني التي تعنى بهذا الصنف من الاشتباك عن طريق عرض أهم المبادئ العامة التي تحكم ذلك الصنف من الاشتباك. ويمكن أن أقول دون أن أخشى عيب التعمي أن هذه المبادىء جميعها تنبعث في القانون الوضعي عن مدرك عام هام تضمنته ديباجة تصريح سانت بطرسبرج سنة ۱۸٦٨ وهو أن الهدف الوحيد المشروع الذي يجب على الدول أن تتوخاه في الحرب هو إضعاف قوة العدو العسكرية . ومن ثم فان كل ما يدخل في اطار هذا الهدف لا يناقض متطلبات القانون الدولي الإنساني أما ما يتجاوزه ولا يمنعه حكم عرفي أو وفاقي إنما يتجاوز ما عبر عنه اللحقان بمبادئ الإنسانية ومقتضيات الضمير العام وفي هذا المعنى يقول الهادي الكريم : ( وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) ومن ثم فقد منع الله عز وجل أن يتجاوز القتال أهدافه واعتبر ذلك عدواناً لا يحبه والآية صريحة في أن هدف القتال هو دفع الاعتداء . والحق أن اصطلاح العدوان هنا هو من جوامع الكلم فى موضعه ولذا قال المفسرون أن منع الاعتداء هنا يدخل فيه ارتكاب المناهي التي نهى الإسلام المحارب المسلم عن ارتكابها على تفصيل أذكره بعد قليل . وعن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : ( أن قوما كانوا أهل ضعف وسكنة قاتلهم أهل تجبر وعداء فأظهر أهل الضعف عليهم فعمدوا الى عدوهم فاستعملوهم وسلطوهم فاسخطوا الله عليهم الى يوم القيامة » . ويقول ابن كثير أن هذا حديث حسن ومعناه أن هؤلاء الضعفاء لما قدروا على الأقوياء فاعتدوا عليهم واستعملوهم فيما لا يليق بهم أسخطوا الله عليهم بسبب هذا الاعتداء وفي معرض حديثي هذا نلتقي بآيات كريمة وأحاديث شريفة تزكي ما أقول أقف عن ذكرها الآن منعاً للتكرار وأحيل إليها فيما يلي من عرض. 

إن هذا هو المبدأ العام وهو الأصل الذي تبنى عليه عدة مضامين تقيد من حرية الدول في مناخ يمكن أن أجمعها في ثلاث : (أ) استخدام السلاح (ب) معاملة العدو في المعركة (ج) معاملة الأسرى. وأتناول في إيجاز كلا من هذه المضامين واحدا بعد الآخر .

أ - استخدام السلاح :

تحرص الأفكار الإنسانية على أن تهدهد قدر الإمكان من وحشية الاشتباك العسكري ومن بين وسائل التخفيف من غلظة الحرب تلك القيود التي تضعها على حق المحارب في اختيار السلاح الذي يستخدمه فهي تنأى به عن أن يستخدم سلاحاً يسبب من الآلام ما لا مبرر له . ولكنها لا زالت تجبن عن أن تضع قاعدة حاسمة في هذا المجال، فالقواعد العامة التي تصوغها لتحقيق تلك الغاية واهية العبارة مفككة الصياغة . وأحدث تلك القواعد ما جاءت به المادتان ۳۳ ، ٣٤ من اللحق الأول والمادة ٢٠ من اللحق الثاني . وتكاد هذه المواد أن تكرر ما جاء في المادتين ۲۲ ، ۲۳ من اتفاقية لاهاي سنة ۱۹۰۷ . وتتضمن هذه المواد حكمين : الأول أن حق أطراف النزاع في اختيار وسائل وطرائق المعركة ليس بغير حدود . والصياغة على هذا النحو هي من الميوعة والقضاء . بحيث يمكن أن نقول إنها أقرب الي النصيحة والرجاء منها الى الإلزام

وبتعرض الحكم الثاني لبعض الأسلحة فيحرم استخدامها على نحو يضاعف من آلام المحارب بلا فائدة أو يجعل قتله محتماً أيا كانت الظروف . والنص على هذا النحو يرتعد أمام الهوى الجامع للدول فهو لا يجرؤ على أن يحرم استخدام أسلحة الدمار الشامل تحريماً قاطعاً وإنما يتحايل على ذلك بنص يترك الباب مفتوحاً أمام البطش والبغي الذي قد تمارسه بعض الدول . وهنا نسمع من يقول أن تصريح سانت بطرسبرج سنة ١٨٦٨ يعتبر قيداً على حسن تقدير الدول لأنه تطلب ألا تتجاوز الآلام ما يكفي لإعجاز المحارب عن القتال . وعندئذ أتساءل كيف وأتت الدول الشجاعة منذ قرن مضى وهي تضمن تصريح سانت بطرسبرج هذا التحديد كرغبة أو أمنية ثم خانتها وهي تصوغ ذلك التصريح في نصوص قانونية آمرة ملزمة . هل تسير الإنسانية في تراحمها إلى الإمام أم أنها تنقض غزلها من بعد قوة أنكاثا .

رب قائل يتهمني بتجاهل وفاقات دولية تحرم استخدام بعض أسلحة الدمار الشامل مثل بروتوكول جنيف سنة ١٩٢٥ الذي يحرم استخدام الغازات الخانقة والسامة وما إليها من غازات وكذا أسلحة الجراثيم والكيمياء . ولكنا لو أمعنا النظر نجد أن هذه الوفاقات تبرم لتحريم سلاح بعد أن يستخدم فعلا وتكوى البشرية بناره واغلب الظن أنها تبرم بعد أن يهتدي العالم لسلاح آخر أشد وأنكى . وها نحن اليوم نشهد سفسطة بيزنطية حول تحريم الأسلحة النووية . فلا عجب إذن أن تترك المادة ٣٤ من اللحق الأول لتقدير الدول الأطراف مناسبة استخدام الأسلحة الجديدة. وما أبعد أن تنفق الدول على أمر من هذا القبيل

لقد أطلت في التعليق هنا ولكني قصدت أن أوضح أن جهود القانون الدولي الإنساني في هذا الأمر لا تعدو أن تكون فقاعة لا تكاد وأغلب الظن أن هذه المشكلة لم تشغل بال الفقهاء المسلمين التقليديين لأنها لم تكن معروفة لديهم فالأسلحة التي تقترب منها حتى تنفجر جرت عادة الحروب على استخدامها وقتئذ أسلحة لم تتوفر فيها التقنية التي تجعلنا نصفها بأنها ذات تدمير شامل أو أنها تحدث أضراراً تتجاوز ما هو لازم لإعجاز العدو ، أو على الأقل فإن تصور هؤلاء الفقهاء لم يتطرق إلى هذا الاحتمال الذي لم تثره الأحداث أمامهم

ومع ذلك فإن الفرض لم يغب عن بعض المجتهدين المتأخرين فقد قرأت عن خليل المالكي في مختصره عن الجهاد أنه يحرم استخدام الأسلحة التي يمكن لا تنال المحارب بأضرار تتجاوز ما يمكن أن يحقق لخصمه منفعة ، ويضرب لذلك مثلا يتفق مع أفق التفكير العسكري في زمانه فيقول إن استخدام نبل سم حرام، أي أن غمس السهم في السم ثم وما حرام لما يمكن أن يسببه السم من آلام لا مبرر تلف العدو به مسموما لها لمن يصيبه السهم . أن الحكم الفقهي هنا لم يترك الأمر مائعا ولم يتقاعس أمام شهوة العنف بل حدد السلاح ومنعه وجعل حكمه التحريم. ورأي هذا الفقيه تسنده الأحكام العامة فالإسلام ينهى عن الإسراف في القتل حتى لمن جعل الله له سلطاناً ، وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ) . وقريب من هذا ما رواه أبو هريرة من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه في بعث قتال فقال أن وجدتم فلانا وفلانا فأحرقوهما بالنار ثم قال رسول الله حين أردنا الخروج " اني أمرتكم أن تحرقوا فلانا وفلانا وان النار لا يعذب بها إلا الله فإن وجدتموهما فاقتلوهما) ، وعدول الرسول هنا عن الحرق الي القتل عندي سنة في تحريم قتل العدو بسلاح يؤذيه بما لا مبرر له من آلام

كما أن قول الرسول ( الإنصاف مأمور به فإذا قتلتم فاحسنوا القتلة) ، هو في تقديري نص مباشر فيما تعرض له وإذا أخذنا برأي خليل هذا يمكن أن تقرر بأن صياغة النص الإسلامي تحتمل أن نستعرض الأسلحة وننتقي منها ما يمكن أن ينال المحارب بآلام لا مبرر لها ثم نورده بمسماه نصاً وتقرر تحريم استخدامه قطعاً بلا مواربة ، وهي بذلك أكثر قابلية للضبط والدقة من النصوص الزمنية الحالية . وقد عزل عمر خالدا لكثرة قتله الأعداء وقال ( إن في سيف خالد لرهقا ) وكانت تعجبه حرب عمرو بن العاص لقلة القتل فيها ويقول انها حرب رفيقة بل إن الإسلام ذهب في حماية الخصم ضد الآلام التي تتجاوز المطلوب حدا يمكن اذا أخذنا في الاعتبار أننا بصدد معركة وقتال أن أصفه بالتدليل وفاق بذلك ما تتباهى به اليوم إنسانية الحضارة الغربية . ففي حديث ابن حاتم عن النبي قال : إذا قاتل أحدكم أخاه فليجنب الوجه فان الله خالق آدم على صورته » إن إصابة الوجه محرمة أو هي على الأقل مكروهة لغير ضرورة وهذا بعد بالسلاح عن أن يتجاوز حدود الإنسانية.

فلا يذهب البعض في نقض ما قدمت الى الزعم بأن عليا بن أبي طالب حرق قوما من أنصاره . إن ما قيل من أن عليا حرق قوما - وهم السبئية اتباع ابن السوداء عبد الله بن سبأ اليهودي - لانهم كانوا يقولون ان الله حل في على وذلك بقصد تضليل المسلمين يرد عليه الدكتور طه حسين فيما كتبه عن الفتنة الكبرى بتفنيد رصين فيقول ( ان المحدثين وأصحاب الجدل ينفردون من دون الطبري وأصحابه بشيء آخر فيزعمون أن ابن السوداء واتباعه الهوا عاليا وأن عليا حرقهم بالنار . ولكنك تبحث عن هذا في كتب التاريخ فلا تجد له ذكرا . وليس تحريق جماعة من الناس بالنار في الصدر الأول من الإسلام ومن جماعة من أصحاب النبي ومن صلحاء المسلمين بالشيء الذي يغفل عنه المؤرخون فلا يذكرونه ولا يوقفونه وإنما يهملونه إهمالاً تاما وأضيف انه قد جاء في القرآن الكريم على لسان موسى الكليم ( رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين .

كذلك مما تستهدفه الأفكار الإسلامية في شأن السلاح هو منع استخدام السلاح بطريقة عشوائية تنال المحارب وغير المحارب بلا تحرز وتصيب الأهداف العسكرية بلا تمييز . ومن هنا كان على المحارب التزام مزدوج :

أ - أن يفرق بين المحارب وغير المحارب ولا يوجه سلاحه إلا إلى المحارب .

ب - أن يفرق بين الأهداف العسكرية وغير العسكرية فلا يمارس هجماته إلا ضد الأهداف العسكرية . أما ابن المحارب المسلم يجب أن يفرق بين المحارب وغير المحارب ففيه أثر عن الرسول فقد رأى عليه الصلاة والسلام الناس في بعض غزواته مجتمعين فبعث رجلا فقال انظر علام اجتمع هؤلاء فعاد فقال امرأة قتيل فقال الرسول « ما كانت هذه لتقاتل » . وتعليق الرسول الكريم هذا واضح الدلالة في ضرورة التفرقة بين المقاتل وغير المقاتل وإنكار استخدام السلاح بطريقة عمياء لا تميز بين المحارب وغير المحارب .

ولذلك كان المبرر الذي أنكر الرسول القتل على أساسه هو أنه انصرف الى غير المحاربين. وحصل أن جارى بعض المسلمين أعداءهم فقتلوا بعض الأطفال . فقال الرسول غاضبا ( ما بال أقوام جاوز بهم القتل اليوم حتى قتلوا الذرية » .

ومن ثم فان المحارب المسلم لا يصح أن يجاوز به القتل الى الحد الذي لا يفرق به بين المحارب وغير المحارب . والمحارب في الإسلام هو من كان صالحا للقتال سواء اشترك فيه أم لم يشترك . ويفرض الإسلام على المحارب المسلم أن يضاعف من حذره اذا كان بين الأعداء مسلمون غير محاربين حتى لا يصيبهم فتصيبه من ذلك معرة وإثم وفي هذا يقول سبحانه وتعالى ( وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ) .

ولعل مما يعين العدو على تميز المحارب من غير المحارب أن يلبس المحارب زياً خاصاً أو يحمل شارة بذاتها . وقد روي أن الرسول كان يلبس عباءة خاصة أثناء المسيرة الحربية . ولكن لا دليل على أنه كانت هناك محاولات منظمة في عهد الرسول لتزويد كافة أعضاء الجماعة بالزي سوى أنه ذكر أن المسلمين لبسوا يوم بدر علامة مميزة هي صوفة ، ولذا قال الطبري في تفسيره ( أول ما كان الصوف ليومئذ يعني بدرا » .

وفي التزام المحارب المسلم بالتفرقة بين الأهداف العسكرية والأغراض المدنية يقول الشافعي أنه لا يرى بأسا في أن ينصب المنجنيق على الحصن دون البيوت التي فيها مساكن . وفكرة الشافعي الا ترمى البيوت التي فيها المساكن ( إلا أن يلتحم قريبا من الحصن ) فكرة لا يفسرها إلا التزام بقصر الهجمات على الأهداف العسكرية وحدها ما لم تكن الأغراض المدنية قريبة منها الى حد يصعب معه وقايتها . ولا ننسى أن التخريب لذات التخريب ممنوع في الإسلام لا سيما وأن الغالب أن تعود الأرض بعد الفتح الى المسلمين على تفصيل يفرق فيه الفقهاء بين ما يملكه المسلمون عنوة وما يملكونه عفوا وما يستولون عليه صلحاً . والحق أن الاعتداء على الأعراض غير العسكرية دون مبرر هو صورة من صور العدوان الذي حرمه الله وبعد عن القسط الذي أمر به عز وجل « قل أمر ربي بالقسط » وأعلن حبه لأهله « إن الله يحب المقسطين » والقسط هو العدل . وفي فهم معناه أورد الآية الكريمة ونضع الموازين القسط ليوم القيامة » .

ب ـ معاملة العدو أثناء المعركة :

يتناول الكلام هنا معاملة العدو المتعلقة بشخصه كما يتناول معاملة العدو المتعلقة بماله وهذا ما أتناوله بإيجاز فيما يلي :

المعاملة المتعلقة بشخص العدو

وهذه بدورها قد تكون تصرفات توجه للعدو المحارب وقد تكون تصرفات توجه للمدنيين والشعب المدني في إقليم العدو ، وأبدأ بما يوجه للعدو المحارب :

1 - لعل أول ما يقضى به القانون الدولي الإنساني هو أن يمتنع المحارب عن إيذاء خصمه بالقتل أو الجرح أو التعذيب أو سوء المعاملة إذا ما أصبح ذلك الخصم عاجزاً عن القتال سواء بإلقاء سلاحه أو لأنه لا يملك وسيلة للدفاع عن نفسه أو لأنه أسلم نفسه

ذلك حكم أساسي من أحكام القانون الدولي الإنساني سجلته المادة ٢٣/ جـ من اتفاقية لاهاي سنة ۱۹۰۷ وأكدته المادة ۳۸ من اللحق الأول والمادة 7 من اللحق الثاني . والحق أن القانون الدولي الإنساني الإسلامي قد عنى بذلك المبدأ عناية بالغة فكثرت فيه النصوص وتعددت الاحاديث .

فالله عز وجل يأمر المسلمين بأن يستقيموا لأعدائهم حال ما يستقيم الأعداء لهم ( فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم أن الله يحب المتقين » .

وان يميلوا الى السلم اذا مال الخصم إليه . « وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ » . ويمنع على المحارب المسلم السبيل على خصمه اذا ما اعتزله الخصم وكف عن القتال (فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا » .

وقال هشام بن حكيم : أشيد أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا . ويقول عليه الصلاة والسلام ( تألفوا الناس وتأنوا بهم ولا تغيروا عليهم حتى تدعوهم فما على الأرض من أهل مدر ووبر . إلا أن تأتوني بهم مسلمين أحب الى من أن تأتوني بنسبائهم وتقتلوا رجالهم » .

اذا فهي حرب رفيقة تفضل التأليف على القتل ولا تستبيح النفس بغير ضرورة ملحقة

٢ - ويرتبط بالمبدأ السالف حكم آخر لا يقل أهمية عنه يمنع على المقاتل أن يلجأ الى الغدر لقتل خصمه او إصابته أو القبض عليه. وهذا ما تمسكت به المادتان ۲۳ / ب ، ٢٤ من اتفاقية لاهاي سنة ١٩٠٧ وفصلته المادتان ٣٥ من اللحق الأول ، ۲۱ من اللحق الثاني . وهنا تفرق قواعد القانون الدولي الإنساني بين الخديعة والغدر فتجيز الخديعة وتحرم الغدر ، والغدر كما عرفه اللحقان هو خيانة الثقة

وتأخذ النظرية الإسلامية بتلك التفرقة . فقد وصف الرسول الكريم الحرب بأنها خدعة إذ جاء نعيم بن مسعود في غزوة الخندق فقال يا رسول الله قد أسلمت وان قومي لم يعلموا بإسلامي فمرني بما شئت. فقال الرسول : ( إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت فان الحرب خدعة » .

لذا يجوز قتل العدو اغتيالا ، أي على غفلة منه ، وكان الرسول يرسل من يندسون لاشاعة الهزيمة ونشر الإشاعات لتثبيط همة العدو .

ويقول النووي أن العلماء اتفقوا على جواز خداع الكفار في الحرب كيفما امكن إلا أن يكون هناك نقض عهد أو أمان فلا يجوز ( ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها » .

وجاء في النوادر السلطانية لابن شداد مثلاً طريقة للخديعة هو أن يضع المحاربون خنازير على ظهر السفينة بدلا من الجنود لتضليل العدو .

ويحكى ان حجاج بن علاط السلمى أسلم وشهد خيبر مع الرسول فلما فتحت قال : يا رسول الله إن لي بمكة ما لا عند صاحبتي أم شيبة بنت أبي طلحة ومالا مفرقا فى تجار أهل مكة فأذن لي يا رسول الله فأذن له . فقال انه لابد لى يا رسول الله من أن أقول . قال : قل - أي انه استأذن الرسول في أن يحتال على القوم لجمع ماله - فلما قدم مكة سأله قومها عن أخبار خيبر فقال لهم إن محمدا هزم هزيمة لم يسمعوا بمثلها قط وقتل أصحابه واسر وقالوا لا نقتله حتى نبعث به الى مكة فيقتلوه بين أظهرهم بمن أصاب من رجالهم . ففرح أهل مكة وانتهز هو الفرصة فقال لهم : أعينوني على جمع مالي بمكة على غرمائي فإني أريد أن أقدم خيبر فأصيب من فل محمد وأصحابه قبل أن يسبقني التجار الى ما هنالك فقال : فقاموا فجمعوا لي مالي بأحث جمع سمعت به .

أما الغدر فلا يجيزه الإسلام . قال صلى الله عليه وسلم ( من غشنا فليس منا » .

ولما كان أبو جندل بن سهيل في المدينة هاربا بدينه من مشركي مكة وعلم أن الرسول سيعيده الي أهله طواعية للعهد الذي التزم به الرسول وقف في المسلمين يسألهم أيعيدونه الى أهل الشرك فيفتتنوه في دينه . فقال له الرسول ( انا قوم لا يصلح لهم الغدر » وهنا يقرر الرسول مبدا هاما وهو أن الغدر لا يصلح لادارة شئون المسلمين ولا المشركين يجوز لهم التعامل به حتى ولو كان من أجل استنقاذ مسلم من بين براثن

وقد بلغ عمر بن الخطاب أن محاربا مسلما قال المقاتل فارسي لا تخف » ثم قتله . فكتب عمر الى قائد الجيش « انه بلغني أن رجالاً منكم يطلبون العلج ( أى الرجل الفارسي أو الرومي حتى اذا استقر في الجبل وامتنع فيقول له لا تخف فاذا أدركه قتله . واني والذي نفسي بيده لا يبلغني أن أحدا فعل ذلك إلا قطعت عنقه ) .

ويقول الشافعي في ذلك « ما يقبله المسلمون ويجتمعون على أنه الحلال في دار الإسلام فهو حلال في بلاد الكفر والحرام في دار الإسلام حرام في دار الكفر فمن أصاب حراما فقد حده الله على ما جاء منه ولا تضع عنه بلاد الكفر شيئا .

3 - كذلك يمتنع على المحارب أن يعمل على :

1 - ابادة الخصم أو تهديده بذلك أو انكار الملجأ عليه . وهذا ما قالت به المادتان ۳۸ من اللحق الأول و ۲۲ من اللحق الثاني تدعيما إنا جاء في المادة ٢٣/ د. من اتفاقية لاهاى سنة ۱۹۰۷ . فالخصم ممنوع إذا ما سلم خصمه له أو وقع خصمه في قبضته من أن يجهز عاليه كما أنه ممنوع من أن يهدد الخصم بذلك ليضطره الى الاسراع بالتسليم ، فإذا عرض الخصم أن يسلم نفسه بلا قيود ولا شروط وجب أن يوفر له الملجأ . وسبق الإسلام في هذا الخصوص واضح وجلي . فهذا يدخل في مدلول ما قدمت من آيات كريمة تأمر بالجنوح الى السلم اذا ما جنح العدو له وانقضاء سبيل المحارب المسلم على عدوه اذا ما اعتزله عدوه والقى السلاح واستسلم

ولم يؤثر أمر بإبادة قوم أو قتلهم قتلاً جماعياً بعد سحق العدو . وفي موقف الرسول من أهل مكة بعد أن فتحها الله عليه خير دليل فقد أذهبهم جميعا طلقاء حتى أن أهلها هؤلاء عرفوا في التاريخ الإسلامي بالطلقاء . رب قائل يهمس بما حدث لبني قريظة . والقصة تبعد الشبهة فنحن نعلم أن الرسول التمن بني قريظة على حماية ظهر المسلمين في غزوة الخندق وأن البلاء اشتد بالمسلمين في تلك الغزوة حتى أن الرسول عرض على غطفان ثلث تمر المدينة ان رجعت عنه وعن أصحابه وان يهود بني قريظة لم يتوانوا عن انتهاز هذه الفرصة للايقاع بالمسلمين فلما زالت الغمة دعا الرسول بنقض عهدهم والتحالف مع المشركين عليا وسلمه لواءه إلى بني قريظة فلما دنا من حصونهم سمع منهم مقالة قبيحة لرسول الله ولكن الله نصره عليهم فلما أصبحوا تواثبت الأوس فقالوا : يا رسول الله انهم موالينا دون الخزرج وقد فعلت في موالي اخواننا بالامس ما قد علمت ( يعنون بني قينقاع لما أطلقهم الرسول ) . وانتهى الجدل بأن قبل اليهود أن يحكم بينهم رجل من الاوس هو سيدهم سعد بن معاذ فحكم فيهم بحكم دينهم . وحكم ما يزعمون من كتاب هو أن يقتل الرجال وتقسم الاموال وتسبى الذراري والنساء : فقال الرسول لقد حكمت عليهم بحكم الله من فوق سبعة أرفعة . بيد أن هذه السابقة ليست صورة من صور الابادة وإنما هي حكم تحكيم طلبه الخصم وارتضاه حكما وقانونا ، وهذا يتفق تماما مع القواعد التي تقررها اتفاقيات جنيف ١٩٤٩ بالنسبة لأسرى الحرب وكذا الأشخاص المحميين . ثم إن الحكم لم يكن حكم الاسلام وانما حكم ما يقول به كتاب الخصم « التثنية » . أما ما ينسب الى الاسلام هنا فانما يمتدح له إذ يقبل الاسلام في خصومته لعدوه الذي أغرق في الخصومة ولج في العنان ان يحتكم الى قانون ذلك الخصم وشريعته . وكيف يقال غير هذا وقد قال فيهم الرسول بعد ما احترق النهار في يوم صائف الا تجمعوا عليهم حر هذا اليوم وحر السلاح. قيلوهم حتى يبردوا وكان الرسول قد أمرهم بأحمال التمر فنثرت بين أيديهم فكانوا يكدمونها كدم الحمود ) أي يعضونها بمقدم الأسنان كما يكدم الحمار ) ثم انهم أبوا الاحتكام الى الرسول ونحن نعلم أن حكم الرسول في مجاوريهم السابقين من بني النضير وبني قينقاع كان جزاء في المال دون الأرواح

وفيما برويه أبو هريرة في قصة أسردها ماله دلالته في تأكيد حكم الإسلام . قال أبو هريرة سمعت رسول الله يقول قرصت نملة نبيا من الأنبياء فأمر بقرية النمل فأحرقت فأوحى اليه الله أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح .

أما الملجأ ففيه حكم قرآني صريح . يقول تعالى ( وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ » . وفى شرح الآية يقول ابن كثير وأن أحدا من المشركين» الذين أمرتك بقتالهم وأحللت استباحة نفوسهم وأموالهم « استجارك » ان استأمنك اجبه الى طلبه ) حتى يسمع اللام الله » أي تقرؤه عليه ويذكر فيه شيئا من الدين تقيم عليه به حجة الله ۱۰ ثم ابلغه مامنه ) ای واهو آمن مستمر الامان حتى يرجع الى بلاده و داره ومأمنه . ( ذلك بأنهم قوم لا يعلمون ) أي إنما شرعنا امان هؤلاء ليعلموا في دين الله وتنتشر دعوة الله في عباده . وسئل الاوزاعي عن الآية قال السائل : وان مأمنه ؟ ارايت أن قال مأمنى القسطنطينية قال اذا أبلغه حصنا من حصونهم أو معقلا من معاقلهم فهو مأمنه . قال السائل فان لقيتهم سرية المسلمين في بلادهم قبل أن يبلغوا مأمنهم قال لا يعرضون لهم . وسئل كذلك عن العدو ينزلون أرض المسلمين بأمان على ان الامان لهم حتى يصدرو اراجعين حتى يواقعوا بعض جبال أرضهم ثم تضربهم الريح فتردهم فيقولون نحن على اماننا قال أرى ذلك لهم وأراهم على أمانهم .

