الصفحات

البحث الذكي داخل المدونة

تحميل وطباعة هذه الصفحة

Print Friendly and PDF

الخميس، 26 يونيو 2025

الطعن 5969 لسنة 55 ق جلسة 12 / 2 / 1986 مكتب فني 37 ق 57 ص 272

جلسة 12 من فبراير سنة 1986

برياسة السيد المستشار: محمد وجدي عبد الصمد نائب رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين: إبراهيم حسين رضوان ومحمد ممدوح سالم ومحمد رفيق البسطويسي نواب رئيس المحكمة وسري صيام.

--------------

(57)
الطعن رقم 5969 لسنة 55 القضائية

(1) حكم "بياناته. بياناته الديباجة". محضر الجلسة. دعوى مدنية. نقض "أسباب الطعن. ما لا يقبل منها".
الحكم يكمل محضر الجلسة في إثبات بيان اسم المدعي بالحقوق المدنية.
(2) أسباب الإباحة وموانع العقاب "الدفاع الشرعي". مأمورو الضبط القضائي. قبض. تلبس. حكم "تسبيبه. تسبيب غير معيب". دفاع شرعي.
حق الدفاع الشرعي لا يبيح مقاومة أحد مأموري الضبط أثناء عمله إلا إذا خيف أن ينشأ عن أفعاله موت أو جروح بالغة وكان لهذا الخوف سبب معقول.
حق شيخ الخفراء باعتباره من مأموري الضبط القضائي القبض على متهم متلبس بجناية أو جنحة معاقب عليها بالحبس مدة لا تزيد على ثلاثة أشهر. أساس ذلك؟
مثال.
(3) إثبات "بوجه عام". محكمة الموضوع "سلطتها في تقدير الدليل". رابطة السببية. نقض "أسباب الطعن. ما لا يقبل منها". ضرب "أفضى إلى موت". حكم "تسبيبه. تسبيب غير معيب".
رابطة السببية. استقلال قاضي الموضوع بتقدير توافرها.
مثال لتسبيب سائغ لتوافر رابطة السببية في جريمة ضرب أفضى إلى موت.
(4) محكمة الموضوع "سلطتها في تقدير الدليل". إثبات. "خبرة". حكم "تسبيبه. تسبيب غير معيب". نقض "أسباب الطعن. ما لا يقبل منها".
توقيع الكشف الطبي وبيان إصابات المصابين. جواز إثباته بمعرفة مفتش الصحة. تقدير آراء الخبراء والفصل فيما يوجه إليها. موضوعي.
عدم التزام المحكمة بندب خبير آخر في الدعوى أو بإعادة المهمة إلى ذات الخبير. حد ذلك؟
(5) نيابة عامة. إثبات "خبرة". إجراءات "إجراءات التحقيق".
لعضو النيابة كرئيس للضبطية القضائية وصاحب الحق في إجراء التحقيق الاستعانة بأهل الخبرة دون حلف يمين. أساس ذلك؟
(6) قصد جنائي. جريمة "أركانها". محكمة الموضوع "سلطتها في تقدير الدليل". ضرب أفضى إلى موت.
تقدير توافر القصد الجنائي. موضوعي.
(7) نقض "أسباب الطعن. تحديدها" "ما لا يقبل منها".
وجه الطعن وجوب أن يكون واضحاً محدداً.

----------------
1 - لما كان البين أن الحكم المطعون فيه بعد أن حصل واقعة الدعوى ومؤدى أدلة الثبوت فيها، أورد أسماء المدعين بالحقوق المدنية وطلباتهم. لما كان ذلك، وكان من المقرر أن الحكم يكمل محضر الجلسة في هذا الشأن، فإنه تنحسر عنه في هذا الخصوص قاله القصور التي يرميه بها الطاعن.
2 - لما كان حق الدفاع الشرعي لا يبيح مقاومة أحد مأموري الضبط أثناء قيامه بأمر بناء على واجبات وظيفته إلا إذا أخيف أن ينشأ عن أفعاله موت أو جروح بالغة وكان لهذا الخوف سبب معقول، وكان قانون الإجراءات الجنائية قد أعطى مأموري الضبط القضائي بمقتضى الفقرة الأولى من المادة 34 منه - حق القبض على المتهم الحاضر الذي توجد دلائل كافية على اتهامه في حالة التلبس بجناية أو جنحة معاقب عليها بالحبس مدة لا تزيد على ثلاثة أشهر، وكان شيخ الخفراء المجني عليه وهو من مأموري الضبط القضائي الذين عددتهم المادة 23 من ذلك القانون، قد شاهد الطاعن يرتكب جريمة الإصابة الخطأ التي يجوز، وفقاً لنص الفقرة الأولى من المادة 244 من قانون العقوبات، العقاب عليها بالحبس مدة لا تزيد على سنة، فإنه يكون له - والجريمة في حالة تلبس أن يقبض عليه دون أن يبيح ذلك للطاعن من مقاومته استناداً إلى حق الدفاع الشرعي، ما دام لا يدعي أنه خالف أن ينشأ عن قيام شيخ الخفراء بالقبض عليه وأثناء قيام الأخير بذلك موت أو جروح بالغة وأنه كان لخوفه سبب معقول ويكون الحكم إذ طرح دفاعه أنه كان في حالة دفاع شرعي، قد اقترن بالصواب.
3 - لما كان الحكم قد أورد في بيان واقعة الدعوى أن الطاعن صدم المجني عليه بالسيارة فأحدث به الإصابات الموصوفة بالتقرير الطبي، ثم نقل عن تقرير مفتش الصحة أن سبب الوفاة تهتك بأنسجة المخ نتيجة الاصطدام بجسم صلب أدى إلى نزيف بالمخ وصدمة عصبية وكان إثبات علاقة السببية في المواد الجنائية مسألة موضوعية ينفرد قاضي الموضوع بتقديرها، ومتى فصل فيها إثباتاً أو نفياً فلا رقابة لمحكمة النقض عليه، ما دام أقام قضاءه في ذلك على أسباب تؤدي إليه، وكان ما ساقه الحكم - فيما سلف بيانه يسوغ إطراحه دفاع الطاعن بانتقاد علاقة السببية، فإن منعاه عليه في هذا الشأن يكون في غير محله.
4 - لا محل للقول بضرورة توقيع الكشف الطبي على المجني عليه بمعرفة الطبيب الشرعي، ذلك أن مفتش الصحة يعتبر من أهل الخبرة المختصين فنياً بإبداء الرأي فيما تصدى له وأثبته لأن القانون لا يوجب أن يكون الكشف الطبي وإثبات إصابات المصابين نتيجة لتقرير طبي شرعي دون تقرير من مفتش الصحة حيث يغنى الأخير في هذا المقام، وكان من المقرر أن تقدير آراء الخبراء مهما وجه إليها من اعتراضات مرجعه إلى محكمة الموضوع التي لها كامل الحرية في تقدير القوة التدليلية لتقرير الخبير المقدم إليها دون أن تلتزم بندب خبير آخر ولا بإعادة المهمة إلى ذات الخبير ما دام استنادها سليماً لا يجافي المنطق أو القانون - كما هو الحال في الدعوى - فإن ما يثيره الطاعن في شأن التعويل على تقرير مفتش الصحة وقعود المحكمة عن ندب طبيب شرعي للكشف على جثة المجني عليه على غير أساس.
5 - من المقرر أن عضو النيابة بوصف كونه صاحب الحق في إجراء التحقيق ورئيس الضبطية القضائية له من الاختصاص ما خوله قانون الإجراءات الجنائية لسائر رجال الضبطية في الفصلين الأول والثاني من الباب الثاني منه بما في ذلك ما تجيزه لهم المادة 29 من هذا القانون أثناء جمع الاستدلالات من الاستعانة بأهل الخبرة وطلب رأيهم شفهياً أو بالكتابة بغير حلف يمين.
6 - من المقرر قانوناً أن توافر القصد الجنائي هو مما يدخل في سلطة محكمة الموضوع التقديرية التي تنأى عن رقابة محكمة النقض، متى كان استخلاصها سليماً مستمداً من أوراق الدعوى.
7 - من المقرر أنه يتعين لقبول وجه الطعن أن يكون واضحاً محدداً مبيناً فيه ما يرمى إليه مقدمه.


