الصفحات

البحث الذكي داخل المدونة

تحميل وطباعة هذه الصفحة

Print Friendly and PDF

السبت، 28 يونيو 2025

الطعن 17551 لسنة 92 ق جلسة 25 / 2 / 2023

باسم الشعب
محكمة النقض
الدائرة الجنائية
دائرة السبت (د)
المؤلفة برئاسة السيد المستشار / محمد رضا حسين نائب رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين/ علي حسنين و عادل عمارة هشام الجندي نواب رئيس المحكمة ومحمد كامل باشا

بحضور السيد رئيس النيابة العامة لدى محكمة النقض السيد / زاهر الحسيني.

وأمين السر السيد / فتحي يونس .

في الجلسة العلنية المنعقدة بمقر المحكمة بمدينة القاهرة .
في يوم السبت 4 من شعبان سنة 1444 ه الموافق 25 من فبراير سنة 2023م.
أصدرت الحكم الآتي :
في الطعن المقيد بجدول المحكمة برقم 17551 لسنة 92 القضائية .

المرفوع من
....... " المحكوم عليه "
ضد
النيابة العامة

---------------

" الوقائع "

اتهمت النيابة العامة كلًا من -١- .... " طاعن " ٢- ..... " قُضي بإعفائه من العقوبة " في قضية الجناية رقم ١٢٤٣٩ لسنة ٢٠٢١ قسم مصر الجديدة (والمقيدة بالجدول الكلي برقم ٤٨۰۲ لسنة ٢٠٢١ شرق القاهرة )
أنهما في غضون شهري أبريل ومايو سنة ۲۰۲۱ بدائرة قسم مصر الجديدة محافظة القاهرة
أولًا: المتهم الأول:
- بصفته موظفًا عموميًا " المستشار القانوني لجهاز حماية المستهلك " طلب وأخذ لنفسه عطايا لأداء عمل من أعمال وظيفته ولاستعمال نفوذه الحقيقي للحصول من سلطة عامة علي مزية بأن طلب من المتهم الثاني ساعة يد من طراز رولكس ومكملات غذائية بقيمة مائتين وسبعة وثمانين ألف جنيه، كما طلب وأخذ منه مأكولات وطبقًا من الفضة وفائدة تمثلت في جلستي العلاج جميعها بقيمة اثني عشر ألفا ومائة وستة وسبعين جنيهًا مصريًا وذلك مقابل رفع الحظر الإعلاني المفروض من جهاز حماية المستهلك على منتجات شركة المتهم الثاني بإبداء رأيه الاستشاري لرئيس الجهاز بعدم قانونية ذلك الحظر وكذا التدخل لدي مدير وحدة الرصد الإعلامي بجهاز حماية المستهلك لإعداد مذكرة يوصي فيها برفع الحظر المار بيانه وذلك على النحو المبين بالتحقيقات .
ثانيًا: المتهم الثاني:
قدم وعدًا وعطايًا إلى موظف عمومي لأداء عمل من أعمال وظيفته ولاستعمال نفوذه الحقيقي للحصول من سلطة عامة علي مزية بأن قدم للمتهم الأول وعداً وعطايا الرشوة موضوع الاتهام الوارد بالبند أولًا، وذلك على النحو المبين بالتحقيقات .
وأحالتهما إلى محكمة جنايات القاهرة لمعاقبتهما طبقًا للقيد والوصف الواردين بأمر الإحالة.
والمحكمة المذكورة قضت حضوريًا بجلسة ٢٢ من يونيو سنة ۲۰۲۲ عملًا بالمواد ۱۰۳ ،١٠٤، ١٠٦ مكرر/ ۱ ، ۱۰۷ ، ۱۰۷ مكرر من قانون العقوبات، مع إعمال المواد ۱۷ ،٢٤ ، ٢٥/ أولًا ، ٢٦ من القانون ذاته في حق المتهم الأول - أولًا: بمعاقبة ..... بالسجن لمدة ثلاث سنوات وبتغريمه خمسين ألف جنيه وعزله من الوظائف الأميرية لما أسند إليه وإلزامه المصاريف. ثانيًا: بإعفاء ..... من العقوبة المقررة قانونًا.
فطعن المحكوم عليه الأول/ ..... في الحكم بطريق النقض بتاريخ 21 من يوليو سنة 2022 وأودعت أربع مذكرات بأسباب الطعن بتاريخي 18 و20 من أغسطس سنة 2022 موقع على الأولى من الأستاذ/ ....، وعلى الثانية من الأستاذة الدكتورة/ .... ، وعلى الثالثة من الأستاذ الدكتور/ ..... ، وعلى الرابعة من الأستاذ الدكتور/ ...... المحامين .
وبجلسة اليوم سمعت المرافعة على ما هو مبين بمحضر الجلسة.
---------------

" المحكمة "

بعد الاطلاع على الأوراق وتلاوة تقرير التلخيص والمرافعة والمداولة .
حيث إن الطعن استوفى الشكل المقرر في القانون.
من حيث إن الطاعن ينعى على الحكم المطعون فيه بمذكرات أسباب طعنه الأربع أنه إذ دانه بجريمتي طلب وأخذ رشوة واستغلال النفوذ لدى سلطة عامة للحصول على مزية قد شابه القصور والتناقض في التسبيب والفساد في الاستدلال والإخلال بحق الدفاع والخطأ في الإسناد ، ذلك بأن اعتوره الغموض والإبهام وعدم الإلمام بوقائع الدعوى وأدلتها، ولم يبين واقعة الدعوى والظروف التي وقعت فيها والأفعال والمقاصد التي تتكون منها أركان الجريمتين اللتين دان الطاعن بهما، وأثبت في بيانه لواقعة الدعوى عبارات خارجة عن سياقها مكتفيًا بإيراد عبارات إنشائية، ولم يورد مضمون تسجيل المحادثات التليفونية واستعلام شركة اتصالات مصر وأقوال عضو الرقابة الإدارية وتقرير خبير الأصوات بالهيئة الوطنية للإعلام كاملًا ، والذي اقتصر على بيان نتيجته، كما لم يورد مضمون التحريات التي استند إليها ضمن أدلة الثبوت، كما خلا من بيان اسم الضابط الذي أجرى التحريات ، ولم يضمِّن أسبابه بيانًا لتاريخ وساعة محضر التحريات الذي افتتحت به تلك الإجراءات، وأورد أقوال شهود الإثبات واعتراف المتهم الثاني والدليل المستمد من التسجيلات الصوتية بطريقة مبتسرة بأن اقتطع أجزاءً هامة منها تنفي الاتهام عنه ، مما أدى إلى عدم التعرف على حقيقة الواقعة ، ولم يوازن الحكم بين أدلة الثبوت وأدلة النفي ، كما لم يدلل علي توافر أركان الجريمتين اللتين دانه بهما بركنيهما المادي والمعنوي ، واطرح بما لا يسوغ دفعه بانتفائها ، رغم عدم اختصاصه الوظيفي بفحص التظلم المقدم من المتهم الثاني لكونه يعمل مستشارًا قانونيًا منتدبًا لجهاز حماية المستهلك وغير مختص بإصدار قرار برفع الحظر الإعلامي المفروض على المتهم الثاني من جهاز حماية المستهلك، وخلو الأوراق من دليل علي استعمال نفوذه على مدير المرصد الإعلامي والإعلانات المضللة الذي قام بفحص التظلم المقدم من المتهم الثاني، ورغم أن جريمة استغلال النفوذ ارتكبها المحامي ..... والذي لم ترفع الدعوى الجنائية قبله، ولم يدلل على اتفاق الطاعن مع المتهم الثاني على ارتكاب الجريمتين ، هذا إلى أن المدافع عن الطاعن تمسك بدفوع ودفاع بجلسات المحاكمة وبمذكرة دفاعه حاصلها: بطلان الأذون الصادرة من النيابة العامة بتسجيل المحادثات التليفونية وبتسجيل اللقاءات بين الطاعن وبين المتهم الثاني لابتنائها علي تحريات سماعية وباطلة ومنعدمة، وللخطأ في بيان محل إقامة الطاعن الفعلي وعدم بيان مصدرها، ولأن عضو هيئة الرقابة الإدارية كان متنصتًا على المحادثات وليس بناءً على تحريات سابقة ولانحسار اختصاصه بالتحريات ، بحسبان الطاعن عضو هيئة قضائية، ولصدور الأذون لضبط جريمة مستقبلة ، وببطلان الإجراءات والتحقيقات لإقامة الدعوى وللتحقيق مع الطاعن قبل الحصول على إذن من المجلس الأعلى لهيئة النيابة الإدارية إعمالًا لنص المادة 197 من دستور سنة 2014 ، ولأن إجراءات التحقيق مع الطاعن والأمر الصادر بضبطه وإحضاره وتفتيش مسكنه وتجديد الأذنين المؤرخين في 22/ 5/ 2021 ، 20/ 6/ 2021 من غير المختص ولإجرائها من أعضاء نيابة بدرجة رئيس نيابة ووكيل نيابة ، ومن غير إذن من المحامي العام لنيابة أمن الدولة العليا بالمخالفة لنص المادة 40 مكرر/ 2 من القانون رقم 117 لسنة 1958 المعدل بالقانون رقم 12 لسنة 1989 ، وببطلان التسجيلات وما تلاها من إجراءات والدليل المستمد منها لتمامها قبل صدور إذن النيابة العامة ، ولتجاوز القائم بها حدود الأذون بتسجيله مكالمات لأشخاص لم تشملهم تلك الأذون الصادرة بالتسجيل والمراقبة - والتي اقتصرت على هواتف الطاعن والمتهم الثاني- ، وبطلان الدليل المستمد من رسائل الواتس آب لامتداد يد العبث إليها ، وببطلان محضر الإجراءات المؤرخ في 1/ 8/ 2021 لتجاوز القائم بالمراقبة والتسجيل حدود الإذن الصادر بتاريخ 20/ 6/ 2021 لعرضه المحضر عقب نهاية مدة الثلاثين يومًا من تاريخ انتهاء مدة الإذن ، وببطلان استجواب الطاعن بتحقيقات النيابة العامة لعدم حضور محام معه ، بالمخالفة لنص المادة 124 من قانون الإجراءات الجنائية ولكونه وليد إكراه مادي ومعنوي وقع عليه من عضو الرقابة الإدارية ووعد ووعيد بحفظ التحقيق معه حال تقديم استقالته ولطول مدة الاستجواب ، مما أصابه بالإرهاق أثناء التحقيق، والثابت بتظلم شقيق الطاعن للنائب العام، وببطلان وقصور تحقيقات النيابة العامة التي تمت في الدعوى لافتقادها للحيدة ولعدم مواجهته بالأدلة وبالتهمتين المسندتين إليه ، ولمواجهة الطاعن بجريمة غسل الأموال قبل ورود تقرير البنك المركزي وبأقوال الضابط قبل سؤاله بالتحقيقات ، ولرفض النيابة العامة طلب ندب قاضي تحقيق مع الطاعن وقيام النيابة بإجرائها ، ولبطلان الحبس الاحتياطي ، ولسقوط مدة الحجز القانونية له، وببطلان أمر الإحالة ، وببطلان اعترافات المتهم الثاني والدليل المستمد منها لصدورها تحت تأثير إكراه مادي ومعنوي ووعد بالإعفاء من العقاب، ولعدم صدقها وتناقضها فيما بينها أمام المحكمة والتحقيقات ، وبكيدية الاتهام وتلفيقه ، وانتفاء صلته بالواقعة وعدم ارتكابه لها، وقدم حوافظ حوت عدة مستندات مؤيدة لدفاعه، إلا أن الحكم أغفل الرد على بعض هذه الدفوع وجاء رده على بعضها الآخر غير سائغ ودون تحقيق، ولم تجبه المحكمة إلى طلباته التي أبداها بجلسات المحاكمة ومذكرة دفاعه رغم ما ساقه من شواهد وقرائن ودلائل تؤازر دفاعه ودفوعه وطلباته - عدَّدها بأسباب طعنه - ، كما التفت الحكم عن المستندات التي قدمها، واعتنق صورتين متناقضتين للواقعة معولًا على أدلة شابها الاضطراب، فضلًا عن تناقض أسبابه مع بعضها البعض ، بأن حصَّل مضمون شهادة عضو الرقابة الإدارية بأن تحرياته أسفرت عن طلب الطاعن وأخذه لعطايا ، كما أثبت بمدوناته رفض رئيس جهاز حماية المستهلك للتظلم بتاريخ 25/ 4/ 2021 ، كل ذلك بما يتناقض والمستندات المقدمة من شهود الإثبات والتسجيلات - والتي عوَّل عليها الحكم - الثابت منها أنها كانت سابقة في تاريخ حدوثها على التحريات والإذن الأول بالمراقبة والتسجيل الصادر من المحامي العام لنيابة أمن الدولة العليا بتاريخ 24/ 4/ 2021 ، فضلًا عن أن الحكم أورد أن الطاعن عضو هيئة قضائية ثم انتهى إلى أنه من المنتمين للجهات المدنية ، مما ينبئ عن اختلال فكرة الحكم عن عناصر الواقعة وعدم استقرارها الاستقرار الذي يجعلها في حكم الوقائع الثابتة، واعتنق الحكم صورة للواقعة لا تتفق والعقل والمنطق، لا سيما وأن الأوراق قد خلت من دليل يقيني على تلك الصورة التي اعتنقها الحكم ، وتساند إلى أدلة تنفي الجريمة عنه ولا تصلح للإدانة، ولا تجدي في إثبات ارتكابه الجريمتين المسندتين إليه لشواهد وقرائن عددها بأسباب الطعن، فضلاً عن تناقض التسجيلات مع أقوال الشاهد الأول والمتهم الثاني وتناقض المحادثات الهاتفية المسجلة بشأن تاريخ حدوثها، كما جاء اعتراف المتهم الثاني وأقوال الشهود ظنية وكاذبة ومتناقضة فيما بينها وبين تحريات الشرطة في كثير من المواضع، ولتعدد رواياتهم بتحقيقات النيابة وجلسة المحاكمة، كما أن منهم من جاءت شهادتهم سماعية وجميعهم لهم مصلحة في الإضرار به ليستفيد المتهم الثاني من الإعفاء المقرر قانونًا ، بما يبعث على الشك فيها ، وينم عن أن الحكم المطعون فيه قد بني على الفرض والاحتمال، واطرح بما لا يسوغ الأدلة والقرائن التي تقطع ببراءة ساحته، لاسيما وأن الأدلة تصُبُّ في مصلحته ، ودانه الحكم رغم عدم القبض عليه متلبسًا حال استلام أية عطايا ورغم اصطناع فواتير شرائها، ومع خلو الأوراق والتسجيلات من دليل على استغلال النفوذ ومن قول للطاعن بطلب وأخذ عطايا من المتهم الثاني على سبيل الرشوة ، واعتمد في قضائه على تقرير خبير الأصوات رغم تضمنه عبارات غير واضحة من شأنها تغيير مجرى الحوار ووقائع الدعوى ، وعوَّل على تحريات الرقابة الإدارية وهي لا تصلح دليلًا للإدانة، فضلًا عن أنه تولدت في نفس قضاة المحكمة الرغبة في إدانة المحكوم عليه ، ودانته المحكمة دون أن تُعمل في حقه قاعدة أن الأصل في الإنسان افتراض البراءة ، ونسب الحكم للطاعن إقرارًا بتحقيقات النيابة العامّة باستغلال نفوذه وباختصاصه الوظيفي بالتظلم وإقرارًا للمتهم الثاني بأن المحادثات التليفونية بينه وبين الطاعن حدثت بعد 24/ 4/ 2021 على خلاف الثابت بالأوراق، وأورد الحكم مضمون محضر تحريات الرقابة الإدارية المؤرخ 24/ 4/ 2021 وتساند إلى أن التحريات أسفرت على أن الطاعن بصفته مستشارًا قانونيًا لرئيس الجهاز طلب عطايا على سبيل الرِشوة من المتهم الثاني لإبداء رأيه برفع الحظر الإعلاني عن المتهم الثاني في حين أن ذلك لم يرد بمحضر التحريات بل ورد بأقوال عضو الرقابة الإدارية بالتحقيقات، كما أورد الحكم بمدوناته مضمون التسجيلات للمحادثات الهاتفية المقيدة بأرقام 11 و 13 و 15 و24 و38 و 39 و 43 و 52 بمحضر استماع النيابة العامة وأثبت مطابقتها لما جاء لاستماع المحكمة لتلك المحادثات - وبما لا أصل له بمحضر جلسة 23/ 3/ 2021 - وتقرير خبير الأصوات مما يصم الحكم بالخطأ في الإسناد، كل ذلك مما يعيب الحكم ويستوجب نقضه.
وحيث إن الحكم المطعون فيه بيَّن واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية للجريمتين اللتين دان الطاعن بهما وأورد على ثبوتهما في حقه أدلة سائغة من شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه عليها ، وجاء استعراض المحكمة لأدلة الدعوى على نحو يدل على أنها محصتها التمحيص الكافي وألمت بها إلمامًا شاملًا يفيد أنها قامت بما ينبغي عليها من تدقيق البحث لتعرف الحقيقة ، وإذ كان من المقرر أن القانون لم يرسم شكلًا أو نمطًا يصوغ فيه الحكم بيان الواقعة المستوجبة للعقوبة والظروف التي وقعت فيها ، والمقصود من عبارة بيان الواقعة هو أن يثبت قاضي الموضوع في حكمه الأفعال والمقاصد التي تتكون منها أركان الجريمة ، ومتى كان مجموع ما أورده الحكم كافيًا في تفهم الواقعة بأركانها وظروفها حسبما استخلصتها المحكمة ، فإن ذلك يكون مُحققًا لحكم القانون ، وكان الحكم قد بيَّن بوضوح سواء في معرض إيراده الواقعة أو في سرده لأدلة الثبوت فيها تفصيل الوقائع والأفعال المثبتة لأركان الجريمتين ، فإن الحكم إذ خلص إلى إدانة الطاعن على هذا الأساس يكون قد اقترن بالصواب ، ومن ثم فإن منعى الطاعن بالقصور الذي رمى به الحكم يكون في غير محله . لما كان ذلك، وكان تحصيل المحكمة للواقعة في حدود الدعوى المطروحة قد جاء وافيًا في شأن بيان الأفعال المادية التي أتاها الطاعن بما يفصح عن الدور الذي قام به في الجريمتين اللتين دانه الحكم بهما، ومن ثم فإن ما يثيره الطاعن في هذا الخصوص يكون على غير أساس. لما كان ذلك، وكان من المقرر أن البيان المعوَّل عليه في الحكم هو ذلك الجزء الذي يبدو فيه اقتناع القاضي دون غيره من الأجزاء الخارجية عن سياق هذا الاقتناع ، وأن تزيُّد الحكم فيما استطرد إليه لا يعيبه ما دام أنه غير مؤثر في منطقه أو في النتيجة التي انتهى إليها ، وكان ما يثيره الطاعن من أن الحكم أورد في بيانه لواقعة الدعوى عبارات إنشائية خارجة عن سياقها على النحو الذي أثاره بأسباب طعنه ، إنما كان ذلك قبل أن تقول المحكمة كلمتها في واقعات الدعوى فإن ذلك يعد تزيدًا غير مؤثر في منطق الحكم أو في النتيجة التي خلص إليها فإن نعي الطاعن على الحكم في هذا الصدد لا يكون مقبولًا . لما كان ذلك، وكان الحكم المطعون فيه قد أورد مضمون الدليل المستمد من تسجيلات المحادثات التليفونية والاستعلام الوارد من شركة اتصالات مصر ومؤدى أقوال عضو الرقابة الإدارية - والتي كانت من بين الأدلة التي استخلص منها الإدانة - في بيان يكفي للتدليل على ثبوت الصورة التي اقتنعت بها المحكمة واستقرت في وجدانها فإنه تنحسر عنه دعوى القصور في التسبيب ويكون ما يثيره الطاعن في هذا الصدد في غير محله. لما كان ذلك، وكان الحكم قد أورد بيانًا للدليل المستمد من تقرير خبير الأصوات بقوله: " وحيث ثبت بتقرير خبير الأصوات بالهيئة الوطنية للإعلام مطابقة صوتي المتهمين للصوتين المنسوبين إليهما بالتسجيلات المأذون بها "، فإن الحكم بذلك يكون قد أورد مضمون ومؤدى الدليل المستمد من تقرير خبير الأصوات بالهيئة الوطنية للإعلام على السياق المتقدم، وكان لا ينال من سلامته عدم إيراد نص تقرير الخبير بكامل فحواه وأجزائه؛ ومن ثم فإن دعوى القصور في التسبيب تضحى غير صحيحة. لما كان ذلك، وكان البيِّن من الحكم المطعون فيه أنه بيًّن- خلافًا لما يقوله الطاعن - مضمون التحريات واسم مجريها مما يكفي لتحقق الغاية التي توخاها القانون من إيجاب اشتمال الحكم على هذه البيانات، فإن ما يثيره الطاعن في هذا الصدد يكون غير سديد. لما كان ذلك، وكان من المقرر أنه لا يعيب الحكم خلوه من مواقيت تحرير محضر التحريات ، ومن ثم فإن النعي على الحكم في هذا الصدد لا يكون سديد. لما كان ذلك ، وكان من المقرر أنه لا يلزم قانونًا إيراد النص الكامل لأقوال الشاهد واعتراف المتهم والتسجيلات الصوتية التي اعتمد عليها الحكم بل يكفي أن يورد مضمونها، ولا يقبل النعي على المحكمة إسقاطها بعضها لأن فيما أوردته منها وعوَّلت عليه ما يعني أنها اطرحت ما لم تُشر إليه منها لما للمحكمة من حرية في تجزئة الدليل والأخذ منه بما ترتاح إليه والالتفات عما لا ترى الأخذ به ما دام أنها قد أحاطت بأقوال الشهود واعتراف المتهم الثاني والتسجيلات الصوتية ومارست سلطتها في تجزئتها بغير بتر لفحواها أو مسخ لها بما يحيلها عن معناها أو يحرِّفها عن مواضعها كما هو الحال في الدعوى المطروحة، ومن ثم فإن ما ينعاه الطاعن على الحكم في هذا الخصوص على النحو الذي يردده بأسباب طعنه لا يكون له محل. لما كان ذلك ، وكان تقدير الأدلة وترجيح بعضها على بعض من أخص خصائص محكمة الموضوع تقرر فيه ما تراه بلا منازع ولا رقيب ، وكان لا يعيب الحكم عدم التعرض لأدلة النفي لأن مؤدى هذا السكوت أن المحكمة اطرحتها اطمئنانًا منها لأدلة الثبوت التي أوردتها ، ومن ثم فإن ما يثيره الطاعن بشأن أن الحكم لم يوازن بين أدلة الثبوت وأدلة النفي في الدعوى ينحل إلى جدلٍ موضوعي حول سلطة محكمة الموضوع في تقدير الأدلة القائمة في الدعوى ومبلغ اطمئنانها إليها مما لا يجوز مصادرتها فيه أو الخوض بشأنه لدى محكمة النقض . لما كان ذلك، وكان المستفاد من نص المادة 103 من قانون العقوبات، أن جريمة الرشوة تتحقق في جانب الموظف ومن في حكمه متى قبل أو طلب أو أخذ وعدًا أو عطية لأداء عمل من أعمال الوظيفة ولو كان حقًا، وكان نص الشارع في المادة 104 من القانون سالف الذكر التي عددت صور الرشوة على الإخلال بواجبات الوظيفة كغرض من أغراض الرشوة وجعله بالنسبة إلى الموظف ومن في حكمه بامتناعه عن عمل من أعمال الوظيفة وقد جاء التعبير بالإخلال بواجبات الوظيفة مطلقا من التقيد بحيث يتسع مدلوله لاستيعاب كل عيب يمس الأعمال التي يقوم بها الموظف وكل تصرف وسلوك ينتسب إلى هذه الأعمال ويُعد من واجبات أدائها على الوجه السوي الذي يكفل لها دائمًا أن تجرى على سند قويم، وقد استهدف المشرع من النص على مخالفة واجبات الوظيفة كصورة من صور الرشوة مدلولًا عامًا أوسع من أعمال الوظيفة التي تنص عليها القوانين واللوائح والتعليمات بحيث يشمل أمانة الوظيفة ذاتها فكل انحراف عن واجب من تلك الواجبات أو امتناع عن القيام به يجرى عليه وصف الإخلال بواجبات الوظيفة الذي عناه الشارع في النص، فإذا تقاضى الموظف جُعلًا عن هذا الإخلال كان فعله ارتشاء، وليس من الضروري في جريمة الرشوة أن تكون الأعمال التي يطلب من الموظف أداؤها داخلة في نطاق الوظيفة مباشرة بل يكفي أن يكون لها اتصال يسمح بتنفيذ الغرض المقصود من الرشوة وأن يكون الراشي قد اتجر معه على هذا الأساس، كما لا يشترط في جريمة الرشوة أن يكون الموظف المرشو والذي عرضت عليه الرشوة هو وحده المختص بالقيام بجميع العمل المتصل بالرشوة بل يكفي أن يكون له نصيب من الاختصاص يسمح أيهما له بتنفيذ الغرض من الرشوة، لما كان ذلك، وكان الحكم المطعون فيه قد بيَّن حدود اختصاص الموظف ونوع العمل المقصود في جريمة الرشوة، كما استظهر الحكم المطعون فيه وأثبت بأدلة سائغة أن الطاعن موظفٌ عمومي " نائب رئيس هيئة النيابة الإدارية والمنتدب مستشارًا قانونيًا لجهاز حماية المستهلك " طلب وأخذ لنفسه عطايا لأداء عمل من أعمال وظيفته ولاستعمال نفوذه الحقيقي للحصول من سلطة عامة على مزية بأن طلب من المتهم الثاني ساعة يد من طراز " رولكس " ومكملات غذائية بقيمة مائتين وسبعة وثمانين ألف جنيه ، كما طلب وأخذ منه مأكولات وطبقًا من الفضة وفائدة تمثلت في جلستي علاج جميعها بقيمة اثني عشر ألفا ومائة وستة وسبعين جنيهًا مصريًا وذلك مقابل رفع الحظر الإعلاني المفروض من جهاز حماية المستهلك علي منتجات شركة المتهم الثاني بإبداء رأيه الاستشاري لرئيس الجهاز بعدم قانونية ذلك الحظر وكذا التدخل لدي مدير وحدة الرصد الإعلامي بجهاز حماية المستهلك لإعداد مذكرة يوصي فيها برفع الحظر المار بيانه ودانه على هذا الاعتبار، فإنه يكون قد طبَّق القانون على واقعة الدعوى تطبيقًا صحيحًا ، فإن النعي على الحكم بالقصور في هذا الخصوص يكون في غير محله. لما كان ذلك، وكان من المقرر أن القصد الجنائي في الرشوة يتوافر بمجرد علم المرتشي عند طلب أو قبول الوعد أو العطية أو الفائدة أنه يفعل هذا لقاء القيام بعمل أو الامتناع عن عمل من أعمال الوظيفة أو الإخلال بواجباتها وأنه ثمن لاتجاره بوظيفته أو استغلالها، ويستنتج هذا الركن من الظروف والملابسات التي صاحبت العمل أو الامتناع أو الإخلال بواجبات الوظيفة، ولما كان الحكم المطعون فيه قد دلَّل على أن العطايا قُدمت للطاعن تنفيذًا للاتفاق السابق الذي انعقد بينه وبين المتهم الثاني لقاء رفع الحظر الإعلامي المفروض من جهاز حماية المستهلك على منتجات الشركة المملوكة للمتهم الثاني ، فهذا مما يتحقق به معنى الاتجار في الوظيفة ويقوم به القصد الجنائي كما هو معرف في القانون، ولا يشترط أن يستظهر الحكم هذا الركن على استقلال ما دامت الوقائع كما أثبتها تفيد توافره ، ويكون النعي على الحكم في هذا الشأن غير سديد، هذا فضلًا عن أن الحكم المطعون فيه قد عرض لدفاع الطاعن من عدم توافر أركان جريمة الرشوة لعدم اختصاص الطاعن بفحص التظلم المقدم من المتهم الثاني لكونه مستشارًا قانونيًا لجهاز حماية المستهلك بما لا يسمح له بأن يكون صاحب قرار برفع الحظر الإعلامي المفروض على المتهم الثاني من جهاز حماية المستهلك واطرحه بردٍ سائغٍ فإن ما يثيره الطاعن في هذا الصدد في غير محله . لما كان ذلك ، وكان يكفي لقيام جريمة الاتجار بالنفوذ المنصوص عليها في المادة 106 مكررًا من قانون العقوبات أن يطلب الفاعل لنفسه أو لغيره أو يقبل أو يأخذ وعدًا أو عطية تذرعًا بنفوذه الحقيقي أو المزعوم بغرض الحصول أو محاولة الحصول على مزية للغير من أية سلطة عامة ، وبذلك تتحقق المساءلة ولو كان النفوذ مزعومًا ، والزعم هنا هو مطلق القول دون اشتراط اقترانه بعناصر أخرى أو وسائل احتيالية ، فإن كان الجاني موظفًا عموميًا وجب توقيع عقوبة الجناية المنصوص عليها في المادة 104 من قانون العقوبات وإلا وقعت عقوبة الجنحة المنصوص عليها في عجز المادة 106 مكررًا عقوبات ، وإذ التزم الحكم المطعون فيه هذا النظر واعتبر ما وقع من الطاعن - وهو موظف عام - من طلب وأخذ العطايا السالف بيانها علي سبيل الرشوة من المتهم الثاني المقضي بإعفائه من العقاب ليقوم الطاعن بإبداء رأيه الاستشاري لرئيس جهاز حماية المستهلك بعدم قانونية القرار الصادر منه بحظر الإعلان عن المنتجات الخاصة بالمتهم الثاني ومن ثم رفع هذا الحظر ومعاودة ظهور المتهم الثاني إعلاميًا والإعلان عن منتجاته محققًا لجناية الاتجار بالنفوذ ، فإنه يكون قد أعمل القانون على وجهه الصحيح ، هذا فضلًا عن أن القصد الجنائي في هذه الجريمة يتحقق بالعلم بوجود النفوذ الحقيقي أو كذب الادعاء بالنفوذ المزعوم ، والعلم بنوع المزية التي يعد بالحصول عليها أو محاولة ذلك وبأن الاختصاص بمنحها هو لسلطة عامة وطنية ، وهو ما استظهره الحكم في حق الطاعن ، فضلًا عن أن الحكم قد عرض لما يثيره الطاعن من خلو الأوراق من دليل على استعماله لثمة نفوذ على مدير مركز الرصد الإعلامي للإعلانات المضللة بجهاز حماية المستهلك والذي قام بفحص التظلم المقدم من المتهم الثاني واطرحه بردٍ سائغ ، فإن كافة ما يثيره بشأن توافر أركان الجريمة يكون بعيدًا عن محجة الصواب . لما كان ذلك، وكان لا يجدي الطاعن ما يثيره من وجود متهمين آخرين في الدعوى طالما أن اتهام آخرين فيها لم يكن ليحول دون مساءلة الطاعن عن الجريمتين اللتين دين بهما، ومن ثم فإن النعي على الحكم في هذا الخصوص يكون غير سديد. لما كان ذلك ، وكان الحكم المطعون فيه قد خلص أن الطاعن ارتكب الأفعال المادية للجريمة بوصفه فاعلًا أصليًا للأدلة والاعتبارات السائغة التي أوردها وأن العطايا كان يجري تقديمها تنفيذًا لاتفاق عقد بين الطاعن والمتهم الثاني، فإنه لا جدوى ولا وجه لما يثيره الطاعن نعيًا على الحكم بقالة القصور في استظهار اتفاقه مع المتهم الثاني على ارتكاب الجريمة ولا يخرج منعاه في هذا الصدد عن كونه جدلًا موضوعيًا ، وهو لا يجوز إثارته أمام محكمة النقض . لما كان ذلك، وكان الحكم المطعون فيه قد عرض للدفع ببطلان الأذون الصادرة من النيابة العامة بتسجيل المحادثات التليفونية وبتسجيل اللقاءات بين الطاعن والمتهم الثاني لابتنائها على تحريات باطلة ومنعدمة ولإجرائها بمعرفة عضو الرقابة الإدارية كونه غير مختص بالتحري عن أعضاء الهيئات القضائية واطرحه بقوله :" وحيث إنه عن الدفع ببطلان الأذون الصادرة من النيابة العامة بتسجيل المحادثات التليفونية وبتسجيل اللقاءات بين المتهمين الأول والثاني لابتنائها على تحريات باطلة ومنعدمة لإجرائها بمعرفة عضو الرقابة الإدارية كونه غير مختص بالتحري عن أعضاء الهيئات القضائية ، فإن من المقرر قانونًا أن تقدير جدية التحريات وكفايتها لإصدار الإذن بالتسجيل والمراقبة هو من المسائل الموضوعية التي يوكل الأمر فيها إلى سلطة التحقيق تحت إشراف محكمة الموضوع ومتى كانت المحكمة قد اقتنعت بجدية الاستدلالات التي بني عليها الإذن بالتسجيل والمراقبة وكفايتها لتسويغ إصداره وأقرت النيابة العامة على تصرفها في هذا الشأن فلا معقب عليها فيما ارتأته لتعلقه بالموضوع لا بالقانون ، لما كان ذلك وكانت الفقرة ح من المادة الثانية من القانون رقم ٥٤ لسنة ١٩٦٤ بإعادة تنظيم الرقابة الإدارية بعد تعديلها بالقانون رقم 71 لسنة ۱۹٦٩ قد جرى نصها على : مع عدم الإخلال بحق الجهة الإدارية في الرقابة وفحص الشكاوى والتحقيق تختص الرقابة الإدارية بالآتي (ج) الكشف عن المخالفات الإدارية والمالية والجرائم الجنائية التي تقع من العاملين أثناء مباشرتهم لواجبات وظائفهم أو بسببها كما تختص بكشف وضبط الجرائم التي تقع من غير العاملين والتي تستهدف المساس بسلامة أداء واجبات الوظيفة أو الخدمات العامة ، وذلك بشرط الحصول على إذن كتابي من النيابة العامة قبل اتخاذ الإجراء" ، لما كان ذلك، وكان نص المادة الثامنة من القانون رقم ٢٠٧ لسنة ٢٠١٧ الصادر في ۱۸/ 10/ 2017 بشأن تعديلٍ لبعض أحكام قانون هيئة الرقابة الإدارية قد جرى على أنه يجوز لهيئة الرقابة الإدارية كلما رأت مقتضى لذلك أن تجرى التحريات فيما يتعلق بالجهات المدنية وإذا أسفرت التحريات عن أمور تستوجب التحقيق تحال الأوراق إلى النيابة الإدارية أو النيابة العامة أو سلطة التحقيق المختصة بحسب الأحوال ، ومن ثم فقد اضحى أعضاء الرقابة الإدارية مختصين بإجراء التحريات عن جميع المنتمين للجهات المدنية دون استثناء على أن تبقى النيابة المختصة هي صاحبة التصرف في مصير هذه التحريات، لما كان ذلك، وكان واقع الحال في الدعوى الماثلة أنه عند توافر المعلومات لدى عضو الرقابة الإدارية / السيد عبد الرحمن علي كامل الحوام بطلب المتهم الأول حال انتدابه مستشارًا قانونيًا لجهاز حماية المستهلك لعطايا عينيه على سبيل الرشوة من المتهم الثاني/ هشام أحمد عبد الستار أبو اليزيد مستغلًا نفوذه بحكم وظيفته سالفة البيان بجهاز حماية المستهلك مقابل إبداء رأيه الاستشاري لرئيس جهاز حماية المستهلك بعدم قانونية القرار الصادر منه بحظر ظهوره الإعلامي والإعلان عن المنتجات الخاصة بشركته وما أسفرت عنه تحرياته من صحة هذه المعلومات فقد هرع للنيابة العامة عارضًا تلك المعلومات والتحريات على المحامي العام الأول لنيابة أمن الدولة العليا بشخصه - والذي كانت تحت بصيرته هذه المعلومات وتلك التحريات - وأصدر - بعد إثبات اطلاعه عليها واطمئنانه لما ورد فيها من وقوع جريمة بالفعل - الإذن بتسجيل المحادثات التليفونية واللقاءات بين المتهمين الأول والثاني وأرقام تليفوناتهما المبينة سلفًا ، لما كان ذلك، وكان المحامي العام الأول لنيابة أمن الدولة العليا هو المختص بإصدار هذا الإذن إعمالًا لنص المادة ٤٠ مكرر / ٢ من القانون رقم ١٢ لسنة ۱۹۸۹ بشأن تنظيم النيابة الإدارية المعدل بالقانون رقم ١٥ لسنة ۱۹۹۹، لما كان ذلك، وكان ما يجريه عضو الرقابة الإدارية من تحريات لا يندرج في إجراءات التحقيق كونها إجراءات غير ماسة بشخص عضو الهيئة القضائية أو حرمة مسكنه ، ومن ثم فإن ما صدر من أذون بتسجيل المحادثات التليفونية على أرقام الهواتف المحمولة الخاصة بالمتهمين وتصوير لقاءاتهما يكون في سياج الشرعية الاجرائية ويضحي ما يثيره الدفاع في هذا الخصوص قائمًا على غير سند من الواقع أو القانون" . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن تقدير جدية التحريات وكفايتها لإصدار الإذن بالمراقبة والتسجيل هو من المسائل الموضوعية التي يوكل الأمر فيها إلى سلطة التحقيق تحت إشراف محكمة الموضوع ، ومتى كانت المحكمة قد اقتنعت بجدية الاستدلالات التي بني عليها الإذن وكفايتها لتسويغ إصداره وأقرت النيابة العامة على تصرفها في هذا الشأن ، فلا معقب عليها فيما ارتأته لتعلقه بالموضوع لا بالقانون ، ولما كانت المحكمة قد سوغت الأمر بالتسجيل والمراقبة وردت على شواهد الدفع ببطلانه لعدم جدية التحريات بأدلة منتجة ، وأقرت النيابة العامة على تصرفها في هذا الشأن - كما هو الحال في الدعوى المطروحة - فلا معقب عليها فيما ارتأته لتعلقه بالموضوع لا بالقانون. وكان الخطأ في محل إقامة الطاعن في محضر جمع الاستدلالات - بفرض حصوله - لا يقدح بذاته في جدية ما تضمنه من تحريات ، كما لا يعيب الإجراءات أن تبقى شخصية المرشد غير معروفة وأن لا يفصح عنها رجل الضبط القضائي الذي اختاره لمعاونته في مهنته، فإن النعي على الحكم في هذا الشأن لا يكون له محل. لما كان ذلك، وكانت الفقرة (ج) من المادة الثانية من القانون رقم 54 لسنة 1964 بإعادة تنظيم الرقابة الإدارية بعد تعديلها بالقانونين رقمي 71 لسنة 1969 و 207 لسنة 2017 تنص على أن " مع عدم الإخلال بحق الجهة الإدارية في الرقابة وفحص الشكاوى والتحقيق تختص الرقابة الإدارية بالآتي....... (ج) الكشف عن المخالفات الإدارية والمالية والجرائم الجنائية التي تقع من العاملين أثناء مباشرتهم لواجبات وظائفهم أو بسببها، وكما تختص بكشف وضبط الجرائم التي تقع من غير العاملين والتي تستهدف المساس بسلامة أداء واجبات الوظيفة أو الخدمات العامة، وذلك بشرط الحصول على إذن كتابي من النيابة العامة قبل اتخاذ الإجراء ولهيئة الرقابة الإدارية في سبيل ممارسة الاختصاصات سالفة الذكر الاستعانة برجال الشرطة وغيرهم من رجال الضبطية القضائية وذوي الخبرة مع تحرير محضر أو مذكرة حسب الأحوال". وكان الحكم المطعون فيه قد أثبت في مدوناته أن عضو الرقابة الإدارية توصلت تحرياته السرية إلى طلب الطاعن والمنتدب مستشارًا قانونيًا لجهاز حماية المستهلك لعطايا عينية علي سبيل الرشوة من المتهم الثاني صاحب المركز الدولي لعلاج السمنة والنحافة والتغذية العلاجية وشركة فيتارم جلوبال للمكملات الغذائية مقابل أداء عمل من أعمال وظيفته وهو إبداء الرأي الاستشاري والسعي لدى المختصين بجهاز حماية المستهلك لإلغاء قرار رفع الحظر الإعلامي عن ظهوره إعلاميًا والإعلان عن منتجات شركته بالقنوات الفضائية والصادر من رئيس جهاز حماية المستهلك، ومن ثم قام بعرض ما لديه من معلومات مؤكدة بالتحريات السرية على النيابة العامة وأصدر المحامي العام الأول لنيابة أمن الدولة العليا الإذن الأول بمراقبة وتصوير وتسجيل اللقاءات والمحادثات الهاتفية التي تتم بين المتهمين سالفي الذكر استنادًا إلى التحريات المذكورة، فإن الإذن يكون قد صدر صحيحًا ممن يملك إصداره إلى المختص بتنفيذه، هذا فضلًا عن أنه من المقرر أن من الواجبات المفروضة قانونًا على مأموري الضبط القضائي في دوائر اختصاصهم أن يقبلوا التبليغات والشكاوى التي ترد إليهم بشأن الجرائم وأن يقوموا بأنفسهم أو بواسطة مرؤوسيهم بإجراء التحريات اللازمة عن الوقائع التي يعلمون بها بأي كيفية كانت وأن يستحصلوا على جميع الإيضاحات والاستدلالات المؤدية لثبوت أو نفي الوقائع المبلغ بها إليهم أو التي يشاهدونها بأنفسهم، وكان من المقرر في صحيح القانون أن إجراءات الاستدلال أياً كان من يباشرها لا تعتبر من إجراءات الخصومة الجنائية بل هي من الإجراءات الأولية التي لا يرد عليها قيد الشارع في توقفها على الطلب أو الإذن رجوعًا إلى حكم الأصل في الإطلاق وتحريًا للمقصود في خطاب الشارع بالاستثناء وتحديدًا لمعنى الدعوى الجنائية على الوجه الصحيح دون ما يسبقها من الإجراءات الممهدة لنشوئها إذ لا يملك تلك الدعوى غير النيابة العامة وحدها . لما كان ذلك ، وكان الحكم المطعون فيه قد التزم هذا النظر في الرد على الدفع ببطلان الأذون الصادرة من النيابة العامة لانحسار اختصاص عضو الرقابة الإدارية عن التحري عن أعضاء هيئة النيابة الإدارية ، فإن ما ينعاه الطاعن على الحكم المطعون فيه في هذا الخصوص لا يكون له محل. لما كان ذلك، وكان الحكم المطعون فيه قد أثبت في مدوناته أن أذون النيابة العامة بالمراقبة وتسجيل المحادثات الهاتفية قد صدرت بعد أن أثبت عضو الرقابة الإدارية قيام الطاعن بطلب عطايا عينية علي سبيل الرشوة من المتهم الثاني مقابل إبداء رأيه الاستشاري لرئيس جهاز حماية المستهلك بعدم قانونية القرار الصادر منه بحظر الإعلان عن المنتجات الخاصة بالمتهم الثاني فإن مفهوم ذلك أن الإذن قد صدر لضبط جريمة تحقق وقوعها من الطاعن، لا لضبط جريمة مستقبلة أو محتملة فإنه يكون قد أصاب صحيح القانون ، ويضحى ما ينعاه الطاعن في هذا الشأن على غير أساس. لما كان ذلك ، وكان الحكم المطعون فيه قد عرض للدفع ببطلان الإجراءات ولإقامة الدعوى لحصولهم قبل الحصول على إذن من المجلس الأعلى للنيابة الإدارية إعمالًا لنص المادة ۱۹۷ من دستور سنة ۲۰۱٤ ولأن إجراءات التحقيق تمت دون صدور قرار من المحامي العام الأول لنيابة أمن الدولة العليا وكذا أذني النيابة العامة بالتسجيل المؤرخين ٢٢/ ٥/ ٢٠٢١ ، ٢٠/ 6/ 2021 وما تلاهما من إجراءات وما أسفر عنهما من أدلة وكذا الأمر الصادر بضبط وإحضار الطاعن واطرحه بقوله :" لما كان ذلك وكان ما يثيره الدفاع بشأن ما ورد بالمادة ۱۹۷ من دستور سنة ٢٠١٤ بشأن النيابة الإدارية فمردود بأن ما تضمنه الدستور في هذا الشأن لا يفيد نصًا صريحًا بوجوب إصدار إذن المجلس الأعلى للنيابة الإدارية قبل إجراء التحقيق مع عضو النيابة الإدارية وأن تطبيق هذا النص الدستوري لا يجوز إلا باستجابة المشرع والتدخل منه لإفراغ ما تضمنه الدستور في نص تشريعي محدد منضبط إلى مجال العمل والتنفيذ يلتزم الكافة بمقتضاه بدءًا من التاريخ الذي تحدده السلطة التشريعية لسريان أحكامه وماهية هذه الأحكام تحديدًا، هذا إلى أن نص المادة ٤٠ مكرر/ ٢ من القانون ۱۲ لسنة ۱۹۸۹ بشأن تنظيم النيابة الإدارية المعدل بالقانون رقم ١٥ لسنة ۱۹۹۹ قد جرى على أنه (لا يجوز في غير حالات التلبس بالجريمة القبض على عضو النيابة الإدارية أو حبسه احتياطيًا أو اتخاذ أي إجراء من إجراءات التحقيق أو رفع الدعوى الجنائية عليه إلا بعد الحصول على إذن من المحامي العام المختص وفي حالة التلبس يجب عند القبض على عضو النيابة الإدارية أن يخطر المحامي العام المختص ليقرر حبسه أو الإفراج عنه بكفالة أو بغير كفالة وذلك بعد تحقيق يندب لإجرائه أحد أعضاء النيابة العامة) ، لما كان ذلك وكان يبين من استقراء ذلك النص الواجب التطبيق على واقعة الدعوى أنه يجب صدور إذن من المحامي العام المختص قبل البدء في اتخاذ اجراءات التحقيق مع عضو النيابة الادارية، لما كان ذلك، وكان الثابت حسبما سلف بيانه أن السيد المحامي العام الأول لنيابة أمن الدولة العليا قد أصدر في 24/ 4/ 2021 الإذن بإجراء تسجيل المحادثات التليفونية الجارية على أرقام الهواتف المحمولة الخاصة بالمتهمين وتصوير لقاءاتهما وأن هذا الإذن بلا شك هو إجراء من إجراءات التحقيق ومن ثم فإن إجراءات التحقيق تكون قد بدأت بإصدار السيد المحامي العام الأول سالف الذكر هذا الإذن ، لما كان ذلك، وكان الثابت من التحقيقات الجارية بمعرفة أعضاء النيابة العامة أن كلًا منهم قد أثبت أن السيد المحامي العام قد عهد إليه بما أجراه من تحقيقات ، لما كان ذلك وكان نص المادة ٤٠ مكرر / ٢ من قانون تنظيم هيئة النيابة الإدارية قد اشترط للبدء في إجراءات التحقيق مع عضو هيئة النيابة الإدارية الإذن فقط من المحامي العام ولم يتطلب القانون شكلًا معينًا أو صيغة محددة لهذا الإذن، لما كان ذلك وكان الدفاع لا يماري في صدور الإذن المؤرخ ٢٤/ ٤/ ۲۰۲۱ بإجراء تسجيل المحادثات التليفونية على الهواتف المحمولة الخاصة بالمتهمين وتصوير لقاءاتهما من السيد المحامي العام الأول لنيابة أمن الدولة العليا وكذا لا يماري في صحة ما أثبته أعضاء النيابة العامة بالتحقيقات أن المحامي العام الأول ذاته هو من عهد إليهم بإجراء ما قاموا به من تحقيقات ، لما كان ذلك وكان من المقرر أن الأصل في الاجراءات هو الصحة، لما كان ذلك وكان الدفاع لم يقدم ما يدحض الثابت بالتحقيقات من أنها - حسبما سلف بيانه - قد تمت بإذن من السيد المحامي العام الأول لنيابة أمن الدولة العليا ولم يطعن بالتزوير على ذلك، وكان نص المادة سالفة الذكر لم تتطلب أن تتم جميع إجراءات التحقيق مع عضو النيابة الإدارية بمعرفة الأخير ومن ثم فإن جميع إجراءات تحقيق النيابة العامة تكون صحيحة خالية من ثمة بطلان ويكون ما يثيره الدفاع في هذا الخصوص غير سديد "، وكان ما أورده الحكم على السياق المتقدم كافيًا وسائغًا في الرد على الدفع ويتفق وصحيح القانون واتسع رده ليشمل الدفع المبدى من الطاعن ببطلان تفتيش مسكنه في هذا الخصوص فلا محل للنعي على الحكم إغفاله الرد على هذا الدفع ، كما أن ما يثيره الطاعن ببطلان تحريك الدعوى الجنائية قبله وبطلان الأذون وأمر ضبطه وإحضاره وتفتيش مسكنه لما تضمنه الدستور الحالي الصادر عام ٢٠١٤ بالمادة ١٩٧ من مساواة أعضاء هيئة النيابة الإدارية بأعضاء السلطة القضائية فيما يخص الضمانات والحقوق والواجبات المقررة، فمردود بأن ما قضى به الدستور في المادة 197 " من أن النيابة الإدارية هيئة قضائية مستقلة تتولى التحقيق في المخالفات الإدارية والمالية، وكذا التي تحال إليها ويكون لها بالنسبة لهذه المخالفات السلطات المقررة لجهة الإدارة في توقيع الجزاءات التأديبية، ويكون الطعن في قراراتها أمام المحكمة التأديبية المختصة بمجلس الدولة، كما تتولى تحريك ومباشرة الدعاوى والطعون التأديبية أمام محاكم مجلس الدولة وذلك كله وفقًا لما يتضمنه القانون. ويحدد القانون اختصاصاتها الأخرى، ويكون لأعضائها كافة الضمانات والحقوق والواجبات المقررة لأعضاء السلطة القضائية، وينظم القانون مساءلتهم تأديبيًا "، إنما هو حكم غير قابل للإعمال بذاته إذ إن ما تضمنه الدستور في هذا الشأن لا يفيد وجوب تطبيق هذا التعديل إلا باستجابة المشرع والتدخل منه لإفراغ ما تضمنه في نص تشريعي محدد ومنضبط ينقله إلى مجال العمل والتنفيذ يلتزم الكافة بمقتضاه بدءًا من التاريخ الذي تحدده السلطة التشريعية لسريان أحكامه، وكان لم يصدر قانون بعد ينسخ حكم المادة 40 مكررًا/ ٢ من القرار بقانون رقم 117 لسنة 1958 بإنشاء هيئة النيابة الإدارية الواجبة التطبيق والتي تجيز اتخاذ إجراءات التحقيق ورفع الدعوى الجنائية قبل أعضاء الهيئة في غير حالة التلبس بالجريمة طالما صدر الإذن بذلك من المحامي العام وهو ما أثبت الحكم حصوله في الدعوي ، فإن ما يثيره الطاعن في خصوص ما سلف بيانه لا يكون سديدًا .لما كان ذلك ، وكان الحكم قد رد على دفع الطاعن ببطلان إجراء التسجيلات لحصولها قبل صدور الإذن بما أوضح عنه من اطمئنان المحكمة من أن التسجيلات قد تمت بعد صدور الإذن ، وهو من الحكم ردٌ سائغ يستقيم به ما خلص إليه من رفض الدفع ، وذلك لما هو مُقرر من أن الدفع بصدور الإذن بعد إجراءات التسجيلات هو دفاع موضوعي يكفي للرد عليه اطمئنان المحكمة إلى وقوع التسجيلات بناءً على الإذن أخذًا منها بالأدلة السائغة التي توردها - وهو الشأن في الدعوى الماثلة - فإن ما يُثيرهُ الطاعن في هذا الصدد يكون على غير أساس ، كما أنه من المقرّر أنّ بطلان التسجيلات - بفرض وقوعه - لا يحول دون أخذ القاضي بجميع عناصر الإثبات الأخرى المستقلّة عنه والمؤدّية إلى النتيجة الّتي أسفر عنها التسجيل، ومن بينها أقوال شهود الإثبات وإقرار المتّهمين، كما لا يحول دون أخذ المحكمة بأقوال رجال الضبط فيما باشروه من إجراءات، ونما إليهم من معلومات فيما لا يتّصل بالتسجيل المدّعى ببطلانه، ومن ثمّ فإنّ كل ما يثيره الطاعن في خصوص ما سلف بيانه لا يكون مقبولًا. لما كان ذلك ، وكان من المقرر قانونًا أن لمأموري الضبط القضائي إذا ما صدر إليهم إذن من النيابة العامة بتسجيل الأحاديث في الجرائم التي يجيز فيها القانون للنيابة العامة إصدار مثل ذلك الإذن كالشأن في جريمة الرشوة عملًا بالمادة ٧/ ٢ من القانون رقم ١٠٥ لسنة ١٩٨٠ بشأن محاكم أمن الدولة أن يتخذوا ما يرونه كفيلًا بتحقيق الغرض من الإذن دون أن يلتزموا في ذلك طريقة معينة ما داموا لا يخرجون في إجراءاتهم على القانون . لما كان ذلك ، وكان تسجيل الأحاديث في هذه الدعوى مأذونًا به قانونًا ، فلا تثريب على مأمور الضبط إن هو استمع إلى الأحاديث المسجلة ما دام أنه قد رأى أن ذلك الاستماع ضروري لاستكمال إجراءاته وهو على بينة من أمره ، فضلًا عن أن دفاع الطاعن ببطلان إجراءات التسجيل لتجاوز القائم بها حدود الإذن لإجراء التسجيل والمراقبة على أشخاص وهواتف لم يشملها الإذن ، وإن كان له مصلحة في هذا الدفع، إلا أنه ليس له صفة في إبدائه، وكانت الصفة تسبق المصلحة، ومع هذا فقد عرض الحكم لدفع الطاعن ببطلان إجراءات تسجيل ومراقبة الهواتف التي لم يشملها الإذن الصادر من المحامي العام لنيابة أمن الدولة العليا الأول في 24/ 4/ 2021 - واطرحه بردٍ كافٍ وسائغٍ ويتفق وصحيح القانون، فإن ما يثيره الطاعن في هذا الصدد غير قويم. لما كان ذلك، ولئن كان الأصل أن من يقوم بإجراءٍ باطلٍ لا تُقبل منه الشهادة عليه، إلا أن ذلك لا يكون إلا عند قيام البطلان وثبوته، وإذ كان الحكم المطعون فيه قد انتهى سديدًا إلى صحة الإجراءات التي تمت قبل الطاعن، فإن في هذا ما يتضمن بذاته الرد على ما أثاره الطاعن في شأن بطلان الدليل المستمد منها ، ولا تثريب عليه إن هو عوَّل في الإدانة على أقوال عضو الرقابة الإدارية ويكون منعى الطاعن في هذا الشأن غير قويم. لما كان ذلك ، وكان ما يثيره الطاعن من وجود عبث برسائل الواتس آب إن هو إلَّا جدل في تقدير الدليل المستمد منها بعد أن اطمأنت إليها محكمة الموضوع فلا يجوز مجادلتها أو مصادرتها في عقيدتها في تقدير الدليل وهو من إطلاقاتها ، ويكون ما يثيره الطاعن في هذا الخصوص لا محل له .لما كان ذلك، وكان من المقرر أن انقضاء الأجل المحدد للمراقبة والتسجيل في الأمر الصادر لا يترتب عليه بطلانه وإنما لا يصح التنفيذ بمقتضاه بعد ذلك إلى أن يجدد مفعوله، وإذ كان الثابت من المفردات المضمومة - أن الإذن الصادر بتاريخ 20/ 6/ 2021 بالمراقبة والتسجيل أنه قد حددت مدته بثلاثين يومًا مع تحرير محضر بالإجراءات يعرض في حينه، وأنه عقب انتهاء مدة سريان الإذن قام عضو الرقابة الإدارية بتحرير محضر بتاريخ 1/ 8/ 2021 بما تم من إجراءات خاصة بتسجيل المكالمات الهاتفية للطاعن والمتهم الثاني خلال مدة سريان الإذن آنف البيان، فإن هذا الأمر لا يترتب عليه بطلان ، هذا فضلًا عن أن ما يثيره الطاعن بشأن بطلان محضر الإجراءات لتأخير عرضه على النيابة العامة ، مردود بأنه لما كانت المادة ٢٤/ 2 من قانون الإجراءات الجنائية والفقرة (ج) من المادة الثانية من القانون رقم 54 لسنة 1964 بإعادة تنظيم الرقابة الإدارية بعد تعديلها بالقانون 207 لسنة 2017 لم يرتبا البطلان على عدم مراعاة أحكامهما مما يجعل الأمر فيها راجعًا إلى تقدير محكمة الموضوع لسلامة الإجراءات التي اتخذها مأمور الضبط القضائي ، ومن ثم فإن كل ما ينعاه الطاعن في هذا الشأن لا يكون له محل . لما كان ذلك ، وكانت المادة 124 من قانون الإجراءات الجنائية المستبدلة بالقانونين 145 لسنة 2006 ، 74 لسنة 2008 قد جرى نصها على أنه " لا يجوز للمحقق في الجنايات والجنح المعاقب عليها بالحبس وجوبًا أن يستجوب المتهم أو يواجهه بغيره من المتهمين أو الشهود إلا بعد دعوة محاميه للحضور عدا حالة التلبس وحالة السرعة لشبهة الخوف من ضياع الأدلة على النحو الذي يُثبتهُ المحقق بالمحضر وعلى المتهم أن يعلن اسم محاميه بتقرير لدى قلم كتاب المحكمة أو إلى مأمور السجن ويخطر به المحقق، كما يجوز لمحاميه أن يتولى هذا الإعلان والإخطار، فإذا لم يكن للمتهم محام أو لم يخطر محاميه بعد دعوته وجب على المحقق من تلقاء نفسه أن ينتدب له محاميًا "، ومفاد ذلك أن المشرع وضع ضمانة خاصة لكل متهم في جناية معاقب عليها بالحبس وجوبًا وهي وجوب دعوة محاميه إن وجد قبل استجوابه أو مواجهته بغيره من المتهمين أو الشهود وأعطى للمتهم الحق في اختيار محاميه وذلك بإعلان اسمه بتقرير لدي قلم كتاب المحكمة أو إلى مأمور السجن أو أن يقوم المحامي بذلك ، فاذا لم يكن للمتهم محامٍ وجب على المحقق أن ينتدب له محاميًا من تلقاء نفسه ، واستثنى المشرع من ذلك حالتين توخى فيهما الحفاظ على أدلة الدعوى وهما حالة التلبس وحالة السرعة لشبهة الخوف من ضياع الأدلة ، واستلزم أن يثبت المُحقق حالة السرعة التي دعته إلى التحقيق مع المتهم دون دعوة أو انتظار محاميه تطمينًا للمتهم وصونًا لحقه في الدفاع عن نفسه ، لما كان ذلك ، وكان الحكم قد اطرح دفع الطاعن في هذا الشأن بما مفاده أن المحقق أثبت أن المتهم نفى أن يكون لديه محام ولم يُفصح عن اسم محاميه ولم يتخذ الإجراءات المنصوص عليها في المادة 124 من قانون الإجراءات الجنائية، وأنه لما تبين عدم وجود محام له أرسل المحقق إلى نقابة المحامين ليندب له أحد المحامين إلا أنه لم يجد أحدًا منهم فلم يجد مناصًا من إجراء التحقيق وقام باستجوابه وعقب ذلك حضر محامي مع الطاعن جلسات التحقيق اللاحقة ، وكان هذا الذي أورده الحكم كافيًا وسائغًا في اطراح الدفع، ذلك أن المشرع لم يُحدد شكلًا أو نمطًا معينًا يتم ندب المحامي بموجبه ما دام أن المتهم لم يفصح عن اسم محاميه، فقد يتم الندب بخطاب على يد محضر أو بمعرفة أحد رجال السلطة العامة ، فإذا أصبح ندب المحامي أمرًا غير ممكن ، فلا تثريب على النيابة إن هي باشرت التحقيق مع المتهم في غيبة أحد المحامين ، لما في غير ذلك من تعطيل للنيابة عن أداء وظيفتها إذا ما تعذر دعوة المحامي أو حضوره ، بما يكون النعي على الحكم في هذا الشأن غير سديد . لما كان ذلك، وإذ ما كان الحكم قد اطمأن إلى سلامة ما أدلى به الطاعن من أقوال بالتحقيقات بعد أن فند دفاع الطاعن ببطلان استجوابه، فلا معقب عليه في ذلك . لما كان ذلك، وكان طول أمد استجواب الطاعن واستغراق ذلك لساعات طويلة متصلة لا يُعد إكراهًا ما دام لم يستطل إلى المتهم بالأذى ماديًا أو معنويًا، إذ مجرد طول هذه الإجراءات لا يُعد من الإكراه المُبطل للأقوال لا معنى ولا حكمًا ما لم تستخلص المحكمة من ظروف الدعوى وملابساتها تأثر إرادة المتهم مع ذلك ومرجع الأمر في ذلك لمحكمة الموضوع ، كما أن إطالة أمد التحقيق لا يُعد إكراهًا إلا إذا كان المتهم منكرًا وتعمد المحقق إطالة مدة التحقيق لإرهاقه بغية الحصول منه على اعتراف، وليس الحال كذلك في الدعوى إذ إن الثابت من الحكم والمفردات المضمومة أن الطاعن أنكر الاتهام ، ولما كانت المحكمة قد استخلصت سلامة أقوال الطاعن التي اعتدت بها فإن النعي على الحكم في هذا الخصوص يكون غير سديد. لما كان ذلك، وكان من المقرر أن لمحكمة الموضوع سلطة مطلقة في الأخذ بأقوال المتهم في أي دور من أدوار التحقيق وإن عدل عنها بعد ذلك ، متى اطمأنت إلى صحته ومطابقته للحقيقة والواقع ، وكانت المحكمة قد اطمأنت إلى أقوال الطاعن بتحقيقات النيابة العامة على النحو الذى أورده الحكم ، كما أن استطالة زمن التحقيق لاستكمال إجراءاته في عدة جلسات متلاحقة لا يؤثر على سلامة إرادة المتهم ولا يعيب أقواله، ومن ثم فإن النعي على الحكم في هذا الشأن لا يكون له محل . لما كان ذلك، وكان من المقرر أن المحكمة غير ملزمة بالتحدث في حكمها إلا عن الأدلة ذات الأثر في تكوين عقيدتها ولا عليها إن هي التفتت عن أي دليل آخر لأن في عدم إيرادها له ما يفيد اطراحه وعدم التعويل عليه، ومن ثم فإن نعي الطاعن على الحكم إغفاله ما جاء بالتظلم المقدم من شقيق الطاعن للنائب العام لا يكون له محل. لما كان ذلك، وكان ما يثيره الطاعن بخصوص بطلان وقصور تحقيقات النيابة العامة ولحبسه احتياطيًا من غير مختص ولسقوط مدة الحجز القانونية ،لا يعدو أن يكون تعييبًا للتحقيق الذي جرى في المرحلة السابقة على المحاكمة مما لا يصح أن يكون سببًا للطعن على الحكم، كما أن البيِّن من الحكم المطعون فيه أنه لم يعوِّل في إدانة الطاعن على دليل مستمد من الحبس الاحتياطي الذي أجرته النيابة العامة ، فإنه لا جدوى من النعي على الحكم في هذا الشأن ، هذا فضلًا عن أن ما يثيره الطاعن بشأن عدم عرضه على النيابة العامة خلال المدة المحددة قانونًا - بفرض صحته - فإنه غير مجدٍ طالما أن القانون لم يرتب البطلان جزاءً لذلك، ويكون منعى الطاعن غير مقبول. لما كان ذلك، وكان من المقرر أن أمر الإحالة هو عمل من أعمال التحقيق، فلا محل لإخضاعه لما يجري على الأحكام من قواعد البطلان، ومن ثم فإن القصور في أمر الإحالة لا يبطل المحاكمة، ولا يؤثر على صحة إجراءاتها، كما أن إبطال أمر إحالة الدعوى إلى محكمة الموضوع بعد اتصالها بها يقتضي إعادتها إلى مرحلة الإحالة، وهو أمر غير جائز باعتبار تلك المرحلة لا تخرج عن كونها جهة تحقيق فلا يجوز إعادة الدعوى إليها بعد دخولها في حوزة المحكمة، مما يكون معه نعي الطاعن في هذا الصدد غير سديد. لما كان ذلك، وكان الحكم قد عرض للدفع ببطلان اعتراف المتهم الثاني وأنه صدر منه لدرء العقوبة عنه ولصدوره وليد إكراه مادي ومعنوي ولإغرائه بالإعفاء من العقاب عملًا بالمادة ۱۰۷ مكرر عقوبات واطرحه في قوله :" لما كان ذلك وكان اعتراف المتهم الثاني بارتكاب الجريمة المسندة إليه وكذا ما ارتكبه المتهم الأول من جريمة الرشوة واستغلال النفوذ بتحقيقات النيابة العامة وبجلسة المحاكمة قد اطمأنت إليه المحكمة تمام الاطمئنان ومن أنه صادر عن إرادة حرة وطواعية وقد خلت أوراق الدعوى من ثمة دليل على قالة دفاع المتهم الأول من صدور هذا الاعتراف وليد ثمة إكراه مادي أو معنوي كما تطمئن المحكمة إلى سلامة اعتراف المتهم الثاني حسبما سلف بيانه والذي لم يفصح عن أنه تعرض لثمة إكراه مادي أو معنوي أو وعدٍ من سلطة التحقيق للتمتع بالإعفاء المقرر قانونًا بل جاء اعتراف المتهم الثاني متسقًا ومتكاملًا مع باقي الأدلة التي اطمأنت إليها المحكمة ومن ثم فإن ما يثيره الدفاع في هذا الخصوص يكون غير سديد "، وهذا الذي أورده الحكم سائغًا وكافيًا للرد على هذا الدفع لما هو مقرر من أن الاعتراف في المسائل الجنائية من عناصر الاستدلال التي تملك محكمة الموضوع كامل الحرية في تقدير صحتها وقيمتها في الإثبات، وأن لها السلطة في الأخذ باعتراف المتهم في حق نفسه وفي حق غيره من المتهمين وفي أي دور من أدوار التحقيق وإن عدل عنه بعد ذلك، ومتى خلصت إلى سلامة الدليل المستمد من الاعتراف فإن مفاد ذلك أنها اطرحت جميع الاعتبارات التي ساقها الدفاع لحملها على عدم الأخذ بها، كما أن لمحكمة الموضوع أن تجزئ هذا الاعتراف وتأخذ منه ما تطمئن إلى صدقه وتطرح ما سواه مما لا تثق به دون أن تكون ملزمة ببيان علة ذلك، كما لا يلزم في الاعتراف أن يرد على الواقعة بكافة تفاصيلها بل يكفي فيه أن يرد على وقائع تستنتج المحكمة منها ومن باقي عناصر الدعوى بكافة الممكنات العقلية والاستنتاجية اقتراف الجاني للجريمة، وكان لا يعيب الحكم أو يقدح في سلامته تناقض رواية المتهم الثاني أو تضاربها في بعض تفاصيلها ما دام قد استخلص الحقيقة من أقواله استخلاصًا سائغًا لا تناقض فيه وما دام لم يورد هذه التفصيلات أو يركن إليها في تكوين عقيدته وهو الحال في الدعوى المطروحة، وكان الحكم المطعون فيه قد استظهر مؤدى اعترافات المتهم سالف الذكر بالتحقيقات وبجلسات المحاكمة ، وخلص إلى سلامة الدليل المستمد من هذه الاعترافات لما ارتآه من مطابقته للواقع، فإن منعى الطاعن في هذا الشأن يكون غير سديد. لما كان ذلك؛ وكان من المقرر أن الدفع بانتفاء الصلة بالواقعة وعدم ارتكابها وكيدية الاتهام وتلفيقه مردودًا بأن نفي التهمة من أوجه الدفاع الموضوعية التي لا تستأهل ردًا طالما كان الرد عليها مستفادًا من أدلة الثبوت التي أوردها الحكم، هذا إلى أنه بحسب الحكم كيما يتم تدليله ويستقيم قضاؤه أن يورد الأدلة المنتجة التي صحت لديه على ما استخلصه من وقوع الجريمة المسندة إلى المتهم، ولا عليه أن يتعقبه في كل جزئية من جزئيات دفاعه لآن مفاد التفاته عنها أنه اطرحها، ومن ثم فإن النعي على الحكم في هذا الصدد لا يعدو أن يكون جدلًا موضوعيًا في تقدير الدليل وفي سلطة محكمة الموضوع في وزن عناصر الدعوى واستنباط معتقدها وهو ما لا يجوز إثارته أمام محكمة النقض. لما كان ذلك، وكان من المقرر أن الطلب الذي تلتزم محكمة الموضوع بإجابته أو بالرد عليه هو الطلب الجازم الذي يقرع سمع المحكمة ويُصر عليه مقدمه ولا ينفك عن التمسك به والإصرار عليه في طلباته الختامية، وإذ كان البيِّن من محضر جلسة المحاكمة الختامية أن الدفاع الحاضر عن الطاعن اختتم مرافعته بطلب البراءة ، ومن ثم فليس له أن ينعى على المحكمة قعودها عن تحقيق دفوعه أو الاستجابة لما يثيره بأسباب الطعن وإن كان قد طلب ذلك في جلسات سابقة أو تضمنته مذكرات الدفاع بتلك الجلسات والجلسة الأخيرة ما دام لم يُصر عليها في طلباته الختامية ، ومن ثم - وعلى فرض أن تلك المذكرات التي كانت معدة سلفًا تضمنت هذه الطلبات - لا يقبل من الطاعن النعي على المحكمة عدم إجابته إلى طلب أمسك هو عن المطالبة به في مرافعته الختامية، فإن النعي على الحكم في هذا الخصوص يكون غير صائب. لما كان ذلك، وكانت الأدلة في المواد الجنائية إقناعية، وللمحكمة أن تلتفت عن دليل النفي ولو حملته أوراق رسمية، ما دام يصح في العقل والمنطق أن يكون غير ملتئم مع الحقيقة التي اطمأنت إليها من باقي الأدلة القائمة في الدعوى - كما هو الحال في الدعوى الماثلة - فإن ما ينعاه الطاعن على الحكم لالتفاته عن المستندات التي قدمها للتدليل على صحة دفاعه ودفوعه لا يكون مقبولًا. لما كان ذلك، وكان من المقرر أن التناقض الذي يعيب الحكم ويبطله هو الذي يقع بين أسبابه بحيث ينفي بعضها ما أثبته البعض الآخر ولا يعرف أي الأمرين قصدته المحكمة والذي من شأنه أن يجعل الدليل متهادمًا متساقطًا لا شيء فيه باقيًا يمكن أن يعتبر قوامًا لنتيجة سليمة يصح الاعتماد عليها، وكان الحكم المطعون فيه قد اعتنق صورة واحدة للواقعة ودلَّل على ثبوتها في حق الطاعن ثم ساق الحكم أدلة الثبوت التي استمد منها عقيدته دون تناقض، فإن ما يثيره الطاعن من دعوى التناقض في التسبيب يكون غير سديد. لما كان ذلك، وكان الحكم قد بيَّن واقعة الدعوى على نحو يكشف عن وضوح فكرتها في عقيدة المحكمة وبما تتوافر به عناصرها القانونية، فإن ما يدعيه الطاعن من اختلال فكرة الحكم عن موضوع الدعوى وعناصرها يكون غير سديد. لما كان ذلك، وكان من المقرر أن لمحكمة الموضوع أن تستمد اقتناعها بثبوت الجريمة من أي دليل تطمئن إليه طالما أن هذا الدليل له مأخذه الصحيح من الأوراق، وكان من حق محكمة الموضوع أن تستخلص من أقوال الشهود وسائر العناصر المطروحة أمامها على بسط البحث الصورة الصحيحة لواقعة الدعوى حسبما يؤدي إليه اقتناعها وأن تطرح ما يخالفها من صور أخرى ما دام استخلاصها سائغًا مستندًا إلى أدلة مقبولة في العقل والمنطق ولها أصلها في الأوراق، وأن وزن أقوال الشهود وتقدير الظروف التي يؤدون فيها شهادتهم وتعويل القضاء على أقوالهم مهام وجه إليها من مطاعن وحام حولها من الشبهات كل ذلك مرجعه إلى محكمة الموضوع تنزله المنزلة التي تراها وتقدره التقدير الذي تطمئن إليه، وهي متى أخذت بشهادتهم فإن ذلك يفيد أنها اطرحت جميع الاعتبارات التي ساقها الدفاع لحملها على عدم الأخذ بها ، كما أنه من المقرر أن تأخذ المحكمة بأقوال الشاهد لو كانت سماعية، ذلك أن الأصل في الشهادة هو تقرير الشخص لما يكون قد رآه أو سمعه بنفسه أو أدركه على وجه العموم بحواسه، وكان الطاعن لا يماري في طعنه أن الشهود يتمتعون بسائر الحواس الطبيعية، فلا على الحكم إن هو أخذ بشهادتهم، كما أن تناقض الشاهد أو اختلاف رواية شهود الإثبات في بعض تفاصيلها لا يعيب الحكم ولا يقدح في سلامته ما دامت المحكمة قد استخلصت الحقيقة من أقوالهم استخلاصًا سائغًا لا تناقض فيه - كما هو الحال في الدعوى الراهنة -، كما أن لمحكمة الموضوع أن تأخذ بأقوال الشاهد في أية مرحلة من مراحل الدعوى ولو خالفت أقواله أمامها، وأنه لا يشترط في شهادة الشاهد أن تكون واردة على الحقيقة المراد إثباتها بأكملها وبجميع تفاصيلها على وجه دقيق، بل يكفي أن يكون من شأن تلك الشهادة أن تؤدي إلى هذه الحقيقة باستنتاج سائغ تجريه محكمة الموضوع يتلاءم به ما قاله الشاهد بالقدر الذي رواه مع عناصر الإثبات الأخرى المطروحة أمامها، وأنه لا يشترط أن تكون الأدلة التي يركن إليها الحكم بحيث ينبئ كل دليلٍ منها ويقطع في كل جزئية من جزئيات الدعوى إذ الأدلة في المواد الجنائية متساندة يكمل بعضها بعضًا ومنها مجتمعة تتكون عقيدة المحكمة فلا ينظر إلى دليل بعينه لمناقشته على حدة دون باقي الأدلة بل يكفي أن تكون الأدلة في مجموعها كوحدة مؤدية إلى ما قصده الحكم منها ومنتجة في اقتناع المحكمة واطمئنانها إلى ما انتهت إليه، وكان الحكم المطعون فيه قد كشف عن اطمئنانه إلى أقوال شهود الإثبات وباقي الأدلة واقتناعه بحدوث الواقعة على الصورة التي شهدوا بها ، وكانت الأدلة التي استند إليها في ذلك سائغة ومقبولة في العقل والمنطق، فإن كل ما يثيره الطاعن من منازعة حول تصوير المحكمة للواقعة وأدلة الثبوت أو في تصديقها لأقوال شهود الإثبات أو محاولة تجريحها ينحل إلى جدلٍ موضوعي في تقدير الدليل وهو ما تستقل به محكمة الموضوع ولا تجوز مجادلتها فيه أو مصادرة عقيدتها بشأنه أمام محكمة النقض. لما كان ذلك، وكانت المحكمة قد أقامت قضاءها على ما اقتنعت به من أدلة ترتد إلى أصل صحيح في الأوراق واستخلصت في منطقٍ سائغ صحة إسناد التهم إلى الطاعن، وكان قضاؤها في هذا الشأن مبنيًا على عقيدة استقرت في وجدانها عن جزم ويقين ولم يكن حكمها مؤسسًا على الفرض والاحتمال حسبما يذهب إليه الطاعن، فإن ما يثيره في هذا الخصوص لا يخرج عن كونه جدلًا موضوعيًا لا تجوز إثارته أمام محكمة النقض . لما كان ذلك، وكان ما أورده الحكم ودلَّل به على مقارفة الطاعن للجريمتين اللتين دين بهما كافيًا وسائغًا ، ولا يتنافر مع الاقتضاء العقلي والمنطقي ، فإن ما يثيره من منازعة في سلامة ما استخلصته المحكمة من أوراق الدعوى وما تم فيها من تحقيقات لا يعدو أن يكون جدلًا موضوعيًا في سلطة محكمة الموضوع في وزن عناصر الدعوى واستنباط معتقدها مما لا يجوز إثارته أمام محكمة النقض ، هذا فضلًا عن أن تقدير الدليل موكول لمحكمة الموضوع ، ومتى اقتنعت به واطمأنت إليه فلا مُعَقِّب عليها في ذلك، وإذ كانت الأدلة التي ساقها الحكم من شأنها أن تؤدي إلى ما رتَّبه عليها من ثبوت مقارفة الطاعن للجريمتين اللتين دانه بهما - حسبما تقدم بيانه - فإن ما يثيره في هذا الصدد يكون غير مقبول . لما كان ذلك ، وكان القانون قد أمد القاضي في المسائل الجنائية بسلطة واسعة وحرية كاملة في سبيل تقصي ثبوت الجرائم أو عدم ثبوتها والوقوف على حقيقة علاقة المتهمين ومدى اتصالهم بها ففتح له باب الإثبات على مصراعيه يختار من كل طرقه ما يراه موصلًا إلى الكشف عن الحقيقة ويزن قوة الإثبات المستمدة من كل عنصر بمحض وجدانه فيأخذ بما تطمئن إليه عقيدته ويطرح ما لا ترتاح إليه غير ملزم بأن يسترشد في قضائه بقرائن وأدلة معينة بل له مطلق الحرية في تقدير ما يُعرض عليه منها ووزن قوته التدليلية في كل حالة حسبما يُستفاد من وقائع الدعوى وظروفها بغية الحقيقة بنشرها إن وجدها ومن أي سبيل يجده مؤديًا إليها ولا رقيب عليه في ذلك غير ضميره وحده ، هذا هو الأصل العام الذي أقام عليه القانون الجنائي قواعد الإثبات لتكون موائمة لما تستلزمه طبيعة الأفعال الجنائية وتقتضيه مصلحة الجماعة من وجوب معاقبة كل جان وتبرئة كل برئ ، فإن ما ينعاه الطاعن من عدم ضبطه متلبسًا بأخذ أية عطايا واصطناع فواتير شرائها وخلو الأوراق من دليل على إدانته ينحل إلى جدلٍ موضوعي في حق محكمة الموضوع في تقدير أدلة الدعوى وتكوين معتقدها وهو ما لا يجوز إثارته أمام محكمة النقض. لما كان ذلك ، وكان تقدير آراء الخبراء والفصل فيما يوجه إلى تقاريرهم من اعتراضات ومطاعن ، مرجعه إلى محكمة الموضوع التي لها كامل الحرية في تقدير القوة التدليلية لتقرير الخبير ، شأنه في ذلك شأن سائر الأدلة ، ولا يقبل مصادرة المحكمة في هذا التقدير، وكانت المحكمة قد اطمأنت إلى تقرير خبير الأصوات بالهيئة الوطنية للإعلام ، فإنه لا يجوز مجادلة المحكمة في ذلك ولا مصادرة عقيدتها أمام محكمة النقض. لما كان ذلك، وكان للمحكمة أن تعوِّل في تكوين عقيدتها على تحريات الرقابة الإدارية باعتبارها معززة لما ساقته من أدلة ما دامت تلك التحريات قد عرضت على بساط البحث، فإن ما يثيره الطاعن في هذا الخصوص لا يكون قويمًا. لما كان ذلك ، وكانت حالة الرغبة في إدانة المحكوم عليه من المسائل الداخلية تقوم في نفس القاضي وتتعلق بشخصه وضميره، وترك المشرع أمر تقدير الإدانة لتقدير القاضي وما تطمئن إليه نفسه ويرتاح إليه وجدانه ، ومن ثم فإن ما يثار في هذا المنحى لا يصح أن ينبني عليه وجه الطعن . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن افتراض البراءة وصون الحرية الشخصية من كل عدوان عليها أصلان كفلهما الدستور بالمادتين 41 ، 67 منه ، فلا سبيل لدحض أصل البراءة بغير الأدلة التي تقيمها النيابة العامة وتبلغ قوتها الإقناعية مبلغ الجزم واليقين مثبتة بها الجريمة التي نسبتها إلى المتهم في كل ركن من أركانها وبالنسبة لكل واقعة ضرورية لقيامها ، وبغير ذلك لا ينهدم أصل البراءة ، إذ هو من الركائز التي يستند عليها مفهوم المحاكمة المنصفة، وهذا القضاء تماشيًا مع ما نصت عليه المادة 67 من الدستور من أن " المتهم برئ حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية تكفل له فيها ضمانات الدفاع عن نفسه " ومفاد هذا النص الدستوري أن الأصل في المتهم البراءة وأن إثبات التهمه قبله يقع على عاتق النيابة العامة ، فعليها وحدها عبء تقديم الدليل ولا يلزم المتهم بتقديم أي دليل على براءته، كما لا يملك الشارع أن يفرض قرائن قانونية لإثبات التهمة أو لنقل عبء الإثبات على عاتق المتهم . لما كان ذلك، وكان الثابت من محاضر جلسات المحاكمة أن الطاعن - في الدعوى الماثلة - قد واجه الأدلة التي قدمتها النيابة العامة قبله ، وكفلت له المحكمة الحق في نفيها بالوسائل التي قدر مناسبتها وفقًا للقانون ، وقد حضر معه محام للدفاع عنه وترافع في الدعوى وأبدى ما عن له من أوجه الدفاع فيها ثم قضت المحكمة - من بعد - بإدانته تأسيسًا على أدلة مقبولة وسائغة لها أصلها في الأوراق وتتفق والاقتضاء العقلي ، ومن ثم فإن ما يثيره الطاعن في هذا المنحى يضحى غير سديد . لما كان ذلك، وكان يبين من الاطلاع على المفردات المضمومة أن ما حصَّله الحكم من أقوال الطاعن بتحقيقات النيابة العامة له صداه وأصله الثابت في الأوراق، فإن ما ينعاه الطاعن على الحكم بدعوى الخطأ في الإسناد على النحو الذي أورده بوجه النعي لا يكون له محل، بما تنحل معه منازعته في سلامة استخلاص الحكم لأدلة الإدانة في الدعوى إلى جدل موضوعي حول تقدير المحكمة للأدلة القائمة في الدعوى ومصادرتها في عقيدتها وهو ما لا تقبل إثارته أمام محكمة النقض. لما كان ذلك، وكان يبين من الحكم المطعون فيه أنه لم ينسب للمتهم الثاني في معرض بيانه لمضمون الدليل المستمد من أقواله قولًا بأن المحادثات الهاتفية بينه وبين الطاعن قد حدثت بعد يوم 24/ 4/ 2021 - على خلاف ما يذهب إليه الطاعن - ومن ثم فإن دعواه في هذا المقام تكون عارية عن سندها، واجبة الرفض. لما كان ذلك، وكان ما يثيره الطاعن من خطأ الحكم بشأن ما أورده نقلًا عن محضر التحريات المؤرخ 24/ 4/ 2021 وما أثبته الحكم بمدوناته من مطابقة التسجيلات بمحاضر استماع النيابة العامة لاستماع المحكمة لتلك التسجيلات، لا يقدح في سلامة الحكم لما هو مقرر بأن الخطأ في بيان مصدر الدليل بفرض وقوعه لا يضيع أثره ما دام له أصل صحيح في الأوراق ، هذا فضلًا عن أن من المقرر أن الأصل في الإجراءات الصحة ولا يجوز الادعاء بما يخالف ما يثبت منها سواء في محضر الجلسة أو الحكم إلا بالطعن بالتزوير ومن ثم فإنه لا يقبل من الطاعن قوله إن الحكم أثبت بمدوناته مطابقة استماع المحكمة للتسجيلات لمحاضر استماع النيابة العامة لها على خلاف الثابت بمحضر الجلسة ما دام لم يتخذ من جانبه إجراء الطعن بالتزوير فيما دون بالحكم ويكون ما ورد في طعنه في هذا الصدد غير سديد، كما أن الطاعن لم يسلك الإجراءات التي نصت عليها المادة ٤٩ من قانون الإثبات والتي أوجبت أن يكون الادعاء بالتزوير بتقرير في قلم الكتاب ، كما أنه يجوز أن يحصل التقرير به قبل الجلسة الأولى المحددة لنظر الطعن أمام محكمة النقض ، فإن نعى الطاعن يكون ولا أثر له قانونًا ، هذا بالإضافة إلى أنه من المقرر أن الحكم يكمل محضر الجلسة في خصوص إجراءات المحاكمة، وكان الثابت بمحضر جلسة المحاكمة أن المحكمة استمعت للتسجيلات، وأكمل الحكم إثبات مطابقة استماع المحكمة للتسجيلات لمحاضر استماع النيابة العامة لها، فإن منعى الطاعن في هذا الشأن يكون على غير أساس . لما كان ذلك، وكان الحكم المطعون فيه لم يعوِّل في إدانة الطاعن على شيء مما أسفر عنه تفريغ خبير الأصوات للمكالمات الهاتفية المسجلة، وكان ما أورده الحكم من تقرير خبير الأصوات إنما هو تحصيل لما ورد به من مطابقة صوتي الطاعن والمتهم الثاني للصوتين المنسوبين إليهما بالتسجيلات ولم يورد الحكم شيئًا عن تفريغ خبير الأصوات للمكالمات الهاتفية ، فإنه لا يجدي الطاعن ما يدعيه بشأن مخالفة تحصيل الحكم للمكالمات الهاتفية بمحضر استماع النيابة العامة للثابت بمحضر تفريغ المكالمات الهاتفية بتقرير خبير الأصوات ، ويكون غير منتج النعي على الحكم بالخطأ في الإسناد ، فإن ما يثيره الطاعن في هذا الخصوص لا يكون له محل، هذا فضلًا عن أنه لما كان الثابت من مدونات الحكم المطعون فيه أن المحكمة لم تبن قضاءها بصفة أصلية على فحوى الدليل الناتج من تلك التسجيلات، وإنما استندت إليها كقرينة تعزز بها أدلة الثبوت التي أوردتها، فإنه لا جناح على الحكم إن هو عوَّل على تلك القرينة تأييدًا وتعزيزًا للأدلة الأخرى التي اعتمد عليها في قضائه، ما دام لم يتخذ من نتيجة هذه التسجيلات دليلًا أساسيًا على ثبوت الاتهام قبل المتهم، ومن ثم فإن ما يثيره الطاعن من مخالفة ما نقله الحكم عنها للثابت بالأوراق يكون غير مقبول، كما أنه من المقرر أن الخطأ في الإسناد لا يعيب الحكم ما لم يتناول من الأدلة ما يؤثر في عقيدة المحكمة، وكان البيِّن من الحكم المطعون فيه أن ما ينعاه عليه الطاعن من خطئه في الإسناد فيما أورده الحكم في مجال تحصيله لمضمون الدليل المستمد من تسجيل المكالمات الهاتفية وأقوال المتهم الثاني وتحريات عضو الرقابة الإدارية - على النحو الذي أشار إليه في أسباب طعنه- وعلى فرض وجوده لم يكن له أثر في منطق الحكم واستدلاله على ارتكاب الطاعن للواقعة فإن ما يثيره في هذا النعي لا يكون مقبولًا. لما كان ما تقدم، فإن الطعن برمته يكون على غير أساس متعينًا رفضه موضوعًا .
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة:- بقبول الطعن شكلاً وفي الموضوع برفضه .

الطعن 2877 لسنة 64 ق إدارية عليا جلسة 15 / 2 / 2020

برئاسة السيد الأستاذ المستشار/ عادل سيد عبد الرحيم حسن بريك نائب رئيس مجلس الدولة ورئيس المحكمة وعضوية السادة الأساتذة المستشارين: السيد الأستاذ المستشار / سيد عبد الله سلطان عمار نائب رئيس مجلس الدولة السيد الأستاذ المستشار الدكتور / محمد أحمد عبد الوهاب خفاجي نائب رئيس مجلس الدولة السيد الأستاذ المستشار / نبيل عطا الله مهني عمر نائب رئيس مجلس الدولة السيد الأستاذ المستشار / أسامة محمد أحمد حسنين نائب رئيس مجلس الدولة

وحضور السيد الأستاذ المستشار / محمد الصباحي مفوض الدولة

وسكرتارية السيد / سيد أمين أبو كيله أمين سر المحكمة أصدرت الحكم الآتي

بالجلسة المنعقدة علنا

-----------------

" الإجراءات "

فى يوم الأحد الموافق 15/ 10/ 2017 أودع الأستاذ/ ..... المحام المقبول للمرافعة أمام هذه المحكمة بصفته وكيلًا عن الطاعنة قلم كتابها تقرير طعن قيد بجدولها تحت رقم 2877 لسنة 64ق .ع فى قرار مجلس التأديب المشار إليه فيما قضى به من مجازاة الطاعنة بعقوبة اللوم مع تأخير التعيين فى الوظيفة الأعلى أو ما فى حكمها لمدة سنتين.
والتمست الطاعنة - لما ورد بتقرير الطعن من أسباب - الحكم بقبول الطعن شكلًا وفى الموضوع بإلغاء قرار مجلس التأديب المطعون فيه .
ونظر الطعن أمام الدائرة الرابعة لفحص الطعون بالمحكمة الإدارية العليا على النحو الثابت بمحاضر جلساتها حيث قررت إحالته إلى هذه المحكمة ، وتدوول أمامها على النحو الثابت بمحاضر جلساتها فأودعت الجامعة المطعون ضدها حافظة مستندات طويت على المستندات المعلاة على غلافها وقد قررت المحكمة بجلستها المنعقدة بتاريخ 5/ 10/ 2019 إصدار الحكم بجلسة اليوم وفيها صدر وأودعت مسودته المشتملة على أسبابه عند النطق به.
-----------------

" المحكمة "

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات والمداولة قانونًا.
ومن حيث إن الطاعنة تطلب الحكم بطلباتها سالفة البيان.
ومن حيث إن الطعن استوفى سائر أوضاعه المقررة قانونًا فمن ثم يكون مقبول شكلًا.
ومن حيث إن وقائع الطعن تخلص - حسبما يبين من الأوراق - فى أن الطاعنة تشغل وظيفة مدرس بقسم الأدوية والسموم بكلية الصيدلة بجامعة المنصورة ونسب إليها خروجها على القيم والتقاليد الجامعية الأصلية والأعراف والقوانين المعمول بها ، وذلك بقيامها بوضع منشورات على الصفحة الخاصة بقسم الأدوية والسموم بكلية الصيدلة جامعة المنصورة على موقع التواصل الاجتماعى والفيس بوك تتضمن عبارات الاستحقاق والتهكم والإساءة إلى شخص رئيس الجامعة ، وصدر قرار رئيس الجامعة رقم 6483 لسنة 2015 بتاريخ 12/ 11/ 2015 بإحالتها إلى مجلس تأديب أعضاء هيئة التدريس بالجامعة ، وبجلسته المنعقدة بتاريخ 26/ 9/ 2017 قضى بمجازاة الطاعنة بعقوبة اللوم مع تأخير التعيين فى الوظيفة الأعلى وما فى حكمها لمدة سنتين.
وأقام مجلس التأديب قضاءه على أن ما نسب للطاعنة ثبت فى جانبها على وجه القطع واليقين وذلك على النحو المشار إليه بأسباب القرار وهو ما يشكل خروجًا منها على ما أوجبه عليها القانون من الالتزام بالأعراف والتقاليد الجامعية مما يستوجب مجازاتها تأديبيًا.
بيد أن الطاعنة لم ترتض هذا والقرار فأقامت طعنها الماثل ناعية عليه مخالفته للقانون على النحو الوارد تفصيلًا بأسباب الطعن ووجيزها أنها لم ترتكب المخالفة المنسوبة إليها ولم يثبت بدليل واحد ارتكابها إياها .
ومن حيث إنه عن موضوع الطعن فإن قانون تنظيم الجامعات الصادر بالقانون رقم 49 لسنة 1972 ينص فى المادة (96) على أنه :- " علي أعضاء هيئة التدريس التمسك بالتقاليد والقيم الجامعية الأصلية والعمل علي بثها في نفوس الطلاب وعليهم ترسيخ وتدعيم الإتصال المباشر بالطلاب ورعاية شئونهم الاجتماعية والثقافية والرياضية "
وفى المادة (110) على أن :- " الجزاءات التأديبية التى يجوز توقيعها على أعضاء هيئة التدريس هى : ......3- اللوم مع تأخير العلاوة المستحقة لفترة واحدة أو تأخير التعيين فى الوظيفة الأعلى أو ما فى حكمها لمدة سنتين على الأكثر ......."
ومن حيث إن قضاء هذه المحكمة جرى مجرى التواتر على أن مناط المسئولية التأديبية إخلال الموظف بواجبات وظيفته إيجابيًا أو سلبًا أو إتيانه عملًا من الأعمال المحرمة عليه فكل موظف يخالف الواجبات التى تنص عليها القوانين واللوائح أو القواعد التنظيمية العامة أو أوامر الرؤساء الصادرة فى حدود القانون أو يخرج على مقتضى الواجب فى أعمال وظيفته أو يقصر فى تأديتها بما تتطلبه من حيطة ودقة وأمانة أو يخل بالثقة المشروعة فى هذه الوظيفة إنما ترتكب ذنبًا إداريًا يسوغ تأديبه .
ومن المقرر أيضًا بقضاء هذه المحكمة أنه من المبادئ العامة الأساسية فى المسئولية العقابية سواء كانت جنائية أو تأديبية وجوب الثبوت اليقينى لوقوع الفعل المؤثم من المتهم ، وأن يقوم هذا الثبوت على أساس توافر أدلة كافية لتكوين عقيدة المحكمة يقينًا فى إرتكاب المتهم للفعل المنسوب إليه، ولا يسوغ قانونًا أن تقوم الإدانة تأسيسًا على أدلة مشكوك فى صحبتها أو فى دلالتها وإلا كانت تلك الإدانة مزعزة الأساس متناقضة المضمون مفرغة من ثبات اليقين وما دام الأصل فى هذا الشأن هو البراءة فإذا شاب وقوع الفعل أو نسبته إلى فاعله شك تعين تفسير الشك لصالحه وظل أمره على الأصل وهو البراءة .
كذلك من المستقر عليه بقضاء هذه المحكمة أنه يلزم حتمًا إجراء تحقيق قانوني صحيح سواء من حيث الإجراءات أو المحل وإلغائه لكي يمكن أن يستند على نتيجته قرار الإتهام شاملًا الأركان الأساسية، وتلك القاعدة العامة تستند إليها شرعية الجزاء هى الواجبة الإتباع سواء تم توقيع الجزاء إداريًا من السلطة التأديبية الرئاسية أو تم توقيعه فى مجلس تأديب مختص أو تم توقيعه قضائيًا بحكم من المحكمة التأديبية لأن التحقيق هو وسيلة إستبانة الحقيقة ووجه الحق فيما نسب إلى العامل من إتهام وبغير أن يكون تحت يد الجهة التى تملك توقيع الجزاء التأديبي تحقيق مستكمل الأركان لا يكون فى مكنتها الفصل على وجه قانونى فى الإتهام المنسوب للعامل ولا يكون التحقيق مستكمل الأركان صحيحًا من حيث محله وغايته إلا إذا تناول الواقعة محل الإتهام بالتمحيص بحيث لابد وان يحدد عناصرها بوضوح ويقين من حيث الأفعال والزمان والمكان والأشخاص وأدلة الثبوت فإذا ما قصر التحقيق عن استيفاء عنصر أو أكثر من هذه العناصر على نحو تحمل معه الواقعة وجودًا وعدمًا أو أدلة وقوعها أو نسبتها إلى المتهم كان تحقيقًا معيبًا ويكون قرار الجزاء المستند إليه معيبًا كذلك.
ومن حيث إنه وترتيبًا على ما تقدم وعما نسب للطاعنة من أنها قامت بوضع منشورات على الصفحة الخاصة بقسم الأدوية والسموم بكلية الصيدلة جامعة المنصورة على موقع التواصل الإجتماعى الفيس بوك تتضمن عبارات استخفاف وتهكم وإساءة لشخص رئيس جامعة المنصورة فإنه ولما كان الثابت من الإطلاع على التحقيقات التى أجريت مع الطاعنة بشأن ما نسب إليها بمعرفة وكيل كلية الحقوق بجامعة المنصورة لشئون المجتمع وتنمية البيئة أنه اقتصر على سؤالها عما نسب إليها والذى نفته نفيًا تامًا وأن التحقيق أعتمد فقط على مذكرة رئيس الجامعة المرافقة لقرار إحالة الطاعنة للتحقيق والتى تضمنت شكوى بعض أعضاء هيئة التدريس من وجود صفحة خاصة بقسم الأدوية والسموم بكلية الصيدلة بالجامعة على موقع الفيس بوك تتضمن إساءة لشخص رئيس الجامعة وأن المسئول عن هذه الصفحة الطاعنة وورد التحقيق مشوبًا بالقصور الشديد إذ لم تمحص تلك الواقعة ، فلم تكلف المحققة نفسها عناًء سؤال هؤلاء الشاكين من أعضاء هيئة التدريس أو سؤال المختصين فى شئون الانترنت عما إذا كانت الصفحة المشار إليها تديرها الطاعنة من عدم بالرغم من أن ورد بالتحقيقات أن المختصين بالإنترنت بالجامعة أحضروا أوراق مطبوعة من هذه الصفحة.
ومن حيث إن الثابت أيضًا بالأوراق أن مجلس التأديب المطعون فى قراره أحال الدعوى التأديبية المقامة ضد الطاعنة برقم 19 لسنة 2015 إلى شرطة الإنترنت بوزارة الداخلية لعرض الموضوع على المتخصصين لاستجلاء الحقيقة بشأن ما إذا كانت هى التى تدير الصفحة المشار إليها من عدمه وأودعت وزارة الداخلية بأوراق الدعوى تقريرًا فنيًا انتهى إلى أنه بالدخول على موقع الفيس بوك تبين عدم وجود الصفحة المشار إليها ويرجع أنه تم غلقها ولم يتمكن الفحص الفنى من رصد بصمة الكترونية لتحديد القائم على الصفحة ومرتكب الواقعة وأنه بصور الطاعنة لفحص حسابها الشخصى وبفتح الحساب تبين عدم إدارتها للصفحة المشار إليها كما أن الفحص الفنى لم يتمكن من إثبات صحة كافة الأوراق المتعلقة بالواقعة المنسوبة للطاعنة.
ومن حيث إنه ترتيبًا على ما تقدم يكون ما نسب للطاعنة غير ثابت فى جانبها، وإذ ذهب قرار مجلس التأديب المطعون فيه إلى غير ذلك مقضى بمجازاة الطاعنة بعقوبة اللوم مع تأخير التعيين فى الوظيفة الأعلى أو ما فى حكمها لمدة سنتين يكون قد صدر لا سند له من القانون حريًا بالإلغاء .
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة :- بقبول الطعن شكلًا وفى الموضوع بإلغاء القرار المطعون فيه فيما قضى به من مجازاة الطاعنة بعقوبة اللوم مع تأخير التعيين فى الوظيفة الأعلى أو ما فى حكمها لمدة سنتين، وببراءتها مما نسب إليها .
صدر هذا الحكم وتلي علنًا بالجلسة المنعقدة يوم السبت21 من جمادى الثانية سنة1441هجرية الموافق 15 فبراير لسنة 2020 ميلادية بالهيئة المبينة بصدره.

الطعن 13106 لسنة 65 ق إدارية عليا جلسة 16 / 1 / 2021

باسم الشعب
مجلس الدولة
المحكمة الإدارية العليا
الدائرة الرابعة
برئاسة السيد الأستاذ المستشار / عادل سيد عبد الرحيم حسن بريك نائب رئيس مجلس الدولة ورئيس المحكمة وعضوية السيد الأستاذ المستشار / صلاح أحمد السيد هلال نائب رئيس مجلس الدولة وعضوية السيد الأستاذ المستشار / عبد القادر أبو الدهب يوسف عبد المجيد نائب رئيس مجلس الدولة وعضوية السيد الأستاذ المستشار / نادى محمد عبد اللطيف يوسف نائب رئيس مجلس الدولة وعضوية السيد الأستاذ المستشار / أحمد ماهر سيد عبد العال نائب رئيس مجلس الدولة 
وحضور السيد الأستاذ المستشار / إسلام ناجى مفوض الدولـــة 
وسكرتارية السيد/ سيد أمين أبو كيلة أمين سر المحكمة
أصدرت الحكم بالآتي
في الطعن رقم 13106 لسنة 65 ق . عليا .
في الحكم الصـــــادر من المحكمة التأديبيـة لمستوى الإدارة العليا
في الدعــوى رقم 192 لسنــــة 59 ق بجلســة 24/10/2018
المقــــــــــام من :
..............
ضــــــــــــــــــــد :
هــيئة النيابة الإدارية
-----------------
" الإجـراءات "
في يوم الأحد الموافق 9/12/2018 أودع الطاعن قلم كتـــاب هذه المحكمة تقرير طعن قيد بجدولها العام تحت رقـم 13106 لسنـة 65 قضائيـة عليـا , في الحكم الصادر من المحكمة التأديبية لمستوى الإدارة العليا بجلسة 24/10/2018 في الدعــوى رقم 192 لسنــة 59 ق بمجازاته بعقوبة العزل .
والتمس الطاعن - للأسباب الواردة بتقرير الطعن - الحكم بقبوله شكلاً , وبوقف تنفيذ ثم إلغاء الحكم المطعون فيه , والقضاء مجددًا أصليًا : ببطلان إحالته للمحاكمة التأديبية . واحتياطيًا : برفض الدعوى وبراءته مما نسب إليه .
وأودعت هيئة مفوضى الدولة تقريراً مسبباً بالرأى القانوني في الطعن .
ونظر الطعن أمام الدائرة الرابعة لفحص الطعون بالمحكمة الإدارية العليا على النحو الثابت بمحاضر جلساتها . وبجلسة 28/11/2020 قررت إحالته إلى هذه المحكمة لنظره بجلسة 26/12/2020 . وتدوول أمامها على النحو الثابت بمحاضر جلساتها ، وبذات جلستها المنعقدة بتاريخ 26/12/2020 قررت المحكمة إصدار الحكم في الطعن بجلسة اليوم , وفيها صدر الحكم وأودعت مسودته المشتملة على أسبابه لدى النطق به .
-----------------
" المحكمـة "
بعد الاطلاع على الأوراق , وسماع الإيضاحات , والمداولة قانونًا .
من حيث إن الطاعن يطلب الحكم بطلباته سالفة البيان .
ومن حيث إن الطعن استوفى سائر أوضاعه المقررة قانونًا فمن ثم يكون مقبولاً شكلاً .
ومن حيث إن وقائع الطعن تخلص - حسبما يبين من الأوراق - في أنه بتاريخ 10/5/2017 أقامَت النيابة الإدارية الدعوى رقم 192 لسنة 59 قضائية , بإيداع أوراقها قلم كتاب المحكمة التأديبية لمستوى الإدارة العليا اشتملت على ملف الشكوى رقم 701 لسنة 2016 , تفتيش فني بوزارة العدل , وتقرير اتهام , ومذكرة بأسانيده ضد / ......... - رئيس القطاع القانوني بشركة النشا والخميرة والمنظفات بدرجة مدير عام لأنه بتاريخ 3/4/2016 ارتكب فعلًا فاضحًا داخل مكتبه بمقر العمل , بتصوير فيلم مخل بالآداب مع فتاة من غير العاملين بالشركة عن طريق الإنترنت , وتداوله على موقع التواصل الاجتماعي والفيس بوك الخاص به يوم 3/4/2016 واستمراره حتى يوم 4/4/2016 .
وطلبت النيابة الإدارية محاكمة المذكور تأديبيًا عن المخالفة المنسوبة إليه طبقًا للمواد الواردة بتقرير الاتهام.
وتدوول نظر الدَّعْوَى أمام المحكمة التأديبية لمستوى الإدارة العليا على النحو الثابت بمحاضر جلساتها . وبجلسة 24/10/2018 أصدرت المحكمة حُكمها المطعون فيه بمجازاة الطاعن بعقوبة العزل , وشيدت المحكمـــة قضاءها - بعد استعراض النصوص القانونية والمبادئ الحاكمة - على أن المخالفة المنسوبة للطاعن أنه ارتكب فعلًا فاضحًا داخل مكتبه بمقر العمل , بتصوير فيلم مخل بالآداب مع فتاة من غير العاملين بالشركة عن طريق الإنترنت , وتداوله على موقع التواصل الاجتماعي والفيس بوك الخاص به يوم 3/4/2016 واستمراره حتى يوم 4/4/2016 , فإن هذه المخالفة ثابتة في حقه من واقع ما ورد بشهادة / ...... , فني تشغيل الهندسة الإذاعية باتحاد الإذاعة والتليفزيون , والذي ذكر في شهادته من واقع قيامه بفحص الاسطوانة المدمجة المحمل عليها الفيديو محل الواقعة , أن الفيديو عبارة عن محادثة بين الطاعن وفتاة , وهي من قامت بتسجيلها عن طريق برنامج ماسنجر وتتضمن قيامهما بأفعال مخلة وخلع ملابسهما , وقيام المحال بفتح سوستة البنطلون , وممارسة أفعال إثارة وإغراء , وأضاف أن الفيديو لا يوجد به أي تلاعب أو مونتاج , وأنه سليم ويخص أطرافه , وهو الأمر الذي يؤكد حدوث الواقعة على الرغم من نفي الطاعن , والذي أكد في ذات الوقت أن مكان تصوير الفيديو هو المكتب الخاص به , وهو الأمر الذي تطمئن معه المحكمة إلى حدوث الواقعة , ومن ثم تثبت مسئولية الطاعن في هذا الشأن , وبالتالي يتعين مجازاته بعقوبة العزل .
وإذ لم يلقْ الحكم المطعون فيه قبولا لدى الطَّاَعِن فقد أقام طعنه الماثل ناعيًا على الحكم المطعون فيه مخالفة القانون والخطأ في تطبيقه وتأويله , والقصور في التسبيب , وذلك لأسباب حاصلها بطلان قرار الإحالة لأنه صدر من وزير التموين وهو غير مختص , وأنه لم يخطر لمواجهته بما انتهى إليه فني الإذاعة والتليفزيون من فحص لكى يتاح له الرد على النتيجة التى انتهى إليها , وأن النيابة العامة قد أصدرت قرارها بالحفظ لعدم ثبوت الواقعة . واختتم الطَّاَعِن تقرير طعنه بما سلف من طلبات .
ومن حيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى مجرى التواتر على أن رقابة القضاء لمشروعية الجزاء هى رقابة قانونية يقف حدها عند التحقق من قيام السبب المبرر له بثبوت ارتكاب العامل للمخالفة التى جوزى عنها ، ولا تمتد هذه الرقابة إلى ملاءمة الجزاء الذى هو ملاك يد المحكمة التى أصدرته وتترخص فى تقدير جسامة الذنب الذى اقترفه وما يعادله حقًا وصدقًا من جزاء ، ومن ثم فإذا استخلصت المحكمة أو مجلس التأديب من الوقائع الدليل على أن المتهم قارف ذنبًا إداريًا يستأهل الجزاء ، وكان هذا الاستخلاص سائغًا ومستمدًا من وقائع تنتجه وتؤدى إليه ، فإن تقدير هذا الدليل الذى قام لديها واعتدت به يكون بمنأى عن الطعن ، فرقابة المحكمة الإدارية العليا لا تعنى أن تعاود النظر بالموازنة والترجيح بين الأدلة المقدمة فى الدعوى إثباتًا ونفيًا ، إذ أن ذلك شأن من شئون المحكمة التأديبية أو مجلس التأديب وحدهما ، بما لا يجوز معه ولا يسوغ للطاعن معاودة الجدل فى تقدير أدلة الدعوى بظن من إيجاب أو سلب غير مستمد من واقعات الدعوى ، ومن ثم فإن هذه المحكمة لا تتدخل أو تبسط رقابتها إلا إذا ثبت لديها أن الدليل الذى قام عليه القضاء الطعين غير مستمد من أصول ثابتة فى الأوراق ، أو كان استخلاصه له لا تنتجه الواقعة المطروحة عليه ، فعندئذ فقط يكون التدخل واجبًا لتصحيح الحكم بما يتفق مع القانون والواقع بركيزة من أن الحكم غير قائم على سببه المبرر له قانونًا .
ومن ناحية أخرى فإنه لا إلزام على المحكمة التأديبية أن تشير فى أسباب حكمها إلى كل ورقة أو مستند يقدم إليها ، فحسبها لصحة حكمها أن تشير فقط إلى ما تستند إليه فيما ينتهى إليه قضاؤها ، إذ أن للمحكمة كامل الحرية فى تقدير ما تأخذ به مما يُقدم إليها من مستندات وما تطرحه منها ، بما لا يسوغ معه للطاعن الاستمساك ببطلان الحكم بقالة إخلاله بحق الدفاع إهدار بعض المستندات وعدم التعويل عليها أو على ما شهد به بعض الشهود فى التحقيقات ، مادام الحكم قد أبرز إجمالا الحجج التى كونت قضاءه طارحًا بذلك ضمنًا الأسانيد التى قام عليها دفاع الطاعن ، فالقاضى التأديبى بما يتمتع به من حرية فى مجال الإثبات غير ملزم بإتباع طرق معينة ، فهو الذى يحدد طرق الإثبات التى يقبلها وأدلة الإثبات التى يرتضيها ويبني عليها اقتناعه ويهدر ما يرتاب فى أمره أو يخالطه شكًا ، فيطرحه بعيدًا عن قناعاته التى هى وحدها سند قضائه وركيزة أسبابه .
ومن حيث إن البين من أسباب الحكم الطعين التى قام بسند منها قضاؤه أنه قد استخلص إدانة الطاعن عن المخالفة المنسوبة إليه من أصول ثابتة بالأوراق والتحقيقات محددًا الوقائع المكونة لها تحديدًا يرتفع به الجهل بها سابغًا عليها الكيوف القانونية السليمة منزلًا أحكام النصوص القانونية واجبة التطبيق فى شأنها وأقسطه الجزاء الأوفى صدقا وعدلا مفصلا ذلك كله تفصيلا يكفى لحمل النتيجة التى خلص إليها على الصحة ويستوى بها الحكم مستقيمًا على سوقه ، وهى أسباب انتظم عقدها قانونا وساغ منطقها عقلا وتتخذها هذه المحكمة أسبابا لها مبنى ومعنى ، بما يغدو الطعن عليها لا سند له من القانون ولا ظل له من الواقع متعين الرفض .
- فلهذه الأسباب -
حكمت المحكمة : بقبول الطعن شكلًا , ورفضـــه موضـــوعًا .
صدر هذا الحكم وتلي علناً بالجلسة المُنعقدة يوم السبت 3 من جماد آخر لسنة 1442 هجرية ، الموافق 16/1/2021 ميلادية , بالهيئة المُبِينة بصدره.

مجلة الرسالة/العدد 413



بتاريخ: 02 - 06 - 1941

الطعن 5569 لسنة 55 ق جلسة 26 / 2 / 1986 مكتب فني 37 ق 65 ص 316

جلسة 26 من فبراير سنة 1986

برياسة السيد المستشار: محمد وجدي عبد الصمد وعضوية السادة المستشارين: إبراهيم حسين رضوان ومحمد ممدوح سالم ومحمد رفيق البسطويسي ومحمود بهي الدين عبد الله نواب رئيس المحكمة.

----------------

(65)
الطعن رقم 5569 لسنة 55 القضائية

(1) دعوى جنائية. حكم "قوة الشيء المحكوم فيه". اختصاص "الاختصاص الولائي". نقض "ما يجوز الطعن فيه من الأحكام".
متى يعد الحكم الصادر من محكمة الجنايات بعدم الاختصاص منهياً للخصومة على خلاف ظاهره؟
جواز الطعن في الحكم بعدم الاختصاص إذا كان منهياً للخصومة على خلاف ظاهره.
مثال:
(2) اختصاص "الاختصاص الولائي" "اختصاص محاكم أمن الدولة" سلاح. سرقة. إكراه. ارتباط. أمن دولة. طوارئ. محاكم أمن الدولة "اختصاص".
اشتراك محاكم أمن الدولة الجزئية "طوارئ" بالاختصاص بنظر جرائم إحراز سلاح أبيض بدون ترخيص مع المحاكم العادية.
قواعد التفسير الصحيح للقانون تستوجب بحكم اللزوم العقلي والمنطقي أن تتبع الجريمة ذات العقوبة الأخف الجريمة ذات العقوبة الأشد المرتبطة بموجب أثر الارتباط وليس العكس أساس ذلك؟
مثال:
(3) إجراءات "إجراءات المحاكم". محكمة الجنايات "نظرها الدعوى والحكم فيها". اختصاص.
قضاء محكمة الجنايات بعدم الاختصاص مع أن القانون يجعل لها ولاية الفصل في الدعوى. خطأ. أثر ذلك؟

-------------------
1 - لما كان الحكم المطعون فيه الصادر من محكمة الجنايات بعدم اختصاصها بنظر الدعوى يعد منهياً للخصومة على خلاف ظاهره لأن محكمة جنايات أمن الدولة العليا "طوارئ" سوف تقضي حتماً بعدم اختصاصها بنظر الدعوى لو رفعت إليها، فإن الطعن بالنقض يكون جائزاً.
2 - لما كانت جريمة إحراز مطواة قرن غزال بدون ترخيص المسندة إلى المطعون ضده والمنصوص عليها في القانون رقم 165 لسنة 1981 بتعديل بعض أحكام القانون رقم 394 لسنة 1954 في شأن الأسلحة والذخائر معاقباً عليها بعقوبة الجنحة، وتشترك في الاختصاص بنظرها مع القضاء العام، صاحب الولاية العامة الأصلية، محكمة أمن الدولة الجزئية المنصوص عليها في قانون الطوارئ، وذلك عملاً بالفقرة الثانية من أمر رئيس الجمهورية رقم (1) لسنة 1981 والمادة السابعة من القانون رقم 162 لسنة 1958 بشأن حالة الطوارئ المعدل، في حين أن جريمة الشروع في سرقة بالإكراه المسندة كذلك إلى المطعون ضده، معاقب عليها بعقوبة الجناية، وهي ليست من الجرائم التي تختص محاكم أمن الدولة العليا طوارئ بنظرها، وبالتالي فإن اختصاص هذه المحاكم بها لارتباطها بجريمة إحراز السلاح الأبيض بدون ترخيص، لا تتفق والتفسير الصحيح للمادة الثانية من أمر رئيس الجمهورية (1) لسنة 1981 والتي يجرى نصها على أنه "إذا كون الفعل الواحد جرائم متعددة أو وقعت عدة جرائم مرتبطة بعضها ببعض لغرض واحد وكانت إحدى تلك الجرائم داخلة في اختصاص محاكم أمن الدولة فعلى النيابة العامة تقديم الدعوى برمتها إلى محاكم أمن الدولة "طوارئ" وتطبق هذه المحاكم المادة 32 من قانون العقوبات "ذلك أن قواعد التفسير الصحيح للقانون تستوجب بحكم اللزوم العقلي أن تتبع الجريمة ذات العقوبة الأخف للجريمة ذات العقوبة الأشد المرتبطة بها في التحقيق والإحالة والمحاكمة وتدور في فلكها، بموجب الأثر القانوني للارتباط، بحسبان عقوبة الجريمة الأشد هي الواجبة الأثر القانوني للارتباط، بحسبان أن عقوبة الجريمة الأشد هي الواجبة التطبيق على الجريمتين وفقاً لنص المادة 32 من قانون العقوبات، وإذ كانت جريمة الشروع في سرقة بالإكراه تختص بنظرها محكمة الجنايات وحدها وهي المحكمة الأعلى درجة من محكمة أمن الدولة الجزئية طوارئ التي تشترك مع القضاء العام في الاختصاص بنظر جريمة إحراز السلاح الأبيض بدون ترخيص المسندة أيضاً إلى المطعون ضده، فإنه يتعين أن تتبع الجريمة الأخيرة الجريمة الأولى في التحقيق والإحالة والاختصاص بالمحاكمة وهو ما يوجبه نص المادة 214 من قانون الإجراءات الجنائية المعدل بالقانون رقم 170 لسنة 1981 من إحالة الجرائم التي تختص بها محاكم من درجات مختلفة إلى المحكمة الأعلى درجة، وهي قاعدة عامة واجبة الاتباع في المحاكمات الجنائية، لما كان ذلك وكان الحكم المطعون فيه قد خالف هذا النظر فإنه يكون قد خالف القانون بما يوجب نقضه.
3 - لما كانت المحكمة قد أخطأت في قضائها بعدم الاختصاص مع أن القانون يجعل لها ولاية الفصل في الدعوى، وقد حجبها هذا الخطأ عن نظر موضوعها فإنه يتعين أن يكون مع النقض الإعادة.


الوقائع

اتهمت النيابة العامة المطعون ضده بأنه: أولاً: شرع في سرقة المجني عليه..... بطريق الإكراه الواقع عليه بأن هدده بمطواة كان يحملها ليجبره على تسليم ساعة اليد الخاصة به فشل بذلك مقاومته وأوقف أثر الجريمة لسبب لا دخل لإرادته فيه هو ضبطه والجريمة متلبساً بها وقد ترك الإكراه بالمجني عليه الإصابات المبينة بالتقرير الطبي ثانياً: حاز بغير ترخيص سلاحاً أبيض مطواة قرن غزال. وأحالته إلى محكمة جنايات..... لمعاقبته طبقاً للقيد والوصف الواردين بقرار الاتهام. والمحكمة المذكورة قضت حضورياً بعدم اختصاصها بنظر الدعوى وبإحالتها إلى النيابة العامة لاتخاذ شئونها فيها.
فطعنت النيابة العامة في هذا الحكم بطريق النقض..... إلخ.


المحكمة

من حيث إن النيابة العامة تنعى على الحكم المطعون فيه أنه إذ قضى بعدم اختصاص محكمة الجنايات بنظر الدعوى وإعادتها إلى النيابة العامة لإجراء شئونها فيها اعتباراً بأن محكمة أمن الدولة العليا المشكلة وفق قانون الطوارئ هي المختصة، قد أخطأ في تطبيق القانون، ذلك بأن أمر رئيس الجمهورية رقم "1" لسنة 1981 بإحالة بعض الجرائم إلى محكمة أمن الدولة طوارئ قد خلا من النص على إفراد هذه المحاكم بالفصل وحدها في الجرائم المنصوص عليها في قانون الأسلحة والذخائر الصادر بالقانون رقم 394 لسنة 1954 والقوانين المعدلة له، هذا فضلاً عن أن جريمة إحراز مطواة "قرن غزال" معاقب عليها بعقوبة الجنحة في حين أن الجريمة الأصلية المرفوع بها الدعوى الجنائية هي جناية سرقة بإكراه، مما مقتضاه، أن تختص محكمة الجنايات بنظر الدعوى برمتها إعمالاً للأثر القانوني للارتباط، مما يعيب الحكم ويستوجب نقضه.
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه الصادر من محكمة الجنايات بعدم اختصاصها بنظر الدعوى يعد منهياً للخصومة على خلاف ظاهره لأن محكمة جنايات أمن الدولة العليا "طوارئ" سوف تقضي حتماً بعدم اختصاصها بنظر الدعوى لو رفعت إليها، فإن الطعن بالنقض يكون جائزاً، وقد استوفى الشكل المقرر في القانون.
ومن حيث إن النيابة العامة رفعت الدعوى الجنائية على المطعون ضده بوصف أنه: أولاً: - شرع في سرقة..... بطريق الإكراه الواقع عليه بأن هدده بمطواة ليحمله على تسليمه ساعة يد فشل بذلك مقاومته وأوقف أثر الجريمة لسبب لا دخل لإرادته فيه هو ضبطه. ثانياً: حاز بغير ترخيص سلاحاً أبيض "مطواة قرن غزال". لما كان ذلك وكان الحكم المطعون فيه قد أقام قضاءه، بعدم اختصاص محكمة الجنايات بنظر الدعوى على قوله "وحيث إن الأمر الجمهوري رقم "1" لسنة 1981. قد نص في البند ثالثاً: من المادة الأولى منه على أن: - تحيل النيابة العامة إلى محاكم أمن الدولة - طوارئ - المشكلة طبقاً لقانون الطوارئ الجرائم المنصوص عليها في القانون رقم 394 لسنة 1954 في شأن الأسلحة والذخائر والقوانين المعدلة له كما نص في المادة الثانية منه على أنه إذا كون الفعل الواحد جرائم متعددة أو وقعت عدة جرائم مرتبطة ببعضها لغرض واحد وكانت إحدى هذه الجرائم داخلة في اختصاص محكمة أمن الدولة فعلى النيابة العامة تقديم الدعوى برمتها إلى محكمة أمن الدولة طوارئ.... متى كان ما تقدم وكانت النيابة العامة قد أحالت الدعوى برمتها - بعد تاريخ العمل بالأمر الجمهوري المشار إليه - في 23 أكتوبر سنة 1981 إلى هذه المحكمة بوصفها محكمة جنايات وكانت التهمة الثانية المسندة إلى المتهم مرتبطة بالتهمة الأولى ارتباطاً لا يقبل التجزئة..... وكان الاختصاص بنظر التهمة الثانية منعقداً لمحكمة أمن الدولة طوارئ مما يتعين معه على النيابة العامة إحالة الدعوى برمتها إلى هذه المحكمة بوصفها محكمة أمن دولة عليا طوارئ.... ومن ثم تقضي المحكمة بعدم اختصاصها...." لما كان ذلك، وكانت جريمة إحراز مطواة قرن غزال بدون ترخيص المسندة إلى المطعون ضده والمنصوص عليها في القانون رقم 165 لسنة 1981 بتعديل بعض أحكام القانون رقم 394 لسنة 1954 في شأن الأسلحة والذخائر معاقباً عليها بعقوبة الجنحة، وتشترك في الاختصاص بنظرها مع القضاء العام، صاحب الولاية العامة الأصلية، محكمة أمن الدولة الجزئية المنصوص عليها في قانون الطوارئ، وذلك عملاً بالفقرة الثانية من أمر رئيس الجمهورية رقم (1) لسنة 1981 والمادة السابعة من القانون رقم 162 لسنة 1958 بشأن حالة الطوارئ المعدل، في حين أن جريمة الشروع في سرقة بالإكراه المسندة كذلك إلى المطعون ضده، معاقب عليها بعقوبة الجناية، وهي ليست من الجرائم التي تختص محاكم أمن الدولة العليا طوارئ بنظرها، وبالتالي فإن قاله اختصاص هذه المحاكم بها، لارتباطها بجريمة إحراز السلاح الأبيض بدون ترخيص، لا تتفق والتفسير الصحيح للمادة الثانية من أمر رئيس الجمهورية (1) لسنة 1981 والتي يجري نصها على أنه "إذا كون الفعل الواحد جرائم متعددة أو وقعت عدة جرائم مرتبطة بعضها ببعض لغرض واحد وكانت إحدى تلك الجرائم داخلة في اختصاص محاكم أمن الدولة فعلى النيابة العامة تقديم الدعوى برمتها إلى محاكم أمن الدولة "طوارئ" وتطبق هذه المحاكم المادة 32 من قانون العقوبات "ذلك أن قواعد التفسير الصحيح للقانون تستوجب بحكم اللزوم العقلي أن تتبع الجريمة ذات العقوبة الأخف للجريمة ذات العقوبة الأشد المرتبطة بها في التحقيق والإحالة والمحاكمة وتدور في فلكها، بموجب الأثر القانوني للارتباط، بحسبان أن عقوبة الجريمة الأشد هي الواجبة الأثر القانوني للارتباط، بحسبان أن عقوبة الجريمة الأشد هي الواجبة التطبيق على الجريمتين وفقاً لنص المادة 32 من قانون العقوبات، وإذ كانت جريمة الشروع في سرقة بالإكراه تختص بنظرها محكمة الجنايات وحدها وهي المحكمة الأعلى درجة من محكمة أمن الدولة الجزئية طوارئ التي تشترك مع القضاء العام في الاختصاص بنظرها جريمة إحراز السلاح الأبيض بدون ترخيص المسندة أيضاً إلى المطعون ضده، فإنه يتعين أن تتبع الجريمة الأخيرة الجريمة الأولى في التحقيق والإحالة والاختصاص بالمحاكمة وهو ما يوجبه نص المادة 214 من قانون الإجراءات الجنائية المعدل بالقانون رقم 170 لسنة 1981 من إحالة الجرائم التي تختص بها محاكم من درجات مختلفة إلى المحكمة الأعلى درجة، وهي قاعدة عامة واجبة الاتباع في المحاكمات الجنائية، لما كان ذلك وكان الحكم المطعون فيه قد خالف هذا النظر فإنه يكون قد خالف القانون بما يوجب نقضه. لما كان ما تقدم وكانت المحكمة قد أخطأت في قضائها بعدم الاختصاص مع أن القانون يجعل لها ولاية الفصل في الدعوى، وقد حجبها هذا الخطأ عن نظر موضوعها فإنه يتعين أن يكون مع النقض الإعادة.

مجلة الرسالة/العدد 412



بتاريخ: 26 - 05 - 1941

مجلة الرسالة/العدد 411/مسألة الفقر - عباس العقاد

بتاريخ: 19 - 05 - 1941


للأستاذ عباس محمود العقاد

سألني الأستاذ زكي مبارك عن رأيي في الخلاف القائم على مسألة الفقر بينه وبين الأساتذة: توفيق الحكيم، وسلامة موسى، وفكري أباضة، وبعض حضرات القراء

وخلاصة هذا الخلاف أن الدكتور زكي مبارك يرجح أن الفقر عقوبة مستحقة على شيء من القصور، وأن مخالفيه يرجحون أن الفقر غلطة اجتماعية تصيب الناس من خلل في (المجتمع) أكثر من إصابتها أيام من تقصير في الجهود. وعندنا نحن أن الفقر داء كسائر الأدواء: يصيب المريض به من إهماله كما يصيبه من ضعفه الموروث، ويصيبه مع الحيطة إذا جرى مجرى الوباء الذي تنتشرعدواه، كما يصيبه مع ترك الحيطة في هذا الحال وفي غيرها من الأحوال

وليس في وسع أحد أن يزعم أن ميزان المجتمع سليم من الخلل في توزيع الأرزاق أو تقدير المكافآت على حسب الجهود. ففي كل أمة أغنياء لا يستحقون الغنى وفقراء لا يستحقون الفقر وإن تفاوت الخلل وتفاوت الجور وتفاوت السعي في الإصلاح.

ولست أنا ممن ينكرون فضل البراعة المالية، لأنها في الحقيقة براعة لازمة لتأسيس المرافق الاجتماعية والأخلاق القومية وتنظيم العلاقات، واستشارة الهمم، وتوزيع الأعمال التي لا يستبحر بغيرها عمران

وقد قلت منذ نحو عشرين سنة حين عرضت للبحث فيما يعاب من أخلاق المرأة خطأ وجهلاً بالبواعث النفسية:

(. . . أننا قد نرى للمرأة سبباً غير الأسباب التي تغري بحب المال وإعظام أصحابه: نرى أن كسب المال كان ولا يزال أسهل مسبار لاختبار قوة الرجل وحيلته، وأدعى الظواهر إلى اجتذاب القلوب والأنظار، واجتلاب الإعجاب والإكبار. فقد كان أغنى الرجال في القرون أقدرهم على الاستلاب وأجرئهم على الغارات وأحماهم أنفاً وأعزهم جاراً، فكان الغنى قرين الشجاعة والقوة والحمية، وعنواناً على شمائل الرجولة المحببة إلى النساء أو التي يجب أن تكون محببة إليهن. ثم تقدم الزمان فصار أغنى الرجال أصبرهم على احتمال المشاق وتجثم الأخطار والتمرس بأهوال السفر وطول الاغتراب، وأقدرهم على ضبط النفس وحسن التدبير. فكان الغنى في هذا العصر قرين الشجاعة أيضاً وقوة الإرادة وعلو الهمة وصعوبة المراس. ثم تقدم الزمان فصار أغنى الرجال أبعدهم نظراً وأوسعهم حيلة وأكيسهم خلفاً وأصلبهم على المثابرة وأجلدهم على مباشرة الحياة ومعاملة الناس، فكان الغنى في هذا العصر: قرين الثبات والنشاط ومتانة الخلق وجودة النظر في الأمور؛ وهكذا تجد اكتساب المال الكثير في كل عصر دليلاً على فضل الرجل، وعلاقة توحي إلى نفس المرأة ما يعين غريزتها على اختيار أجدر الرجال بحبها وأصلح الآباء لأبنائها. فلا تثريب عليها أن تختبر مزايا الرجل بهذا المسبار السهل القريب، ولا لوم عليها أن تريد ثراء المال ولا تعدل به الفقر والفاقة. . .)

فنحن لا نبخس البراعة المالية حقها ولا نغض من نفعها في باب الخدمة الاجتماعية، ولا من دلالتها على الخلق والكفاءة العقلية، ولكننا مطالبون في هذا العصر الحديث بإنقاذ المجتمع من الخلل الشديد الذي ألم بموازين الاقتصاد ومعايير الأرزاق حتى اصبح اقتناء الثروات ميسراً للمحتال والدجال الذي لا يعطي الناس بديلاً نافعاً يساوي الربح الغزير الذي يتدفق عليه. ولعلنا نتلطف في الأمر حين نقول إنه لا يعطي الناس بديلاً نافعاً وهو في الواقع يضرهم بمقدار ما يستفيد منهم، ويحرمهم بمقدار ما يغدقون الرزق عليه طائعين أو كارهين

ومثل من هذه الأمثال أولئك السماسرة الآثمون الذين يتواطئون على إشاعة الأراجيف، وإقلاق الاسواق، واللعب بأثمان الإسناد والأوراق ليسرقوا في ساعات ما تنقضي الأعمار دون الوصول إليه بالسعي الحلال أو بالسرقة على طريقة اللصوص الأقدمين

ومثل آخر من هذه الأمثال تلك الصفقات التي تنعقد في الهواء بغير مبادلة صحيحة في البيع والشراء، وإنما هي استغلال لثقة الناس التي كسبها أولئك المستغلون بحكم مراكزهم الاجتماعية أو المالية لا بحكم الكفاءة والجهد وتثمير المال الحلال

وإذا ارتفعنا شيئاً فشيئاً من هذه الهوة الغائرة في قرارة الإجرام فقد نصل إلى الكفاءات القيمة التي تعطى الناس ما ينفعهم ويسرهم، ولكنها تتقاضاهم جزاءً لهم أضعاف حقهن وأضعاف ما يحتاجون إليه لموالاة النفع والسرور

فإخراج رواية على اللوحة البيضاء عمل قد ينفع العقول ويدخل السرور على القلوب، ولكن الدنيا تسرف جد الإسراف حين تشتري نفع الرواية وسرورها بمئات الألوف من الجنيهات وهي تضن بعشر معاشر هذا على المآثر الإنسانية التي يتصل بها نفع أقوام وبمرور أجيال

واقبح من هذا أن تكون الألوف المؤلفة نصيب الرواية الماجنة العقيمة ولا تحضي ببعض هذا النصيب أجود الروايات وأحفلها بالمعارف والمتع والعظات، أو يكون الجزاء الوافر حظ الممثل الذي لا يستحي ان يعرض رجولته للفضوليات من المتفرجات، ولا يكتب هذا الحظ لنوابغ الفن وأفذاذ الرجال

هناك خلل في الميزات لا نكران له ولا مناص من إصلاحه، لأن الغبن فيه غبن الأمم، والبلاء فيه بلاء الهمم، وليس غبن فقير يشكو الفاقة، أو بلاء ضعيف يطلب الرحمة والإنصاف

ولا نطمع أن يجيء اليوم الذي يتساوى فيه العمل والجزاء كل المساواة، ويبطل فيه الخلل بطلاناً يمنع الحيف ويحقق العدل في كل تقدير؛ فهذا مستحيل، ولعله غير محمود في عقباه، لأن الدوافع الحيوية إذا استقامت هذه الاستقامة خيف عليها أن تفقد الاندفاع الذميم على السواء

لكننا إذا استبعدنا الكمال المطلق فالنقص المطبق أولى منه بالإبعاد، وبين المثل الأعلى والمثل الأدنى خطوات لا تعيا بها قدرة الإنسان ولا يجمل به أن يقعد عنها مكتوف اليدين مقيد الرجلين، وحاجة مصر إلى الجهد في هذا الباب اعظم من حاجة بلاد كثيرات يعلو فيها صراخ لا يسمع له صدى في هذه البلاد

وقوام الإصلاح في مسألة الفقر على أن ما نرى أن نذكر الحقائق كلها ولا نكتفي بجانب واحد منها دون سائر جوانبها

أو الخير في هذه المسألة أن نقرن كل حقيقة جامحة بحقيقة كابحة تساويها وتكف من غربها

فأول الحقائق في مسألة الفقر أن حياة الإنسان كائناً ما كان أنفس من القوت والكساء ومطالب المعيشة، وأنه ما من مخلوق آدمي يعجز عن تقديم خدمة تكافئ ثمن قوته وكسائه ومطالب عيشه. فإذا هلك إنسان جوعاً أو عرياً ففي تقسيم الأعمال نقص يستدركه المصلحون والمتكلفون بسياسة الاجتماع وبإزاء هذه الحقيقة الظاهرة حقيقة أخرى لا تقل عنها ظهوراً وجدارة بطول العناية والتدبر، وهي أن الأمان كل الأمان، خطر على الهمم والأذهان. فإن كثيراً من الجهد النافع مبعثه طلب الأمان في المستقبل، وشعور النفس بالحاجة إليه في أخريات الحياة. فإذا اطمأن إليه كل حي من بداية حياته فترت حركته وغلب عليه حب الاستقرار، ومني العالم بخطر من جراء ذلك هو أخطر عليه من الإجحاف في تقسيم بعض الأعمال وتوزيع بعض الأرزاق

وهناك حقيقة لا مراء فيها وهي أن المغامرين المقتحمين ينالون أحياناً فوق ما يستحقون من جزاء، ويأخذون أحياناً بعض ما يستحقه المحرومون الذين لا وزر عليهم في هذا الحرمان

أما الحقيقة التي بازائها فهي أن المغامرين المقتحمين ينكبون أحياناً في الأرواح فضلاً عن نكبتهم في الأرزاق والأموال، وأنهم لا ينطلقون مع طبائعهم القوية في عالم تشتد قيوده وتتساوى نتائجه ولا تتسع فيه الهوة بين الأمل العظيم في نجاح كبير وبين الإقدام العظيم على خيبة قامة للظهور، وأن خسارة العنصر المسالم الوديع

وهناك حقيقة من هذه الحقائق فحواها أن الغنى ليس بجريمة، وأن الفقر ليس بفضيلة، فلن يقول أحد به مسكة عقل أن الأغنياء، وأن الفقراء يستحقون الغنى لأنهم فقراء، وأن جاز أن يقال أن الإفراط في الغنى والإفراط في الفقر ظلمان محققان

أما الحقيقة التي بازائها فهي أن الأمر لا يرجع هنا إلى العدل والاستحقاق، ولكنه يرجع إلى صلاح المجتمع ولو نال فيه فريق فوق ما يكافئ عمله وجدواه. فكل عضو شاك يكلف الجسم بعض الأحيان فوق حقه وفوق نصيبه من العمل والجدوى؛ وبغير هذا العلاج لا تستقيم صحة الأجسام

وصحيح أن العالم مدين للعصاميين، وأن العصاميين لم يولدوا في الذروة العليا من طبقات الامة، ولكن ليس بصحيح أن طبقة الحضيض هي صاحبة الحصة الكبرى في إنجاب العصاميين؛ وإنما الصحيح أنهم ينشئون وسطاً بين الطبقة التي نهكتها رذائل الترف والغرور والطبقة التي نهكتها رذائل الهوان والمسكنة. ومعظم المصلحين الذين نفعوا الفقراء لم يكونوا من ضحايا الفقر المدقع والمنبت المنحدر البالغ في الانحدار، مما يؤيد رأي القائلين إن الفقر المدقع الذي يلازم أصحابه عقباً بعد عقب إنما هو قصور في الذهن والخلق يحلهم حيث يحل القاصرون المتخلفون أيا كان المجتمع الذي يعيشون فيه

وبعد هذه الحقائق جميعها تبقى لنا حقيقة لا يطول فيها جدل المنصفين، وهي أن الفقر آفة يجب أن تزول إذا استطعنا ان نزيلها، ويجب إلا يمنعنا عن أزالتها إلا مانع واحد لا نحفل بغيره: وهو عدم الاستطاعة، ولو كان الفقراء مستحقين لما هم فيه. فلن يبحث منصف عن المريض هل جلب المرض لنفسه بيده، أو سيق إلى المرض مكرهاً عليه، إذا كانت المسالة مسألة طب وشفاء مستطاع

عباس محمود العقاد

مجلة الرسالة/العدد 411/من الأدب النسائي - ليلى

بتاريخ: 19 - 05 - 1941


من مذكرات مطلقة للسيدة الفاضلة (ليلى)

(إذا قسا قلب الرجل ومات ضميره فلن تجد الرحمة سبيلاً إلى قلبه، وهيهات أن يرد إليه الشعور أنه سارق، وفي بعض الحالات قاتل. يعطي باليمنى ويسلب باليسرى، ويغتصب الروح الهانئة لتحل الشقوة ويدب التلف إلى القلب النابض فيخفت. أيها الإنسان العابث! أما عرفت أن هناك إلهاً بالمرصاد؟)

أذلك حلم أتخيله، أم هي الذكريات تطوف برأسي كما يطوف النحل بخلاياه لها أزيزه وطنينه، ولكنها لا تنتج العسل ولا فيها شفاء للنفس ولا للناس؟ لقد كادت صرخة الجوع تفلت من بين شفتي، ولكنها في سجن من الإباء وقيد من الكبرياء! لقد سمحت للدموع أن تطفئ أشجاني وتبرد نار أحزاني، ولقد هتفت بوحدتي أن أسبلي على ستارك، ولا تمتعي بآلامي مهجة الشامت، حتى تستقر نفسي، ويعاودني كسابق الأمر أنسى، وهيهات. . . فالقلب قبر صامت يحمل رفات الذكريات! لقد نسى الغادر كؤوس الهناءة التي سكبتها له بيدي، وألوان السعادة نعم بها في جواري، وجنة البيت تضفي عليه النعيم. . . نسى الصدر الرحب الذي وسع أنانيته، والروح التي خلقت فيه عبقريته. . . نسى الحنان يرتع في جنباته، والحب الخالص يرعاه في غداوته وروحته. . . كانت حياتنا معاً مثلاً عالياً للوفاء، فبرهنت الأيام على أن ليس لحال بقاء. . . نسى كل شئ، وبرم بعشرة السنين الطويلة: لم يرحم الإحساس المرهف يجرح بسكين الصد والهجران؛ ولا الآلام تخترم الجسم الرقيق كالنبال، ولا النفس العالية يسهمها الخسف والهوان؛ وطغى كالسيل الجارف يهد من جسر الآمال، ويذيب الأماني ويفرقها في صميم الأوحال! أستبدل بالمرحلة السعيدة التي قطعناها، أخرى شيقة ما ألفناها، تبدل وتغير من ربيع زاهر ضاحك إلى خريف مجدب ماحل، ثارت النفس لهذا الاختلاف، ثم جاء وقت الحساب، فما أجدي تفاهم ولا عتاب. افترقنا، هو سادر في غلوائه، وأنا قلبي تائه في بيدائه، وحملت نفسي أشلاء ممزقة وهي حائرة مبعثرة، وصرخت في وجه القدر: أنا صابرة صابرة، وعلى تحدي غدره قادرة! أشحت بوجهي حين تقدم إلى بالمساعدة، حتى حقوق رفضتها معاندة، وخرجت من بيته مرفوعة الرأس. وهناك في غرفة حقيرة الأثاث انطويت على نفسي بعيدة عن الناس، أبيع الحلية أسد بها الرمق، أغالب حالات الضيق والقلق، وأطارد شبح الذكرى حتى حقرت في نظري الحياة. وما هي ذي نفسي تستمرئ هذا العيش الجديد، بالرغم من بعده عن كل تغيير وتجديد. بقى فضول الناس، فهم بمعرفة حقيقتي مولعون؛ يعجبون لوحدتي وانفرادي، ويتساءلون عمن أحب وعمن أعادي. لم يبق غير الجبل أسارع إليه لأدفع عني شر الإنسان، ولا بد انه ملاحقي في كل زمان ومكان. إني أحسن جوارهم، ولكن لا أحب حوارهم. آنس بالوحدة وأرى فيها عالم من نور، وأوقن أن ما يصيبنا في كتاب مسطور. درأت عن نفسي فتنة الدنيا بهذا الاحتجاب، وكأني سائحة طال عليها الاغتراب. رأيت السلوان في مصحفي وكتابي، وناشدت الله أن يجزل ثوابي؛ حتى إذا اجتزت المحنة في ثبات. أخذت أفيق من غمرة ذهولي وأقول: حياة كالعدم، شئ غير معقول. . . لم لا آخذ من دهري بنصيب، وأستبدل حبيباً بحبيب؟

صحت وقد نفضت عني حياة العدم، فليس في صفحتي ما يوجب اليأس والندم: أشرقي يا نفسي في جوانب صدري. هأنذى لا زلت شابة فتية. . . لم تكونين يا نفس ضحية الأحزان ونعيم الوجود يبدو أمامك؟ انشطي وأفسحي المجال لروحك، وضمدي بالسرور شتى جروحك. . . ما ضرك لو تعرفت بهذا وذاك. . .؟ أليس لأسير الأسى من فكاك؟ أيقضي علي بالقسوة والحرمان، وسواي يلهو مع الصحب والخلان. . . إن ظهري لا يحتمل وقر السنين، ولا يرضى بشقاء العيش غير المجانين! لقد لقيت جزاء الإخلاص، وأفلست من حبه أيما إفلاس، ولكني سأتناول بيدي كؤوس النعيم، وأطرح همي الدائم المقيم. نحن بني آدم كالأعاصير نثور ونهدأ، وما نحن ألا قصة أو حديث في أساطير، ومهما طال بنا الأمد فسيجرفنا الفناء. وسنجد أن الحياة لم تكن تستحق العناء، فلنشرب من وردها الصافي. إني احبها وعلى رأسي تاج من الشرف يلمسه من جهلني ومن عرفني. أحبها في أحضان السمعة الطيبة والكرامة، ولا ينقصها وخزة ضمير ولا ندامة. فاللهم اهدني السبيل، واكفني شر القال والقيل. كيف أناضل للعيش وحيدة، وأنا بمعرفة أساليب الناس بعيدة؟ وا خيبتاه أن وقعت في الحبالة، ولم يبقى في مصباح عقلي زبالة. اللهم خذ بيدي فلست أريد إلا أن أخرج عن جمودي وأشعر بكياني ووجودي. هأنذى أفتح النافذة وأتلقى نظرات جاري متحفزة. قال: عمي مساء! قلت: عم مساء! قال: يظهر أننا في الوحدة سواء. لم تنفرين من المجتمع، أما من أقارب أو أصدقاء لك في هذا البلد؟ قلت وجدت الخير في صحبة الكتاب، بعد أن تقطعت بيني وبين صاحبي الأسباب. أما البنون فالحمد لله الذي رفع عني عبئهم، ولم يشأ أن أتحمل ذنبهم. قال يا لك من مسكينة! لا بد أن تكون حياتك موحشة قاسية، وماذا يملأ فراغك؟ ما ضرك لو نكون صديقين؟ فكانت إجابتي بسمة ساخرة، وكنت في تحويل دفة الحديث ماهرة. ثم أقفلت النافذة بغير تحية، وأنا أقول: خاب فألك! لن أكون مرة أخرى ضحية

دخلت على جارتي ودعتني للزيارة، فلم أشأ أن أعارض، وجلست إليها أستمع هراء في هراء، ولا أدري أن كان حديثاً أو مواء. لقد حاولت الإفصاح، وأخذت تستدرجني لأقص عليها واقعة حالي، وأنبئها بآلامي وآمالي. فقصت عليها أمري باختصار، فأضهرت لي أنها من خيرة الأنصار، وأخذت تلين ملمسها كالحية الرقطاء، على صورة لم يخف ما بها من دهاء. وبرغم تظاهرها بالبذخ واليسار شعرت باحتقارها. ثم خرجت من لدنها وبيني وبينها هوة سحيقة. لقد تجرعت الساعة التي قضيتها معها ككأس مرة المذاق، وقد عزمت وأكدت العزم ألا يكون بعدها تلاق

خرجت اليوم في الطريق، من غير ما صاحب ولا رفيق، فآخذتني النظرات السافلة، ورحت أتعثر بين السابلة. أخذت سمتي إلى ملهى من الملاهي، وأنا أقول أسألك العصمة يا ألهي. رأيت نساء يرقصن شبه عرايا، ونفوسهن تشف كالمرايا، ليس لهن هدف غير الرجال، وسلب ما يقدرن عليه من مال. أما الحب الذي يتظاهرن به فما هو إلا خداع وإغراء، قد جاز على عقول هؤلاء التعساء. كانوا يلتهموهن بأنظارهم التهاما، ويظهرون جوعاً وهياماً. والنساء يتدللن والرجال يتعللون، وكل بدوره يحيك الشباك، ويبحث عن ضالته هنا وهناك. وبدلاً من أن أسر بالأنوار الساطعة والموسيقى الصاخبة، شعرت كأني أريق ماء وجهي، وأن الشيطان واقف وراء ظهري وأمامي ينفث من روحه في تلكم الأنغام؛ فأسرعت بالفرار من هذا المكان، أنشد في وحدتي الطمأنينة والأمان.

(ليلى)

مجلة الرسالة/العدد 411/ألقاب الشرف والتعظيم عند العرب - أنستاس ماري الكرملي 3

بتاريخ: 19 - 05 - 1941

للأب أنستاس ماري الكرملي

- 3 -

7 - القمس

تقدم لنا ذكر القمس، وقد ذكره غير واحد من فقهاء اللغة وجاء في بيت شعر، لأحد شعراء حلب في سنة 544 للهجرة (في 1149 و1150 للميلاد)، ما هذا نصه (في كتاب الروضتين ص 64 من طبعة باريس):

(واستقودوا الخيل عُربْاً واستقدتَ لنا، ... قوامِصَ الكْفر في ذلٍّ وفي صَغَرِ)

فيكون مفردها هنا: (قوْمَص)، ولاتينيتها بمعنى الفرنسية. وجاءت أنثاها (قوْمَصِيَّة). قال في الكتاب المذكور، (ص 199): (وأخو صاحب جُبَيل، وابن القومصية) - وفي ص 200: (وأما ابن القومصية فأنه استفكته أمهً)

وقال في ص 191: (ووصل في هذه السنة (573 هجرية 1177 و1178 م)، إلى الساحل من البحر، كند كبير يقال له اقلندس، (صوابه إفِلبُّس أكبر طواغيت الكفر) وفي ص 257و 258، ذكر القومص خمس مرات، والقومصية مرة واحدة، ثم تكرر ذكر القومس مراراً عدة وفي ص 271 ذكر (الملك وكفود) وهو جمع كند ثم تكررت هذه الألفاظ باختلاف وجوهها، لكنها لم تختلف عما ذكرناه هنا فلا حاجة لنا إلى الإكثار منها

ولم يذكر أرباب المعاجم هذه المفردات جميعها وبلغاتها في دواوينهم. فقد قيدوا أشياء منها وأهملوا شيئاً آخر. فأما ما قيدوه فالقموس. قال السيد مرتضى: القومس كجوهر الأمير بالنبطية. نقله الصاغاني عن ابن عباد؛ وقال الأزهري: الملك الشريف. . . وقيل: هو الأمير بالرومية

قلنا: وهذا هو الصحيح، لا من اللغة النبطية، وإن كانت هي السبب إلى نقلها إلى العربية، ومعناها الأصلي في الرومية الرفيق، لأنه كان في بادئ الأمر يرافق الملك في حروبه وتنقلاته ثم أطلق على الأمير؛ ثم قال الشارح: والقمَّس كسكَّر: الرجل الشريف. كذا نقله الصاغاني وهو قول ابن الأعرابي وأنشد: وعلمت. . . (البيت)

فسره بالسيد والجمع قممامس وقمامسة. أدخلوا الهاء لتأنيث الجمع؛ والقمامسة: البطارقة نقله الصاغاني عن ابن عباد ولم يذكر واحدة وكأنه جمع قمس كسكر

قلنا أن البطارقة هنا بمعنى الأشراف من أكابر القوم. وكذلك قولهم القومس: الأمير؛ والقمس: الرجل الشريف. فكل هذه المعاني مرجعها واحد، وإنما الفروق هي من بعض الشراح. أما من جهة التحقيق، فالقومس أو القمس غير البطريق وهذا غير الرجل الشريف؛ والرجل الشريف غير كبير القوم أو أميرهم. أما التوسع في المعاني فأشهر من أن يذكر

والأقباط يسمون كبير قسوسهم بالقمص كالقُفل، أو القمُّص بضم الأول وتشديد الثاني المضموم، والجمع القمامصة. وسمي النويري القمامسة: قماصة بالصاد بمعنى الأشراف؛ وهذا يشعر بأنه اعتبر المفرد قمصا، وزان سكر، بصاد في الآخر. وهذا من لغات مضر، أي قلب السين صاداً للتفخيم. وكذا عل ابن الأثير المؤرخ؛ فأن الذي سماه بعض المؤرخين قومساً، سماه هو قومصاً: وسمي الأنثى قومصة - قومصية. قال في الكامل (247: 11 من طبعة الإفرنج): (وكان القمص (وفي بعض الروايات القومص) صاحب طرابلس، واسمه ديمند ابن ديمند الصنجيلي، قد تزوج بالقومصة، صاحبة طبرية)

وقد جرى على هذه التسمية كثير من المؤرخين الذين جاؤوا بعده. وقال في وقائع سنة 583: (فر القومص إليها (إلى صور) يوم كسرتهم (كسرة الصليبيين))

والذين جاءوا بعد هذه الطبقة من المؤرخين الكتاب قالوا: الكند بدال في الآخر، أو القند بقاف ونون ودال. فمن الأول قول أبي شامة (راجع كلامه الذي أوردناه في الدوفن)

ومنه أيضاً الكنداسطبل. وقد تحذف الهمزة. ومعناها أمير الإسطبل. وهو تعريب اللاتينية قال صاحب مختصر الدول (ص 448 من طبعة بيروت):

(ومن الأرمن الكندسطبل، أخو التكفور حاتم). - وفي الكامل لابن الأثير (10: 211): (وأسر مقدمهم المعروف بكنداصطبل، فاقتدى نفسه.)

وقد غلط المعلم بطرس البستاني غلطاً فظيعاً في معجمه، محيط المحيط، إذ قال في ترجمة (ك ن د): (الكند: الشرس الشديد. فارسي) اهـ. - وقد نقل الكلمة عن فريتغ وهو مأخذه الأكبر ولم يصرح به. وفريتغ حاطب ليل لا يميز الحطب والجزل، وقد أولج في الضادية مفردات جمة لا حقيقة لها، سوى سوء فهمه لكلام بني عدنان، أو لسوء قراءة كلمهم. هذا فضلاً عن البستاني لم يفهم معنى كلمة فريتغ اللاتينية وهي فهي لا تفيد أبدا معنى (الشرس) كما نقلها إلى لغتنا، بل النشيط، الثقف، العامل، الفعال. فهذه أغلاط فوق أغلاط فوق أغلاط، فهي ظلمات من فوقها ظلمات ومن تحتها ظلمات. ومن الغريب أنه نقل هذه الكلمة اللاتينية نفسها في مادة (كُنْداكِر) بالمعنى غير المعنى المذكور. فقد قال: (الكنداكر: الشجاع الجسور) اهـ.

قلنا: وهذا يجوز لأنه من معاني الرومية المذكورة أي لكن كنداكر منقولة عن فريتغ أيضاً، وقد قال فيها أنها فارسية، وهي لا فارسية ولا عربية ولا هندية ولا صينية، بل ولا وقواقية، لأنها مركبة من كند أي أمير وأكر أي عكاء، ومحصل معناها: كند عكاء أو أمير عكاء، ويراد به هنا الكنت هنري دي شنباي وبالحروف الفرنسية: ' ,

وسعيد الشرتوني صاحب أقرب الموارد، نقل هذين الغلطين عن البستاني، ونسبتهما تواً إلى فريتغ كذباً وزوراً. مع أن الحقيقة أنه نقلهما رأساً عن محيط المحيط، فنكرانه لمجهود المعلم بطرس البستاني لا يشرفه ولا يبرر وهمه. فقد قال في مادة (ك ن د): (الكند بالضم الشرس الشديد (فارسي)، نقله فريتغ عن بعض كتب العرب) اهـ. فلو نقل الشرتوني الكلمة تواً عن فريتغ، لنقل منى لاتينية نقلاً صحيحاً غير ما نقله البستاني، لكن أراد الله أن يكشف سوء عمله، فقال ما قال كذباً وزوراً، فكان عليه أن يعترف بالصدق ويقول: (نقلته عن محيط المحيط وهو نقله عن فريتغ)؛ وهذا لم يحسن القراءة ولا فهم معنى اللفظة

وكذلك قال في كنداكر: الكنداكر (وضبطها ضبط قلم بضم الكاف وإسكان النون وفتح الدال يليها ألف فكاف مكسورة فراء في الآخر): الشجاع الجسور، فارسية، نقلها فريتغ عن بعض كتب العرب؛ وكان حقه أن يقول ما ذكرناه في كلمة الكند

أما صاحب البستاني فذكر الكند إذ قال: الكند بالضم الشديد الشرس (معرب). فأراد أن يبين أنه لا ينقل عبارته عن محيط المحيط ولا عن أقرب الموارد فقدم وأخر فقال: (الشديد الشرس معرب) عوض أن يقول: الشديد الشرس فارسي.

فيا للأسف! كيف أن أنباء العرب ينقلون لغتهم عن الدخلاء ولا يشعرون بالضرر الذي يلحقونه بلسانهم الفصيح، البديع، البليغ بعملهم هذا المليم! وكيف أنهم يسرقون أتعاب غيرهم ولا يقرون بفضلهم، وكيف أن الله يهتك أسرارهم وسرائرهم بصورة لا تعلى شرفهم

وخلاصة البحث في القند، أنه يقال: القُنْد، والكْند، والقُمْس، والقُمَّس، والقُمس، والقُمْص، والقُمَّص، والقُمَص، والقُمُّص، والقَوْمَسْ، والقوْمَص. وإذا زدنا عليها ما يقوله صحفيون في هذا العهد، أي الكنت والكونت، وما ذكرناه بادجر في معجمه الإنكليزي العربي، الذي صححه الشيخ أحمد فارس الشدياق، أي القونت، مَثُلَ بين يديك رجل عربي ينطق بأربع عشرة لغة، فلله دره من لغوي بارع!

8 - الهنباط

قال في تاج العروس: (الهنباط، بالفتح، صاحب الجيش بالرومية. وقد جاء في حديث حبيب بن مسلمة: إذ نزل الهنباط ثم قال: هنا (أي في مادة هـ ن ب ط) ذكره ابن الأثير (صاحب النهاية)، وذكره الصاغاني في مادة (هـ ب ط) وقلده المصنف أي (الفيروزابادي) والصواب أنه بالنون. وقال في تركيب هـ ب ط: (الهيباط، بالفتح: ملك الروم. نقله الصاغاني هنا. والصواب أنه الهنباط بالنون). اهـ. وفي النهاية لابن الأثير المطبوع في مصر، ضبط الهنباط بالضم، وهو خطأ، لأنه مخالف لنصوص جمهرة اللغويين

وكان فكرنا في أول الأمر أن الهنباط مقطوعة من الرومية (إنبراطور)، لكن نبهنا الأستاذ الأجل إلياس قدسي إلى أن الكلمة من اليونانية (هُبَاطُس)، وأول معناها: الأعلى والأرفع، ثم أطلق عندهم على الرئيس الأعلى؛ أي ما يسميه الرومان (قنصلاً). وكان يرد بالهنباط يومئذ لقب أحد الحاكمين الأعظمين اللذين كانا بديوان رومه. وجاء الهيباط بعض الأحيان بمعنى قنصل الإقليم، وهذا كان يسمى باللاتينية برو قنصلاً. وكان الهيباط يلفظ في أول الأمر (هُبَاط) وزان غراب، ثم (هِباط) بكسر الأول ككتاب، ثم صحفه بعضهم فقال (هَيباط) بياء مثناة بعد الهاء. وآخرون قالوا (هنباط) بنون بعد الهاء. فالمادة الأصلية هي (هبط) وكان يجب على اللغويين أن يذكروها في هذا التركيب الثلاثي لا في سواه

وأصل اليونانية (هفاطس) (هُفامس)، أي أن اللفظة في أصل وضعها القديم كانت بالميم، ثم قلبت تاء أو طاء. قلنا: فإذا جردنا الكلمة من زوائدها، يكون لنا (هفا) أو (عفا)، لأنه ليس في لغة اليونان حرف حلقي فخم، فعندهم الهاء والعين شئ واحد، والعرب تقول: عفا فلان على فلان في العلم وغيره زاد. واسم الفاعل عاف والجمع عُفاة. فالهباط أو العفاط هو العافي لا غير في أصل معناه، المشرف على غيره بالعلم أو بالرئاسة

وقلب الميم تاء أو طاء في العربية واقع وقوعه في اليونانية. فقد قال بنو عدنان: حات يحوت بمعنى حام يحوم، وقالوا: الغطس كالغمس، ورجل أطرط الحاجبين كأمرطهما، وجعل الهاء عيناً، وبالعكس أمر مشهور أيضاً لا يحتاج إلى تأييد، من ذلك قولهم: تربع السراب وترية، وعاث فيه وهاث، والهنشنش كالعنشنش، والهكوك كالعكوك والهجفة من النساء كالعجفة. فاتضح من هذه المقابلة أن اللفظين هما واحد في الأصل، وهذا عجيب غريب!

(له صلة)

الأب أنستاس ماري الكرملي

من أعضاء مجمع فؤاد الأول للغة العربية

مجلة الرسالة/العدد 411



بتاريخ: 19 - 05 - 1941