جلسة 17 من فبراير سنة 1996
برئاسة السيد الأستاذ المستشار/ فاروق عبد السلام شعت - نائب رئيس مجلس الدولة، وعضوية السادة الأساتذة: محمد يسري زين العابدين، ومنصور حسن علي عربي، ومحمد أبو الوفا عبد المتعال، وعبد القادر هاشم النشار - نواب رئيس مجلس الدولة.
----------------
(70)
الطعن رقم 3266 لسنة 38 القضائية
تأديب - لا تلازم بين المسئولية التأديبية والمسئولية المدنية - المفارقة بين الخطأ المرفقي والخطأ الشخصي.
- قانون العاملين المدنيين بالدولة رقم 47 لسنة 1978 - مادة (78).
إن قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة الصادر بالقانون رقم 47 لسنة 1978 ميز بين نوعين من المسئولية التي يمكن أن يتحملها العاملون هما المسئولية التأديبية والمسئولية المدنية، فقد جعل المشرع كل خروج على واجب وظيفي أو إخلال بكرامة الوظيفة مرتباً لمسئولية العامل التأديبية، في حين لم يرتب المسئولية المدنية للعامل إلا إذا اتسم الخطأ الذي وقع منه بوصف الخطأ الشخصي - وعلى ذلك فلا تلازم بين المسئولية التأديبية والمسئولية المدنية للموظف - إذا صح أن كل ما يرتب المسئولية المدنية للموظف تتحقق به المسئولية التأديبية له، فإن العكس ليس صحيحاًً لأن كل مخالفة لواجبات الوظيفة يرتب المسئولية التأديبية للموظف في حين أن مسئوليته المدنية لا تتحقق إلا بتجاوز الخطأ المرتكب حدود الخطأ المرفقي واعتباره خطأ شخصياً - الخطأ المرفقي يتحمل نتائجه المرفق لأنه من المخاطر الطبيعية لنشاطه الذي يمارس من جانب عاملين كل منهم معرض لأن يقع في الخطأ الناتج عن الإهمال العارض، في حين أن الخطأ الشخصي هو ذلك الخطأ الذي يقع من العامل عن عمد أو إهمال جسيم يكشف عن انحدار مستوى التبصر والتحوط لدى العامل عن الحد الواجب توافره في العامل متوسط الحرص الذي يؤدى عمله الأداء المعتاد المعرض للخطأ المحدود الناجم عن الإهمال البسيط وعدم التبصر المحدود - تطبيق.
إجراءات الطعن
في يوم الخميس الموافق 16/ 7/ 1992 أودعت هيئة قضايا الدولة نيابة عن السيد/ وزير المالية (بصفته) قلم كتاب هذه المحكمة تقريراً قيد برقم 3266 لسنة 38 ق. ع في الحكم الصادر من المحكمة التأديبية لوزارة التربية والتعليم وملحقاتها بجلسة 26/ 5/ 1992 في الدعوى رقم 258 لسنة 25 ق والقاضي بإلغاء القرارين المطعون فيهما رقمي 5 لسنة 1991، 226 لسنة 1991 فيما تضمناه من تحميل الطاعن مبلغ 6454.720 جنيهاً بالإضافة إلى مبلغ 142.50 جنيهاً ثمن التمغات التي لم يوردها المدعي، مع ما يترتب على ذلك من آثار.
وطلبت هيئة قضايا الدولة بصفتها نائبة عن الطاعن (وزير المالية) الحكم بصفة مستعجلة بوقف تنفيذ الحكم المطعون فيه وبقبول الطعن شكلاً وفى الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه ورفض دعوى المطعون ضده.
وقد أعلن تقرير الطعن إلى المطعون ضده على الوجه المبين بالأوراق.
وقدمت هيئة مفوضي الدولة تقريراً بالرأي القانوني في الطعن ارتأت فيه - للأسباب المبينة به - الحكم بقبول الطعن شكلاً ورفضه موضوعاً.