الوقائع

اتهمت النيابة العامة الطاعن بأنه ضرب عمداً المجني عليه... بالمركبة الآلية التي يقودها فأحدث به الإصابات الموصوفة بالتقرير الطبي ولم يقصد من ذلك قتله ولكن الضرب أفضى إلى موته وذلك على النحو المبين بالأوراق. وأحالته إلى محكمة الجنايات لمعاقبته طبقاً للقيد والوصف الواردين بقرار الاتهام وادعت زوجة المجني عليه عن نفسها وبصفتها وصية على أولادها القصر قبل المتهم بإلزامه بأن يدفع لهم مبلغ 251 جنيهاً على سبيل التعويض المؤقت والمحكمة المذكورة قضت حضورياً عملاً بالمادة 236/ 1 من قانون العقوبات مع تطبيق المادة 17 من القانون ذاته بمعاقبته بالحبس مع الشغل لمدة سنتين وإلزامه بأن يؤدي للمدعين بالحق المدني مبلغ 251 جنيهاً على سبيل التعويض المؤقت.
فطعن المحكوم عليه في هذا الحكم بطريق النقض... إلخ.


المحكمة

حيث إن الطاعن ينعى على الحكم المطعون فيه أنه إذ دانه بجريمة الضرب المفضي إلى موت وإلزامه بالتعويض قد شابه القصور في التسبيب والإخلال بحق الدفاع والخطأ في تطبيق القانون، ذلك بأنه خلا ومحضر الجلسة من أسماء المدعين بالحقوق المدنية وأطرح دفاعه بقيام حالة الدفاع الشرعي رغم ثبوت اتجاه المجني عليه للقبض عليه في غير جريمة، ورفض - دون مبرر - دفعه بانقطاع رابطة السببية معولاً على تقرير الطبيب الكشاف رغم قصوره وقيامه بتشريح الجثة دون حلف يمين وبغير أن يكشف على مخ المجني عليه لتحديد الصدمة العصبية وأبعادها، وأعرض عن طلب الطاعن عرض جثة المجني عليه طبيب شرعي متخصص لتحديد الإصابات وكيفية حدوثها والصلة بينها وبين الوفاة، والتفت عن دفعه بانتفاء القصد الجنائي لتعلق المجني عليه بالسيارة، واكتفى في بيان أقوال الشاهد التي عول عليها في الإدانة بالإحالة إلى أقوال الشاهد.... مع وجود اختلاف بين الشهادتين. كل ذلك مما يعيب الحكم ويستوجب نقضه.
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه بعد أن حصل واقعة الدعوى ومؤدى أدلة الثبوت فيها، أورد أسماء المدعين بالحقوق المدنية وطلباتهم. لما كان ذلك، وكان من المقرر أن الحكم يكمل محضر الجلسة في هذا الشأن، فإنه تنحسر عنه في هذا الخصوص قالة القصور التي يرميه بها الطاعن. لما كان ذلك، وكان الحكم المطعون فيه قد بين واقعة الدعوى في قوله: أن (الطاعن) أثناء قيادته السيارة رقم... نقل صدم الطفلة... وحاول الهرب فخرج المجني عليه شيخ خفراء ناحية... من حجرة التليفون وأشار إلى السائق للتوقف ولكنه انحرف بسيارته تجاهه وصدمه فأحدث به الإصابات الموصوفة بالتقرير الطبي ولم يقصد من ذلك قتله ولكن الضرب أفضى إلى موته" وعرض الحكم - من بعد لدفاع الطاعن بقيام حالة الدفاع الشرعي وأطرحه في قوله: "وحيث إنه بالنسبة لما قرره الدفاع من أن المتهم كان في حالة دفاع شرعي فهي غير متوافرة في تلك الدعوى إذ أن المتهم يعلم بأن المجني عليه من رجال الإدارة بالناحية وأنه أشار إليه للتوقف بالسيارة فكان يتعين عليه أن يتوقف بالسيارة ويسلم نفسه إلى المجني عليه بعد أن صدم الطفلة... بل قام بالانحراف بسيارته تجاهه وصدمه فأحدث إصابات والثابتة بالتقرير الطبي والتي أفضت إلى موته" لما كان ذلك، وكان حق الدفاع الشرعي لا يبيح مقاومة أحد مأموري الضبط أثناء قيامه بأمر بناء على واجبات وظيفته إلا إذا أخيف أن ينشأ عن أفعاله موت أو جروح بالغة وكان لهذا التخوف سبب معقول، وكان قانون الإجراءات الجنائية قد أعطى مأموري الضبط القضائي بمقتضى الفقرة الأولى من المادة 34 منه - حق القبض على المتهم الحاضر الذي توجد دلائل كافية على اتهامه في حالة التلبس بجناية أو جنحة معاقب عليها بالحبس مدة لا تزيد على ثلاثة أشهر، وكان شيخ الخفراء المجني عليه وهو من مأموري الضبط القضائي الذين عددتهم المادة 23 من ذلك القانون، قد شاهد الطاعن يرتكب جريمة الإصابة الخطأ التي يجوز، وفقاً لنص الفقرة الأولى من المادة 244 من قانون العقوبات، العقاب عليها بالحبس مدة لا تزيد على سنة، فإنه يكون له - والجريمة في حالة تلبس - أن يقبض عليه دون أن يبيح ذلك للطاعن من مقاومته استناداً إلى حق الدفاع الشرعي، ما دام لا يدعي أنه خالف أن ينشا عن قيام شيخ الخفراء بالقبض عليه وأثناء قيام الأخير بذلك موت أو جروح بالغة وأنه كان لخوفه سبب معقول، ويكون الحكم إذ أطرح دفاعه أنه كان في حالة دفاع شرعي، قد اقترن بالصواب لما كان ذلك، وكان الحكم قد أورد في بيان واقعة الدعوى أن الطاعن صدم المجني عليه بالسيارة فأحدث به الإصابات الموصوفة بالتقرير الطبي، ثم نقل عن تقرير مفتش الصحة أن سبب الوفاة تهتك بأنسجة المخ نتيجة الاصطدام بجسم صلب أدى إلى نزيف بالمخ وصدمة عصبية وكان إثبات علاقة السببية في المواد الجنائية مسألة موضوعية ينفرد قاضي الموضوع بتقديرها، ومتى