والآية تجر الى حديث قصير عن الامان فالامان في الاسلام نظام من نظم الخير التي تتميز بها أحكام الاسلام عن غيرها من الاحكام . فالامان في الاسلام يحرم به قتل ورق وأسر وأخذ مال . ويشترط أن يكون من مسلم عاقل مختار ويصح من أحد الرعية - أن الفرد العادي - ومن امام وأمير ، ولعل الفرق بين الامانين أن أمان الفرد - يستوى في ذلك الحر والعبد والرجل والمرأة - يكون لعدد صغير وهو عند الفقهاء جائز لما لا يزيد عن عشرة أشخاص أو لقافلة أو الحصن صغيرين . أما أمان الامام والامير فجائز أيا كان تعداد العدو ثم أن من حق الامام - في حالة الضرورة القصوى التي تعرض المصلحة الاسلامية العليا للمخاطر أن ينقص امان الفرد ولكنه يلتزم عندئذ بأن يعيد المؤمن الى مأمنه . وبصح الامان بكل ما يدل عليه من قول واشارة مفهومة ورسالة وكتاب فاذا قال للخصم الق سلاحك أو لا تخف فقد أمنه وإن خرج الاعداء من حصنهم بناء على اشارة أمان لم يجز قتلهم ويردون إلى مأمنهم . وتحلو الافاضة في احكام الامان لولا ضيق القام .

ب - توقيع العقوبات الجماعية لاسيما الردع الثاري ، وهذا منكم مستفاد من نصوص المادة ٤٦ من اتفاقية جنيف الأولى والمادة ٤٧ من الاتفاقية الثانية والمادتين ۲۰ من الملحق الأول و ١٥ من الملحق الثاني.

فهذه كلها تحظر اعمال الثأر الردعي ضد الجرحي 1 والمرضى أو الغرقى أو الأفراد أو السفن أو المهمات التي تحميها الاتفاقيات

ولعل الجماعة الدولية احست بعجز جهودها الانسانية في هذا المضمار إذ راحت الأمم المتحدة تصوغ معاهدة ١٩٤٨ بشأن جريمة الإبادة الجماعية أو إبادة الجنس البشرى وهى ما أسميها بجريمة الاصطلام ) وقد كنت من قبل أسميها جريمة الاثخان . (وفي اللغة يقال اصطلهم الدهر أو الموت أو العدو استأصلهم والادهم) . وقد وصفت المادة الثانية جريمة الاصطلام بأنها : ١ - قتل أفراد الجماعة 2 - تسبيب أضرار جسدية أو عقلية خطيرة لأفراد الجماعة 3 - فرض ظروف حياة عمدا يكون من شأنها أن تدمر وتحطم حياة الجماعة كلها أو جزءا منها ٤ - فرض انظمة تستهدف منع التناسل داخل الجماعة ه - نقل أطفال الجماعة الى جماعة أخرى بالاكراه . 

وحظر العقوبة الجماعية فى الإسلام حظر عام لا يخص فئة دون فئة ولا يميز فريقا على فريق لان القاعدة فى الاسلام الا تزر وازرة وزر أخرى وان الله الله ( لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ)

ولا أتردد في أن أقول أن تفصيل ما جاء في اتفاقية جريمة الاصطلام آنفة الذكر ويندرج فيما تقبله وتؤيده النظرية الإسلامية ويمكن أن يعتبر شرحاً فيها وتفصيلاً ، أما بالنسبة للردع الثأري فهناك آيات كريمة تقرر مبادئ العقوبة : وجزاء سيئة سيئة مثلها ( وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا » ( وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ » ( الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ۚ فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ » . والآيات بمفهومها الواضح ترسى قاعدة المعاملة بالمثل في العقاب ومن هنا فان المرء قد يفهم أن الآيات الكريمة تجيز للمسلمين. معاملة بالمثل - أن يمارسوا الردع الثأري ضد العدو اذا كان لعدو يمارس ذلك ضدهم ولكن هذا الفهم ترد عليه ملاحظتان : الأولى هو أن الردع الثأري في معناه الحديث الذي قصدت إليه مواد اتفاقيات القانون الدولي الإنساني هو تصرف غير مشروع تتخذه الدولة للثأر من دولة أخرى تقصد أن تفرض عليها قول تسوية نزاع نجم عن تصرف سابق غير مشروع ارتكبته الدولة الاخيرة . ومن ثم فان الردع الثاري هو تصرف غير مشروع ضد تصرف غير مشروع وليس من المتصور أن تأتي القوات الإسلامية التي تتقيد بأحكام الإسلام تصرفا ضد العدو غير مشروع ببرر أن ترتكب أعمال ردع ثأري ضدها . وتبعا فان الفرض يخرج عن نطاق التطبيق الصحيح للأحكام الإسلامية .

والملاحظة الثانية أن تطبيق قاعدة المعاملة بالمثل يقيد في الشريعة الاسلامية بقيد هام هو أنه لا يجوز للمسلم أن يجاري الأعداء في مآثمهم وفي ذلك يقول الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه عن العلاقات الدولية في الإسلام . وقد يعجب بعض الناس من أن الفضيلة تحكم في وسط السيوف وحيث يستباح الانسان فانه حيث استبيح لا يبقى من القيود شيء يحترم ولكنا نقول انها حرب مقيدة بقانون السماء وهي حرب الفضيلة وتنهك حرماتها في الميدان من أهلها مجاراة للمعتدين . ولذلك كانت الحرب من جانب المسلمين مقيدة بالفضيلة لا تعدوها ولو جاوز حدودها المعتدون وإذا كان الأعداء يمثلون بالقتلى من المسلمين ويشوهون لا تفعل مثل ذلك في قتلاهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول إياكم والمثلة ولقد قتل المشركون في غزوة أحد حمزة بن عبدالمطلب ومثاوا بجثته أشنع تمثيل وأثر ذلك في نفس النبي عليه الصلاة والسلام لأنه عمه واحب قرابته إليه ومع ذلك لم يفكر فى أن يمثل بأحد من قتلاهم فيما جد بعد ذلك من حروب . وإذا كان الأعداء يجيعون الأسرى ويقتلونهم بالعطش فإن جيش الفضيلة لا يجاريهم في ذلك لأن الله تعالى أمر بإكرام الأسرى والنبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يقتل أحد آخر بالتعطيش

ج - كذلك تغزل قواعد القانون الدولي الإنساني باحترام الجرحى والمرضى والالتزام بمعاملتهم معاملة إنسانية . ومن أجل هذا أضيفت الرعاية على الهيئات الطبية . ومن هذا المفهوم تستمد كثير من الأحكام التي تفرضها اتفاقيات جنيف سنة ١٩٤٩ واللحقان المكملان لها في شأن الجرحى والمرضى والمنكوبين فى البحر والهيئات الطبية . ويكفيني في بيان مدى احترام الإسلام لجرحى ومرضى الأعداء أن أذكر بقصة يوسف صلاح الدين الايوبى مع ريتشارد قلب الاسد عندما أصاب الاخير مرض عضال وهو أعتى الصليبيين وأقواهم ، إذ تسلل صلاح الدين الى معسكر عدوه وعالجه حتى شفي من دائه . أن عناية المسلمين في هذه القصة لم تقتصر على من في قبضتهم من جرحى ومرضى بل تعدت ذلك الى جرحى ومرضى العدو في معسكره . وأيا كانت بواعث هذا التصرف فليس المثل صلاح الدين أن يفعله لو أنه كان مخالفا لتعاليم الاسلام .

ولا أحسب أنني أخطىء إذا قلت ان ارتكاب فعل غير مشروع ضد الجرحى والمرضى وغيرهم ممن تحميهم الاتفاقيات الزمنية لا يمكن أن تقبله النظرية الاسلامية فى نطاق ما أسلفت من بيان

وفيما قدمت وما أذكر بعد تأييد لما أقول . وجدير بالذكر أن النظرية الاسلامية التقليدية لم تتعرض في تفصيل لمنكوبي البحار لأن انشغال المسلمين الاوائل بالحرب البرية كان محدوداً ومع ذلك فإنهم اعتبروا السفينة في حكم الحصن ويطبق عليها وعلى من فيها ما يطبق على حصن العدو ، وهنا أكرر ما قدمت من ما حوته الوفاقات الدولية

الانسانية في هذا الخصوص من أحكام تعتبر في مجموعها تفصيلاً في النظرية الاسلامية وتتماشى مع التطبيق العملي لأحكامها

ويكفيني في العرض وما أسلفت قولا في المبادئ العامة التي تحكم علاقة المحارب بالمحارب وبقي في علاقة المتحاربين الشخصية أن أعرض في عجالة للمبادئ الأساسية التي تنظم سلوك المحارب حيال المدنيين والشعب المدني في أرض العدو .

لقد صدر في ذلك بيانان رئيسيان أحدهما من رسول الله والثاني من خليفه الصديق . أما وصية رسول الله فتقول « انطلقوا باسم الله وبالله وعلى بركة رسول الله ولا تقتلوا شيخا فانياً ولا طفلاً ولا امرأة ولا تغلوا وضموا غنائمكم وأصلحوا وأحسنوا إن الله يحب المحسنين وفي هذا المعنى يقول عليه الصلاة والسلام (سيروا باسم الله وقاتلوا أعداء الله ولا تغلوا (أي لا تخونوا) ولا تغدروا ولا تنفردوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا » .

ويوجه تعليماته الى خالد بن الوليد في احدى الغزوات فيقول لا تقتل زرية ولا عسيفاً (أي عاملاً ) ، وفى هذا المفهوم يتكرر المأثور عن الرسول في تحديد مسالك الجيش الإسلامي .

أما أبو بكر فقد وقف في رجاله وجيش اسامي على أهبة الرحيل فقال : (يا أيها الناس قفوا أوصيكم بعشر فاحفظوها عنى : لا تخونوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا طفلاً صغيراً ولا شيخاً كبيراً ولا امرأة ولا تعقروا شجرة مثمرة ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرا إلا اكلة وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما افرغوا انفسهم له . وسوف تقدمون على قوم يأتونكم بآنية فيها الوان الطعام فإذا أكلتم منها شيئًا بعد شيء فاذكروا اسم الله عليه وتلقون أقواما قد فحصوا أوساط رؤوسهم وتركوا حولها مثل العصائب فأخفقوهم بالسيف خفقا . اندفعوا باسم الله

وليس بعد بيان رسول الله وصاحبه بيان .

وواضح من هذا البيان أن جيش الاسلام ممنوع من قتل :

1 - الشيخ الفاني وفي حكمه الزمن ( أي المريض الذي أقعده المرض المزمن ( إلا أن يكون له رأي في الحرب ومشورة ، فهم بذلك يصبحون من أئمة الكفر ، فقاتلوا ائمة الكفر أنهم لا ايمان لهم تعليم ينتهون ، . والصحيح أن الآية عامة وان كان سبب نزولها مشركي قريش ، وهؤلاء هم من عناهم أبو بكر في وصيته السالفة إذ بين الجند أنهم سيجدون قوما محلوقة رؤوسهم ولذا نصح الجند بان يضربوا معاقل الشيطان منهم بالسيوف وقال : والله لأن أقتل رجلاً منهم أحب إلي من أن أقتل سبعين من غيرهم .

٢ - الطفل والمرأة ، ويذهب نفر من الفقهاء المسلمين - ويجاريهم في ذلك ما أخذت به احكام القانون الدولى الانساني - الى أن حصانة المرأة والطفل ، مرهونة بمدى اشتراك أيهما في الأعمال العسكرية ، ومع ذلك فقد سئل مالك عن نساء العدو وصبيانهم يكونون على الحصون يرمون بالحجارة ويعيشون على المسلمين أيقتلون . فقال نهى رسول الله عن قتل النساء والصبيان.

3 - أهل الصنائع والإجراء والأكارين (الزراع) الذين لا يقاتلون وغيرهم ممن يسيرون في ركاب الجيش دون أن يشتركوا في الأعمال العدوانية كالتجار فهؤلاء جميعا يدخلون في حكم العسيف ( أي الاجير) أصلاً أو حكماً . لأن هؤلاء بانصرافهم إلى شئون المدينة هم بناء العمران والحرب الاسلامية ليست لازالة العمران أو تقويض دعائمه

4 - الرهبان ويدخل فيهم كل من خالف الإسلام من أهل الصوامع وغيرهم ممن حبس نفسه من كهنة أهل الكتاب. وقد سئل الاوزاعي عن هؤلاء وعن المرأة والصغير لو خيف أن يدلوا العدو هل يقتلون فقال لا حتى يدلوا ولا يقتلون على الفن وهذه الحصانة كفيرها مرهونة ببقاء هؤلاء في صوامعهم وبيعهم أما اذا خرجوا إلى المعركة مشتركين في أعمال العدوان أو ساعين إلى فتنة الناس فانهم يتقابلون حصانتهم

إذ كما يقول السرخسي : " إن المبيح للقتل من حيث المحاربة فإذا اغلقوا الباب على أنفسهم اندفع شرهم مباشرة وتسبيبا ".

بقي من الكلم عن حظر حرمان المدنيين والشعب المدني من الغذاء أماكنهم . لقد منع الإسلام . والشراب اللازم لبقائهم بقصد إجاعتهم أو جبرهم على الارتحال من كما هو واضح من وصية أبي بكر - ذبح الحيوانات إلا للاكلة أي حيث تقوم ضرورة لذلك ومنع قتل الحيوان حرقا حفاظا على قيمته الاقتصادية من أن تهدر دون مبرر . ذلك أن النبي نهى من أن يقتل شيء من الدواب جبراً إلا لضرورة عسكرية كان يخشى أن يقوى به العدو فيجوز عندك أن يقتل أو يعركب فان المسلمين إذا خرجوا في الغو ولم يجدوا من الطعام ما يشترونه بالثمن وأن الناس لا يبيعوهم إلا أن يأخذوه كرها كان لهم ذلك دفعا للضرورة وعلى سبيل الاستثناء

واذا كان الإسلام قد أجاز قطع الماء عن العدو وجعل الدم فيه والقذرة والدم متى يفسده فإنما قصد بذلك المحاربين وليس المدنيين وتلك إباحة محدودة كما قدمت بضرورتها

واذا ارتحل المسلمون وتركوا طعاما لا حاجة لهم به فلا يحرقوه الا اذا كان قوة لعدوهم ، أى أنه لا يجوز لهم اعدامه الا لضرورة عسكرية . وعندما غادر الرسول مكة مهاجرا امر عليا بأن يرد الودائع الى اصحابها وهم غير مسلمين . وحصل أن أسر المسلمون تمامة سيد يمامة في السنة السادسة من الهجرة فأسلم واتخذ قرارا بمنع أهل مكة ما يتمونون به من حبوب عشيرته - وكانت هي المصدر الرئيسي لتموين أهل مكة حتى يسلموا أو يأمره الرسول بغير ذلك فلما تعرضت مكة للمجاعة طلبوا رفع هذا الحظر . فكتب لثمامة بذلك بل ان الرسول نفسه ارسل لاهل مكة العجوة وقت أن كانت أعمال العداء على أشدها وامدها بمبلغ طيب من المال . ولست بحاجة الى أن أوضح أن مكة كانت في حالة حرب مع الرسول منذ أن تركها مهاجرا إلى أن دخلها فاتحا ، وفي حكم منع التخريب الذي أوجزه بعد قليل ما يكمل ما اقول .

انتقل الآن إلى الكلام عن التزامات المحارب حيال اسوال خصمه ويمكن في إيجاز بالغ ان القول ان الالتزام الأساسي هنا هو التفرقة بين الأهداف العسكرية والأموال المدنية وحظر تخريب الأموال المدنية .

لقد جاءت رصية أبي بكر صريحة في منع التخريب وليس اعلم بهدی رسول الله من صاحب رسول الله ثاني اثنين إذ هما في الغار . ولكن جمهرة من الفقهاء يجيزون هدم البناء وقطع الاشجار ، وحجتهم في ذلك :

۱ - جواز قطع النخل اقتداء بقوله تعالى (ما قطعتم من لينة او تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله » وهؤلاء فهموا اللينة بمعنى النخلة .

2 - ضرب المسلمون بيوت بني النضير بأمر الرسول وفي ذلك يقول القرآن الكريم ( يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين ) .

3 - روي عن الرسول أنه أمر بتحريق قصر مالك بن عوف أمي الجيوش بالطائف وأمر برمي حصن ثقيف بالمنجنيق وقطع كرومها وان اهل ثقيف عجوا عن ارادة قطعها وقالوا : كيف نعيش بعد قطعها .

وقد تناول الشيخ محمد ابو زهرة هذه الحجج بالتفنيد فقال ( ان النظرة الأولى لهذه الروايات تربنا أنها لا تبيح التخريب اباحة مطلقة وذلك لان اللينة التي استشهد بها في النص القرآني .. ليس المراد بها النخلة وانما المراد بها الثمرة والنص القرآني يفيد ذلك اذ يقول : ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فباذن الله » ولا يمكن فرض قيامها على أصولها الا اذا كانت هي الثمرة لا أصل النخلة. وقطع الثمرة لا بعد تخريبا . ثم ينتقل الى تخريب المؤمنين لبيوت بني النصير فيقول « أن ذلك كان لانهم اتخذوها حصونا واعتصموا بها وانزلوا الاذى بالمسلمين منها فكان لابد لزوال اذاها من تخريبها أو محاولة تخريبها وكان ما فعله الصحابة على قدر الضرورة ولكنهم أي اليهود لما علموا انهم مسلموها وتاركوها أتوا عليها هدما وتخريبا » .

وأضيف أن هذا المعنى واضح في الآية الكريمة لأن التخريب لم يكن من عمل المؤمنين وحدهم بل كان باشتراك اليهود أنفسهم فيه ..

أما رمي الحصون فلأنها حصون وبنو ثقيف قوم غلاظ أشداء وتخريب الحصون إنما يكون لإضعاف قوة العدو. أما التهديد بقطع كروم الطائف فلأنهم كانوا يتخذون منها الخمر وان النبي صلى الله عليه سلم أمر بالقطع ولم يقطع وذلك ليحملهم على التسليم فتحقن الدماء». وأقول أن هذا يضاف له انه عندما قدم الاسود الى الرسول مسلما وهو عبد ليهودى كانت معه ماشية لسيده - وذلك في معركة خيبر - فقال له الرسول اذهب الى مكان آمن واطلقها فى طريق صاحبها .