وقد تحدد لنظر الطعن أمام دائرة فحص الطعون بهذه المحكمة جلسة 14/ 12/ 1994، وبجلسة 12/ 4/ 1995 قررت الدائرة إحالة الطعن إلى المحكمة الإدارية العليا وحددت لنظره جلسة 20/ 5/ 1995 وتدوول الطعن أمام المحكمة على النحو المبين بمحاضر الجلسات وبجلسة 30/ 12/ 1995 قررت المحكمة حجز الطعن للحكم فيه بجلسة اليوم 17/ 2/ 1996 وفيها صدر الحكم وأودعت مسودته المشتملة على أسبابه عند النطق به.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى سائر أوضاعه الشكلية المقررة، ومن ثم فإنه يكون مقبولاً شكلاً.
ومن حيث إن عناصر المنازعة تتحصل - حسبما يبين من الأوراق - في أن السيد/...... (المطعون ضده) أقام الدعوى رقم 258 لسنة 25 ق أمام المحكمة التأديبية لوزارة التربية والتعليم وملحقاتها طالباً الحكم بإلغاء القرارين رقمي 5 لسنة 1991، 226 لسنة 1991 الصادرين في 30 من شهر يناير و31 من شهر يناير سنة 1991 من الإدارة العامة لضرائب الجيزة بإلزامه بسداد مبلغ 6454.720 جنيهاً (وهو المبلغ الذي سرق من عهدته) بالإضافة إلى مبلغ 142.50 جنيهاً ثمن مبيعات التمغات التي لم يوردها مع إبعاده عن الأعمال المالية وأصدرت الجهة الإدارية قرارها الثاني بإلزام المذكور بسداد المبلغ المشار إليه رغم سابقة إصدار جهة الإدارة القرار رقم 968 لسنة 1990 بمجازاته بخصم خمسة عشر يوماً من راتبه واستند في طلبه لإلغاء القرارين المطعون فيهما إلى أن النيابة العامة قد حفظت الموضوع لعدم معرفة الفاعل بعد إجراء التحقيق ورفع البصمات وسماع الشهود وقرار النيابة العامة المشار إليه هو في حقيقته قرار بألا وجه لإقامة الدعوى وأضاف المدعي أن الجهة الإدارية هي المتسببة في السرقة لكونها تركت مجمع المأموريات التابع لها بلا حراسة الأمر الذي تكرر معه مثل هذا الحادث مرة أخرى وأن حادث السرقة يعتبر من قبيل القوة القاهرة والحادث المفاجئ الذي لا دخل له فيه إذ حدثت عملية اقتحام ليلية لخزانة المأمورية استخدم الجناة فيها أدوات حديدية لكسر الأقفال وأنابيب الأوكسجين لصهر حديد الخزانة واستمر الجناة حوالي خمس ساعات لإتمام جريمتهم حسبما جاء بتحقيقات النيابة العامة واستطرد المدعي أنه في نفس يوم السطو على الخزانة قام بتوريد مبلغ 31294.26 جنيهاً في حوالي الساعة الثانية عشرة والنصف بعد الظهر تنفيذاً للتعليمات المالية ولم يترك أية مبالغ في الخزانة كي لا يعرضها للخطر، وقد حضر في نفس اليوم بعد الساعة الواحدة ظهراً بعض مندوبي التحصيل وأودعوا المبالغ التي سرقت من الخزانة كعهدة طرفه بدون إيصالات توريد وقد اعتراف المدعي باستلامه هذه المبالغ الأمر الذي يؤكد أنه لم يخالف اللوائح المالية.
وبجلسة 26/ 5/ 1992 صدر الحكم المطعون فيه قاضياً بقبول الطعن شكلاً وفى الموضوع بإلغاء القرارين المطعون فيهما رقمي 5 لسنة 1991، 266 لسنة 1991 فيما تضمناه من تحميل المدعي (المطعون ضده في الطعن الماثل) بمبلغ 6454.720 جنيهاً بالإضافة إلى مبلغ 142.50جنيهاً ثمن التمغات التي لم يوردها المدعي مع ما يترتب على ذلك من آثار وأقامت المحكمة قضاءها على أن المدعي وإن لم يقم بتوريد المبالغ المحصلة من مأمورية ضرائب العجوزة والمهندسين للبنك في المواعيد المحددة كما لم يقم بتوريدها للخزانة العامة لمصلحة الضرائب وأبقى بالخزانة المبالغ المشار إليها وذلك بالمخالفة للائحة المالية للميزانية والحسابات وتعليمات المصلحة في هذا الشأن وأن هذا الخطأ ثابت في حقه على النحو السالف الإشارة إليه إلا أن هذا الخطأ يعد خطأ مرفقياً لا يسأل عنه المدعي ذلك أن الخطأ يعتبر مرفقياً ولا يسأل عنه العامل إذا كان العمل الضار الصادر منه غير مصطبغ بطابع شخصي بل ينم عن موظف معرض للخطأ والصواب وكان يهدف من التصرف الصادر منه تحقيق أحد الأغراض المنوط بالإدارة تحقيقها، وقد خلت الأوراق مما يفيد أن المدعي قصد النكاية أو الإضرار بمصالح العمل أو تحقيق منفعة ذاتية، كما انتفت عن الخطأ المنسوب إليه صفة الجسامة ومن ثم يكون قد انتفى عنه الخطأ الشخصي وعليه يكون القراران الصادران بتحميل المدعي بالمبالغ المشار إليها قد خالفا صحيح حكم القانون خليقين بالإلغاء وتغدو مطالبته بإلغائهما قائمة على سند صحيح من القانون.
ومن حيث إن مبنى الطعن على هذا الحكم هو الخطأ في تطبيق القانون وفى تأويله والفساد في الاستدلال لأن الخطأ الجسيم ثابت في حق المطعون ضده وإن لم يكن متعمداً ولم يتغيا به تحقيق منفعة ذاتية أو قصد الإضرار بمصلحة العمل وإن ما بدر من المطعون ضده ينطوي على مخالفة لأحكام اللائحة المالية للميزانية والحسابات وتعليمات مصلحة الضرائب ويشتمل على عدم تبصر بعواقب الأمور ينم عن طيش ورعونة أدت إلى حدوث السرقة ولولا هذا الخطأ ما حدثت السرقة وبالتالي يتعين تحمله الأضرار التي ترتبت على هذا الخطأ الشخصي.
ومن حيث إن قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة الصادر بالقانون رقم 47 لسنة 1978 ميز بين نوعين من المسئولية التي يمكن أن يتحملها العاملون هما المسئولية التأديبية والمسئولية المدنية فنص في المادة (78) على أن كل عامل يخرج على مقتضى الواجب في أعمال وظيفته أو يظهر بمظهر من شأنه الإخلال بكرامة الوظيفة يجازى تأديبيا..... ولا يسأل العامل مدنياً إلا عن خطئه الشخصي، فقد جعل المشرع بذلك كل خروج على واجب وظيفي أو إخلال بكرامة الوظيفة مرتباً لمسئولية العامل التأديبية، في حين لم يرتب المسئولية المدنية للعامل إلا إذا اتسم الخطأ الذي وقع منه بوصف الخطأ الشخصي وعلى ذلك فلا تلازم بين المسئولية التأديبية والمسئولية المدنية للموظف، وإذا صح أن كل ما يرتب المسئولية المدنية للموظف تتحقق به المسئولية التأديبية له، فإن العكس ليس صحيحاً لأن كل مخالفة لواجبات الوظيفة يرتب المسئولية التأديبية للموظف في حين أن مسئوليته المدنية لا تتحقق إلا بتجاوز الخطأ المرتكب حدود الخطأ المرفقي واعتباره خطأ شخصياً، والخطأ المرفقي يتحمل نتائجه المرفق لأنه من المخاطر الطبيعية لنشاطه الذي يمارس من جانب عاملين كل منهم معرض لأن يقع في الخطأ الناتج عن الإهمال العارض، في حين أن الخطأ الشخصي هو ذلك الذي يقع من العامل عن عمد أو إهمال جسيم، إهمال يكشف عن انحدار مستوى التبصر والتحوط لدى العامل عن الحد الواجب توافره في العامل متوسط الحرص الذي يؤدى عمله الأداء المعتاد، والمعرض للخطأ المحدود الناجم عن الإهمال البسيط وعدم التبصر المحدود.
ومن حيث إنه بتطبيق ما تقدم في شأن الخطأ المنسوب إلى المطعون ضده فإن الثابت من الأوراق أن النيابة العامة حفظت موضوع السرقة لعدم معرفة الفاعل بعد إجراء التحقيق ورفع البصمات وسماع الشهود وسماع أقوال المطعون ضده وأن جريمة السرقة كانت نتيجة عملية اقتحام ليلية لخزانة المأمورية استخدم فيها الجناة أدوات حديدية لكسر الأقفال واستخدمت أنابيب الأوكسجين لصهر حديد الخزانة وقد استمر الجناة مدة خمس ساعات لإتمام جريمتهم حسبما جاء بتحقيقات النيابة العامة، كما أن المطعون ضده قام في نفس يوم ارتكاب جريمة السطو على الخزانة عهدته بتوريد مبلغ 31294.26 ج في الساعة الثانية عشرة والنصف تنفيذاً للتعليمات المالية ولم يترك أية مبالغ في الخزانة كي لا يعرضها للخطر، بيد أنه حضر إليه في نفس اليوم بعد الساعة الواحدة ظهراً بعض مندوبي التحصيل وأودعوا في خزانته المبالغ التي سرقت منها وذلك في وقت لم يكن من المتيسر معه توريد هذه المبالغ للبنك ولم تجحد الجهة الإدارية ذلك أو تقدم ما يفيد خلافه كما تبين من الأوراق أن هناك إخلالاً أمنياً في مأمورية ضرائب العجوزة والمهندسين وخاصة الوحدة الموجود ة بها خزنة المأمورية إذ إنها غير مغلقة على الوجه الأكمل والخزانة ليست مثبته على الحائط ولكنها موضوعة على منضدة ومن ثم فإن المبنى غير مؤمن تأميناً كافياً فضلاً عن عدم وجود حراسة من أي نوع وقد طلب رئيس مأمورية ضرائب الجيزة من مديرية أمن الجيزة تعيين حراسة لتأمين المبنى وأبدى ذات الطلب لرئيس قطاع الأمانة العامة بمصلحة الضرائب وبسرعة توفير الوسائل الكفيلة لتأمين المبنى بالإضافة إلى إهمال عمال المأمورية في إغلاق أبواب الوحدات التي تشغلها المأمورية وذلك بعض ما احتواه تقرير اللجنة المشكلة بالقرار رقم 74 لسنة 1989 والمقدم لرئيس مصلحة الضرائب بمناسبة حادث السرقة على خزانة مأمورية ضرائب العجوزة والمهندسين وسرقة محتوياتها، ومؤدى كل ذلك أن الخطأ المنسوب إلى المطعون ضده لا يصطبغ بوصف الخطأ الشخصي المرتب لمسئوليته في ماله الخاص بقيمة المبالغ المسروقة وقد خلت الأوراق من سند لإثبات خطأ شخصي في جانبه وعليه لا يجوز تحميل المطعون ضده بالمبالغ سالفة البيان.
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه قد ذهب هذا المذهب فإنه يكون قد وافق صحيح حكم القانون، ومن ثم يكون الطعن عليه دون سند من الواقع والقانون متعين الرفض.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، ورفضه موضوعاً.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق