الصفحات

تحميل وطباعة هذه الصفحة

Print Friendly and PDF

بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 1 فبراير 2025

الطعن 844 لسنة 38 ق جلسة 13 / 2 / 1996 إدارية عليا مكتب فني 41 ج 1 ق 69 ص 575

جلسة 13 من فبراير سنة 1996

برئاسة السيد الأستاذ المستشار/ حنا ناشد مينا حنا - نائب رئيس مجلس الدولة، وعضوية السادة الأساتذة: فاروق علي عبد القادر، وعلي فكري حسن صالح، والصغير محمد محمود بدران، ومحمد إبراهيم قشطة - نواب رئيس مجلس الدولة.

----------------

(69)

الطعن رقم 844 لسنة 38 القضائية

هيئة الشرطة - ضباط - الإحالة إلى الاحتياط - طبيعته - رقابة المحكمة لأسباب قرار الإحالة.
المواد من 41 حتى 48، المادة 67 من قانون هيئة الشرطة رقم 109 لسنة 1971.
المشرع في قانون هيئة الشرطة وضع نظامين لمواجهة سلوك الضباط والمخالفات التي تصدر عنه، أحدهما النظام التأديبي لعقاب الضابط ومجازاته تأديبياً عن المخالفات التي تثبت في حقه وذلك من خلال المحاكمة التأديبية، وثانيهما نظام الإحالة إلى الاحتياط والذي قد يكون مقدمه إلى الإحالة إلى المعاش. النظامان يشتركان في أن كلاً منهما يواجه وقائع ومخالفات إلى الضابط.
إحالة الضابط إلى الاحتياط من شأنها تنحيته عن وظيفته وسلبه حقوقها ومزاياها وإبقاؤه مدة لا تزيد على سنتين متربصاً إما إعادته إلى الخدمة أو إحالته إلى المعاش. قرار الإحالة إلى الاحتياط بهذا المعنى يعتبر نوعاً من الجزاء يوقع على الضابط بغير الطريق التأديبي الذي نظمه القانون وبغير إجراء تحقيق مع الضابط - ومن ثم - فهو نظام استثنائي اختصه المشرع بضوابط وشروط خاصة يجب توافرها حتى يسوغ لجهة الإدارة أن تترك النظام التأديبي وهو الأصل إلى نظام الاحتياط وهو الاستثناء. ليس كل خروج على واجبات الوظيفة أو مقتضاها يسوغ لجهة الإدارة التدخل بنظام الإحالة إلى الاحتياط لمواجهة المخالفات التي تنسب إلى الضابط إنما يجب أن يتوافر قدر من الجسامة والخطورة يبرر حالة الضرورة الملحة التي تستوجب الخروج على نظام التأديب وذلك بأن تقدم أسباباً جدية تتعلق بالصالح العام.
تلك الأسباب تخضع لرقابة المحكمة سواء من حيث وجودها المادي أو القانوني أو من حيث تكييفها وتقدير مدى خطورتها - أساس ذلك - أنه ولئن كانت الإدارة تملك بحسب الأصل حرية وزن مناسبات إصدار القرار الإداري وتقدير أهمية النتائج التي تترتب على الوقائع الثابت قيامها، إلا أنه حينما تكون ملائمة إصدار القرار شرطاً من شروط مشروعيته فإن هذه الملائمة تخضع لرقابة القضاء الإداري. تطبيق.


