الصفحات

البحث الذكي داخل المدونة

تحميل وطباعة هذه الصفحة

Print Friendly and PDF

الجمعة، 25 مارس 2022

بحث تملك صاحب الأرض لما يلتحق بها من بناءً أو غراس . دكتور محمد علي عرفه مدرس القانون المدني بكلية الحقوق

مجلة المحاماة – العددان السادس والسابع

السنة الثانية والعشرون سنة 1942

بحث
تملك صاحب الأرض لما يلتحق بها من بناءً أو غراس (1)

تمهيد: مالك الأرض له ملكية ما فوقها وما تحتها:
ومن مقتضى ذلك أن يكون له حق التعلية بإقامة المباني بالغًا ما بلغ ارتفاعها، كما أن له حق التنقيب في جوفها، أو حفر آبار بها مهما بلغ عمقها دون أن يكون لأحد حق الاعتراض عليه طالما أنه يتصرف في حدود ما تتطلبه مصلحته الذاتية.
على أن ذلك ليس مؤداه أن ملكية الأرض لا تنفصل عن ملكية العلو والسفل بحيث يتعين أن تجتمع ملكية هذه العناصر الثلاثة في يد مالك واحد، بل قد يصح، وكثيرًا ما يحصل، أن يكون مالك الأرض غير مالك البناء القائم عليها، كأن يبيع مالك الأرض حقه في التعلية لآخر مع احتفاظه بملكية الأرض نفسها، كما قد يحصل أن يكون مالك السفل شخصًا ثالثًا كمشتري المنجم أو المحجر دون الأرض ذاتها.
لكن الغالب أن تجتمع هذه العناصر الثلاثة لنفس الشخص، إذ يندر أن يتنازل مالك الأرض عن حقه في العلو أو في السفل لما يترتب على ذلك من تضييق الخناق على ملكيته وحرمانه الفعلي من الاستفادة منها.
وطالما أن المالك لم يجزّئ ملكيته على هذا النحو فإن كل ما يلحق بأرضه يدخل في ملكه، بل ويفترض أنه هو محدثه، وأنه أنفق عليه بمصاريف من عنده، إذ أن ذلك هو الوضع الطبيعي للأشياء وما عداه شذوذ واستثناء (م 553 فرنسي).
ولما كان وجود هذه الاستثناءات محتملاً، كان من الجائز إثبات عكس هذا الوضع الطبيعي، وإثبات العكس لا يؤدي إلا إلى نتيجة من ثلاث:
الأولى: أن يكون المالك هو محدث البناء بملكه أو الغراس، ولكن باستعمال مهمات وأدوات مملوكة لغيره (المادة (64)).
الثانية: أن يكون الغير هو محدث البناء أو الغراس، كما أنه أنفق عليه بمصاريف من عنده (المادة (65)).
الثالثة: أن من أحدث البناء أو الغراس في أرض الغير يكون قد استعمل مهمات وأدوات مملوكة لشخص ثالث (المادة (66)).
فما حكم كل حالة من هذه الحالات الثلاث ؟
ذلك ما نحاول الإجابة عليه في المباحث الثلاثة الآتية:
1 - إلحاق مهمات وأدوات الغير بأرض المالك بفعله:
المادة (64) – (نصت المادة (64) من القانون المدني على أنه (إذا جدد المالك أبنية أو غراسًا أو غير ذلك من الأعمال بمهمات وأدوات كانت ملكًا لغيره وجب عليه دفع قيمة المهمات والأدوات المذكورة لمالكها، ويجوز الحكم عليه أيضًا بتعويضات إذا فعل ذلك بطريق الغش والتدليس، ولا يسوغ لمالك المهمات أن ينتزعها من محل وضعها).

شروط تملك المالك لهذه الملحقات

لا يشترط لكي تمتد ملكية مالك الأرض إلى هذه الملحقات إلا أن تكون تلك المهمات أو الأدوات التي استعملها في إحداثها قد اتصلت بأرضه اتصال قرار يجعل منها عقارًا بطبيعته بحكم الالتصاق.
ولا عبرة بعد ذلك بما إذا كان المالك حسن النية، أي يجهل كون هذه الأدوات والمهمات مملوكة لغيره، أم أنه كان بالعكس سيء النية، أي على بينة من هذا الأمر.

حالة حسن النية

إنما يلاحظ أنه قلما يحتاج إلى تحكيم المادة (64) مدني في حالة ما إذا كان المالك حسن النية وقت إلحاق مهمات وأدوات الغير بعقاره، إذ من مقتضى حسن نيته أن يجهل كونها غير مملوكة له، وفي هذه الحالة لا يكون قد استعمل مهمات وأدوات غيره، إذ أنه يصبح بمقتضى قاعدة (الحيازة في المنقول سند الحائز) مالكًا لهذه المهمات والأدوات.
على أن ذلك ليس معناه عدم إمكان تطبيق نص المادة (64) في حالة كون المالك حسن النية، إذ هناك فروض لا يمكن فيها الاحتجاج بقاعدة (الحيازة في المنقول سند الحائز) مع كون الحائز حسن النية، وذلك كأن يكون مالك هذه المهمات قد أراد إيداعها عند الحائز فتلقاها على أنها هبة، أو أنه وجدها في تركة مورثة فظن أنها كانت ملكًا له وكان الواقع غير ذلك، لأن الحيازة لا تكون مدعمة بسند صحيح في مثل هذه الحالات فلا تؤدي لذلك إلى تملك الحائز للمنقولات التي في حيازته.

حق مالك المهمات والأدوات

ومهما يكن من أمر نية المالك فإن ذلك لا يؤثر في تملكه لهذه الملحقات بمجرد التصاقها بأرضه على أن يدفع قيمة المهمات والأدوات التي استعملها لمالكها، ولا يكون لهذا المالك حق انتزاعها من محل وضعها، كما أنه لا تكون له حق المطالبة بدفع تعويضات إلا إذا أثبت سوء نية مالك الأرض وقت استعماله إياها، فإذا عجز عن ذلك كان عليه أن يكتفي برد قيمتها مهما كانت الأضرار التي لحقته من جراء حرمانه منها (قارن المادة (64) مدني بالمادة (554) فرنسي).

انفصال المهمات والأدوات عن الأرض قبل دفع قيمته

ويلاحظ أن حق مالك المهمات والأدوات في طلب استردادها يسقط بمجرد التحاقها بالأرض بحيث لا يصبح له أي حق إلا على قيمتها، فإذا تصادف وانفصلت هذه المهمات والأدوات عن الأرض بقوة قاهرة أو بفعل المالك قبل دفع قيمتها فإنه لا يجوز لمالكها أن يطالب بها، إذ أنها تكون قد دخلت في ملك مالك الأرض بالالتحاق، فلا يمكن أن تعود إلى ملك مالكها الأصلي إلا لسبب من أسباب التمليك وليس مجرد انفصالها عن الأرض بعد سبق التحاقها بها واحدًا منها (2).

هل للمالك حق رد المهمات والأدوات تفاديًا لدفع قيمته

على أنه إذا لم يكن لمالك المهمات والأدوات حق إجبار المالك على ردها، فإنه لا يجوز للمالك كذلك أن يجبره على قبولها تفاديًا لدفع قيمتها، وهذا الحل منطقي وطبيعي إذ أن هذه المهمات والأدوات تفقد جزءًا كبيرًا من قيمتها إذا فصلت عن العقار بعد إلحاقها به، فلا يجوز عدلاً إجبار مالكها على قبولها، ثم إن القانون يوجب على المالك دفع قيمتها ولا يخيره بين ذلك وبين ردها.
ولا يشترط أن يكون المالك قد استعمل مهمات وأدوات الغير لإحداث بناءً أو غراس فحسب،بل إن النص ينصرف إلى (غير ذلك من الأعمال) كإنشاء القنوات أو المصارف أو تغطية أراضي الحجرات بالبلاط أو بالخشب أو سقف أسطح المنازل أو المحلات التجارية أو أعمال البياض إلخ، فأي نوع من الأعمال يؤدي إلى إلحاق المنقول بالعقار يكفي لجعله ملكًا لمالكه بشرط أن يكون من مقتضى هذا الالتحاق صيروة المنقول عقارًا بطبيعته.

مجرد تخصيص المنقول لخدمة العقار لا يكفي

فإذا لم يصيًر المالك المهمات والأدوات عقارًا بطبيعته بل ألحقها بالعقار لخدمته أو استغلاله فإن ذلك لا يكسبه ملكيتها نظرًا لاحتفاظها بذاتيتها فيستطيع المالك استردادها، كما أنه لا يصيرها عقارًا بالتخصيص، إذ من شروط صيرورة المنقول عقارًا بالتخصيص أن يكون ملكًا لمالك العقار، وهذا الشرط غير متوفر في الفرض الذي نحن بصدده.
2 - إلحاق مهمات شخص وأدواته بملك غيره:
المادة (65) – نصت المادة (65) على حكم هذه الحالة بقولها:
(فإذا حصل الغراس أو البناء أو غير ذلك من الأعمال من شخص بمهمات وأدوات نفسه في ملك غيره فالمالك مخير بين إبقاء هذه الأشياء بأرضه وبين إلزام فاعلها بنزعها، ففي حالة ما إذا اختار صاحب الأرض نزع هذه الأشياء تكون مصاريف انتزاعها أو هدمها على فاعلها بدون إعطائه تعويضًا ما، ويجوز زيادة على ذلك أن يحكم على الفاعل المذكور بتعويض الخسارة التي تنشأ عن فعله لصاحب الأرض، أما إذا اختار صاحب الأرض بقاء تلك الأشياء فيكون مخيرًا بين دفع قيمة الغراس أو البناء مستحق القلع، وبين دفع مبلغ مساوٍ لما زاد في قيمة الأرض بسبب ما حدث بها).
(إنما إذا كان البناء أو الغراس حصل من شخص في أرض تحت يده على زعم أنها ملكه ثم رفعت يده عنها بحكم تقرر فيه عدم وقوع غش منه في وضع يده عليها، فليس لمالك الأرض أن يطلب إزالة شيء مما ذكر، بل يكون مخيرًا بين دفع قيمة المهمات والأدوات وأجرة العملة وبين دفع ما زاد في قيمة الأرض بسبب ما حدث بها).
مما لا جدال فيه أن مالك الأرض يصبح مالكًا لما أحدثه الغير فيها من بناءً أو غراس أو غير ذلك من الأعمال بحكم الالتحاق، ولذلك لا يكون لمحدثها أي حق في نزعها بدون رغبة المالك، وإن فعل ذلك كان متعديًا على ملك غيره ومسؤولاً عما يستتبعه ذلك من تعويضات.
على أنه إن كان للمالك أن يحتفظ بما أحدثه غيره عليها باعتباره من ملحقات ملكه فهل له دوامًا حق إلزام فاعلها بنزعها ؟ وإن اختار المالك إبقاء هذه الملحقات أو أكره على ذلك، فهل يلزم بدفع تعويض إلى فاعلها ؟ وما هو مقدار هذا التعويض؟
ذلك ما تكلفت المادة (65) من القانون المدني بتوضيحه والإجابة عليه بأن فرقت في معاملة الحائز بحسب ما إذا كان سيء النية أو بالعكس حسن النية.

الحائز سيء النية

فإذا كنا بصدد شخص سيء النية، أي بنى أو غرس في أرض غيره وهو على بينة من الأمر نجد أن القانون قد وضعه تحت رحمة المالك جزاء له على سوء نيته، فأجاز للمالك أن يلزمه بإزالة ما أحدثه في أرضه بمصاريف من عنده (3)، بل وجعل للمالك حق مطالبته بالتعويضات إذا ترتب على نزع هذه الملحقات إضرار بملكه.
أما إذا اختار المالك إبقاء الملحقات من مبانٍ أو غيرها فإن المشرع لم ينشأ أن يمكنه من ذلك بدون مقابل رغم سوء نية فاعلها، إذ في تخويل المالك سلطة إلزامه بنزعها جزاءً كافيًا، فإن هو آثر إبقاءها والاحتفاظ بها، فإن ذلك يكون بمثابة اعتراف منه بفائدتها وبأن فاعلها قد أحسن بإيجادها فيتعين تعويضه عما أنفق فيها، إلا أنه نظرًا لأن سوء النية يفسد على الشخص حقه في المطالبة بالتعويض عما لحقه من جراء سوء نيته فإن المشرع لم يشأ أن يعوضه عن كل ما خسره، بل عاد فجعل المالك مخيرًا بين أن يدفع له قيمة البناء أو الغراس مستحق الهدم أو القلع، أي قيمة المهمات والأدوات التي استعملها في البناء أو الغراس بصرف النظر عما أنفقه من مصاريف في سبيل البناء أو الغراس، أو أن يدفع مبلغًا مساويًا لما زاد في قيمة الأرض بسبب ما أحدث فيها.

الحائز حسن النية

أما الشخص حسن النية فإنه يتمتع دائمًا برعاية القانون إذ لا يمكن توجيه أي لوم إليه لذلك أجبر القانون المالك على الاحتفاظ بما أحدثه في أرضه من بناءً أو غراس أو غير ذلك من الأعمال، بل وشاء أن يعوضه عما أنفق فيها في حدود عدم الإضرار بالمال فجعل على هذا الأخير أن يدفع قيمة المهمات والأدوات مضافًا إليها أجرة العملة، أي مصاريف البناء والغراس le prise de la main d'ocuvre أو أن يختار ما زاد في قيمة الأرض بسبب ما حدث فيها إن كان ذلك أهون عليه (4).

مقارنة بالتشريعين الفرنسي والمختل

وقد كان المشرع المصري فيما أجراه من الأحكام المتقدمة أكثر مجاراة للمنطق وتمشيًا مع المبادئ العامة من المشرعين الفرنسي والمختلط، إذ بالرجوع إلى أحكام هذين القانونين (م 90) و (91) مدني مختلط، (555) مدني فرنسي) يتبين لنا عدم رجحانها فيما يتعلق بمقدار ما يلزم به المالك من التعويض في مواجهة الباني أو الغارس، فبينا يلتزم المالك بأن يدفع للباني أو الغارس سيء النية قيمة المهمات والأدوات مضافًا إليها مصاريف البناء أو الغراس إذا اختار إبقاءها، نجده لا يلزم في مواجهة الباني أو الغارس حسن النية إلا بدفع ما زاد في قيمة الأرض بسبب ما حدث فيها.
وقد حاول الشراح أن يعيدوا التوازن بين أحكام القانون وأن يبرروا موقف المشرع هذا الشاذ فقالوا بأن الإفراط في تعويض الحائز سيء النية يفسده حق المالك في أن يلزمه بنزع ما أحدثه من بناءً أو غراس مع تعرضه للحكم عليه بالتعويضات عما قد يصيب الأرض من أضرار ذلك بأن الحائز سيحاول حتمًا أن يجد طريقة للتفاهم مع المالك لتفادي الخسارة التي ستلحق به، وبذلك يجد المالك فرصة لبخسه حقه والاستفادة من حرج موقفه.
ثم إنه ليس هناك ما يمنع المالك من اعتبار الحائز حسن النية فيما يتعلق بدفع التعويضات إذا رغب الاحتفاظ بالبناء أو الغراس، ولن يكون في وسع الحائز أن يقيم الدليل على سوء نيته إذ يجوز لشخص أن يتخذ من سوء نيته سندًا لحقه.
على أنه مهما يكن من أمر هذه الملطفات فإنها لا تحول دون نقض هذا التعارض الذي وقع فيه المشرع الفرنسي ولم يحاول المشرع المختلط تفاديه.

العبرة في تقدير نية الحائز بوقت إجراء الأعمال

لا شك أن العبرة في تقدير نية الحائز بوقت إجراء الأعمال التي أحدثها على أرض الغير، وليس بوقت استحقاق العقار، فإذا كان الحائز حسن النية وقت البناء أو الغراس ثم طرأ بعد ذلك ما يفسد حسن نيته فإن ذلك لا يؤدي إلى اعتباره سيء النية عند تقدير ما يستحقه من التعويضات عما أحدثه في أرض الغير، كما أنه إذا قام الدليل على سوء نية الحائز وقت البناء أو الغراس فإنه لا يعفيه من أن يعامل على هذا الاعتبار احتجاجه بحسن نيته وقت الدخول في حيازة العقار (5).
على أننا نرى أنه يتعين على الحائز أن يكف عن الاستمرار فيما بدأه من الأعمال فوق أرض الغير بحسن نية إذ أنذره المالك الحقيقي، أثناء العمل، بوجوب وقف الأعمال التي بدأها وعزمه على رفع دعوى الاستحقاق لاسترداد الأرض منه، فإن استمر الحائز مع ذلك في إنجاز ما بدأه فإنه إنما يفعل ذلك على مسؤوليته (6).

لا تستحق تعويضات إلا عن أعمال باقية وقت الاستحقاق

من البديهي أن المالك المسترد لا يلزم بدفع شيء للحائز إلا إذا كان البناء أو الغراس الذي أجراه في أرضه باقيًا وقت استردادها، فإذا هلك البناء أو الغراس بقوة قاهرة فإنه يهلك على الحائز لأن المالك إنما يلتزم في مواجهته بدفع ما زاد في قيمة العقار بسبب ما حدث فيها من أعمال، وظاهر أن المالك يسترد أرضه بغير زيادة في قيمتها في الغرض الذي نحن بصدده.
على أنه إذا تسبب الحائز في إزالة ما أحدثه في أرض الغير من مبانٍ ونحوها بعد مطالبته باستردادها فإنه يكون متعديًا على ملك غيره، إذ أن هذه المباني أصبحت ملكًا لصاحب الأرض بمجرد الالتحاق، ويسأل عما يترتب على فعله هذا الخاطئ من التعويضات.

خصم قيمة الثمار التي حصلها الحائز سيء النية من مبلغ التعويض

ويلاحظ أنه في حالة الحائز سيء النية يخصم من مبلغ التعويض الذي يستحقه من المالك قيمة الثمار التي حصلها من المباني أو المزروعات التي أحدثها في أرضه من وقت انتهاء العمل فيها إلى وقت تسليمها للمالك (7)، وذلك راجع إلى أن هذه الملحقات تعتبر ملكًا لمالك الأرض بمجرد التحاقها بأرضه، فيحاسب من يستغلها بسوء نية عما يحصله من ثمارها ولو كان هو محدثها، لأنه لا يكتسب بإحداثها أي حق عليها.
أما في حالة الحائز حسن النية فإن الثمار التي حصلها حتى وقت رفع الدعوى تكون ملكًا له (8)، ولا يحاسب إلا عن الثمار التي يحصلها من هذا التاريخ.

كيفية تقدير التعويض

يغلب في حالة الحائز سيء النية أن يختار المالك دفع قيمة المباني أو الغراس مستحق الهدم أو القلع إذ أنها تكون في الغالب أقل مما زاد في قيمة العقار بسببها، أما في حالة الحائز حسن النية فإن المالك يفضل - على العكس - دفع ما زاد في قيمة الأرض بسبب ما أحدثه الحائز فيه تهربًا من دفع كل ما أنفقه الحائز لإحداث البناء أو الغراس.
على أن ذلك الغالب لا يمنع من أن يجد المالك من مصلحته أن يدفع للباني أو الغارس سيء النية ما زاد في قيمة عقاره بسبب ما أحدثه فيها، ويتصور ذلك في حالة ما إذا كانت قيمة المهمات والأدوات قد زادت أضعافًا مضاعفة بسبب ندرتها أو صعوبة الحصول عليها كما هو مشاهد في الظروف الحاضرة.
والعبرة في تقدير الزيادة الناشئة في قيمة الأرض بسبب البناء والغراس بوقت الاستحقاق لا بوقت إنشاء هذه الأعمال (9)، إذ يتعين ألا يلزم المالك بأن يدفع للباني أو الغارس في أرضه أكثر مما أفاده فعلاً من ذلك البناء أو الغراس، وظاهر أن العبرة في تقدير ما أفاده المالك فعلاً هي بتقدير هذه الفائدة وقت استرداد العقار (10).

الحائز في حبس العقار حتى وفاء مبلغ التعويض

قد يحدث الشخص في أرض غيره مبانٍ أو مزروعات تساوي أضعاف قيمتها، ثم يأتي المالك فيطالب باسترداد الأرض بما عليها من بناءً أو غراس في نظير التزامه بدفع ما يستحقه الحائز من تعويضات، فإذا قيل بوجوب تخلي الحائز عن حيازة العقار بمجرد الحكم للمالك بالاستحقاق وبصرف النظر عما إذا كان قد وفى إليه ما يستحقه من التعويضات، فإن ذلك يعرض الحائز لتحمل نتائج إعسار المالك الذي قد يسارع إلى بيع العقار ليستفيد من ثمنه فيصبح حق الحائز في استيفاء مبلغ التعويض صوريًا بحتًا نظرًا لإعسار المالك المدين به، لذلك وجب التفكير في طريقة لحماية الحائز ضد إعسار المالك.

في القانون الفرنسي

ويري غالبية الشراح الفرنسيين أن للحائز - سواء أكان حسن النية أو سيء النية - حق حبس العقار تحت يده حتى يسدد إليه المالك مبلغ التعويض (11).
أما القضاء الفرنسي - مؤيدًا في ذلك ببعض الشراح (12) فإنه جرى على التفرقة بين ما إذا كان الحائز حسن النية أو سيء النية، وآثر الأول بحق الحبس دون الثاني (13).
وينتقد الشراح هذه التفرقة التي يجريها القضاء ويرون أنها تعسفية (14) والواقع أنه ليس بين نصوص القانون الفرنسي ما يبرر هذه التفرقة، بل إن التزام حرفية النصوص يؤدي إلى حرمان الحائز إطلاقًا من التمتع بحق الحبس (15) في حين أن تقاليد القانون الفرنسي القديم تنمح هذا الحق لكل حائز طالما أنه يداين المالك.

حكم القانون المصري

أما حكم القانون المصري فظاهر في نص المادة (605) فقرة (2) التي تمنح من أوجد تحسينًا في العين الحق في حبسها، ومن المتفق عليه أن لفظة تحسينات Améliorations تشمل البناء أو الغراس أو غير ذلك من الأعمال التي أضافت شيئًا جديدًا إلى العقار، لذلك يتعين القول - في نظرنا - بوجوب أن يكون للحائز سواء أكان حسن النية أو سيء النية حق حبس العقار حتى يسدد له المالك ما يستحقه من تعويضات (16).

نطاق تطبيق أحكام المادة (65)

يستدعي تحديد نطاق تطبيق نص المادة (65) بحث مسألتين هامتين هما:
أولاً: أي الأعمال يدخل تحت حكم هذه المادة ؟
ثانيًا: من هم الأشخاص الذين يعاملون بمقتضاها؟

أولاً: الأعمال التي تنطوي تحت هذه المادة:
( أ ) الإنشاءات الجديدة.

أجمع الشراح واستقر القضاء على أن حكم المادة (65) لا يسري إلا على الإنشاءات الجديدة التي تنشأ في أرض الغير، فلا يكفي مجرد الإضافة إلى أعمال كان قد أنشأها المالك في أرضه ولم يتمها، فإذا اقتصر عمل الحائز على سقف منزل كان المالك قد أقام جدرانه، أو قام بأعمال النجارة اللازمة له كتركيب الشبابيك والأبواب، أو اقتصر على مجرد طلاء جدرانه وزخرفتها (17) أو وضع أشجارًا في غابة أو بستان بدل تلك التي اقتلعها... إلخ فمثل هذه الأعمال وما شابهها لا تدخل تحت حكم المادة (65) التي تتطلب إنشاء أعمال جديدة.
إنما يعتبر من قبيل إنشاء الأعمال الجديدة إضافة طابق جديد أو عدة طبقات إلى منزل قائم فعلاً، إذ أن هذا العمل يعتبر من قبيل الإنشاء ويخضع لذلك لحكم المادة (65) (18).

(ب) الأعمال التي يمكن نزعها

ولا يكفي مجرد كون الأعمال التي أحدثها الشخص في أرض غيره جديدة لا جزاء حكم المادة (65) بل يشترط كذلك أن تكون هذه الأعمال مما يمكن نزعها، وأن يحدث من نزعها فائدة لمحدثها، وذلك ظاهر من نص المادة (65) التي تجيز للمالك أن يأمر الحائز سيء النية بنزع ما أحدثه في أرضه من بناءً أو غراس، فإذا لم تكن الأعمال التي أنشأها الحائز مما تقبل نزعها من الأرض، كأن يكون قد أنشأ قنوات أو مصارف لتيسير ري أرض زراعية، أو حفر بئر لجلب المياه منها... إلخ فمثل هذه الأعمال لا تدخل تحت حكم المادة (65) (19).

إجراء حكم القواعد العامة على هذه الأعمال

يترتب على عدم تطبيق نص المادة (65) لعدم توافر شروط تطبيقها وجوب إجراء حكم القواعد العامة لتسوية العلاقة التي قد تنشأ بين المالك وبين من أجرى في ملكه أعمالاً لا تخضع لحكم هذا النص.

عدم جواز نزعه

ومن مقتضى هذه القواعد العامة أنه لا يجوز للمالك أن يأمر منشئ هذه الأعمال بنزعها ولو كان سيء النية إذ أن مثل هذه الأعمال غالبًا ما تكون في منفعة المالك بحيث يفترض أنه كان يقوم حتمًا بإجرائها إذا لم يكن الحائز قد قام بها، كما أنه لا يجوز للحائز - في رأينا - أن يفسد على المالك الانتفاع بما قام به من الأعمال في ملكه بأن يعمد إلى نزعها إذا قضى بعدم استحقاقه لأي تعويض في مقابلها، إذ أن مثل هذا العمل يعتبر من جانبه تعديًا على ملك غيره ويعرضه للحكم عليه بالتعويضات (20).

كيفية تقدير التعويض مداه

على أنه إن كان لا يجوز الحكم بنزع هذه الأعمال فإنه لا يسوغ كذلك تمكين المالك من الاحتفاظ بها بدون مقابل، إذ أن ذلك يمكنه من أن يثري على حساب غيره وهذا ما يحرمه القانون لذلك وجب التفكير في كيفية تقدير ما يستحقه منشئ هذه الأعمال من التعويض، ومدى هذا التعويض وفقًا للقواعد العامة.

التفرقة بين المصاريف الضرورية والنافعة ومصاريف الزخرفة

والقواعد العامة تقضي بالتفرقة في هذا الصدد بين المصاريف الضرورية والنافعة ومصاريف الزخرفة، أما المصاريف الضرورية وهي التي كان حتمًا على المالك أن يصرفها لصيانة ملكه وحفظه فإنه يلزم بدفعها برمتها إلى من قام بصرفها، في حين أنه لا يلزم بدفع شيء ما من مصاريف الزخرفة التي لم تؤدِ إلى زيادة في قيمة العقار، أما المصاريف النافعة فإنه يخير بين ردها إلى من أنفقها أو رد ما أدت إليه من زيادة في قيمة ملكه.
ويلاحظ أن للقاضي عند تقدير التعويض اللازم عن المصاريف النافعة أن يدخل في حسابه نية الحائز ومقدرة المالك ومقدار حاجته إلى صرف هذه المصاريف حتى لا يضطر المالك إلى دفع مبالغ جسيمة نتيجة عمل قام به غيره في وقت غير ملائم له، فإن تبين أن في ذلك إرهاقًا له عمد إلى التخفيف عنه بإمهاله في الدفع أو بالتقسيط أو بأي وسيلة أخرى يبيح له القانون الالتجاء إليها.

ثانيًا: الأشخاص الخاضعين لحكم المادة (65)

وثمة بحث آخر لا يقل في الأهمية عن سالفه وهو متعلق بتحديد الأشخاص الذين ينطبق عليهم نص المادة (65)، وقد جرينا فيما تقدم على التعبير بلفظ الحائز للدلالة على من يبني أو يغرس في أرض غيره، على أن هذا اللفظ إذا أخذ بمعناه الجاري فإنه يمتد إلى كل واضع يد على ملك غيره، سواء أكانت يده عارضة كالمستأجر والمنتفع، أم أنه كان يحوز بنية التملك، في حين أن هذا اللفظ بمعناه القانوني لا ينصرف إلا إلى من يحوز بنية التملك.

موقف الفقه والقضاء في فرنسا

وقد أثارت هذه المسألة جدلاً شديدًا في فرنسا أوقف فيه الفقه موقف المعارض للقضاء إذ يكاد ينعقد إجماع الشراح الفرنسيين (21) على أن المادة (555) من القانون الفرنسي لا تنطبق إلا على الحائز القانوني، لأن هذه المادة عبرت في فقرتها الأخيرة عن الحائز باصطلاح (Tiers évineé) ولا يمكن أن ينطبق هذا الوصف إلا على من انتزع العقار من تحت يده بموجب حكم يقضي باستحقاق غيره له، وهو ما لا يتحقق بالنسبة لمجرد حائز عرضي (22).
أما القضاء الفرنسي فإنه يرى - على العكس من ذلك – وجوب تطبيق نص المادة (555) على كل الحالات التي يحصل فيها البناء أو الغراس في أرض الغير من واضع اليد عليها بدون إذن سابق مع المالك، فيدخل تحت حكم هذه المادة – مستهدفًا في ذلك لنقد الشراح - كل من يبني أو يغرس في أرض غيره بدون اتفاق سابق معه ولو كان مالكًا تحت شرط فاسخ، أو كان مجرد حائز عرضي (كالمستأجر والمزارع والمستحكر)، استنادًا إلى أن نص الفقرة الأولى من المادة (555) عام ويشمل كل من يبني أو يغرس في أرض غير مملوكة له بصرف النظر عن طبيعة وضع يده، وأن التحديد بواضع اليد بنية التملك لم يرد إلا في عجز هذه المادة بالنسبة للحائز حسن النية.
على أن القضاء الفرنسي لم يكن منسجمًا مع نفسه ومتمشيًا إلى النهاية مع منطق نظريته عندما قرر حرمان المنتفع من التمسك بنص المادة (555) ومنعه من مطالبة المالك بأي تعويض في مقابل ما أنشأه في أرضه من بناء أو غراس، بل وزاد على ذلك أن حرمه من حق نزع هذه المنشآت وأرغمه على تركها للمالك بدون مقابل فوضعه بذلك في مركز أسوأ من مركز المغتصب مدعمًا موقفه هذا بما نصت عليه المادة (599) من القانون المدني الفرنسي من حرمان المنتفع من حق مطالبة المالك بأي تعويض عن التحسينات التي أجراها في ملكه ولو تسبب عنها زيادة في قيمته...، وقد وصل القضاء في تشدده مع المنتفع إلى حد أنه اعتبر من ضمن التحسينات (Améliorations) مبانٍ بلغت قيمتها مئات الآلاف من الفرنكات (23) مع أن المنتفع كان أجدر بالحماية من المستأجر.
كما أنه استبعد تطبيق حكم المادة (555) على المباني والمزروعات التي يحدثها المالك على الشيوع كالشريك أو الوارث أو غيرهما - أثناء قيام حالة الشيوع على أرض وقعت بعد القسمة في نصيب مشتاع غيره (24) مع أن هذه الحالة تشبه إلى حد بعيد حالة المالك تحت شرط فاسخ، وقد رأينا أن القضاء الفرنسي يخضع ما يحدثه هذا الأخير من مبانٍ أو غراس لحكم المادة (555).

الجزء الأول: رأينا في صدد هذه المسألة

لذلك تجدنا أميل إلى تأييد ما ذهب إليه غالبية شراح القانون الفرنسي، ونرى وجوب قصر حكم المادة (65) من القانون المدني المصري على البناء والغراس الذي يحدثه الحائز لملك الغير بنية التملك، ونشترط لتطبيق أحكام هذا النص أن يكون البناء أو الغراس قد حصل من شخص في أرض تحت يده على زعم أنها ملكه، ثم رفعت يده عنها بحكم تقرر فيه استحقاق غيره لهذه الأرض، وبذلك لا تنطبق المادة (65) - في رأينا على الحالات الآتية:

الوكيل والفضولي

أولاً: إذا كان البناء أو الغراس قد حصل من شخص باعتباره وكيلاً عن صاحب الأرض أو مجرد فضولي فيرجع في حكم الرابطة التي تنشأ بينه وبين المالك بسبب ما أحدثه من بناءً أو غراس في أرضه إلى قواعد الواكلة أو الفضالة لا إلى نص المادة (65) لأن الباني لا يعمل في هذه الحالة لحسابه بل لحسابه غيره (25) ويقدر ما يستحقه الوكيل أو الفضولي من التعويض قبل المالك على أساس المادة (144) (26).

المستأجر: حكم بنائه في الأرض المؤجرة

ثانيًا: إذا كان البناء أو الغراس حاصلاً من مستأجر بدون إذن المالك فلا محل للرجوع إلى نص المادة (65) بل المرجع إلي النصوص المنظمة لعلاقة المالك بالمستأجر (م 376 و 394) وهي تقضي على المستأجر بألا يحدث أي تغيير في العقار المؤجر بدون إذن المالك (م 376) فإن بنى بدون إذن المالك فإنه يكون مخطئًا ومقصرًا في نفس الوقت (27) ويكون للمالك حق الاحتفاظ بهذه الأبنية بدون أن يطالب بدفع تعويض ما للمستأجر، ولا يقبل الاعتراض على هذا الرأي بأن المستأجر ليس أكثر افتئاتًا من المغتصب (28)، لأن المغتصب إنما يبني لنفسه ولديه أمل الاحتفاظ بالبناء عندما تؤول إليه ملكية الأرض بمضي المدة القانونية على وضع يده من جهة، وهو من جهة أخرى لا يمكن مطالبته بالحصول على إذن المالك، أما المستأجر فإنه مطالب بذلك، فإذا لم يفعل فهو مقصر وجزاء تقصيره الحرمان، ثم إنكم يمكن افتراض أن المستأجر أراد أن يترك هذه الأبنية للمؤجر عند نهاية مدة الإيجار، وهذا ما لا يمكن افتراضه بالنسبة للحائز سيء النية (29).
على أننا نلاحظ أن ملكية هذه المباني لا تؤول للمؤجر بالفعل إلا عند انتهاء عقد الإيجار، أما في خلال مدة الإيجار فإن حق المستأجر في أن يخلي بينه وبين الانتفاع بالعقار يجعل استعمال حق المالك على هذه المباني قبل انتهاء مدة الإيجار معطلاً، لأن حق المالك لا يتحدد إلا بالنظر إلى حالة العقار المؤجر في هذا التاريخ (30)، ولذلك يكون في وسع المستأجر أن يزيل ما أحدثه من البناء في الأرض المؤجرة قبل انتهاء مدة الإيجارة بشرط إعادتها إلى حالتها الأصلية.

حكم الغراس

أما إذا كان موضوع عقد الإيجار أرضًا زراعية وغرس فيها المستأجر أشجارًا فقد نصت المادة (394) على حكم هذه الحالة بأن حرمت على المستأجر قلعها إلا إذا كانت شجيرات معدة للنقل (pépiniéres) (31) وجعلت (للمؤجر الخيار بين قلع الأشجار المغروسة بدون إذنه وإلزام المستأجر بمصاريف القلع وبين إبقائها ودفع قيمتها للمستأجر حسب التقويم) (en payant l'estimation).

صاحب حق الانتفاع

ثالثًا: كما أن حكم المادة (65) لا ينطبق كذلك على ما ينشئه المنتفع في الأرض التي يباشرعليها حقه من بناءً وغراس، ونحن وإن كنا نؤيد القضاء الفرنسي في هذا الصدد فإننا لا نستهدف لما تعرض له هذا القضاء من نقد إذ أن نص المادة (599) الذي ذكر حكم التحسينات التي يحدثها المنتفع كما يمكن تفسيره ضد مصلحة المنتفع - وهو ما ذهب إليه القضاء الفرنسي - يمكن كذلك أن يفسر في مصلحته كما فعل الشراح (32)، في حين أن الصيغة التي أفرغ فيها نص المادة (26) من القانون المدني تجعل رأينا هذا لا يحتمل الجدل، فهي تنص على أنه (لا يجوز للمنتفع أن يبني بناءً أو يغرس غرسًا بدون رضا المالك، وعليه أن يثبت ذلك الرضاء بالكتابة أو بإقرار المالك أو بامتناعه عن اليمين(فإذا أغفل المنتفع مع ذلك نص القانون وبنى أو غرس بدون إذن المالك فإنه يجبر على ترك ما بناه أو غرسه للمالك بدون مقابل (33) كما لا يكون له حق انتزاعه إذ أنه يصبح ملكًا للمالك بالالتحاق، فإن فعل ذلك فإنه يكون متعديًا ويسأل قبل المالك عن التعويضات.

المالك تحت شرط فاسخ

رابعًا: أما البناء أو الغراس الذي يحدثه مالك الأرض تحت شرط فاسخ فإنه لا يخضع كذلك لحكم المادة (65)، إنما يخضع لحكم القانون الخاص بالنسبة لبعض الحالات ولحكم القواعد العامة بالنسبة للحالات التي لم يرد بصددها نص خاص.
ففي حالة البناء أو الغراس الذي يحدثه المشتري وفاءً يطبق حكم المادة (344) التي تقضي بأن يدفع له البائع عند الاسترداد المصاريف اللازمة التي صرفها ثم (يؤدي أيضًا ما زاد في قيمة المبيع بسبب المصاريف الأخرى التي صرفها المشتري بشرط ألا تكون فاحشة)، فإذا تعمد المشتري إرهاق البائع بصرف مصاريف فاحشة على بناءً أو غراس ليحول بينه وبين استرداد العقار فإنه يكون سيء القصد فيرد عليه كيده، ويلزم بالتخلي عن البناء أو الغراس للبائع في سبيل تعويض معقول في حدود طاقته.
كما يرجع في صدد البناء أو الغراس الذي يحدثه حائز العقار المرهون إلى حكم المادة (588) وهي تقضي على من رسا عليه المزاد (أن يدفع إلى الحائز المذكور مقدار ما صرفه من المصاريف الضرورية ومقدار المصاريف النافعة بقدر ما ترتب عليها من الزيادة في قيمة العقار).
أما في سائر الحالات الأخرى التي لم يرد بحكمها نص خاص في القانون وذلك كحالة المشتري الذي يحكم بفسخ عقده لعدم الوفاء بالثمن (34) أو المالك على الشيوع الذي يرى الجزء من الأرض المشاعة الذي كان في حوزته وقد وقع في حصة غيره نتيجة القسمة بعد أن بنى أو غرس فيه (35) في كل هذه الحالات وما شابهها نرى وجوب تطبيق القواعد العامة لاعتقادنا أنها لا تدخل تحت حكم المادة (65) ذلك لأن هذه المادة أتت بحكم البناء أو الغراس الذي يحصل من شخص في ملك غيره (36) ولا يمكن أن يقال بانطباق هذا الوصف على الملاك المذكورين الذين زالت عنهم الملكية بسبب آخر غير استحقاق العقار.
وتقضي القواعد العامة في هذا الصدد بأنه لا يسوغ أن يثري شخص على حساب غيره بلا سبب مشروع، ومن مقتضى ذلك أنه يتعين على من آلت إليه ملكية الأرض التي أحدث فيها المالك السابق بناءً أو غراسًا أن يعطي مقابل ما أخذ، وله في ذلك الخيار بين أن يؤدي ما زاد في قيمة الأرض بسبب ما أحدثه فيها المالك السابق من بناءً أو غراس، وبين أن يدفع له ما صرفه من المصاريف ولكن ليس له على أي حال أن يأمر بنزع ما أحدثه من بناءً أو غراس، (راجع كابيتان ص (893)).