فصل فيها إثباتاً أو نفياً فلا رقابة لمحكمة النقض عليه، ما دام أقام قضاءه في ذلك على أسباب تؤدي إليه، وكان ما ساقه الحكم - فيما سلف بيانه يسوغ إطراحه دفاع الطاعن بانتقاء علاقة السببية، فإن منعاه عليه في هذا الشأن يكون في غير محله. لما كان ذلك، وكان لا محل للقول بضرورة توقيع الكشف الطبي على المجني عليه بمعرفة الطبيب الشرعي، ذلك أن مفتش الصحة يعتبر من أهل الخبرة المختصين فنياً بإبداء الرأي فيما تصدى له وأثبته لأن القانون لا يوجب أن يكون الكشف الطبي وإثبات إصابات المصابين نتيجة لتقرير طبي شرعي دون تقرير من مفتش الصحة حيث يغني الأخير في هذا المقام، وكان من المقرر أن تقدير آراء الخبراء مهما وجه إليها من اعتراضات مرجعه إلى محكمة الموضوع التي لها كامل الحرية في تقدير القوة التدليلية لتقرير الخبير المقدم إليها دون أن تلتزم بندب خبير آخر ولا بإعادة المهمة إلى ذات الخبير ما دام استنادها سليماً لا يجافي المنطق أو القانون - كما هو الحال في الدعوى فإن ما يثيره الطاعن في شأن التعويل على تقرير مفتش الصحة وقعود المحكمة عن ندب طبيب شرعي للكشف على جثة المجني عليه على غير أساس. لما كان ذلك، وكان لا تثريب على المحكمة إن هي أخذت بتقرير مفتش الصحة الذي قام بالتشريح ولو لم يحلف يميناً قبل مباشرة مأموريته بحسبانه ورقة من أوراق الاستدلال في الدعوى المقدمة لها وعنصراً من عناصرها، لما هو مقرر من أن عضوا النيابة بوصف كونه صاحب الحق في إجراء التحقيق ورئيس الضبطية القضائية له ومن الاختصاص ما خوله قانون الإجراءات الجنائية لسائر رجال الضبطية في الفصلين الأول والثاني من الباب الثاني منه بما في ذلك ما تجيزه لهم المادة 29 من هذا القانون أثناء جمع الاستدلالات من الاستعانة بأهل الخبرة وطلب رأيهم شفهياً أو بالكتابة بغير حلف يمين، فإن تعييب الحكم لاستناده على تقرير مفتش الصحة الذي أجرى التشريح دون حلف اليمين يكون في غير محله. لما كان ذلك، وكان الحكم قد عرض للقصد الجنائي في الجريمة التي دان الطاعن بها واستظهره في قوله: "وحيث إنه من المقرر قانوناً أن القصد الجنائي في الضرب المفضي إلى الوفاة يتحقق في تعمد الجاني فعل الضرب أو إحداث الجرح وهو يعلم أن هذا الفعل يترتب عليه المساس بسلامة جسم المجني عليه أو صحته، ولما كان ذلك، وأنه الثابت من أقوال شهود الواقعة ومن المعاينة التي أجريت لمكان الحادث أن المجني عليه وهو شيخ خفراء ناصية... خرج من حجرة التليفون عندما سمع صوت استغاثة وأشار إلى المتهم لكي يتوقف بالسيارة وأن المتهم يعمل أنه شيخ الخفراء الناحية فانحرف بالسيارة تجاهه وصدمه الأمر الذي تطمئن معه المحكمة تعمد إصابة المجني عليه" وكان من المقرر قانوناً أن توافر القصد الجنائي هو مما يدخل في سلطة محكمة الموضوع التقديرية التي تنأى عن رقابة محكمة النقض، متى كان استخلاصها سليماً مستمداً من أوراق الدعوى، وكان ما أورده الحكم، مما سلف بيانه - لا ينازع الطاعن في سلامة مأخذه ويتفق مع صحيح القانون، ويسوغ ما انتهى إليه من قيام القصد الجنائي لدى الطاعن في الجريمة التي دانه بها، فإن ما يثيره في هذا الصدد ينحل إلى جدل موضوعي لا يجوز إثارته أمام محكمة النقض. لما كان ذلك، وكان من المقرر أنه يتعين لقبول وجه الطعن أن يكون واضحاً محدداً مبيناً فيه ما يرمى إليه مقدمه، وكان الطاعن لم يكشف بأسباب الطعن عن أوجه الخلاف بين أقوال الشاهدين.... و.... بل ساق قوله مرسلاً مجهولاً فإن ما يثيره الطاعن في هذا الخصوص لا يكون مقبولاً. لما كان ما تقدم، فإن الطعن برمته يكون على غير أساس متعيناً رفضه موضوعاً، وإلزام الطاعن المصاريف المدنية.

مجلة الرسالة/العدد 15/بين النيل والاكروبول - أحمد حسن الزيات

إلى الشباب أسوق الحديث

رحلت إلى بعض بلاد الغرب وإلى بعض أمم الشرق فلم أجد شعبا كهذا الشعب هان وجوده على نفسه، وأنطمس تاريخه في ذهنه، فأعطى الضيم عن يد وهو صابر!!

أسرف في اللين حتى رمي بالجبن، وأمعن في التسامح حتى وصف بالبلادة، وأفرط في التواضع حتى نسى الأنفة، وبالغ في إكرام الغريب حتى أصبح هو الغريب!!

فليت شعري يا ابن العرب أو يا سليل الفراعين من أين داهمتك هذه الذلة؟!

نسب يزحم النجوم، وحسب يَطُول الدر، وماض كالشمس نفذ إلى كل أرض وسطع في كل أفق، وواد كرفرف الخلد زخر بالغنى وفاض بالنعم! فكيف لا يرفع رأسك هذا النسب، ولا ينصب صدرك هذا الماضي؟

مالك تمشي في أرضك خافت الصوت، خافض الجناح، ضارع الجنب، كأن النيل يجري لغيرك، وكأنما الآثار تتحدث إلى سواك؟!

لقد أصبحت في بلدك المنكود تحيا حياة الجسم كما يحيا الأجير والخادم، أما حياة الروح التي ينبض فيها القلب بعزة القومية وصلف الوطنية، فقد أماتها فيك الوباء الوافد من كل مكان!

