الصفحات

البحث الذكي داخل المدونة

تحميل وطباعة هذه الصفحة

Print Friendly and PDF

الخميس، 26 يونيو 2025

مجلة الرسالة/العدد 25/الأحنف بن قيس - أحمد أمين

للأستاذ احمد أمين

ضئيل الجسم، صغير الرأس، متراكب الأسنان، مائل الذقن، ناتئ الوجنة، غائر العينين، خفيف العارضين، أحنف الرِّجل، ليست خصلة تدل على قبح المنظر إلا وهو آخذ منها بحظ، تنبو عن مرآة الإحداق، وتتفادى من شخصه الأبصار، وهو مع هذا سيد قومه، سيد تميم، وهي ما هي في العظمة، إن غضب غضب لغضبته مائة ألف سيف لا يسألونه فيم غضب. خطير النفس، بعيد المرمى، ما زال يسود حتى بلغ مرتبة لا يسمو إليها أمل، ومنزلة لا يتعلق بها درك، إذا أوفد وال وفداً إلى خليفة فالأحنف أحد الوفد أو رئيسه وخطيبه، وإذا اختلف الأمراء على الخلافة فالأحنف من أول من يفكرون في اصطناعه، وإذا حزب الأمر، وعظم الخطب، فالأحنف من يفزع إليه في المشورة. دوى اسمه بين المسلمين في الأحداث الأولى للإسلام، وخرج منها على كثرتها وتعقدها واضطراب الأهواء فيها، نقي السيرة، يقر بعظمته من كان له ومن كان عليه، وظل اسمه علما رفيعا في نواح مختلفة على مر الأزمان، إن أُرِّخت الحروب الإسلامية فأحد قادتها وغزاتها، وإن ذكرت الأخلاق فأحد أشرافها ونبلائها، وان أرخ الأدب والخطب والحكم والأمثال فهو ابن بجدتها.

ولد قبل الإسلام ولكن لم ينل شرف الصحبة لرسول الله (، ووقف من أول أمره وهو فتى موقفا يدل على قوة عقله وصدق نظره، فان رسول الله (أرسل رجلا إلى بني سعد رهط الأحنف فجعل يعرض عليهم الإسلام، فقال الأحنف لقومه: إنه يدعو إلى خير، ويأمر بخير، فلم لا نجيب دعوته، وسرعان ما ساد تميما وهي قبيلة من أعز القبائل وأقواها وأشرفها، كانت تسكن مساحة كبيرة من جزيرة العرب تشمل نجداً وجزءاً من البحرين وجزءاً من اليمامة، وانقسمت تميم لكثرتها إلى فروع كثيرة كانت تتعادى أحيانا وتتحالف أحيانا، ولذلك لم يكن عجيباً أن يتهاجى الفرزدق وجرير شر هجاء، وكلاهما من تميم، ولكنهما من فرعين مختلفين. حاربت تميم نفسها ومن حولها في الجاهلية، وشغلت حروبها أياما كثيرة من أيام العرب. وكان لتميم راية في الحروب خاصة على صورة العقاب، كما كانت راية بني أسد على صورة الأسد، ثم أسلمت وحسن إسلامها، ولكنها ارتدت أيام الردة إلى أن ردها خالد ابن الوليد إلى الطاعة، وكفرت عن ردتها بما بذلت من جهود في الفتوح، حتى إذا تم الفتح سكن بعضها الكوفة وبعضها البصرة، وكان الأحنف بن قيس سيد تميم البصرة. وقد ظلت تميم في الإسلام وفيها من ألوان البداوة، ومن هذا النوع من البداوة ما بدا من نزعتهم الخارجية، فقد كثر الخوارج من تميم، وكان قطرىّ بن الفُجاءة وكثير ممن تبعه من الازارقة من قبيلة تميم.

وأنجبت تميم كثيرا من نوابغ الشعراء لا يعنوننا الآن، كما أنجبت كثيراً من السادة والأشراف والعظماء، وكانوا سلسلة كسلسلة الذهب متصلة الحلقات يتعلم بعضهم من بعض خلق السيادة كما يتعلم العلم على الأساتذة، وكان أستاذ الأحنف ابن قيس في السيادة (قيس بن عاصم) المنقري التميمي الذي قال فيه رسول الله (لما رآه (هذا سيد أهل الوتر) وقد قيل لقيس هذا: صف نفسك، فقال أما في الجاهلية فما هممت بملأمة، ولاحُمتُ على تُهمة، ولم أر إلا في خيل مغيرة أو نادي عشيرة، أو حامي جريرة، وأما في الإسلام فقد قال الله تعالى (ولا تزكوا أنفسكم) وقد نزل في البصرة كتلميذه الأحنف، وتعلم الأحنف من الحلم، ولما مات قال فيه القائل:

عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحما

وما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدَّما

خلف الأحنف قيسا في السيادة، وكان أبو موسى الاشعري واليا على البصرة فبعث بوفد منها إلى عمر بن الخطاب فكان الأحنف أحدهم وخطب بين يدي عمر يسترعيه النظر لأهل البصرة. فاعجب به عمر وقال (هذا والله السيد!) فدوت هذه الكلمة في الأنحاء.

أكثر الواصفون في ذكر الأحنف ومزاياه وسيادته، والسيادة أنواع، وقد ترى لكل سيد طعماً لا تجده في سيد آخر، ولكل سيد نقطة تتركز فيها عظمته قد لا يشترك فيها سيد آخر، فسيدٌ عظمته في شجاعته، وسيد عظمته في سخائه وسيد عظمته في قول الحق يجهر به والسيف على رأسه، فان نحن سئلنا عن مركز العظمة في الأحنف، فعظمته كانت تتركز في خصلتين تتصل إحداهما بالأخرى اتصالا وثيقا: انه منح نظرا صائبا يتعرف به المحاسن والمساوئ، ومعالي الأمور وسفسافها، وقلَّ أن يخطئ في ذلك، ثم منح إلى ذلك إرادة قوية يحمل بها نفسه على ما أدرك من معال ومحاسن مهما كلفه من مشقة وحمله من جهد، فلو علم أن الماء يفسد مروءته ما شربه؛ وهي (كما ترى) نقطة ارتكاز يحمل فوقها كثير من الفضائل، على حين أن نقطة الارتكاز عند كثير من السادة لا تتحمل إلا فضيلة واحدة.

وهذا يفسر كل ما روي عن الأحنف، كان لا يعبأ بالمال، وكان لا يعبأ بالحياة، وكان يفر من الشرف والشرف يتبعه، وكان يخضع للحق إذا لزمه خضوع الذليل المستخدي، وإذا كان الحق بجانبه دافع عنه دفاع المستأسد الضاري، يقف أمام علي وأمام معاوية وأمام زياد بن أبيه فيجهر بالحق الصريح من غير مجمجمة ولا مواربة ولا يبالي ما بعده.

تولى في زمن عمر بن الخطاب فتح خراسان فدوخ الفرس وملكهم يزدجرد ولقي من الحروب ما تشيب من هوله الولدان، ولكنه صبر وظفر، وأنجد ملك الفرس الترك وأهل فرغانة والصغد فلم يكن فيهم أمام الأحنف وجنده غناء.

ووقف الأحنف العربي البدوي وليد الصحراء في شملته يطارد يزدجرد المتوج ربيب النعمة، وعصارة المدنية، وسليل الأكاسرة، ونتاج الحروب المنظمة بين فارس والروم، في العدد والعديد، والجنود والبنود، فظفر التميمي بسيد فارس وطارده حيثما حل حتى جاوز حدود بلاده وخرج منها لا إلى رجعة، (وأقبل أهل فارس - كما يقول ابن الأثير - على الأحنف فصافحوه ودفعوا إليه الخزائن والأموال وتراجعوا إلى بلدانهم وأموالهم، على أفضل ما كانوا عليه زمن الأكاسرة، واغتبطوا بملك المسلمين)

فلما نشبت الحرب بين علي ومعاوية رأى الحق في جانب علي فانضم إليه بقومه، وأعان عليا بسيفه ورأيه، فاشترك معه في حرب صفين ونصحه إلا يكون أبو موسى الاشعري حكما، وظل مخلصاً له العمل والقول حتى قتل علي. ودانت البلاد لمعاوية فأطاع معاوية في شمم وإباء، فقد دخل عليه يوما فقال له معاوية: أنت الشاهر علينا سيفك يوم صفين، فقال له يا معاوية لا تذكر ما مضى منا، ولا ترد الأمور على أدبارها، فان السيوف التي قاتلناك بها على عواتقنا. والقلوب التي أبغضناك بها بين جوانحنا، والله لا تمد إلينا شبراً من غدر إلا مددنا إليك ذراعا من ختر، وان شئت لتستصفين كدر قلوبنا بصفو من عفوك. فقال له معاوية فإني أفعل، ثم استرضاه ومن معه.

ولما أراد معاوية أن يبايع لأبنه يزيد أخذ الناس يتكلمون مدح يزيد والثناء عليه، ويمدحون معاوية على عمله والأحنف ساكت، فقال له معاوية، مالك لا تتكلم يا أبا بحر وكانت كنيته فقال قولته المشهورة: (أخاف الله إن كذبت وأخافكم إن صدقت) فكانت كنايته أبلغ من التصريح.

ويظهر أنه بعد أن قتل علي رأى من المصلحة للمسلمين أن يشايع الأمويين، فان هذا أقرب إلى الوحدة وأدعى إلى الألفة حتى مع ما هم فيه من ظلم أحيانا وطغيان أحيانا، يدل على ذلك تاريخه وقوله فقد استنصر به الحسن بن علي علىمعاوية فلم يجبه وقال (قد بلونا حسنا وآل حسن فلم نجد عندهم ايالة الملك ولا مكيدة الحرب) وكان بينه وبين عبد الله بن الزبير جفاء. فلم يشايعه في الخروج. ورأيناه ينصح قوما من تميم أرادوا أن ينضموا إلى ابن الزبير إلا يفعلوا.