إجراءات الطعن

بتاريخ 2/ 3/ 1992 أودع الأستاذ/..... المحامي، بصفته وكيلاً عن الطاعن قلم كتاب المحكمة الإدارية العليا، تقرير طعن قيد بجدولها برقم تحت رقم 844 لسنة 38 ق. ع، في الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري - دائرة الجزاءات - في الدعوى رقم 7508 لسنة 43 ق بجلسة 25/ 11/ 1991 والقاضي في منطوقه أولاً: بقبول الدعوى شكلاً بالنسبة لطلب إلغاء القرار رقم 767 لسنة 1989 ورفضها موضوعاً وإلزام المدعي المصروفات. ثانياً: بعدم اختصاص المحكمة نوعياً بنظر الدعوى بالنسبة لطلب إلغاء قرار مجازاة المدعي بخصم سبعة أيام من راتبه، وإحالته بحالته إلى المحكمة التأديبية للعاملين بوزارة الداخلية للاختصاص.
وطلب الطاعن، للأسباب الواردة بصحيفة الطعن الحكم بقبول الطعن شكلاً وفى موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه فيما قضى به من رفض طلب إلغاء قرار إحالته إلى الاحتياط والقضاء بإلغاء هذا القرار مع ما يترتب على ذلك من آثار وإلزام جهة الإدارة المصروفات عن الدرجتين.
وقد تم إعلان صحيفة الطعن للمطعون ضده على النحو المبين بالأوراق.
وبعد تحضير الطعن أودعت هيئة مفوضي الدولة تقريراً مسبباً ارتأت فيه الحكم بقبول الطعن شكلاً وفى الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه، وإلغاء القرار المطعون فيه مع ما يترتب على ذلك من آثار، كما تم نظر الطعن أمام دائرة فحص الطعون بهذه المحكمة حيث قررت إحالة الطعن إلى المحكمة الإدارية العليا (الدائرة الثالثة - موضوع) وحددت لنظره أمامها جلسة 15/ 8/ 1995 وبقبول الطعن أمام المحكمة على النحو المبين بالأوراق حيث قدمت الجهة الإدارية مذكرة بدفاعها والمحكمة قررت إصدار الحكم بجلسة اليوم 13/ 2/ 1996 وفيها صدر الحكم وأودعت مسودته المشتملة على أسبابه عند النطق به.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
ومن حيث إنه عن شكل الطعن فإن الثابت من الأوراق أن الحكم المطعون فيه صدر بجلسة 25/ 11/ 1991 وتقدم الطاعن بطلب الإعفاء من الرسوم رقم 40 لسنة 38 بتاريخ 22/ 1/ 1992 وصدر قرار بتاريخ 2/ 1/ 1993 برفض الطلب، ومن ثم يكون الطعن قد أقيم خلال الميعاد المقرر قانوناً، وإذ استوفى الطعن سائر أوضاعه الشكلية فمن ثم يتعين الحكم بقبوله شكلاً.
ومن حيث إنه عن الموضوع فإن عناصر هذه المنازعة تخلص - حسبما يبين من الأوراق - في أنه بتاريخ 11/ 9/ 1989 أقام الطاعن الدعوى رقم 7508 لسنة 43 ق بصحيفة أودعت قلم كتاب محكمة القضاء الإداري - دائرة الجزاءات - طلب في ختامها الحكم أولاً: وبصفة مستعجلة بوقف التنفيذ قرار وزير الداخلية رقم 767 لسنة 1989 بإحالته إلى الاحتياط اعتباراً من 25/ 7/ 1979.
ثانياً: وفى الموضوع بإلغاء هذا القرار، فضلاً عن قرار مساعد وزير الداخلية للأمن الاقتصادي بمجازاته بخصم سبعة أيام من راتبه مع إلزام الإدارة المصروفات، وذكر المدعي (الطاعن) شرحاً لدعواه أنه عمل ضابطاً في كل مواقع العمل بالشرطة التي أسندت إليه وكان عمله وخلقه محل تقدير كل من عمل معهم من الرؤساء، وأن تقارير كفايته بدرجة امتياز لما يستحق لقاء إخلاصه في العمل وحسن أدائه وقد فوجئ بصدور قرار مساعد وزير الداخلية للأمن الاقتصادي في 8/ 7/ 1989 بخصم سبعة أيام من راتبه لما نسب إليه من وقائع غير صحيحة وتهم مكذوبة كما أعلن بقرار وزير الداخلية رقم 767 لسنة 1989 بإحالته إلى الاحتياط للصالح العام اعتباراً من 25/ 7/ 1989 ولم يعلم سبباً لصدور هذا القرار، لذلك فقد بادر بالتظلم من هذين القرارين طالباً سحبهما لمخالفتيهما للقانون، إلا أن الجهة الإدارية لم ترد على تظلمه مما اضطره إلى الالتجاء للقضاء طالباً إنصافه بإلغاء القرارين المطعون فيهما فضلاً عن وقف تنفيذ القرار الصادر بإحالته إلى الاحتياط، وأضاف المدعي أن القرارين المطعون فيهما صدرا مشوبين بعيب مخالفة القانون لقيامهما على غير سبب صحيح من الواقع، فالتهم التي بني عليها قرار الجزاء وهى في الأغلب - ذاتها التي أقيم عليها قرار الإحالة إلى الاحتياط تهم مكذوبة لا أصل لها من الواقع، وارتكنت إلى شهادات مغرضة وغير صادقة.
وبجلسة 25/ 11/ 1991 أصدرت محكمة القضاء الإداري حكمها المطعون فيه بعد أن استعرضت نص المادة 67 من القانون رقم 109 لسنة 1971 بشأن هيئة الشرطة - تأسيساً على أن الثابت من الأوراق أن الإدارة العامة للتفتيش والرقابة قامت بفحص وتقييم موقف المدعي في ضوء ارتباطه بعلاقات بغرض الاستفادة منها مادياً مستغلاً في ذلك طبيعة عمله، وقد انتهى تقرير هذه الإدارة إلى خروج المدعي على مقتضى الواجب الوظيفي ومخالفته للتعليمات وسلوكه المعيب الذي يتمثل في استغلال سلطة وظيفته بإنشاء علاقات مع أشخاص حال كونهم من ذوي الأنشطة السياحية الخاضعة لطبيعة عمله وقد عرف عن البعض منهم سوء السمعة وسابقة الاعتقال كما قامت إدارة البحث الجنائي بمديرية أمن قنا بإعداد تقرير خلصت فيه إلى ثبوت تنظيم المخالفات المنسوبة إليه، حيث أورد التقرير أن أصحاب المحلات والبازارات يحجمون عن الإدلاء بأية معلومات بخصوص هذا الشأن حرصاً على علاقتهم بالمدعي وإن كانوا يتضررون منه من كثرة طلباته المجانية إلا أنه خوفاً منه بحكم منصبه يرضخون لطلباته ويحجمون على الشكوى ضده لأية جهة رسمية.
وأضافت المحكمة أن الثابت من التحقيقات التي أجرتها إدارة التفتيش والرقابة مع أصحاب المحلات والبازارات ومديري الفنادق بمدينة الأقصر أن المدعي يقوم باستغلال نفوذه وسلطته كضابط شرطة ومديراً لشرطة السياحة بمدينة الأقصر بقصد تحقيق مصالح مادية وأن كافة المتصلين بالمدعي أكدوا صحة ما نسب إليه، ومن ثم يكون القرار المطعون فيه بإحالته إلى الاحتياط قد قام على أسباب جدية متعلقة بالصالح العام على نحو ما نصت عليه المادة 67/ 2 من قانون هيئة الشرطة المشار إليه، وتكون الدعوى بطلب إلغائه قائمة على غير سند من الواقع أو القانون جديرة بالرفض.
ومن حيث إن هذا الحكم لم يلق قبولاً لدى الطاعن فأقام طعنه الماثل ناعياً على الحكم المطعون فيه الخطأ في فهم الواقع وتطبيق القانون وذلك استناداً إلى أن مقتضى حكم المادة 67 من قانون هيئة الشرطة المشار إليه أن الإحالة للاحتياط تكون للأسباب الواردة في النص ومن بينها وجود أسباب جدية تتعلق بالصالح العام وتجعل بقاء الضابط في الخدمة يتعارض مع هذه المصلحة، وإذا تبين عدم صحة الأسباب أو عدم جديتها، أو أنها لا تتعلق بالصالح العام أو لم تكن من الأهمية إلى الدرجة التي تبرر الإحالة إلى الاحتياط كان القرار باطلاً، وإن الثابت من مذكرة الإدارة العامة للتفتيش والرقابة - سند القرار الطعين وسند الحكم المطعون فيه - إن ما نسب للطاعن لا يشكل أية مخالفة إدارية أو سلوكاً معيباً، وأن الاتهامات الستة المنسوبة للطاعن غير صحيحة على الوجه الآتي: -
1 - اتهامه بالحصول على 400 جنيه من منتج ياباني أثناء تصوير بعثة التليفزيون الياباني لبعض المشاهد الطبيعية الأثرية بالأقصر خلال نوفمبر سنة 1988 واشتراكه في تصوير أحد المشاهد من خلال قيامه بدور القبض على المتهم: فقد أوضح الطاعن في التحقيق الذي أجرته الإدارة العامة للتفتيش أن المناظر التي تم تصويرها شملت محطة الأقصر والسوق ومعبد الكرنك والبر الغربي وذلك بموجب تصريح من إدارة العلاقات العامة بوزارة الداخلية وكانت توجيهات السيد اللواء مدير هذه الإدارة هي تسهيل مهمة البعثة في حدود ما تصرح لها به، وأن دوره انحصر في إبعاد الجمهور عن مواقع التصوير وربما التقطت له صورة أثناء ذلك بمكتب وزارة السياحة وليس بمكتبه بقسم الشرطة، وأن أحداً لم يزعم حصول الطاعن على أي مبلغ نظير ذلك.
2 - اتهامه بدعوته المواطن/...... صاحب مصنع انتيكات بالأقصر لحضور حفل عيد ميلاد السيدة حرمه بفندق إيزيس وطلبه منه تقديم هدية ذهبية لها في هذه المناسبة فقد ورد بمذكرة الإدارة العامة للتفتيش والرقابة "أن التحريات أفادت بأنه لم يسجل بالفندق أية بيانات عن إقامة هذا الحفل، إلا أن المعلومات أشارت إلى حقيقة إقامته به وحضره بعض المواطنين كما ورد بالمذكرة أن المواطن/...... ذكر أنه لم يحضر الحفل ولكن التحريات تؤكد حضوره.
3 - اتهامه بالتعامل مع العقيد متقاعد/..... صاحب شركة الصفا والمروة للتجارة والملابس وحصوله منه على عمولات مقابل تسهيل تعاقدات مع بعض المنشآت الفندقية والعالمية في تجهيز الملابس الخاصة بالعاملين بها: وقد اعترفت مذكرة الإدارة العامة للتفتيش والرقابة بعدم صحة التحريات التي أسندت للطاعن سعيه لدى فندق شيراتون الأقصر والباخرة سفنكس للتعاقد مع شركة الصفا والمروة - غير أن المذكرة زعمت أن التحريات وصلت إلى سعي الطاعن لدى فندق أيتاب وإيموفيل حيث قام الفندقان بالتعاقد مع الشركة المذكورة وأن التحريات أشارت إلى حصول الطاعن على عمولات من صاحب الشركة مقابل إنهاء هذه التعاقدات ولكن يتعذر أمامه الدليل المادي - إذن فإن ذلك كان مجرد أقاويل لا يسوغ الاستناد إليها لإحالة الطاعن للاحتياط.
4 - اتهامه بشراء حذاء جلد من محل أحذية دون سداد قيمته. وهذا الاتهام بني على تحريات مغرضة.
5 - اتهامه بتكليف المدعو/....... المرشد السياحي بشراء احتياجات منزله من خضروات وفاكهة دون سداد ثمنها، وهذا الاتهام قد بني على تحريات غير صحيحة، حيث أنكر المرشد المذكور ما جاء بالتحريات.
6 - اتهامه بتردده على محل بازار رضوان والحصول منه على بعض الهدايا، دون دفع قيمتها: فقد نفى صاحب المحل ما ورد بالتحريات وذكر أن الأشياء المشار إليها في التحريات اشتراها الطاعن ودفع له ثمنها.
وخلص الطاعن إلى القول بأن كل الاتهامات المنسوبة إلى الطاعن قد بنيت على تحريات مغرضة مما ينعى شرطي جدية الأسباب وملاءمتها لإصدار هذا القرار.
ومن حيث إن المشرع في قانون هيئة الشرطة رقم 109 لسنة 1971 نظم في الفصل السادس منه في المواد من 41 حتى 46 واجبات ضابط الشرطة ونصت المادة 47 على أن كل ضابط يخالف الواجبات المنصوص عليها في هذا القانون أو في القرارات الصادرة من وزير الداخلية أو يخرج على مقتضى الواجب في أعمال وظيفته أو يسلك سلوكاً أو يظهر بمظهر من شأنه الإخلال بكرامة الوظيفة يعاقب تأديبياً - ونصت المادة 48 من القانون ذاته في الفصل الخاص بالتأديب على الجزاءات التأديبية التي يجوز توقيعها على الضابط والتي تتدرج من الإنذار حتى العزل من الوظيفة والجهات المختصة بتوقيع الجزاءات.
وفى الفصل الثامن للقانون - الخاص بالإحالة إلى الاحتياط - نصت المادة 67 على أنه "لوزير الداخلية - بعد أخذ رأي المجلس الأعلى للشرطة - أن يحيل الضابط ما عدا المعينين في وظائفهم بقرار من رئيس الجمهورية - إلى الاحتياط وذلك:
(1) بناء على طلب الضابط أو الوزارة لأسباب صحية.
(2) إذا ثبت ضرورة ذلك لأسباب جدية "تتعلق بالصالح العام ولا يسري ذلك على الضابط من رتبة لواء".
ولا يجوز أن تزيد مدة الاحتياط على سنتين، ويعرض أمر الضابط قبل انتهاء المدة على المجلس الأعلى للشرطة ليقرر إحالته إلى المعاش أو إعادته للخدمة العاملة، فإذا لم يتم العرض عاد الضابط إلى عمله ما لم تكن مدة خدمته قد انتهت لسبب آخر طبقاً للقانون".
ومن حيث إنه يبين مما تقدم أن المشرع في قانون هيئة الشرطة وضع نظامين لمواجهة سلوك الضباط والمخالفات التي تصدر عنهم أحدهما النظام التأديبي لعقاب الضابط ومجازاته تأديبياً عن المخالفات التي تثبت في حقه وذلك من خلال المحاكمة التأديبية وثانيهما نظام الإحالة إلى الاحتياط والذي قد يكون مقدمة إلى الإحالة إلى المعاش - وهذا النظام يشترك مع النظام التأديبي في أنه يوجه وقائع ومخالفات إلى الضابط - كما أن إحالة الضابط إلى الاحتياط - من شأنها تنحية الضابط عن وظيفته وسلبه حقوقها ومزاياها وإبقاؤه مدة لا تزيد على سنتين متربصاً إما إعادته إلى الخدمة أو إحالته إلى المعاش، أي أن قرار الإحالة إلى الاحتياط قد يكون مقدمة لإحالة الضابط إلى المعاش ومن ثم فهو يعتبر نوعاً من الجزاء يوقع على الضابط بغير الطريق التأديبي الذي نظمه القانون وبغير إجراء تحقيق مع الضابط يواجه فيه بما هو منسوب إليه ويمكن من تحقيق دفاعه ثم عقابه إدارياً أو من خلال مجلس تأديب بعد محاكمة تأديبية تكفل بها كافة الضمانات القانونية للمحاكمات التأديبية، ومن ثم فهو على هذا النحو نظام جزائي استثنائي، لذلك فقد اختصه المشرع بضوابط وشروط خاصة يجب توافرها حتى يسوغ لجهة الإدارة أن تترك نظام التأديب وهو الأصل إلى نظام الاحتياط وهو الاستثناء - فنصت المادة 67/ 2 على أن "لوزير الداخلية أن يحيل الضابط إلى الاحتياط بعد أخذ رأي المجلس الأعلى للشرطة إذا ما ثبت ضرورة ذلك لأسباب جدية تتعلق بالصالح العام، فليس كل خروج على واجبات الوظيفة أو مقتضياتها يسوغ لجهة الإدارة التدخل بنظام الإحالة إلى الاحتياط لمواجهة المخالفات التي تنسب إلى الضابط، وإنما يجب أن يتوافر في تلك المخالفات قدر من الجسامة والخطورة وتقدم معها حالة الضرورة الملحة التي تستوجب الخروج على نظام التأديب وذلك بأن تقدم أسباب جدية تتعلق بالصالح العام ولا تجد الإدارة معها بديلاً عن إبعاد الضابط عن عمله مؤقتاً وفوراً ودون انتظار لإجراءات التأديب العادية المنصوص عليها في القانون والتي قد تطول، وهذا هو مقتضى الضرورة التي استلزمها المشرع في المادة 67/ 2 من قانون الشرطة، فحينئذ تتدخل جهة الإدارة لاستخدام هذا النظام لإبعاده عن وظيفته، فالإحالة إلى الاحتياط يجب أن تكون لها أسباب ذات خطورة تبررها وضرورة تقتضيها، ويجب أن تتوافر هذه العناصر جميعاً، فلا تكفي الأسباب العادية والتي لا تشكل أية خطورة أو لا تتعلق بالصالح العام، أو لم تكن هناك ضرورة إلى ذلك بحيث يكفي النظام التأديبي لمواجهة الأخطاء التي صدرت عن الضابط.
ومن حيث إنه من المستقر عليه في قضاء هذه المحكمة أن تلك الأسباب تخضع لرقابة المحكمة سواء من حيث وجودها المادي أو القانوني أو من حيث تكييفها وتقدير مدى خطورتها ذلك أنه ولئن كانت الإدارة تملك بحسب الأصل حرية وزن مناسبات إصدار القرار الإداري وتقدير أهمية النتائج التي تترتب على الوقائع الثابت قيامها، إلا أنه حينما تكون ملائمة إصدار القرار شرطاً من شروط مشروعيته فإن هذه الملاءمة تخضع لرقابة القضاء الإداري، فإذا اشترط القانون لمشروعية قرار الإحالة إلى الاحتياط توافر أسباب جدية تتعلق بالمصلحة العامة، وأن تقتضي الضرورة مثل هذا الإجراء فإن للمحكمة رقابة قضائية على قيام هذا المسوغ من عدمه لبيان مدى جدية الأسباب ومدى تعلقها بالصالح العام وما إذا كانت هناك ضرورة للتدخل بنظام الإحالة إلى الاحتياط للتعرف على مدى مشروعية القرار ومطابقته للقانون، فإذا ثبت جدية وخطورة الأسباب التي بنت عليها الإدارة قرارها وتعلق تلك الأسباب بالصالح العام، وإن إذا الضرورة تقضي التدخل بنظام الاحتياط كان القرار سليماً، أما إذا ثبت تخلف عنصر من تلك العناصر كأن يتضح عدم جدية الأسباب أو عدم تعلقها بالصالح العام أو عدم وجود ضرورة تسوغ التدخل تطبيق نص المادة 67/ 2 بالإحالة إلى الاحتياط كان القرار باطلاً، والمحكمة إذ تراقب ذلك لا يعتبر تدخلاً منها أو حلولاً للسلطة القضائية فيما هو متروك لتقدير السلطة الإدارية، وإنما هو إعمال لحقها في الرقابة القضائية القانونية على القرارات التي تتمثل في التحقق من أن القرار محل الطعن يستند إلى سبب موجود وصحيح قانوناً وأنه صدر مستهدفاً الصالح العام وتوافرت فيه الضوابط كما حددها المشرع.
ومن حيث إن ما نسب للطاعن - على النحو السالف بيانه - لا يعدو أن يكون خطأ مسلكياً خرج به الطاعن على مقتضى الواجب الوظيفي يمكن بسببه أن يكون محلاً للمساءلة التأديبية ولكنها لا تصلح مبرراً لتطبيق نص المادة 67/ 2 من قانون هيئة الشرطة وإحالته إلى الاحتياط لتخلف مناط تطبيق تلك المادة من وجوب توافر أسباب جدية متعلقة بالصالح العام كما لم تتوافر حالة الضرورة التي تبرر ذلك فلم تكن هناك ظروف تحتم على جهة الإدارة إحالة الطاعن إلى الاحتياط، وقد بدا ذلك من مذكرة الإدارة العامة للتفتيش والرقابة التي وصفت الوقائع التي نسبت غلى الطاعن بأنها إخلال بواجبات الوظيفة أو خروج على مقتضى الواجب الوظيفي وهى بذلك لا تعدو أن تكون أخطاء مسلكية عادية تكفي فيها المساءلة التأديبية، كما أن المجلس الأعلى للشرطة وكذلك القرار المطعون فيه لم يبين ما هي حالة الضرورة التي استلزمت تطبيق نص المادة 67/ 2 المشار إليها بإحالة الطاعن إلى الاحتياط وأن الأوراق قد خلت مما يفيد أو يثبت وجود ضرورة لتطبيق حكم تلك المادة، وخاصة ما هو ثابت بالأوراق من أن الجهة الإدارية قد سلكت الطريق التأديبي فعاقبت الطاعن حيال المخالفات المنسوبة إليه، وصدر قرار اللواء مساعد أول وزير الداخلية للأمن الاقتصادي بمجازاة الطاعن بخصم أجر سبعة أيام من راتبه الشهري، وهو القرار الذي كان محلاً للطعن التأديبي رقم 77 لسنة 26 ق وانتهت المحكمة التأديبية المختصة إلى رفضه لثبوت بعض المخالفات التي تكفي لحمل القرار التأديبي على أسبابه المبررة له، مما يفيد أن ما فرط من الطاعن لم يكن ليشكل الخطورة التي تقوم معها الأسباب الجدية المبررة للإحالة إلى الاحتياط.
وإذا ثبت على النحو المتقدم عدم توافر شروط تطبيق المادة 67/ 2 من قانون هيئة الشرطة على الوقائع التي نسبت إلى الطاعن، كما ثبت أنه جوزي عنها تأديبياً، فإن قرار إحالته إلى الاحتياط المطعون فيه يكون قد صدر على غير سببه ومقتضاه كما حددتها المادة 67/ 2 سالفة الذكر، وإذ أخذ الحكم المطعون فيه بغير ذلك فإنه يكون قد أخطأ في تطبيق القانون وتأويله، مما يتعين معها الحكم بإلغائه وإلغاء قرار وزير الداخلية المطعون فيه بإحالة الطاعن إلى الاحتياط وإلزام المطعون ضده بصفته المصروفات.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً وفى الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه وبإلغاء قرار وزير الداخلية رقم 767 لسنة 1989 المطعون فيه، وألزمت الجهة الإدارية المصروفات.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق