الصفحات

البحث الذكي داخل المدونة

تحميل وطباعة هذه الصفحة

Print Friendly and PDF

السبت، 17 ديسمبر 2022

القضية 8 لسنة 5 ق جلسة 6 / 3 / 1976 المحكمة العليا "دستورية" ق 32 ص 345

جلسة 6 من مارس سنة 1976

برئاسة المستشار محمد عبد الوهاب خليل نائب رئيس المحكمة وعضوية المستشارين عادل عزيز زخاري وعمر حافظ شريف نائبي رئيس المحكمة ومحمد بهجت عتيبة وأبو بكر محمد عطية وطه أحمد أبو الخير ومحمد فهمي حسن عشري وحضور المستشار محمد كمال محفوظ مفوض الدولة والسيد/ سيد عبد الباري إبراهيم أمين السر.

-----------------

(32)

القضية 8 لسنة 5 ق "دستورية"

(أ) محكمة عليا - ولايتها في رقابة دستورية القوانين - ليست جهة طعن بالنسبة الى محكمة الموضوع - الدفع بعدم اختصاص محكمة الموضوع - محكمة الموضوع - دون المحكمة العليا - صاحبة الولاية في الفصل فيه .

(ب) دعوى دستورية - المصلحة فيها . المصلحة الأدبية تكفي لقبولها 

(ج) تفويض تشريعي - بيان الشروط اللازمة لسلامة التفويض وصحته وفقا للدستور - الغرض الذي استهدف الشارع الدستوري من هذه الشروط.

(د) تفویض تشریعی - القانون رقم ١٥ لسنة ١٩٦٧ بتفويض رئيس الجمهورية في اصدار قرارات لها قوة القانون - صدوره في ظروف استثنائية تبرره .

(هـ) تفویض تشریعي  - مدة التفويض - القانون رقم ١٥ لسنة ١٩٦٧ المشار اليه - ربطه بالظروف الاستثنائية التي اقتضت اصداره يتوافر معه شرط تحديد مدة التفويض.

(و) تفویض تشریعي - موضوع التفويض - القانون رقم ١٥ لسنة ١٩٦٧ المشار اليه - المادة الأولى منه - شطرها الأول - تحديده موضوعات معينة يجرى فيها التفويض . اتسام هذا التحديد بالسعة - املته الظروف الاستثنائية التي صدر فيها - ماتضمنته العبارة الاخيرة من المادة المذكورة من تفويض عام - لا ينفي عن الشطر الأول من النص شرط استيفانه لشرط التعيين بالنسبة الى الموضوعات المحددة فيه .

(ز) تفویض تشریعي - اسس التفويض - القانون رقم ١٨ لسنة ١٩٦٧ المشار اليه. ارسی اساسا عاما يقيد السلطة التنفيذية فيما تصدره من من قرارات تفويضية - بيان ذلك .

(ح) تفویض تشریعی - مبدا سيادة القانون - التفويض التشريعي الذي تضمنه القانون رقم ١٥ لسنة ١٩٦٧ بالضوابط والقيود التي صدر على مقتضاها - لا يتعارض مع مبدأ سيادة القانون - بيان ذلك .

(ط) تفويض تشريعي - القرارات بقوانين التي يصدرها رئيس الجمهورية بناء على هذا التفويض لها قوة القانون - اثر ذلك - هذه القرارات تتناول كل ما يتناوله التشريع الصادر من السلطة التشريعية بما في ذلك الموضوعات التي نص الدستور على أن يكون تنظيمها بقانون.

(ی) تفویض تشریعی - حكمه فى الدستور الفرنسي - الفتوى الصادرة من مجلس الدولة الفرنسي في ٦ من فبراير سنة ١٩٥٣ - تعتبر كاشفة لحكم المادة ١٣ من الدستور الفرنسي الصادر سنة ١٩٤٦ فى حظر التفويض التشريعي في الموضوعات المحجوزة للبرلمان - تغير الحكم في الدستور الفرنسي الصادر سنة ١٩٥٨ - المادة ٣٨ من هذا الدستور إجازتها التفويض التشريعي فى الموضوعات المحتجزة للقانون بموجب الدستور بيان ذلك .

(ك) قرارات تفويضية - القرار بقانون رقم ٤٨ سنة ١٩٦٧ بإنشاء محكمة الثورة - له قوة القانون - اثر ذلك - له ان يتناول بالتنظيم الموضوعات التي عينها قانون التفويض الذي صدر بالاستناد إليه ولو كانت من الموضوعات التي نص الدستور أن يكون تنظيمها بقانون .

(ل) محكمة الثورة - الختصاص فضائي - المادة الأولى من القرار بقانون رقم ١٨ سنة ١٩٦٧ المشار اليه - تخويلها رئيس الجمهورية سلطة احالة الجرائم المنصوص عليها فيها الى محكمة الثورة - هذه السلطة مقصورة على الجرائم التي أوردها النص وتتم في نطاق الاختصاص الذي عينه القرار بقانون للمحكمة - اثر ذلك ـ لا ينطوي تخويل رئيس الجمهورية هذه السلطة على تعديل اختصاص جهات القضاء الأخرى بيان ذلك .

(م) محكمة الثورة - سلطة التحقيق والادعاء - المادة الرابعة من القرار بقانون رقم 48 لسنة ١٩٦٧ المشار اليه - تخويلها رئيس الجمهورية تحديد من يمثل سلطة التحقيق والادعاء بالنسبة الى الدعاوى التي تنظرها محكمة الثورة في قرار التشكيل - لا تسري على مخالفة الدستور - اساس ذلك.

(ن) محكمة الثورة - احكامها - المادة السابعة من القرار بقانون رقم ٤٨ لسنة المشار اليه - نصها على ان احكام محكمة الثور نهائية ولا يجوز الطعن فيها - يوافق الدستور - اساس ذلك

(س) طعن دستوری - القرار بقانون رقم ٤٨ لسنة ١٩٦٧ بإنشاء محكمة الثورة - العبارة الأخيرة من مادته الأولى - نصها على تخويل رئيس الجمهورية ان يحيل الى محكمة الثورة الأفعال التي تعتبر ضد المبادئ التي قامت عليها الثورة - لا يخل سلامة ما نص عليه المادة المذكورة من تحديد واضح لاختصاص محكمة الثورة بالفصل في الجرائم المنصوص عليها فيها - أثر ذلك - الطعن على النص لهذا السبب غير مجد

(ع) محكمة الثورة - اجراءات التحقيق والمحاكمة - المادة الثالثة من القرار بقانون رقم ٤٨ لسنة ١٩٦٧ المشار اليه - نصها على عدم تقيد محكمة الثورة فيما تباشره من اجراءات التحقيق والمحاكمة لا بما يرد في قرار تشكيلها - لا يخالف الدستور - أساس ذلك .

(ف) محكمة الثورة - رد القضاة - المادة الخامسة من القرار بقانون رقم ٤٨ لسنة ١٩٦٧ المشار اليه - نصها على عدم جواز رد هيئة المحكمة أو أحد أعضائها - لا يخالف الدستور - اسباس ذلك - ان حق المتقاضين في رد القضاة ليس من الحقوق الدستورية المقررة بنص الدستور ولا يمس منع الرد باستقلال القضاء ولا يخل بحق الدفاع ولا بمبدأ المساواة - بيان ذلك.

-----------------

(1) إن قضاء هذه المحكمة جرى بأن المحكمة العليا ليست جهة طعن بالنسبة إلى محكمة الموضوع وإنما هي جهة اختصاص أصيل حدده قانون إنشائها، ولئن كانت الدعوى الدستورية لا ترفع إلا بطريق الدفع الذي يثار أمام محكمة الموضوع إلا أنها متى رفعت إلى المحكمة العليا فإنها تستقل عن دعوى الموضوع لأنها تعالج موضوعا مغايرا لموضوع الدعوى الأصلية الذي يتصل به الدفع بعدم الاختصاص، ومن ثم تكون محكمة الموضوع - دون المحكمة العليا - صاحبة الولاية في الفصل فيه، ولا يعرض أمر الاختصاص على هذه المحكمة إلا حيث يكون هناك تنازع على الاختصاص بين جهات القضاء ويطلب إليها تعيين الجهة المختصة بنظر النزاع تطبيقا للفقرة الرابعة من المادة الرابعة من قانون المحكمة العليا.

(2) إن الثابت من الحكم الصادر من محكمة الثورة في قضية الجناية رقم 1 لسنة 1971 المدعي العام الاشتراكي المرفقة بالدعوى أن المدعي أحيل إلى محكمة الثورة متهما بالاشتراك مع آخرين بوصفهم من الوزراء العاملين بالدولة في ارتكاب جناية الخيانة العظمى، وقضت المحكمة المذكورة في 9 من ديسمبر سنة 1971 بإدانته ومعاقبته بالحبس مع الشغل لمدة سنة وأمرت بوقف تنفيذ العقوبة لمدة ثلاث سنوات، ولما كان انقضاء مدة وقف تنفيذ العقوبة دون أن يصدر خلالها حكم بإلغائه وإن كان يترتب عليه اعتبار الحكم كأن لم يكن عملا بنص المادة 59 من قانون العقوبات وسقوطه بكافة آثاره الجنائية وهو ما يعد بمثابة رد اعتبار قانوني للمحكوم عليه، إلا أن للمدعي مصلحة أدبية في أن تعاد محاكمته لإثبات براءته من الجريمة التي نسب إليه ارتكابها وإزالة الشوائب والظلال التي علقت باسمه بسبب اتهامه وهو ما يستهدف من رفع الدعوى توصلا إلى إعادة محاكمته أمام محكمة مختصة وفقا لتصويره.

(3) إن الأصل، تطبيقا لمبدأ الفصل بين السلطات، الذي قننته الدساتير في مصر على نحو يكفل التوازن والتعاون بينها، أن تختص السلطة التشريعية بوظيفة التشريعات وأن تمارسها بنفسها على مقتضى القواعد الدستورية وفقا لما تنص عليه المادة 47 من دستور سنة 1964 التي تقابل المادة 86 من الدستور القائم، فلا تتخلى عنها للسلطة التنفيذية، إلا أنه نظرا لما تقتضيه الظروف الاستثنائية التي قد تحل بالبلاد من ضرورة مواجهتها في سرعة وحسم بتشريعات عاجلة فقد أجازت الدساتير الصادرة في سنة 1956 وسنة 1964 وسنة 1971 تفويض السلطة التنفيذية (رئيس الجمهورية) في إصدار قرارات لها قوة القانون. وقد حرص الشارع إذ أباح هذا التفويض على أن يضع له من الضوابط والقيود ما يكفل جعل زمام التشريع في يد السلطة التشريعية المختصة وذلك بتقييده من حيث الظروف التي تبرره وأمد سريانه والموضوعات التي يرد عليها والأسس التي تقوم عليها، وقد يشترط الشارع الدستوري توافر أغلبية خاصة لإقرار قانون التفويض وضرورة عرض هذه القرارات بقوانين على السلطة التشريعية في أول جلسة بعد انتهاء مدة التفويض فإذا لم تعرض أو عرضت ولم توافق عليها السلطة التشريعية زال ما كان لها من قوة القانون، وهو ما تنص عليه المادة 108 من الدستور القائم، وذلك كله حتى لا يؤدي التفويض إلى نزول السلطة التشريعية عن اختصاصها وبذلك يوفق الشارع الدستوري بين مقتضيات نظام الفصل بين السلطات وكفالة قيام السلطات بوظائفها الدستورية وبين الاعتبارات العملية الملحة التي تقتضي تفويض رئيس الجمهورية في ممارسة وظيفة التشريع على سبيل الاستثناء لمواجهة تلك الظروف الاستثنائية، وقد نص دستور سنة 1964 الذي صدر في ظله القانون رقم 15 لسنة 1967 المطعون فيه في المادة 120 منه على أن "لرئيس الجمهورية في الأحوال الاستثنائية بناء على تفويض من مجلس الأمة أن يصدر قرارات لها قوة القانون ويجب أن يكون التفويض لمدة محدودة وأن يعين موضوعات هذه القرارات والأسس التي تقوم عليها" ويستفاد من هذا النص أنه يشترط لسلامة التفويض وصحته أن تطرأ ظروف استثنائية تبرره وأن يكون محدود المدة معين الموضوعات التي يجرى فيها والأسس التي يقوم عليها، وكلها قيود على السلطة التنفيذية حتى لا تمارس ذلك الاختصاص الاستثنائي بإصدار قرارات لها قوة القانون إلا أن تقوم مبرراته ودواعيه على أن يكون ذلك في الحدود وفقا للضوابط التي تضعها السلطة التشريعية صاحبة الاختصاص الأصيل في ممارسة وظيفة التشريع.

(4) يبين من نصوص القانون رقم 15 لسنة 1967 وأعماله التحضيرية التي تقدم ذكرها أنه صدر في ظروف كانت تنذر باندلاع الحرب بين مصر وإسرائيل مما يعرض أمن البلاد وسلامتها لأخطار جديدة، وقد نشبت الحرب فعلا في الخامس من شهر يونيه سنة 1967 بعد نحو أسبوع من تاريخ صدور ذلك القانون. ولا جدال في أن هذه ظروف استثنائية يقتضي أمن الدولة وسلامتها مواجهتها في سرعة وحسم، ومن ثم تبرر تفويض رئيس الجمهورية في ممارسة سلطة التشريع استثناء تحقيقا لهذا الهدف.

(5) إنه عن الشرط الثاني الخاص بتحديد مدة التفويض، وهو القيد الزمني الذي يحول دون إطلاقه، فإن الشارع قدر أن تحديد هذه المدة بوحدات قياس الزمن العادية كالسنة والشهر أمر بالغ الصعوبة بل يكاد يكون مستحيلا لأن المعركة بين مصر وإسرائيل متأرجحة تتغير من يوم لآخر وليس واضحا ما إذا كانت الظروف الاستثنائية تنتهي في أمد محدد ولهذا اتخذ معيارا آخر لتحديد مدة التفويض فربطه بالظروف التي اقتضت إصداره، وهي ظروف موقوتة بطبيعتها بحيث يبقى ما بقيت هذه الظروف وتنتهي بانتهائها وبهذا يتوافر شرط تحديد المدة.

(6) إنه عن الشرط الثالث المتعلق بتعيين الموضوعات التي يرد عليها التفويض فإن المادة الأولى من القانون رقم 15 لسنة 1967 قد حددت في شطرها الأول موضوعات معينة هي تلك التي تتعلق بأمن الدولة وسلامتها وتعبئة إمكانياتها البشرية والمادية ودعم المجهود الحربي والاقتصاد الوطني - ولئن كان هذا التحديد قد اتسم بشيء من السعة، فإن ذلك قد أملته حالة الحرب وهي الظرف الاستثنائي الذي اقتضى إصدار قانون التفويض لمواجهة هذه الحالة بأداة التشريع العاجل حماية لأمن البلاد وسلامتها ودفعا للأخطار عنها ودعما لقواتها العسكرية في معركتها مع العدو - أما ما تضمنته العبارة الأخيرة في المادة المذكورة من تفويض رئيس الجمهورية في إصدار قرارات لها قوة القانون "بصفة عامة في كل ما يراه ضروريا لمواجهة الظروف الاستثنائية" - فإنه لا ينفي عن الشطر الأول من النص استيفاءه لشرط تعيين الموضوعات التي يرد عليها التفويض وذلك بالنسبة إلى الموضوعات المحددة فيه على الوجه السابق بيانه.

(7) إنه بالنسبة للأسس التي تقوم عليها الموضوعات التي فوض رئيس الجمهورية في إصدار قرارات بشأنها فإنها تستفاد من العبارة الأخيرة من نص المادة الأولى من القانون رقم 15 لسنة 1967 المتقدم ذكرها، فضلا عن المذكرة الإيضاحية والأعمال التحضيرية لهذا القانون، فقد أرسى القانون أساسا عاما يقيد السلطة التنفيذية فيما تصدره من قرارات بقوانين بمقتضى التفويض وهو أن تكون هذه القرارات ضرورية لمواجهة الظروف الاستثنائية التي حلت بالبلاد بالسرعة والحسم الواجبين، وأن تكون ممارسة رئيس الجمهورية لهذا الاختصاص الاستثنائي بالقدر الضروري لمواجهة هذه الظروف.

(8) إن الدستور وقد حدد الوظائف المنوطة بسلطات الدولة ووضع الضوابط والقيود لأدائها بما يكفل التوازن والتعاون بينها، فإن ممارسة هذه السلطات للوظائف التي ناطها بها الدستور وفق الضوابط وفي الحدود التي رسمها لا تتعارض بداهة من الناحية الدستورية مع الأحكام الأخرى التي ينص عليها الدستور - لذلك فإن التفويض التشريعي الذي تضمنه القانون رقم 15 لسنة 1967، وقد صدر وفقا للضوابط والقيود التي تنص عليها المادة 120 من دستور سنة 1964 الذي صدر في ظله ومتفقا مع حكمها على ما تقدم، لا يترتب على صدوره وممارسته وفقا للضوابط والقيود التي صدر على مقتضاها إعفاء السلطة التنفيذية وتحللها من الخضوع للقانون، ومن ثم فلا يتعارض هذا القانون ولا يخالف نص المادتين 64، 65 من الدستور القائم.

(9) إن دستور سنة 1964 الذي صدر القرار بقانون المطعون فيه في ظله إذ نص في المادة 120 منه آنفة الذكر على أن "لرئيس الجمهورية في الأحوال الاستثنائية بناء على تفويض من مجلس الأمة أن يصدر قرارات لها قوة القانون ويجب أن يكون التفويض لمدة محددة وأن يعين موضوعات هذه القرارات والأسس التي تقوم عليها" إن مؤدى ذلك أن المشرع الدستوري أجاز للسلطة التشريعية تفويض رئيس الجمهورية في إصدار قرارات لها قوة القانون بالشروط الواردة بهذا النص، وأنه بصدور هذا التفويض مستوفيا شرائطه ينتقل الاختصاص التشريعي لمجلس الأمة إلى رئيس الجمهورية في الموضوعات التي فوض فيها، ويكون له حق ممارسة صلاحيات هذا المجلس في خصوص ما فوض فيه، ومن ثم تكون القرارات بقوانين التي يصدرها رئيس الجمهورية بناء على هذا التفويض لها قوة القانون وتتناول كل ما يتناوله التشريع الصادر من السلطة التشريعية بما في ذلك الموضوعات التي نص الدستور على أن يكون تنظيمها بقانون.

(10) إن استناد المدعي إلى الفتوى الصادرة من مجلس الدولة الفرنسي في 6 من فبراير سنة 1952 لتأييد دفاعه القائم على عدم دستورية التفويض التشريعي في المسائل التي احتجزها الدستور للقانون استناداً في غير موضعه، ذلك أنه يبين من تقصي الملابسات التي صدرت فيها هذه الفتوى أنها تتعلق بتفسير المادة 13 من دستور فرنسا الصادر في سنة 1946 والتي تنص على أن تصوت الجمعية الفتوى أنه لا يجوز للبرلمان أن يعهد للحكومة في قانون التفويض بالتشريع في مسائل محجوزة له بموجب الدستور أو بمقتضى العرف الدستوري وإنما يجوز التفويض في الموضوعات التي حجزها البرلمان لنفسه وتدخل في تنظيمها فأصبحت محجوزة له طبقا للقانون، وقد كشفت هذه الفتوى حكم المادة 13 من دستور 1946 التي كان نصها صريحا في حظر التفويض التشريعي في الموضوعات المحجوزة للبرلمان، وواضح من ذلك أن الفتوى المذكورة صدرت في ظل نظام دستوري لم يكن يجيز التفويض في التشريعات بحظر صريح تضمنته المادة 13 سالفة الذكر وهو وضع يختلف عن الوضع في النظام الدستوري المصري الذي صدر في ظله قانون التفويض رقم 15 لسنة 1967 حيث أباح دستور سنة 1964 في المادة 120 منه التفويض التشريعي، ومن ثم يكون الاستدلال بهذه الفتوى في غير موضعه. وقد فقدت هذه الفتوى سندها الدستوري بعد إلغاء الدستور الصادر في سنة 1946 في فرنسا وحلول الدستور الصادر سنة 1958 محله، فقد أجازت المادة 38 منه تفويض الحكومة في إصدار قرارات لها قوة القانون خلال مدة معينة على أن يتم التفويض بقانون. والتفويض المقصود بنص المادة المشار إليها هو الذي ينصب على الموضوعات المحتجزة للقانون بموجب الدستور إذ أن الموضوعات غير المحتجزة في الدستور للقانون أصبحت طبقاً للمادة 37 من هذا الدستور ذات صفة لائحية وأصبح تنظيمها يتم بقرارات لائحية دون حاجة إلى تفويض في ذلك يصدر من السلطة التشريعية.

(11) إنه متى كان لقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 48 لسنة 1967 المطعون فيه، والذي صدر بناء على قانون التفويض، قوة القانون الصادر من السلطة التشريعية على ما تقدم، فإن لهذا القرار بقانون أن يتناول بالتنظيم الموضوعات التي عينها قانون التفويض الذي صدر بالاستناد إليه ولو كانت من الموضوعات التي نص الدستور على أن يكون تنظيمها بقانون، ويدخل في ذلك ترتيب جهات القضاء وتعيين اختصاصها، ومن ثم فإن ما تنص عليه المادة الأولى من القرار بقانون المطعون فيه عن إنشاء محكمة الثورة وتعيين اختصاص لها لا يخالف المادة 153 من الدستور آنفة الذكر.

(12) إنه لا وجه لما يثيره المدعي من أن ما تنص عليه المادة الأولى من القرار بقانون المطعون فيه من تخويل رئيس الجمهورية سلطة إحالة الجرائم المنصوص عليها فيها إلى محكمة الثورة مقتضاه تعديل اختصاص جهات القضاء الأخرى، ذلك أن الشطر الأول من المادة المذكورة ينص على أن "تختص المحكمة بالفصل فيما يحيله إليها رئيس الجمهورية من الدعاوى المتعلقة بارتكاب الجرائم المنصوص عليها في الكتاب الثاني من قانون العقوبات أو في قانون الأحكام العسكرية أو أية جريمة تمس سلامة الدولة داخليا أو خارجيا أيا كان القانون الذي ينص عليها ......". وقد تضمن هذا الشطر من المادة بذاته تحديد اختصاص محكمة الثورة بالفصل في الجرائم التي عينها فنص على فئتين من الجرائم أولاهما حددها النص بأنها تلك التي نص عليها في الكتاب الثاني من قانون العقوبات وعنوانه "الجنايات والجنح المضرة بالمصلحة العمومية وبيان عقوبتها" وما نص عليه قانون الأحكام العسكرية الصادر بالقانون رقم 25 لسنة 1966 من هذه الجرائم، وتشمل الفئة الثانية أي جريمة تمس سلامة الدولة داخليا أو خارجيا أيا كان القانون الذي ينص عليها وهي الأخرى جرائم متميزة محددة بأوصافها ولها مجال محدد ومدلول خاص استقر في الفقه والقضاء، وبذلك يقوم الاختصاص لمحكمة الثورة بالفصل في الجرائم المحددة السالف بيانها بأداة تشريعية لها قوة القانون تملك تقرير هذا الاختصاص طبقا لأحكام الدستور، ويقوم هذا الاختصاص جنبا إلى جنب مع الاختصاص المخول في هذا الشأن للمحاكم الجنائية وللمحاكم العسكرية. وأما سلطة الإحالة إلى محكمة الثورة التي ناطها النص المشار إليه برئيس الجمهورية وقصد بها تخويله سلطة وزن الاعتبارات التي تقتضي المحاكمة أمام محكمة الثورة بالنسبة لهذا الاختصاص المشترك بينها وبين المحاكم الجنائية والمحاكم العسكرية فإن هذه السلطة التي تقررت لرئيس الجمهورية بأداة لها قوة القانون مقصورة على الجرائم التي أوردها النص وتتم في نطاق الاختصاص الذي عينه للمحكمة، ومن ثم فلا ينطوي تخويل رئيس الجمهورية هذه السلطة على تعديل اختصاص جهات قضائية أخرى.

(13) إن النعي على المادة الرابعة من القرار بقانون المطعون فيه بأنها إذ تخول رئيس الجمهورية تحديد من يمثل سلطة التحقيق والادعاء بالنسبة للدعاوى التي تنظرها محكمة الثورة في قرار التشكيل تكون قد خولت رئيس الجمهورية انتزاع اختصاص التحقيق والادعاء من النيابة العامة وهي جهة قضائية وإسناده إلى جهة أخرى، هذا النعي مردود بأن دستور سنة 1964 الذي صدر القرار بقانون المطعون فيه في ظله خلا من نصوص تقضي أن تكون إقامة الدعوى الجنائية بأمر من النيابة العامة أو أي جهة قضائية، وقد أجاز الدستور القائم إقامة الدعوى الجنائية بغير أمر من جهة قضائية، فتنص المادة 70 من هذا الدستور على أنه "لا تقام الدعوى الجنائية إلا بأمر من جهة قضائية فيما عدا الأحوال التي يحددها القانون"، وقد أباح قانون الإجراءات الجنائية إقامة الدعوى الجنائية من غير النيابة العامة فتنص المادة الأولى منه على "أن تختص النيابة العامة دون غيرها برفع الدعوى الجنائية ومباشرتها ولا ترفع من غيرها إلا في الأحوال المبينة بالقانون".
  وقد رددت المادة 21 من قانون السلطة القضائية الصادر بالقانون رقم 46 لسنة 1972 هذا الحكم، لما كان ذلك وكان القرار بقانون رقم 48 لسنة 1967 له قوة القانون فإن نصه في المادة الرابعة منه على أن يمثل سلطة التحقيق والادعاء بالنسبة للدعاوى التي تنظرها محكمة الثورة الجهة أو الشخص الذي يحدده قرار التشكيل لا يخالف الدستور.

(14) إن النعي على المادة السابعة من القرار بقانون المطعون فيه أنها إذ تنص على أن أحكام محكمة الثورة نهائية ولا يجوز الطعن فيها تتضمن تعديلا لاختصاصات محكمة النقض بالنسبة إلى الأحكام التي تصدرها محكمة الثورة مردود بأنه ليس في أحكام الدستور ما يحظر النص على أن تكون الأحكام التي تصدر من جهة قضاء نهائية وغير قابلة للطعن، وقد جرى الشارع على النص على ذلك بالنسبة للأحكام التي تصدرها بعض جهات القضاء لاعتبارات تقتضي ذلك. ومن حيث أنه لما تقدم فإن النعي على القرار بقانون المطعون فيه بهذا السبب يكون على غير أساس سليم.

(15) إن النعي على العبارة الأخيرة من المادة الأولى من القرار بقانون المطعون فيه إذ تنص على تخويل رئيس الجمهورية أن يحيل إلى محكمة الثورة الأفعال التي تعتبر ضد المبادئ التي قامت عليها الثورة بأنها تخالف المادة 25 من دستور سنة 1964 والمادة 66 من الدستور القائم اللتين تنصان على أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون - هذا النعي مردود بأن ورود العبارة المشار إليها في نهاية المادة الأولى سالفة الذكر لا يخل بسلامة ما تنص عليه من تحديد واضح لا لبس فيه لاختصاص محكمة الثورة في الفصل في الجرائم المحددة المنصوص عليها في الكتاب الثاني من قانون العقوبات أو في قانون الأحكام العسكرية وكذلك الجرائم التي تمس سلامة الدولة داخليا أو خارجيا والمحددة بوصفها ومدلولها على ما تقدم. وإذ كان الثابت من حكم محكمة الثورة المرافق بأوراق الدعوى أن ما نسب إلى المدعي وحوكم عنه أمام محكمة الثورة هو لارتكابه جريمة الخيانة العظمى التي نص عليها قانون محاكمة الوزراء رقم 79 لسنة 1958، والتي تعتبر من الجرائم التي تمس سلامة الدولة وأمنها والمنصوص عليها في الكتاب الثاني من قانون العقوبات والتي تندرج في الجرائم التي حددتها المادة الأولى من القرار بقانون المطعون فيه والتي يستقيم نصها بذاته وينتج أثره القانوني بعد استبعاد العبارة المشار إليها، لذلك فإن ما يثيره المدعي في هذا السبب يكون غير مجد في دعواه.

(16) إن القرار بقانون آنف الذكر أداة تشريعية لها قوة القانون الصادر من السلطة التشريعية، وله بهذه المثابة تنظيم أي من الموضوعات المحتجزة للقانون نص الدستور على ما تقدم، ومن ثم فإن لهذا القرار بقانون أن يخص المحكمة التي رتبها بأحكام بالنسبة لإجراءات التحقيق والمحاكمة تختلف عما هو متبع في التحقيق المحاكمة أمام الجهات القضائية الأخرى ما دامت هذه الأحكام لا تخالف الدستور ولما كان القرار بقانون المذكور قد خلا من أحكام في هذا الخصوص في الدستور فإنه لا يكون متعارضا مع أحكامه - أما ما يثيره المدعي من ادعاء التعارض بين القرار المطعون فيه وقوانين أخرى من ذات مرتبته، فهو مردود بأن الرقابة القضائية على دستورية القوانين تقوم على مخالفة التشريع لنص دستوري فلا تمتد لحالات التعارض أو التنازع بين القوانين ذات المرتبة الواحدة، لذلك فإن ما يثيره المدعي في هذا الخصوص لا يصلح سببا للطعن بعدم الدستورية ولا يتناوله اختصاص هذه المحكمة.

(17) حق المتقاضين في رد القضاة ليس من الحقوق الدستورية المقررة بنص الدستور، وإنما هو مقرر بتشريع عادي، إذ نص عليه قانون المرافعات وقانون الإجراءات الجنائية. وقد منعه القانون عن المتقاضين إذا قامت دواعي هذا المنع، ومن ثم فلا يمس منع حق الرد باستقلال القضاء، كما لا يخل هذا المنع بحق الدفاع المكفول للمتهمين أمام محكمة الثورة طبقا للأصول الدستورية المقررة، وليس في تقرير هذا المنع ما يخل بمبدأ المساواة، ذلك أن عموم القاعدة القانونية يتوافر بمجرد انتفاء التخصيص بأن يسن الشارع قاعدته مجردة عن الاعتداد بشخص معين أو واقعة محددة بالذات، والشارع يملك بسلطته التقديرية لمقتضيات الصالح العام وضع شروط تحدد المراكز القانونية التي يتساوى بها الأفراد أمام القانون بحيث إذا توافرت هذه الشروط في طائفة من الأفراد وجب إعمال المساواة بينهم لتماثل ظروفهم ومراكزهم القانونية، فإذا اختلفت هذه الظروف بأن توافرت الشروط في البعض دون البعض الآخر انتفى مناط التسوية بينهم، والتجاء المشرع إلى هذا الأسلوب في تحديد شروط موضوعية يقتضيها الصالح العام للتمتع بالحقوق لا يخل بشرطي العموم والتجريد في القاعدة القانونية ذلك لأن المشرع إنما يخاطب الكافة من خلال هذه الشروط، ولما كان التشريع المطعون فيه قد استن قواعد عامة مجردة لا تستهدف حالة فردية بذاتها وإنما تطبق على من يحاكمون أمام محكمة الثورة كافة طبقا للشروط والأوضاع التي نص عليها القانون والذين تختلف ظروفهم عن باقي المتهمين.

--------------

الوقائع

تتحصل الوقائع، على ما يبين من الأوراق، في أنه نسب إلى المدعي أنه خلال أشهر فبراير ومارس وأبريل ومايو سنة 1971 بدائرة محافظتي القاهرة والجيزة والمحافظات الأخرى الموضحة بالتحقيقات اشترك مع آخرين بوصفهم من الوزراء العاملين بالدولة بطريق التحريض والاتفاق والمساعدة في ارتكاب جناية الخيانة العظمى وبموجب قرار رئيس الجمهورية رقم 2110 لسنة 1971 أحيلت الدعوى إلى محكمة الثورة المشكلة بقرار رئيس الجمهورية رقم 1929 لسنة 1971 الذي صدر بناء على قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 48 لسنة 1967 بإنشاء محكمة الثورة وذلك لمعاقبته طبقا للمواد 5، 6، 7 من القانون رقم 79 لسنة 1958 في شأن محاكمة الوزراء والمواد 40 و41 و48 و87/ 1 و96/ 1 و99 و112 و118 من قانون العقوبات. وقد أقام المدعي الدعوى رقم 1764 لسنة 25 القضائية أمام محكمة القضاء الإداري ضد المدعى عليهم بعريضة أودعت قلم كتاب المحكمة المذكورة في 22 من سبتمبر سنة 1971 طالبا: أولا: الحكم بصفة مستعجلة بوقف تنفيذ قرار رئيس الجمهورية رقم 1929 لسنة 1971 بتشكيل محكمة الثورة وقرار المدعي العام الاشتراكي بإحالة المدعي إلى محكمة الثورة متهما بتهمة الخيانة العظمى وما يترتب على ذلك من آثار ثانيا: بعد تحضير الدعوى الحكم بإلغاء القرارين المطعون فيهما واعتبار كل منهما كأن لم يكن وما يترتب على ذلك من آثار وإلزام المطعون ضدهم المصروفات ومقابل أتعاب المحاماة. وكان من بين الأسانيد التي استند إليها المدعي في دعواه عدم دستورية قانون التفويض رقم 15 لسنة 1967 وقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 48 لسنة 1967 بإنشاء محكمة الثورة الذي صدر بناء على قانون التفويض آنف الذكر مستهدفا بذلك التوصل إلى بطلان قرار رئيس الجمهورية رقم 1929 لسنة 1971 بتشكيل محكمة الثورة وقرار المدعي العام الاشتراكي بإحالته إلى محكمة الثورة متهما بتهمة الخيانة العظمى المطعون فيهما الصادرين استنادا إلى قانون التفويض والقرار بقانون رقم 48 لسنة 1967 المشار إليهما.
ودفع المدعى عليهم الدعوى بعدم اختصاص القضاء الإداري بنظرها استنادا إلى أن قرار رئيس الجمهورية رقم 1929 لسنة 1971 المطعون فيه لا يعتبر من قبيل القرارات الإدارية التي تدخل في ولاية قضاء الإلغاء إذ هو عمل تشريعي ينظم جهة من جهات القضاء هي محكمة الثورة ولا يتصل ما يتناوله هذا القرار بنشاط الإدارة. وفي 21 من أغسطس سنة 1973 قرر المدعي بتنازله عن الطلب المستعجل. وفي 29 من يناير سنة 1974 قضت محكمة القضاء الإداري (دائرة منازعات الأفراد والهيئات) في الدعوى المذكورة: أولا: بإثبات ترك المدعي الخصومة في الطلب المستعجل وألزمته مصروفاته. ثانيا: برفض الدفع بعدم اختصاص مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري بنظر الدعوى وباختصاصه. ثالثا: بوقف الفصل في الدعوى حتى تفصل المحكمة العليا في الدفع المثار من المدعي بعدم دستورية القانونين رقمي 15، 48 لسنة 1967 وحددت له ميعاد ثلاثة أشهر لرفع الدعوى بذلك أمام المحكمة العليا. وأقامت المحكمة قضاءها برفض الدفع بعدم الاختصاص على أن قرار رئيس الجمهورية رقم 1929 لسنة 1971 المطعون فيه صادر من السلطة التنفيذية في ممارستها للاختصاصات المخولة لها بمقتضى القرار بقانون رقم 48 لسنة 1967 وهو بهذه المثابة يكون قرارا إداريا تختص محاكم مجلس الدولة بالفصل في طلب إلغائه وفقا لأحكام قانون مجلس الدولة. وقد أقام المدعي هذه الدعوى ضد المدعى عليهم بعريضة أودعت قلم كتاب المحكمة العليا في 17 من أبريل سنة 1974 طلب فيها الحكم بقبول الدعوى شكلا وفي الموضوع بعدم دستورية القانون رقم 15 لسنة 1967 وقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 48 لسنة 1967 مع ما يترتب على ذلك من آثار وبإلزام المدعى عليهم بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة وذلك للأسباب التي تضمنتها عريضة الدعوى. كما قدم المدعي مذكرة شارحة ضمنها أسانيد دفاعه، وقدمت إدارة الدعوى. كما قدم المدعي مذكرة شارحة ضمنها أسانيد دفاعه، وقدمت إدارة قضايا الحكومة نائبة عن المدعى عليهم مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوى مع إلزام المدعي المصاريف ومقابل أتعاب المحاماة. وعقب المدعي على دفاع المدعى عليهم بمذكرة صمم فيها عن طلباته الواردة في صحيفة الدعوى. وقدمت هيئة مفوضي الدولة تقريرا بالرأي القانوني مسببا انتهت فيه إلى أنها ترى الحكم بعدم قبول الدعوى لعدم اختصاص محكمة الموضوع ولائيا بنظر المنازعة وفي 26 من فبراير سنة 1975 أودعت هيئة مفوضي الدولة تقريرا ثانيا بالرأي القانوني مسببا انتهت فيه إلى أنها ترى الحكم: أولا: بقبول الدعوى شكلا. ثانيا: بعدم قبول الدعوى لانتقاء المصلحة في شقها المتعلق بالطعن على قانون التفويض رقم 15 لسنة 1967 فيما تضمنه من تفويض عام وبقبول الدعوى فيما عدا ذلك وبرفضها موضوعا. ثالثا: مصادرة الكفالة وإلزام المدعي المصروفات. وبجلسة أول مارس سنة 1975 قدمت إدارة قضايا الحكومة نيابة عن المدعى عليهم مذكرة أحالت فيها إلى دفاعها السابق ودفعت بعدم قبول الدعوى لانتقاء مصلحة المدعي فيها وطلبت الحكم: أصليا: بعدم قبول الدعوى، واحتياطيا: برفض الدعوى وإلزام المدعي في الحالتين المصروفات ومقابل أتعاب المحاماة ومصادرة الكفالة. وعقب المدعي على تقريري هيئة مفوضي الدولة ودفاع إدارة قضايا الحكومة بمذكرة قدمت بجلسة 6 من ديسمبر سنة 1975 صمم فيها على طلباته الواردة في عريضة الدعوى كما عقبت إدارة قضايا الحكومة على مذكرة المدعي بمذكرة صممت فيها على طلباتها.
وقد نظرت الدعوى بجلسة 4 من يناير سنة 1975 ثم تداولت بالجلسات على الوجه المبين بمحاضر هذه الجلسات، وبجلسة 6 من ديسمبر سنة 1975 قررت المحكمة إصدار الحكم بجلسة 7 من فبراير سنة 1976 وفيها تقرر مد أجل إصدار الحكم إلى جلسة اليوم، وفيها صدر الحكم الآتي:
---------------

المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
ومن حيث إن الدعوى قد استوفت الأوضاع الشكلية المقررة قانوناً.
أولاً:- عن الدفع بعدم قبول الدعوى لعدم اختصاص محكمة الموضوع ولائياً بنظرها:
من حيث إن مبنى هذا الدفع - الذي أبدته هيئة مفوضي الدولة في تقريرها الأول - أنه لما كانت الدعوى الدستورية ترفع بطريق الدفع الفرعي وتنبثق عن دفع فرعي بعدم الدستورية يثار أمام محكمة الموضوع، لذلك فإنه يتعين لقبول الدعوى الدستورية أمام المحكمة العليا أن تكون المحكمة التي أثير أمامها الدفع وقدرت جديته ورخصت بإقامة الدعوى الدستورية مختصة بنظر النزاع فإذا انتفى ذلك تخلف شرط من شروط قبول الدعوى الدستورية، ولما كان موضوع الدعوى التي أقامها المدعي أمام محكمة القضاء الإداري إلغاء قرار رئيس الجمهورية رقم 1929 لسنة 1971 بتشكيل محكمة الثورة وقرار المدعي العام الاشتراكي بإحالة المدعي إلى محكمة الثورة متهما بتهمة الخيانة العظمى، والقرار الأول يتعلق بتسيير مرفق القضاء ويعتبر بهذه المثابة عملاً قضائياً، كما يعتبر القرار الثاني قراراً قضائياً ومن ثم يخرج الطعن في كلا القرارين عن اختصاص القضاء الإداري، لذلك فإن الدعوى الدستورية المقامة من المدعي تكون قد اتصلت بالمحكمة العليا بالمخالفة للأوضاع المقررة قانونا وتكون غير مقبولة.
ومن حيث إن المدعي رد على هذا الدفع بأن مقتضى الأخذ به تخويل المحكمة العليا ولاية على الدعوى الموضوعية ولا سند لهذه الولاية سواء في قانون المحكمة العليا الصادر بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 81 لسنة 1969 أو في قانون الإجراءات والرسوم أمام المحكمة العليا الصادر بالقانون رقم 66 لسنة 1970. وأنه أيا كان وجه الرأي فيما أثارته هيئة مفوضي الدولة من اشتراط تحقق اختصاص محكمة الموضوع بنظر الدعوى التي أثير فيها الدفع الدستوري لقبول الدعوى الدستورية أمام المحكمة العليا، فإن ولاية الفصل في دعوى الموضوع معقودة لمحكمة القضاء الإداري، وقد جاء قضاء هذه المحكمة برفض الدفع بعدم اختصاصها بنظر الطعن في قرار رئيس الجمهورية رقم 1929 لسنة 1971، باعتباره قرارا إداريا، متفقا مع أحكام القانون، كما أصابت في قرارها بإرجاء الفصل في هذا الدفع بالنسبة لقرار المدعي العام الاشتراكي لحين الفصل في دستورية قرار رئيس الجمهورية رقم 48 لسنة 1967 تأسيساً على أن تكييف القرار آنف الذكر، وتبين مدى اختصاص المحكمة بالفصل في الطعن فيه، يتوقف على الفصل في دستورية القرار بقانون رقم 48 لسنة 1967 المذكور ومن ثم يكون الدفع غير قائم على أساس سليم.

ومن حيث إن هذا الدفع مردود، ذلك أن قضاء هذه المحكمة جرى بأن المحكمة العليا ليست جهة طعن بالنسبة إلى محكمة الموضوع وإنما هي جهة ذات اختصاص أصيل حدده قانون إنشائها، ولئن كانت الدعوى الدستورية لا ترفع إلا بطريق الدفع الذي يثار أمام محكمة الموضوع، إلا أنها متى رفعت إلى المحكمة العليا فإنها تستقل عن دعوى الموضوع لأنها تعالج موضوعاً مغايراً لموضوع الدعوى الأصلية الذي يتصل به الدفع بعدم الاختصاص، ومن ثم تكون محكمة الموضوع - دون المحكمة العليا - صاحبة الولاية في الفصل فيه ولا يعرض أمر الاختصاص على هذه المحكمة إلا حيث يكون هناك تنازع على الاختصاص بين جهات القضاء ويطلب إليها تعيين الجهة المختصة بنظر النزاع تطبيقاً للفقرة الرابعة من المادة الرابعة من قانون المحكمة العليا، ومن ثم يكون هذا الدفع غير قائم على أساس سليم من القانون متعيناً رفضه.

ثانيا:- عن الدفع بعدم قبول الدعوى لانتفاء المصلحة:
من حيث إن مبنى هذا الدفع، الذي أثاره المدعى عليهم، أن مصلحة المدعي في الدعوى الدستورية غير متوافرة، ذلك أنه يستهدف بدعواه إزالة الآثار التي ترتبت على إحالته إلى المحاكمة أمام محكمة الثورة. ولما كان قد حكم عليه بجلسة 9 من ديسمبر سنة 1971 بالحبس مع الشغل لمدة سنة مع وقف تنفيذ العقوبة لمدة ثلاث سنوات، وقد انقضت مدة وقف التنفيذ دون أن يصدر خلالها حكم بإلغائه، فقد أصبح بذلك الحكم الصادر ضده كأن لم يكن عملاً بنص المادة 59 من قانون العقوبات، ويكون هذا الحكم قد سقط بكل آثاره الجنائية ويعتبر سقوطه بمثابة رد اعتبار قانوني للمدعي ويكون قد تحقق له ما يستهدفه من الطعن بعدم دستورية القانون رقم 15 لسنة 1967 وقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 48 لسنة 1967، وهو التوصل إلى إلغاء محاكمته أمام محكمة الثورة وإحالته إلى المحكمة التي يقول بأنها المختصة بالفصل فيما نسب إليه إذ أن هذه المحاكمة التي يستهدفها إما أن تسفر عن براءته وهو ما يتساوى مع ما تحقق للمدعي من رد اعتبار قانوني، وإما أن تسفر هذه المحاكمة عن إدانته مما يجعله في وضع أسوأ من وضعه الحالي وفي الحالتين تنتفي مصلحته في الدعوى.
ومن حيث إن المدعي رد على هذا الدفع بأن محو الآثار القانونية للحكم الصادر عليه لا ينفي أن محكمة الثورة قد أدانته في الجريمة المسندة إليه، وأنه يستهدف بدعواه محو أثر هذه الإدانة ليظل اسمه مبرءا من جريمة أدين فيها، فضلاً عن أن له ثمة مصلحة في أن يحاكم أمام محكمة مشكلة طبقاً لأحكام الدستور وهو ما يتحقق إذا ما قضى بعدم دستورية القانون رقم 15 لسنة 1967 والقرار بقانون رقم 48 لسنة 1967 المطعون بعدم دستوريتهما، ولما كان الضرر الأدبي يكفي لتوافر شرط المصلحة في الدعوى فإن مصلحته في الدعوى الدستورية تكون قائمة.
ومن حيث إن هذا الدفع مردود، ذلك أن الثابت من الحكم الصادر من محكمة الثورة في قضية الجناية رقم 1 لسنة 1971 المدعي العام الاشتراكي المرفقة بالدعوى أن المدعي أحيل إلى محكمة الثورة متهماً بالاشتراك مع آخرين بوصفهم من الوزراء العاملين بالدولة في ارتكاب جناية الخيانة العظمى، وقضت المحكمة المذكورة في 9 من ديسمبر سنة 1971 بإدانته ومعاقبته بالحبس مع الشغل لمدة سنة وأمرت بوقف تنفيذ العقوبة لمدة ثلاث سنوات، ولما كان انقضاء مدة وقف تنفيذ العقوبة دون أن يصدر خلالها حكم بإلغائه وإن كان يترتب عليه اعتبار الحكم كأن لم يكن عملاً بنص المادة 59 من قانون العقوبات وسقوطه بكافة آثاره الجنائية وهو ما يعد بمثابة رد اعتبار قانوني للمحكوم عليه، إلا أن للمدعي مصلحة أدبية في أن تعاد محاكمته لإثبات براءته من الجريمة التي نسب إليه ارتكابها وإزالة الشوائب والظلال التي علقت باسمه بسبب اتهامه وهو ما يستهدفه من رفع الدعوى الدستورية توصلاً إلى إعادة محاكمته أمام محكمة مختصة وفقاً لتصويره، ومن ثم يكون الدفع بعدم قبول الدعوى لانتفاء المصلحة غير قائم على أساس سليم متعيناً رفضه.

ثالثاً:- عن الموضوع:
1- بالنسبة للقانون رقم 15 لسنة 1967.
من حيث أن المدعي يطلب الحكم بعدم دستورية القانون رقم 15 لسنة 1967 استناداً إلى الأسباب الآتية:
أولاً:- مخالفة القانون لنص المادة 120 من دستور سنة 1964 التي توجب أن يكون التفويض لمدة محددة وأن تعين الموضوعات التي يرد عليها والأسس التي يقوم عليها، وهي شروط يجب أن يتوافر كل منها بذاته مستقلاً عن الشروط الأخرى وقال المدعي بياناً لهذه المخالفة:
1- إن القانون المطعون فيه قد خلا من تحديد مدة زمنية لسريان التفويض إذ أن المعنى الحقيقي لشرط المدة المحددة التي تنص عليها المادة 120 من دستور سنة 1964 الذي صدر في ظله القانون المطعون فيه أن يكون التفويض لمدة معينة ومحددة بالوحدات التي يقاس بها الزمن وإلا فقد التفويض طبيعته الاستثنائية المؤقتة بوصفه تفويضاً وتحول إلى تنازل من السلطة التشريعية عن وظيفتها التشريعية.
2- إن القانون المطعون فيه لم يحدد الموضوعات التي يرد عليها التفويض تحديداً دقيقاً وإنما جاء عاماً وغير محدد على نحو يعتبر نزولاً من السلطة التشريعية عن سلطتها.
3- إن القانون المذكور قد خلا من تعيين الأسس التي يتعين أن تلتزم بها السلطة التنفيذية فيما تصدره من تشريعات.
ثانياً:- إن القانون المطعون فيه وقد تضمن تفويضاً تشريعياً غير مستوف لشرائط التفويض التي نص عليها الدستور فإنه يتعارض مع مبدأ سيادة القانون إذ يعني هذا المبدأ ضمن ما يعنيه خضوع الإدارة للقانون، وينتفي هذا الخضوع إذا فوضت السلطة التنفيذية في ممارسة سلطة التشريع على نحو مطلق دون قيد ومن ثم فإن قانون التفويض وقد تضمن تفويضاً مطلقاً إلى السلطة التنفيذية في ممارسة وظيفة التشريع فإنه يكون قد خالف نص المادتين 64، 65 من الدستور القائم الواردتين في الباب الرابع منه الخاص بسيادة القانون والذي تسري أحكامه على التشريعات الصادرة قبل العمل به بأثر مباشر.

ومن حيث إن الحكومة دفعت الدعوى قائلة إن قانون التفويض رقم 15 لسنة 1967 قد استوفى مقوماته الدستورية والتزم القيود والضوابط المنصوص عليها في المادة 120 من دستور سنة 1964 الذي صدر في ظله، إذ اقتضت إصداره ظروف استثنائية قامت عندما لاحت نذر العدوان الإسرائيلي على البلاد وتهديد أمنها وسلامتها، وصدر التفويض الذي تضمنه القانون لمدة محدودة فقد نص القانون على سريان التفويض "خلال الظروف الاستثنائية القائمة" وهو ما يحمل تحديداً زمنياً للتفويض، إذ لا يشترط أن يكون هذا التحديد بوحدات قياس الزمن المعروفة كالسنة والشهر، كما وردت موضوعات التفويض في ذلك القانون محددة بالغاية التي صدر لتحقيقها فحصرها في تلك التي تتصل بأمن الدولة وسلامتها وتعبئة كل إمكانياتها البشرية والمادية ودعم المجهود الحربي والاقتصاد الوطني، وأما الأسس التي يقوم عليها التفويض فإنها مرتبطة بالموضوعات التي تم فيها التفويض والهدف منه وهي أن تكون ضرورية لمواجهة الظروف الاستثنائية وبقدر هذه الضرورة.

واستطردت الحكومة قائلة إن مصلحة المدعي في الدعوى تتحدد فيما إذا كان إنشاء محكمة الثورة بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 48 لسنة 1967 يدخل في نطاق الموضوعات التي حددها قانون التفويض، وإن إنشاء محكمة الثورة بالقرار بقانون المذكور وتخويلها سلطة الفصل في الجرائم التي تمس سلامة الدولة داخلياً وخارجياً يتعلق بأمن الدولة وسلامتها التي ورد بشأنها التفويض محدداً على نحو لا يثير أي جدل.

ومن حيث إن الأصل، تطبيقاً لمبدأ الفصل بين السلطات، الذي قننته الدساتير في مصر على نحو يكفل التوازن والتعاون بينها، أن تختص السلطة التشريعية بوظيفة التشريع وأن تمارسها بنفسها على مقتضى القواعد الدستورية وفقاً لما تنص عليه المادة 47 من دستور سنة 1964 التي تقابل المادة 86 من الدستور القائم، فلا تتخلى عنها للسلطة التنفيذية، إلا أنه نظراً لما تقتضيه الظروف الاستثنائية التي قد تحل بالبلاد من ضرورة مواجهتها في سرعة وحسم بتشريعات عاجلة فقد أجازت الدساتير الصادرة في سنة 1956 وسنة 1964 وسنة 1971 تفويض السلطة التنفيذية (رئيس الجمهورية) في إصدار قرارات لها قوة القانون، وقد حرص الشارع إذ أباح هذا التفويض على أن يضع له من الضوابط والقيود ما يكفل جعل زمام التشريع في يد السلطة التشريعية المختصة وذلك بتقييده من حيث الظروف التي تبرره وأمد سريانه والموضوعات التي يرد عليها والأسس التي تقوم عليها، وقد يشترط الشارع الدستوري توافر أغلبية خاصة لإقرار قانون التفويض وضرورة عرض هذه القرارات بقوانين على السلطة التشريعية في أول جلسة بعد انتهاء مدة التفويض فإذا لم تعرض أو عرضت ولم توافق عليها السلطة التشريعية زال ما كان لها من قوة القانون، وهو ما تنص عليه المادة 108 من الدستور القائم، وذلك كله حتى لا يؤدي التفويض إلى نزول السلطة التشريعية عن اختصاصها، وبذلك يوفق الشارع الدستوري بين مقتضيات نظام الفصل بين السلطات وكفالة قيام السلطات بوظائفها الدستورية وبين الاعتبارات العملية الملحة التي تقتضي تفويض رئيس الجمهورية في ممارسة وظيفة التشريع على سبيل الاستثناء لمواجهة تلك الظروف الاستثنائية، وقد نص دستور سنة 1964 الذي صدر في ظله القانون رقم 15 لسنة 1967 المطعون فيه في المادة 120 منه على أن "لرئيس الجمهورية في الأحوال الاستثنائية بناء على تفويض من مجلس الأمة أن يصدر قرارات لها قوة القانون ويجب أن يكون التفويض لمدة محدودة وأن يعين موضوعات هذه القرارات والأسس التي يقوم عليها". ويستفاد من هذا النص أنه يشترط لسلامة التفويض وصحته أن تطرأ ظروف استثنائية تبرره وأن يكون محدود المدة معين الموضوعات التي يجرى فيها والأسس التي يقوم عليها، وكلها قيود على السلطة التنفيذية حتى لا تمارس ذلك الاختصاص الاستثنائي بإصدار قرارات لها قوة القانون إلا أن تقوم مبرراته ودواعيه على أن يكون ذلك في الحدود ووفقاً للضوابط التي تضعها السلطة التشريعية صاحبة الاختصاص الأصيل في ممارسة وظيفة التشريع.

ومن حيث إن القانون رقم 15 لسنة 1967 المتقدم ذكره قد صدر بناء على اقتراح بقانون تقدم به في 29 من مايو سنة 1967 بعض أعضاء مجلس الأمة بتفويض رئيس الجمهورية في إصدار قرارات لها قوة القانون طبقاً للمادة 120 من الدستور استناداً إلى أن الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد تقتضي أن يتولى رئيس الجمهورية سلطة التشريع بالسرعة والحسم حماية لأمن الدولة وسلامتها ودعماً للمجهود الحربي والاقتصاد الوطني، وطلب مقدمو الاقتراح إقراره على وجه الاستعجال واعتبار ما ورد في طلبها تبريرا لإصدار مذكرة إيضاحية للاقتراح بقانون وقد نص هذا الاقتراح في المادة الأولى منه على أن "يفوض رئيس الجمهورية في إصدار قرارات لها قوة القانون خلال الظروف الاستثنائية القائمة في جميع الموضوعات التي تتصل بأمن الدولة وسلامتها وتعبئة كل إمكانياتها البشرية والمادية ودعم المجهود الحربي والاقتصاد الوطني وبصفة عامة في كل ما يراه ضرورياً لمواجهة هذه الظروف الاستثنائية" وعند نظر هذا الاقتراح بقانون في مجلس الأمة بجلسة 29 من مايو سنة 1967 (مضبطة الجلسة التاسعة والعشرون) طلب أحد الأعضاء أن توضح "الظروف الاستثنائية" التي وردت في الاقتراح دون تحديد وأشار إلى أن المادة 120 من الدستور توجب أن يكون التفويض لمدة محدودة وأن تعين موضوع القرارات وطلب أن يكون ذلك محل البحث. وقد رد رئيس مجلس الأمة على ذلك قائلاً "إن المادة الأولى من الاقتراح بقانون تضمنت تحديد مدة التفويض حيث حددت المدة بأنها "خلال الظروف الاستثنائية" كما عينت الموضوعات بأنها "تلك التي تتصل بأمن الدولة وسلامتها وتعبئة كل إمكانياتها البشرية والمادية ودعم المجهود الحربي والاقتصاد الوطني وبصفة عامة في كل ما يراه ضرورياً لمواجهة هذه الظروف الاستثنائية" واستطرد رئيس المجلس قائلاً "إن تحديد وقت معين أو مدة محددة لمباشرة هذه الصلاحيات أمر صعب غاية الصعوبة بل يكاد يكون مستحيلاً لأن المعركة متأرجحة تتغير بين يوم وآخر وليس واضحاً ما إذا كانت هذه الظروف تنتهي في بحر ستة أشهر مثلاً أو ثلاثة أو في شهر واحد أو في أسبوعين أو أسبوع ومن ثم فليس ممكناً تحديدها بوقت معين ويكفي أن تحدد بأنها الظروف الاستثنائية القائمة إلى جانب أن مجال إعمال التفويض محدد تماماً في الاقتراح" وقد وافق مجلس الأمة بالإجماع على الاقتراح بقانون بالصيغة التي قدم بها وصدر به القانون رقم 15 لسنة 1967.
ومن حيث إنه بالنسبة إلى شرائط صحة التفويض طبقاً للمادة 120 من دستور سنة 1964 فإنه يبين على ما تقدم أنها ثلاثة: أولها: أن يصدر التفويض لمواجهة ظروف استثنائية والثاني: أن يكون محدد المدة والثالث: أن يعين الموضوعات التي تصدر بشأنها القرارات بقوانين والأسس التي تقوم عليها.
ومن حيث إنه عن الشرط الأول فإنه يبين من نصوص القانون رقم 15 لسنة 1967 وأعماله التحضيرية التي تقدم ذكرها أنه صدر في ظروف كانت تنذر باندلاع الحرب بين مصر وإسرائيل مما يعرض أمن البلاد وسلامتها لأخطار جدية، وقد نشبت الحرب فعلاً في الخامس من شهر يونيه سنة 1967 بعد نحو أسبوع من تاريخ صدور ذلك القانون، ولا جدال في أن هذه ظروف استثنائية يقتضي أمن الدولة وسلامتها مواجهتها في سرعة وحسم ومن ثم تبرر تفويض رئيس الجمهورية في ممارسة سلطة التشريع استثناء تحقيقاً لهذا الهدف.
ومن حيث إنه عن الشرط الثاني الخاص بتحديد مدة التفويض وهو القيد الزمني الذي يحول دون إطلاقه فإن الشارع قدر أن تحديد هذه المدة بوحدات قياس الزمن العادية كالسنة والشهر أمر بالغ الصعوبة بل يكاد يكون مستحيلاً لأن المعركة بين مصر وإسرائيل متأرجحة تتغير من يوم لآخر وليس واضحاً ما إذا كانت الظروف الاستثنائية تنتهي في أمد محدد ولهذا اتخذ معياراً آخر لتحديد مدة التفويض فربطه بالظروف الاستثنائية التي اقتضت إصداره، وهي ظروف موقوتة بطبيعتها بحيث يبقى ما بقيت هذه الظروف وتنتهي بانتهائها وبهذا يتوافر شرط تحديد المدة.
ومن حيث إنه عن الشرط الثالث المتعلق بتعيين الموضوعات التي يرد عليها التفويض فإن المادة الأولى من القانون رقم 15 لسنة 1967 قد حددت في شطرها الأول موضوعات معينة هي تلك التي تتعلق بأمن الدولة وسلامتها وتعبئة كل إمكانياتها البشرية والمادية ودعم المجهود الحربي والاقتصاد الوطني، ولئن كان هذا التحديد قد اتسم بشيء من السعة فإن ذلك قد أملته حالة الحرب وهي الظرف الاستثنائي الذي اقتضى إصدار قانون التفويض لمواجهة هذه الحالة بأداة التشريع العاجل حماية لأمن البلاد وسلامتها ودفعاً للأخطار عنها ودعماً لقواتها العسكرية في معركتها مع العدو – أما ما تضمنته العبارة الأخيرة من المادة المذكورة من تفويض رئيس الجمهورية في "إصدار قرارات لها قوة القانون بصفة عامة في كل ما يراه ضرورياً لمواجهة الظروف الاستثنائية". فإنه لا ينفي عن الشطر الأول من النص استيفاءه لشرط تعيين الموضوعات التي يرد عليها التفويض وذلك بالنسبة إلى الموضوعات المحددة فيه على الوجه السابق بيانه.
ومن حيث إنه بالنسبة للأسس التي تقوم عليها الموضوعات التي فوض رئيس الجمهورية في إصدار قرارات بشأنها، فإنها تستفاد من العبارة الأخيرة من نص المادة الأولى من القانون رقم 15 لسنة 1967 المتقدم ذكرها فضلاً عن المذكرة الإيضاحية والأعمال التحضيرية لهذا القانون، فقد أرسى القانون أساساً عاماً يقيد السلطة التنفيذية فيما تصدره من قرارات بقوانين بمقتضى التفويض، وهو أن تكون هذه القرارات ضرورية لمواجهة الظروف الاستثنائية التي حلت بالبلاد بالسرعة والحسم الواجبين وأن تكون ممارسة رئيس الجمهورية لهذا الاختصاص الاستثنائي بالقدر الضروري لمواجهة هذه الظروف.
ومن حيث إنه بالنسبة للسبب الثاني من أسباب الطعن وحاصله أن القانون المطعون فيه وقد فوض السلطة التنفيذية تفويضاً مطلقاً في سلطة التشريع فإن هذا التفويض يتضمن تنازل السلطة التشريعية عن وظيفة التشريع إلى السلطة التنفيذية ويتيح لها عدم الخضوع للقانون بما يتعارض مع مبدأ سيادة القانون ونص المادتين 64، 65 من الدستور القائم، وتنص أولاهما على أن سيادة القانون أساس الحكم في الدولة وتقضي الثانية بأن تخضع الدولة للقانون، فإنه مردود بأن الدستور وقد حدد الوظائف المنوطة بسلطات الدولة ووضع الضوابط والقيود لأدائها بما يكفل التوازن والتعاون بينها، فإن ممارسة هذه السلطات للوظائف التي ناطها بها الدستور وفق الضوابط وفي الحدود التي رسمها لا تتعارض بداهة من الناحية الدستورية مع الأحكام الأخرى التي ينص عليها الدستور، لذلك فإن التفويض التشريعي الذي تضمنه القانون رقم 15 لسنة 1967 وقد صدر وفقاً للضوابط والقيود التي تنص عليها المادة 120 من دستور سنة 1964 الذي صدر في ظله ومتفقاً مع حكمها على ما تقدم لا يترتب على صدوره وممارسته وفقاً للضوابط والقيود التي صدر على مقتضاها إعفاء السلطة التنفيذية أو تحللها من الخضوع للقانون، ومن ثم فلا يتعارض هذا القانون مع مبدأ سيادة القانون ولا يخالف نص المادتين 64، 65 من الدستور القائم.
ومن حيث إنه يخلص مما تقدم أن القانون رقم 15 لسنة 1967 بتفويض رئيس الجمهورية في إصدار قرارات لها قوة القانون لا يخالف الدستور فيما تضمنه من تفويض رئيس الجمهورية في إصدار قرارات لها قوة القانون في الموضوعات التي تتعلق بأمن الدولة وسلامتها وتعبئة كل إمكانياتها البشرية والمادية ودعم المجهود الحربي والاقتصاد الوطني ومن ثم يكون طعن المدعي بعدم دستورية هذا القانون غير قائم على أساس سليم متعيناً رفضه.
2- بالنسبة لقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 48 لسنة 1967:

من حيث إن المدعي يقيم دعواه بالنسبة لعدم دستورية قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 48 لسنة 1967 على الأسباب الآتية:
أولاً:- أن هذا القرار بقانون مشوب بعيب عدم الدستورية لصدوره استناداً إلى قانون التفويض رقم 15 لسنة 1967 المخالف للدستور.
ثانياً:- مخالفة القرار بقانون لما تقضي به المادة 153 من دستور سنة 1964 من أن القانون يرتب جهات القضاء ويعين اختصاصاتها والتي تقابلها المادة 167 من الدستور القائم ومقتضى هذا النص أنه لا يجوز ترتيب جهات القضاء أو تعيين اختصاصاتها إلا بقانون يصدر من السلطة التشريعية وهذا ما قضت به المحكمة العليا في الدعوى رقم 4 لسنة 1 القضائية وأيده مجلس الدولة في فرنسا في فتوى له صدرت في 6 من فبراير سنة 1954، وقد خالف القرار بقانون المطعون فيه المادة 153 المشار إليها بنصه في المادة الأولى منه على أن "تشكل محكمة خاصة تسمى محكمة الثورة" وتختص هذه المحكمة بالفصل فيما يحيله إليها رئيس الجمهورية من الدعاوى المتعلقة بارتكاب الجرائم المنصوص عليها في الكتاب الثاني من قانون العقوبات أو في قانون الأحكام العسكرية ..." مرتباً بذلك جهة من جهات القضاء بغير الأداة التي نص عليها الدستور، ومخولاً رئيس الجمهورية بقرار منه تعديل اختصاص الجهات القضائية القائمة بأن ينزع منها اختصاصها في الفصل في الجرائم المشار إليها المقرر لها بموجب القانون وبنقل هذا الاختصاص إلى محكمة الثورة على خلاف حكم الدستور، كما خالف القرار بقانون المذكور المادة 153 من الدستور آنفة الذكر بنصه في المادة الرابعة منه على أن يمثل سلطة التحقيق والادعاء بالنسبة للدعاوى التي تنظرها محكمة الثورة الجهة أو الشخص الذي يحدده قرار التشكيل مخولاً رئيس الجمهورية بقرار يصدره تعديل اختصاص النيابة العامة وهي جزء من السلطة القضائية أضفى عليها القانون الولاية القضائية بالنسبة إلى التحقيق الابتدائي وإسناده إلى جهة أخرى، كما خالف القرار بقانون المطعون فيه نص المادة 153 المشار إليها بنصه في المادة السابعة منه على أن أحكام محكمة الثورة نهائية ولا يجوز الطعن فيها بأي وجه من الوجوه، معدلاً بذلك الاختصاص المقرر بمقتضى القانون لمحكمة النقض بنظر الطعن بالنقض في الأحكام الصادرة في الجنايات بصفة عامة وذلك بإلغاء اختصاص محكمة النقض في هذا الخصوص بالنسبة للأحكام التي تصدرها محكمة الثورة.
ثالثاً:- أن القرار بقانون المطعون فيه يقضي بتجريم أفعال لم ينص أي قانون على تجريمها "إذ تخول المادة الأولى منه رئيس الجمهورية أن يحيل إلى محكمة الثورة الأفعال التي تعتبر ضد المبادئ التي قامت عليها الثورةمنشئاً بذلك نوعاً من الجرائم لم يرد النص على عقوبة لها في أي قانون، ودون تحديد لكنة هذه الأفعال، والأركان الواجب توافرها لتكوين الجرائم التي تنبثق عن هذه الأفعال، والعقوبات المقررة لهذه الجرائم وذلك بالمخالفة لما تنص عليه المادة 25 من دستور سنة 1964 (ويقابلها نص المادة 66 من الدستور القائم) التي تقضي بأنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على القانون.
رابعاً:- أن القرار بقانون المطعون فيه قد خالف ما تقضي به بعض مواد الدستور وما يستخلص من روح ومقتضى بعض مواده الأخرى من أن تنظيم إجراءات التحقيق المقيدة للحرية لا يكون إلا بقانون صادر من السلطة التشريعية، إذ ينص دستور سنة 1964 في المادة 27 منه على أنه "لا يجوز القبض على أحد أو حبسه إلا وفق أحكام القانون" كما تنص المادة 33 منه على أن "للمنازل حرمة فلا يجوز دخولها إلا في الأحوال المبينة في القانون وبالكيفية المنصوص عليها فيه". ومقتضى هاتين المادتين أن التشريع الصادر من السلطة التشريعية هو وحده الذي يحدد الأحكام التي تلتزم بها سلطة الاتهام والتحقيق بالنسبة لإجراءات التحقيق المتصلة بالقبض على الأفراد وحبسهم وتفتيش منازلهم سواء تعلق الأمر في ذلك بالتحقيق الابتدائي الذي تجريه سلطة الاتهام والتحقيق أو بالتحقيق النهائي الذي تجريه المحكمة التي يقدم إليها المتهم، وتنطبق القاعدة نفسها على إجراءات التحقيق الجنائي الأخرى المقيدة للحرية غير القبض والحبس والتفتيش على ما هو مستفاد من مقتضى نص المادة 25 من دستور سنة 1964 آنفة الذكر، وقد خالف القرار بقانون أحكام الدستور المتقدم ذكرها إذ أن ما تقضي به المادة الثالثة منه من عدم تقيد محكمة الثورة فيما تباشره من إجراءات التحقيق والمحاكمة إلا بما يرد في قرار تشكيلها يتضمن إعفاء محكمة الثورة من الالتزام بالأحكام التي وضعتها القوانين والمتعلقة بإجراءات التحقيق والمحاكمة، ولأن ما ينص عليه القرار بقانون في الفقرة الثانية من المادة الرابعة من أن يكون لسلطة التحقيق والادعاء كافة الاختصاصات المقررة للنيابة العامة والنيابة العسكرية وما يتقرر لها من اختصاصات في أمر تشكيل المحكمة يتيح لرئيس الجمهورية تخويل سلطة التحقيق والادعاء أمام محكمة الثورة اختصاصات تجاوز الاختصاصات المقررة للنيابة العامة مما قد يترتب عليه المساس بالضمانات التي يقررها قانون الإجراءات الجنائية وغيره من القوانين لصالح المتهمين رغم أن كل ذلك مما يندرج في عداد تنظيم إجراءات التحقيق والمحاكمة التي لا يجوز تنظيمها طبقاً لأحكام الدستور إلا بقانون.
خامساً:- أن ما تنص عليه المادة الخامسة من القرار بقانون المطعون فيه من أنه "لا يجوز رد هيئة المحكمة أو أحد أعضائها" يتعارض مع مقتضى نص المادة 152 من دستور سنة 1964 (المادة 166 من الدستور القائم) التي تقرر مبدأ استقلال القضاء المقرر لصالح القضاة والمتقاضين على السواء، إذ أن من وسائل حماية هذا الضمان أن يكون للمتقاضين مكنة رد القاضي، كما يتعارض منع حق الرد مع حق الدفاع الذي كفله نص المادة 28 من دستور سنة 1964 (المادة 69 من الدستور القائم) ويتعارض هذا المنع أيضاً مع مبدأ المساواة بين المواطنين في حق الدفاع باعتباره من الحقوق العامة، وهو المبدأ الذي تنص عليه المادة 24 من دستور سنة 1964 والمادة 40 من الدستور القائم، ذلك أن من يحاكمون عن الجرائم نفسها أمام المحاكم الأخرى غير محكمة الثورة لهم حق طلب رد قضاتهم إذا قامت مبررات هذا الطلب، في حين أن هذا الحق قد منع بالنسبة لمن يحاكمون أمام محكمة الثورة.
ومن حيث إن الحكومة دفعت الدعوى بأوجه الدفاع الآتية:
أولاً:- أن القانون رقم 15 لسنة 1967 صدر متفقاً مع أحكام الدستور ومن ثم فإن صدور قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 48 لسنة 1967 استناداً إلى قانون التفويض المذكور لا يخالف الدستور.
ثانياً:- إن القرار بقانون الصادر من رئيس الجمهورية بناء على قانون بتفويضه في التشريع مستوفياً للشروط التي نص عليها الدستور تكون له قوة القانون، لذلك فإن الأمور التي احتجزها الدستور بنص صريح ليكون تنظيمها بقانون يجوز لرئيس الجمهورية بمقتضى تفويض يصدر من السلطة التشريعية أن ينظمها بقرار بقانون يصدر منه، لذلك يكون ما تضمنه قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 48 لسنة 1967 من نصوص تقضي بإنشاء محكمة الثورة وتعيين اختصاصاتها، وبتحديد الجهة التي تمثل سلطة التحقيق والادعاء في الدعاوى التي تنظرها المحكمة ونهائية الأحكام التي تصدرها، وبعدم الطعن فيها بأي وجه من الوجوه لا يخالف نص المادة 153 من دستور سنة 1964.

ثالثا:- إن القرار بقانون المطعون فيه بنصه في المادة الأولى منه على اختصاص محكمة الثورة بالفصل فيما يحيله إليها رئيس الجمهورية من الدعاوى المتعلقة بارتكاب الجرائم المبينة بها "وكذلك الأفعال التي تعتبر ضد المبادئ التي قامت عليها الثورة" لا يعني تجريم ما لم يجرمه القانون ولا ينص على عقوبة لم ينص عليها القانون وإنما يتضمن الإحالة إلى نصوص قانونية متفرقة أشار إليها النص بعبارة جامعة، وعلى ذلك فإن محكمة الثورة تخضع كغيرها من المحاكم لأحكام القانون والدستور فلا تملك تأثيم فعل لم يؤثمه القانون أو القضاء بعقوبة لا ينص عليها القانون أو بغير العقوبة المقررة قانوناً.
رابعاً:- أن القول بأن تنظيم إجراءات التحقيق المقيدة للقضية لا يكون إلا بقانون صادر من السلطة التشريعية على ما هو مستفاد من نص المادتين 27، 33 من دستور سنة 1964 المشار إليهما، وأن القرار بقانون المطعون فيه وقد اشتمل على نصوص في شأن إجراءات التحقيق فإنه يكون قد خالف الدستور ويتعارض مع ما ينص عليه قانون الإجراءات الجنائية بالنسبة لاختصاصات النيابة العامة مردود بأن القرار بقانون الصادر من رئيس الجمهورية بمقتضى قانون التفويض له قوة القانون الصادر من السلطة التشريعية وأن التعارض بين القوانين لا يدخل في مجال الرقابة الدستورية.
خامساً:- أن ما تنص عليه المادة الخامسة من القرار بقانون المطعون فيه من عدم جواز رد هيئة المحكمة أو أحد أعضائها، لا يخالف الدستور، ذلك أن حق المتقاضين في رد القضاة ليس مقرراً بنص دستوري وإنما بتشريع عادي وقد يحرم هذا التشريع رد القضاة في بعض الأحوال، وتحريم الرد لا يتعارض مع ضمانات المحاكمة العادلة، وقد تم تشكيل محكمة الثورة التي حاكمت المدعي على أعلى مستوى وحرص أعضاؤها على أن يقسموا اليمين على كتاب الله قبل أن يجلسوا على منصة القضاء، وأن عدم جواز الرد لا يتعارض مع مبدأ المساواة ولا يعني الإخلال بحق الدفاع.

عن السبب الأول:
من حيث أن هذا السبب من أسباب الطعن وحاصله أن القرار بقانون المطعون فيه مشوب بعدم الدستورية لصدوره بناء على قانون التفويض رقم 15 لسنة 1967 المخالف للدستور، مردود بأن قانون التفويض المذكور قد صدر متفقاً مع أحكام الدستور على ما تقدم، ولما كان قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 48 لسنة 1967 بإنشاء محكمة الثورة ينظم موضوعاً من الموضوعات التي تتصل بأمن الدولة والتي تدخل في الموضوعات التي عينها قانون التفويض ويرد عليها التفويض، على نحو ما سلف بيانه لدى مناقشة دستورية القانون المذكور، لذلك فإن النعي على قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 48 لسنة 1967 لصدوره بناء على قانون غير دستوري لا يقوم على أساس سليم.

عن السبب الثاني:
ومن حيث إن هذا السبب يقوم على أن قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 48 لسنة 1967 المطعون فيه قد خالف نص المادة 153 من دستور سنة 1964 (التي تقابلها المادة 167 من الدستور القائم) التي تقضي بأن يكون ترتيب جهات القضاء وتعيين اختصاصاتها بقانون، وذلك فيما رتبه هذا القرار بقانون من جهة قضاء هي "محكمة الثورة" وفيما يخوله لرئيس الجمهورية من أن يعدل بقرار منه اختصاص الجهات القضائية القائمة بما يحيله إلى محكمة الثورة من الجرائم التي تختص بها تلك الجهات، وفيما تضمنه من تعديل اختصاص النيابة العامة وهي جزء من السلطة القضائية، وفيما نص عليه من أن تكون أحكام محكمة الثورة نهائية ولا يجوز الطعن فيها مما ترتب عليه إلغاء الاختصاص المقرر لمحكمة النقض بنظر الطعن في الأحكام التي تصدرها محكمة الثورة في الجنايات.
ومن حيث إن دستور سنة 1964 الذي صدر القرار بقانون المطعون فيه في ظله إذ نص في المادة 120 منه آنفة الذكر على أن "لرئيس الجمهورية في الأحوال الاستثنائية بناء على تفويض من مجلس الأمة أن يصدر قرارات لها قوة القانون ويجب أن يكون التفويض لمدة محدودة وأن يعين موضوعات هذه القرارات والأسس التي تقوم عليها" فإن مؤدى ذلك: أن المشرع الدستوري أجاز للسلطة التشريعية تفويض رئيس الجمهورية في إصدار قرارات لها قوة القانون بالشروط الواردة بهذا النص، وأنه بصدور هذا التفويض مستوفياً شرائطه ينتقل الاختصاص التشريعي لمجلس الأمة إلى رئيس الجمهورية في الموضوعات التي فوض فيها ويكون له حق ممارسة صلاحيات هذا المجلس في خصوص ما فوض فيه، ومن ثم تكون القرارات بقوانين التي يصدرها رئيس الجمهورية بناء على هذا التفويض لها قوة القانون وتتناول كل ما يتناوله التشريع الصادر من السلطة التشريعية بما في ذلك الموضوعات التي نص الدستور على أن يكون تنظيمها بقانون.
ومن حيث إن استناد المدعي إلى قضاء المحكمة العليا في الدعوى رقم 4 لسنة 1 القضائية دستورية لا يسانده في التدليل على حظر التفويض التشريعي في الموضوعات التي نص الدستور على أن يكون تنظيمها بقانون، فقد قضت المحكمة بحكمها الصادر في الدعوى المذكورة بعدم دستورية المادة 60 من لائحة نظام العاملين بالقطاع العام الصادرة بقرار رئيس الجمهورية رقم 3309 لسنة 1966 المعدل بقرار رئيس الجمهورية رقم 802 لسنة 1967 فيما تضمنته من تعديل قواعد اختصاص جهات القضاء استناداً إلى أن هذا التعديل الذي تم بموجب قرار جمهوري لا يجوز إجراؤه بغير القانون طبقاً للمادة 153 من الدستور، لأن الأمور التي احتجزها الدستور بنص صريح ليكون التشريع فيها بقانون صادر من السلطة التشريعية لا يجوز تنظيمها أو تعديل أحكامها أو إلغاؤها بأداة تشريعية أدنى وإلا كانت مخالفة للدستور، والحظر المستفاد من هذا الحكم، كما هو واضح من سياقه، إنما يرد على الأداة التشريعية الأدنى مرتبة من القانون وكانت في خصوص الدعوى المذكورة المادة 60 من قرار رئيس الجمهورية رقم 3309 لسنة 1966 المعدل بقرار رئيس الجمهورية رقم 802 لسنة 1967 وهو قرار جمهوري عادي في مرتبة أدنى من القانون لم يصدر استناداً إلى المادة 119 ولا إلى المادة 120 من دستور سنة 1964 الذي صدر في ظله حتى يكون له قوة القانون، وهذا الحظر الذي قرره الحكم لا يمتد بداهة إلى قرارات رئيس الجمهورية التي لها قوة القانون طبقاً لأحكام الدستور والتي لها أن تتناول بالتنظيم الموضوعات التي تدخل في حدود التفويض ولو كانت من الموضوعات التي احتجزها الدستور للقانون في حدود الضوابط التي يصدر على أساسها التفويض.
ومن حيث إن استناد المدعي إلى الفتوى الصادرة من مجلس الدولة الفرنسي في 6 من فبراير سنة 1953 لتأييد دفاعه القائم على عدم دستورية التفويض التشريعي في المسائل التي احتجزها الدستور للقانون استناداً في غير موضعه، ذلك أنه يبين من تقصي الملابسات التي صدرت فيها هذه الفتوى أنها تتعلق بتفسير المادة 13 من دستور فرنسا الصادر في سنة 1946 والتي تنص على أن تصوت الجمعية الوطنية وحدها على القانون وأنها لا تملك أن تفوض في هذا الحق، ومؤدى هذه الفتوى أنه لا يجوز للبرلمان أن يعهد للحكومة في قانون التفويض بالتشريع في مسائل محجوزة له بموجب الدستور أو بمقتضى العرف الدستوري، وإنما يجوز التفويض في الموضوعات التي حجزها البرلمان لنفسه وتدخل في تنظيمها فأصبحت محجوزة له طبقاً للقانون، وقد كشفت هذه الفتوى حكم المادة 13 من دستور 1946 التي كان نصها صريحاً في حظر التفويض التشريعي في الموضوعات المحجوزة للبرلمان، وواضح من ذلك أن الفتوى المذكورة صدرت في ظل نظام دستوري لم يكن يجيز التفويض في التشريع بحظر صريح تضمنته المادة 13 آنفة الذكر، وهو وضع يختلف عن الوضع في النظام الدستوري المصري الذي صدر في ظله قانون التفويض رقم 15 لسنة 1967 حيث أباح دستور سنة 1964 في المادة 170 منه التفويض التشريعي ومن ثم يكون الاستدلال بهذه الفتوى في غير موضعه، وقد فقدت هذه الفتوى سندها الدستوري بعد إلغاء الدستور الصادر في سنة 1946 في فرنسا وحلول الدستور الصادر سنة 1958 محله، فقد أجازت المادة 38 منه تفويض الحكومة في إصدار قرارات لها قوة القانون خلال مدة معينة على أن يتم التفويض بقانون. والتفويض المقصود بنص المادة المشار إليها هو الذي ينصب على الموضوعات المحتجزة للقانون بموجب الدستور، إذ أن الموضوعات غير المحتجزة في الدستور للقانون أصبحت طبقاً للمادة 37 من هذا الدستور ذات صفة لائحية وأصبح تنظيمها يتم بقرارات لائحية دون حاجة إلى تفويض في ذلك يصدر من السلطة التشريعية.
ومن حيث إنه متى كان لقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 48 لسنة 1967 المطعون فيه – والذي صدر بناء على قانون التفويض - قوة القانون الصادر من السلطة التشريعية على ما تقدم، فإن لهذا القرار بقانون أن يتناول بالتنظيم الموضوعات التي عينها قانون التفويض الذي صدر بالاستناد إليه ولو كانت من الموضوعات التي نص الدستور على أن يكون تنظيمها بقانون، ويدخل في ذلك ترتيب جهات القضاء وتعيين اختصاصها، ومن ثم فإن ما تنص عليه المادة الأولى من القرار بقانون المطعون فيه من إنشاء محكمة الثورة وتعيين اختصاص لها لا يخالف المادة 153 من الدستور آنفة الذكر.
ومن حيث إنه لا وجه لما يثيره المدعي من أن ما تنص عليه المادة الأولى من القرار بقانون المطعون فيه من تخويل رئيس الجمهورية سلطة إحالة الجرائم المنصوص عليها فيها إلى محكمة الثورة مقتضاه تعديل اختصاص جهات القضاء الأخرى، ذلك أن الشطر الأول من المادة المذكورة ينص على أن "تختص المحكمة بالفصل فيما يحيله إليها رئيس الجمهورية من الدعاوى المتعلقة بارتكاب الجرائم المنصوص عليها في الكتاب الثاني من قانون العقوبات أو في قانون الأحكام العسكرية أو أية جريمة تمس سلامة الدولة داخلياً أو خارجياً أياً كان القانون الذي ينص عليها .........".
وقد تضمن هذا الشطر من المادة بذاته تحديد اختصاص محكمة الثورة بالفصل في الجرائم التي عينها، فنص على فئتين من الجرائم أولاهما حددها النص بأنها تلك التي نص عليها في الكتاب الثاني من قانون العقوبات وعنوانه "الجنايات والجنح المضرة بالمصلحة العمومية وبيان عقوبتها" وما نص عليه قانون الأحكام العسكرية الصادر بالقانون رقم 25 لسنة 1966 من هذه الجرائم، وتشمل الفئة الثانية أي جريمة تمس سلامة الدولة داخلياً أو خارجياً أياً كان القانون الذي ينص عليها وهي الأخرى جرائم متميزة محددة بأوصافها ولها مجال محدد ومدلول خاص استقر في الفقه والقضاء، وبذلك يقوم الاختصاص لمحكمة الثورة بالفصل في الجرائم المحددة السالف بيانها بأداة تشريعية لها قوة القانون تملك تقرير هذا الاختصاص طبقاً لأحكام الدستور، ويقوم هذا الاختصاص جنباً إلى جنب مع الاختصاص المخول في هذا الشأن للمحاكم الجنائية وللمحاكم العسكرية، وأما سلطة الإحالة إلى محكمة الثورة التي ناطها النص المشار إليه برئيس الجمهورية وقصد بها تخويله سلطة وزن الاعتبارات التي تقتضي المحاكمة أمام محكمة الثورة بالنسبة لهذا الاختصاص المشترك بينها وبين المحاكم الجنائية والمحاكم العسكرية، فإن هذه السلطة التي تقررت لرئيس الجمهورية بأداة لها قوة القانون مقصورة على الجرائم التي أوردها النص، وتتم في نطاق الاختصاص الذي عينه للمحكمة، ومن ثم فلا ينطوي تخويل رئيس الجمهورية هذه السلطة على تعديل اختصاص جهات قضائية أخرى.
ومن حيث إن النعي على المادة الرابعة من القرار بقانون المطعون فيه بأنها إذ تخول رئيس الجمهورية تحديد من يمثل سلطة التحقيق والادعاء بالنسبة للدعاوى التي تنظرها محكمة الثورة في قرار التشكيل تكون قد خولت رئيس الجمهورية انتزاع اختصاص التحقيق والادعاء من النيابة العامة وهي جهة قضائية وإسناده إلى جهة أخرى، هذا النعي مردود بأن دستور سنة 1964 الذي صدر القرار بقانون المطعون فيه في ظله خلا من نصوص تقضي بأن تكون إقامة الدعوى الجنائية بأمر من النيابة العامة أو أي جهة قضائية، وقد أجاز الدستور القائم إقامة الدعوى الجنائية بغير أمر من جهة قضائية، فتنص المادة 70 من هذا الدستور على أنه لا تقام الدعوى الجنائية إلا بأمر من جهة قضائية فيما عدا لأحوال التي يحددها القانون، وقد أباح قانون الإجراءات الجنائية إقامة الدعوى الجنائية من غير النيابة العامة، فتنص المادة الأولى منه على أن "تختص النيابة العامة دون غيرها برفع الدعوى الجنائية ومباشرتها ولا ترفع من غيرها إلا في الأحوال المبينة بالقانون" وقد رددت المادة 21 من قانون السلطة القضائية الصادر بالقانون رقم 46 لسنة 1972 هذا الحكم، لما كان ذلك وكان القرار بقانون رقم 48 لسنة 1967 له قوة القانون، فإن نصه في المادة الرابعة منه على أن يمثل سلطة التحقيق والادعاء بالنسبة للدعاوى التي تنظرها محكمة الثورة الجهة أو الشخص الذي يحدده قرار التشكيل لا يخالف الدستور.

ومن حيث إن النعي على المادة السابعة من القرار بقانون المطعون فيه أنها إذ تنص على أن أحكام محكمة الثورة نهائية ولا يجوز الطعن فيها تتضمن تعديلاً لاختصاصات محكمة النقض بالنسبة إلى الأحكام التي تصدرها محكمة الثورة مردود بأنه ليس في أحكام الدستور ما يحظر النص على أن تكون الأحكام التي تصدر من جهة قضاء نهائية وغير قابلة للطعن، وقد جرى الشارع على النص على ذلك بالنسبة للأحكام التي تصدرها بعض جهات القضاء لاعتبارات تقتضي ذلك.
ومن حيث أنه لما تقدم فإن النعي على القرار بقانون المطعون فيه بهذا السبب يكون على غير أساس سليم.

عن السبب الثالث:
ومن حيث إن السبب الثالث من أسباب الطعن بني على أن العبارة الأخيرة من المادة الأولى من القرار بقانون المطعون فيه إذ تنص على تخويل رئيس الجمهورية أن يحيل إلى محكمة الثورة الأفعال التي تعتبر ضد المبادئ التي قامت عليها الثورة تخالف المادة 25 من دستور سنة 1964 والمادة 66 من الدستور القائم اللتين تنصان على أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون.
ومن حيث أن ورود العبارة المشار إليها في نهاية المادة الأولى آنفة الذكر لا يخل بسلامة ما تنص عليه من تحديد واضح لا لبس فيه لاختصاص محكمة الثورة في الفصل في الجرائم المحددة المنصوص عليها في الكتاب الثاني من قانون العقوبات أو في قانون الأحكام العسكرية وكذلك، الجرائم التي تمس سلامة الدولة داخلياً أو خارجياً والمحددة بوصفها ومدلولها على ما تقدم.
وإذ كان الثابت من حكم محكمة الثورة المرفق بأوراق الدعوى أن ما نسب إلى المدعي وحوكم عنه أمام محكمة الثورة هو ارتكابه جريمة الخيانة العظمى التي نص عليها قانون محاكمة الوزراء رقم 79 لسنة 1958 والتي تعتبر من الجرائم التي تمس سلامة الدولة وأمنها والمنصوص عليها في الكتاب الثاني من قانون العقوبات والتي تندرج في الجرائم التي حددتها المادة الأولى من القرار بقانون المطعون فيه والتي يستقيم نصها بذاته وينتج أثره القانوني بعد استبعاد العبارة المشار إليها لذلك فإن ما يثيره المدعي في هذا السبب يكون غير مجد في دعواه.

عن السبب الرابع:
ومن حيث إن حاصل هذا السبب أن المستفاد من نص المادتين 27، 33 من دستور سنة 1964 أن تنظيم إجراءات التحقيق التي تلتزم بها سلطة الاتهام والتحقيق يتعين أن يكون بقانون صادر من السلطة التشريعية، ومن ثم فإن ما تضمنه القرار بالقانون المطعون فيه في المادة الثالثة منه من عدم تقيد المحكمة فيما تباشره من إجراءات التحقيق والمحاكمة إلا بما يرد في قرار تشكيلها قد جاء مخالفاً للدستور ويتعارض مع الاختصاصات المنوطة بالنيابة العامة وفقاً لأحكام قانون الإجراءات الجنائية.
ومن حيث إن هذا السبب مردود بأن القرار بقانون آنف الذكر أداة تشريعية لها قوة القانون الصادر من السلطة التشريعية، وله بهذه المثابة تنظيم أي من الموضوعات المحتجزة للقانون بنص الدستور على ما تقدم، ومن ثم فإن لهذا القرار بقانون أن يخص المحكمة التي رتبها بأحكام بالنسبة لإجراءات التحقيق والمحاكمة تختلف عما هو متبع في التحقيق والمحاكمة أمام الجهات القضائية الأخرى ما دام أن هذه الأحكام لا تخالف الدستور، ولما كان القرار بقانون المذكور قد خلا من أحكام في هذا الخصوص تخالف الدستور، فإنه لا يكون متعارضاً مع أحكامه، أما ما يثيره المدعي من ادعاء التعارض بين القرار المطعون فيه وقوانين أخرى من ذات مرتبته، فهو مردود بأن الرقابة القضائية على دستورية القوانين تقوم على مخالفة التشريع لنص دستوري، فلا تمتد لحالات التعارض أو التنازع بين القوانين ذات المرتبة الواحدة، لذلك فإن ما يثيره المدعي في هذا الخصوص لا يصلح سبباً للطعن بعدم الدستورية ولا يتناوله اختصاص هذه المحكمة.

عن السبب الخامس:
ومن حيث إن المدعي ينعي في هذا السبب أن ما تنص عليه المادة الخامسة من القرار بقانون المطعون فيه من عدم جواز رد هيئة المحكمة أو أحد أعضائها يخالف نص المادة 152 من دستور سنة 1964 التي تقرر مبدأ استقلال القضاء ويخل بحق الدفاع المنصوص عليه في المادة 28 من الدستور المذكور، ويهدر مبدأ المساواة الذي تنص عليه المادة 24 من هذا الدستور.
ومن حيث إن هذا النعي غير صحيح، ذلك بأن حق المتقاضين في رد القضاة ليس من الحقوق الدستورية المقررة بنص الدستور، وإنما هو مقرر بتشريع عادي إذ نص عليه قانون المرافعات وقانون الإجراءات الجنائية وقد منعه القانون عن المتقاضين إذا قامت دواعي هذا المنع، ومن ثم فلا يمس منع حق الرد باستقلال القضاء، كما لا يخل هذا المنع بحق الدفاع المكفول للمتهمين أمام محكمة الثورة طبقاً للأصول الدستورية المقررة، وليس في تقرير هذا المنع ما يخل بمبدأ المساواة ذلك أن عموم القاعدة القانونية يتوافر بمجرد انتفاء التخصيص بأن يسن الشارع قاعدته مجردة عن الاعتداد بشخص معين أو واقعة محددة بالذات، والشارع يملك بسلطته التقديرية لمقتضيات الصالح العام وضع شروط تحدد المراكز القانونية التي يتساوى بها الأفراد أمام القانون بحيث إذا توافرت هذه الشروط في طائفة من الأفراد وجب إعمال المساواة بينهم لتماثل ظروفهم ومراكزهم القانونية، فإذا اختلفت هذه الظروف بأن توافرت الشروط في البعض دون البعض الآخر انتفى مناط التسوية بينهم، والتجاء المشرع إلى هذا الأسلوب في تحديد شروط موضوعية يقتضيها الصالح العام للتمتع بالحقوق لا يخل بشرطي العموم والتجريد في القاعدة القانونية، ذلك لأن المشرع إنما يخاطب الكافة من خلال هذه الشروط، ولما كان التشريع المطعون فيه قد استن قواعد عامة مجردة لا تستهدف حالة فردية بذاتها وإنما تطبق على من يحاكمون أمام محكمة الثورة طبقاً للشروط والأوضاع التي نص عليها القانون والذين تختلف ظروفهم عن باقي المتهمين الذين يحاكمون أمام محاكم أخرى، لذلك فإن ما يثيره المدعي في هذا الخصوص يكون على غير أساس.
ومن حيث إنه يبين مما تقدم أن قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 48 لسنة 1967 بإنشاء محكمة الثورة لا يخالف الدستور، ومن ثم فإن الدعوى برمتها لا تقوم على أساس سليم ولذلك يتعين رفضها ومصادرة الكفالة وإلزام المدعي المصروفات.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة:
أولاً:- برفض الدفع بعدم قبول الدعوى لعدم اختصاص محكمة الموضوع ولائياً بنظرها.
ثانياً:- برفض الدفع بعدم قبول الدعوى لانتفاء مصلحة المدعي في رفعها.
ثالثاً:- بقبول الدعوى شكلاً وفي الموضوع برفضها وأمرت بمصادرة الكفالة وألزمت المدعي المصروفات ومبلغ ثلاثين جنيهاً مقابل أتعاب المحاماة.

مطول الجمل في شرح القانون المدني / مادة 8 : انقاص مدة التقادم


٢- النصوص الأجنبية المقابلة :


    C. All., Art. 169, al. 2.- Si le délai de prescription, d'après le Code Civil, est plus court que d'après les lois antérieures, on compte le délai le plus court à partir de l'entrée en vigueur du Code Civil. Si cependant le délai plus long déterminé par les lois antérieures expire plus tôt que celui plus court, déterminé par le Code civil, la prescription est accomplie avec la fin du délai le plus long 


    C. Civ. Suisse, Titre final, Art. 19, al. 2.- Le temps écoulé jusqu'à cette époque est proportionnellement imputé sur le délai de la loi nouvelle, lorsqu'une pres cription qu'elle admet aussi a commencé à courir sous l'empire de l'ancienne Ici,


مطول الجمل في شرح القانون المدني / مادة 7 : النصوص المتعلقة بالتقادم


2 - النصوص الأجنبية المقابلة :

    C. All., Art. 169, al. 1er. Les dispositions du Code Civil sur la prescription s'appliquent aux droits nés et non encore prescrits avant l'entrée en vigueur de ce Code. Le commencement, comme la suspension et l'interruption de la prescription se déterminent cependant, pour le temps antérieur à l'entrée en vigueur du Code Civil, d'après les lois antérieures.


    C. Civ. Suisse, Art. 19, al. 1er.- La prescription acquisitive est régie par la loi nouvelle dès l'entrée en vigueur de celle-ci.



مطول الجمل في شرح القانون المدني / مادة 5 : التعسف في استعمال الحق


2 - النصوص الأجنبية المقابلة :


    C. Port., Art. 14 al. 3. celui qui en exerçant son droit recherche un profit doit, en cas d'opposition, et à défaut de disposition spéciale de la loi, céder à celui qui tend à éviter une perte.


    C. Civ. Suisse, Art. 2.- - Chacun est tenu d'exercer ses droits et d'exécuter ses obligations selon les règles de la bonne foi.

    L'abus manifeste d'un droit n'est pas protégé par la loi.


    C. Civ. U. R. S, Art. 1er. Les droits civils sont protégés par la loi, sauf dans les cas où ils sont exercés dans un sens contraire à leur destination écono- mique et sociale. 


    C. Civ. Lib, Art. 124. Doit également réparation celui qui a causé un dom- mage à autrui en excédant, dans l'exercice de son droit, les limites fixées par la bonne foi ou par le but en vue duquel ce droit lui a été conféré.


مطول الجمل في شرح القانون المدني / مادة 2 : إلغاء التشريع ونسخ أحكامه

 

۲ - النصوص الاجنبية المقابلة :

    Nouveau Code Civ. Ital., Art. 5.-Les lois ne sont abrogées que par des lois postérieures en vertu d'une disposition expresse du législateur ou par suite d'incom- patibilité entre les nouvelles dispositions et celles qui les ont précédées, ou du fait que la nouvelle loi règle intégralement la matière déjà régie par la loi antérieure.

    

    C. Civ. Esp., Art. 5. Les lois s'abrogent uniquement par d'autre lois pos- térieures; le désuétude, l'usage, la pratique contraire ne peuvent dispenser de les observer. 


    C. Civ. Brés., Art 4 La loi ne peut être révoquée ou abrogée que par une autre lois; mais une disposition spéciale nerévoque pas une disposition géné rale, ni une disposition générale, une spéciale, sauf quand elle se réfère à celle-ci ou à son objet en les modifiant explicitement ou implicitement.


مطول الجمل في شرح القانون المدني / مادة 1 : مصادر القانون

۲ - النصوص الأجنيبة المقابلة :

     C. Civ. Suisse, Art. 1er., al. 1er. La loi régit toutes les matières auxquelles se rapportent la lettre ou l'esprit de l'une de ses dispositions. A défaut d'une disposition légale applicable, le juge prononce, selon le droit coutumier et, à défaut d'une coutume, selon les règles qu'il établirait s'il avait à faire acte de législateur.

    Il s'inspire des solutions consacrées par la doctrine et la jurisprudence.

    C. Civ. Esp., Art. 6, al. a. Lorsque la loi n'est pas exactement applicable à l'espèce discutée, on appliquera la coutume du lieu et les règles générales du droit. C. Civ. Chin., Art. ter. - En matière civile, à défaut de disposition légale applicable, on suit la coutume, et, à défaut de coutume, les principes généraux du droit.

   C. Civ. Port., Art. 16. Les questions relatives à des droits et obligations qui ne pourraient être résolues ni par le texte de la loi, ni par son esprit ni par un argument tiré des dispositions d'autres lois concernant des cas analogues seront décidées par les principes du droit naturel, eu égard aux circonstances du fait.

    C. Civ. Ital. de 1933. Art. 3- Dans l'application de la loi, on ne saurait lui attribuer un sens autre que celui qui résulte de ses termes, d'après leur complexité et de l'intention du législateur. 

    Si le litige ne saurait être tranché par une disposition précise de la loi, on aura recours aux dispositions qui régissent les cas similaires ou les matières analogues si le doute subsiste, il y sera statué d'après les principes généraux de l'ordre juri- diques de l'Etat.


الجمعة، 16 ديسمبر 2022

الطعنان 9847 ، 9896 لسنة 48 ق جلسة 2 / 4 / 2008 إدارية عليا مكتب فني 53 ج 2 ق 131 ص 968

جلسة 2 من أبريل سنة 2008
(الدائرة السادسة)

السيد الأستاذ المستشار/ محمد منير السيد أحمد جويفل نائب رئيس مجلس الدولة ورئيس المحكمة.
والسادة الأساتذة المستشارون/ سامي أحمد محمد الصباغ ومحمد محمود فرج حسام الدين ومحمد البهنساوى محمد الرمام وحسن عبد الحميد البرعي وحسن سلامة أحمد محمود ود/ حمدي حسن محمد الحلفاوي نواب رئيس مجلس الدولة.

-----------------

(131)

الطعنان رقما 9847 و9896 لسنة 48 القضائية عليا

( أ ) قرار إداري – القرار الإداري السلبي – مفهومه – مناط قيامه.
المادة (10) من قانون مجلس الدولة، الصادر بالقرار بقانون رقم (47) لسنة 1972.
القرار الإداري السلبي يتحقق عندما ترفض الجهة الإدارية أو تمتنع عن اتخاذ إجراء كان من الواجب عليها اتخاذه بحكم القانون – مناط قيامه: أن تكون هناك قاعدة قانونية عامة تقرر حقًا أو مركزًا قانونيًا لاكتساب هذا الحق, بحيث يكون تدخل الإدارة لتقريره أمرًا واجبًا عليها, متى طلب منها ذلك – مؤدى ذلك: إذا لم يكن ثمة إلزام على الجهة الإدارية بأن تتخذ موقفًا إيجابيًا فإن رفضها أو سكوتها لا يشكل حينئذ الامتناع المقصود في المادة العاشرة من قانون مجلس الدولة – المسلك السلبي من قبل الإدارة حالة مستمرة ومتجددة, ويمتد الطعن عليه ما بقيت الإدارة على موقفها – تطبيق.

(ب) قرار إداري – وقف تنفيذه – ركن الاستعجال – أثر تخلفه لدى نظر الدعوى أو الطعن.
يشترط لوقف تنفيذ القرار المطعون فيه أن يتوافر لهذا الطلب ركنان: الأول – ركن الجدية, ومؤداه: أن يقوم الطعن في القرار بحسب الظاهر من الأوراق على أسباب جدية من حيث الواقع والقانون, تحمل على ترجيح الحكم بإلغائه عند نظر الموضوع. والركن الثاني – ركن الاستعجال, ومؤداه: أن يكون من شأن استمرار القرار وتنفيذه ترتيب نتائج يتعذر تداركها فيما لو قضى بإلغائه – يتعين أن يكون ركن الاستعجال قائمًا أمام المحكمة, سواء أمام محكمة أول درجة أو أمام محكمة الطعن – مؤدى ذلك: إذا زال ركن الاستعجال تعين القضاء برفض طلب وقف تنفيذ القرار المطعون عليه – أثر ذلك: إذا تم تنفيذ القرار المطعون عليه بالفعل لا يسوغ التصدي للفصل في طلب وقف تنفيذه؛ لانتفاء جدوى الحكم في هذه الحالة – إذا صدر حكم بوقف تنفيذ قرار كان قد تم تنفيذه بالفعل أضحى الحكم واردًا على غير محل – تطبيق.

(جـ) مجلس الدولة – مبدأ الفصل بين السلطات – مجلس الدولة يحكم ولا يدير.
لا يجوز للأفراد اللجوء إلى مجلس الدولة لاستصدار أحكام تعد من قبيل التوجيهات الإرشادية العامة غير المحددة لجهة الإدارة – أساس ذلك: مبدأ الفصل بين السلطات – مجلس الدولة يحكم ولا يدير, أي أنه يفصل في المنازعات دون أن يوجه جهة الإدارة إلى اتخاذ إجراءات لا يلزمها القانون بمفهومه العام باتخاذها – تطبيق.


--------------------

الإجراءات

في يوم الأحد الموافق 16/ 6/ 2002 أودعت هيئة قضايا الدولة بصفتها نائبة عن الطاعنين قلم كتاب المحكمة تقريرًا بالطعن الأول 9847 لسنة 48ق. عليا في الحكم الصادر عن محكمة القضاء الإداري بالإسكندرية في الدعاوي المنضمة المشار إليها, الصادر بجلسة 2/ 5/ 2002, وفي اليوم التالي الاثنين الموافق 17/ 6/ 2002 أودع الأستاذ/ ……… بصفته وكيلاً عن الطاعن في الطعن الثاني رقم 9896 لسنة 48ق. عليا قلم كتاب المحكمة تقريرًا بالطعن على ذات الحكم الذي قضى في منطوقه بالآتي: “حكمت المحكمة: أولاً – بقبول تدخل الجمعية التعاونية لصائدي الأسماك ببحيرة مريوط خصمًا منضمًا للمدعين. ثانيًا – بقبول الدعاوي أرقام 7814/ 54ق و9090/ 54 و1771/ 55ق و5214/ 55ق شكلاً, وبوقف تنفيذ قرار محافظ الإسكندرية المطعون فيه الصادر في 3/ 8/ 2000 بتخصيص مساحة مقدارها عشرون فدانًا المجاورة لشركة بتروجيت والمواجهة لشركة الإسكندرية للبترول للمستثمر……. – وهذه المساحة يقع جزء منها في حوض ال 3000 فدان ببحيرة مريوط والجزء الآخر في حرم البحيرة – لإقامة مشروع محطة لتعبئة أسطوانات البوتاجاز, وما يترتب على ذلك من آثار, أخصها بطلان تخصيص هذه المساحة للمستثمر المذكور وبطلان ردمها, وبطلان ترخيص إنشاء مصنع تعبئة أنابيب البوتاجاز رقم 152/ 2001 الصادر عن حي العامرية, وإزالة ورفع الرد الذي أقامه بالبحيرة. ثالثًا – بوقف تنفيذ قرار الجهة الإدارية السلبي بالامتناع عن صرف مخلفات الصرف الصناعي والزراعي والصحي ببحيرة مريوط دون معالجة كاملة, والضارة بصحة الإنسان والأسماك, وما يترتب على ذلك من آثار, أخصها وقف الصرف بالبحيرة دون إجراء المعالجة الكافية طبقًا للمعايير والمواصفات العلمية السليمة المقررة قانونًا على النحو المبين بالأسباب: وألزمت الجهة الإدارية مصروفات طلبي وقف التنفيذ, وأمرت بتنفيذ الحكم بمسودته بغير إعلان, وبإحالة الدعوى إلى هيئة مفوضي الدولة لتحضيرها وإعداد تقرير بالرأي القانوني مسببًا في موضوعها”.

وطلبت جهة الإدارة الطاعنة في الطعن الأول رقم 9847 لسنة 48ق. عليا الحكم بصفة مستعجلة بوقف تنفيذ الحكم المطعون فيه, وبقبول الطعن شكلاً وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه, والقضاء مجددًا بالنسبة للدعوى رقم 7814 لسنة 54ق بعدم قبولها لعدم اقتران طلب وقف تنفيذ القرارات المطعون فيها بطلب إلغائها, وبرفض طلب وقف تنفيذ القرارات المطعون فيها بالدعاوي الأربع المشار إليها بتقرير الطعن والمطعون في الحكم الصادر فيها مع إلزام المطعون ضدهم المصروفات.

وطلب الطاعن في الطعن الثاني رقم 9896 لسنة 48ق. عليا للأسباب الواردة بتقرير هذا الطعن الحكم بقبول الطعن شكلاً وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه فيما قضى به في البند (ثانيًا) من منطوقه), والقضاء مجددًا برفض طلب وقف تنفيذ قرار المحافظ الصادر في 2/ 8/ 2000 بتخصيص الأرض للمشروع مع إلزام المطعون ضدهم في

(أولاً) المصروفات.

وقد أعلن تقرير الطعن وفقًا للثابت بالأوراق.

وأعدت هيئة مفوضي الدولة تقريرًا بالرأي القانوني في الطعنين, انتهت فيه للأسباب الواردة به إلى أنها ترى الحكم أولاً – بقبول الطعن الأول رقم 9847 لسنة 48ق. عليا شكلاً, وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه فيما تضمنه من القضاء ببطلان تخصيص المساحة البالغة عشرين فدانًا المجاورة لشركة بتروجيت والمواجهة لشركة الإسكندرية للبترول للمستثمر/ ……… وبطلان ردمها, وبطلان الترخيص بإنشاء مصنع تعبئة أنابيب البوتاجاز رقم 152 لسنة 2001 الصادر عن حي العامرية للمستثمر المذكور, وتأييد الحكم المطعون فيه فيما عدا ذلك من قضاء مع إلزام الجهة الإدارية الطاعنة والمطعون ضدهم المصروفات مناصفة. وثانيًا – قبول الطعن الثاني رقم 9896 لسنة 48ق. عليا شكلاً ورفضه موضوعًا فيما يتعلق بطلب وقف التنفيذ مع إلزام الطاعن المصروفات.

ونظرت الدائرة السادسة (فحص طعون) بالمحكمة الإدارية العليا الطعنين معا بعدة جلسات على النحو الثابت بمحاضرها, ثم قررت إحالتهما إلى الدائرة السادسة (موضوع) لنظرهما, ونفاذًا لذلك ورد الطعنان إلى هذه المحكمة حيث نظرتهما بالجلسات على النحو الثابت بمحاضرها, وقررت إصدار الحكم فيهما بجلسة 31/ 10/ 2007 ثم بجلسة 26/ 12/ 2007 ثم بجلسة اليوم, وفيها صدر وأودعت مسودته المشتملة على أسبابه عند النطق به..

---------------------

المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع الإيضاحات، وبعد المداولة قانونًا.
من حيث إن الطعنين استوفيا أوضاعهما الشكلية فهما مقبولان شكلاً.

ومن حيث إن عناصر المنازعة تخلص في أنه بعريضة أودعت قلم كتاب محكمة القضاء الإداري بالإسكندرية بتاريخ 9/ 8/ 2000 أقام المدعي الدعوى الأولى رقم 7814 لسنة 54 القضائية، طالبًا الحكم بصفة مستعجلة بوقف تنفيذ جميع القرارات الخاصة بإلقاء مخلفات الصرف الصحي والصرف الزراعي والصناعي ببحيرة مريوط، ووقف تنفيذ التعدي على حرم بحيرة مريوط وردم أجزاء منها، وفي الموضوع بإلغاء تلك القرارات وإلزام الجهة الإدارية المصروفات.

وشرحًا للدعوى قال المدعي إن هيئة الصرف الصحي بالإسكندرية تقوم بإلقاء ما يعادل 270 مليون متر مكعبٍ من مخلفات شبكة الصرف الصحي على بحيرة مريوط وذلك دون معالجتها، فضلاً عن ملوثات المصانع بالإسكندرية، مما أدى إلى جعل بيئة بحيرة مريوط شديدة التلوث، بل وترسيب وأكسدة لمعظم مخلفات الصرف الصحي بسبب ركود المياه، إلى جانب إلقاء مخلفات الصرف الزراعي التي تبلغ 6 ملايين مترا مكعبا ينفذ جزء منها إلى البحر أمام شاطئ المكس مما جعل المنطقة مشبعة بالتلوث. وأضاف المدعي أن مجلس الشعب في عام 1985 ناقش بجلساته صرف مخلفات مجاري الإسكندرية وتم تشكيل لجنة لتقصي الحقائق، وأوصت بضرورة صرف مخلفات المجاري والصرف الصناعي لمدينة الإسكندرية بالصحراء. كما أعد مجلس الوزراء عام 1986 دراسة مماثلة، ثم أعلنت هيئة المعونة الأمريكية أن الصرف لا بد أن يتم في البحر ولو مرحليًا، وكانت النتيجة هي التهديد الكامل لبحيرة مريوط وتلوث شواطئ الإسكندرية، ثم قام العديد من العلماء وأساتذة الجامعات المصرية بإعداد العديد من البحوث والدراسات لصرف المخلفات بمدينة الإسكندرية إلي الصحراء حفاظًا على بيئة بحيرة مريوط والثروة السمكية بها، إلا أن أجهزة الدولة المعنية لم تذعن لهذه البحوث والدراسات والتوصيات، وظلت تواصل إلقاء مخلفات الصرف والصناعة ببحيرة مريوط، مما يتسبب في إصابة الإنسان بالأمراض المختلفة، فضلاً عن أن ردم البحيرة يقضي على طبقة الصيادين المقدرين بخمسين ألف أسرة يعيشون على مهنة الصيد، وهي مورد رزقهم الوحيد مما يتسبب في تشريدهم، الأمر الذي دعاهم إلى إقامة دعواهم المذكورة للحكم لهم بطلباتهم سالفة البيان.

وقد نظرت المحكمة الشق العاجل من تلك الدعوى على النحو المبين بمحاضر الجلسات، وبجلسة 9/ 8/ 2001 حكمت المحكمة تمهيديًا وبصفة مستعجلة بندب مكتب خبراء وزارة العدل؛ ليندب أحد خبراء الجدول صاحب الدور للانتقال إلى بحيرة مريوط لمعاينة درجة التلوث، ونسبته والجهة المسئولة عنه، وتأثير ذلك على صحة الإنسان، وخواص المياه والصيد بالبحيرة على النحو الوارد بالأسباب، وقدرت أمانة الخبير المنتدب ب 400 جنيه (أربع مئة جنيه) يصرف له نصفها دون إجراءات والنصف الآخر بعد إيداع التقرير، وحددت لنظر الدعوى جلسة 1/ 11/ 2001 في حالة عدم إيداع الأمانة، وجلسة 20/ 12/ 2001 في حالة إيداعها.

وقد حددت المحكمة لنظر الدعوى جلسة 1/ 11/ 2001 نظرا لعدم قيام المدعي بإيداع الأمانة، وتدوولت بجلسات المحكمة على النحو المبين بمحاضر الجلسات، حيث قررت تأجيلها لنظرها مع دعاوى مماثلة.

وبعريضة أودعت قلم كتاب المحكمة بتاريخ 13/ 9/ 2000 أقام المدعون في الدعوى الثانية رقم 9090 لسنة 54 قضائية تلك الدعوى، طالبين الحكم بصفة مستعجلة بوقف تنفيذ قرار محافظ الإسكندرية رقم 3095 لسنة 2000 الصادر في 5/ 8/ 2000 بردم جزء من بحيرة مريوط وما يترتب على ذلك من آثار، أخصها إخلاء المدعى عليه الرابع………. من الأرض وإعادة الحال إلى ما كانت عليه ليمارس المدعون نشاطهم في الصيد المرخص به من الإدارة؛ درءا وتفاديا لما قد يلحقهم وأسرهم من أضرار جسيمة، وفي الموضوع بإلغائه، وإلزام المدعى عليهم المصروفات ومقابل أتعاب المحاماة.

وشرحًا لدعواهم قال المدعون إنه بتاريخ 5/ 8/ 2000 أصدر محافظ الإسكندرية القرار المطعون فيه بتأشيرته على الطلب المقدم من المواطن/ ……. المقيد برقم 3095 في 5/ 8/ 2000 والذي تضمن التصديق على تخصيص قطعة أرض مساحتها 20 فدانًا من بحيرة مريوط لجعلها محطة لتعبئة أسطوانات البوتاجاز. ونعى المدعون على القرار المطعون فيه مخالفته للقانون؛ لأن القانون رقم 124 لسنة 1983 في المادة (20) منه يوجب قبل الشروع في أي أعمال تتعلق بردم مياه البحيرة الرجوع إلى الجهات المختصة وهي وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، والري، والتخطيط، والحكم المحلي، ومعهد علوم البحار، والمصايد، والهيئة العامة لتنمية الثروة السمكية؛ وذلك حتى يتم التأكد بتقرير وافٍ من عدم صلاحيتها للاستغلال السمكي اقتصاديا. كما أن محافظ الإسكندرية أصدر القرار المطعون فيه بناء على طلب مقدم من رجل الأعمال/ ……… بعد تقديمه شيكًا نقديًا لجهاز حماية أملاك الدولة في 2/ 8/ 2000 ودون فحص لطلبه أو جديته، مهدرًا حماية حقوق الصيادين الصادر لهم تراخيص من جهة الإدارة بمزاولة نشاط الصيد بالبحيرة، وجاءت تأشيرة محافظ الإسكندرية على الطلب بعبارة مبهمة في فنون الإدارة غير معروف موقعها تتمثل في: (نصدق) مما يعيب القرار المطعون فيه بعيب الشكل.

وأضاف المدعون أن محافظ الإسكندرية استغل سلطاته الممنوحة له في التصرف في شئون المحافظة، إذ أصدر القرار المطعون فيه بردم جزء مهم من بحيرة مريوط بالمخالفة لأحكام القانون، مستغلاً سلطته ومهدرًا حقوق المدعين وسائر الصيادين الثابتة لهم منذ زمن بعيد بتوارث الأجيال الصيد بتلك البحيرة مما يقطع رزقهم الوحيد، فضلاً عن أن المبالغ التي تقاضتها محافظة الإسكندرية زهيدة وهي تقدر بملايين الجنيهات، مما يجعل قرار محافظ الإسكندرية مشوبًا بعيبي إساءة استعمال السلطة وعدم الاختصاص، الأمر الذي حداهم على إقامة دعواهم الماثلة للحكم لهم بطلباتهم آنفة البيان.

وبعريضة أودعت قلم كتاب المحكمة بتاريخ 8/ 1/ 2001 أقام المدعون في الدعوى الثالثة رقم 1771 لسنة 55 قضائية تلك الدعوى طالبين الحكم بصفة مستعجلة بوقف تنفيذ قرار محافظ الإسكندرية بالترخيص بردم وتجفيف أجزاء من بحيرة مريوط، والسماح للمستثمرين بالبناء عليها، وما يترتب على ذلك من آثار، أخصها عدم تمكين أي فرد أو جهة من ردم أو تجفيف أي جزء من بحيرة مريوط، وفي الموضوع بإلغائه.

وشرحًا لدعواهم قال المدعون إن بحيرة مريوط من البحيرات الطبيعية النادرة، ونظرًا إلى اهتمام الحكومات في مختلف أنحاء العالم بإنشاء بحيرات صناعية تكون مركزا للحياة الاقتصادية والسياحية والترفيهية والاجتماعية ومصدرا للثروة السمكية أو الطيور المهاجرة، فقد كانوا يتوقعون من الأجهزة الحكومية في مصر أن تكون أكثر حرصًا على بحيرة مريوط، إلا أن الأجهزة الحكومية هي أول من خرق القانون بقيام محافظ الإسكندرية بتخصيص العديد من الأفدنة من هذه البحيرة الهامة للمستثمرين بتجفيفها وردمها لإقامة مشروعات عليها وإهدار تلك الثروة الطبيعية، دون أي تحرك من الأجهزة الرقابية في الدولة. ونعى المدعون على قرار محافظ الإسكندرية مخالفته للدستور والقانون؛ إذ إن المادة (33) من الدستور جعلت من الملكية العامة حرمة وحمايتها واجبًا قوميًا. كما أنه طبقًا للمواد 3 و14 و20 من القانون رقم 124 لسنة 1983 في شأن صيد الأسماك والأحياء المائية وتنظيم المزارع السمكية؛ فإن ردم وتجفيف أي جزء من البحيرة يعتبر جريمة تستوجب معاقبة فاعلها.

كما أن القانون المذكور منح الهيئة العامة لتنمية الثروة السمكية التابعة لوزارة الزراعة وحدها الاختصاص بردم أو تجفيف البحيرة الذي يتم طبقًا لإجراءات نص عليها القانون بعد التأكد من عدم صلاحية الجزء المراد تجفيفه للاستغلال السمكي من خلال لجنة حددها القانون على سبيل الحصر، وبالتالي فإن محافظ الإسكندرية يكون قد انتزع لنفسه سلطة لم يمنحها له القانون، إذ لا يجوز له طبقًا للمادتين 81 و87 من القانون المدني أن يتصرف في الأموال العامة المخصصة للمنفعة العامة ومن بينها البحيرات الطبيعية، الأمر الذي يمثل ضررًا للبيئة وحرمانًا لآلاف الأسر التي تعمل بالصيد وهو مصدر رزقها الوحيد، مما حداهم على إقامة دعواهم المذكورة للحكم لهم بطلباتهم آنفة البيان.
وقد نظرت المحكمة الشق العاجل من الدعوى على النحو المبين بمحاضر الجلسات. وتقدمت الجمعية التعاونية لصائدي الأسماك ببحيرة مريوط بطلب تدخلها منضمة للمدعين في هذه الدعوى. وبجلسة 18/ 10/ 2001 قررت المحكمة ضم هذه الدعوى إلى الدعوى رقم 9090 لسنة 54ق للارتباط، كما قررت بجلسة 17/ 1/ 2002 ضم الدعوى رقم 7814 لسنة 54ق إلى الدعوى المشار إليها.

وبعريضة أودعت قلم كتاب محكمة الإسكندرية للأمور المستعجلة بتاريخ 23/ 8/ 2000 أقام المدعون في الدعوى الرابعة رقم 16045 لسنة 2000 د/ 2 تلك الدعوى طالبين الحكم بوقف الأعمال الجارية بالردم في مياه بحيرة مريوط وإزالة التعديات الواقعة من المدعى عليه السادس……

وشرحًا للدعوى قال المدعون إن المدعى عليه السادس (المستثمر المذكور) قام بالردم في مياه بحيرة مريوط من ناحية الطريق الصحراوي بمنطقة مرغم بحوض الـ 3000 فدان استنادًا إلى أن محافظ الإسكندرية خصص له جزءًا من البحيرة لإقامة مشروع تعبئة أنابيب البوتاجاز، مما دعا الصيادين إلى تحرير محضر رقم 2ح شرطة مسطحات بتاريخ 16/ 8/ 2000 ثم محضر آخر بقسم العامرية، وتم تحرير جنحة برقم 17509 لسنة 2000 جنح العامرية. كما أن المهندس المشرف على بحيرة مريوط من قبل الهيئة العامة للثروة السمكية قام بتحرير المحضر رقم 2ح مسطحات بتاريخ 10/ 8/ 2000. ونعى المدعون على القرار المطعون فيه مخالفته للقانون؛ إذ إن إنشاء مصنع لتعبئة أنابيب البوتاجاز فوق البحيرة يمثل ضررًا على البحيرة ذاتها وخطورة على الصيادين لأنهم يقومون أحيانًا بإشعال النيران في البوص الذي ينمو عشوائيًا ويسد منافذ المرور لهم. كما أن ردم جزء من البحيرة سيدمر الثروة السمكية وهي المصدر الوحيد لرزق الصيادين وأسرهم. فضلاً عما تمثله النفايات وعادم هذا المشروع من إبادة للثروة السمكية في بحيرة مريوط، مما حداهم على إقامة دعواهم المذكورة للحكم لهم بطلباتهم سالفة البيان.

وبجلسة 24/ 1/ 2001 حكمت المحكمة المذكورة بعدم اختصاصها ولائيًا بنظر الدعوى وإحالتها إلى محكمة القضاء الإداري بالإسكندرية وأبقت الفصل في المصروفات.

وقد أحيلت الدعوى إلى هذه المحكمة وقيدت برقم 5214 لسنة 55 القضائية، وتدوولت بجلسات المحكمة لنظر الشق العاجل منها على النحو المبين بمحاضر الجلسات، حيث قدم المدعون مذكرة بتحديد طلباتهم بصفة مستعجلة بوقف تنفيذ القرارات الصادرة عن محافظ الإسكندرية بتواريخ 2 و3 و19/ 8/ 2000 بتخصيص مساحة 20 فدانًا للمدعى عليه السادس من بحيرة مريوط بجوار شركة بتروجيت وردم مياه البحيرة، وفي الموضوع بإلغائه، وإلزام محافظ الإسكندرية والمدعى عليه السادس بدفع تعويض مقداره خمسمائة ألف جنيه تعويضًا لهم عما أصابهم من أضرار وما لحقهم من خسارة وما فاتهم من كسب من جراء أعمال الردم التي تمت بالبحيرة.

وبجلسة 18/ 10/ 2001 قررت المحكمة ضم هذه الدعوى إلى الدعوى رقم 9090 لسنة 54ق للارتباط. وبجلسة 17/ 1/ 2002 قررت المحكمة إصدار حكم واحد في هذه الدعوى والدعاوى التي ضمت إليها بجلسة 28/ 3/ 2002.

وبجلسة 2/ 5/ 2002 أصدرت المحكمة حكمها المطعون فيه في الدعاوى الأربع المنضمة لبعضها البعض بعد أن استعرضت بعض النصوص القانونية. واستندت في قضائها إلى أن البحيرات أخضعت لإشراف الهيئة العامة للثروة السمكية وخصصت لتحقيق المنفعة العامة التي تضطلع بها الهيئة المذكورة، وأن المشرع تقديرًا منه لأهمية البحيرات حظر حظرًا مطلقًا على أيه جهة حكومية أو غير حكومية تجفيف أي مساحة من البحيرات إلا في حالة استثنائية وحيدة، وهي حالة إذا ما تقرر بموجب تقرير لجنة مختصة عدم صلاحية المساحة المجففة للاستغلال السمكي اقتصاديًا. والقرار الذي يصدر بتجفيف أي مساحة من البحيرات دون أن تقرر تلك اللجنة ذلك يكون معدومًا، ويشكل جريمة جنائية معاقبا عليها قانونًا، وأن المشرع بموجب قانون البيئة ألزم الجهة الإدارية المختصة أو الجهة المانحة للترخيص بتقييم التأثير البيئي للمنشأة المطلوب الترخيص فيها، وأنه يجب المحافظة على البحيرات نظيفة دون تلوث، وأن البادي من ظاهر الأوراق أنه بتاريخ 2/ 8/ 2000 تقدم المستثمر……… بطلب إلى محافظ الإسكندرية لتخصيص مساحة عشرين فدانًا مجاورة لشركة بتروجيت ومواجهة لشركة الإسكندرية للبترول لإقامة محطة لتعبئة أسطوانات البوتاجاز، ووافق محافظ الإسكندرية على هذا الطلب، ثم سدد المستثمر المذكور رسم النظر، وأخطره رئيس جهاز حماية أملاك الدولة بأنه لا مانع من السير في إجراءات التخصيص بعد إجراء المعاينة على الطبيعة وقيام المستثمر بتسوية أرض الموقع. وبتاريخ 9/ 8/ 2000 تقدم أحد المسئولين بالهيئة العامة لتنمية الثروة السمكية ببلاغ إلى شرطة المسطحات المائية بالإسكندرية بأن هناك أعمال ردم تتم بصورة مكثفة في منطقة مرغم خلف شركة البتروجيت بحوض الـ3000 فدان بحيرة مريوط، فقامت الشرطة بإجراء تحقيق قيد بالمحضر 2 أحوال، كما عرضت الهيئة المذكورة مذكرة بالموضوع على نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الزراعة الذي أرسل خطابه بتاريخ 14/ 8/ 2000 إلى محافظ الإسكندرية للتحقيق في الأمر وإصدار توجيهاته لوقف الردم فورًا، غير أن المحافظ وافق بتاريخ 19/ 8/ 2000 على ردم تلك المساحة من الحوض حتى يتمكن المستثمر المذكور من تسوية المسطح المائي واتخاذ الإجراءات لإنشاء المشروع، فتقدم الصيادون ببلاغ إلى المحامي العام نظرًا لتقاعس الشرطة، حيث قيد المحضر برقم 17509 لسنة 2000 وتأشر عليه من النيابة العامة بأن الجهة الإدارية وشأنها في تنفيذ قراراتها.

واستطرد الحكم المطعون فيه أنه تم تشكيل لجنة بمعرفة وزير الزراعة، قامت بالمعاينة على الطبيعة بتاريخ 18/ 9/ 2000 وأودعت تقريرها بوجود أعمال ردم لمساحة سبعة أفدنة في مياه عميقة بعمق ثلاثة أمتار وبينت الأضرار التي أصابت الأسماك والصيادين، ورغم ذلك استصدر المستثمر من حي العامرية في 18/ 7/ 2001 ترخيصًا بالبناء برقم 152 لسنة 2001 لإنشاء مصنع تعبئة أنابيب البوتاجاز. وأخطر جهاز شئون البيئة المحافظة بتاريخ 3/ 8/ 2001 بعدم الموافقة على المشروع. وبتاريخ 28/ 8/ 2001 أصدر وزير الزراعة القرار رقم 2251 لسنة 2001 بأن تزال بالطريق الإداري جميع التعديات والإشغالات أيا كان نوعها الواقعة على حوض الصيد المسمى بحوض الـ3000 فدان من بحيرة مريوط، وتم إخطار الشرطة لتنفيذ هذا القرار، غير أنها رفضت تنفيذه، وبتاريخ 29/ 9/ 2001 أرسل وزير الزراعة لمحافظ الإسكندرية الالتماس المقدم من المستثمر المذكور للموافقة على إنشاء المصنع في ذات المنطقة حيث تأشر عليه من المحافظ بعبارة: “نصدق ولا يوجد تعدٍ حيث إنها أملاك دولة والمشروع ذو أهمية للإسكندرية والبحيرة ويخطر المستثمر وحي العامرية لإصدار الترخيص”.

وأضافت المحكمة أن البادي من ظاهر الأوراق أن محافظ الإسكندرية أصدر قراره المطعون فيه بردم وتجفيف عشرين فدانا بحوض الـ3000 فدان ببحيرة مريوط وتخصيصها للمستثمر المذكور لإقامة المشروع المشار إليه، في حين أن الاختصاص معقود للهيئة العامة لتنمية الثروة السمكية بعد قيام اللجنة المعنية بتقرير عدم صلاحية المساحة، ومن ثم يكون القرار المطعون فيه قد صدر عن جهة غير منوط بها إصداره قانونًا، مما يشوبه بعيب جسيم ينزل به إلى حد الانعدام مما يتوافر معه ركن الجدية في طلب وقف تنفيذه.

وعن طلب وقف تنفيذ قرار الجهة الإدارية السلبي بالامتناع عن صرف مخلفات الصرف الصناعي والزراعي والصحي ببحيرة مريوط دون معالجة كاملة وما يترتب علي ذلك من آثار أخصها وقف الصرف بالبحيرة دون إجراء المعالجة الكافية طبقًا للمعايير والمواصفات العلمية السليمة المقررة قانونًا وليست معالجة أولية أو ابتدائية ووفقًا لما انتهت إليه الهيئات العلمية المتخصصة وجهاز شئون البيئة، فقد استعرضت المحكمة بعض النصوص وعرض الجداول الخاصة بالمعايير والمواصفات الواجب توافرها في مياه الصرف الصحي والمخلفات الصناعية السائلة التي يرخص بصرفها إلى مسطحات المياه العذبة، وذهبت المحكمة إلى أن البادي من ظاهر الأوراق وما قرره العلماء والباحثون والجهات المعنية بالبحوث المائية والبيئية أن الجهة الإدارية لا تلتزم بالحفاظ على المواصفات والمعايير التي أوجبتها التشريعات المتنوعة في مخلفات الصرف الصناعي والزراعي والصحي التي تصرف في بحيرة مريوط. وأثبت العلماء في بحوثهم تشبع البحيرة بالملوثات، وهو ما تأكد للمحكمة من مطالعتها للأبحاث المنشورة باللغتين العربية والإنجليزية، ومن ثم فإن المعالجة باتت ضرورية وجوهرية متعارف عليها علميًا، وعليه يكون هذا القرار المطعون عليه مخالفًا للقانون مما يتوافر معه ركن الجدية في طلب وقف تنفيذه.

وخلصت المحكمة في قضائها المطعون عليه إلى توافر ركني الجدية والاستعجال في طلب وقف تنفيذ القرارات المطعون عليها وأصدرت حكمها المشار إليه.

لم يلق هذا القضاء قبولاً لدى الجهة الإدارية الطاعنة في الطعن الأول رقم 9847 لسنة 48ق عليا فأقامت طعنها ناعية عليه مخالفة القانون والخطأ في تطبيقه وتأويله لما يلي: أولاً – عدم قبول الدعوى رقم 7814 لسنة 54ق لعدم اقتران طلب وقف تنفيذ القرارات المطعون فيها بطلب إلغائها. وثانيًا – تغاضي الحكم عن التحقق من توافر ركن الاستعجال في وقف تنفيذ قرار المحافظ المطعون فيه الصادر في 3/ 8/ 2000، وخالف الثابت بالأوراق حيث طويت المستندات المقدمة لمحكمة أول درجة على تقرير المعاينة المؤرخ 13/ 2/ 2002 بمعرفة جهاز حماية أملاك الدولة الذي أثبت أن الأرض المخصصة للمشروع قد تم تنفيذ المشروع بالفعل عليها، واكتملت جميع مرافقه من مجمع للورش وقواعد خرسانية لصهاريج الغاز وغرفة الكهرباء بها محول كهربائي وخط مياه لتغذية المشروع تحت الأرض وخط تغذية المصنع بالغاز وغرف الأمن ومبنى إدارة، وأحيط المشروع بالأسوار بعد تسوية الأرض، وبذلك ينتفي ركن الاستعجال ويستحيل إعادة الحال إلى ما كانت عليه، ومن ثم لا توجد نتائج يتعذر تداركها، وكان يتعين على المحكمة أن تقضي برفض طلب وقف تنفيذ القرار المطعون فيه. وثالثًا – قضى الحكم المطعون فيه ببطلان تخصيص الأرض وبطلان ردمها وبطلان ترخيص إنشاء المصنع رقم 152 لسنة 2001 حيث إن القضاء بالبطلان هو قضاء في موضوع الدعوى، دون أن يتم تحضيرها أمام هيئة مفوضي الدولة. ورابعًا – لم يتحقق الحكم من موقع الأرض موضوع قرار التخصيص لإقامة المشروع، حيث قطعت الأوراق بأنها من أملاك الدولة الأميرية الخاصة وغير مخصصة للنفع العام ولا تتبع الهيئة العامة للثروة السمكية وتقع ضمن كردون محافظة الإسكندرية ضمن مساحة 17س 18ط 15041ف بناحية المنشية الجديدة مكلفة 9/ 8 باسم أملاك أميرية، وخلت الأوراق مما يفيد أن هذه المساحة لا تقوم على مجرد الحدس والتخمين، وإنما يلزم مراجعة خرائط الملكية والاستعانة برأي أهل الخبرة، وهو أمر يخرج عن مجال نظر الشق العاجل من الدعوى، ولا يجوز الاعتماد في ذلك على الأقوال المرسلة للمطعون ضدهم أو المستندات التي يصطنعوها، وقد أكد الخبير المنتدب في الدعوى رقم 1680 لسنة 2000 مستعجل الإسكندرية أن قطعة الأرض المخصصة للمشروع (عشرون فدانا) التي تمت تسويتها وأعمال الردم بها كانت في مناطق منخفضة تتخللها مياه ضحلة غير صالحة للصيد، وأنه لم تتم أعمال ردم في مياه صالحة للصيد وفقًا لما أكدته المعاينة وخرائط المنطقة والصور الفوتوغرافية وأقوال شيوخ الصيادين، وأن أعمال تسوية الأرض لم يترتب عليها أي ضرر للصيادين. وخامسًا – أما القرار الثاني المطعون فيه بامتناع جهة الإدارة عن صرف المخلفات في مياه البحيرة دون معالجة كاملة فالحكم صدر مستندا إلى أقوال مرسلة من المطعون ضدهم وإلى أدلة من اصطناعهم، وخلت الأوراق من أي دليل مقبول في الإثبات، وقام الحكم على مجرد أبحاث واجتهادات من بعض الباحثين لا يجوز التعويل عليها بعيدًا عن الواقع، ودون معاينة على الطبيعة توضح الطريقة التي تم بها صرف المخلفات وطرق معالجتها ومدى تأثير ذلك على البيئة وصحة الإنسان، فجاء الحكم غير مستخلص استخلاصًا سائغًا من وقائع مادية أو قانونية تؤدي إليه.

ومبنى الطعن الثاني رقم 9896 لسنة 48ق عليا المقام من………. هو مخالفة الحكم المطعون فيه للواقع مما جعله مشوبًا بمخالفة القانون، حيث افترض أن الأرض التي خصصها محافظ الإسكندرية لمشروع إنشاء محطة تعبئة اسطوانات البوتاجاز هي مال عام جزء منها يقع في بحيرة مريوط وجزء آخر يقع في حرم البحيرة، وأن الطاعن قام بتخطيطها. وتجاهل الحكم أن جهاز شئون البيئة قام بالمعاينة ووافق على المشروع، وأن مزاعم الهيئة العامة لتنمية الثروة السمكية كاذبة ومصطنعة، وأشار إلى بلاغات الصيادين وتجاهل حفظ النيابة العامة لهذه البلاغات، كما تجاهل أن موقع المشروع لا شأن له بحوض الصيد الـ 3000 فدان أو بحيرة مريوط، علمًا بأن أرض المشروع أرض يابسة مملوكة للدولة ملكية خاصة تتبع جهاز حماية أملاك الدولة بالمحافظة، تم تخصيصها بقرار من محافظ الإسكندرية لخدمة المحافظة نظير مقابل الانتفاع، وأكدت الإدارة العامة للتخطيط العمراني أن الموقع يتفق مع التخطيط المعتمد، وأنه يقع بمنطقة وادي القمر (ميرغم)، وهي منطقة منتجات بترولية. وثبت من تقرير الخبير المنتدب أنها أرض يابسة، وأن الطاعن لم يقم بردم مياه صالحة للصيد، وهو ما أكده شيوخ الصيادين والمعاينة والخرائط والصور الفوتوغرافية المرفقة بالتقرير، ولم يعتد الطاعن على الموقع وهو ما سطره المحافظ بخط يده، حيث إنه استلم الموقع بموجب محضر استلام من المحافظة بناء على قرار التخصيص، ولا علاقة لهذه الأرض بالبحيرة أو حرمها. ولكل الافتراضات الخاطئة التي افترضها الحكم المطعون فيه فقد جاءت النتائج خاطئة.

وخلص الطاعنون في تقريري الطعنين إلى طلب الحكم بطلباتهم.

ومن حيث إن الحكم المطعون فيه فيما قضي به من وقف تنفيذ القرارين المطعون فيهما، الأول هو قرار محافظ الإسكندرية الصادر بتاريخ 3/ 8/ 2000 بتخصيص مساحة عشرين فدانًا المجاورة لشركة بتروجيت والمواجهة لشركة الإسكندرية للبترول للمستثمر…….. لإقامة محطة لتعبئة اسطوانات البوتاجاز عليها. والثاني هو قرار الجهة الإدارية السلبي بالامتناع عن صرف مخلفات الصرف الصناعي والزراعي والصحي ببحيرة مريوط والضارة بصحة الإنسان والأسماك دون معالجة كاملة، لا مجرد معالجة أولية.

ومن حيث إنه فيما يتعلق بالقرار الأول بتخصيص الأرض للمستثمر المذكور فإن المادة 49 من قانون مجلس الدولة رقم 47 لسنة 1972 تنص على أنه: “لا يترتب على رفع الطلب إلى المحكمة وقف تنفيذ القرار المطلوب إلغاؤه، على أنه يجوز للمحكمة أن تأمر بوقف تنفيذه إذا طلب ذلك في صحيفة الدعوى ورأت المحكمة أن نتائج التنفيذ قد يتعذر تداركها”.

ومن حيث إنه يشترط لوقف تنفيذ القرار المطعون فيه وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة أن يتوافر ركنان: الأول – هو ركن الجدية ويتمثل في قيام الطعن في القرار – بحسب الظاهر من الأوراق – على أسباب جدية من حيث الواقع والقانون، تحمل على ترجيح الحكم بإلغائه عند نظر الموضوع. والثاني – ركن الاستعجال بأن يكون من شأن استمرار القرار وتنفيذه نتائج يتعذر تداركها فيما لو قضي بإلغائه.

ومن حيث إن الفصل في الطلب المستعجل يتطلب حتمًا أن يكون ركن الاستعجال قائمًا أمام المحكمة، سواء أمام محكمة القضاء الإداري عند نظرها الطلب ابتداء، أو أمام المحكمة الإدارية العليا حال تصديها لنظر الطعن في الحكم الصادر عن محكمة القضاء الإداري، فإذا زال ركن الاستعجال المحتم لزاما وحتما بالآثار التي ينتجها القرار المطعون فيه التي من شأنها ترتيب نتائج يتعذر تداركها، تعين القضاء برفض طلب وقف التنفيذ لعدم توافر ركن أساسي من أركانه، بغض النظر عما يكون عليه أمر الجدية في الطلب من قيامه أو عدم قيامه بحسب الظاهر على أساس من القانون، يبرر اصطباغه بصبغة الجدية، وهو الركن الثاني اللازم للقضاء بوقف التنفيذ. والركنان في قضاء هذه المحكمة لازمان يتطلبان في القضاء بوقف التنفيذ، فلا يغني أحدهما عن ضرورة توافر الآخر، فلا يجوز القضاء بوقف التنفيذ إلا إذا توافر له ركناه، فيدور معهما وجودًا وعدمًا، فإذا تم تنفيذ القرار بالفعل فإنه لا يسوغ التصدي للفصل في طلب وقف التنفيذ، لانتفاء جدوى الحكم في هذه الحالة، فالحكم الذي يقضي في طلب وقف التنفيذ استقلالاً بعد تمام تنفيذ القرار يكون واردًا على غير محل، لانتفاء ركن الاستعجال المتمثل في الخشية من فوات الوقت، الأمر الذي يكون من المتعين معه رفض طلب وقف التنفيذ.

ومن حيث إنه بتطبيق ما تقدم بالنسبة لقرار محافظ الإسكندرية بتخصيص مساحة عشرين فدانا لإقامة المشروع المشار إليه فإن الثابت بالأوراق – ومنها حافظة مستندات الجهة الإدارية المقدمة للمحكمة المطعون على الحكم الصادر عنها بجلسة 28/ 2/ 2002 رفق طلب الإعادة للمرافعة – أن لجنة فنية من جهاز حماية أملاك الدولة قامت بمعاينة الأرض المخصصة للمشروع على الطبيعة بتاريخ 13/ 2/ 2002، وتبين لها الانتهاء من البناء على تلك الأرض، وذلك بإحاطتها بالأسوار وعمل البوابات الحديد بعد تسوية الأرض بمستوى الطريق الصحراوي وبناء المبنى الإداري من دورين بالخرسانة المسلحة ومجمع الورش وعمل القواعد الخرسانية لصهاريج الغاز ومبنى خرساني لمضخات الغاز وغرف الأمن بجوار البوابات وحبسة خرسانية لصهاريج المياه، مع وجود خط مياه خاص لتغذية المشروع تحت الأرض وخط للتغذية بالغاز، بالإضافة إلى غرفة خرسانية بها محول كهربائي. كما أن الثابت من حافظة المستندات المقدمة لهذه المحكمة بجلسة 21/ 2/ 2007 انطواءها على قرار رئيس الجمهورية رقم 374 لسنة 2006 بناء على موافقة مجلس الوزراء وبناء على ما عرضه وزير الزراعة واستصلاح الأراضي بالموافقة على تغيير الغرض لمساحة 20 فدانًا من الاستصلاح والاستزراع إلى إقامة مصنع لتعبئة أنابيب الغاز بناحية ميرغم طريق مصر إسكندرية الصحراوي لشركة…….. بالحدود المرفقة.

ومن حيث إنه بالبناء على ما تقدم وإذ انتفت حالة الاستعجال اللازمة لوقف تنفيذ القرار المطعون فيه مما يستلزم القضاء برفض طلب وقف تنفيذه، وإذ انتهى الحكم المطعون فيه إلى غير هذه النتيجة فإنه يكون قد أخطأ في تحصيل الواقع جديرًا بالإلغاء.

وبالنسبة للقرار الثاني السلبي بالامتناع عن صرف المخلفات ببحيرة مريوط دون معالجة كاملة فإن المادة 10 من قانون مجلس الدولة في فقرتها الأخيرة تنص على أن “….. ويعتبر في حكم القرارات الإدارية رفض السلطات الإدارية أو امتناعها عن اتخاذ قرار كان من الواجب عليها اتخاذه وفقًا للقوانين واللوائح”.

ومن حيث إن المستقر عليه في قضاء هذه المحكمة أن القرار الإداري السلبي يتحقق عندما ترفض الجهة الإدارية أو تمتنع عن اتخاذ إجراء كان من الواجب عليها اتخاذه بحكم القانون، ويعتبر هذا المسلك السلبي من الجهة الإدارية حالة مستمرة ومتجددة، ويمتد الطعن عليه ما بقيت الإدارة على موقفها. ومناط قيام القرار السلبي الجائز الطعن عليه أن تكون هناك قاعدة قانونية عامة تقرر حقًا أو مركزًا قانونيًا لاكتساب هذا الحق. بحيث يكون تدخل الإدارة لتقريره أمرًا واجبًا عليها متى طلب منها ذلك، ويتمثل ذلك المسلك السلبي إما برفض الجهة الإدارية صراحة أو ضمنا بالامتناع عن اتخاذ الإجراء أو القرار الملزمة بإصداره. ويتفرع عن ذلك أنه إذا لم يكن ثمة إلزام على الجهة الإدارية بأن تتخذ موقفًا إيجابيًا ولم تقم باتخاذه فإن رفضها أو سكوتها لا يشكل حينئذ الامتناع المقصود من المادة العاشرة من قانون مجلس الدولة، وبالتالي لا يوجد في هذه الحالة أي قرار إداري سلبي مما يجوز الطعن فيه أمام مجلس الدولة.

ومن حيث إنه بتطبيق ما تقدم بالنسبة للقرار الثاني السلبي المشار إليه بالامتناع عن صرف المخلفات ببحيرة مريوط دون معالجة كاملة فإن الأوراق قد خلت من أي التزام قانوني أو لائحي على الجهة الإدارية بأن تكون تلك المعالجة للمخالفات كاملة، كما لم تحدد تلك الجهة الملتزمة بذلك قانونًا، وخلت كذلك مما يفيد تقاعس جهة إدارية محددة عن إجراء تلك المعالجة الكاملة، أو أنها معالجة ليست كاملة، ومن ثم فإن هذه المحكمة لم يتسنَّ لها الوقوف على حقيقة الإجراء الذي لم تنهض الجهة الإدارية به واتخذت بشأنه موقفًا سلبيًا بالمخالفة لأي نص، وإنما استند الحكم المطعون فيه إلى بعض الأبحاث التي تتحدث عن تلوث بحيرة مريوط، وهذه الأبحاث لا تكفي بذاتها لاستنهاض جهة الإدارة وحثها على اتخاذ إجراء معين، وإلا تكون المحكمة قد قضت بعلمها الشخصي. كما لا يجوز للأفراد اللجوء إلى مجلس الدولة لاستصدار أحكام تعد من قبيل التوجيهات الإرشادية العامة غير المحددة لجهة الإدارة، وإلا كان في ذلك افتئات على مبدأ الفصل بين السلطات؛ حيث إنه من القواعد المستقرة أن مجلس الدولة يحكم ولا يدير، أي أنه يفصل في المنازعات دون أن يوجه جهة الإدارة إلى اتخاذ إجراءات لا يلزمها القانون بمفهومة العام باتخاذها. فلا بد أن تكون للمدعي صفة ومصلحة شخصية ومباشرة معتبرة قانونًا، وأن يكون في مركز قانوني ذاتي مسه القرار الإداري حتى يتسنى له اللجوء للقضاء بطلب الحماية القضائية ودفع التعدي على حقه القانوني الذي تعرض للاعتداء عليه. وقد خلت الأوراق من بيان شيء من ذلك، وجاءت أقوال المدعين في الدعوى رقم 7814 لسنة 54ق مرسلة المضمون، وهو ما دعا المحكمة في تلك الدعوى إلى إصدار حكمها التمهيدي بندب خبير لمعاينة درجة التلوث في البحيرة والجهة المسئولة عنه وتأثير ذلك على صحة الإنسان وخواص المياه، ثم عدلت المحكمة عن هذا الحكم التمهيدي.

وحيث لم تقدم المستندات الدالة على صفة المدعيين في رفع الدعوى أو مصلحتهم الشخصية والمباشرة ومركزهم القانوني الذاتي الذي اعتدي عليه، كما لم تقدم المستندات الدالة على صحة ادعاءاتهم سوى الإشارة إلى أبحاث منشورة وتوصية لمجلس الشعب بصرف مخلفات الصرف الصحي في الصحراء نظرًا لتشبع بحيرة مريوط بالتلوث، دون أن يثبت في الأوراق أن تلك المخلفات يتم صرفها بالفعل دون معالجة كاملة، وأنها تصرف إلى البحيرة بعد معالجة أولية أو غير كاملة، وكل هذا لا يصلح دليلاً للإثبات، ما يجوز معه اللجوء إلى القضاء ورفع الدعوى، حيث ينتفي في النهاية وجود القرار الإداري السلبي بالامتناع في مفهوم المادة العاشرة من قانون مجلس الدولة، فما كان يجوز قبول دعواهم والحال كذلك، ويكون الحكم المطعون فيه وقد خالف هذا النظر قد خالف التطبيق الصحيح لحكم القانون جديرًا بالإلغاء ورفض طلب وقف تنفيذ القرار المطعون فيه الثاني.

ومن حيث إن من يخسر الطعن يلزم مصاريفه عملاً بالمادة 184 من قانون المرافعات.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وبإلغاء الحكم المطعون فيه، وبرفض طلب وقف تنفيذ القرارين المطعون فيهما، وألزمت المطعون ضدهم المصروفات.

الفهرس الموضوعي للنقض المدني المصري / م / مسئولية - مسئولية الدولة / مسئولية الدولة عن ديون الشركة المؤممة




مسئولية الدولة عن سداد التزامات الشركات والمنشآت المؤممة. حدودها.



الفهرس الموضوعي للنقض المدني المصري / م / مسئولية - المسئولية الشيئية / مسئولية حارس الحيوان



مسئولية حارس الحيوان. م 176 مدني. أساسها. خطأ مفترض وقوعه من الحارس لا يقبل إثبات العكس. ارتفاع مسئوليته إذا أثبت أن وقوع الضرر بسبب أجنبي لا يد له فيه.