ولكنه كان يطيع الأمويين وولاتهم طاعة الحازم العاقل، ينقدهم فيما يرى ويمحضهم النصح في صدق وإخلاص، وله كموقف مع زياد من خير المواقف أثراً في تاريخ الإسلام، فقد هم زياد أن يقتل الموالي لكثرتهم ومزاحمتهم العرب فاستشار الأحنف فقال، إن ذلك ليس لك، إن رسول الله (لم يقتل من الناس من قال لا إله إلا الله وشهد أن محمدا رسول الله وانهم غلة الناس، وهم الذين يقيمون أسواق المسلمين، أفتجعل العرب يقيمون أسواقهم قصابين وقصارين وحجامين؟ فأذعن زياد لرأيه ونزل على إشارته، ويقول الأحنف انه ما بات ليلة أطول منها خشية أن ينفذ زياد فكرته.

ووقف في البصرة موقفا بديعا يصلح بين القبائل المختلفة المتعادية من الازد وبكر وعبد القيس، ويبذل من ماله ديات لما يقع من القتل حتى يلتئم صدعهم ويجتمع شملهم ويعيشوا في البصرة عيشة هادئة مطمئنة.

لقد عابوا عليه انه ذُكر أمامه الزبير بن العوام عندما ترك القتال يوم الجمل ومر ببني تميم فعابه الأحنف وقال جمع الزبيريين الناس يقتل بعضهم بعضا ويريد أن ينجو إلى أهله! فتبعه رجل سمع هذا القول فقتله، فقال الناس إن الأحنف قتل الزيبر بكلامه.

كما عابوه بأنه كان سميعا مطيعا لجاريته (زبراء) حتى كان الناس يكنون عن وقوع الحرب بقولهم (غضبت زبراء) لأنها إذا غضبت غضب الأحنف، وإذا غضب الأحنف شرعت الأسنة وانتضيت السيوف.

ولكن أي عظيم لا يعاب؟ وكفى الأحنف نبلا أن كانت عيوبه من هذا القبيل لا تخدش شرفا ولا تجرح عرضا

وللأحنف ناحية أخرى بديعة هي ناحية أدبية غزيرة أمدت كتب الأدب العربي بغذاء صالح قوي، هو ما روي عنه من جُمل حكيمة جمعت إلى حسن اللفظ وقوته، جودة المعنى وصحته، ونضحت عليها صفات الأحنف النبيلة الشريفة وكانت خلاصة لحياة حافلة بالتجارب. كانت هذه التجارب والمعاني في دماغ ارسطو اليوناني الفيلسوف فصاغها صياغة علم وفلسفة، وكانت في دماغ الأحنف بن قيس العربي البدوي فصاغها في شكل حكم وأمثال وجمل موجزة، تحمل معاني

غزيرة، فكان لكل مزايا منهجه في النظر ومنهجه في القول

لقد وصل الأحنف في الإسلام ما بدأ به أكثم بن صيفي من الحكم في الجاهلية، وزاده الإسلام غزارة وفيضا، وكانت حياته العملية من حروب واتصال بالسلطان والولاة وخبرة بالناس ونزاعهم وأنظارهم، وسيادته وكثرة سؤال الناس له عما سوده مددا صالحا يستقي منها حكمه وأقواله، من مثل قوله: (انصف من نفسك قبل أن يُنتصف منك، ثلاثة لا ينتصفون من ثلاثة، شريف من دنئ، وبر من فاجر، وحليم من أحمق. لا خير في قول إلا بعقل، ولا في منظر إلا بمخبر، ولا في مال إلا بجود، ولا في صديق إلا بوفاء، ولا في حياة إلا بصحة وأمن ومن حق الصديق أن تحتمل له ثلاثاً: ظلم الغضب، وظلم الدالة، وظلم الهفوة، الخ وله أقوال في الولاة وفي الصداقة وفي السؤدد وفي مكارم الأخلاق ملئت بها كتب الأدب، تدل على صدق نظر، وصحة التجربة، وقدرة على صياغة ذلك في جمل رصينة

من أجل هذا كله نال عند الناس منزلة قل أن يطمع فيها طامع، يعجب الناس بعقله حتى يقول سفيان: ما وزن عقل الأحنف بعقل أحد إلا وزنه، ويعجبون بسيادته وهيبته حتى يقول القائل:

إذا الأبصار أبصرت ابن قيس ... ظللن مهابة منه خشوعا

فلله الأحنف قائدا في الحروب لا يبارى، ولله الأحنف سيدا في قومه مطاعا، ولله الأحنف حكيما مجربا، ولله الأحنف بليغا مفوها، ولله السعدية إذ رثته فقالت: (نسأل الله الذي ابتلانا بموتك، وفجعنا بفقدك أن يوسع لك في قبرك، وأن يغفر لك يوم حشرك، فلقد عشت مودوداً حميدا، ومت سعيداً فقيدا، ولقد كنت رفيع العماد، وارى الزناد، ولقد كنت في المحافل شريفا، وعلى الأرامل عطوفا، ومن الناس قريباً، وفيهم غريبا، وإن كانوا لقولك مستمعين، ولرأيك متبعين. رحمنا الله وإياك.)

لقد عمر طويلا ومات سنة 69 هـ ودفن بالكوفة فرحمة الله عليه.

مجلة الرسالة/العدد 25



بتاريخ: 25 - 12 - 1933

مجلة الرسالة/العدد 23/حول (الوضوح والغموض) - عباس فضلي خماس

للأستاذ عباس فضلي خماس

روى لنا الدكتور طه حسين في مقالة (حول قصيدة) حادثة طريفة عن قصيد المقبرة البحرية للشاعر الفرنسي بول فاليري، وكان غرضه من استعراض ما دار بين أدباء فرنسة وشعرائها بعد ذيوع هذه القصيدة أن يطرق باب بحث طالما اشتاق الأدباء إلى طرقه وهو (مقياس فهم الشعر والأدب). وكان بحث الدكتور حائما حول هدف أساسي وهو (هل يحسن بالشعر أن يكون واضحا لا خلاف فيه، أو إن بعض الغموض فيه مغتفر بل مطلوب؟ وهذا المطلب في نظري جدير بالبحث والتمحيص إلى حد بعيد، ولعل المضي في استقصائه يؤدي إلى إظهار حقائق جديدة في عالم الأدب، تقلب أوضاعنا الراهنة رأسا على عقب، ويلوح لي أن التوسع في بحث هذا الموضوع بحثا مستفيضا دقيقا ربما انزل بعض أمراء الشعر وملوك البيان الذين اعتلوا في أذهان الناس العروش إلى الحضيض، وربما رفع بعض خاملي الذكر من الشعراء والأدباء إلى تلك العروش وقدم إليهم معتذرا صولجان الشعر والأدب الذي شاءت الأقدار أن يغتصب منهم اغتصابا.

لقد كتب علينا نحن أبناء هذا الجيل أن ندرس الأدب درسا آليا كدرس المعادلات الرياضية والرموز الكيمياوية. وقد ترتب على طرز دراستنا هذه أن نكون آليين في نظرنا إلى الشعر، آليين حتى في فهمنا إياه، بل وفي طريقة تفهمنا. وهذه النتيجة خلقت فينا نزعة التقليد لا في مزاولة الشعر والأدب فحسب بل في طريقة تفكيرنا وفي أساليب محاولتنا فهم أغراضه ومراميه. مبتعدين في ذلك عن السنن الطبيعية الابتعاد كله.

فليسمح لي الأستاذ الكبير بشيء من الحرية فيما أعرض له.

الغموض في الشعر والأدب

للغموض في الشعر والأدب أسباب معينة واضحة؛ أولها ضعف الأسلوب في التعبير عن الشعور، وثانيها غرابة التعبير وعدم انطباقه على الطريقة المألوفة عند جمهور القراء.

وثالثها نقص جزء مهم في الصورة التي يتخيلها الشاعر ويريد إبلاغها إلى النفس. ورابعها ازدحام جملة من الصور الفكرية وتداخلها في رقعة واحدة ضيقة بحيث يتعب العين تبينها دفعة واحدة ويجهد الذهن تصور علاقة أجزائها بعضها ببعض. وخامسا إظهار القطعة الفنية قبل نضوجها في الفكر، وقبل اختمارها في النفس. وسادسا ابتعاد الصورة التي يرسمها الشاعر عن تصور الجمهور ومداركهم مما هو مألوف عندهم ومعهود لديهم في معارفهم ومشاعرهم الماضية والحاضرة، حتى في معارفهم ومشاعرهم التخيلية؛ وأجزاء الصورة الخيالية التي ترتسم في ذهن الإنسان تتكون في الحقيقة في المواد التي تتألف منها معارفه ومشاعره الماضية والحاضرة عينها

هذه هي العوامل الأساسية لغموض لغة الشعر والبيان إذا كنا نستند في بحثنا إلى الحقائق الصريحة. أما إذا أردنا أن نموه على القراء فنستطيع أن نقول ما يخرج عن نطاق هذه العوامل ونستطيع أن نرغم الناس على أن يتصوروا في القطعة المعقدة بسبب من الأسباب الآنف ذكرها غموضا ينطوي على إبداع فني، ونقول لهؤلاء الناس إن أذواقكم الفنية أحط من أن تصل إلى رؤية هذا الإبداع، وان مستوى شعوركم وتفكيركم، أوطأ من أن يدرك هذا الفن البديع المتلفع بهذا الغموض. .

لقد جاز الشعر والأدب أدوارا غريبة، ووجد الشعر والأدب في ظروف عجيبة، وكان العامل في هذه الغرابة وهذا العجب النقدة من الكتاب والأدباء، فقد لعب بعضهم أدوارا طمس فيها الحقائق وأبرز إلى الناس الغث سمينا وأرغمهم على اعتبار السمين غثا.