إن إخوانك في سورية لا يحبون الغريب إلا صيفا، وان إخوانك في العراق لا يكرمون الأجنبي إلا ضيفا، أما الدود الذي يمتص الدم ويقذي العيون ويغثى النفوس فلا يجد مغذاه ومرواه إلا على النيل!! وليت الذي قاسمنا أنعُمَ الوادي الحبيب يذكر فضيلة الإحسان، ويشكر عطف الإنسان على الإنسان!! إنما يتمتع بخيرنا تمتع الغازي الفاتح، في يمناه سيفه، وفي يسراه قانونه، فإذا عاملناه احتقرنا، وإذا عاتبناه انتهزنا، وإذا ضج المغبون، أو صاح المسروق، أو صرخ الجائع، ضربه (الخواجة) ضربته، ثم استعدى عليه دولته!!

في أي بلد من بلاد العالم اليوم يأتي محام أجنبي، ليدافع عن مجرم من جنسه أجرم على هذا البلد، فيجد له القضاء في قلب قضاء هذا البلد، وقانوناً بجانب قانون هذا البلد، وقوة فوق قوة هذا البلد، ثم يقوم بين يدي قضاة من جنسه فيقول في بلاغة ديمستين وحماسة مَنْ، لا أدري: (أظهروا أيها السادة أنكم قضاة تنشقون هواء الأكروبول، وانكم لا تخوضون في ماء النيل العكر)

معك الحق كله يامتر بابا كوس! لقد تركت أثينا في اليونان ثم عبرت البحر فوجدت أثينا في مصر!! فالفنادق للروم، والمطاعم للروم، والمقاهي للروم، والمواخير للروم، ودور السينما للروم، وقاضيك من الروم، وجانيك من الروم، وبقالك من الروم، وحلاقك من الروم، وخادمك من الروم! وإذا طلبت الماء، أو أردت الكهرباء، أو ركبت الترام، أو دخلت البنك، أو قصدت المتجر، وجدت كل ذلك في أيدي أقوام سحنتهم غير مصرية، ولغتهم غير عربية!! فإذا سألت (مخالي) عن المصريين قال لك أنهم أجراء عند (خريمي) في المزرعة، أو سكارى عند (يني) في البار!! معك الحق كله يامتر بابا كوس أن تهين شعبا يسمع إهانته في كل يوم وفي كل مكان فيغضي ثم يمضي! وأي إهانة آلم وأشنع من (الامتيازات) وهي طعن في إنسانيته وقدح في كفايته وتجريح لعدله!! ولكن الحق يبرأ منك حين تقول وأنت وريث أرسطو ومِدْرَهُ أثينا إنك لم تقصد بهذه الجملة إهانة مصر، وإنما هي: (عبارة من عبارات البلاغة التي يستعملها المتكلم عادة) فلسنا من البلاهة بحيث يخدعنا عن جد الجريمة هزل الاعتذار!!

رحم الله أستاذنا المهدي! لقد كان يرى الرجل المتمدن يرمي الرجل المتمدن بالكلمة العوراء يندى لها جبينه، ويغلي منها دمه، فما هو إلا أن يقول الشاتم المتمدن للمشتوم المتمدن (سحبتُها) حتى يجف عرق الجبين، ويكف غليان الدم! فيقول الأستاذ بلهجته العربية:

(عجيب!! كلمة قيلت كيف تُسحَبْ! ولطمة أصابت كيف تُسترد؟!)

لا نريد من شبابنا أن يدفعوا البغي بالبغي، وإنما نريد منهم أن يفهموا الواغلين أن كدر النيل ليس من أهله، وأن الطريق الذي يسفي عليه الغبار والأقذار هو الطريق الذي فتحه لهم الاقتصاد المستعمر، فإذا ملناه ونظفناه عادت إلى نيلنا نقاوته، وإلى شعبنا كرامته

ليس على الأجنبي من حرج في أن يزاحمك في بلدك، فإنما جهاد الدنيا زحمة، وهو حين ينافسك ينافسك في حمى القانون، ويغالبك في حدود الطبيعة، وإنما الحرج كله عليك إذا ظللت تشتري وهو يبيع، وتغرم وهو يغنم!!

نضَّر الله الشباب العاملين!! لقد أخذوا يَجْلون عن وجه مصر الجميل غيرة القرون وذلة الأحداث وإهانة الدخيل! نزلوا ميدان الاقتصاد جنودا متطوعين، وعمالا متواضعين، فعرفوا أين تكون المعركة الفاصلة بين الاستعباد والحرية، وبين الاستعمار والحق، وشقوا الطريق القاصد إلى إنقاذ مصر من احتلال دولي شديد الخطر قبيح الأثر لإتكائه على العدل واعتماده على القانون

إن (عيد الوطن الاقتصادي) و (مشروع القرى) و (تعاون الشباب) و (تعاون الطلبة) و (جماعة تمصير مصر) وشركات الدخان والألبان والإعلان والجزارة والمقاهي. . . فتح مبين في جهاد مصر الفتاة، وإن تَحَلَل الشباب المثقفين من ربقة التقاليد وإسار العرف فلا يرون غضاضة في أن يقيموا المشارب والقهوات في مولد النبي ومولد الحسين يكونون فيها الطهاة والباعة والنُّدُل والمديرين، لهو تحلل لحاضر الطموح الناهض، من قيود الماضي القنوع العاجز. وليس على أولئك الشيوخ الذين مكنوا بجمودهم وقعودهم للأجنبي فطغى بيده، وبغي بلسانه، إلا أن يطووا معهم هذه الصفحة المخزية من تاريخ مصر، ويتركوا الشباب يجدد ما بلى، ويدعم ما وهى، ويسد ما خلَّ

إن شطط المبشرين قد انقلب إلى تبشير بالإسلام ودعاية إلى المؤسسات الخيرية، فهل تنقلب سفاهة (الممتازين) إلى إعزاز القومية المصرية، وتحقيق الأماني الوطنية؟؟

احمد حسن الزيات

مجلة الرسالة/العدد 15



بتاريخ: 15 - 08 - 1933

مجلة الرسالة/العدد 4



بتاريخ: 01 - 03 - 1933

مجلة الرسالة/العدد 44



بتاريخ: 07 - 05 - 1934

مجلة الرسالة/العدد 30



بتاريخ: 29 - 01 - 1934

مجلة الرسالة/العدد 3/مسارح الأذهان - أحمد أمين



الأدب والعلم

للأستاذ أحمد أمين

الأستاذ بكلية الآداب بالجامعة المصرية

مرت كلمة الأدب والعلم في اللغة العربية في أدوار عدة، استعملوا كلمة الأدب أحياناً فيما يرقى الخلق ويهذب النفس واستعملوها بمعنى أوسع حتى عدوا أفحش شعر لجرير والفرزدق والأخطل أدباً، وعدوا خمريات أبي نؤاس وغلمانياته أدباً كما يعد الفنان بعض الصور فنا وإن كانت صورة لوضع مستهجن أو فعل فاضح، وكذلك الشأن في كلمة العلم، كانوا أحياناً لا يستعملونها إلا في العلم الديني، ثم توسعوا في معناها حتى شمل كل ما ينتجه العقل والفن. وفي العصور الحديثة فرقوا بين الأدب والعلم ورسموا لكل دائرة، ومن ثم كانت الصحيفة أو المجلةأحياناً أدبية، وأحياناً علمية، وأحياناً أدبية علمية، وأصبح من المضحك أن نقول علم الأدب لأنالعلم غير الأدب، وأصبح لدينا من يسمى (أديباً) فلا يكون عالماً، وعالماً فلا يكون أديباً، وقد يكون أديباً عالماً ولكن كلمة (عالم) الأزهرية إنما إشتقت من العلم بالمعنى الواسع الذي يشمل الأدب والعلم معاً.

وبعد فما الفرق بين العلم والأدب وما الذي يجعل الأدب أدباً والعلم علماً؟

الحق إن كلمة الأدب والعلم من الألفاظ الغامضة التي نفهمها نوعاً من الفهم فإذا أردنا تحديدها حرنا في أمرها، كالجمال والعدل والخيال والحرية والعبودية، وإذا سألنا (حتى الخاصة) في معناها أجاب كل حسب ميوله وأغراضه وحسب طبيعة فهمه للكلمة. وهناك أشياء لا نشك في أنها علم أو أدب، فلو سئلت عن نظريات الهندسة وقانون اللوغارتمات وقوانين الحساب والطبيعة والكيمياء فذلك علم بالبداهة، وإذا سئلت عن قصائد بشار وأبي نؤاس والمتنبي ومقامات الحريري فذلك أدب لا علم، ولكن ما حدود الأدب وما حدود العلم؟

قد عودتنا الطبيعة أن الأضداد تفهم ما تباعدت، فإذا ما تقاربت حدودها صعب فهمها، ما أسهل ما تقول أن هذا ظل وهذا شمس، ولكن عند تقارب الظل من الشمس تجد خطوطاً يصعب أن تقول أهي ظل أم شمس، وما أسهل ما تقول إن هذا الماء حار أو بارد إ إشتدت حرارته وبرودته ولكن ما أصعب ذلك إذا أخذ الحار يبرد والبارد يسخن فأنك تصل لا محالة إلى درجة يعسر عليك الحكم فيها بالحرارة أو البرودة.

أكبر ظاهرة في التفريق بين الأدب والعلم إن الأدب يخاطب العاطفة، والعلم يخاطب العقل، فإذا قلت إن زوايا المثلث تساوي قائمتين فإنك تخاطب العقل ولا تمس العاطفة وإذا قال المتنبي:

خلقت ألوفاً لو رحلت إلى الصبا ... لفارقت شيبي موجع القلب باكياً

فهو يمس العاطفة أولا، ومن أجل هذا كانت الجملة الأولى علماً وبيت المتنبي أدباً.

العالم يلاحظ الأشياء يستكشف ظواهرها وقوانينها وعلاقتها بأمثالها وما يحيط بها، على حين إن الأديب لا ينظر اليها إلا من حيث أثرها في عواطفه وعواطف الناس، ينظر النباتي إلى شجرة الورد فيدرس كل جزء منها والتغيرات التي تطرأ عليها من وقت بذرها إلى وقت فنائها، ومن أية فصيلة هي، وما علاقتها بالفصائل التي تقرب منها، أما الأديب فينظر إلى أجزاء الشجرة منسقة متناسبة ويرى أنها لم تخلق إلا لزهرتها الجميلة، وأن بين الزهر وقلبه نسباً، يعجب بحمرة لونها على خضرة أوراقها ويذهب خياله في ذلك كل مذهب. أما النباتي فيبحث لم كانت الزهرة حمراء وأوراقها خضراء. عالم الحياة لا يرى في الفتاة المحبوبة إلا إنساناً خاضعا لكل أبحاث البيولوجيا أما الأديب فيرى في محبوبته شيئاً وراء كل ما يبحث عنه العالم، هي الحياة وهي الدنيا وهي النعيم إذا وصلت والبؤس إذا صدت، أو يقول مع القائل:

ويلاه إن نظرت وإن هي أعرضت ... وقع السهام ونزعهن أليم

فالكلام إذا لم يثر عاطفة لم يكن أدباً فإذا هو خاطب العقل وحده كان علماً، وإذا أمعن في إثارة العاطفة كان أمعن في الأدب. وليس الأدب وحده هو لغة العاطفة فقد تفوقه في هذا الموسيقى فهي قادرة على أن تضحك وتبكي، وتسر وتحزن، وتسر سروراً حزيناً، وتحزن حزناًسارا وتؤلم ألما لذيذا، وتلذ لذة أليمة، وتثير الشجاعة حتى لتدفع إلى الموت، وتنفث الخمول حتى لتدعو إلى النوم، تقدر الموسيقى أن تفعل كل ذلك في العاطفة وهي اقدر من الأدب لأن الأدب يخاطب العاطفة بواسطة الكلام ومن طريقة أما الموسيقية فتخاطب العاطفة وجها لوجه من غير وسيط، تؤثر فيك أدوار العود والقانون والبيانو ولو لمتصخب بكلام ولو لم تفهم أي معنى منها، بل تكره أن تفهمالا النغم وحلاوته والتوقيع وعذوبته. أما الأدب فلما أعتمد الكلام والكلام إنما يفهم بالعقل كان لا بد للقطعة الأدبية من قدر من العقلومن المعاني تستثار بها العاطفة وتهيجمنها المشاعر. وارتباط العاطفة بالأدب هو الذي منح الأدب (لا العلم) الخلود، فالنتاج الأدبي خالد أبدي لا النتاج العلمي، فقصائد أمريء القيس والنابغة وجرير والفرزدق وبشار وأبي نؤاسوالمتنبي كلها خالدة تقرؤها فتلتذ منها كما يلتذ منها من كان في عصرهم، فأن احتاج إلى شيء فتفسير ما غمض من الألفاظ والمعاني، وهو بعد يشعر بشعورهم ويسر كسرورهم، ثم القطعة الأدبية لا تمل، تقرؤها ثم تقرؤها فتسر منها في الثانية سرورك منها في الاولى، تتعشق تلاوتها وتكرارها، وليس ذلك هو الشأن في العلم فحقائق العلوم خالدة ولكن منتجات العلوم غير خالدة فما في كتاب أقليدس من نظريات هندسية خالدة ولكن الكتاب لايقرؤ الآن إلا من أراد أن يرجع إلى تاريخ الهندسة، وكل كتاب في الهندسة يموت بمرور سنين عليه ولا تعود له قيمة إلا القيمة التاريخية مهما حوى من نظريات جديدة وترتيب جديد، وكذلك كتب الحساب والجبر والطبيعة والكيمياء والفلك ليست خالدة وإن كانت الحقائق التي فيها خالدة، بل الطبعة الثانية من هذه الكتب تقضي على الطبعة الأولى بالفناء إذا دخلها تغيير، وليس طالب علم الآن يرجع إلى ما ألف من خمسين عاما إلا إذا أراد أن يؤرخ العلم ولكن طالب الأدب يرجع إلى ديوان المتنبي ليتذوق أدبه ويلذ مشاعره كما كان ذلك منذ ألف عام، وقد حفظت بعض قصائده ولا أزال أستمتع بترديدها ولكن إن أنت قرأت كتاباً في الرياضة وفهمت ما فيه لا تستطيع في الحال أن تعيد قراءته إلا على مضض.

والسبب في هذا (على ما يظهر) أن عواطف الإنسان لم تتقدم كما تقدمت عقولهم، قد ترقى العواطف شكلاً فترى أن الإحسان إلى الفقير بإعطائه درهماً ليس خيراً ولكن خيراً منه بناء مستشفى وإنشاء ملجأ ونحو ذلك، ولكن العاطفة هي هي في أساسها، وقد ترقى عاطفة الحنو الأبوي فلا ترى مانعاً من دفع الأولاد إلى حرب الحياة وجوب الأقطار، ولكن العاطفة في أساسها واحدة. أما العقل فوثاب دائماً راق أبداً، في الشكل وفي الأساس يرى حلالا اليوم ما كان حراماً بالأمس ويرى حقاً الآن ما كان باطلاً من قبل ويخترع كل يوم جديداً ويصوغ حياته وفق الجديد. ومن أجل ذلك لا يلذ له أن يقرأ عقل السابقين إلا كما يقرأ تاريخهم ولكن عواطفه هي هي ركزت وثبتت فتلذذ اليوم بما يمثل عواطف الأقدمين وإن كرت عليها الدهور وتوالت العصور، وليس الأمر بهذا القدر من السهولة في الفصل بين الأدب والعلم. فهناك أنواع يصعب الفصل فيها حتى على الخاصة أأدب هي أم علم، هناك أدب (معلم) وهناك علم (مؤدب) هناك تاريخ صيغ صياغة أدبية فلا يكتفي بسرد الحقائق وتعيين سبب وقوعها وإنما يضع ذلك في قالب يثير شعورك للإحتذاء والقدوة أو للحب أو الكراهة. وهناك فلسفة صيغت في قالب قصة، وهناك طبيعة وكيمياء صاغتها يد صناع ماهرة في الفن تحمل قلم أديب فأخرجت منها موضوعات شيقة تثير عاطفة الجمال وتستخرج الإعجاب بما في هذا العالم من إبداع وفن.

هذه الموضوعات وأمثالها ليست أدباً خالصاً ولاعلماً خالصاً وإنما هي علم أدبي أو أدب علمي، هي أدب بمقدار ما تثير من عاطفة، وهي علم بمقدار ما فيها من حقائق.

العلم لغة العقل، والأدب لغة العاطفة، ولكن لابد في هذه الحياة أن يلطف العلم بالأدب، والأدب بالعلم، فالعقل إذا جمح استخف بالشعور وجعل الحياة ثمناً للعلم، وهو إذا مزج بشيء من الأدب مس الحياة ورفّه على الناس، والعاطفة إذا شردت كانت ثوراناً وهياجاً. ألا ترى التعجب يزيد فيكون نباحاً، والعشق يهيم فيكون جنوناً؟

مجلة الرسالة/العدد 3



بتاريخ: 15 - 02 - 1933

مجلة الرسالة/العدد 18



بتاريخ: 01 - 10 - 1933

مجلة الرسالة/العدد 28



بتاريخ: 15 - 01 - 1934

مجلة الرسالة/العدد 27



بتاريخ: 08 - 01 - 1934

مجلة الرسالة/العدد 25/الشافعي واضع علم أصول الفقه - الشيخ مصطفى عبد الرزاق 3

للأستاذ الشيخ مصطفى عبد الرزاق. أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب

- 3 -

وكان الشافعي في أول أمره يطلب الشعر وأيام الناس والأدب. قال الشافعي: (وخرجت من مكة، يعني بعد أن بلغ قال: فلزمت هذيلا بالبادية أتعلم كلامها وآخذ اللغة وكانت أفصح العرب) ابن حجر ص 50.

ثم توجه الشافعي إلى الفقه يدرسه وقد اختلفت الروايات في سبب توجهه إلى الفقه أو تكاد ترجع كلها إلى نصح الناصحين له: إن يصرف جهده وذكاءه في علم تكمل به سيادته من غير خطر على دينه ولم يكن يومئذ إلا الفقه سبيلا إلى ذلك

ويعبر عن روح الوقت من تلك الناحية: ما رواه الخطيب البغدادي في تاريخه عن أبي يوسف قال: قال أبو حنيفة: لما أردت طلب العلم جعلت أتخير العلوم وأسأل عن عواقبها فقيل لي: تعلّم القرآن، فقلت: إذا تعلمت القرآن وحفظته فما يكون آخره؟ قالوا: تجلس في المسجد ويقرأ عليك الصبيان والأحداث ثم لا تلبث أن يخرج فيهم من هو أحفظ منك أو يساويك في الحفظ فتذهب رياستك، قلت: فان سمعت الحديث وكتبته حتى لم يكن في الدنيا أحفظ مني، قالوا: إذا كبرت وضعفت حدثت واجتمع عليك الأحداث والصبيان ثم لم تأمن أن تغلط فيرموك بالكذب فيصير عاراً عليك في عقبك، فقلت لا حاجة لي في هذا، ثم قلت: أتعلّم النحو، فقلت: إذا تعلمت النحو والعربية ما يكون آخر أمري؟ قالوا تقعد معلما واكثر رزقك ديناران إلى الثلاثة، قلت وهذا لا عاقبة له، قلت: فان نظرت في الشعر فلم يكن أحد أشعر مني، ما يكون من أمري؟ قالوا: تمدح هذا فيهب لك ويحملك على دابة أو يخلع عليك خلعة، وأن حرمك هجوته فصرت تقذف المحصنات، فقلت: لا حاجة لي في هذا قلت: فأن نظرت في الكلام فما يكون آخره؟ قالوا لا يسلم من نظر في الكلام من شنعات الكلام فيرمى بالزندقة، فأما أن يؤخذ فيقتل، وأما بسلم فيكون مذموما، قلت: فأن تعلمت الفقه؟ قالوا: تسأل وتفتي الناس وتطلب للقضاء وإن كنت شابا، قلت: ليس في العلوم شيء أنفع من هذا، فلزمت الفقه وتعلمته) - تبييض الصحيفة - ص11و12 وتفقه الشافعي أول أمره على (مسلم بن خالد الزنجي) مفتي مكة سنة 180هـ 796م مولى بني مخزوم، وقد اختلف النقاد في أمر مسلم فقيل: ثقة وقيل ضعيف وقيل: ليس بشيء، وقال البخاري: منكر الحديث

ونقل: انه كان يرى القدر ولعل هذا هو سر تضعيفه

ويقولون: أن مسلم بن خالد الزنجي قال للشافعي: أفت يا أبا عبد الله فقد آن لك أن تفتي، وكان الشافعي حينئذ دون عشرين سنة.

وأخذ الشافعي في مكة عن: (سفيان بن عيينة الهلالي) المتوفى سنة 198هـ 813م أحد الثقاة الأعلام، روي عن بعضهم: أنه اختلط سنة 197هـ 812م.

ثم رحل الشافعي إلى المدينة ليطلب العلم عن (مالك بن أنس) فقرأ الموطأ على مالك بعد أن حفظه عن ظهر قلب في مدة يسيرة وأقام بالمدينة إلى أن توفي (مالك) سنة 179هـ 795م.

وخبر رحلته إلى مالك مروي على وجوه مختلفة تتفق كلها في أن الشافعي كان فقيرا لا يملك نفقة السفر على فرط شوقه إلى الأخذ عن إمام دار الهجرة.

ثم يسر الله له أسباب الرحلة، وأحسن مالك لقاءه لما تفرس من نجابته وفضله.

وتلقى الشافعي في المدينة عن غير مالك كإبراهيم بن أبي يحيى الذي يقول الرازي: اتفقوا على أنه كان معتزليا.

وخرج الشافعي إلى اليمن بعد موت مالك.

(قال الشافعي: لما مات (مالك) كنت فقيرا، فاتفق أن والي اليمن قدم المدينة فكلمه بعض القرشيين في أن أصحبه فذهبت معه واستعملني في أعمال كثيرة وحمدت فيها والناس أثنوا علي) الرازي ص 18.

وكادت الولاية تشغل بالشافعي عن العلم حتى نبهه بعض شيوخه فانتبه

قال الشافعي: كنت على عمل باليمن واجتهدت في الخير والبعد عن الشر، ثم قدمت المدينة فلقيت ابن أبي يحيى وكنت أجالسه، فقال لي: تجالسوننا وتسمعون منا فإذا ظهر لأحدكم شيء دخل فيه. ثم لقيت ابن عيينة فقال؛ قد بلغنا ولايتك فما أحسن ما انتشر عنك، وأديت كل الذي لله عليك ولا تعد قال الشافعي رضي الله عنه: موعظة ابن عيينة أبلغ مما صنع ابن أبي يحيى - الرازي ص 20

وقد أخذ الشافعي عن جماعة من أهل اليمن منهم مطرف بن مازن الصنعاني المتوفى سنة 191هـ 806م

وقد كذبه يحيى بن معين وقال النسائي ليس بثقة، وقال غيره كان قاضي صنعاء، وكان رجلا صالحا وعمرو بن أبي سلمة المتوفى سنة 214هـ 829م وهو صاحب الاوزاعي

ويقولون إن الشافعي جمع كتب الفراسة من اليمن واشتغل بها حتى مهر فيها

ارتفع شأن الشافعي في اليمن (ثم أن الحساد سعوا إلى هارون الرشيد، وكان باليمن واحد من قواده فكتب إليه يخوّفه من العلويين وذكر في كتابه: إن معهم رجلا يقال له: محمد بن إدريس الشافعي يعمل بلسانه ما لا يقدر المقاتل عليه بسيف، فإن أردت أن تبقي الحجاز عليك فاحملهم إليك. فبعث الرشيد إلى اليمن وحملوا الشافعي مع العلوية إلى العراق) الرازي ص18.

وتلك هي المحنة التي اقتضت دخول الشافعي العراق. وفي حديث هذه المحنة اختلاف كبير وقد يكون أسلم هذه الروايات من الحشو وأدناها إلى الاعتدال والقصد: ما رواه ابن عبد البر في كتاب (الانتقاء) قال:

حمل الشافعي من الحجاز مع قوم من العلوية تسعة وهو العاشر إلى بغداد وكان الرشيد بالرقة، فحملوا من بغداد إليه وأدخلوا عليه ومعه قاضيه (محمد بن الحسن الشيباني) وكان صديقا للشافعي وأحد الذين جالسوه في العلم وأخذوا عنه فلما بلغه أن الشافعي في القوم الذين أخذوا من قريش بالحجاز واتهموا بالطعن على الرشيد والسعي عليه، اغتم لذلك غما شديدا: وراعى وقت دخولهم على الرشيد قال: فلما أدخلوا على الرشيد سألهم وأمر بضرب أعناقهم: فضربت أعناقهم إلى أن بقى حدث علوي من أهل المدينة وأنا، فقال للعلوي: أأنت الخارج علينا والزاعم أني لا اصلح للخلافة؟ فقال العلوي: أن أدعى ذلك أو أقوله قال: فأمر بضرب عنقه، فقال العلوي: أن كان لابد من قتلي فأنظرني أكتب إلى أمي بالمدينة فهي عجوز لم تعلم بخبري، فأمر بقتله فقتل.

ثم قدمت و (محمد بن الحسن) جالس معه فقال لي مثل ما قال للفتى فقلت: يا أمير المؤمنين لست بطالبي ولا علوي وإنما أدخلت في القوم بغياً علي؛ وإنما أنا رجل من بني المطلب بن عبد مناف بن قصيولي مع ذلك حظ من العلم والفقه والقاضي يعرف ذلك. وأنا محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان ابن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف. فقال لي: أنت محمد بن إدريس؟ فقلت: نعم يا أمير المؤمنين قال: ما ذكرك لي محمد بن الحسن ثم عطف على محمد بن الحسن فقال: يا محمد ما يقول هذا هو كما يقوله؟ قال: بلى وله من العلم محل كبير، وليس الذي رفع عليه من شأنه، قال: فخذه إليك حتى أنظر في أمره، فأخذني محمد وكان سبب خلاصي لما أراد الله عز وجل منه ص - 97 - 98.

ويقول ابن حجر في كتاب (توالي التأسيس) ص71 (وأما الرحلة المنسوبة إلى الشافعي المروية من طريق عبد الله محمد البلوي فقد أخرجها (الابرى) و (البيهقي) وغيرهما مطولة ومختصرة وساقها (الفخر الرازي) في مناقب الشافعي بغير إسناد معتمدا عليها وهي مكذوبة وغالب ما فيها موضوع، وبعضها ملفق من روايات ملفقة، وأوضح ما فيها من الكذب، قوله فيها: أن أبا يوسف ومحمد بن الحسن حرضا الرشيد على قتل الشافعي، وهذا باطل من وجهين: أحدهما أن أبا يوسف لما دخل الشافعي بغداد كان مات ولم يجتمع به الشافعي

والثاني أنهما كانا أتقى لله من أن يسعيا في قتل رجل مسلم لاسيما وقد أشتهر بالعلم، وليس له إليهما ذنب إلا الحسد على ما آتاه الله من العلم، هذا ما لا يظن بهما وان منصبهما وجلالتهما، وما أشتهر من دينهما ليصد عن ذلك.

والذي تحرر لنا بالطرق الصحيحة: أن قدوم الشافعي بغداد أول ما قدم كان سنة 184هـ800م. وكان أبو يوسف قد مات قبل ذلك بسنتين، وأنه لقي محمد بن الحسن في تلك القدمة، وكان يعرفه قبل ذلك من الحجاز وأخذ عنه ولازمه.

وممن أخذ عنهم الشافعي في العراق (وكيع بن الحراح بن مليح الرؤاسي أبو سفيان الكوفي الحافظ) المتوفى سنة 190هـ 805 - 806م و (حماد بن أسامة الهاشمي الكوفي) المتوفى سنة 210هـ - 852م، و (عبد الوهاب بن عبد المجيد البصري) المتوفى سنة 194هـ 809 - 810م. وقد قرأ الشافعي كتب (محمد بن الحسن الشيباني المتوفى سنة 189هـ 804 - 805م ولازمه وأخذ عنه.

ولم نر فيما بين أيدينا من تراجم الشافعي ذكر مدة مقامه في بغداد في هذه القدمة.

وقدم الشافعي بعد ذلك إلى بغداد سنة 195هـ 810 - 811م فأقام سنتين واشتهرت جلالة الشافعي رحمه الله في العراق وسار ذكره في الآفاق وأذعن بفضله الموافقون والمخالفون. وعكف عليه للاستفادة منه الصغار والكبار من الأئمة والأحبار من أهل الحديث والفقه وغيرهما، ورجع كثيرون منهم عن مذاهب كانوا عليها إلى مذهبه وتمسكوا بطريقته كأبي ثور وخلائق لا يحصون. . . . وصنف في العراق كتابه القويم ويسمى (كتاب الحجة) ويرويه عنه أربعة من جلة أصحابه وهم: أحمد بن حنبل، وأبو نور، والزعفراني، والكرابيسي) (شرح المذهب للنووي) ج1 ص9

ثم خرج الشافعي إلى مكة وعاد إلى بغداد في سنة 198هـ 813 - 814م وأقام بها أشهراً، ثم انه خرج إلى مصر في هذه السنة كما في معجم الأدباء ويقول ياقوت في موضع آخر (ويقال: إن الشافعي رضي الله عنه قدم إلى مصر سنة 199هـ 814 - 815م في أول خلافة المأمون وكان سبب قدومه إلى مصر أن العباس ابن عبد الله بن العباس بن موسى بن عبد الله بن العباس استصحبه فصحبه وكان العباس هذا خليفة لأبيه على مصر) ج6 ص 394. وفي شرح المهذب: (وقال الربيع قدم الشافعي (مصر) سنة مائتين ولعله قدم في آخر سنة تسع جمعا بين الروايتين)

وصنف كتبه الجديدة كلها بمصر وسار ذكره في البلدان وقصده الناس من الشام والعراق واليمن وسائر النواحي للأخذ عنه وسماع كتبه الجديدة) ص 9

وفي ابن خلكان: (ثم عاد إلى بغداد سنة ثمان وتسعين ومائة فأقام بها شهراً ثم خرج إلى مصر وكان وصوله إليها سنة تسع وتسعين ومائة وقيل إحدى ومائتين)

وأقام الشافعي بمصر إلى أن مات سنة 204هـ و819 - 820 م كان في آخر عمره عليلاً شديد العلة من البواسير حتى قالوا: أن صدره أصبح ضيقا، وأنه كان يقول أني لآتي الخطأ وأنا أعرفه يعني ترك الحمية

وفي كتاب (توالى التأسيس) لابن حجر: (قلت: قد اشتهر أن سبب موت الشافعي: أن فتيان بن أبي السمح المالكي المصري وقعت بينه وبين الشافعي مناظرة فبدرت من فتيان بادرة فرفعت إلى أمير مصر فطلبه وعزره فحقد ذلك فلقي الشافعي ليلا فضربه بمفتاح حديد فشجه فتمرض الشافعي منها إلى أن مات ولم أر ذلك من وجه يعتمد) ص86

لم تقتل الشافعي شجة (فتيان) المزعومة إنما قتل الشافعي ما بذله من جهد عنيف في السنين الأربع التي أقامها بمصر ما بين تأليف وتدريس ومناظرة وسعي في بث مذهبه ومدافعة كيد خصومه، هذا إلى مرضه المنهك، وقد كان في ذلك العهد مصابا بنزيف من الباسور.

قال الربيع تلميذه: (أقام الشافعي ههنا أربع سنين فأملى ألفا وخمسمائة ورقة، وخرج كتاب (اللام) ألفي ورقة وكتاب (السنن) وأشياء كثيرة كلها في مدة أربع سنين، وكان عليلا شديد العلة. . .) ابن حجر ص83، وكان يلازم الاشتغال بالتدريس والإفادة في جامع عمرو. .

(وكان يجلس في حلقته إذا صلى الصبح فيجيئه أهل القرآن فيسألونه، فإذا طلعت الشمس قاموا وجاء أهل الحديث فيسألونه عن معانيه وتفسيره، فإذا ارتفعت الشمس قاموا واستوت الحلقة للمناظرة والمذاكرة: فإذا ارتفع النهار تفرقوا وجاء أهل العربية والعروض والشعر والنحو حتى يقرب انتصاف النهار ثم ينصرف إلى منزله) ابن حجر ص92

واخرج أبو نعيم من طريق ابن حسين البصري سمعت طبيبا مصريا يقول: ورد الشافعي مصر فذاكرني بالطب حتى ظننت أنه لا يحسن غيره، فقلت له أقرأ عليك شيئا من كتاب أبقراط فأشار إلى الجامع فقال أن هؤلاء لا يتركونني. ابن حجر ص66

وقد يكون الشافعي درس الطب فيما درسه من العلوم في العراق حينما جاءها أول مرة

وقد يكون درس علوم التنجيم أيضا هناك، وأنهم ذكروا أن الشافعي اشتغل بعلوم التنجيم؛ وكل ذلك يدل على ما كان شغف للإمام بالعلم كله.

وقد يكون هذا الجلوس المتوالي في الجامع من أسباب ما أصيب به الإمام من المرض. وذكر الأستاذ مصطفى منير أدهم في رسالته ورحلة الإمام الشافعي إلى مصر، أن أهل الإمام ذهبوا إلى الوالي في صباح الليلة التي توفي فيها، وكان الوالي هو محمد بن السري بن الحكم، وطلبوا إليه الحضور لتغسيل الإمام كما أوصى، فقال لهم الوالي: هل ترك الإمام دينا؟ قالوا نعم، فأمر الوالي بسداد ذلك الدين كله، ثم نظر إليهم وقال لهم هذا معنى تغسيلي له ص41.

وان صحت هذه القصة التي لم يذكر راويها لها استنادا فهي تدل على أن الشافعي خرج من الدنيا فقيراً كما دخلها فقيراً ولسنا نشك في أن الشافعي مات فقيراً، لكنا نشك في أمر استدانته، فقد روي ابن حجر في (توالي التأسيس) عن ابن أبي حاتم عن أبيه عن عمرو بن سواد السرحبي قال: قال لي الشافعي أفلست ثلاث مرات فكنت أبيع قليلي وكثيري حتى حلي ابنتي وزجتي ولم أستدن قط ص67.

وتزوج الشافعي (حميدة) بنت نافع بن عنبسة بن عمرو بن عثمان ابن عفان فولدت له (أبا عثمان محمدا) وكان قاضيا لمدينة حلب (وفاطمة) (وزينب).