بناء البائع قبل التسجيل

خامسًا: كما أننا نستبعد بدون أدنى تردد تطبيق حكم المادة (65) على البائع الذي يحدث في الأرض المبيعة في ظل أحكام قانون التسجيل - بناءً أو غراسًا في الفترة ما بين انعقاد العقد وتسجيله، وذلك لسببين جوهريين هما:
أولاً: أن المادة (65) تتكلم عمن يبني في ملك غيره، ولا يمكن – طبقًا لأحكام قانون التسجيل - اعتبار البائع في هذا الفرض بانيًا في ملك غيره، إذ أن الملكية لا تزول عنه إلا بحصول التسجيل (37).
ثانيًا: أنه لا يمكن تطبيق أحكام الالتحاق على المشتري بعد تسجيل عقد البيع، وإسناد ملكية البناء تبعًا لذلك، إذ أن ذلك يستدعي القول بأن للتسجيل أثرًا رجعيًا من مقتضاه اعتبار المشتري مالكًا من وقت العقد وهي نظرية لم تجد رواجًا في الفقه ولا في القضاء، وقد قضت عليها محكمة النقض صراحة بما لا تفتأ تردده في أحكامها بأن الملكية لا تنتقل إلا من يوم التسجيل (38) كما سبق لنا مهاجمتها وتفنيدها (39) على أن محكمة النقض عادت فناقضت نفسها بأن جارت محكمة استئناف مصر فيما ذهبت إليه بقولها (فإذا أحدث البائع بناءً جديدًا أو زيادة في المبيع قبل التسليم فيعتبر كأنه قد أقامه في غير ملكه ولو كان ذلك قبل تسجيل العقد) (40) ويظهر ارتباك محكمة النقض وما لقيته من عنت في سبيل تأييد هذا الرأي من تلك الحيثية التي تتناقض عباراتها والتي يكفينا مجرد نقلها لتبرير عدم تأييد رأيها.
(وبما أن المحكمة الاستئنافية قد اعتبرت البائع الملزم بمقتضى عقد البيع بتسلمي المبيع بحالته التي كان عليها وقت تحرير العقد بلا زيادة عليها ولا نقص فيها - إذا أحدث زيادة في المبيع وهو يعلم أن المشتري يطالبه ويقاضيه لتنفيذ تعهده - كأنه أحدث تلك الزيادة في أرض مملوكة لغيره، أي يفصل في أمرها قياسًا على حالة من أحدث غراسًا أو بناءً في ملك غيره، وهذا لا يناقض قانون التسجيل، لأن ملكية الأرض انتقلت إلى المشتري من تاريخ تسجيل الحكم بصحة التعاقد، والبناء الجديد حصل قبل ذلك، أي في زمن كانت ملكية الأرض باقية للبائع، ولكن سوء نية البائع في البناء تجعل كأنه بني في ملك غيره، لأن مآل الأرض أن تصير مملوكة للمشتري بعد تسجيل عقده وحكم صحة التعاقد، ولم تقل المحكمة بأن البائع وهو يبني قد بنى حقيقة في ملك غيره (41)....)
وليس عسيرًا أن نجد في حكم محكمة النقض مآخذ جمة منها:
أولاً: أن الأخذ بحكم المادة (65) على سبيل القياس لا يجوز، لأن هذا النص أتى بحكم استثنائي فلا يجوز التوسع فيه.
ثانيًا: أن القول بأن سوء نية البائع في البناء تجعل كأنه بنى في ملك غيره غير مفهوم إطلاقًا إذ أن الشخص لا يعاقب بزوال ملكيته وإنما بفرض تعويض مدني متناسب مع خطأه.
ثالثًا: أن هناك تناقضًا ظاهرًا بين تقرير أن البناء الجديد حصل في زمن كانت ملكية الأرض باقية للبائع وبين تقرير تمليك هذا البناء للمشتري بطريق الالتحاق بأرض لم تكن مملوكة له.
لذلك يتعين - في اعتقادنا - تسوية العلاقة بين البائع والمشتري في مثل هذا الفرض على غير مقتضى المادة (65) التي تتطلب كشرط أساسي لتطبيقها أن يحصل البناء أو الغراس في ملك الغير حكمًا وفعلاً، لا افتراضًا وتعسفًا، وذلك يقتضينا تحكيم القواعد العامة في حدود الأحكام الخاصة بعقد البيع.
وليس في هذه القواعد ما يمنع من أن تكون الأرض ملكًا لشخص ويكون ما عليها من بناءً أو شجر ملكًا لشخص آخر، لذلك تنتقل ملكية الأرض للمشتري بالتسجيل ويظل البناء على ملك البائع طالما أنه لم يرد أصلاً في الاتفاق، وليس هذا الوضع شاذًا، بل إن في القانون ما يماثله، وأقرب مثل له تعدد ملاك الطبقات في المنزل الواحد.
وإلى هنا يقف حكم القواعد العامة وتبرز أمامنا القواعد الخاصة بعقد البيع وهي تفرض على البائع أن يعمل على نقل الملكية للمشتري، وأن يمتنع بمجرد التعهد بالبيع عن كل ما يزيد أو ينقص في المبيع، وهو التزام يقتضيه الالتزام بتسليم المبيع كما هو وقت التعهد المذكور.
فلا نزاع إذن في أن للمشتري حق إلزام البائع بهدم البناء الذي أقامه مخالفًا بذلك التزامه بالامتناع بمجرد البيع عن كل ما يزيد في المبيع، ولا سبيل إلى إجبار المشتري على الاحتفاظ بهذا البناء.
لكن إلى هنا يقف حق المشتري، فلا يكون له – بالعكس – أن يجبر البائع على ترك هذا البناء له ولو في مقابل التعهد بدفع ما يقابله من التعويضات، بل إن للبائع بدوره حق إزالة هذا البناء إذا وجد أن مصلحته في ذلك - وهو إذ يصر على ذلك لا يعتبر متعسفًا في استعمال حقه، وإنما زائدًا عن مصلحته، وذلك موقف جد مشروع (42).
وليس للمشتري أن يتضرر من ذلك طالما أن إزالة البناء ستحصل بمعرفة البائع وبمصاريف من عنده، وبشرط إعادة حالة الأرض إلى ما كانت عليها وقت التعاقد، مع أحقيته في مطالبة البائع بتعويض الخسارة التي قد تنشأ عن فعله.
وبهذه الكيفية لا نجعل البائع تحت رحمة المشتري يهدده بإجباره على إزالة البناء إذا لم يقبل تركه له بأبخس الأثمان، كما أننا لا نضر بالمشتري الذي لم يتعاقد إلا على أرض عارية خالية من البناء، وبذلك يكون كلا الطرفين في مركز متعادل مع مركز الآخر فيمكن بذلك أن يتم بينهما اتفاق عادل على شراء البناء، على أن مثل هذا الاتفاق - إن تم - لا ينقل الملكية إلى المشتري إلا بتسجيل جديد.

بناءً المشتري في العقار المشفوع

سادسًا: ولا يخضع كذلك لحكم المادة (65) بناء المشتري في العقار المشفوع قبل الحكم للشفيع في دعوى الشفعة، بل يرجع في ذلك إلى حكم المادة العاشرة من قانون الشفعة، وهي تنص على أنه (إذا بنى المشتري في العقار المشفوع أو غرس فيه أشجارًا قبل طلب الأخذ بالشفعة يكون الشفيع ملزمًا بناءً على رغبة المشتري إما أن يدفع له ما صرفه أو ما زاد في قيمة العقار بسبب البناء أو الغراس.
أما إذا حصل البناء أو الغراس بعد طلب الأخذ بالشفعة، فللشفيع الخيار إن شاء طلب إزالتهما وإن شاء طلب بقاءهما، وفي هذه الحالة لا يلزم إلا بدفع قيمة الأدوات وأجرة العمل أو مصاريف الغراس).
ويلاحظ أن حكم هذه المادة مخالف لحكم المادة (65) من وجهين:

في اختيار التعويض

الأول: أنها تجعل خيار التعويض للمشتري لا للشفيع الذي ستئول إليه ملكية البناء، إذا حصل البناء أو الغراس قبل طلب الأخذ بالشفعة.
الثاني: أنه في حالة ما إذا بنى المشتري أو غرس بعد طلب الأخذ بالشفعة فيكون على الشفيع إذا اختار بقاء البناء أو الغراس أن يدفع قيمة الأدوات وأجرة العمل أو مصاريف الغراس، لا أن يدفع قيمة الغراس أو البناء مستحق القلع كما تقضي بذلك المادة (65).

كون البناء أو الغراس في أرض موقوفة لا يمنع من تطبيق المادة (65)

إذا توافرت شروط تطبيق المادة (65) وأخصها - في رأينا - كون واضع اليد حائزًا بنية التملك فإنه يستوي بعد ذلك كون البناء أو الغراس قد حدث في أرض مملوكة أو موقوفة.
فالنزاع فيما زاده واضع اليد في الأرض الموقوفة من مثل بناءً أو شجر هو نزاع في أمر مدني صرف خاضع لأحكام القانون المدني لا لأحكام الشريعة الغراء (43).

حكم بناءً الناظر أو المستحق في دار الوقف

على أنه إذ حصل البناء في دار الوقف من أحد المستحقين أو من ناظر الوقف فإنه يرجع في حكم هذا البناء إلى أحكام الشريعة الغراء، لأن المادة (65) لا تنطبق - كما بينا - إلا في حالة ما إذا حصل البناء أو الغراس من واضع اليد بنية التملك، ولا يصدق هذا الوصف على المستحق في الوقف أو الناظر (44).
ويفرق فقهاء الشرع في هذا الصدد بين ما إذا كانت الدار موقوفة للسكنى وبين ما إذا كانت موقوفة للاستغلال، فإن كانت موقوفة للسكنى وبناها مستحق سكناها من ماله كان البناء ملكًا له ولورثته من بعده (45) (المادتان 27 من مرشد الحيران و (435) من قانون العدل والإنصاف)، أما إن كانت الدار موقوفة للاستغلال فإن المكلف بملاحظتها وصيانتها وعمارتها واستخراج غلتها هو الناظر، ولا تدخل في هذا للمستحقين، فإن بنى المستحق مع ذلك في دار الوقف فهو متبرع لا حق له ولا لورثته في شيء من الملكية، أما البناء الذي يقيمه الناظر بمال نفسه فإنه يرجع في حكمه إلي القواعد الشرعية الخاصة بتصرفات النظار، والحكم الشرعي في هذا يتحصل في أنه يتعين على الناظر أن يستأذن القاضي الشرعي في البناء قبل مباشرته حتى يكون له الرجوع في مال الوقف بما أنفق، وإن ألجأته الضرورة إلى البناء بدون استئذان فإنه يقوم مقام الإذن أن يشهد عند الإنفاق أنه ينوي الرجوع على الوقف وإلا اعتبر متبرعًا ولا رجوع له، ولا يغني الإشهاد عن استئذان القاضي إذا كانت الأبنية زائدة على الصفة التي كانت عليها الأعيان في زمن الواقف، إذ لا بد للناظر في هذه الحالة من استئذان القاضي الشرعي، كما لا بد من رضاء المستحقين بها أيضًا، وإلا اعتبر الناظر الذي أنفق على هذه المباني من مال نفسه متبرعًا ولا رجوع له على الوقف بما أنفق، سواء أشهد على نية الرجوع أو لم يشهد (46).
ويؤيد هذا الاتجاه الذي اتجهته محكمة النقض بصدد البناء الحاصل من المستحق للسكنى أو من ناظر الوقف في أرض الوقف ما ذهبنا إليه من أنه لا يكفي لتطبيق حكم المادة (65) من القانون المدني أن يحدث البناء أو الغراس من شخص في أرض غير مملوكة له، بل ويتعين كذلك أن يكون محدث البناء أو الغراس حائزًا بالمعنى الضيق لهذا اللفظ.

تعدي الباني على جزء من ملك الجار

انصرف اهتمام المشروع في نص المادة (65) إلى تحديد حكم البناء أو الغراس في ملك الغير، أي إلى الحالة التي يقام فيها البناء برمته أو ينتشر فيها الغراس بجملته على أرض الغير، ولم يعنَ المشرع بإيراد حكم حالة أخرى ليست أقل ذيوعًا في العمل، بل لعلها أكثر توقعًا من تلك التي أورد حكمها بنص المادة (65) من القانون المدني وهي حالة من يحدث جل البناء أو الغراس في أرضه وبعضه في أرض جاره، لذلك كثر الجدل حول حكم هذه الحالة التي تتنازع حكمها قواعد القانون ومقتضيات العدالة، فقد يحدث ألا يجاوز الباني حدود ملكه إلا بما تعادل مساحته سمك حائط أو أقل من ذلك أو أكثر بقليل، وقد يقع في ذلك غير متعمد ولا متنبه إلى تعديه كما قد يكون غير مقصر في تفادي ما وقع فيه إذ أن حدود الملك عندنا غير ظاهرة بل وغامضة، وكثيرًا ما يتعذر على أكثر الأشخاص تحريًا لحدود ملكه أن يتوصل إلى تحديد هذه الحدود بالدقة والضبط، فإذا ثبت تعدي الباني أو الغارس حدود ملكه فعلى أي أساس نعامله ما دام أن من المتفق عليه أن حكم المادة (65) لا يمتد إلى مثل هذه الحالة؟
أثارت هذه الحالة اهتمام الشراح واضطربت بصددها أحكام القضاء، وهم مع ذلك يجمعون على تقرير المبادئ الآتية:
أولاً: يصبح مالك الأرض المعتدي عليها مالكًا لما أقيم عليها من بناءً أو ما حدث فيها من غراس بحكم الالتحاق.
ثانيًا: أن هذه الملكية لا يترتب عليها قيام حالة الشيوع بينه وبين الباني إذ أن كلا منهما يصبح مالكًا لحصة مفرزة محددة بالجزء القائم على أرضه من البناء (47).
ثالثًا: لا نزاع في أنه إذا كان الباني سيء النية بأن ثبت تعديه على ملك غيره وهو على بينة من أمره، كأن يكون الجار قد نبهه إلى تعديه وتمادي رغم ذلك فيه، فإنه يجبر على إزالة ما أحدثه في أرض غيره من بناءً بصرف النظر عن مبلغ ما يلحقه من جراء ذلك من أضرار (48).
لكن إلى هنا يقف الإجماع ويبدأ النزاع حول تحديد مركز الباني الذي لم يثبت سوء نيته لدى تعديه على ملك جاره، فمن الشراح من يغلب حكم القانون، ومنهم من يزكي مقتضيات العدالة التي يجب أن يهتدي بهديها عند تطبيق القانون.
أما الذين يغلبون حكم القانون فيرون أن اعتداء الباني على ملك غيره لا يتأتى أن يكسبه أي حق في مواجهته، وأن في هذا التعدي معنى التقصير والإهمال فيتعين إزالة البناء على أي حال (49) ولا يتأتى إجبار المالك على أن يتنازل للباني عن الجزء الذي انشغل بالبناء لأن ذلك يكون من قبيل نزع الملكية لمصلحة خاصة وهو ما تنفر منه أبسط قواعد القانون (50).
والواقع أن ظاهر القانون يملي مثل هذا الحل إلا أن العدالة، وهي روح القانون تنفر من الأخذ به، فالضرر الذي يلحق بالمالك من جراء تخلية عن جزء يسير من أرضه قد لا يزيد في أغلب الحالات عن بضع عشرات من السنتيمترات، لا يقاس إلى جانب النكبة التي تحل بالباني، رغم حسن نيته، إذا أجبر على إزالة البناء الذي أقامه غير متعمد فوق هذا القدر اليسير من أرض جاره، وما ذنب هذا الباني إذا كانت الحدود غير واضحة المعالم! وهلا يعتبر إصرار مالك الأرض على إزالة البناء رغم ما يصيب صاحبه من ضرر ليسترد جزءًا يسيرًا من أرضه لن يستشعر الحرمان منه مع بذل التعويض له، أقول هلا يعتبر ذلك من قبيل التعسف في استعمال الحق لغير ما فائدة تعود على المالك مع تيقن حدوث الضرر للباني؟ وإذا كانت هذه الاعتبارات كلها قائمة إلى جانب ما عودنا القانون إياه من رعاية حسن النية وإحلالها محل الاعتبار عند تطبيق أحكامه، أفلا يكون أجدر بنا أن نفكر في التعويض بدلاً من التخريب !
لم يثبت القضاء الفرنسي على رأي معين إزاء هذا الحرج، بل يلوح من أحكام محكمة النقض الفرنسية أنها تعالج كل موقف بحسب ظروفه وملابساته فهي تقر تارة حق القضاة في أن يأمروا ببيع البناء دفعة واحدة (Vente simultancée) ما دام أنه لا تمكن قسمته من غير إتلافه ومن غير ما فائدة تعود على مالكية (51) وهي تقرر تارة أخرى إبقاء البناء على أن يصبح الجار مالكًا للجزء القائم على أرضه منه في مقابل دفع ثمن المهمات والأدوات ومصاريف البناء أو دفع ما زاد في قيمة أرضه بسبب البناء (52).
على أن مثل هذه الحلول تواجهها عند العمل بمقتضاها صعوبات جمة، إذ كيف يمكن حمل الشخص على بيع ملكه رغمًا عنه لغير دين عليه ودون أن تقتضي ذلك مصلحة عامة ؟ ثم إذا قلنا – من جهة أخرى - بإبقاء ملكية البناء لمالك الأرض في مقابل دفع ما زاد في قيمة أرضه بسبب هذا البناء فإن هذه الزيادة قد تساوي صفرًا في أغلب الأحيان لأن الأرض لا يزيد من قيمتها بناءً حائط عليها، بل قد يؤدي ذلك بالعكس إلى الانتقاص من قيمتها بحسب ما نقص من مساحتها بسبب بناءً الحائط المذكور، وإذا ذهبنا أخيرًا إلى القول بإبقاء ملكية هذا الجزء من البناء لمالك الأرض بدون مقابل فإن ذلك يثير إشكالات عديدة فيما يتعلق بأعمال الإدارة التي تتعلق بهذا البناء: كيفية تأجيره وطريقة استقلاله وتقسيم دخله... إلخ
لذلك نرى أن خير وسيلة للتخلص من كل هذه الصعوبات هي أن يحكم بتعويض الجار عما لحقه من ضرر من جراء التعدي على ملكه، ويدخل في تقدير هذا التعويض علاوة على قيمة قطعة الأرض التي حصل البناء عليها مقدار الخسارة التي لحقت بالمالك من جراء حرمانه منها (53) وبذلك تنتفي مصلحة المالك في طلب الإزالة ويصبح بطلبها متعسفًا ومتوخيًا مجرد الضرر (54) كما يدفع الضرر عن الباني حسن النية وهو ما تقتضيه المصلحة الاقتصادية.

نقد المادة (89) من القانون المدني المختلط

نصت المادة (89) مختلط على أن (من بني أو غرس في أرض بإذن صريح من مالكها بدون شرط ولا قيد يكون مالكًا للأرض التي أقيم عليها البناء أو التي يشغلها الغراس)، وقد أتى هذا النص بحكم غريب لا مقابل له في المجموعة المدنية المصرية ولا في القانون الفرنسي، وهو حكم شاذ كذلك إذ أن الأذن بالبناء أو الغراس لا يكفي بحال لاكتساب ملكية الأرض إلا أن تكون من الأراضي البور التي تأذن الحكومة بتعميرها (م 57 – 80) كما أن ذلك الإذن لا يغني عن التسجيل الذي أصبح شرطًا لازمًا لانتقال الملكية العقار لذلك نرى أن الحكم الذي أوردته المادة (89) مختلط والذي من مقتضاه أن يؤدي الإذن الصريح بالبناء أو الغراس إلى ملكية الأرض التي أقيم عليها البناء أو التي يشغلها الغراس، نرى أن هذا الحكم أصبح متعارضًا مع أحكام قانون التسجيل التي لا ترتب على عقد البيع غير المسجل سوى مجرد التزامات شخصية بين المتعاقدين سواء تضمن الإذن بالبناء أو الغراس أو خلا منه، ومن مقتضى هذا التعارض القول بإلغاء نص المادة (89) مختلط وفقًا لما تقضي به المادة (16) من قانون التسجيل من إلغاء كل نص يخالف هذا القانون (55) فماذا يكون الحكم إذن في حالة ما إذا أذن المالك لشخص بالبناء في أرضه بدون قيد ولا شرط واكتفى المأذون له بإقامة هذا البناء دون أن يسجل العقد الذي تم بينهما؟
لا شك – في رأينا - أن هذه الحالة لا تنطوي تحت حكم المادة (65) إذ أن هذا النص من النصوص المهيئة Dispositivés أي التي تهيئ حكم حالة لم ترد بصدد اتفاق، ولذلك يكون مرجع الحكم في هذه الحالة التي تمت باتفاق المتعاقدين إلى القواعد العامة، وهذه القواعد خريج من أحكام قانون التسجيل وأحكام عقد الوكالة كما سنحاول توضيحه فيما يلي:
فأما أحكام قانون التسجيل فتقضي بأن الملكية تظل على رأس البائع طالما أن المشتري لم يسارع إلى تسجيل سند شرائه، ولما كانت ملكية البناء تتبع ملكية الأرض فإن ما يحدثه المشتري غير المسجل من بناء في الأرض المبيعة يعتبر - بفعل الالتحاق - ملكًا للبائع، ولذلك يكون في وسع هذا البائع أن يعود ثانية إلى بيع الأرض بما عليها من بناء ولا يستطيع المشتري غير المسجل أن يحتج على المشتري الثاني المسجل بالإذن الصريح بالبناء الصادر له من البائع إذ لا يترتب على عقده غير المسجل سوى إنشاء التزامات شخصية في ذمة البائع، ولا سبيل إلى الاحتجاج بمثل هذه الالتزامات على الغير (56) على أنه يكون في وسع هذا المشتري غير المسجل المأذون له بالبناء أن يرجع على البائع الذي أذن له، وهو يرجع عليه – فيما يتعلق بتسوية التعويضات المستحقة له عن إحداث هذا البناء – على أساس الوكالة إذ أن هذا الإذن الصريح بالبناء ولو أنه لا يفيد في نقل الملكية إلا أنه يعتبر بمثابة توكيل صادر من البائع بالقيام بهذا العمل، ولا يعترض على ذلك بأن المشتري إنما قام بهذا العمل لحسابه لا لحساب البائع طالما أن البائع هو الذي أفاد في الواقع من عمل المشتري، وأن هذا الأخير لم يقم بهذا العمل إلا بناءً على إذن البائع، كما لا يمكن القول بإرجاع حكم هذه الحالة إلى قواعد الإثراء على حساب الغير وأخصها الفضالة إذ أن الرجوع إلى هذه القواعد يستدعي قيام الشخص بالعمل من تلقاء نفسه وبدون تكليف سابق من رب العمل، وهو ما ليس بمتوافر في الغرض الذي نحن بصدده إذ أن المشتري إنما بنى بناءً على إذن البائع له.
فإذا خلصنا إلى أن قواعد الوكالة هي المحكمة في هذا الصدد، وهو ما نعتقده، كان للمشتري المأذون له بالبناء أن يرجع على البائع في حالة استحقاق العقار بكل ما صرفه طبقًا للمادة (528)، وبفوائد المبالغ التي أنفقها كذلك من يوم دفعها طبقًا للمادة (526) من القانون المدني (57)، ولا يكون للبائع بعد ذلك أن يستنزل من هذه المبالغ المستحقة عليه وفوائدها قيمة ما حصله المشتري من ثمار العقار في المدة التي انقضت من تاريخ وضع يده إلى يوم الاستحقاق إذ أن المشتري يتملك هذه الثمار الحسن نيته ولا يكون مسؤولاً عن ردها أو تقديم حساب بشأنها، وذلك كله بغير إخلال بحق المشتري المأذون له بالبناء في المطالبة بالتعويضات المستحقة عن إخلال البائع بشروط الاتفاق (58).
كما يكون للمشتري الحق في حبس العين تطبيقًا لنص الفقرة الثانية من المادة (605) التي تجيزه لمن أوجد تحسينًا في العين حتى يوفي إليه ما صرفه.

حالة فرعية
البناء أو الغراس في أرض الغير بمهمات وأدوات الغير

المادة (66) نصت المادة (66) على أنه (إذا حصل البناء أو الغرس أو غير ذلك من شخص في أرض غيره بمهمات وأدوات كانت ملكًا لغيره أيضًا فلا يجوز لصاحب المهمات والأدوات المذكورة أن يطلب ردها إليه بل يكون له الحق في أخذ تعويض من ذلك الغارس أو الباني أو من صاحب الأرض على قدر ما يكون مطلوبًا منه).
ولن يقتضينا بحث هذه الحالة جهدًا كبيرًا إذ أنه تنشأ عنها في الواقع علاقتين:
الأولى: بين مالك الأرض وبين الباني أو الغارس.
الثانية: بين مالك المهمات والأدوات وبين أحدهما أو الآخر.

حكم العلاقة الأولى

أما علاقة مالك الأرض بالباني أو الغارس فمرجع الحكم فيها إلى نص المادة (65) وهو يقتضي – كما بينا - التفرقة في معاملة الباني أو الغارس بحسب حسن نيته أو سوئها، ونحن نكتفي بالإحالة في صدد هذه العلاقة إلى التوضيحات السابقة.

حكم العلاقة الثانية

أما مالك المهمات والأدوات التي استعملت في البناء أو الغراس فقد تكفل المشرع ببيان حقوقه قبل كل من الباني أو الغارس والمالك.

الرجوع على الباني

فلمالك المهمات والأدوات حق الرجوع بالتعويض على الغارس أو الباني، وهذا التعويض لا يقتصر - في نظرنا - على مطالبته بقيمة تلك المهمات والأدوات، بل وبمقدار الخسارة التي تحملها من جراء حرمانه منها بصرف النظر عن حسن أو سوء نية الباني أو الغارس (59)، وهذا التعميم يقضي به إطلاق نص المادة (66) عند ذكر التعويض مجردًا من تلك القيود أوردها المشرع بنص المادة (64) التي لا تجيز - على العكس - الحكم بدفع تعويضات إلا إذا ألحق المالك مهمات وأدوات الغير بأرضه بطريق الغش والتدليس.

الرجوع على صاحب الأرض

كما أن لمالك المهمات والأدوات أن يرجع على صاحب الأرض ولكن بقدر ما يكون مطلوبًا منه (60)، ولذلك يحد هذا الحق في الرجوع على صاحب الأرض بحدود علاقته بالباني أو الغارس، ويترتب على ذلك أنه يمكن تصور في حالة طلب الإزالة حالات لا يكون فيها لمالك المهمات والأدوات أي حق قبل صاحب الأرض؛ ونعني بذلك حالة ما إذا كان الباني أو الغارس سيء النية وكلفه صاحب الأرض بإزالة ما أحدثه في أرضه من بناءً أو غراس فلا يكون لمالك المهمات والأدوات حق مطالبته بشيء مطلقًا.

حق استرداد المهمات

على أننا نعتقد أنه يكون في وسعه في هذه الحالة أن يسترد مهماته وأدواته إن آثر ذلك على المطالبة بالتعويض لأن نص المادة (66) الذي يمنعه من أن يطلب ردها إليه لا يحول دون استردادها في حالة الهدم أو القلع.

في حالة إبقاء البناء

أما في حالة ما إذا اختار صاحب الأرض بقاء البناء، أو في حالة إلزامه ببقائه لحسن نية الباني، فإن مقدار ما يطالبه به مالك المهمات والأدوات يتحدد بمقدار ما يتعين عليه دفعه للباني بحسب أحكام القانون التي سبق لنا تفصيلها،

دكتور محمد علي عرفه
مدرس القانون المدني بكلية الحقوق


(1) المراجع - دمولومب جزء (9) ص (594) وما بعدها، أوبرى ورو جزء (2) ص (348 – 375)، بيكار ص (250 – 273)، كابيتان ص (886 – 902)، كامل بك ص (434 - 454) ومقال للعميد كامل مرسي بك مجلة القانون والاقتصاد 8 إبريل سنة 1931 وما بعدها).
(2) عكس ذلك: دمولومب جزء (9) ن 661، 662 – أوبرى ورو ص (363).
(3) وقد قررت محكمة النقض أنه (إذا اقتصر مدعي ملكية الأرض على طلب تثبيت ملكه المغتصب وتسليمه له خاليًا مما يشغله به المدعي عليه من البناء، تاركًا له رفع أنقاض بنائه وغير منازع له فيها ولا مدعٍ لنفسه الحق في شيء منها، فطلبه الإزالة يكون طلبًا متفرعًا حتمًا عن ثبوت حقه في الملكية ولا يدخل في تقدير قيمة الدعوى، تطبيقًا للمادة (30) من قانون المرافعات التي تنص على أن ملحقات الطلب لا تعتبر في تقدير قيمة الدعوى، نقض 15 نوفمبر سنة 1934، مج، ق رقم (206).
(4) وفي هذه الصور الثلاث التي يجب فيها التعويض يصح التعرض للبحث في قيمة البناء التي قد تؤثر في الاختصاص لأن موضوع الطلب يكون عندئذ تملك شيء خارج عن الأرض، ويكون لذلك قائمًا بذاته فيجب اعتباره في تقدير قيمة الدعوى لتحديد الاختصاص (راجع حكم النقض السابق).
(5) راجع أوبرى ورو جزء (2) ص (365).
(6) استئناف مختلط 8 مايو سنة 1918 (30 – 415) 21 ديسمبر سنة 1922 (35 – 125).
(7) راجع أوبرى ورو السابق ص (366)
(8) أوبرى ورو، السابق.
(9) بيكارد (في مجموعة بلانيول وروبيير جزء (3) ص(259)
(10) استئناف مختلط 5 يونيه سنة 1919 جاريت (10 - 1 - 9- 3) يناير سنة 1922 (34 - 89) وكذلك استئناف مصر 16 يونيه سنة 1930 المحاماة (11 - 207 – 369)
(11) انظر المراجع بيكارد السابق ص (261)، وهامش (5).
(12) بيكارد السابق ص (271).
(13) راجع الأحكام المشار بالمرجع السابق، هامش (2) و (3).
(14) كولان وكابيتان جزء (1) (طبعة (8)) ص (891).
(15) (راجع أوبرى ورو جزء (3) ص (192) وهامش 13).
(16) كامل بك مرسي، ومقاله بمجلة القانون والاقتصاد (8 - 4 ن 61)، الإسكندرية الابتدائية 26 مايو سنة 1930 المحاماة (11 - 155 – 278) استئناف مختلط 21 ديسمبر سنة 1935 (48 – 68) المحاماة (17 – 233 – 484).
(17) استئناف مختلط 31 مايو سنة 1927 (39 – 513).
(18) نقض فرنسي 22 أغسطس سنة 1865 داللوز (65 - 1 – 358) سيري (66 - 1 – 153)
(19) راجع بيكارد (ن 273).
(20) قارن كابيتان ص (890) - استئناف مختلط 8 إبريل سنة 1930 (42 - 403)، وقد قضى بأن كون مغتصب الأرض ملزمًا بسبب سوء نيته برد الثمار لا يحرمه من الحق في أن يخصم المصاريف الضرورية أو النافعة التي أنفقها لعزق الأرض المتنازع فيها وزراعتها.
(21) راجع مع ذلك بيكارد (ن 275) وما بعدها.
(22) كابيتان (ن 844)، أوبرى ورو جزء (2) ص (396)
(23) نقض 23 مارس سنة 1825، 4 نوفمبر سنة 1885، أشار إليهما كابيتان في (ن 845).
(24) راجع نقض فرنسي 20 ديسمبر سنة 1910 دالوز (1911 - 1 – 377)، سيري (1912 - 1 – 305).
(25) من هذا الرأي سائر الشراح الفرنسيين: راجع كابيتان ص (892)، بيكاردن (281)، دمولومب (ن 691) ونقض 24 فبراير سنة 1938 مج، ق رقم (100).
(26) عكس ذلك حكم محكمة آجن Agen في 3 مارس سنة 1902 داللوز 1902 - 2 - 241، وبذيله تعليق للأستاذ المستشار كولان، وقارن كذلك حكم النقض الفرنسي في 16 يوليه سنة 1890 داللوز (91 - 1 – 49) وتعليق بلانيول.
(27) راجع في حالة الإذن مصر الابتدائية 27 سبتمبر 1927، المحاماة (8 - 256 – 354)، واستئناف مختلط 14 مايو سنة 1913 (25 - 377).
(28) راجع بهذا المعنى استئناف 25 أكتوبر سنة 1853 الحقوق (8 - 77 – 305).
(29) راجع الإشارة إلى الأحكام الصادرة من المحاكم الوطنية والمختلطة في هذا الصدد بمقال الأستاذ العميد كامل بك (السابق) (ن 68 – 69).
(30) راجع حكم محكمة أكس في أول مارس سنة 1923، جازيت 5 مايو سنة 1923 وأحكام عديدة بهذا المعنى لمحكمة النقض الفرنسية منشورة بكتب الشراح الفرنسيين.
(31) يلاحظ أن هذه الشجيرات لا يتملكها المالك بالالتحاق لأنها ليست عقارًا بطبيعته كما أنها لا تصير عقارًا بالتخصيص لأنها ليست مملوكة للمالك.
(32) راجع كابيتان جزء (1) (ن 845).
(33) من هذا الرأي هالتون ص (65) وعكس ذلك العميد كامل مرسي بك، الأموال (ن 344 ص217).
(34) راجع في تطبيق أحكام الالتصاق على هذه الحالة بالذات استئناف مختلط 5 ديسمبر سنة 1922 (35 - 70).
(35) استئناف مصر 8 مايو سنة 1928، المحاماة (9 - 201 – 368)، الجدول العشري رقم (340) فقد جاء فيه: (البناء الذي يقيمه أحد الشركاء في أرض مشتركة تكون ملكًا للشركاء جميعًا وإنما يكون الشريك الذي قام بدفع النفقات الحق في الرجوع على باقي الشركاء.
(36) راجع في تطبيق هذا الرأي الذي نراه على المالك على الشيوع: نقض 11 يناير سنة 1940 ملحق مجلة القانون والاقتصاد السنة العاشرة رقم (23) فقد جاء فيه (لكل من الشركاء على الشيوع حق ملكية حقيقية في نصيبه الشائع، فإذا تمكن من إقامة بناءً في جزء مقرر من العقار المشترك فإنه لا يعد بانيًا في ملك غيره، ومن ثم تكون المادة (65) من القانون المدني التي جاءت مقصورة على حالة الباني في غير ملكه غير منطبقة على حالته ولا تأثير في ذلك لحق ملكية الشريك الآخر على الشيوع إذ كل ما لهذا الشريك هو أن يطالب شريكه الذي أقدم على البناء بإجراء قسمة العقار كله ويرتب حقه في الملك الشائع على ما يظهر من نتيجة القسمة( بهذا المعنى، مصر الابتدائية 31 يناير سنة 1931 المحاماة (13 – 147).
(37) من هذا الرأي الدكتور حلمي بهجت بدوي راجع تعليقاته بمجلة القانون والاقتصاد (3 - 15 – 751).
(38) نقض 5 يناير سنة 1932 وقد أشار إليه الدكتور حلمي بهجت بدوي بمجلة القانون والاقتصاد (3 - 5 – 742) وكذلك نقض 9 فبراير سنة 1933 ملحق مجلة القانون والاقتصاد السنة التاسعة رقم (29).
(39) راجع رسالتنا ص (272 – 285) وبخاصة حكم محكمة الاستئناف المختلطة الذي علقنا عليه في (ن217).
(40) استئناف مصر 23 فبراير سنة 1932، المحاماة (13 – 38 – 96).
(41) نقض 8 ديسمبر سنة 1932 مج . ق رقم (81) المحاماة (13 – 341 – 699).
(42) قارن مع ذلك تعليق الدكتور حلمي بهجت بدوي السابق ص (751).
(43) نقض 7 مايو سنة 1936 مج. ق رقم (356)، وقنا الابتدائية 23 إبريل سنة 1927 المحاماة (8 - 351 – 535).
(44) نقض 12 ديسمبر سنة 1935 مج. ق رقم (307) تتلخص وقائع هذه الدعوى في أن الناظرة على بعض الأعيان الموقوفة أزالت المباني القديمة المتهدمة، ثم أقامت بناءً على طراز عصري من مالها الخاص، ثم آل الوقف إلى وزارة الأوقاف بعد وفاة الناظر لأنها المستحقة الوحيدة فتمسك ورثتها بأن يحكم لهم في مواجهة الوزارة بجميع المبالغ التي أنفقتها مورثتهم في العمارة فأيدت محكمة النقض وجهة نظر محكمة فالاستئناف في استبعاد تطبيق (م 65)، وقضت بأن قواعد الشريعة هي الواجبة التطبيق في هذا الصدد.
(45) بشرط ألا تكون الأبنية زائدة على الصفة التي كانت عليها الأعيان في زمن الواقف، وإلا اعتبر الباني متبرعًا ولا رجوع له في مال الوقف.
(46) ما ورد بهذا الصدد في كتاب قانون العدل والإنصاف بالفصل الخاص بما يجوز للقيم من التصرف وبالفصل الخاص ببيان المواضع التي يكون فيها للقيم الرجوع في غلة الوقف وبالفصل الخاص بعمارة الدور المعدة للاستغلال وحكم النقض في 12 ديسمبر سنة 1935 السابق الإشارة إليه.
(47) بيزانسون 7 إبريل سنة 1887 دالوز (88 - 2 – 222)
(48) راجع نقض فرنسي 26 يوليه سنة 1841 دالوز (41 - 1 – 306) سيرى 41 - 1 - 837 وفيه قضت بالإزالة رغم أن تخطي الحدود لم يتجاوز 11 سنتيمترًا.
(49) أوبرى ورو، جزء (2 ن 204) هامش (25) ص (372).
(50) بيكارد (ن 274).
(51) راجع نقض فرنسي 23 مارس سنة 1825 سيرى (25 - 1 – 249)
(52)20 نوفمبر سنة 1912 سيري (1913 – 1 - 208)، 2 مارس سنة 1925 سيرى (6925 - 1 – 202) وقارن مع ذلك 22 إبريل سنة 1923 سيري (1923 - 1 – 381).
(53) راجع كامل مرسي بك الأموال ص (448) وتميل المحاكم الوطنية إلى تأييد هذا الرأي الذي استقرت عليه أحكام المحاكم المختلطة (راجع الأحكام التي أشار إليها العميد كامل بك مرمى بمقاله السابق (ن 58) وبخاصة حكم محكمة الاستئناف المختلطة في 18 مايو سنة 1926 الذي قضت فيه بأن ترك البناء والأرض التي أقيم عليها إلى الباني حسن النية ينطبق على جزء الأرض الذي يشغله البناء وإلى مسافة متر حول البناء ابتداءً من الخط الخارجي لكل بلكون أو بروز لتلافي الخطر الذي تنص عليه المادتان (61) و (62) من للقانون المدني المختلط وهذا القضاء محل نظر فيما ذهب إليه من وجوب ترك مسافة متر حول البناء.
(54) راجع استئناف مختلط 11 ديسمبر سنة 1930 (43 – 76) 23 إبريل سنة 1931 (43 – 367).
(55) عكس ذلك استئناف مختلط 29 مارس سنة 1928 بيلتان 40 – 258 .
(56) وهذا ما قررته محكمة الاستئناف المختلطة في أحكام عديدة لها راجع على الأخص 16 إبريل سنة 1935 47 - 253 فقد قررت فيه أن من بنى في أرض الغير وبدون أن يسجل العقد الذي يعطيه هذا الحق لا يحق له الرجوع إلا على مالك الأرض الذي يكون قد رهنها مع البناء لمصلحة الغير، لا ضد هذا الغير وخلفائه - الدائن المرتهن أو الراسي عليه المزاد أو المشتري فيه إذ لا يمكن أن يحتج ضدهم بملكية البناء ولا التزامهم أيضًا بالتعويضات للباني الذي له الحق في مطالبة مالك الأرض.
(57) قارن حكم محكمة مصر الابتدائية في 27 سبتمبر سنة 1927 المحاماة (8 - 256 – 354)، فقد قررت فيه بأن (تأجير الأرض مع التصريح بالبناء عليها بغير قيد ولا شرط فيما يتعلق بقيمة وتكاليف ذلك البناء تعاقد منسوج فيه على منوال الحكر فهو لا يتفق مع جعل أن التأجير قصيرًا، فإذا امتنع المالك عن تجديد العقد وطلب الإزالة فإنه لا يملكها إلا إذا دفع قيمة المهمات والأدوات وأجرة العمل أو دفع ما زاد في قيمة أرضه بعد البناء المقام عليها وهو ما قضت به المادة (65) مدني) ونحن لا نقر المحكمة فيما ذهبت إليه من تطبيق حكم المادة (65) على هذه الحالة للأسباب التي وضحناها في المتن.
(58) قارن مع ذلك كامل مرسي بك، الأموال ص (452).
(59) عكس ذلك كامل مرسي بك، الأموال ص (450)، ومقاله السابق (ن 73).
(60) عكس ذلك كامل مرسي بك، الأموال ص (450)، إذ يرى أنه ليس لصاحب المهمات إلا أن يحجز عند صاحب الأرض ما يكون مطلوبًا للباني، وليس له في رأيه الرجوع على صاحب الأرض بدعوى مباشرة لأنه لا ارتباط بينهما، وهذا ما لا نقر استنادنًا عليه إذ أن نص المادة (66) لا يدع مجالاً للشك في أن المشرع زود صاحب المهمات بدعوى مباشرة ضد صاحب الأرض.


بحث في الوفاء والحوالة والفرق بينهم . عبد الوهاب محمد المحامي

مجلة المحاماة - العددان الخامس والسادس

السنة الثامنة عشرة سنة 1938

بحث
في الوفاء والحوالة والفرق بينهم

دعاني للكتابة في هذا الموضوع على بساطته ما ظنه بعضهم من أن بين المادتين (160) و (161) اللتين جاءتا في باب الوفاء والمادة (349) التي جاءت في باب الحوالة تناقضًا، إذ نصت الأولى: على أن المتعهد به إذا كان مبلغًا من النقود جاز وفاؤه من أي شخص أجنبي ولو على غير رغبة الدائن أو المدين.
ونصت الثانية على أن من دفع دين شخص كان له حق الرجوع عليه بقدر ما دفعه بناءً على ما حصل له من المنفعة لسداد دينه.
وجاء في الثالثة وهي المادة (349) أن ملكية الديون والحقوق المبيعة لا تنتقل ولا يعتبر بيعها صحيحًا إلا إذا رضى المدين بذلك كتابة.
وهذا الظن بلا شك وهم باطل، ولكنه خال على بعض المحاكم فتمثلته صحيحًا، والتمست في أحكامها للتوفيق بين هذه المواد الثلاث شروطًا قيدت بها نص المادتين (160) و (161) حيث قالت ما محصله (إن الوفاء من أجنبي بدون رضاء المدين غير جائز إلا في حالتين، إحداهما أن يكون ذا مصلحة في الوفاء، كأن يكون ضامنًا أو ذا صلة بالمدين، والثانية الرحمة بالمدين في حالة الحجز عليه وعجزه عن السداد) وهذا خطأ فظيع في تفسير القانون وتعطيل لنصوص صريحة فيه، وخلط بين الوفاء والحوالة مع وجود الفرق الشاسع بينهما ويدل على ذلك ما يأتي:
1 - إن القانون موضوع لتهتدي به الناس وتسير عليه في معاملاتها والقاضي منفذ له لا مشرع، ومن ثم لا يجوز له أن يغير من نصوصه ولا أن يقيدها بقيود لم تشر إليها، حتى ولو كانت العدالة تقتضي هذا التقييد لأن العدالة مسألة اعتبارية تختلف باختلاف النظر ولو أُبيح للقاضي تقييد نصوص القانون المطلقة بقيود من عنده لتعطل العمل به، وهو مأمور باتباعه كما هو (المادتين 1 - 28) من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية.
وإذن يكون تقييد الوفاء من الأجنبي بشرط المصلحة أو بغير ذلك من الشروط خطأ محصنًا، لأن المادة (160) صريحة في أنها خاصة بحالة واحدة من حالات الوفاء المتعددة، وهي حالة ما إذا كان المتعهد به مبلغًا من النقود ولم يرد فيها أي قيد أو شرط لجواز الوفاء في هذه الحالة من الأجنبي، وقد علق المرحوم (فتحي باشا) على هذه المادة والمادة (161) بأنه يجب العمل بهما كما قلنا، نعم قال أن حكمة ذلك ظاهرة بالنسبة للدائن، لأنه لا يهمه سوى الحصول على دينه ولكنها غير ظاهرة بالنسبة للمدين الذي قد يهمه ستر مديونيته عن غير دائنه الأصلي، ولكن هذا مردود عليه بأن الحكمة بالنسبة للمدين ظاهرة أيضًا، وهي أنه متعهد ويجب عليه الوفاء، وأنه قد استفاد بسداد الدين عنه، ولا يجوز أن يثرى على حساب غيره ولذلك قد نبه الشارع نفسه إلى هذه الحكمة حيث قال في المادة (161) (بناءً على ما حصل له من المنفعة لسداد دينه).
2 - أنه مع تصريح الشارع في المادة (160) بجواز الوفاء من أي شخص أجنبي ولو على غير إرادة الدائن أو المدين لا يجوز بتاتًا تقييد هذا النص بأن يكون الموفي ذا مصلحة أو صلة بالمدين، ولا بقيد آخر لما في ذلك من العبث بنصوص القانون الصريحة والمخالفة للقاعدة الفقهية القائلة بأنه لا مساغ للاجتهاد في موضع النص ولأن نص المادة مطلق غير مقيد والمطلق يجب فقهًا أن يجري على إطلاقه.
3 - أما كون الدافع ضامنًا أو مسؤولاً عن الدين مع المدين فهذا مما لا شأن له بالمادة (160) التي أباحت الوفاء من الأجنبي (لأن الضامن والمسؤول مع المدين عن الدين لهما أحكام أخرى تكلفت بها المواد (505)، (115) مدني.
4 - المادتان (160) و (161) صريحتان ولا لبس فيهما ولا غموض.
ومن واجب القضاء الأخذ بهما كما هما، وإذا كان الأمر قد التبس على بعضهم بسبب وجود مادة الحوالة في نفس القانون والشبه الدقيق من بعض الوجوه بينهما وبين الوفاء مع الحلول، فقد كان الواجب على هذا البعض أن يرجع إلى مصدر المادتين المذكورتين ومأخذهما وأن يتعرف المراد بالحوالة ليبين له الفرق بين النوعين وبيان ذلك هو أن المادتين المذكورتين مأخوذتان عن أصلهما من القانون المختلط وهما المادتان (223) و (224) وهاتان مأخوذتان عن، أصلهما الفرنسي وهو الفقرة الثانية من المادة (1236) ونصها (بل يجوز أن يوفيه آخر لا مصلحة له في الوفاء بشرط أن يكون باسم الملتزم، وإذا وفاه باسم نفسه فلا يكون القصد الحوالة على المدين ليكون له عليه حقوق الدائن)، فأنت ترى من هذا أن الشارع الفرنسي كان أحكم من الشارع المصري في التنبيه بصيغة النفي، على أنه في حالة ما إذا كان الموفي أجنبيًا وكان الوفاء باسم نفسه لا يكون القصد الحوالة، وما صنع الشارع الفرنسي هذا الصنيع إلا ليبعد عن الذهن ما قد يعلق به من وجوب قبول المدين أو إعلانه كما في الحوالة.
هذا هو نص الفقرة الثانية من المادة (1236) الفرنسية، أما الفقرة الأولى من هذه المادة فمتعلقة بحالة الدفع من الضامن أو المسؤول عن الدين مع المدين، وهذه حالة أخرى كما بينا وهي الحالة التي أراد البعض الخاطئ جعلها قيدًا في المادتين (160) و (161) أما المراد بالحوالة فهو ما سنبينه في الفقرة الآتية:
5 - أما الحوالة فليس المراد بها أن يدفع إنسان عن إنسان آخر مبلغًا من النقود ويحل محل الدائن فيه بل المراد بها البيع أي أن الدائن يبيع دينه على مدينه بأي مبلغ كان بأن يبيع المائة بعشرة مثلاً مما يدخل في باب المضاربة، ويدل على هذا أن الحوالة عرفها الشارع الفرنسي بأنها بيع الديون والمزاعم، ويدل على ذلك أيضًا من قانوننا نفسه ما قالته المادة (348) (من أنه يتبع في بيع الديون ومجرد الحقوق الخ) وما قالته المادة (349) من أن ملكية الديون والحقوق المبيعة لا تنتقل ولا يعتبر بيعها صحيحًا.. الخ)، فأنت ترى من هذا التعبير أن المراد بالحوالة إنما هو البيع لا الدفع من أجنبي مع حلوله بقدر ما دفعه وإذن يكون الفرق بين الحالتين واضحًا، ومن آثاره أن الوفاء من الأجنبي لا يبيح له سوى الرجوع على المدين بقدر ما دفعه فقط لا الدين كله ولا ملحقاته ولا تنتقل إليه مزاياه بخلاف الحوالة فإن ذلك كله ينتقل للمحتال لمجرد قبول المدين وهذا هو أحد الفروق بين الحوالة والوفاء من أجنبي، وقد شرح هذا الموضوع شرحًا وافيًا فقهاء المصريين مثل المرحوم فتحي باشا والأستاذ ذهني بك والأستاذ السنهوري بك والهلالي بك، إذ قالوا جميعًا بأن المراد بالحوالة إنما هو البيع وأن ليس معناها الوفاء من أجنبي مع حلوله بقدر ما دفعه ثم بينوا فروقًا خمسة بين الحالتين فعليك بما كتبوه، غير أنهم قالوا إن اشتراط قبول المدين للحوالة نقله الشارع المصري عن الشريعة الإسلامية وهذا صحيح، ولا يفوتني هنا التنويه بأن المراد بالحوالة في الشريعة الإسلامية إنما هي أعمال الكمبيالات من سحب وقبول على الوديع أو المدين للمحيل مع حالة واحدة من حالات الاستبدال التي أشارت إليها المادة (187) مدني، وهي حالة استبدال الدائن.
6 - أن تحتيم الوفاء من شخص المتعهد لا يكون إلا إذا كان يتضح من حالة التعهد أن مصلحة المتعهد له تقضي ذلك كأن يكون المتعهد خطاطًا أو مثالاً أو ممثلاً، وهذه حالة غير حالة الموفي الأجنبي لدين من النقود.
أن في تقييد المادتين (160) و (161) بتلك القيود الخاطئة تعطيل لهما مع أن في أعمالهما خيرًا للمدين، لأن الأجنبي يمكنه أن يضمن الدين بلا علم المدين ثم يوفيه فتنتقل إليه كل حقوق الدائن ومزاياه وهذه حالة أشد على المدين من حالة ما إذا وَفَّى عنه الأجنبي بدون أن يكون ضامنًا هذا ما عنَّ لي في هذا الموضوع،

عبد الوهاب محمد
المحامي

بحث عن مشروع تنقيح القانون المدني الدكتور عبد الرازق أحمد السنهوري

 مجلة المحاماة – العددان الرابع والخامس

السنة الثانية والعشرون – ديسمبر سنة 1941، يناير سنة 1942

محاضرة
الدكتور عبد الرازق أحمد السنهوري بك التي ألقاها بالجمعية الجغرافية الملكية في 24 إبريل سنة 1942 عن مشروع تنقيح القانون المدني

تمهيد:
بعد أن تم مشروع تنقيح القانون المدني، وعرض على رجال القانون لاستفتائهم فيه، بدا لي أنه قد يكون من الخير أن ألقي محاضرة افتتح بها هذا الاستفتاء، فانظر نظرة عامة في المشروع واستعرض المصادر التي استمد منها، وما استحدث من التعديل في القانون المدني القائم، وقد تفضل معالي وزير العدل فدعا حضراتكم لسماعها، ولا شك في أنكم لا تنتظرون في الفترة القصيرة التي حددت لهذه المحاضرة إلا أن تسمعوا استعراضًا عاجلاً، يمس المسائل مسًا سريعًا، ويقتصر على الإشارة إليها في غير دراسة مستفيضة، ولكنه استعراض قد يكون فيه تعريف أولي بالمشروع، تمهيدًا لدراسته فيما بعد.
ويجوز أن نتساءل حتى بعد أن تم مشروع تنقيح القانون المدني، هل كانت هناك حاجة ملحة إلى هذا التنقيح، وهل كان من الضروري أن يكون تنقيحًا شاملاً من شأنه أن يغير من معالم التقنين القائم، وإني لا أتردد في الإجابة على هذا السؤال بأن تنقيح التقنين المدني المصري تنقيحًا شاملاً ضرورة تفرضها الظروف التي وضع فيها هذا التقنين، ويقتضيها تقدم التقنينات الحديثة، وما كنت في حاجة لأن أزيد على ذلك لولا اعتراضان سمعتهما من ناحيتين مختلفتين، يقول أصحاب الاعتراض الأول أن التقنين المدني المصري ليس في حاجة إلى تنقيح شامل، ويكفي أن يكمل ببعض النصوص حتى يصبح صالحًا صلاحية تامة للتطبيق في عصرنا الحاضر، ويعترف أصحاب الاعتراض الثاني بحاجة التقنين المدني إلى تنقيح شامل، ولكنهم يخشون أن تكون أحداث الحرب الحاضرة من شأنها أن تغير معالم الحضارة الإنسانية بما لا تحسه في الوقت الحاضر، فإذا تكشفت الأمور بعد ذلك، تبين أن مشروع التنقيح هو نفسه في حاجة إلى التنقيح.
أما الاعتراض الأول فيكفي في الرد عليه أن نستعرض استعراضًا سريعًا عيوب تقنيننا المدني الحالي، وقد لخصتها في مقال نشر بمناسبة العيد الخمسيني للمحاكم الأهلية في العبارات الآتية: (يمكن القول إن تقنينا المدني فيه نقص ثم فيه فضول، وهو غامض حيث يجب البيان، مقتضب حيث تجب الإفاضة، ثم هو يسترسل في التافه من الأمر، فيعني به عناية لا تتفق مع أهميته المحدودة، يقلد التقنين الفرنسي تقليدًا أعمى، فينقل كثيرًا من عيوبه وهو بعد متناقض في نواحٍ مختلفة، ويضم إلى هذا التناقض أخطاء معيبة .... أما النقص فيرجع معظمه إلى قصور تقنيننا عن مجاراة التقدم العظيم الذي قطع مراحله علم القانوني في العصر الحاضر، فهو منقول عن التقنين الفرنسي، والتقنين الفرنسي وضع في أول القرن التاسع عشر، فلا يزال أمام تقنيننا حتى يصبح متمشيًا مع عصره أن يقطع هذه المرحلة الطويلة التي قطعها علم القانون في قرن وثلث قرن، وهذه أجيال طويلة ارتقى فيها القانون ارتقاءً لم يكن أحد يتوقعه.... وهناك مسائل كثيرة نحن في حاجة إلى أن نأخذها لا من التقنين الفرنسي العتيق، بل من التقنينات الحديثة، حيث نشهد أحدث النظريات القانونية مطبقة تطبيقًا تشريعيًا محكمًا... فهناك نظريات عامة قد استقرت في القانون، وأصبحت تراثًا لجميع الأمم، لا نجد لها أثرًا عندنا أو نجد أثرها ناقصًا مقتضبًا، فنظرية سوء استعمال الحق، ونظرية عامة للغبن تتناول كل نواحي القانون، وقانون للجمعيات والمنشآت والأشخاص المعنوية بوجه عام، وتشريع للعمل... ونظام لعقد التأمين ولعقود الاحتكار والمنافع العامة، ونظرية للنيابة في التعاقد، وتنظيم الملكية على الشيوع، والاعتراف بحوالة الدين أسوة بحوالة الحق، وإقرار الإرادة المنفردة مصدرًا للالتزام، والاعتراف بالعقود المجردة وبعقود الإذعان.......... كل هذه نظريات لاحظ لتقنيننا منها، وهي لازمة لا يجوز إغفالها في تشريع حديث..... هذا إلى أن تقنيننا في موضوع من أهم موضوعات القانون هو موضوع العقد، وفي مسألة من أدق مسائل هذا الموضوع هي مسألة تكوين العقد، نراه صامتًا مدهشًا لا يفسره إلا تقليد أعمى للتقنين الفرنسي، وترسم دقيق من مشرعنا لخطي المشرع الفرنسي، حتى في المزالق التي وقع فيها)، هذا ما ذكرناه في المقال المشار إليه، ومنه يتبين بوضوح كيف أن تقنيننا المدني هو في أشد الحاجة إلى تنقيح شامل جامع).
بقى الرد على الاعتراض الآخر، وهو يرمي إلى تأخير التنقيح حتى نتبين أثر الحرب الحاضرة في تطور مدنية البشر، ولست أشاطر أصحاب هذا الاعتراض تخوفهم من هذه الناحية، فإن الحرب مهما عظم أثرها لا تغير تغييرًا جوهريًا في المبادئ الفنية للقانون المدني، قد تغير الحرب من نظم الحكم ومن النظم الاقتصادية والاجتماعية، ولكنها لا تغير من أصول الصياغة القانونية.
وإذا كان القانون، كما يقول جني Gény الفقيه الفرنسي المعروف، علمًا وصياغة، وكانت الصياغة هي العنصر الأساسي الذي يكسب القانون ذاتيته، فلنا أن نطمئن إلى استقرار النظم القانونية، ويكفي أن نذكر أن العالم في تاريخه الحديث قد شهد ثورتين من أشد الثورات عنفًا وأبعدها أثرًا، الثورة الأولى هي الثورة الفرنسية في آخر القرن الثامن عشر، وقد قلبت نظم الحكم رأسًا على عقب، ومع ذلك فإن التقنين الفرنسي الذي أعقب هذه الثورة لم يكن إلا رجوعًا إلى قانون الماضي، قانون ما قبل الثورة، وبقي هذا التقنين طوال القرن التاسع عشر، ولا يزال باقيًا إلي اليوم، لم يستقر الرأي بعد على تنقيحه، والثورة الأخرى هي الثورة الروسية، شبت في القرن العشرين ولم تكن أقل تأثيرًا في النظم العالمية من الثورة الفرنسية، ومع ذلك نرى التقنين المدني السوفييتي محتفظًا بالصياغة المدنية المعروفة، وهو من التقنينات التي استمد منها المشروع الحالي.
وهناك التقنين الألماني، وهو آية من آيات الفن والعلم، والتقنين السويسري وهو مثل عالٍ من مثل التشريع الديمقراطي، قد كانا سابقين للحرب الكبرى التي نشبت في أوائل هذا القرن، وبقيا بعد هذه الحرب دون تغيير، وهما الآن يشهدان الحرب الحاضرة، وسيبقيان بعدها كلاهما، دون أن يلحقهما تغيير جوهري، وكل ما يمكن أن يحسب حسابه في هذا الصدد هو ما سيعقب الحرب الحاضرة من تغلب النزعة الاشتراكية في النظم الاقتصادية والاجتماعية، وسترون أن المشروع في هذه النزعة يماشي عصره، غير مقصر ولا متخلف.
فتنقيح تقنيننا المدني تنقيحًا شاملاً جامعًا هو إذن ضرورة تنبه لها المسؤولون من رجال القانون في مصر منذ زمن طويل، ودخلت في دور عملي حاسم منذ سنة 1936، إذ تألفت أول لجنة لهذا التنقيح في أول مارس من تلك السنة، وحدد لها عامان للفراغ من عملها مع التفرغ له، وكان رئيس اللجنة هو حضرة صاحب السعادة مراد سيد أحمد باشا وبلغ عدد أعضائها سبعة غير الرئيس، ولم تلبث هذه اللجنة أن حلت بقرار من مجلس الوزراء، بعد أن أنجزت في ثلاث أشهر بعض النصوص التمهيدية المتعلقة بمصادر القانون وبتنازع القوانين، استبقى منها المشروع نصوصًا أربعة هي المواد الأولى فيه وتألفت اللجنة الثانية في نوفمبر سنة 1936 برئاسة معالي كامل صدقي بك، وعدد أعضائها تسعة غير الرئيس، وبقيت إلى شهر مايو سنة 1938 وقد أنجزت النصوص الخاصة بالكفالة وبالشفعة فاستبقى المشروع هذه النصوص كما هي مع تعديل بسيط في ترتيبها.
وتألفت اللجنة الثالثة وهي اللجنة الحالية في أواخر عام 1938 من عضوين اثنين، وقد رأى وزير العدل إذ ذاك، حضرة صاحب المعالي أحمد خشبة باشا، وهو الذي قام بتأليف هذه اللجنة أن خير سبيل لإنجاز العمل هو ألا يكلف به أكثر من عضوين يتفرغان له تفرغًا تامًا، وإلى هذه الفكرة الحكيمة يرجع الفضل في إتمام هذا المشروع.
وأحب أن أقرر منذ الآن أن المشروع لم يحقق الوحدة المرجوة للتقنين المدني، فلا يزال هذا التقنين موزعًا شطرين، شطر الأحوال الشخصية وقد أعد له مشروع تقنين خاص، وشطر الأحوال العينية وقد أعد له هذا المشروع، ويلاحظ من جهة أخرى أن المشروع قد أغفل موضوعين أولهما هو موضوع الملكية الأدبية والفنية والصناعية، إذ أن هناك مشروعًا خاصًا بهذه المسألة لا يزال تحت البحث، والثاني هو موضوع السجل العقاري، إذ الأمر فيه يتوقف على إنجاز مصلحة المساحة للأعمال التمهيدية التي يجب أن تسبق إصدار التشريع الخاص بهذا الموضوع، وقد اقتصر المشروع على إدماج قانون التسجيل الصادر في سنة 1927 مع تعديل طفيف في بعض نصوصه.
ويسرني أن أقرر، قبل أن أفرغ من هذا التمهيد، أن حضرة صاحب المعالي عبد العزيز فهمي باشا قد تفضل فعني عناية خاصة بدراسة هذا المشروع وأفضى إليّ بملاحظاته على الجزء الأكبر منه، فسجلت هذه الملاحظات وسيكون لها أكبر نصيب من الاعتبار.
والآن نبدأ ببحث المشروع، فنستعرض المصادر التي استند إليها، ثم نلقي عليه نظرة سريعة لنتبين كيف رتبت أحكامه، وما وجوه التنقيح التي حققها، وما هي اتجاهاته العامة.

1 - المصادر التي استند إليها المشروع

أما عن المصادر التي استند إليها المشروع، فلم يكن هناك مجال للتردد، إذ ينبغي أن يرجع في تنقيح التقنين المدني المصري إلى مصادر ثلاثة: إلى القانون المقارن، وإلى القضاء المصري وإلى الشريعة الإسلامية.
فالقانون المقارن يمثل التقدم الحديث لعلم القانون والتشريع، وتتراءى في ثناياه أحدث التطورات القانونية، وأهم ما ينبغي أن يقف عنده المقنن إذا أراد أن يكون تقنينه مرآة صادقة للقانون في عصره، وأن يستجمع في هذا التقنين مزايا كل التقنينات التي سبقته، فيجب إذن أن يكون القانون المقارن هو المصدر الأول بين المصادر التي يستمد منها التنقيح، وينبغي أن نقف من القانون المقارن عند التشريع المقارن، فإننا في صدد عمل تشريعي، وتستخلص حالة التشريع المقارن من حركة التقنينات العالمية التي أعقبت التقنين الفرنسي، مقاربة له تارة، ومجافية له تارة أخرى. وهي حركة بقيت في نشاط طوال القرن التاسع عشر، واستمرت في نشاطها منذ فجر القرن العشرين إلى يومنا هذا، فقد ظهر التقنين النمساوي في سنة 1812 عقب التقنين الفرنسي ثم ظهرت سلسلة طويلة من التقنينات اللاتينية خلال القرن التاسع عشر، نسجت جميعها على منوال التقنين الفرنسي، من ذلك التقنين الإيطالي، والتقنين الإسباني، والتقنين البرتغالي، والتقنين الهولندي، وتقنينات دول أمريكا الجنوبية، وتقنين كندا الجنوبية، واستمرت حركة التقنين اللاتيني في القرن العشرين، في شيء من الجد والتطور، فظهر التقنين التونسي، والتقنين المراكشي والتقنين اللبناني، وظهر فيما بين ذلك المشروع الفرنسي الإيطالي في الالتزامات والعقود، وهو خلاصة التقنينات اللاتينية، جددت فيه حتى صارت تماشي روح العصر، وبدأ وضع المشروع الفرنسي الإيطالي في سنة 1918 إذ قام الأستاذ شيالويا، الفقيه الإيطالي المعروف، ينادي بتوحيد التقنينين الفرنسي والإيطالي، حتى ترتبط الأمتان اللاتينيتان الشقيقتان برباط من وحدة القانون وثيق، وحتى يكون ذلك نواة لتوحيد التقنين في كثير من بلاد العالم، فلقي من الأساتذة الفرنسيين، لاسيما الأستاذ لارنود ترحيبًا بدعوته، وألفت لجنتان، إحداهما فرنسية والأخرى إيطالية، أتمتا التقنين في مدى عشر سنوات.
وقدمتاه لحكومتيهما في سنة 1928، ولم تتخذه فرنسا حتى اليوم تقنينًا رسميًا لها، أما إيطاليا فقد أدمجته في تقنينها المدني الجامع الذي صدر أخيرًا، والمطلع على المشروع الفرنسي الإيطالي لا يسعه إلا أن يعجب بالجهود الكبيرة التي قام بها واضعوه، فقد أكسب هذا المشروع التقنينات اللاتينية العتيقة جدة لم تكن لها، ونفخ فيها روح العصر الذي نعيش فيه، وجمع بين البساطة والوضوح، مع شيء كثير من الدقة والتحديد، على أن المشروع يكاد يكون محافظًا إذا قيس إلي التقنينات العالمية الأخرى، فقد احتفظ بالروح اللاتينية إلى حد جعله يضحى في بعض النواحي التمشي مع روح التقدم الحديثة.
إزاء هذه التقنينات اللاتينية يجب أن توضع التقنينات الجرمانية، وأهمها ثلاثة: التقنين الألماني والتقنين النمساوي والتقنين السويسري.
أما التقنين الألماني فيعد أضخم تقنين صدر في العصر الحديث، وهو خلاصة النظريات العلمية الألمانية مدى قرن كامل، تم تحضير مشروعه الأول في سنة 1887، ونشر هذا المشروع رسميًا للاستفتاء، ثم عرض على الهيئة التشريعية، واتفقت الحكومة مع الأحزاب السياسية على أن تقتصر الأحزاب على النظر في المسائل السياسية والاجتماعية والدينية، تاركة مسائل الصياغة القانونية كما هي دون تعديل، حتى لا يختل تناسقها، فكان ذلك سببًا في السهولة والسرعة اللتين اقترنتا بالموافقة على المشروع، فأصدر في سنة 1896 على أن يعمل به من أول يناير سنة 1900، والتقنين الألماني يبزّ من الناحية الفقهية أي تقنين آخر، فقد اتبع طريقة تعد من أدق الطرق العلمية، وأقربها إلى المنطق القانوني، ولكن هذا كان عائقًا له عن الانتشار، فإن تعقيده الفني ودقته العلمية أقصياه بعض الشيء عن منحي الحياة العملية، وجعلاه مغلق التركيب عسر الفهم.
والتقنين النمساوي يرجع عهده كما قدمنا إلى أوائل القرن التاسع عشر، فقد ظهر في سنة 1812 عقب التقنين الفرنسي، ولكنه لم يتح له من النجاح ما أتيح لهذا التقنين، لذلك بقي محدود الانتشار في أوربا حتى غمره التقنين الألماني، وقد قام النمساويون بتنقيح تقنينهم في أول سني الحرب الماضية، وظهر التنقيح في سنة 1916 فأعاد لهذا التقنين العتيق شيئًا من الجدة المسايرة لروح العصر، ولكنه لم يكن تنقيحًا شاملاً، بل استبقى التقنين القديم بعد إدخال بعض تعديلات جزئية تناثرت متفرقة بين نصوصه المختلفة، فلم يكن للتنقيح أثر كبير في انتشاره.
بقي من التقنينات الجرمانية التقنين السويسري: وهو تقنينان لا تقنين واحد، إحداهما في الالتزامات والعقود، والآخر فيما بقى بعد ذلك من أقسام القانون المدني، والسبب في هذا الازدواج اعتبارات دستورية يضيق المقام عن ذكرها، وقد وضع مشروع التقنين الخاص بالالتزامات والعقود ويشمل التقنين التجاري أستاذ واحد هو الأستاذ فيك Fick ونشر للاستفتاء ثم عرض على الهيئة التشريعية فوافقت عليه جملة واحدة في سنة 1881 بدون أن تناقش تفصيلاته، حتى لا تخل بتناسق التقنين.
وقد أعيد النظر فيه ونقح في سنة 1911، وكذلك الأمر فيما يتعلق بالتقنين الآخر، وضع مشروعه أستاذ واحد هو الأستاذ هيبر Huber، وعرض على الهيئة التشريعية، فأقرته منفصلاً عن تقنين الالتزامات، وتقرر أن يعمل به وبتقنين الالتزامات المنقح من أول يناير سنة 1912، وكان المنتظر أن يكون التقنين السويسري، وهو من صنع الأستاذة، عملاً فقهيًا، فإذا به ذو صبغة عملية بارزة، أما التقنين الألماني، وقد اشترك في تحضيره رجال عمليون، فصبغته الفقهية واضحة مشهورة. ويمتاز التقنين السويسري بالوضوح والبساطة، فيتغاير بهذا مع التقنين الألماني المعقد المغلق وهو يجمع إلى الوضوح والبساطة الدقة والتعمق، ثم يضم إلى ذلك الجدة والتمشي مع أحدث النظريات العلمية ففيه تجتمع مزايا التقنين الألماني من حيث القيمة الفنية، ومزايا التقنين الفرنسي من حيث السلاسة والوضوح، على أن هذا الوضوح خداع في بعض الأحيان، فإن كثيرًا من النصوص في التقنين السويسري يبدو لأول وهلة سهل الفهم قريب المأخذ، فإذا ما محص النص وأنعم النظر فيه، بدا الإبهام والنقص وظهرت الحاجة إلى الدقة والتحديد، وتبين أن الوضوح في صياغة النصوص التشريعية قد ينقلب غموضًا عند تطبيق هذه النصوص (1).
إلى جانب التقنينات اللاتينية والتقنينات الجرمانية ظهر في خلال القرن العشرين طائفة من التقنينات المتخيرة، لا تنحاز إلى إحدى المدرستين انحيازًا مطلقًا، بل تتخير، فتأخذ من كل مدرسة بالذي هو أحسن، وعلى رأس هذه التقنينات التقنين البولوني في الالتزامات والعقود، وقد جمع هذا التقنين بين مزايا التقنينات اللاتينية في الوضوح والسلاسة ومزايا التقنينات الجرمانية في الدقة والتعمق، ويمكن أن يذكر مع التقنين البولوني من التقنينات المتخيرة التقنين الياباني وقد صدر في سنة 1896، والتقنين البرازيلي وقد صدر في سنة 1916 وتقنين السوفييت وقد صدر في سنة 1922، والتقنين الصيني وقد صدر في سنتي 1929 و 1930.
من كل هذه التقنينات المختلفة النزعة المتباينة المناحي، ويبلغ عددها نحو عشرين تقنينًا، استمد المشروع المعروض اليوم للاستفتاء ما اشتمل عليه من النصوص، ولم يوضع نص إلا بعد أن فحصت النصوص المقابلة له في كل هذه التقنينات المختلفة، ودقق النظر فيها، واختير منها أكثرها صلاحية، حتى ليجوز القول بأن المشروع يمثل من ناحية حركة التقنين العالمية نموذجًا دوليًا يصح أن يكون نواة لتوحيد كثير من التقنينات المدنية، ومن أجل هذا لم يغير المشروع في النصوص التي اختارها من التقنيات المختلفة إلا في أضيق ما يكون من الحدود، بحيث يبدو أن التغيير ضرورة لازمة، أو حيث يكون مصدر النص أكثر من تقنين واحد، وفيما عدا ذلك حافظ المشروع على حرفية النصوص التي اختارها، حتى يحتفظ بقيمته النموذجية، فلا يصبح مجرد تقنين جديد يضاف إلى التقنينات الكثيرة التي تظهر من وقت لآخر، هذا إلى أن النص الذي يختار من تقنين معمول به، إذا حوفظ على حرفيته، تكون له مزية على النص الذي يوضع وضعًا، إذ يكون للنص المختار قيمة تشريعية ليست للنص الموضوع، وهو بعد نص قد طبقته المحاكم، ومحصته التجارب، واستقر في مضطرب الحياة المدنية.
وتجدون في المذكرة الإيضاحية التي سترسل إليكم تباعًا بمجرد الفراغ من طبعها، تحت كل نص من نصوص المشروع النص الذي يراد تنقيحه في التقنين المدني المصري الحالي، إن كان هناك نص موجود ثم كل النصوص المقابلة لنص المشروع في جميع التقنينات التي أسلفنا ذكرها من لاتينية وجرمانية ومتخيرة بما في ذلك النصوص التي أخذ منها نص المشروع مكتوبة بحروف بارزة، وهذا وحده يعين على الإفتاء إلى حد بعيد؟ إذ يسهل على الباحث أن يتبين، من مقارنة هذه النصوص بعضها ببعض، قدر صلاحية النص الذي اختاره المشروع، ثم يعقب ذكر
النصوص المقابلة إشارة إلي بعض أحكام القضاء المصري في المسألة التي يتناولها النص، وإشارة أخرى إلى ما يقابل النص في نصوص الشريعة الإسلامية مستمدة في الأكثر من مرشد الحيران ومجلة الأحكام العدلية، وقد قدمنا أن القضاء المصري والشريعة الإسلامية هما المصدران الآخران اللذان استند إليهما المشروع ! وقد آن أن نقول كلمة في كل منهما.
أما القضاء المصري فقد استغل إلى حد كبير فيما تم من عمل التنقيح، لأنه لا يكفي أن يكون المشروع نموذجًا دوليًا بل يجب أيضًا أن يكون متفقًا مع حاجات البلد والقضاء هو خير معبر عن هذه الحاجات وقد كانت مهمة قضائنا بنوع خاص شاقة عسيرة، إذ كان مطلوبًا منه أن يمصر قانونًا أجنبيًا دخل في البلاد بين يوم وليلة، فقام بعمله في كثير من اللباقة والمهارة، لذلك كان في الاستطاعة أن نستخلص منه كثيرًا من الدروس النافعة، ويكفي أن نذكر هنا على سبيل التمثيل لا على سبيل الحصر بعض الأحكام التي استمدها المشروع من القضاء المصري واقتصر فيها على تقنين هذا القضاء وتسجيله.
فهناك موضوعات كاملة أخذت فيها أحكام القضاء من ذلك الملكية الشائعة ولا يكاد يوجد في تقنيننا الحالي نص تشريعي في هذا النوع من الملكية على أهميته وانتشاره في مصر وقد تكفل القضاء المصري بتفصيل أحكامه وقنن المشروع المبادئ التي قررها القضاء في هذا الشأن ومن ذلك قسمة المهايأة تولي القضاء بيان أحكامها وعن القضاء أخذ المشروع هذه الأحكام ودعمها بنصوص استوحاها من عادات البيئة المصرية ومن ذلك الحراسة والحكر وحقوق الارتفاق، والتزامات الجوار تولاها القضاء جميعًا بالتنظيم المفصل وقنن المشروع ما قرره القضاء بشأنها من أحكام ومبادئ.
وإلي جانب تقنين المشروع للقضاء المصري في موضوعات كاملة قنن أيضًا هذا القضاء في كثير من المسائل التفصيلية الهامة ويضيق المقام عن إيراد ما كان يصح إيراده من الأمثلة المتنوعة في هذا الصدد فنجتزئ بالإشارة إلى قليل من هذه المسائل.
قنن المشروع القضاء المصري في التعاقد بالمراسلة، وفي الحالات التي يعتبر فيها سكوت المتعاقد قبولاً، وفي تحديد الأجل إذا اشترط أن يكون الدفع عند المقدرة أو عند الميسرة، وفي جواز تخفيض الشرط الجزائي، وفي عدم جواز تخفيض أجر الوكيل إذا دفع هذا الأجر طوعًا بعد تنفيذ الوكالة، وفي ضمان العيوب الخفية في الإيجار، وفي جعل الريع المستحق في ذمة الحائز سيء النية والديون الثابتة في ذمة ناظر الوقف للمستحقين تتقادم بخمس عشرة سنة لا بخمس سنوات، وفي الهبات والوصايا التي تصدر من المورث لورثته مخفية تحت ستار البيع، وفي بدء سريان التقادم في دعوى ضمان الاستحقاق، وفي اعتبار رهن الحيازة في يد الدائن قاطعًا للتقادم، وفي رجوع حائز العقار المرهون إذا وفى كل الدين على الحائزين الآخرين، وفي انتقال حق الشفعة بالميراث، وفي غير ذلك من المسائل الكثيرة التي ترونها متناثرة في جميع نواحي المشروع.
بقيت الشريعة الإسلامية كمصدر من المصادر التي استند إليها المشروع، وللشريعة الغراء حديث طويل قد تتاح له فرصة أخرى أطول من هذه، ولكني لا أتردد في كل فرصة أن أكرر أن الشريعة الإسلامية تعد في نظر المنصفين من أرقى النظم القانونية في العالم، وهي تصلح أن تكون دعامة من دعائم القانون المقارن.. ولا نعرف في التاريخ نظامًا قانونيًا قام على دعائم ثابتة من المنطق القانوني الدقيق، يضاهي منطق القانون الروماني إلا الشريعة الإسلامية، ومهما تكن حاجة هذه الشريعة إلى حركة علمية قوية تعيد لها جدتها وتنفض ما تراكم عليها من غبار الركود الفكري الذي ساد الشرق منذ أمد طويل، وتكسر عنها أغلال التقليد الذي تقيد به المتأخرون من الفقهاء، فإنها حتى في حالتها الراهنة تصلح أن تكون مصدرًا خصبًا يستمد منه التقنين المصري كثيرًا من الأحكام، وقد استمد المشروع فعلاً من الشريعة الإسلامية كثيرًا من نظرياتها العامة وكثيرًا من أحكامها التفصيلية.
ونبدأ قبل هذا وذاك أن نسترعي النظر إلى ما أدخله المشروع بشأن الشريعة الإسلامية من تجديد خطير، فقد جعلها من بين المصادر الرسمية للقانون المصري، إذ ذكر في أول مادة منه أن القاضي إذا لم يجد نصًا تشريعيًا فإنه يستلهم مبادئ الشريعة الإسلامية، والفروض التي لا يعثر فيها القاضي على نص في التشريع ليست قليلة فسيرجع القضاء إذن للشريعة الإسلامية يستلهم مبادئها في كثير من الأقضية وفي هذا فتح عظيم للشريعة الغراء، لاسيما إذا لوحظ أن ما ورد في المشروع من نصوص هو أيضًا يمكن تخريجه على أحكام الشريعة الإسلامية دون كبير مشقة، فسواء وجد النص أو لم يوجد، فإن القاضي في أحكامه بين اثنتين، إما أنه يطبق أحكامًا لا تتناقض مع مبادئ الشريعة الإسلامية، وإما أنه يطبق أحكام الشريعة ذاتها.
ولم يقتصر الأمر على ذلك، وأخذ المشروع كما قدمنا من طريق مباشر بنظريات عامة في الشريعة الإسلامية وبأحكام تفصيلية.
وأهم ما اقتبسه من النظريات العامة هو هذه النزعة المادية أو الموضوعية التي تميز الفقه الإسلامي، كما أخذ بنظرية التعسف في استعمال الحق، وبمسؤولية عديم التمييز وبحوالة الدين، وبمبدأ الحوادث غير المتوقعة.
ونقول كلمة موجزة عن كل من هذه المسائل.
أما عن النزعة المادية، فإنه يمكن تقسيم الشرائع إلى قوانين تتغلب فيها النزعة النفسية أو الشخصية Tondance subjective وهذه هي الشرائع اللاتينية بوجه عام، وأخرى تتغلب فيها النزعة المادية أو الموضوعية Tondance objective وهذه هي الشرائع الجرمانية، ويختلف هذان النوعان من الشرائع، أحدهما عن الآخر في نظرته إلى النظم القانونية، فالشرائع ذات النزعة النفسية تغلب في الالتزام عنصره الشخصي دون موضوعه المادي وتنظر في العقد إلى الإرادة الباطنة النفسية دون الإرادة الظاهرة المادية وتضع معايير نفسية تعتبر فيها النية المستترة لا معايير مادية يعتبر فيها العرف وما ألفته الناس في التعامل، وتجري الشرائع ذات النزعة المادية على العكس من ذلك، فتغلب في الالتزام موضوعه المادي وتنظر في العقد إلى الإرادة الظاهرة وتضع معايير مادية تقف فيها عند العرف المألوف، والنزعة المادية في القانون دليل على تقدمه إذ يكشف بهذه النزعة عن شدة حرصه على ثبات المعاملات واستقرارها، فإذا أردنا تحديد نزعة للشريعة الإسلامية فهذه النزعة لا شك مادية، وإذا كانت العبرة في هذه الشريعة بالمعاني دون الألفاظ إلا أن المعاني التي تقف عندها هي التي تستخلص من الألفاظ لا من النيات المستكنة في الضمير، فالعبرة فيها بالإرادة الظاهرة لا بالإرادة الباطنة، ومن هنا تدقق الفقهاء في كثير من المواطن في تحديد معاني الألفاظ ويرتبون على اختلافها اختلافًا في الحكم، وهم ليسوا متنطعين يضحون المعنى للفظ كما قد يتوهم البعض بل هم يقفون عند الإرادة الظاهرة التي يكشف عنها اللفظ المستعمل حفظًا لثبات التعامل واستقراره، كذلك نجد معايير الشريعة الإسلامية معايير مادية، تنزل عن المألوف في التعامل والمتعارف بين الناس. والمشروع يقتفي أثر الشريعة الإسلامية في كل ذلك فيتميز بنزعة مادية واضحة، نرى هذا في كثير من المعايير التي يأخذ بها وفي نظرته للالتزام حيث يراه عنصرًا ماليًا أكثر منه رابطة شخصية وفي نظرته للعقد حيث يأخذ في كثير من الفروض بالإرادة الظاهرة دون الإرادة الباطنة.
وقد أخذ المشروع أيضًا عن الشريعة الإسلامية نظرية التعسف في استعمال الحق، وهي نظرية تقررها الشريعة في أوسع مدى، ولا تقتصر فيها على المعيار النفسي الذي اقتصرت عليه أكثر القوانين، بل تضم إليه معيارًا ماديًا إذ تقيد كل حق بالأغراض الاجتماعية والاقتصادية التي قرر من أجلها، وقد أخذ المشروع بهذه الأحكام، فقرر المبدأ بمعياريه النفسي والمادي، وأورد له تطبيقات كثيرة، اقتبسها هي أيضًا من الشريعة الإسلامية، ومسؤولية عديم التمييز تأخذ بها التقنينات الجرمانية دون التقنينات اللاتينية، فأخذ المشروع بما ذهبت إليه التقنينات الجرمانية لأنها هي التي تتفق مع الشريعة الإسلامية، وكذلك الأمر في حوالة الدين، تغفلها التقنينات اللاتينية وتنظمها التقنينات الجرمانية متفقة في ذلك مع الشريعة الإسلامية، وقد أخذ المشروع بها اتباعًا للشريعة، ومبدأ الحوادث غير المتوقعة Principe de l'imprévision أخذ به القضاء الإداري في فرنسا دون القضاء المدني، فرجح المشروع الأخذ به استنادًا إلي نظرية الضرورة في الشريعة الإسلامية.
وهناك أحكام تفصيلية كثيرة اقتبسها المشروع من الفقه الإسلامي، نكتفي هنا بمجرد الإشارة إلى بعضها، من ذلك الأحكام الخاصة بمجلس العقد، وإيجار الوقف، والحكر، وإيجار الأراضي الزراعية، وهلاك الزرع في العين المؤجرة، وانقضاء الإيجار بموت المستأجر، وفسخه بالعذر، ووقوع الإبراء من الدين بإرادة منفردة، وندع جانبًا المسائل التي سبق أن اقتبسها التقنين الحالي من الشريعة الإسلامية وجاراه المشروع في ذلك، كبيع المريض مرض الموت، والغبن، وخيار الرؤية، وتبعة الهلاك في البيع وغرس الأشجار في العين المؤجرة والأحكام المتعلقة بالعلو والسفل وبالحائط المشترك ومدة التقادم، أما الأهلية والهبة، والشفعة وأما المبدأ القاضي بالأ تركة إلا بعد سداد الدين، فهذه كلها موضوعات على جانب كبير من الأهمية وقد أخذت برمتها من الشريعة الإسلامية.

2 - نظرة عامة في المشروع

والآن بعد أن استعرضنا المصادر التي استند إليها المشروع، نلقي نظرة عُجلى على المشروع نفسه، فنرى أولاً كيفي رتبت أحكامه.
لم يكن ترتيب المشروع بالأمر الهين، إذ كان ينبغي التفكير في ترتيب يماشي الحركة العلمية ولا يتجافى مع الحقائق العملية، ويستنير في الوقت ذاته بترتيب التقنينات الحديثة التي صدرت في خلال القرن العشرين مع المحافظة بقدر الإمكان على الترتيب الذي اتبعه التقنين الحالي، ولا أدخل في تفصيلات هذا الترتيب، فإن المشروع بين أيديكم تستطيعون بتصفحكم له أن تتبينوا أنه نجا من الخلط والتشويش، اللذين وقع فيهما التقنين الحالي، مع محافظته على التقسيمات الرئيسية التي اتبعها هذا التقنين، وسترون عند دراسة كل موضوع كيف توخي المشروع أن يرتب المسائل ترتيبًا منطقيًا تتسلسل الفكرة فيها فيسهل على الباحث أن يدرك ما بين المسائل المختلفة من ارتباط وما ينتظمها جميعًا من تناسق، وهذا هو سبب ما اتبع في ترتيب الأحكام من تقسيم وتبويب وتفريع، ولم يكن المشروع مبتدعًا في ذلك، بل كان مقتفيًا أثر أحدث التقنينات وأكثرها ذيوعًا وانتشارًا، بل أن العناوين التي وضعت بجانب النصوص لم يبتدعها المشروع بل سبقه إليها التقنين السويسري ودلت التجارب على أنها تيسر البحث تيسيرًا كبيرًا، فإذا ما رئُى في النهاية استبقاؤها فمن الممكن أن تبقى دون أن تعتبر جزءًا من التشريع.
ولا أظنني في حاجة للدفاع عن كثرة النصوص التي اشتمل عليها المشروع، فإن القانون المدني كما تعلمون واسع المدى، ولو قورن هذا المشروع بالتقنين الفرنسي وهو التقنين المعروف بالاعتدال في عدد ما اشتمل عليه من النصوص لتبين أن المشروع أكثر إيجازًا، فإن المواد المتعلقة بالمعاملات في التقنين الفرنسي تبلغ في العدد نحو خمسمائة وألف، يقابلها في المشروع مائتان وألف، أما باقي المواد وتبلغ نحو الأربعمائة فهي موضوعات جديدة لها نظير في التقنين الفرنسي.
بقى أن نستعرض استعراضًا سريعًا أهم ما اشتمل عليه المشروع من وجوه التنقيح المختلفة، وما رسم له من الاتجاهات العامة.
أما عن وجوه التنقيح فيكفي أن أقول إجمالاً أن المشروع قد أدخل موضوعات جديدة، واستوفى موضوعات ناقصة وعالج عيوبًا متفشية، ويضيق المقام عن استعراض كل ذلك فاقتصر الآن على الملاحظات الموجزة الآتية:
أولاً: تجنب المشروع ما وقع فيه التقنين الألماني من التعقيد والغموض، بأن تحاشى الفصل ما بين موضوع العقد وموضوع العمل القانوني، وبذلك دل على نزعة عملية تفضل النزعة التجريدية الفقهية التي اصطبغ بها التقنين الألماني، وخصص بابًا لآثار الالتزام تجنب فيه كثيرًا من أسباب التشويش والخلط مما وقعت فيه التقنينات الأخرى.
ثانيًا: استوفى المشروع موضوعات هي في التقنين الحالي شديدة الاقتضاب على أهميتها، وأصلح كثيرًا من عيوب التقنين الحالي فيها، من ذلك القواعد المتعلقة بتكوين العقد، والدعوى البوليصية والاشتراط لمصلحة الغير والمسؤولية التعاقدية، والمسؤولية التقصيرية، والحراسة والملكية الشائعة، وملكية الطبقات ورهن الحيازة وحق الاختصاص.
ثالثًا: رسم المشروع الخطوط الرئيسية لموضوعات هي في التقنين الحالي متناثرة في جميع نواحيه دون ترتيب أو تنسيق فجمع المشروع بين أطرافها وعرضها جملة واحدة بحيث يتكشف ما بين أجزائها من صلات وما يربطها جميعًا من وحدة في النظر، من ذلك موضوع الحيازة، وحقوق الارتفاق وحقوق الامتياز والحق في الحبس والدفع بعدم تنفيذ العقد، والنيابة في التعاقد.
رابعًا: أوجد المشروع من الموضوعات الجديدة ما كان ينقص التقنين الحالي أشد النقص، من ذلك القواعد المتعلقة بتنازع القوانين، والشخصية المعنوية وحوالة الدين وعقود المنفعة العامة، وعقد التأمين وعقد الهبة، والحكر، وإيجار الوقف، والموضوعان الجديدان الجديران بأن ينوه بهما تنويهًا خاصًا هما الإفلاس المدني وتصفية التركات، ومهما اختلفت وجوه النظر في الإفلاس المدني فلا شك في أننا جميعًا نحس الحاجة الشديدة إلى قواعد تنظيم تصفية التركة، ما دمنا نسلم بمبدأ الشريعة الإسلامية القاضي بالأ تركة إلا بعد سداد الدين.
واكتفى بهذا الإلمام السريع، فإن كل مسألة من هذه المسائل تصلح أن تكون وحدها موضوع محاضرة كاملة، وأرجو أن تتاح لي الفرصة بعد الفراغ من إعداد المذكرة الإيضاحية أن أتناول كل هذه المسائل مسألة مسألة، بما ينبغي من بيان وافٍ في محادثات متعاقبة تنظم لهذا الغرض أما الاتجاهات العامة التي رسمت للمشروع، فيمكن أن نتبين منها ثلاثة:
أولها أن المشروع من ناحية صياغته الفنية ذو نزعة مادية متخيرة، ومعنى ذلك، كما قدمنا أنه يتخير بين النزعتين المادية والنفسية، مع ميل إلى النزعة المادية إيثارًا لاستقرار التعامل، فهو من هذه الناحية يصطبغ بصبغة عملية واضحة أشار إليها الأستاذ شيفالييه في المحاضرة التي ألقاها عن المشروع منذ عهد قريب.
والاتجاه الرئيسي الثاني أن المشروع من ناحية سياسته التشريعية يترك للقاضي حرية واسعة في التقدير، يواجه بها تباين الظروف فيما يعرض له من الأقضية، وهذا أدنى إلى تحقيق العدالة، فلا يحسبن أحد أن القاضي الذي يحد من تقديره قواعد جامدة، والذي تغل يده نصوص ضيقة، بمستطيع أن يكيف الأحكام القانونية بحيث تصلح للتطبيق العادل في الظروف المتغايرة، فهو بين أن يؤدي العدالة الحقة، فيكسر من أغلال القانون، أو يلتزم حدود القانون، فلا يؤدي إلى عدالة حسابية شكلية، وقد أصبح الآن ثابتًا أن القواعد القانونية الجامدة لا تلبث أن تنكسر تحت ضغط الحاجات العملية، وخير منها المعايير المرنة التي تتسع لما يجد من الحوادث، ومما تتكشف عنه حركة التطور المستمر.
والاتجاه الرئيسي الأخير أن المشروع من ناحية ما يقوم عليه من أسس اجتماعية واقتصادية، إنما يجاري نزعات عصره، فلا يقف من الديمقراطية عند معناها القديم بل يماشي ما لحق بها من تطورات عميقة، ستكون بعد الحرب الحاضرة أبعد مدى وأبلغ أثرًا، فالمشروع لا يقدس حرية الفرد إلى حد أن يضحي من أجلها مصلحة الجماعة، ولا يجعل من سلطان الإرادة المحور الذي تدور عليه كل الروابط القانونية بل هو يوفق ما بين حرية الفرد ومصلحة الجماعة، ثم هو بين الفرد والفرد لا يترك القوي يصرع الضعيف، بدعوى وجوب احترام الحرية الشخصية، فليس الفرد حرًا في أن يتخذ مما هيأته له النظم الاجتماعية والاقتصادية من قوة، تكئة ليتعسف ويتحكم، لذلك ترون المشروع يقف إلى جانب الضعيف فيحميه كل فعل في عقود الإذعان عندما جعل تفسير ما تشتمل عليه من شروط تعسفية محلاً لتقدير القاضي، وكما فعل في النصوص الخاصة بالاستغلال عندما أوجب على القاضي أن يتدخل لنصرة المتعاقد إذا استغلت حاجته أو طيشه أو عدم خبرته أو ضعف إدراكه، وكما فعل في حماية العامل عندما أحاط عقد العمل بسلسلة قوية من الضمانات تدرأ عنه تعسف رب العمل، وهو إلى كل هذا وقبل كل هذا يضع مبدأ عامًا ينهي فيه عن التعسف في استعمال الحق وترون المشروع كذلك ظاهر الرفق بالمدين فهو يقيد من حق الدائن في التنفيذ ويلزمه أن يبدأ بالمال الذي يكون بيعه أقل كلفة على المدين، ويعالج عيوب حق الاختصاص فلا يجعل هذا الحق غلاً في يد المدين لا يستطيع فكاكه، بل يرسم طريقة لإنقاصه، إما بقصره على جزء من العقار الذي سبق أن رتب عليه، أو بنقله إلى عقار آخر تكون قيمته كافية لضمان الدين، ويوجب على القاضي أن يتدخل لحماية المدين المرهق، إذا طرأت حوادث استثنائية لا يمكن توقعها وترتب على حدوثها أن تنفيذ الالتزام التعاقدي صار مرهقًا للمدين بحيث يهدده بخسارة فادحة فواجب القاضي إذ ذاك أن يوازن بين مصلحة المتعاقدين، وأن ينقص الالتزام المرهق إلى الحد المعقول، هذا إلى نصوص أخرى كثيرة متناثرة في نواحي المشروع تحمي المدين وتقيه شر تعسف الدائن، وترون المشروع أخيرًا يقيد من حق الملكية فيجعل لهذا الحق وظيفة اجتماعية لا يجوز أن ينحرف عنها المالك، فهو في أول نص يعرف فيه الملكية يقرر أن لمالك الشيء ما دام ملتزمًا حدود القانون أن يستعمله وأن ينتفع به وأن يتصرف فيه، دون أي تدخل من جانب الغير، بشرط أن يكون ذلك متفقًا مع ما لحق الملكية من وظيفة اجتماعية، ثم يورد بعد ذلك من التطبيقات ما يؤكد هذا المعنى ويقويه، فالمالك لا يجوز له أن يغلو في استعمال حقه إلى حد يضر بملك الجار، يجيز المشروع أن يتدخل الغير في انتفاع المالك بملكه، إذا كان هذا التدخل ضروريًا لتوقي ضرر هو أشد كثيرًا من الضرر الذي يصيب المالك ما دام هذا يحصل على التعويض الكافي، ويضيق المقام عن استيعاب القيود التي فرضها المشروع على حق الملكية ليجعل من هذا الحق لا سلطانًا مطلقًا بل وظيفة اجتماعية، فحيث يتعارض حق المالك مع مصلحة عامة، بل ومع مصلحة خاصة هي أولى بالحماية، فالمشروع يقيد من حق الملكية رعاية للمصالح المشروعة، وتحقيقًا لمبدأ التضامن الاجتماعي.
كل هذا دون غلو ولا إسراف، فلا تزال حرية الفرد، وسلطان الإرادة، وحقوق الدائنين، واحترام الملكية، محلاً لنصوص كثيرة في المشروع، تلمح فيها أثرًا ظاهرًا للتوفيق ما بين حقوق الفرد وحقوق الجماعة وبذلك يكون المشروع قد سجل بأمانة ما تمخض عنه القرن العشرون من مبادئ مقررة في العدل الاجتماعي، فهو يحمل طابعًا قويًا من حضارة العصر ومدنية الجيل.
هذه هي الاتجاهات العامة التي رسمت للمشروع، أجملتها في قليل من العبارات.
والآن أيها السادة، وقد انتهيت من هذا الاستعراض السريع لما استند إليه المشروع من مصادر، ولما اشتمل عليه من وجوه التنقيح، ولما تضمنه من الاتجاهات الرئيسية، فإني أدع المشروع بين أيديكم، وهو ثمرة جهود طويلة مضنية، وصل الليل فيها بالنهار، فقوموا من اعوجاجه بواسع خبرتكم، وأصلحوا من عيوبه بثاقب رأيكم، فإن مشروعًا مترامي الأطراف كهذا المشروع لا بد من أن تكون فيه مآخذ كثيرة، وقد كشفت بعضها بنفسي وأنا أضع المذكرة الإيضاحية، وإني معتمد على تمحيصكم الدقيق في كشف الباقي، ولا أشك أن مشروعًا واسع المدى كمشروع التقنين المدني، إذا كان الأفضل في إنشائه أن يقوم على أكتاف عدد قليل من الرجال، فإن الأفضل في تمحيصه أن يتناوله أكبر عدد ممكن من الباحثين الناقدين وبقدر ما يكون الخير في القلة عند الإنشاء والبناء يكون الخير في الكثرة عند النقد والتمحيص.
أيها السادة: أنتم تمثلون رجال القانون في مصر، وتمثلون هذه التقاليد العالية التي بوأت مصر مكانًا محترمًا في عالم القانون، وسيوضع المشروع في الميزان تحت نظركم الناقد، وتمحيصكم الدقيق، وإنصافكم الحق، فإن خفت موازينه، فلكم من واسع تجاربكم ما يكفل إصلاحه، حتى ترجح كفته، وإن ثقلت موازينه فمن قضائكم استقى، وبعلمكم اهتدى وإلى تقاليدكم المجيدة يرجع ما عسى أن يكون فيه من خير، فأنتم المرجع الأول والأخير في هذا التقنين الجديد، وقد قطعنا شوطًا من مراحله، ونرجو بمعونة الله وبفضل مؤازرتكم أن نسير في الطريق إلى نهايته، وأن نقطع ما بقي أمامنا من مراحل.
واختتم هذه المحاضرة بأن أشكر لمعالي وزير العدل كريم دعوته، وكبير عنايته بالمشروع وأشكر لكم جميل إصغائكم وحسن استماعكم.


 (1) انظر في المشروع الفرنسي الإيطالي والتقنينين الألماني والسويسري مقالنا الذي نشر بمناسبة العيد الخمسيني للمحاكم الأهلية في مجلة القانون والاقتصاد السنة السادسة ص (44 – 58).


الطعن 6965 لسنة 49 ق جلسة 25 / 12 / 2004 إدارية عليا مكتب فني 50 ج 1 ق 53 ص 378

جلسة 25 من ديسمبر سنة 2004م

برئاسة السيد الأستاذ المستشار الدكتور/ عبد الرحمن عثمان أحمد عزوز رئيس مجلس الدولة ورئيس المحكمة
وعضوية السادة الأساتذة المستشارين/ السيد محمد السيد الطحان, وأحمد عبد الحميد حسن عبود، ود. محمد كمال الدين منير أحمد، ومحمد أحمد محمود محمد. نواب رئيس مجلس الدولة
و بحضور السيد الأستاذ المستشار/ رضا محمد عثمان مفوض الدولة
وحضور السيد/ كمال نجيب مرسيس سكرتير المحكمة

----------------------

(53)
الطعن رقم 6965 لسنة 49 قضائية. عليا:

معاهدات دولية - اتفاقية الجوانب المتصلة بالتجارة من حقوق الملكية الفكرية عند إرجاء تنفيذها يقتضي الأمر مراعاة القواعد الأساسية المنظمة لسلطة التشريع في كل دولة من حيث إقرار وتنظيم الحقوق الواردة بها.
الأصل أن السلطة التشريعية ممثلة في مجلس الشعب تتولى بصريح نص المادة (86) من الدستور - سن القوانين, إلا أن الدستور ذاته أجاز لرئيس الجمهورية اتخاذ قرارات لها قوة القانون في حالات وردت على سبيل الحصر نظمتها المواد (74) و(108) و(147) و(148) من الدستور وهي الخاصة بحالتي التعويض، والضرورة, وفيما عدا هذه الحالات لا تتولى السلطة التنفيذية أي اختصاص بسن القوانين سوى تلك المتعلقة بإعمال هذه القوانين وأحكام تنفيذها وهو ما لا يتأتى إلا بناءً على قانون يخولها ذلك - مقتضى ذلك: أن إعمال ما توجبه اتفاقية الجوانب المتصلة بالتجارة من حقوق الملكية الفكرية في الفقرتين (8) و(9) من المادة (70) منها عند إرجاء تنفيذها, من حيث تقرير وسائل طلبات الحصول على البراءة ومنح حقوق استئثارية لصاحب الطلب الذي تقدم بطلب الحصول على براءات اختراع يقتضي أن يكون إعمال ذلك بمراعاة القواعد الأساسية المنظمة لسلطة التشريع في كل دولة, بحيث يصدر التنظيم المطلوب بمراعاة هذه القواعد – تطبيق.


الإجراءات

في يوم الاثنين الموافق 7/ 4/ 2003 أودع الأستاذ/ حافظ حسن حافظ عن الأستاذ الدكتور/ شوقي السيد (المحامي) بالنقض - بصفته وكيلاً عن الطاعن - قلم كتاب هذه المحكمة تقرير طعن, قيد بجدولها بالرقم عاليه, في الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري بالقاهرة في الدعوى رقم 282 لسنة 56 ق بجلسة 11/ 3/ 2003، والقاضي في منطوقه "بقبول الدعوى شكلاً, وبقبول تدخل شركة إيلاي ليللى إيجيبت خصمًا منضمًا إلى جانب الجهة الإدارية المدعى عليها, وبرفض الدعوى موضوعًا، وألزمت الشركة المدعية المصروفات".
وطلب الطاعن - للأسباب الواردة في تقرير الطعن - قبول الطعن شكلاً, وبصفة مستعجلة بوقف تنفيذ الحكم المطعون فيه, وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه, والقضاء مجددًا بإلغاء القرارات المطعون فيها, وأيضًا القرار رقم (1) لسنة 2001 الصادر في 8/ 8/ 2001، وما يترتب على ذلك من آثار, مع إلزام الجهة الإدارية بتعويض الشركة الطالبة مبلغ مليون جنيه, وإلزام المطعون ضدهم المصروفات ومقابل أتعاب المحاماة.
وجرى إعلان الطعن على النحو المبين بالأوراق.
وأودعت هيئة مفوضي الدولة تقريرًا مسببًا برأيها القانوني في الطعن, ارتأت في ختامه قبول الطعن شكلاً، ورفضه موضوعًا, وإلزام الطاعن المصروفات.
وعينت جلسة 8/ 7/ 2003 لنظر الطعن أمام دائرة فحص الطعون, وتداولت نظره بالجلسات على النحو الثابت بمحاضرها, إلى أن قررت إحالة الطعن إلى هذه الدائرة لنظره بجلسة 23/ 10/ 2004؛ حيث نظرته وقررت النطق بالحكم بجلسة اليوم, مع التصريح بمذكرات في شهر.
وبجلسة اليوم صدر الحكم, وأودعت مسودته المشتملة على أسبابه عند النطق به.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع الإيضاحات، والمداولة قانونًا.
ومن حيث إن الطعن استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة تخلص - حسبما يبين من الأوراق - في أن الممثل القانوني لشركة إيبكس فارم, كان قد أقام الدعوى رقم 282 لسنة 56 ق أمام محكمة القضاء الإداري بالقاهرة, بتاريخ 7/10/ 2001 بطلب الحكم بوقف تنفيذ القرار رقم 1 لسنة 2001 الصادر من رئيس أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا بمنح حق التسويق الاستئثاري لشركة إيلاي ليللى إيجيبت عن مادة "أولانزابين زبيركا", وفي الموضوع بإلغاء هذا القرار, وتعويض الشركة المدعية بمبلغ مليون جنيه نتيجة حرمانها من الإنتاج التسويقي, مع إلزام المدعى عليهم المصروفات.
وذكر المدعي - شرحًا لدعواه - أن الشركة التي يمثلها تعمل في مجال إنتاج وتسويق واستيراد وتصدير الدواء في مصر مع شركات أخرى, وقد أصدر رئيس مجلس الوزراء القرار رقم 547 لسنة 2000 وقد عهد القرار إلى أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا "مكتب براءات الاختراع" إصدار شهادات حق تسويق استئثاري بشروط معينة. كما أصدر رئيس مجلس الوزراء القرار رقم 1930 لسنة 2000 بتشكيل لجنة للموافقة على تسجيل المنتج في مصر, وعهد برئاسة هذه اللجنة إلى رئيس التخطيط والسياسات الدوائية بوزارة الصحة عند النظر في تسويق الأدوية والمستحضرات الطبية وذلك بالقرار رقم 2054 لسنة 2000, وبتاريخ 8/ 8/ 2001 قرر رئيس أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا منح شهادة رقم (1) بحق تسويق استئثاري إلى شركة إيلاي ليللى إيجيبت عن مادة "أولانزبين زبيركا" لمدة خمس سنوات, أو حتى تاريخ البت في طلب البراءة, ونعى المدعي على هذا القرار الأخير غصب السلطة، حيث صدر استنادًا إلى قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 547 لسنة 2000, وهذا الأخير صدر استنادًا إلى المادة (70/ 9) من اتفاقية الجوانب المتصلة بالتجارة من حقوق الملكية الفكرية, وهذه المادة لا تسري في حق مصر إلا في 1/ 1/ 2005, كما أن القرار المطعون فيه صدر دون عرضه على اللجنة المشكلة لهذا الغرض، كما شابه الانحراف في استعمال السلطة، إذ يؤدي التسويق الاستئثاري للدواء المذكور إلى التحكم في سعر الدواء وحرمان الغير من شركات الأدوية في مصر (ومنها الشركة المدعية) من التسويق أو الإنتاج أو التصنيع، وأثناء نظر الدعوى طلبت شركة ليلاى ليللى إيجيبت تدخلها انضماميًا إلى جانب جهة الإدارة.
وبجلسة 11/ 3/ 2003 أصدرت المحكمة حكمها المطعون فيه وأسست حكمها في موضوع الدعوى على أن "القرار المطعون فيه صدر بمنح شركة ليلاى ليللى إيجيبت شهادة حق التسويق الاستئثاري في مصر للمنتج الدوائي المذكور لمدة خمس سنوات، وجاء ذلك بعد موافقة اللجنة المشكلة لهذا الغرض بعد التحقق من استيفاء الشركة للشروط المتطلبة قانونًا لمنحها ذلك الحق، كما جاء القرار استنادًا إلى قرارات رئيس مجلس الوزراء المشار إليها التي صدرت تنفيذًا لوفاء مصر بتعهداتها الدولية الناشئة عن الاتفاقية المذكورة، كما خلا القرار من شبهة الانحراف في استعمال السلطة، الأمر الذي يضحى معه طلب إلغاء القرار المطعون فيه لا عاصم له من الرفض". كما أسست المحكمة رفضها طلب التعويض على أن "ركن الخطأ غير ثابت في شأن القرار المطعون فيه، حيث جاء هذا القرار متفقًا وصحيح حكم القانون على نحو ما تقدم، ومتى انتفى ركن الخطأ فإن هذا يؤدي إلى عدم تكامل أركان المسئولية في جانب جهة الإدارة".
ومن حيث إن مبنى الطعن أن الحكم المطعون فيه أخطأ في فهم واقع الدعوى، والأساس الذي قامت عليه، كما أخطأ في تطبيق القانون، ذلك أن الحكم المطعون فيه ذهب إلى أن الاتفاقية المتصلة بالتجارة من حقوق الملكية الفكرية ذاتية التنفيذ، وأصبحت جزءًا من التشريع، بيد أنه (الحكم) أغفل أن بعض الحقوق الواردة بالاتفاقية وردت بصياغة عامة، ويتطلب إقرارها وتنظيمها تدخل الدولة بإصدار تشريع يضع هذه الحقوق محل التطبيق أو يفصل كيفية منحها .. من ذلك تحديدًا المادة (70) بفقرتيها مثل الحقوق الاستئثارية وحق براءة الاختراع، وهو ما أفصح عنه وأكده القانون رقم 82 لسنة 2002 بشأن حماية حقوق الملكية الفكرية وحدد سريان الاتفاقية من أول يناير سنة 2005، ومن ثم فإن ما صدر من قرارات لسد الفراغ التشريعي الحاصل قبل صدور هذا القانون سواء قرارات رئيس مجلس الوزراء رقم 547 و1930 و2054 و2211 لسنة 2000، والقرار رقم 1 لسنة 2001 يكون غصبًا لاختصاصات السلطة التشريعية ومعدومة, وحتى في نطاق القرارات المطعون فيها من حيث انعقاد اللجنة التي تنظر وتصدر القرار فإنها لم تنعقد واغتصبت السلطة بغياب رئيسها على الوجه الذي أكدته القرارات ذاتها, وبذلك صدر القرار رقم 1 لسنة 2001 مخالفًا لقرارات رئيس مجلس الوزراء بشأن تشكيل واختصاصات اللجنة التي شكلها لهذا الغرض.
ومن حيث إن مفاد المادة (151) من الدستور أنها فرقت بين نوعين من المعاهدات: الأول: وهو ما يمكن تسميته بالمعاهدات العادية أو البسيطة فتلك يبرمها رئيس الجمهورية, ويبلغها إلى المجلس مشفوعةً بما يناسب من البيان، وذلك لتحقيق علم مجلس الشعب بها، فرئيس الجمهورية هو الذي يبرم هذا النوع من المعاهدات، ويصدق عليها، وتصبح بالتالي لها قوة القانون.
أما النوع الثاني: فيتعلق بمعاهدات الصلح أو التجارة أو الملاحة أو التي يترتب عليها تعديل في أراضي الدولة أو التي تتعلق بحقوق السيادة أو تحمل خزانة الدولة شيئًا من النفقات غير الواردة في الموازنة، فهذه المعاهدات يجب اشتراك مجلس الشعب في إبرامها وذلك بضرورة موافقته عليها.
ومن حيث إن إفتاء وقضاء مجلس الدولة قد استقر على أنه متى استوفت الاتفاقية مراحلها الدستورية المنصوص عليها في المادة (151) من الدستور، تصبح جزءًا من القانون المصري واجب التطبيق، وتطبق باعتبارها قانونًا مصريًا، كما أن القاضي عندما يطبقها لا يطبقها على أساس أن الدولة قد التزمت دوليًا بتطبيقها، وإنما باعتبارها جزءًا من قوانين الدولة الداخلية متى استوفت الشروط اللازمة لنفاذها بالدولة.
لما كان ذلك وكان مجلس الشعب قد وافق بجلسته المنعقدة بتاريخ 16/ 4/ 1995 على قرار رئيس الجمهورية رقم 72 لسنة 1995 الصادر بتاريخ 20/ 3/ 1995 بالموافقة على انضمام مصر لمنظمة التجارة العالمية والاتفاقيات التي تضمنتها، ثم صدق عليها رئيس الجمهورية بتاريخ 19/ 4/ 1995، ونشر ذلك بعدد الجريدة الرسمية رقم 24 تابع في 15/ 6/ 1995، ومن ثم تغدو لهذه الاتفاقية قوة القانون، وتطبق باعتبارها قانونًا مصريًا.
ومن حيث إنه عن تاريخ نفاذ الاتفاقية فقد نصت الفقرة (1) من المادة الرابعة عشرة من اتفاقية مراكش لإنشاء منظمة التجارة العالمية على أن ".... تدخل هذه الاتفاقية واتفاقات التجارة متعددة الأطراف الملحقة بها حيز النفاذ في التاريخ الذي يحدده الوزراء وفقًا للفقرة (3) من الوثيقة الختامية المتضمنة نتائج جولة أورجواي من المفاوضات التجارية متعددة الأطراف".
وتنص الفقرة (3) من الوثيقة الختامية المتضمنة نتائج جولة أورجواي للمفاوضات التجارية متعددة الأطراف على أن "اتفق الممثلون على أن يحبذ قبول اتفاقية منظمة التجارة العالمية من جانب جميع المشتركين في جولة أورجواي للمفاوضات التجارية متعددة الأطراف..... بحيث تدخل حيز التنفيذ بحلول أول يناير 1995 أو في أقرب وقت ممكن بعد هذا التاريخ، يجتمع الوزراء في موعد لا يجاوز أواخر عام 1994 وفقًا للفقرة الختامية من إعلان بونتاديل إبستي الوزاري لاتخاذ قرار بشأن التنفيذ الدولي للنتائج بما في ذلك دخولها حيز التنفيذ".
وطبقًا لقرار وزير الخارجية رقم 42 لسنة 1995 بانضمام جمهورية مصر العربية لمنظمة التجارة العالمية والاتفاقات التي تضمنتها الوثيقة الختامية لنتائج جولة أورجواي........ على أن يعمل بذلك اعتبارًا من 1/ 1/ 1995، ومن ثم يكون تاريخ نفاذ هذه الاتفاقية بالنسبة إلى جمهورية مصر العربية ومن بينها اتفاقية الجوانب المتصلة بالتجارة من حقوق الملكية الفكرية هو 1/ 1/ 1995.
ومن حيث إن مفاد المادة (65) من هذه الاتفاقية الأخيرة أنها أعطت البلاد الأعضاء فترة انتقالية مدتها سنة من تاريخ نفاذ اتفاق منظمة التجارة العالمية أي من 1/ 1/ 1996، لا تلتزم خلالها بتطبيق أحكام هذه الاتفاقية، كما أعطت الفقرة (2) من ذات المادة للدول النامية الأعضاء فترة زمنية أخرى مدتها أربع سنوات (أي حتى 1/ 1/ 2000 لتطبيق هذه الاتفاقية، ومنحت الفقرة (4) من ذات المادة البلدان النامية ومنها مصر الحق في إرجاء الأحكام المتعلقة بحماية المنتجات المغطاة ببراءات الاختراع الواردة في القسم الخامس من الباب الثاني مهلة إضافية مقدارها خمس سنوات ليكون إجمالي الفترة الانتقالية عشر سنوات بدءًا من تاريخ نفاذ الاتفاقية في 1/ 1/ 1995 وحتى 1/ 1/ 2005، ثم عالجت المادة (70) من ذات الاتفاقية في فقرتيها (8 و9) الأحكام المتعلقة بحماية المواد القائمة حاليًا في حالة إرجاء تنفيذ الاتفاقية على النحو المتقدم، إذ أوجبت على الدول النامية اعتبارًا من 1/ 1/ 1995 إتاحة وسيلة معينة يمكن بمقتضاها تقديم طلبات الحصول على براءات الاختراع، وبحيث يتم تخصيص صندوق توضع فيه طلبات الحصول على براءات الاختراع عن الأدوية (سواء كانت هذه الطلبات متعلقة بمنتج دوائي أو بطريقة تصنيفه)، ويتم الحصول على البراءة وفقًا للمعايير السائدة وقت التقدم بالطلب، حتى وإن كانت الحماية الفعلية لن يتم إسباغها إلا بعد انقضاء الفترة الانتقالية، على أن تُعطى حقوق استئثارية في هذا البلد لطالب براءة الاختراع لمدة خمس سنوات أو حتى تاريخ منحه أو رفض منحه البراءة الخاصة بهذا المنتج في ذلك البلد أي الفترتين أقصر.
ومن حيث إنه من نافلة القول أن إعمال ما توجبه الاتفاقية في الفقرتين (8 و9) من المادة (70) عند إرجاء تنفيذها من حيث تقرير وسائل طلبات الحصول على البراءة ومنح حقوق استئثارية لصاحب الطلب الذي تقدم بطلب الحصول على براءات اختراع يقتضي أن يكون إعمال ذلك بمراعاة القواعد الأساسية المنظمة لسلطة التشريع في كل دولة، بحيث يصدر التنظيم المطلوب بمراعاة هذه القواعد.
ومن حيث إنه وإن كان الأصل أن السلطة التشريعية ممثلة في مجلس الشعب تتولى - بصريح نص المادة (86) من الدستور - سن القوانين، فإن الدستور ذاته أجاز لرئيس الجمهورية اتخاذ قرارات لها قوة القانون في حالات وردت على سبيل الحصر نظمتها المواد (74) و(108) و(147) و(148) من الدستور وهي الخاصة بحالتي التعويض والضرورة، وفيما عدا هذه الحالات لا تتولى السلطة التنفيذية أي اختصاص بسن القوانين سوى تلك المتعلقة بإعمال هذه القوانين وأحكام تنفيذها وهو ما لا يتأتى إلا بناءً على قانون يخولها ذلك.
لما كان ذلك وكان الثابت من الأوراق أن رئيس مجلس الوزراء بمناسبة الاتفاقية سالفة الذكر أصدر عدة قرارات منها القرار رقم 547 لسنة 2000 والذي ناط فيه بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا إصدار شهادة حق التسويق الاستئثاري للمنتجات الخاضعة لأحكام الفقرة (9) من المادة (70) من اتفاقية التربس وشروط الحصول على تلك الشهادة، ثم أعقب ذلك صدور قراريه رقمي 1930 و2054 لسنة 2000 بتشكيل اللجنة المختصة بإصدار الموافقة على تسويق المنتج في مصر، كما أصدر القرار رقم 2221 لسنة 2000 في شأن سرية المعلومات الخاصة بالمنتجات الكيميائية الزراعية والصيدلية، وكانت المسائل التي تناولتها هذه القرارات من المسائل المحجوزة أصلاً للسلطة التشريعية بحسبانها تدخلت في حقوق الأفراد وحرياتهم، ولم تكن هذه القرارات فيما تضمنته تستند إلى قانون يخولها ذلك، فمن ثم تكون هذه القرارات قد انطوت على مخالفة صارخة للدستور والقانون.
ولما كان القرار المطعون فيه رقم 1 لسنة 2001 الصادر من رئيس أكاديمية البحث العلمي بمنح الشركة المطعون ضدها حق التسويق الاستئثاري من المنتج الدوائي "أولانزيين زبيركا" في مصر قد استند إلى هذه القرارات، فمن ثم يكون قد خالف القانون، ويغدو من ثم متعين الإلغاء، ودون أن ينتقص من ذلك القول بأن هذه القرارات قد صدرت استنادًا إلى المادة (156) من الدستور، ذلك أن هذه المادة ناطت الاختصاصات التي نصت عليها - ومنها الاختصاص بإصدار القرارات الإدارية والتنفيذية وفقًا للقوانين والقرارات ومراقبة تنفيذها - لمجلس الوزراء وليس لرئيس مجلس الوزراء الأمر غير الماثل في خصوصية هذا الطعن.
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه إذ لم يلتزم بهذه الوجهة من النظر، فمن ثم يكون قد خالف القانون وتعين القضاء بإلغائه وإلزام الجهة الإدارية المطعون ضدها مصروفات هذا الطلب.
ومن حيث إنه عن طلب التعويض فإنه من المستقر عليه في قضاء هذه المحكمة أنه يتعين لقيام مسئولية الجهة الإدارية عن القرارات الإدارية الصادرة عنها ثبوت خطأ في جانبها، بأن يكون قرارها غير مشروع، وأن يلحق بصاحب الشأن ضرر، وأن تقوم علاقة السببية بين الخطأ والضرر.
ومن حيث إنه ولئن كان ركن الخطأ قد توافر في الحالة المعروضة إزاء ما انتهت إليه المحكمة من عدم مشروعية القرار المطعون فيه، إلا أنه وقد خلت الأوراق من بيان عناصر الضرر التي حاقت بالطاعن جراءه وكانت أوراق الطعن غير كافية لتكوين عقيدة المحكمة في هذا الخصوص، حيث توجد مسائل فنية يتعين استجلاء وجه الحق بشأنها، الأمر الذي تستخدم معه المحكمة الرخصة المخولة لها بمقتضى المادة (135) من قانون الإثبات في المواد المدنية والتجارية الصادر بالقانون رقم 25 لسنة 1968 وتقضي بندب مكتب خبراء وزارة العدل بمحافظة القاهرة ليندب أحد خبرائه المتخصصين للبحث عن الأضرار التي حاقت بالشركة الطاعنة من جراء القرار غير المشروع وماهيتها وعناصرها وقيمتها, وعما إذا كان هذا القرار هو السبب المباشر لوقوع هذه الأضرار من عدمه، وذلك في ضوء ما يقدم له من أوراق في هذا الخصوص، وصرحت للخبير بسماع أقوال الطرفين والاطلاع على ما قد يقدمانه له من مستندات أخرى، وسماع من يرى سماع شهادته بغير حلف يمين، والانتقال إلى أية جهة حكومية يرى الاطلاع على ما لديها من أوراق ومستندات رسمية.

فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة

أولاً: بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه فيما تضمنه من رفض الدعوى وبإلغاء القرار الطعين، وألزمت الجهة الإدارية المطعون ضدها مصروفات هذا الطلب.
ثانيًا: بالنسبة لطلب التعويض وتمهيديًا وقبل الفصل فيه بندب مكتب خبراء وزارة العدل بالقاهرة لأداء المهمة المبينة في أسباب هذا الحكم، وعلى الطالب إيداع مبلغ 1000 جنيه لحساب مصاريف أتعاب مكتب الخبراء تصرف للخبير فورًا ودون إجراءات فور إيداع التقرير، وعلى المكتب المذكور إيداع التقرير ومحاضر الأعمال قلم كتاب هذه المحكمة خلال شهر من تاريخ إخطاره من قلم الكتاب بهذه المأمورية، بعد إيداع الأمانة، وحدد لنظر الطعن جلسة 5/ 2/ 2005 في حالة عدم إيداع الأمانة، وجلسة 26/ 3/ 2005 في حالة إيداعها، وعلى قلم الكتاب إخطار طرفي الخصومة بهذا الحكم، وأبقت الفصل في مصروفات هذا الطلب.