ولولا شعوذة هؤلاء النقدة ومهارتهم في تصريف الكلام ومقدرتهم في البيان لكان جمهور الناس يرون في ترتيب طبقات الشعراء والأدباء غير ما يرونه الآن. نعم لو ترك هؤلاء الكتاب الناس وشأنهم يقرأون الشعر بصورة طبيعية ويفهمونه كما هو المقصود منه، لما كنا الآن مرغمين على أن نؤمن بالأحكام الثابتة في المفاضلة والموازنة بين شاعر وشاعر أو بين أديب وأديب.

ولكن اعتدادهم بأنفسهم ساقهم إلى أن يقولوا مثلاً إن الشاعر الفلاني أراد بقوله كذا. . . كيت وكيت - ولم يقصد كيت وكيت.

ولعل أقوى حجة يتذرع بها من يرون تحت الشعر الغامض إبداعا فنيا، هي إن الإنسان إذا جابه منظرا رائعا في ثوب جمال من مناظر الكون يرى في المرة الثانية فيه ما لم يره في المرة الأولى ويلتذ بما يراه في المرة الثالثة اشد من التذاذه بما رآه في المرتين الأولى والثانية. أما أنا فاعتقد أن هذه الظاهرة لا يصح على الإطلاق اتخاذها دليلا على اعتبار الغامض من الشعر ذا قيمة فنية.

فكل بديع في هذا الكون من منظر إلى صوت إلى شعر يلازمه الوضوح كيفما تكيف وتطور وتصور. والوضوح جوهر الجمال الحقيقي، أما (الغموض) بمعناه الذي يعرفه الناس فلا يجتمع مع الإبداع أو الجمال في صعيد واحد، وقد يجهد الإنسان نفسه ويكد ذهنه إذا سمع قطعة شعرية فيها شيء من الغموض، وقد يجد في هذا الإجهاد والكد لذة التوصل إلى الصورة الذهنية المقصودة. فليس من الضروري أن تعتبر هذه اللذة ناشئة من تلمس الإبداع، وإنما هي ناشئة من التوصل إلى نتيجة بعد إجهاد وكد.

لقد ذكر الأستاذ العقاد جملة عبارات يؤيد بها أن وراء الغموض في الشعر والأدب إبداعا فنيا، وكان من جملة ما ذكر أن الإنسان قد يقرأ كتابا غير مرة فيجد فيه كل مرة من المعاني ما لم يره في القراءات السابقة. وعندي أن تفسير هذهالحقيقة الراهنة هين، وعلتها واضحة لا غامضة. هذا إذا لاحظنا أن معارف الإنسان التي تنمي فيه شعوره وذوقه ومداركه تتبدل على الدوام وتتكيف حسب الظروف المختلفة التي يكون فيها. فالأثر الذي يتركه مطالعة كتاب في نفس الإنسان في وقت ما ذو علاقات متنوعة بشعوره وذوقه ومزاجه في ذلك الحين، وان الانطباعات التي تتولد في نفسه من معاني ذلك الكتاب تتناسب مع ما ذكرناه في ذلك الحين فقط. أقول في ذلك الحين فقط، لأن الشعور والذوق والمزاج ظواهر نفسية تتبدل وتتطور بالنظر إلى الظروف المحيطة بالإنسان. فليس ثمة غرابة إذا وجد الإنسان في مطالعاته المتوالية لكتاب ما معاني جديدة لم يكتشفها في مطالعاته السابقة. ولا ينبغي أن تعتبر هذه الصفة في الكتاب غموضا، لأن تبين جميع المعاني والمرامي المقصودة في الكتاب دفعة واحدة أمر مستحيل، ولا يتمكن الذهن من استيعاب جملة معان دفعة واحدة. والذهن مثل العين أو سائر الحواس. فكما إن عينك إذا وقعت على رقعة تحتوي على عدة أشكال لا تحيط بها جميعا دفعة واحدة ولكنها تتمكن من ذلك بتوجيه البصر إلى كل شكل بصورة خاصة، وكما أن الأذن إذا سمعت ألحانا مختلفة لا يمكنها أن تؤلف بين هذه الألحان إلا إذا أنصتت لكل لحن على حدة، كذلك الذهن لا يتمكن من الوجهة السيكولوجية أن يدرك كل ما أودع في كتاب من معان دفعة واحدة، وهذا ما يجعل الإنسان يكتشف في قراءته المتوالية لكتاب واحد معاني جديدة.

ولكن الخاصة من الأدباء يأبون إلا أن يخترعوا لهذه الظاهرة الطبيعية النفسية اصطلاحا أدبيا وهو ما رمى إليه الأديبان طه والعقاد فأسموه: (بالغموض) فسرد لنا الأول قصة (المقبرة البحرية) للشاعر الفرنسي بول فاليري وتبسط في وصف ما دار حولها من مناقشات وآراء في غموضها وعدم اشتمالها على معان واضحة. فقال من جملة ما قال أن: (كل هذه الآراء وآراء أخرى للشاعر العظيم في هذه المقدمة الممتعة إن لم تبين المعاني التي أودعها قصيدته فهي تبين شيئا آخر أظنه أقوم وأجل خطرا من هذه المعاني، وهو مذهب الشاعر في فن الشعر وما ينبغي له من الارتفاع عن هذا الوضوح الذي يفسد الفن إفسادا ويقربه من الابتذال).

ولكن! إذا لم تتمكن القصيدة من بيان المعاني التي يودعها الشاعر فيها فهي إذن ليست قصيدة، ولك أن تسميها ما شئت.

إن لم تستطع أن تودع المعاني التي تريدها الألفاظ التي تقولها فأنت والصامت أو الهاذر سواء.

وما هو هذا - الشيء الآخر - الذي يظنه الدكتور أقوم وأجل خطرا من هذه المعاني؟:

(هو مذهب الشاعر في فن الشعر)

لا ريب في أن مذهب الشاعر في فن الشعر أجل خطرا من المعاني باعتبار أن العناية بالمذهب هي التي تقوي المعاني وتصقلها فتظهرها ناضجة واضحة براقة، ماضية في نفوذها إلى النفس.

ولا أدري كيف نوفق بين هذين النقيضين: ألا يتمكن الشاعر من إيداع المعاني التي يريدها في قصيدته، وهو بعد ذلك يستطيع أن يظهر مذهبه في فن الشعر.

ويظهر أن الدكتور بعد أن يصل به القلم إلى عبارة (ويقربه من الابتذال) يدرك أن ما أورده (غامض) للتناقض الظاهر فيه فيستدرك الأمر بأن يقول: (فهو يرى مثلا أن جمال الشعر يأتي من أنك تجدد اللذة الفنية في نفسك كلما جددت قراءته، ومن أنك تستكشف في القراءة الثانية من فنون الجمال ما لم تستكشفه في القراءة الأولى، بل تجد في كل قراءة فنونا جديدة من الجمال لم تجدها في القراءات التي سبقتها)

هذا صحيح إذا تمكن الشاعر من إيداع قصيدته الصور الذهنية التي تخلق للقارئ هذا الجمال، والصور الذهنية في الواقع سداها الألفاظ ولحمتها المعاني التي تبرز تراكيب هذه الألفاظ في عبارات وجمل

فجمال الشعر إذن يأتي من طريق مذهب الشاعر في فن الشعر إذا كان هذا المذهب خليقا بأن يظهر المعاني المقصودة بحلل قشيبة جذابة، ومذهب الشاعر في فن الشعر ليس أجل خطرا من المعاني إلا إذا تمكن الشاعر من أن يودع قصيدته المعاني أولا. وبتعبير آخر لا يمكننا أن نعترف للشاعر بمذهب (خاص كان أو عام) إن لم يودع القصيدة التي ينشئها المعاني التي يقصدها.

فإذا أنشأ الشاعر قصيدة وجاء الناس يتساءلون منه ماذا أراد أن يقول بهذه القصيدة، فهذه القصيدة أما أن تكون خالية من المعنى وأما أن يكون صاحبها عند نظمها مرتبك الأفكار والخواطر مزعزع الحس والشعور إلى حد انه لم يستطع أن يودع قصيدته معنى معينا. فإذا كنا نسمي هذا شاعرا ويعتبر ما يودع في منظوماته من أفكار مشوشة غير معينة ولا مفهومة (غموضا) ثم نتحرى تحت طيات هذا الغموض إبداعا فنيا يزينه إلينا خيالنا المحض، فيجب أن نعتبر عوام الناس طرا شعراء مبدعين بكل ما تمر بين شفاههم من عبارات مرتبكة يسوقونها عندما تثأر نفوسهم ببعض الظواهر والمشاعر. ويجب أكثر من ذلك أن نعتبر الجمل المرتبكة المتقطعة المبهمة التي يتمتم بها الطفل عندما يجابه منظرا غريبا أو حادثا جديدا غموضا ينطوي على إبداع فني.

وبهذا نكون قد أسرفنا في الإساءة إلى الفن والى الإبداع والى الشعر والبيان إساءة عظيمة

مجلة الرسالة/العدد 23/جواب عن سؤال - أحمد أمين


وجه الأستاذ علي الطنطاوي في العدد الماضي إلينا وإلى أدباء الرسالة سؤالا ملخصه: أنعمل وغايتنا الأدب للأدب؛ أم نعمل وغايتنا الأدب للحياة؟ ثم سأل لماذا ينصرف أدباؤنا عن الأدب القومي الذي يعالج (القضية الكبرى) إلى ذلك الأدب الغزلي الضعيف؟ وقد أجبنا أجمالا في ذلك العدد عن بعض هذا السؤال، وتفضل صديقنا الأستاذ أحمد أمين فأجاب تفصيلا عن البعض الآخر (المحرر)

لك الحق (كل الحق) يا أخي أن تصرخ ونصرخ معك في وجه زعماء الأدب العربي طالبين أن يلتفتوا إلى الأدب القومي ويكثروا القول فيه، فالعالم العربي كله يجيش صدره بآلام وآمال، والأدب يجب أن يعبر عن هذه الآلام والآمال، بأسلوبه الرشيق، وعواطفه القوية، وخياله الرائع؛ وإذ ذاك يجد الناس غذاءهم فيما يقرأون، ولذتهم ومتعتهم فيما يسمعون وينشدون، والناس في كل عصر يتطلبون من الأديب أن يكون موسيقاهم التي تناسب عاطفتهم، فأن كانوا فرحين مرحين كانت الموسيقى فرحة مرحة، وان كانوا باكين محزونين كانت الموسيقى حزينة باكية، ومن السماجة أن توقع الموسيقى نغمة فرحة في مأتم، أو نغمة باكية في عرس، وقد كان الناس يقصدون إلى الشعراء يشرحون إليهم عواطفهم ويطلبون منهم شعرا يناسبها ويرويها.

كان بيت بشار في البصرة مقصدا لهذا النوع من الناس، يذهب إليه الغزِل الذي تجيش في صدره عاطفة الحب ولا يستطيع أن يعبر عنها ليجد بشار من فنه ما يعبر عما في نفسه، وتذهب إليه النائحات لينشدهن شعرا يستنزف الدمع ويبعث الشجا والشجن

وكل عصر له مطالبه وكل أمة لها مواقفها وعواطفها، ولا خير في الأدب إذا لم يصف الحياة، ويغذ العواطف، ويجد الناس في كل موقف يقفونه قولا أدبيا قوياً يشرحه، وشعر جميلا يعبر عنه

والعالم العربي الآن له عواطف قومية جديدة لم تكن لديه قبل سنين، هي نتاج التيار الحديث الذي غمر أوربا وسار منها إلى الشرق، فملأ مشاعرها ألما مما هي فيه، كما ملأها أملا في حياة خير من الحياة التافهة التي يحيونها، ثم التفتوا إلى الأدب القديم فلم يجدوا فيه غذاءهم كافيا، ليس فيه شعر يتغنى بالحرية كما نود، ولا بالقومية كما نحب وإنما هي أبيات مبعثرة مجملة، قيلت لوصف مشاعر غير مشاعرنا وفي مواقف غير مواقفنا. وتلفتنا إلى الأدب العربي الحديث فوجدناه ناقصا كأخيه، لم يسد الفراغ، ولم يكمل النقص، قد أفرط القدماء في الغزل فأفرط المحدثون فيه، وقصر القدماء في وصف المناحي الإجماعية والنزعات القومية فقصر المحدثون فيه، وأصبح ناشئنا لا يجد الغذاء الكافي في القديم ولا في الجديد، فلك الحق أن تطلب من الزعماء وأن تطلب من الرسالة أن تدعوا الكتاب والشعراء أن يلتفتوا إلى وجوه النقص فيكملوها، حتى إذا احتاج الشباب إلى نشيد أو أناشيد وجدها، وإذا وقف موقفا يتطلب قصيدة في معنى من معاني القومية أو الحرية أنطلق بها لسانه، وإذا طرب لمنظر طبيعي في بلاده وجد القصائد قد قيلت فيه واستوفت محاسنه، وهكذا، ولك أن تطلب من كتاب الروايات أن يبحثوا عن نواحي الضعف في الحياة الإجماعية الشرقية، فيجلوها ويعالجوها، وأن يكون لهم نظر صادق في تعرف نفسيات الأفراد والجماعات فيحللوها، وأن يتجه الكتاب الاجتماعيون فيدرسوا أمراض قومهم، ويستخدموا الأدب في الخطب والمقالات تثير مشاعر الناس وتهيجهم، ليتخلوا عن رذيلة، ويستكملوا فضيلة، ويعالجوا نقصا، وينشدوا كمالا

لك الحق أن تنعى على الأدباء أن أكثرهم في الشرق لم يتجه هذا الاتجاه إلا قليلا، وانهم بين أن ينظموا في الأغراض القديمة ولا يحسنوها إحسان القدماء، وبين أن ينقلوا من الأدب الغربي ما فقد روحه، أو لم يتناسب وروحنا. وإلا فأين هو أدبنا القومي؟ وأين التغني بمناظر طبيعتنا؟ وأين الروايات الاجتماعية تصفنا؟ لا شيء من ذلك إلا القليل الذي لا يتناسب ونهضتنا الحديثة

أنا معك في هذا كله - ولكن لست معك في إنكارك: أن يكون الفن للفن، والأدب للأدب، ولست معك في أن تطلب أن يكون الأدب للحياة - فليس من شك في أن القطعة متى استوفت عناصرها الأدبية كانت أدبا، مهما كان موضوعها الأخلاقي، وليس أحد ينكر أن قصائد أبي نؤاس الفاجرة الداعرة أدب، كما لا ينكر أحد أن الصورة العارية إذا أجيد تصويرها فن جميل، وان لم ترض عنها الأخلاق. فالأدب للأدب والفن للفن، ولكن هذا لا يمنع أن تكون سلطة المصلحين فوق سلطة الأدباء؛ فإذا رأى المصلحون أن ضربا من الأدب يحل الأخلاق ويفك عرى المجتمع، حاربوه بكل ما استطاعوا من قوة، وإذا رأوا أن ضربا من الأدب في الأمة ضعيف ويجب أن يقوى، طلبوا الإكثار منه بشتى الوسائل، وشجعوا عليه ومهدوا له السبل، وهذا هو موقفنا بالضبط. فقد كثر فينا ما نسميه بالأدب المائع كثرة تحل الأخلاق وتضعف الرجولة، وهذا الأدب المائع من غير شك أدب، وقد يكون أدبا راقيا، ولكن يصح أن نخضعه لنظر المصلح. فإذا كان المصلح الاجتماعي قويا ضرب على هذا النمط من الأدب ولو إلى زمن محدود، حتى تستكمل الأمة قوتها ورجولتها. ومثل الأدب في ذلك مثل العلم، فالأدب للأدب كالعلم للعلم - فان أردت بقولك أن الأدب لا يكون أدبا إلا إذا خدم الحياة فأنا مخالفك، وان أردت أن المصلحين والدعاة يجب أن يخضعوا الأدب لأغراض الحياة الصحيحة فإني موافقك.

وبعد - فقد غلوت يا أخي في رأيك، فلم ترد أن يكون في الأدب حب إلا من نوع خاص، وأردت من الأدب أن يكون قويا وقويا فقط، وبعبارة أخرى تريد أن تكون حياة الأدباء حياة حربية ليس فيها إلا القوة وما يبعث على القوة، ليس فيها زهرة جميلة ولا غزل ظريف، وأنا أخشى أن الأدب باقتصاره على القوة يفقد القوة، فان للنفوس سآمة، ويحسن أن يكون بجانب صوت المدفع والقنابل صوت العود والقانون. ولقد كنت أكتب في هذا الموضوع حتى إذا وصلت إلى هذا الموضوع شعرت بملل، فما هو إلا أن سمعت نغمة رقيقة من بيانو فأصغيت إليها حتى استكملتها فعادة نفسي إلى نشاطها - ألا يكون في هذا مثل صالح للحياة الأدبية؟ فجد وهزل، وتغن بالحرية، ونعي على الاستبداد، وتغزل في زهرة، وفكاهة حلوة. هذا يا أخي أصلح حتى من الناحية الجدية، فمن لم يله أبدا قصرت حياة جده وتقبضت نفسه، ولم يتحمل طويلا مرارة العمل، وأن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهراً أبقى. أحب أن تكون الحياة الأدبية كفرقة الموسيقى: لا طبلا فقط، ولا نايا فقط، بل هما وغيرهما، وعيب حياتنا الأدبية الحاضرة أنها رخوة فقط، فيجب أن يضاف إليها نغمات القوة، لا أن تحل النغمات القوية وحدها محل النغمات الرقيقة، فأنا إن فعلنا ذلك كان الأدب أبعث على الحياة، وأحفظ للقوة، فطمئن نفسك ولا تأس على شاعر طال ليله وأرق جفنه حبيب أعرض عنه وابتسامة احتجب عنه نورها، فمن يدرينا لعل الحب كله من واد واحد، فمن أحب فتاته أسرع استعدادا لأن يحب أمته، ويحب ربه، ومن تحجر قلبه لم يبك على شيء.

وبعد فموقف (الرسالة) كما أفهم من مبادئها يجب أن يكون الدعوة إلى تكميل النقص في الأدب العربي، وحث قادته على أن يطرقوا من الأبواب ما نحن في أمس الحاجة إليه حتى يكون أدبنا صورة تامة لنا، وحتى يكون غذاء كافيا لمختلف عواطفنا، يجب أن يكون موقفها - فوق الموقف الأدبي، موقف المصلح، فترفض أن تنشر الأدب الساقط المرذول، المضعف للخلق، المفسد للرجولة، ولكن يجب كذلك أن تفسح صدرها لنوع من الأدب لا هو بالقوي الذي تتطلب الاقتصار عليه، ولا هو بالضعيف المائع، هو أدب الحب العف، والفكاهة الحلوة البريئة، والهزل يشف عن جد، والمزح مبطنا بعظة، ونحو ذلك، ففي التزام الجد خروج إلى الجفاء، وانحدار إلى الجمود.

هذا إلى أن الرسالة يجب أن تكون بجانب دعوتها إلى الإصلاح سجلا للنزاعات الأدبية على اختلاف أنواعها ما لم تكن النزعة مستهترة، تميط قناع الحياء، وتخرق حجاب الحشمة.

وأخيرا لك الشكر (يا أخي) على ما حوى كتابك من غيرة صادقة، وعاطفة نبيلة، وما أثرت من موضوع يستحق العناية، ويدعو إلى طول التفكير.

أحمد أمين

مجلة الرسالة/العدد 23/بيير فيلليه - جوزيف بدييه

في اليوم الرابع والعشرين من شهر أكتوبر الماضي كان قطار من القطر آتيا إلى باريس من مدينة (كان) فانحرف عن طريقه وسقطت القاطرة ومعها عربات أربع في هوة عميقة، وكثر الجرحى والقتلى، وكان بين الذين حملتهم عربات الإسعاف إلى مستشفى قريب فمات فيه آخر النهار عالم أديب من علماء الفرنسيين وأدبائهم هو الأستاذ بيير فيلليه، ولم تكد الصحف تذيع نعيه حتى وقع من قلوب الأدباء المثقفين الفرنسيين موقعا أليما.

وقد طلبت مجلة العالمين إلى الأستاذ جوزيف بدييه مدير الكوليج دي فرانس وأستاذ الفقيد أن ينعاه في كلمات قصيرة إلى قرائها في العالمين فقبل رغم ما بقلبه من الحزن. وكتب صفحات مؤثرة نترجمها في ما يلي:

كان بيير فيلليه صاحب الآثار الأدبية القيمة ضريراً كما يعلم كثير من الناس، أصابته هذه الآفة بعد مولده بقليل، ولكنه لم يرض قط أن يشير في أثر من مآثره التاريخية إلى هذه الآفة، وكان يكره أن يشير إليها في مقدمة من مقدماته على أنها تعلة من التعلات أو معذرة من المعاذير. وكان يصدر في ذلك عن رأي له فضله في كتابه (عالم المكفوفين). كان يرى في هذا الكتاب عزاء لأمثاله انهم ليسوا بحال من الأحوال مغلقين كما يقول الناس، وان ليس هناك ميدان من ميادين العمل الاجتماعي أو العقلي يؤخذ عليهم ويغلق من دونهم. وان آفتهم يمكن أن تضايقهم ولكنها لا تستطيع أن تعجزهم عن العمل والإنتاج، لا يحتاجون في ذلك إلا إلى أن تكون قلوبهم قوية صلبة. وأن أشد آلامهم، أو قل ألمهم الوحيد، لأنهم لا يرون، إنما يأتيهم من هذا الإشفاق الظالم الذي يختصهم به المبصرون. وقد أراد دائما أن يعامل في مهنته التي كان يحترفها كغيره من الأساتذة، وفي كتبه التي كان يمليها كغيره من المؤلفين كما يعامل غيره من الناس، فينقد ويحكم على آثاره في غير رعاية ما بأنه ضرير.

أيجب علي الآن أن أطيع أمره وأحترم كبريائه هذه؟ لا. فان الموت قد ألغى هذا الأمر. وإذا كان من الحق أن آفته هذه هي التي بعثت في نفسه أقوى الفضائل وأحقها أن تكون قدوة ومثلا، فأني أستطيع أن أقول أن هذه الآفة نفسها هي التي منحت حياته وآثاره نصيبهما الموفور من الجمال، وكل من قرأ هذه الكلمات سيشعر بأني لا أقول هذا إشفاقا وعطفا، بل حنانا وإكبارا.

ولأجل أن أجد في نفسي أصول هذا الحنان والإكبار يجب أن أرجع بالذاكرة إلى عهد بعيد.

دخل بيير فيلليه مدرسة المعلمين العليا في سنة 1900، وكنت حينئذ معلما فيها. كان قبل ذلك تلميذا ينشأ في معهد العميان الأهلي، ثم اختلف إلى غير مدرسة من المدارس الثانوية في باريس. ثم أقتحم المسابقة لدخول مدرستنا على نفس القواعد والشروط، وفي نفس المواد التي يستبق فيها غيره من المبصرين، لا يميزه منهم إلا أنه كان يستعين بغلام أقل منه ثقافة وعلما، فكان هذا الغلام يبحث له في المعاجم، ويكتب ما يملي عليه. فنجح نجاحا حسنا. ونستطيع أن نتصور ما أدركنا نحن الأساتذة من القلق، وما أدرك رئيسنا الطيب القلب جورج بيرو. كنا نتساءل ماذا نصنع بهذا الغلام الحدث الذي كان يحسن فنون البيان في أكبر الظن، ولكنه كان ضئيلا نحيلا ضريرا. إلى أي نحو من أنحاء العلم نوجهه؟ والى أي غاية نسيره؟ ولا سيما وقد كان يقول أنه لا يحب إلا التاريخ وتاريخ الآداب خاصة، ولكن كيف كان يعرف هذا النوع من العلم؟ كنا ننظر إلى كتبه المكتوبة بالخط البارز والتي أصطحبها حين أقبل إلينا، فكنا لا نجد إلا ديوان فرجيل وبعض الآثار الفرنسية الكلاسيكية، وبعض كتب النحو، ومع أن هذه الكتب كانت تزحم غرفته فإنها لم تكن في حقيقة الأمر إلا شيئا يسيرا جدا مما يستعين به التلاميذ. ماذا كان يتصور من أمور البحث التاريخي ومصاعبه؟ ألم يكن حقا علينا أن نوجهه إلى نحو من أنحاء هذا البحث العقلي الذي يمكن أن يعتمد فيه الباحث على تفكيره الخاص، فان صاحب ما بعد الطبيعة أو الأخلاق أو المنطق أو فقه اللغة، يستطيع إلى حد ما أن يعتمد على نفسه. فكان علينا إذن أن نبين له إلى أي حد يعرض نفسه لخيبة الأمل إن مضى في طلب التاريخ، وأن نمحو هذه الآمال التي كان يعلل نفسه بها. ولكني رأيت إلحاحه وحزنه، فاعتزمت سرا أن أخضعه لامتحان لا يعلم به أحد.

فكلفته أن يهيئ بحثا عن أسطورة من أساطير لافونتين، وهي أسطورة الطحان وأبنه والحمار، ليلقيه في محاضرة قريبة. فقبل محزونا لأني كنت قد كلفت رفاقه بأبحاث أخرى أوسع من بحثه وأعظم خطرا، وكان يحس أني كنت أريد أن أحصره دائما في التمرينات المدرسية التي كان قد شبع منها حتى أدركته التخمة قبل أن يدخل مدرسة المعلمين، ولم يكن يطمئن إلى هذا الموضوع إلا حين أنبأته بأن أستاذي جاستون باري قد خصص له صفحات عشرا في بحثه المعروف عن القصص الشرقي وأثره في الأدب الفرنسي. وكنت أكلفه أن يدرس هذه الأسطورة، لا في صورتها الكثيرة التي اختلفت عليها. ولم أدله إلا على هذا المرجع ثم انتظرت:

وبعد ستة أسابيع أو بعد شهرين ألقى الدرس الذي طلب إليه. فيا له من دهش عم رفاقه في قاعة المحاضرات! ويا له من فرح ملأ قلبي! فأنه لم يكتف كما كان غيره يكتفي بالتفكير في هذه النصوص الخمسة أو الستة التي رواها جاستون باري: فقد اهتدى لا أدري من أي طريق إلى مجلة (بنفى) (الشرق والغرب) حيث كان (جودوك) قد أخذ منذ سنة 1860 يسجل مجموعات من الأساطير الشعبية، وما هي إلا أن أراه قد استطاع أن يستكشف نصوصا عشرة أهملها جاستون باري عمدا أو خطأ. هنالك أعلنت مكيدتي وهي أن أعرض على هذا الطالب الجديد أيسر بحث في ظاهر الأمر، هذا البحث الممهد المطروق لأتبين من أمره ما أريد، ولأعلم أيكتفي بإعادة ما قرأ، أم يحاول أن يأتي بشيء جديد، وبينت لرفاقه مصاعب هذا البحث عن الأساطير. وقد كان الناس كلفين به في ذلك الوقت، وبينت لهم ما يحتاج إليه الباحث المجد من الجهد والاستقصاء لاستكشاف الصور المختلفة لهذه الأساطير في كتب غامضة مهجورة، ثم أنبأتهم بأن جهدا خصبا منتجا للاستقصاء العلمي قد ظهر في هذا اليوم.

وما لي أطيل الوقوف عند هذه القصة كأني أريد أن أتحدث عن نفسي، ذلك لأبين أولاً كيف كانت الحياة قديما في مدرسة المعلمين، كيف كانت صورة من صور التعاون بين الأصدقاء، يعطي الأساتذة فيها من أنفسهم أكثر ما يستطيعون إعطاءه، ولكنهم يأخذون من طلابهم مثل ما يعطون، ثم لأن بيير فيلليه كثيرا ما كان يذكرني بهذه القصة فيما بعد، في ذلك اليوم أعلن بعض الطلبة المتقدمين الذين لم يسبقهم كثيرون أنه مؤمن بهذا الشاب الضرير واثق بفوزه في هذا النوع من البحث الذي يميل إليه.

ولكن هذا الشاب - بيير فيلليه - وجد في الوقت نفسه بين أساتذته ورفاقه من أعانه على قطع هذه الطريق. وكان منهم الظريف (بيير موريس ماسون) والجاد (جبرييل ليرو) وكلامها سقط في ميدان الشرف أثناء الحرب الكبرى، ومنهم بول ازار، وأوجين البرتيني، وتراشيه، وموريت، وبيير كومير، ولويس ريو، وألكسندر جوانو، واميه برتو، وجاك شيفالييه. . . وكم أحب أن أسميهم جميعا هؤلاء الأصدقاء الذين كانوا مثله في سن العشرين، والذين أعطوه وأخذوا منه أحسن المثل وأقومها. بهذه التجربة وبتجارب أخرى أمثالها اثبت بيير فيلليه أثناء الأعوام الثلاثة التي قضاها في المدرسة أنه كان قادرا على النهوض بأعباء الاستقصاء العلمي وبأثقلها وأشدها تعقيدا.

ومن هنا دهشت البيئات العلمية، ولم ندهش نحن حين أظهر في سنة 1908، بعد أن ظفر بإجازة الأجر بجاسيون - وبعد أن أتم دراسته في معهد تيير في ظل أميل بوترو الذي لقيه أحسن لقاء - كتابه الأول الذي عرض فيه مصادر كتاب - تطور فصوله.

وكان قد فكر في هذا الكتاب أثناء إقامته في مدرسة المعلمين وشجعه على ذلك الأستاذ جوستاف لنسون، ولأجل أن يبلغ من هذا البحث ما يريد، بدأ فنسخ كتاب مونتيني بيده خطا بارزا فكانت نسخته تبلغ عشرين مجلدا. ثم وضع حكم مونتيني وتجاربه في قصاصات من الورق، وكانت هذه القصاصات التي رتبها على حروف المعجم تملأ صندوقا ضخما لم يفارقه أعواما طوالا. وكذلك تسلح بهذه الأدوات وحفظ كتاب مونتيني عن ظهر قلب على اختلاف نسخه، ثم أخذ يبحث عن مصادره. فمن أراد أن يقدر هذه المحولة فليلاحظ ما أحاط بها من الظروف. فقد كان يجب أن يقرأ عليه كل المؤلفين الذين نقل عنهم مونتيني، وكل المؤلفين الذين كان يرجح أن مونتيني قد عرفهم في التراجم اللاتينية التي كانت معروفة في وقته، مثل سكستوس امبيريكوس، كزينوفون، ديوجين، لارس، أفلاطون، وفي التراجم الفرنسية المعروفة في ذلك الوقت تيودور الصقلي، هيرودوت، اريانوس، وفي النصوص الأولى من لوكريس إلى فاليريوس مكسيموس، أي كل ما كتبته روما القديمة تقريبا. ثم ما كتبه علماء النهضة من ارسم إلى جوست ليس. وإذنفقد بذل بيير فيلليه جهده هذا في قراءة ألف من الكتاب، ويمكن أن نقدر غنيمته المادية من هذا الجهد إذا نظرنا في الجزء الرابع من طبعته لكتاب مونتيني التي ظهرت سنة 1920 ورأينا المراجع وقد رتبها على حروف المعجم بثمانية آلاف مرجع تتصل بأربعمائة من المؤلفين كتبوا باليونانية واللاتينية والإيطالية والفرنسية.

وبنحو هذه الطريقة وبمعونة طائفة من القراء كانوا يعيرونه أبصارهم إعارة آلية استطاع أن يتتبع تأثر المؤلفين والكتاب بمونتيني، فأظهر كتاب مونتيني ولوك وروسو، ثم مونتيني وبيكون، ثم مونتيني والألاهيين الإنجليز. هذه عنوانات لطائفة من أبحاثه ظهرت كتبا أو رسائل. وهذا النحو من إظهار استعارة المؤلفين بعضهم من بعض أو تقليد المؤلفين بعضهم لبعض لا يعني أصحاب الاستقصاء من العلماء وحدهم، وإنما يمكن أن يقال في كتبه كلها ما قاله أميل بوترو حين قرأ كتابه الأول: (انه يظهر في هذا الكتاب مفكرا مرويا، ماهرا، نفاذا، فيلسوفا، يمس بدقة غريبة أخفى الفروق. وما بين الأفكار والآراء من صلات)

ولكن أتراه أنفق جهده الضعيف الخصب كله في درس مونتيني؟ ألم ينته إلا إلى طبعه كتاب مونتيني التي ظهرت سنة 1922 والتي وصفها أخصائي ماهر هو المسيو هنري شمار فقال إنها توشك أن تبلغ الكمال. كلا. فلنذكر كتابه الذي سماه مصادر الآراء في القرن السادس عشر، أو كتابه عن المصادر الإيطالية لمقالة الدفاع عن اللغة الفرنسية الذي يظهر فيه بين ما أظهر من الغرائب أن القسم الذي يثبت فيه دبيلليه مساواة اللغة الفرنسية للاتينية واليونانية ليس إلا ترجمة من كتاب سبرون سيروني ألفه في مدح اللغة التسكانية. ولنذكر أبحاثه عن دوبينيه وأبحاثه عن مونلوك، وأحدث كتبه الكبرى (مارو ورابليه). فهو قد عنى بروضته وهي هذه الروضة النضرة روضة النهضة الفرنسية، فلم يهمل منها شيئا. ثم هو لم يكتف بخدمة الآداب، وإنما أنفق أعظم جهده المادي والعقلي والشعوري في الإحسان إلى أصدقائه المكفوفين. فعاش كما عاش فالنتان هاوى، وبراي، وموريس دي لاسيزيران. وقد أستحق من المكفوفين تقديس ذكراه بكتابه (عالم المكفوفين) وكتابه (تربية المكفوفين) وبإحسانه إليهم في غير انقطاع.

أما حياته الخاصة، أما المعونة التي وجدها عند زوجه بنت أميل بوترو التي تأثرت بوفاء أمها لأبيها، فلم تفارق زوجها يوما واحدا والتي كادت تموت معه يوم 24 أكتوبر، فلا أستطيع أن أشير أليها إلا في خفة وسرعة، وحرص شديد على ما ينبغي من التحفظ. ولكن جميع الذين عرفوا بيير فيلليه وأحبوه يرون من الخير والعدل أن أقول فيه ما قاله مونتيني حين تحدث عن صديقه ايتين دي لابويسي: (إني أعرف كثيرا من الناس يمتازون بأنحاء من الخير والجمال، هذا يمتاز بالعقل، وهذا يمتاز بالقلب، وهذا يمتاز بالمهارة، وهذا يمتاز بالضمير، وهذا يمتاز بالحديث، وهذا يمتاز بعلم، وهذا يمتاز بعلم آخر، أما هذا فقد كان حقا ذا نفس مليئة وكان يستقبل الأشياء كلها أحسن استقبال: نفسا من تلك النفوس التي وسمها القدم بسمة العتق والرقي الصحيح).

مجلة الرسالة/العدد 23/فلسطين. - أحمد حسن الزيات

بين حديد الانتداب الذي يأكل الأجسام، وذهب الصهيونية الذي يأكل الأرض، يعيش العربي في فلسطين عيش المحكوم عليه بالقتل أو النفي، إذا سلم له بدنه، لا يسلم له وطنه؛ وما هذه الصرخة التي صرخها فصكت المسامع الصم، وبلغت الضمائر الغلف، إلا العارض المنذر في الحي بالضر يلُوعه، أو الخطر يَرُوعه، أو الظلم يحيق به!

وأن الصرخة للحياة تسلب، أو للديار تغصب، لهي الصرخة التي يدوي فيها صوت الحق، ويمتزج بها أنين العدل، ويضطرب فيها احتجاج الإنسانية على قوم اتخذوها حِيالة لإستعمار الأوطان، ووسيلة لاستعباد الأمم

كانت البربرية في العهود الخوالي تغزو سفارة الوجه، وتنهب ظاهرة اليد، وتقول صريحة العبارة، وتعمل واضحة الغاية؛ فجاءت مدنية اليوم فوضعت اليد الحمراء في القفاز الأبيض، والفريسة بمعاهدات الصداقة ومؤتمرات السلم، وصاغت معاني القوة والغصب في ألفاظ القانون ومصطلحات العلم، وأشفقت على شعور الإنسانية فسمت الاسترقاق تمدينا، والاغتصاب انتدابا، والحماية وصاية؛ وعمَّقت أغوار القلوب السياسية فلا تعرف لماذا حرمت بيع إنسان لإنسان، وحللت بيع شعب لشعب!

هذه أمة من أسبق الأمم قدما في المدنية، وأعرق الشعوب نسبا في الحرية، تسير على دستور رفيع الدعائم أثيل المنبر، ولم يمنعها عرفها الموروث ولا شرعها القائم أن تبيع فلسطين العربية جهراً لنفايات اليهود، وليس العرب من مماليكها، ولا فلسطين من أملاكها! ثم تسخِّر لضمان هذا البيع الباطل قوة الحكومة وسلطان الدستور، وتمثل تحت العلم البريطاني وعلى مواطن المسيح أروع مآسي العدالة!!

سلطوا على البلاد الجوع وأرسلوا من ورائه الذهب! فكأنهم قالوا للعربي البائس: أما الوطن ولا حياة، وأما الحياة ولا وطن! فأما الذين قهرهم الفقر وبهرهم المال فقد باعوا أنفسهم وأهليهم بيع الغبن للدخيل، وأما بقايا السيوف وأحفاد الفاتحين فآثروا أن يدفنوا أعزة في ثراها العزيز، على أن يتركوها أذلة لليهود والإنجليز، فدافعوا الأزمة بالصبر، والانتداب بالعزم، والصهيونية بالمقاطعة، وأروا هذه القوى الثلاث التي حالف بينها الباطل أن العربي الذي غزا العالم ولا يمسك رمقه إلا قبضة من سويق وشفافة من ماء، لا يُخذل من قلة، ولا يفشل من جوع! لك الله يا فلسطين! لشد ما تكابدين من عسف القوى وكيد الغني وقسوة الظالم!!

إن دموعك منذ الفاجعة لم ترقأ، وجروحك منذ الواقعة لم تندمل، وصوتك الجازع المكروب لا يزال يجلجل في أعماق الشرق وآفاق العروبة مستغيثا من الخطب الذي ناء بألمانيا وأنقضَ ظهر الدول! ولكن بنيك البواسل يا فلسطين يتنافسون في مجد الموت وشرف التضحية! فهل تخشين أن يعيث في أديمك المقدس عائث، وأنت ترين شبابك الميامين يخوضون غمرة الهول وراء زعيمهم الشيخ، وصدره الواهن مشبوب بعزم آبائه، وشعره الأبيض مخضوب بدم أبنائه؟

الوطن العربي اليوم في البلاء سواء. لأنه فقد الروح الفتية التي كانت تعمره، والحيوية القوية التي كانت تغمره، وأصبح هيكلا متهدم الجرف لا يملك بعضه بعضا.

على إن فزعته الإجماعية لمظلمة فلسطين تبعث الأمل في عودة تلك الروح ورجعة هذه الحيوية. ولعلها فزعة المغيث المسعف لا فزعة النادب الآسف! فان مصاب فلسطين لا ينفع فيه البكاء ولا يدفع منه الخزن

إن فاجعة وادي الحوارث صورة صغيرة لمصير فلسطين إذا استنام أهلها للوعود، وبيعت أرضها لليهود، وقبض العرب أيديهم عن معونة إخوانهم على دفع هذا الخطب.

وان دول الأرض جمعاء لتعجز عن إيفاء وعد بلفور ما دامت الأرض في يد العرب، فإذا ما استنزلوا عنها بأغلاء الثمن وإغواء الذهب شتتهم القانون وحده تحت كل كوكب.

فان اليهودي إنما جاء فلسطين ليشتري وطنا يستعمره، لا حقلا يستثمره، فكل شبر من الأرض يخرج من يد العربي يدخل إلى الأبد في يد اليهودي، ويومئذ لا يرده إلى أهله احتجاج ولا تظاهر.

وما الاحتجاج والتظاهر إلا إعلان للحق لا دفاع عنه.

والدفاع المنتج عن فلسطين أقواه وسيلتان:

أن يأخذ الزعماء والعلماء موثقا من الشعب إلا يبيع المضطر أرضه لغير العربي مهما خدعته المطامع ودلاه الطامع بغرور.

أن يقوموا بدعاية منظمة قوية في الأقطار العربية، وعلى الأخص في مصر، إلى تأليف الشركات العقارية لاستعمار فلسطين.

والعرب الذين فُطروا على نُصرة الأخ، ونجدة الصريخ، ومعونة الضعيف، لا يعرضون عن يد فلسطين التي تمتد، وصوتها الذي يهيب:

فان كنتُ مأكولا فكن خير آكلٍ ... وإلا فأدركني ولما أُمَزَقِ
أحمد حسن الزيات

مجلة الرسالة/العدد 23



بتاريخ: 11 - 12 - 1933


مجلة الرسالة/العدد 38



بتاريخ: 26 - 03 - 1934

مجلة الرسالة/العدد 17



بتاريخ: 15 - 09 - 1933

مجلة الرسالة/العدد 10


بتاريخ: 01 - 06 - 1933

مجلة الرسالة/العدد 1/مصر في دورة الفلك - محمد عوض محمد

للدكتور محمد عوض محمد

الأستاذ بمدرسة التجارة العليا

على الرغم مني أعود إلى التفكير فيك، وعبثاً أحاول أن أصرف فكري إلى حديث غير حديثك، وذكر غير ذكرك. .

ولماذا أصرف فكري عنك؟

ألأني آلم إذ أفكر فيما تعانين، وما قد عانيت على مر السنين؟ ألم تعد في النفس بقية من الشجاعة؛ فأقابل بها الحقيقة؛ وإن كان أعذب ما فيها علقماً مريرا؟. .

ألعلي أخشى أن أدمنت التفكير فيك، أن أكون أبداً مقطب الجبين، سجين الكآبة، ثائر الفؤاد؛ لا أستقر على قرار، ولا أعرف للحياة لذة: فلا يبسم لي ثغر، ولا تقر لي عين؟

لماذا أصرف الفكر عنك؟

ألأني رويت من نميرك، وغذيت من ثراك، ونشقت من نسيمك، ورتعت في رياضك، وأظلني دوحك، وأطربني شدو غناء أطيارك. وهداني بدرك المنير إلى سر الجمال، وسماؤك الصافية إلى وحي الخيال، ونجومك اللامعة إلى جلال الكون، وشمسك المشرقة إلى قدرة الخالق؟

مع هذا أحاول أن أصرف فكري عنك؟ فأي عقوق هذا العقوق؟ وأي جحود هذا الجحود؟

أي مصر؟

لقد كنت من قبل عظيمة جليلة. كنت من قبل ورأسك يسامي النجم. وقد ترامت على أقدامكِ الأمم؛ لتقتبس منك النور؛ وتلتمس منك الهداية. لقد كنت وفي كفك الهائلة صولجان من الذهب ذو كرة مشرقة لامعة. يوم أن كانت الشعوب الأولى في ظلامها الحالك؛ مالها موئل غيرك؛ يوم لا نور إلا نورك؛ ولا هدى إلا هديك.

كانت في كفك كنوز الحضارة؛ وكنت تنثرينها بسخاء؛ للقريب والبعيد. فباتوا وهم أغنياء بما التقطوا من خيراتك، وما اقتبسوا من هباتك.

ثم حالت الحال، فأمسيت وقد تحطم الصولجان، وكسر الجناح وانتُهك الحمى! وذُلَ الأنف العزيز وانسَكَبَ الدمع العصي!! فماذا دها الكون؟ وأي إصبع قد أدارت الفلك تلك الدورة الهائلة، حتى قلبته رأساً على عقب؟

يقولون إنك قد عقمت!. .

عقمت فأصبحت لا تلدين الأحرار، ولم يعد ثراك ينبت الأبطال! أجل يزعمون أن تُربَتكِ لم تعد تخرج إلا الزعانف والقزم: الذين همهم من العيش شهواتهم. ويعيشون فوق ثراك كالحشرات الطفيلية، يستمرئون خيره، ويحتسون رحيقه، ثم لا يخطر لهم أن يذودوا عن حوض رواهم، وموئل آواهم، ودوحة أظلهم فرعها وغذاهم ثمرها. . ما هم بالرجال ولا بأشباههم، ولا يجري في عروقهم دمٌ، بل جبن مذل. وخنوع مهين!

يقولون هذا كله عن بنيك يا مصر. فيا ليتهم كذبوا فيما أدعوه ويا ليت بنيك ينهضون لتكذيبهم!

أي مصر!

يقولون أن العام ربيع بعده صيف، يتلوهما خريف وشتاء. فهل مضى ربيعان وبان؟

أكتب لك الشتاء الأبدي والزمهرير السرمدي؟

إن كان هذا حكم الدهر فما أجوره! إن كان هذا حكم القضاء فما أقساه!

مجلة الرسالة/العدد 1/حوادث وأحاديث - أحمد حسن الزيات


شوقي وحافظ
تصدر الرسالة والأسى لا يزال يرمض القلوب على حافظ وشوقي. ولئن رمت المنون لسانيهما الذليقين بالصمت الأبدي، فقد تركت حظيهما يتنازعان الذكر على ألسن الناس. وكان حظ شوقي في مماته كما كان في حياته شديد السطوع قوي البهر فكسف حظ أخيه! وكاد حافظ البائس يضيع في شوقي المجدود كما ضاع موت المنفلوطي في موت سعد!

كان لشوقي المأتم الحافل، والتأبين الفخم، والوفود تترى، والحفلات تقام، والمراثي تفيض بها الصحف، والحكومة تطبع كل ذلك بالطابع الرسمي، فتزيده أبهة وروعة! وكان لحافظ المأتم المتواضع، والجنازة الصامتة، والتأبين الموعود، وأصدقاء خلص يئنون في كل حين أنة، ثم يتركونها تتلاشى كما يتلاشى الرجع البعيد!!

الزعامة والشعر
خلا ميدان الشعر فجأة من قائديه العظيمين فحدث في صفوف الشعراء اضطراب وفوضى! وقام في (السقيفة) المقلدون والمجددون يقولون: منا أمير ومنكم أمير! وهناك أرسل الدكتور طه حسين حُكمه المعروف فزاد الخلاف شدة والجدال حدة! قضى للعراق بأمارة الشعر التقليدي. فغضبت مصر! وكان الأستاذ الهراوي أشد المصريين حنقاً وأعنفهم خصومة. فهو يقول في إستنكار وأنفة. إنه بايع الشاعرين، مبايعة علي للشيخين! ثم ينشد في ذلك أبياتاً فيها معارضة وفيها شدة وفيها جمال، وينتهي إلى أن هذا الحُكم قد أخزى مصر وقضى على نهضة الشعر!! ثم يعود فيستطرد إلى لوم الناقدين والمجددين، وينعى على وزارة المعارف إنصرافِها عن تعضيد الشعر، ويقترح عليها، والله أن تنشئ في ديوانها قلماً يسمى قلم الشُعراء تحمل عنهم فيه أكلاف العيش، وتغلق عليهم باب الغرفة، ثم تقول لهم: قولوا شعراً! ونسي صديقنا الهراوي أن يطلب إلى الوزارة أن تزود كل شاعر بسبحة يعد عليها أبيات الشعر، كما يعد صوفيو التكية كلمات الذكر!!
أما شعراء الشباب الذين لا يجرون على أسلوب الهراوي والزين والكاشف ومحرم ونسيم؛ فهم راضون ببراءة مصر من معرة التقليد ماضون كل المضي إلى التفوق والتميز من طريق الإنتاج والتنافس.

وسورية؟

وسورية التي تجعل من خمائلها ورباها وادي عبقر، وتدل بشعرائها المجددين في الوطن والمهجر، لا يرضيها أن تمر الزعامة بأراضيها إلى العراق دون أن تحيّ أو تلتفت على الأقل! فلقد هبت (العاصفة) تدافع رأي الدكتور في حدة وعنف، وتقول مع السيد نجار: ما للدكتور يرسل الزعامة إلى العراق في طيارة، وكان يكفيه أن يرسلها إلى صاحبها مطران في سيارة.؟

والعراق؟

والعراق هل اغتبط بهذه الزعامة؟ أما الرصافي فيرجو أن يكون خليفة لشوقي وحافظ ثم يسعه ما وسعهما من حُكم التاريخ وتقدير النقد. وأما الزهاوي فأنا اعلم إنه يؤثر أن يكون في ساقة المجددين على أن يكون في طليعة المقلدين. والظاهر أن شعراء العراق قد سرهم هذا التفضيل على علاته، ولكن ساءهم أن يوجه إلى شاعرين معينين. فقد نشر (أديب متقاعد) في جريدة الأخبار البغدادية فصلاً قيماً ينكر فيه استعمال الإمارة والدولة في لغة الشعر ويتساءل عمن جاد على شعراء مصر بهذه الألقاب، ويلاحظ بالحق حرص المصريين على الألقاب وزهد العراقيين بها. ويشكر للدكتور طه ترجيحه العراق على أية حال، ولكنه ينكر رأيه في تعيين جهة الزعامة، (لأنه رأي فرد بعيد عن العراق فلا يصح الاستناد إليه في حكم من الأحكام).

ثم تعصف النخوة في رأس الشاعر الشَاب محمد مهدي الجواهري فيرسل إضبارة كبيرة من شعره إلى الدكتور طه وكأنه يقول له: لو كنت قرأت هذا الشعر لما وجهت الزعامة إلى غير هذا الشاعر!

وإذن؟!

وإذن نستميح صديقنا الدكتور أن يدعها الآن فوضى حتى تسفر جهود الشباب عن عبقرية هذا الزعيم!. .

شوقي وحافظ

تصدر الرسالة والأسى لا يزال يرمض القلوب على حافظ وشوقي. ولئن رمت المنون لسانيهما الذليقين بالصمت الأبدي، فقد تركت حظيهما يتنازعان الذكر على ألسن الناس. وكان حظ شوقي في مماته كما كان في حياته شديد السطوع قوي البهر فكسف حظ أخيه! وكاد حافظ البائس يضيع في شوقي المجدود كما ضاع موت المنفلوطي في موت سعد!

كان لشوقي المأتم الحافل، والتأبين الفخم، والوفود تترى، والحفلات تقام، والمراثي تفيض بها الصحف، والحكومة تطبع كل ذلك بالطابع الرسمي، فتزيده أبهة وروعة! وكان لحافظ المأتم المتواضع، والجنازة الصامتة، والتأبين الموعود، وأصدقاء خلص يئنون في كل حين أنة، ثم يتركونها تتلاشى كما يتلاشى الرجع البعيد .

الزعامة والشعر
خلا ميدان الشعر فجأة من قائديه العظيمين فحدث في صفوف الشعراء اضطراب وفوضى! وقام في (السقيفة) المقلدون والمجددون يقولون: منا أمير ومنكم أمير! وهناك أرسل الدكتور طه حسين حُكمه المعروف فزاد الخلاف شدة والجدال حدة! قضى للعراق بأمارة الشعر التقليدي. فغضبت مصر! وكان الأستاذ الهراوي أشد المصريين حنقاً وأعنفهم خصومة. فهو يقول في إستنكار وأنفة. إنه بايع الشاعرين، مبايعة علي للشيخين! ثم ينشد في ذلك أبياتاً فيها معارضة وفيها شدة وفيها جمال، وينتهي إلى أن هذا الحُكم قد أخزى مصر وقضى على نهضة الشعر!! ثم يعود فيستطرد إلى لوم الناقدين والمجددين، وينعى على وزارة المعارف إنصرافِها عن تعضيد الشعر، ويقترح عليها، والله أن تنشئ في ديوانها قلماً يسمى قلم الشُعراء تحمل عنهم فيه أكلاف العيش، وتغلق عليهم باب الغرفة، ثم تقول لهم: قولوا شعراً! ونسي صديقنا الهراوي أن يطلب إلى الوزارة أن تزود كل شاعر بسبحة يعد عليها أبيات الشعر، كما يعد صوفيو التكية كلمات الذكر!!

أما شعراء الشباب الذين لا يجرون على أسلوب الهراوي والزين والكاشف ومحرم ونسيم؛ فهم راضون ببراءة مصر من معرة التقليد ماضون كل المضي إلى التفوق والتميز من طريق الإنتاج والتنافس.

وسورية؟

وسورية التي تجعل من خمائلها ورباها وادي عبقر، وتدل بشعرائها المجددين في الوطن والمهجر، لا يرضيها أن تمر الزعامة بأراضيها إلى العراق دون أن تحيّ أو تلتفت على الأقل! فلقد هبت (العاصفة) تدافع رأي الدكتور في حدة وعنف، وتقول مع السيد نجار: ما للدكتور يرسل الزعامة إلى العراق في طيارة، وكان يكفيه أن يرسلها إلى صاحبها مطران في سيارة 

والعراق؟

والعراق هل اغتبط بهذه الزعامة؟ أما الرصافي فيرجو أن يكون خليفة لشوقي وحافظ ثم يسعه ما وسعهما من حُكم التاريخ وتقدير النقد. وأما الزهاوي فأنا اعلم إنه يؤثر أن يكون في ساقة المجددين على أن يكون في طليعة المقلدين. والظاهر أن شعراء العراق قد سرهم هذا التفضيل على علاته، ولكن ساءهم أن يوجه إلى شاعرين معينين. فقد نشر (أديب متقاعد) في جريدة الأخبار البغدادية فصلاً قيماً ينكر فيه استعمال الإمارة والدولة في لغة الشعر ويتساءل عمن جاد على شعراء مصر بهذه الألقاب، ويلاحظ بالحق حرص المصريين على الألقاب وزهد العراقيين بها. ويشكر للدكتور طه ترجيحه العراق على أية حال، ولكنه ينكر رأيه في تعيين جهة الزعامة، (لأنه رأي فرد بعيد عن العراق فلا يصح الاستناد إليه في حكم من الأحكام).

ثم تعصف النخوة في رأس الشاعر الشَاب محمد مهدي الجواهري فيرسل إضبارة كبيرة من شعره إلى الدكتور طه وكأنه يقول له: لو كنت قرأت هذا الشعر لما وجهت الزعامة إلى غير هذا الشاعر!

وإذن؟!
وإذن نستميح صديقنا الدكتور أن يدعها الآن فوضى حتى تسفر جهود الشباب عن عبقرية هذا الزعيم!. .

مجلة الرسالة/العدد 1/الرسالة - أحمد حسن الزيات


. . . وأخيراً تغلب العزم المصمم على التردد الخوار فصدرت الرسالة: وما سلط على نفوسنا هذا التردد إلا نُذُر تشاع وأمثال تروى. . وكلها تصور الصحافة الأدبية في مصر سبيلا ضلت صواها وكثرت صرعاها فلم يوفِ أحد منها على الغاية، والعلة أن السياسة طغت على الفن الرفيع، والأزمة مكنت للأدب الرخيص، والأمة من خداع الباطل في لَبْس من الأمر لا تَمَّيز ما تأخذ مما تدع! فلما تناصرت على هذه الوساوس حجج العقل، ونوازع الواجب، وعِدَات الأمل، أُصبحت الأسباب التي كانت تدفع إلى النكول بواعث على الإقدام وحوافز للعمل، لأن غاية (الرسالة) أن تقاوم طغيان السياسة بصقل الطبع، وبهْرجَ الأدب بتثقيف الذوق، وحيرة الأمة بتوضيح الطريق.

أجل هذه غاية الرسالة! وما يَصْدِفنا عن سبيلها ما نتوقع من صعاب وأذى، فإن أكثر الناهضين بها قد طووا مراحل الشباب على منصة التعليم، فلا يعييهم أن يُخلقوا بُرْد الكهولة على مكتب الصحافة، والعملان في الطبيعة والتبعة سواء، ومن قضى ربيع الحياة في مجادب ذلك، لا يشق عليه أن يقضي خريفها في مجاهل هذا!

أما مبدأ الرسالة فربط القديم بالحديث، ووصل الشرق بالغرب. فبربطها القديم بالحديث تضع الأساس لمن هار بناؤه على الرمل، وتقيم الدَّرَج لمن استحال رقيه بالطفور! وبوصلها الشرق بالغرب تساعد على وجدان الحلقة التي ينشدها صديقنا الأستاذ أحمد أمين في مقاله القيمبهذا العدد. والرسالة تستغفر الله مما يخامرها من زهو الواثق حينما تَعِد وتتعهد. فإن اعتمادها على الأدباء البارعين والكتاب النابهين في مصر والشرق العربي، واعتصامها بخلصانها الأدنين من أعضاء لجنة التأليف والترجمة والنشر، وهم صفوة من خرَّجت مصر الحديثة في مناحي الثقافة، إذا اجتمعا في نفسها مع ما انطوت عليه من صدق العزم وقوة الإيمان أحدثا هذه الثقة التي تِشيع في الحديث عن غير قصد.

على أن للرسالة من روح الشباب سندا له خطره وأثرهُ، فإنهم أحرص الناس على أن يكون لثقافتهم الصحيحة مظهر صحيح. وما دامت وجهة الرسالة الأحياء والتجديد، وطبيعة الشباب الحيوية والتجدد، فلا بد أن يتوافيا على مشروع واحد!

فإلى أبناء النيل وبَردى والرافدين نتقدم بهذه الرسالة، راجين أن تضطلع بحظها من الجهد المشترك في تقوية النهضة الفكرية، وتوثيق الروابط الأدبية، وتوحيد الثقافة العربية، وهي على خير ما يكون المخلص من شدة الثقة بالمستقبل.

وقوة الرجاء بالله.

أحمد حسن الزيات