والذي يبدو لي أن الخلاف بين من أخذ كلام أبي بكر على محله والذي أجاز ما حرمه لا يختلفون مقصدا ، فالفريق الذي يحرم إنما يضع القاعدة العامة، والفريق الذي يجيز إنما يتأثر باعتبارات الضرورة المحظورات. العسكرية وصالح المسلمين ولا خلاف على أن الضرورات تبيح

وهنا أود أن أضرب مثلا لواقعة قد لا تكون وثيقة الصلة بما أقول في فحواها ولكني اعتقد أن لها مغزاها في مقصودها ومعناها وهي أن الضرورة العسكرية دعت قائد المسلمين لان يحتلها فأعاد الضرائب الى أهلها لانهم جبوها لحمايتهم ولما كان ذلك لم يعد ممكنا فلا حق لهم فيها .

معاملة أسرى الحرب :

تلك صفحة مشرقة من صفحات الهدى السماوي تزدان بأحكام لما تحققها المواثيق والأعراف الدولية المعاصرة .

ونقطة البداية في تحديد المركز القانوني للأسير هو أن الأسير في ضمان الدولة العدو وليس فى سلطان المحارب الذي يأسره . وتلك نقطة جلاها الإسلام بقوله عز وجل (فاذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى اذا اثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها » .

والآية الكريمة تأمر بالقتال الى أن يثخن المسلمون بالكفار أي يحققوا الغلبة عليهم - ثم بعد ذلك يشدون الوثاق - أي يأسرونهم . فإن تحقق الاسر انتهى القتال ولا يبقى الا المن أو الفداء . ولذا فان القاعدة الإسلامية هي أن الأمر بالقتال هو لغاية الأسر ثم تترك الخيار بعد ذلك للإمام ، وتبعا فان الأسير فى ضمان الإمام الى أن يقضى في أمره. ولذا يقول الرسول ( لا يعترض أحدكم أسير أخيه فيقتله » .

ومما يستدل في هذا الخصوص ما روى من أن عبد الله بن عامر بعث إلى ابن عمر بأسير ليقتله فقال : أما والله مصرورا (أي موثوقاً) فلا اقتله . يعنى أنه لا يملك أن يقتله بعد شده وأسره لأن أمره بهذا أصبح للإمام .

ويجمع الفقهاء على مسئولية الأسر إذا قتل أسيره لكنهم يختلفون في الجزاء . فيقول الاوزاعي اذا قتل الأسر أسيره قبل إبلاغ الامام عوقب واذا قتله بعد ابلاغ الامام عوقب وغرم ثمنه. ويرى الشافعي الا غرم عليهم الا إذا قتل طفلاً أو امرأة

بيد أن الأسر لا يسقط صفة المحارب عن الأسير ولكنه محارب عجز عن المحاربة لكونه مقهورا في أيدينا . ولذا لابد من انهاء هذه الصفة بإجراء ما . وتقول جمهرة الفقهاء أن الإمام - في إنهاء الأسر - بالخيار بين أمور أربعة : المن أو الفداء أو القتل أو الأسر . والآية التي أسلفتها صريحة في أن مصير الأسير هو أحد أمرين : المن أو الفداء أما القتل والاسر فاضافة منها كلام .

وفي عقيدتي أن المن على الأسير هو أول ما يجب أن ينظر فيه الإمام ولا ينصرف عنه إلا لاعتبارات تقضيها مصلحة المسلمين . ذلك أن الآية الكريمة قدمت المن على الفداء فدلت بذلك على أنه هو الأولى بالاتباع . ثم إن الله تعالى بقول " يأيها النبي قل لمن في أيديكم من الاسرى ان يعلم الله في قلوبكم يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفو ررحيم » كان الله قد وعد من فى قلبه خير من الاسرى بعوض أكبر ومغفرة فان العبد أحرى بأن يفعل ذلك فان كان هناك خير في المن كان عليه أن يمن .

ويجوز أن يكون المن مشروطا ويجوز أن يكون غير مشروط فان كان مشروطا وجب على الأسير أن يلتزم بشرطه ذلك أن الرسول من في معركة بدر على أبي عزة وكان شاعرا بعد أن أعطى موثقا بألا يظاهر أحدا على الرسول ولكنه عاد فقدم مع المشركين في غزوة أحد ووقع أسيرا في يد المسلمين فاسترحم الرسول ولكن الرسول أبى وقال لا والله لا تمسح عارضيك بمكة تقول سخرت بمحمد مرتين : إن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين : ثم أمر بضرب عنقه

أما الفداء فصوره متعددة فقد يكون مالا وقد يكون عتادا وقد يكون غير ذلك ففي بدر مثلا كان من الغداء تعليم عشرة صبية ، كما حكى عن عمر بن عبد العزيز أنه أطلق سراح مائة ألف أسير لقاء مدينة بيزنطية . واذا كان الفداء أسرى بأسرى فهذا ما نطلق عليه تبادل الأسرى ولا نشترط النظرية الاسلامية أن يكون التبادل عدديا بمعنى أن يكون التبادل أسيرا بأسير كما تسمح بأن الأسير المسلم فداء لغيره من المسلمين لان الرسول فدى العقيلي الذي أسلم برجلين من المسلمين . وتدل الممارسة الاسلامية على جواز الاذن لممثلى العدو بزيادة أماكن الأسرى لحصرهم والاستيثاق من صحة عددهم كما تشير الممارسة الإسلامية لي ضرورة حماية وسائط نقل الأسرى حتى يكون ذلك مبعث اطمئنان في الحال والاستقبال .

أما قتل الاسرى فيختلف عليه الفقهاء ، فريق يجيزه وفريق ينكره يقول الجصاص في أحكام القرآن أن فقهاء الأمصار على جواز قتل الأسير لا تعلم بينهم خلافا فيه وقد تواترت الأخبار عن النبي في قتله الاسمر ويجيز الشافعي وأبو يوسف القتل اذا كان فيه نظر للمسلمين من تقوية دین الله وتوهين عدده .

ولكن الجصاص في تعميمه لم يكن دقيقا لان أبا يوسف ذكر في كتاب الخراج إن الحجاج أتى بأسير لعبد الله بن عمر وقال له : قم فاقتله فقال بن عمر : ما بهذا أمرنا إن الله تبارك وتعالى يقول « فشدوا الوثاق فأما منا بعد وإما فداء » . وان الحسن البصرى وعطاء يكرهان قتل الاسرى . بل إن من فقهاء المسلمين - مثل مجاهد ومحمد بن سيرين من يحرمون قتل الأسرى ويرون أن الخيار بين المن والفداء كما فعل الرسول في أسرى بدر . وقد تلى الحجاج بأسير وقال لعبد الله بن عمر قم فاقتله فقال ابن عمر ما بهذا أمرنا وقرأ آية المن والفداء

والحق أن المأثور عن الرسول قد ينهض دليلا للفريقين كل حسب فهمه فالرسول أمر بقتل عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث وأبي عزة الشاعر وشرط على ابن ابي الحقيقي الا يكتم شيئا فلما ظهر على خيانته و كتمانه قتله وأمر بعد فتح مكة بقتل هلال بن اخطل ومقيس بن صبابة وعبد الله بن يعد بن أبي سرح وقال اقتلوهم وان وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة . ولكنه أنكر على خالد بن الوليد قتل أسرى بني خذيمة حين قالوا : صبانا صبانا . والآية الكريمة لم تذكر القتل عقوبة للاسير . ولذا يختلف المفسرون في شأنها فبعضهم يقول انها نسخت وبعضهم ينفى ذلك .. والأمر عندى أبسط في أن يثير البلبلة ذلك أن السوابق التي أمر فيها الرسول بقتل الاسير محدودة ونادرة ولو اننا فحصناها واحدة بعد الاخرى لوجدنا أن عقوبة القتل لم تكن جزاء على الاسير لانه اسير ولا خيارا للإمام فى تقرير مصير الاسير وانما كانت عقوبة عن أفعال صدرت عن هؤلاء الأسرى قبل الاسر وخارج نطاق المعركة التي أسروا فيها فهي عقوبة على جريمة ارتكبوها ضد الرسول والاسلام وليست جزاء يبرره الاسر . وهذا أمر توقعته واجازته المادة ٨٥ من اتفاقية جنيف الخاصة بأسرى الحرب اذ تقول « أسرى الحرب الذين يحاكمون بمقتضى قوانين الدولة الحاجزة عن ذنوب اقترفوها قبل وقوعهم في الاسر لهم حق الاستفادة بمزايا هذه الاتفاقية حتى ولو حكم عليهم )

اما اذا لم يكن هناك من جرم اقترفه الاسير قبل وقوعه في الاسر فإن الامام لا يملك أن يأمر بقتله كخيار من بين الخيارات التي يمارسها حيال الاسرى . ولا يقال هنا أن مصلحة المسلمين قد تقتضى ذلك لان مصلحة المسلمين لا يضيرها اطلاق أسير لم يعرف عنه ما يهدد الاسلام والمسلمين فان جدت ضرورة دعت الى ذلك فان القتل هنا يكون سياسة وليس ممارسة لخيار وحق استنادا الى المبدأ الذى تقره الدول المتمدينة وهو أن الضرورات تبيح المحظورات. وأغلب الظن أن هذه التفرقة لم تثر بذهن الفقهاء الذين أجازوا قتل الاسير ولعلها لم تكن واضحة تماما عندما قالوا بكراهية قتله .

ودليلي على ما أقول في التفرقة بين معاقبة الأسير عن جرم ارتكبه قبل الأسر وبين أسير لم ينسب إليه شيء أن الرسول بكى حتى اخضلت لحيته من الدموع عندما سمع قول أخت الحارث وهي ترثي أخاها في قصيدة مطلعها :

يا راكبا ان الائيل مظنه من صبح خامسة وأنت موفق

وتخاطب الرسول فيها بقولها

امحمد او لست ضن نجيبة في قومها والفحل فحل معرق

ما كان ضرك لو متت وربما من الفتى وهو المغيظ المحنق

النضر أقرب من قتلت قرابة وأحقهم ان كان عتق يعتق

أو كنت قابل فدية فلنأتين بأعز ما يغلو لديك وينفق .

وقال « لو بلغني شعرها قبل أن أقتله لعفوت عنه » فالرسول يتكلم هنا عن العفو ولا يكون العفو إلا عن جريمة والقتال ليس جريمة ما دام في نطاق آدابه وحدود أحكامه والأسر ليس اجراء من الاجراءات الجنائية وإنما هو تحفظ على المحارب لإعجازه عن متابعة القتال . ولم يشرع الله في القتال قتل المحارب إلا إذا قاتل فحسب « فان قاتلوكم. فاقتلوهم » واذن فالعقوبة هنا لم تقرر كجزء يمكن أن يوقع على الأسير وإنما كجزاء على ما اقترفه من وقع في الأسر عن جرائمهم السابقة ولم يكن الأسر سوى ظرف امكن الدولة الاسلامية من المجرم وأوقعه في سلطانها . وهنا أسوق ما قاله أبو يوسف أنه أحسن ما سمع في ذلك الخصوص . يقول أبو يوسف ( اذا أمن المحارب لم يؤخذ بشيء كان أصابه في حال حربه إلا أن يكون شيئا أصابه قبل ذلك فيؤخذ به » .

إذكر فى تزكية ما أقول أن قريشا بعثت في فداء عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان - اللذين أسرتهما سرية عبد الله بن جحش فقال الرسول ( لا نفديكما حتى يقدم صاحبانا » - يعنى سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان - فانا نخشاكم عليهما. فان تقتلوهما فقتل صاحبيكم» فقد مسعد وعتبة فأفداهما رسول الله فالتهديد بقتل الأسيرين كان تهديدا بالمعاملة بالمثل تأمينا لحياة أسيرين مسلمين ولم يكن ممارسة لخيار يملكه الإمام حيال الأسير . ولذلك نهى الرسول عن قتل أبي النجترى بن هشام لأنه كان أكف الناس عنه وهو بمكة كان لا يؤذيه و يبلغه عنه شيء يكرهه أما عقبة بن أبي معيط فقد سأل الرسول عندما أمر الرسول بقتله قال أتقتلني يا محمد من بين قريش ؟ قال : نعم أتدرون ما صنع هذا بي ؟ جاء وأنا ساجد خلف المقام فوضع رجليه على عنقى وغمزها فما رفعها حتى ظننت أن عيني ستدوران وجاء مرة أخرى بسلا شاة فألقاه على رأسى وأنا ساجد فجاءت فاطمة فغسلته عن رأسي . وان انتقاء عقبة من بين الأسرى وقتله لم يكن سابقة في تقرير حق الإمام في قتل الأسرى وإنما كان عقوبة على ما سبق فيه من اعتداء على الرسول وكذلك كان النضر بن الحارث من شر عباد الله وأكثرهم كفرا وعنادا وهذان هما فقط الشخصان اللذان قتلا من بين أسرى بدر ت حين أطلق بعض أسرى بدر بلا فداء منهم أبو العاص الربيع الأموي وأبو عزة الشاعر . والحق أن الفطرة وهي فلسفة الإسلام - لا تقبل أن يتدرج حق الامام بين المن والقتل استنادا الى مبرر واحد هو الأسر لان المن والفداء ليس عقوبة أما القتل فهو عقوبة والأسر ليس جريمة وانما هو اجراء تسند عليه ظروف الحرب ووسيلة من وسائل اعجاز الخصم عن متابعة القتال وهو بذلك يفقد مبرراته عندما تضع الحرب أوزارها ، ولا يتفق القتل مصيراً للأسير مع الحكمة من الأسر .

وحق الدولة في أن تمتد باختصاصها الشخصي لتعاقب على جرائمهم ارتكبت خارج إقليمها ولكنها تمس أمنها ونظامها العام ليس بالأمر المنكور بل إن الممارسة الدولية تؤكد هذا الحق وتثبته بل لا أغالي اذا قلت ان من قتل من الأسرى ارتكب ما يمكن أن يعتبره الفقه الاسلامي جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية . واذا كان الفقهاء قد اختلفوا حول قتل الاسير - عالى ما فصلت آنها فان إجماعهم منعقدا على أن من أسر من المشركين فأسلم فان الاسلام يحقن دمه

أما القول بأن آية المن والغداء قد نسخت فهو عندى قول مهدور بقول من أن أنكر ذلك . ويبدو أن القائلين بالنسخ يستندون إلى الآيات التي جاءت في صدر سورة التوبة ومنها قوله سبحانه وتعالى ( فاذا انسلخ الاشهر الحرام فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخلوهم واحصروهم » . والذى يقرأ الآيات السابقة على تلك الآية ينتهى الى أمر بعيد كل البعد عما تصوره الفقهاء القائلون بالنسخ . ذلك أن المشركين كانوا يحجون مع المسلمين بناء على عهد عاهدهم عليه المسلمون فأراد الله استخلاص بيته الكريم العباده المؤمنين وتطهيره من نجس المشركين فأنزل الآيات تضع حدا لذلك العهد وتأمر بقتل من يوجد من المشركين بعد ذلك في الحرم المكي الطاهر . وتأمر المسلمين بأخذ المشركين وحصرهم ، اى اسرهم وحصارهم ، وليس في الآية أو في غيرها من الآيات ما يضيف الى المن و الفداء حقا جديدا بالقتل أو غيره من جزاء . وفهمي للآيات على هذا النحو مستمد من عبارة الآيات فضلا على أن الرسول بعث عليا وفي قول آخر أن أبى بكر الذى كان أميرا على الحج عامئذ هو الذي بعث مؤذنين - يؤذنون بمنى بأربع ( لا يدخل الجنة الا نفس مؤمنة ولا يطوف بالبيت عريان ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فعده الى مدته ولا يحج المشركون والمسلمون بعد عامهم هذا » .

والقول عندي أن من قال بالنسخ لم يتبين دقة التفرقة التي قدمتها بين القتل لجرم والمن والفداء لأسر

ولنا أن نتصور إذا أخذنا بقول من يجيزون القتل اطلاقا - ماذا يقال عن الإسلام لو أن صلاح الدين الأيوبي عندما أسر عددا كبيرا من الصليبين ولم يجد لديه طعاما يكفيهم كان قد قتلهم بدلاً من أن يطلق سراحهم كما فعل وإطلاق سراح هذا العدد من المحاربين الأعداء فيه تهديد للمسلمين لو أنهم عادوا إلى صفوف قواتهم ولكنا نذكر الآن هذه السابقة برؤوس شامخة تدليلاً على عمق احترام الانسانية في النظرية الإسلامية التي فرضت على القائد المسلم أن يطلق أعداءه ليقتلهم في ساحة الوغى وليس وهم أسرى في يديه جائعون . أما قصة بني قريظة فقد قدمت أنهم ليسوا بأسرى

بقيت كلمة في الاسترقاق والاسترقاق قضية يسيء الكثيرون فهم موقف الإسلام منها فكيف بأخذ الإسلام بنظام الاسترقاق والقرآن يخبرنا عن سجود الملائكة لإنسانية آدم . ثم أن من مسلمات الإسلام أن الأصل في الإنسان هو الحرية والمساواة فلا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى وأن لا إكراه في الدين ولا جدال إلا بالتي هي أحسن . وتوضيح هل الأمر بسيط ذلك أن ظروف الحياة قد تفرض علينا - كما أسلفت - أن نخوض غمار الحرب مع أعدائنا وعندئذ نخوضها طبقا لآداب سماوية تجعل من الأسر وضعاً مؤقتاً تقتضيه ظروف الحرب ودواعي القتال وهذا الأمر المؤقت لابد له من نهاية ، وذلك يستلزم تقرير مصير الأسير، وفي تقرير هذا المصير نستشعر أن الاسترقاق يدخل النظرية الاسلامية من باب خلفي فتحته رواسب العصور المنحدرة ولهذا جاءت عبارات القرآن في شأنه بصيغة الماضي، ولا أحسب أن هذا الباب الخلفي سوى الواقع الدولي في حقبة بعينها كان فيها الرق نظاما جارياً وعملاً سارياً اكتوى به المسلمون فاسترق أسراهم وبيعوا في الأسواق ، ويحكى ابن جبير في رحلته من الرفيق المسلمين من الأطفال والنساء الذين يقاسون شظف العيش في أسواق إيطاليا ، ومن ثم فلم يكن أمام المسلمين سوى المعاملة بالمثل ولكنها كانت معاملة بالمثل في إباحة الاسترقاق فقط وكان البون شاسعاً بين إنسانية الرق في الإسلام وبربريته لدى الأعداء . أما والرق نظام طاريء على الإسلام فطبيعي أن يزول بزوال مبرراته وينقضي بالقضاء مسبباته. ولما كانت الجماعة . الدولية تشجب الرق اليوم ولا تقره فلا مراء أن يسقط الرق من بين خيارات الإمام في معاملة الأسرى. وإذن فلا يجوز للمسلمين اليوم أن يسترقوا أسراهم وإلا خرجوا من حكم دينهم

وحيث يكون الرق مباحاً فإن الإسلام يحيطه بسياج من إنسانية فياضة ورقة بالغة تكاد تسمو بالأسير إلى مستوى سيده فهو ليس بالعبد وإنما يطلق عليه الفتى أو الغلام فقد كان الرسول ينصح بقوله . لا تقل عبدي وأمتي ولكن قل فتاي وفتاتي ، والقرآن الكريم " فما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات ) . وينصح إمامته للصلاة وكان للسيدة عائشة عبد يؤمها في الصلاة . وفي تكريمه يقول القرآن الكريم « ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا» ويقول الرسول استوصوا بالاسارى خيرا » . وبلغ من مجاملة المسلمين لأسرى بدر أن كانوا يطعمونهم التمر ويأكلون هم الخبز .

روي عن أبي ذر أنه سئل لم لا يأخذ برد غلامه الى برده فيكون حله ويكسوه ثوباً غيره فقال : سمعت رسول الله يقول : هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليكسه مما يكتسي ولا يكلفه ما يغلبه فإن كلفه ما يغلبه فليعنه » .

ويقول أبو يوسف بحسن معاملتهم وتقديم الطعام واللباس لهم على نفقة الدولة ( إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا » .

ولما كان يوم بدر أتي بأسارى وأتي بالعباس ولم يكن عليه ثوب فكساه النبي قميص عبد الله بن أبي . ولعل الأمر كان كما قال عينية من أنه كانت للعباس - وهو عم النبي - يد عند الرسول فأراد أن يكافئه ، ولكنها مع ذلك سابقة وسنة عمن لا ينطق عن الهوى .

وقد منع الإسلام إيذاء الرقيق حتى أنه جعل كفارة الرقيق الذي يظلم أن يعتقه سيده كما سمح للرقيق بأن يكاتب سيده على حريته ووضع لذلك أحكاما تكاد تفرض إرادة الرقيق على سيده « فكاتبوهم ان علمتم فيهم خيرا » وتصبح الامة ام الولد حرة بموت سيدها فقد حررها ولدها

واذا كان إسلام الرقيق لا يرفع الرق عنه خشية الاعيب المنافقين فان الإسلام قد ضيق منافذ الرق وفتح أبواب العتق على مصراعيها وكانه يريد لهذا النظام أن يندثر تلقائياً

ان الرق في الإسلام نظام لا يشفى في بيانه بضعة أسطر بيد أن تفصيل أحكامه يخرج عن نطاق هذا البحث ولذا اجتزىء بما قدمت ، وما قصدت إلا أن أوضح أن الرق نظام طرأ على النظرية الإسلامية فتلقته بمفهوم إنساني صادق وشكلته في إطار سام نبيل يجعل الرق من الرقة وليس من الاسترقاق . فلا عجب أن يذكر الرسول الرقيق وهو على فراش الموت فيهيب بأمته قائلا " اتقوا الله في الضعيفين المرأة والرقيق » .

ولما كان تقرير مصير الأسير قد لا يأمر به الإمام إلا بعد فترة من الزمن فان الاسير يحتاج الى ضمانات تحميه أثناء تلك الفترة . وقد يكون من المستحب أن أمر على بعض تلك الضمانات في عجالة .

ولعل أول تلك الضمانات هو احترام شخص الأسير وشرفه وتبعا لا يجوز تعذيبه . وقد روي عن الرسول انه قال ( إن الله يعذب الذين عذبون الناس في الدنيا » ونهى عن المثلة ولو كانت في كلب عقور .

ولم يرض بتعذيب ، فقد أسر في غزوة بدر سهل بن عمر العامري وكان خطيبا مفوها أوقف بلاغته على محاربة الرسول ودعوته فقال عمر بن الخطاب الرسول الله : دعني أنزع ثنيتي سهيل بن عمر فلا يقوم عليك خطيباً في موطن أبدا . فقال الرسول الكريم ( لا أمثل به فيمثل الله تعالی بي وان كنت نبيا » .

ولم يحتمل الرسول انين الاسرى فقد بات ساهرا فقيل ما سهرك يا رسول الله فقال ( لأنين العباسي » فقام رجل وارخى وثاقه و فعل ذلك بالأسارى كلهم ومر بلال بامرأتين يهوديتين أسرتا بعد القتال تبكيان على القتلى وكان فيهم أقرباؤهما فأخذت إحداهما تصرخ وتحثو التراب على رأسها . فقال الرسول لبلال ( أنزعت منك الرحمة يا بلال حتى تمر بامرأتين تبكيان على قتلى رجالهما » .

ولا يجوز قتل الرهائن حتى ولو قتل العدو رهائن المسلمين والرهائن هنا ليسوا هم الرهائن الذين تمنع القوانين المعاصرة أخذهم وإنما هم فئة يدخلون في أمان المسلمين تأمينا للوفاء بالتزام ويكون اخذهم رضاء واتفاقا

أما شرف الأسير فاذكر فيه على سبيل المثال تحريم وطء الجارية من السبى حتى تقسم الغنيمة ومن زنى بالأسيرة يعاقب تعزيراً ويفرم مهر المثل ويضاف إلى الغنيمة . وقد انتهيت في هذا البحث الى عدم جواز قتل الأسير بأسره .

كذلك تقضي الأصول الإنسانية بالمحافظة قدر الامكان على وحدة الاسرة في حالة الاسر ولذا يجمع الفقهاء على عدم جواز التفريق بين الطفل الذي لم يثغر ولم يبلغ سن سبع سنين وبين أمه ولكن البعض يجيز التفرقة بين الزوج وزوجه في قسمة السبي أو في البيع . وإذا أراد مراسلة أسرته فله ذلك لأن ضمان المراسلة من ضمان الرسل .

كذا لا يجوز التمييز بين الأسرى في المعاملة لأي سبب كان والاسلام في ذلك صريح فكلنا لآدم وآدم من تراب . بيد أن المساواة في الإنسانية لا تعني المساواة في الأوضاع الاجتماعية . وإشارات القرآن في ذلك متعددة " ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض » . و « تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض » « أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده » . « وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً » .

ذلك أن واقعية الإسلام تمنعنا من أن نحلق في الخيال فنسوي بين الأسرى بغض النظر عن رتبهم ومنزلتهم الاجتماعية ما دمنا قد وفرنا لكل ما تتطلبه اعتبارات الانسانية ولذا نقرأ فى خطط المقريزي - بمناسبة أسر ابنة المقوقس - ان لأولاد الملوك شأنا ليس لغيرهن ويروى عن الرسول أنه قال ( ارحموا عزيز قوم ذل » . ويورد ابن عساكر في البيان « البين أن الرسول قال ( إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه » . وتبعا فإن النظرية الاسلامية تحب أن تكون سبل الراحة على قدر الأسير :

ما دام أن الحد الإنساني مكفول . والحق أن خطر التمييز اقتصر في المراحل الأولى من القانون الدولي الإنساني على منع التمييز بسبب الجنسية فحسب ولكن دائرة معايير منع الخطر اتسعت ، ومع ذلك فإن المادتين ١٠ ، ٤٥ من اتفاقية جنيف الخاصة بأسرى الحرب تقرران وجوب معاملة الضباط ومن في حكمهم من الأسرى بالاعتبار اللازم لرتبهم وسنهم . 

وإذا هرب الأسير وبلغ مأمنه أصبح حراً إلا أن يكون عليه عهد فهم ملزم بالوفاء به لأن الإسلام يلفظ الخيانة ( إن الله لا يحب الخائنين )

خاتمة

ذلك نذر يسير مما تفيض به أحكام القانون الدولي الإنساني أوجزته في حدود ما يسمح به البحث ويحتمله المقام . وهي ـ كما أسلفت أحكام لها صفة النظام العام . ولا يغني المسلم في مخالفتها أن يتعلل بأمر رئيسه لأن القاعدة الاسلامية تجعل من المحارب مسئولاً مسئولية شخصية عن تنفيذ أحكام القانون الدولي الإنساني ، إذ لا طاعة لمخلوق في معصيته . روي أن علقمة بن المجزز أرسل في أثر القوم بعد يوم ذو الفرد » ولكن الرسول استدعاه مع بعض القوة وعين على باقيها عبد الله بن حذافة الشامي . وبينما هم فى الطريق أوقد نارا وقال لهم :

بحق ما لي عليكم من طاعة فاني آمركم أن تقفزوا في النار فلما استبعد بعضهم لذلك ضحك وقال : أمكثوا في أماكنكم إنما كنت أمزح . فلما نمي الخبر الي الرسول قال ( إذا أمركم أحد بأمر غير جائز فلا تطيعوه ) . 

وأختم هذا البحث بقوله عز وجل ( الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت ) صدق الله العظيم .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق