جلسة 6 من مارس سنة 1976
برئاسة المستشار محمد عبد الوهاب خليل نائب رئيس المحكمة وعضوية
المستشارين عادل عزيز زخاري وعمر حافظ شريف نائبي رئيس المحكمة ومحمد بهجت عتيبة
وأبو بكر محمد عطية وطه أحمد أبو الخير ومحمد فهمي حسن عشري وحضور المستشار محمد
كمال محفوظ مفوض الدولة والسيد/ سيد عبد الباري إبراهيم أمين السر.
-----------------
(32)
القضية 8 لسنة 5 ق "دستورية"
(أ) محكمة عليا - ولايتها في رقابة دستورية القوانين - ليست جهة طعن بالنسبة الى محكمة الموضوع - الدفع بعدم اختصاص محكمة الموضوع - محكمة الموضوع - دون المحكمة العليا - صاحبة الولاية في الفصل فيه .
(ب) دعوى دستورية - المصلحة فيها . المصلحة الأدبية تكفي لقبولها
(ج) تفويض تشريعي - بيان الشروط اللازمة لسلامة التفويض وصحته وفقا للدستور - الغرض الذي استهدف الشارع الدستوري من هذه الشروط.
(د) تفویض تشریعی - القانون رقم ١٥ لسنة ١٩٦٧ بتفويض رئيس الجمهورية في اصدار قرارات لها قوة القانون - صدوره في ظروف استثنائية تبرره .
(هـ) تفویض تشریعي - مدة التفويض - القانون رقم ١٥ لسنة ١٩٦٧ المشار اليه - ربطه بالظروف الاستثنائية التي اقتضت اصداره يتوافر معه شرط تحديد مدة التفويض.
(و) تفویض تشریعي - موضوع التفويض - القانون رقم ١٥ لسنة ١٩٦٧ المشار اليه - المادة الأولى منه - شطرها الأول - تحديده موضوعات معينة يجرى فيها التفويض . اتسام هذا التحديد بالسعة - املته الظروف الاستثنائية التي صدر فيها - ماتضمنته العبارة الاخيرة من المادة المذكورة من تفويض عام - لا ينفي عن الشطر الأول من النص شرط استيفانه لشرط التعيين بالنسبة الى الموضوعات المحددة فيه .
(ز) تفویض تشریعي - اسس التفويض - القانون رقم ١٨ لسنة ١٩٦٧ المشار اليه. ارسی اساسا عاما يقيد السلطة التنفيذية فيما تصدره من من قرارات تفويضية - بيان ذلك .
(ح) تفویض تشریعی - مبدا سيادة القانون - التفويض التشريعي الذي تضمنه القانون رقم ١٥ لسنة ١٩٦٧ بالضوابط والقيود التي صدر على مقتضاها - لا يتعارض مع مبدأ سيادة القانون - بيان ذلك .
(ط) تفويض تشريعي - القرارات بقوانين التي يصدرها رئيس الجمهورية بناء على هذا التفويض لها قوة القانون - اثر ذلك - هذه القرارات تتناول كل ما يتناوله التشريع الصادر من السلطة التشريعية بما في ذلك الموضوعات التي نص الدستور على أن يكون تنظيمها بقانون.
(ی) تفویض تشریعی - حكمه فى الدستور الفرنسي - الفتوى الصادرة من مجلس الدولة الفرنسي في ٦ من فبراير سنة ١٩٥٣ - تعتبر كاشفة لحكم المادة ١٣ من الدستور الفرنسي الصادر سنة ١٩٤٦ فى حظر التفويض التشريعي في الموضوعات المحجوزة للبرلمان - تغير الحكم في الدستور الفرنسي الصادر سنة ١٩٥٨ - المادة ٣٨ من هذا الدستور إجازتها التفويض التشريعي فى الموضوعات المحتجزة للقانون بموجب الدستور بيان ذلك .
(ك) قرارات تفويضية - القرار بقانون رقم ٤٨ سنة ١٩٦٧ بإنشاء محكمة الثورة - له قوة القانون - اثر ذلك - له ان يتناول بالتنظيم الموضوعات التي عينها قانون التفويض الذي صدر بالاستناد إليه ولو كانت من الموضوعات التي نص الدستور أن يكون تنظيمها بقانون .
(ل) محكمة الثورة - الختصاص فضائي - المادة الأولى من القرار بقانون رقم ١٨ سنة ١٩٦٧ المشار اليه - تخويلها رئيس الجمهورية سلطة احالة الجرائم المنصوص عليها فيها الى محكمة الثورة - هذه السلطة مقصورة على الجرائم التي أوردها النص وتتم في نطاق الاختصاص الذي عينه القرار بقانون للمحكمة - اثر ذلك ـ لا ينطوي تخويل رئيس الجمهورية هذه السلطة على تعديل اختصاص جهات القضاء الأخرى بيان ذلك .
(م) محكمة الثورة - سلطة التحقيق والادعاء - المادة الرابعة من القرار بقانون رقم 48 لسنة ١٩٦٧ المشار اليه - تخويلها رئيس الجمهورية تحديد من يمثل سلطة التحقيق والادعاء بالنسبة الى الدعاوى التي تنظرها محكمة الثورة في قرار التشكيل - لا تسري على مخالفة الدستور - اساس ذلك.
(ن) محكمة الثورة - احكامها - المادة السابعة من القرار بقانون رقم ٤٨ لسنة المشار اليه - نصها على ان احكام محكمة الثور نهائية ولا يجوز الطعن فيها - يوافق الدستور - اساس ذلك
(س) طعن دستوری - القرار بقانون رقم ٤٨ لسنة ١٩٦٧ بإنشاء محكمة الثورة - العبارة الأخيرة من مادته الأولى - نصها على تخويل رئيس الجمهورية ان يحيل الى محكمة الثورة الأفعال التي تعتبر ضد المبادئ التي قامت عليها الثورة - لا يخل سلامة ما نص عليه المادة المذكورة من تحديد واضح لاختصاص محكمة الثورة بالفصل في الجرائم المنصوص عليها فيها - أثر ذلك - الطعن على النص لهذا السبب غير مجد
(ع) محكمة الثورة - اجراءات التحقيق والمحاكمة - المادة الثالثة من القرار بقانون رقم ٤٨ لسنة ١٩٦٧ المشار اليه - نصها على عدم تقيد محكمة الثورة فيما تباشره من اجراءات التحقيق والمحاكمة لا بما يرد في قرار تشكيلها - لا يخالف الدستور - أساس ذلك .
(ف) محكمة الثورة - رد القضاة - المادة الخامسة من القرار بقانون رقم ٤٨ لسنة ١٩٦٧ المشار اليه - نصها على عدم جواز رد هيئة المحكمة أو أحد أعضائها - لا يخالف الدستور - اسباس ذلك - ان حق المتقاضين في رد القضاة ليس من الحقوق الدستورية المقررة بنص الدستور ولا يمس منع الرد باستقلال القضاء ولا يخل بحق الدفاع ولا بمبدأ المساواة - بيان ذلك.
-----------------
(1) إن قضاء هذه المحكمة جرى بأن المحكمة
العليا ليست جهة طعن بالنسبة إلى محكمة الموضوع وإنما هي جهة اختصاص أصيل حدده قانون إنشائها،
ولئن كانت الدعوى الدستورية لا ترفع إلا بطريق الدفع الذي يثار أمام محكمة الموضوع
إلا أنها متى رفعت إلى المحكمة العليا فإنها تستقل عن دعوى الموضوع لأنها تعالج
موضوعا مغايرا لموضوع الدعوى الأصلية الذي يتصل به الدفع بعدم الاختصاص، ومن ثم تكون محكمة الموضوع - دون المحكمة العليا - صاحبة الولاية في الفصل
فيه، ولا يعرض أمر الاختصاص على هذه المحكمة إلا حيث يكون هناك تنازع على الاختصاص
بين جهات القضاء ويطلب إليها تعيين الجهة المختصة بنظر النزاع تطبيقا للفقرة
الرابعة من المادة الرابعة من قانون المحكمة العليا.
(2) إن الثابت من الحكم الصادر من محكمة الثورة في قضية الجناية رقم 1 لسنة 1971 المدعي العام الاشتراكي
المرفقة بالدعوى أن المدعي أحيل إلى محكمة الثورة متهما بالاشتراك مع آخرين بوصفهم من الوزراء
العاملين بالدولة في ارتكاب جناية الخيانة العظمى، وقضت المحكمة المذكورة في 9 من ديسمبر
سنة 1971 بإدانته ومعاقبته بالحبس مع الشغل لمدة سنة وأمرت بوقف تنفيذ العقوبة
لمدة ثلاث سنوات، ولما كان انقضاء مدة وقف تنفيذ العقوبة دون أن يصدر خلالها حكم
بإلغائه وإن كان يترتب عليه اعتبار الحكم كأن لم يكن عملا بنص المادة 59 من قانون العقوبات وسقوطه بكافة آثاره الجنائية وهو ما يعد بمثابة رد اعتبار قانوني للمحكوم عليه، إلا أن للمدعي مصلحة أدبية في أن تعاد محاكمته
لإثبات براءته من الجريمة التي نسب إليه ارتكابها وإزالة الشوائب والظلال التي علقت
باسمه بسبب اتهامه وهو ما يستهدف من رفع الدعوى توصلا إلى إعادة محاكمته أمام محكمة مختصة وفقا لتصويره.
(3) إن الأصل، تطبيقا لمبدأ الفصل بين
السلطات، الذي قننته الدساتير في مصر على نحو يكفل التوازن والتعاون بينها، أن
تختص السلطة التشريعية بوظيفة التشريعات وأن تمارسها بنفسها على مقتضى القواعد
الدستورية وفقا لما تنص عليه المادة 47 من دستور
سنة 1964 التي تقابل المادة 86 من الدستور
القائم، فلا تتخلى عنها للسلطة التنفيذية، إلا أنه نظرا لما تقتضيه الظروف
الاستثنائية التي قد تحل بالبلاد من ضرورة مواجهتها في سرعة وحسم بتشريعات عاجلة فقد أجازت الدساتير
الصادرة في سنة 1956 وسنة 1964 وسنة 1971 تفويض السلطة التنفيذية (رئيس الجمهورية)
في إصدار قرارات لها قوة القانون. وقد حرص
الشارع إذ أباح هذا التفويض على أن يضع له من الضوابط والقيود ما يكفل جعل زمام التشريع في يد السلطة التشريعية
المختصة وذلك بتقييده من حيث الظروف التي تبرره وأمد سريانه والموضوعات التي يرد عليها والأسس
التي تقوم عليها، وقد يشترط الشارع الدستوري توافر أغلبية خاصة لإقرار قانون التفويض
وضرورة عرض هذه القرارات بقوانين على السلطة التشريعية في أول جلسة بعد انتهاء مدة
التفويض فإذا لم تعرض أو عرضت ولم توافق عليها السلطة التشريعية زال ما كان لها من قوة
القانون، وهو ما تنص عليه المادة 108 من الدستور
القائم، وذلك كله حتى لا يؤدي التفويض إلى نزول السلطة التشريعية عن اختصاصها
وبذلك يوفق الشارع الدستوري بين مقتضيات نظام الفصل بين السلطات وكفالة قيام
السلطات بوظائفها الدستورية وبين الاعتبارات العملية الملحة التي تقتضي تفويض رئيس
الجمهورية في ممارسة وظيفة التشريع على سبيل الاستثناء لمواجهة تلك الظروف
الاستثنائية، وقد نص دستور سنة 1964 الذي صدر في ظله القانون رقم 15
لسنة 1967 المطعون فيه في المادة 120 منه على أن "لرئيس الجمهورية في الأحوال الاستثنائية بناء على
تفويض من مجلس الأمة أن يصدر قرارات لها قوة القانون ويجب أن
يكون التفويض لمدة محدودة وأن يعين موضوعات هذه القرارات والأسس التي تقوم
عليها" ويستفاد من هذا النص أنه يشترط لسلامة التفويض وصحته أن تطرأ ظروف استثنائية
تبرره وأن يكون محدود المدة معين الموضوعات التي يجرى فيها والأسس التي يقوم
عليها، وكلها قيود على السلطة التنفيذية حتى لا تمارس ذلك الاختصاص الاستثنائي
بإصدار قرارات لها قوة القانون إلا أن
تقوم مبرراته ودواعيه على أن يكون ذلك في الحدود وفقا للضوابط التي تضعها السلطة
التشريعية صاحبة الاختصاص الأصيل في ممارسة وظيفة التشريع.
(4) يبين من نصوص القانون رقم 15
لسنة 1967 وأعماله التحضيرية التي تقدم ذكرها أنه صدر في ظروف كانت تنذر باندلاع
الحرب بين مصر وإسرائيل مما يعرض أمن البلاد
وسلامتها لأخطار جديدة، وقد نشبت الحرب فعلا في الخامس من شهر يونيه سنة 1967 بعد نحو أسبوع من تاريخ صدور ذلك القانون. ولا جدال
في أن هذه ظروف استثنائية يقتضي أمن الدولة
وسلامتها مواجهتها في سرعة وحسم، ومن ثم تبرر
تفويض رئيس الجمهورية في ممارسة سلطة التشريع استثناء تحقيقا لهذا الهدف.
(5) إنه عن الشرط الثاني الخاص بتحديد مدة
التفويض، وهو القيد الزمني الذي يحول دون إطلاقه، فإن الشارع قدر أن تحديد هذه
المدة بوحدات قياس الزمن العادية
كالسنة والشهر أمر بالغ الصعوبة بل يكاد يكون مستحيلا لأن المعركة بين مصر
وإسرائيل متأرجحة تتغير من يوم لآخر وليس واضحا ما إذا كانت الظروف الاستثنائية تنتهي في أمد
محدد ولهذا اتخذ معيارا آخر لتحديد مدة التفويض فربطه بالظروف التي اقتضت إصداره،
وهي ظروف موقوتة بطبيعتها بحيث يبقى ما بقيت هذه الظروف وتنتهي بانتهائها وبهذا
يتوافر شرط تحديد المدة.
(6) إنه عن الشرط الثالث المتعلق بتعيين
الموضوعات التي يرد عليها التفويض فإن المادة الأولى من القانون رقم 15
لسنة 1967 قد حددت في شطرها الأول موضوعات معينة هي تلك التي تتعلق بأمن الدولة وسلامتها وتعبئة إمكانياتها البشرية والمادية ودعم المجهود
الحربي والاقتصاد الوطني - ولئن كان هذا التحديد قد اتسم بشيء من السعة،
فإن ذلك قد أملته حالة الحرب وهي الظرف الاستثنائي الذي اقتضى إصدار قانون التفويض
لمواجهة هذه الحالة بأداة التشريع العاجل حماية لأمن البلاد
وسلامتها ودفعا للأخطار عنها ودعما لقواتها العسكرية في معركتها مع العدو - أما ما
تضمنته العبارة الأخيرة في المادة المذكورة من تفويض رئيس الجمهورية في إصدار قرارات لها قوة القانون "بصفة عامة في كل ما يراه ضروريا لمواجهة الظروف الاستثنائية" -
فإنه لا ينفي عن الشطر الأول من النص استيفاءه لشرط تعيين الموضوعات التي يرد عليها التفويض وذلك
بالنسبة إلى الموضوعات المحددة فيه على الوجه السابق بيانه.
(7) إنه بالنسبة للأسس التي تقوم عليها
الموضوعات التي فوض رئيس الجمهورية في إصدار قرارات بشأنها فإنها تستفاد من العبارة
الأخيرة من نص المادة الأولى من القانون رقم 15
لسنة 1967 المتقدم ذكرها، فضلا عن المذكرة الإيضاحية والأعمال التحضيرية لهذا القانون،
فقد أرسى القانون أساسا
عاما يقيد السلطة التنفيذية فيما تصدره من قرارات بقوانين بمقتضى التفويض وهو أن تكون هذه القرارات ضرورية
لمواجهة الظروف الاستثنائية التي حلت بالبلاد بالسرعة والحسم الواجبين، وأن تكون
ممارسة رئيس الجمهورية لهذا الاختصاص الاستثنائي بالقدر الضروري لمواجهة هذه
الظروف.
(8) إن الدستور وقد حدد الوظائف المنوطة
بسلطات الدولة ووضع الضوابط والقيود لأدائها بما يكفل التوازن والتعاون بينها، فإن
ممارسة هذه السلطات للوظائف التي ناطها بها الدستور وفق الضوابط وفي الحدود التي
رسمها لا تتعارض بداهة من الناحية الدستورية مع الأحكام الأخرى التي ينص عليها الدستور - لذلك فإن
التفويض التشريعي الذي تضمنه القانون رقم 15
لسنة 1967، وقد صدر وفقا للضوابط والقيود التي تنص عليها المادة 120 من دستور
سنة 1964 الذي صدر في ظله ومتفقا مع حكمها على ما تقدم، لا يترتب على صدوره
وممارسته وفقا للضوابط والقيود التي صدر على مقتضاها إعفاء السلطة التنفيذية
وتحللها من الخضوع للقانون، ومن ثم فلا
يتعارض هذا القانون ولا
يخالف نص المادتين 64، 65 من الدستور القائم.
(9) إن دستور سنة 1964 الذي صدر القرار
بقانون المطعون
فيه في ظله إذ نص في المادة 120 منه آنفة الذكر على أن "لرئيس الجمهورية في الأحوال الاستثنائية
بناء على تفويض من مجلس الأمة أن يصدر قرارات لها قوة القانون ويجب أن
يكون التفويض لمدة محددة وأن يعين موضوعات هذه القرارات والأسس التي تقوم
عليها" إن مؤدى ذلك أن المشرع الدستوري أجاز للسلطة التشريعية تفويض رئيس
الجمهورية في إصدار قرارات لها قوة القانون بالشروط
الواردة بهذا النص، وأنه بصدور هذا التفويض مستوفيا شرائطه ينتقل الاختصاص
التشريعي لمجلس الأمة إلى رئيس الجمهورية في الموضوعات التي فوض فيها، ويكون له حق
ممارسة صلاحيات هذا المجلس في خصوص ما فوض فيه، ومن ثم تكون
القرارات بقوانين التي يصدرها رئيس الجمهورية بناء على هذا التفويض لها قوة
القانون وتتناول
كل ما يتناوله التشريع الصادر من السلطة التشريعية بما في ذلك الموضوعات التي نص الدستور على أن يكون
تنظيمها بقانون.
(10) إن استناد المدعي إلى الفتوى الصادرة من مجلس
الدولة الفرنسي في 6 من فبراير سنة 1952 لتأييد دفاعه القائم على عدم دستورية التفويض
التشريعي في المسائل التي احتجزها الدستور للقانون استناداً
في غير موضعه، ذلك أنه يبين من تقصي الملابسات التي صدرت فيها هذه الفتوى أنها تتعلق بتفسير المادة 13 من دستور فرنسا الصادر في سنة 1946 والتي تنص على أن تصوت الجمعية الفتوى
أنه لا يجوز للبرلمان أن يعهد للحكومة في قانون التفويض بالتشريع في مسائل محجوزة له بموجب الدستور أو بمقتضى العرف
الدستوري وإنما يجوز التفويض في الموضوعات التي حجزها البرلمان لنفسه وتدخل في
تنظيمها فأصبحت محجوزة له طبقا للقانون، وقد كشفت هذه الفتوى حكم المادة 13 من دستور 1946 التي كان نصها صريحا في حظر التفويض التشريعي في الموضوعات
المحجوزة للبرلمان، وواضح من ذلك أن الفتوى المذكورة صدرت في ظل نظام دستوري لم يكن يجيز التفويض
في التشريعات بحظر صريح تضمنته المادة 13 سالفة الذكر وهو وضع يختلف عن الوضع في النظام الدستوري المصري الذي
صدر في ظله قانون التفويض رقم 15 لسنة 1967 حيث أباح دستور سنة 1964 في المادة 120 منه
التفويض التشريعي، ومن ثم يكون
الاستدلال بهذه الفتوى في غير موضعه. وقد فقدت هذه الفتوى سندها الدستوري بعد
إلغاء الدستور الصادر في سنة 1946 في فرنسا وحلول الدستور الصادر سنة 1958 محله،
فقد أجازت المادة 38 منه تفويض الحكومة في إصدار قرارات لها قوة القانون خلال مدة معينة على أن يتم التفويض بقانون. والتفويض
المقصود بنص المادة المشار إليها هو الذي ينصب على الموضوعات المحتجزة للقانون بموجب الدستور إذ أن الموضوعات غير المحتجزة في الدستور للقانون أصبحت طبقاً للمادة 37 من هذا الدستور ذات صفة لائحية وأصبح تنظيمها يتم بقرارات لائحية دون حاجة
إلى تفويض في ذلك يصدر من السلطة التشريعية.
(11) إنه متى كان لقرار رئيس الجمهورية
بالقانون رقم 48
لسنة 1967 المطعون فيه، والذي صدر بناء على قانون التفويض، قوة القانون الصادر من السلطة
التشريعية على ما تقدم، فإن لهذا القرار بقانون أن
يتناول بالتنظيم الموضوعات التي عينها قانون التفويض الذي صدر بالاستناد إليه ولو كانت من الموضوعات التي نص الدستور على أن يكون تنظيمها بقانون، ويدخل في ذلك
ترتيب جهات القضاء وتعيين اختصاصها، ومن ثم فإن
ما تنص عليه المادة الأولى من القرار بقانون المطعون
فيه عن إنشاء محكمة الثورة وتعيين اختصاص لها لا يخالف المادة 153 من الدستور
آنفة الذكر.
(12) إنه لا وجه لما يثيره المدعي من أن ما
تنص عليه المادة الأولى من القرار بقانون المطعون
فيه من تخويل رئيس الجمهورية سلطة إحالة الجرائم المنصوص عليها فيها إلى
محكمة الثورة مقتضاه تعديل اختصاص جهات القضاء الأخرى، ذلك أن الشطر الأول من المادة المذكورة ينص على أن "تختص المحكمة بالفصل فيما يحيله إليها رئيس
الجمهورية من الدعاوى المتعلقة بارتكاب الجرائم المنصوص عليها في الكتاب الثاني من قانون العقوبات أو في قانون الأحكام
العسكرية أو أية جريمة تمس سلامة الدولة داخليا أو خارجيا أيا كان القانون الذي ينص عليها ......". وقد تضمن هذا الشطر من المادة بذاته
تحديد اختصاص محكمة الثورة بالفصل في الجرائم التي عينها فنص على فئتين من الجرائم
أولاهما حددها النص بأنها تلك التي نص عليها في الكتاب الثاني من قانون العقوبات وعنوانه
"الجنايات والجنح المضرة بالمصلحة العمومية وبيان عقوبتها" وما نص عليه قانون الأحكام
العسكرية الصادر بالقانون رقم 25
لسنة 1966 من هذه الجرائم، وتشمل الفئة الثانية أي جريمة تمس سلامة الدولة داخليا
أو خارجيا أيا كان القانون الذي ينص
عليها وهي الأخرى جرائم متميزة محددة بأوصافها ولها مجال محدد ومدلول خاص استقر في
الفقه والقضاء، وبذلك يقوم الاختصاص لمحكمة الثورة بالفصل في الجرائم المحددة السالف
بيانها بأداة تشريعية لها قوة القانون تملك
تقرير هذا الاختصاص طبقا لأحكام الدستور، ويقوم هذا الاختصاص جنبا إلى جنب مع
الاختصاص المخول في هذا الشأن للمحاكم الجنائية وللمحاكم العسكرية. وأما سلطة
الإحالة إلى محكمة الثورة التي ناطها النص المشار إليه برئيس الجمهورية وقصد بها
تخويله سلطة وزن الاعتبارات التي تقتضي المحاكمة أمام محكمة الثورة بالنسبة لهذا
الاختصاص المشترك بينها وبين المحاكم الجنائية والمحاكم العسكرية فإن هذه السلطة
التي تقررت لرئيس الجمهورية بأداة لها قوة القانون مقصورة
على الجرائم التي أوردها النص وتتم في نطاق الاختصاص الذي عينه للمحكمة، ومن ثم فلا ينطوي تخويل رئيس الجمهورية هذه السلطة على تعديل اختصاص جهات
قضائية أخرى.
(14) إن النعي على المادة السابعة من القرار بقانون المطعون
فيه أنها إذ تنص على أن أحكام محكمة الثورة نهائية ولا يجوز الطعن فيها تتضمن تعديلا لاختصاصات محكمة النقض بالنسبة إلى الأحكام التي تصدرها محكمة
الثورة مردود بأنه ليس في أحكام الدستور ما يحظر النص على أن تكون الأحكام التي
تصدر من جهة قضاء نهائية وغير قابلة للطعن، وقد جرى الشارع على النص على ذلك بالنسبة
للأحكام التي تصدرها بعض جهات القضاء لاعتبارات تقتضي ذلك. ومن حيث أنه لما تقدم فإن النعي على القرار بقانون المطعون
فيه بهذا السبب يكون على غير أساس سليم.
(15) إن النعي على العبارة الأخيرة من المادة الأولى من القرار بقانون المطعون
فيه إذ تنص على تخويل رئيس الجمهورية أن يحيل إلى محكمة الثورة الأفعال التي تعتبر
ضد المبادئ التي قامت عليها الثورة بأنها تخالف المادة 25 من دستور
سنة 1964 والمادة 66 من الدستور القائم اللتين تنصان على أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون - هذا
النعي مردود بأن ورود العبارة المشار إليها في نهاية المادة الأولى سالفة الذكر لا يخل بسلامة ما تنص عليه من تحديد واضح لا لبس فيه لاختصاص محكمة الثورة في الفصل في الجرائم
المحددة المنصوص عليها في الكتاب الثاني من قانون العقوبات أو في قانون الأحكام العسكرية وكذلك الجرائم التي تمس سلامة الدولة داخليا أو
خارجيا والمحددة بوصفها ومدلولها على ما تقدم. وإذ كان
الثابت من حكم محكمة الثورة المرافق بأوراق الدعوى أن ما نسب إلى المدعي وحوكم
عنه أمام محكمة الثورة هو لارتكابه جريمة الخيانة العظمى التي نص عليها قانون محاكمة
الوزراء رقم 79 لسنة 1958، والتي تعتبر من الجرائم التي تمس سلامة الدولة وأمنها والمنصوص عليها في الكتاب
الثاني من قانون العقوبات والتي تندرج في الجرائم التي حددتها المادة الأولى من القرار بقانون المطعون
فيه والتي يستقيم نصها بذاته وينتج أثره القانوني بعد استبعاد العبارة المشار
إليها، لذلك فإن ما يثيره المدعي في هذا السبب يكون غير مجد في دعواه.
(16) إن القرار بقانون آنف
الذكر أداة تشريعية لها قوة القانون الصادر من السلطة
التشريعية، وله بهذه المثابة تنظيم أي من الموضوعات المحتجزة للقانون نص
الدستور على ما تقدم، ومن ثم فإن
لهذا القرار بقانون أن يخص
المحكمة التي رتبها بأحكام بالنسبة لإجراءات التحقيق والمحاكمة تختلف عما هو متبع
في التحقيق المحاكمة أمام الجهات القضائية الأخرى ما دامت هذه الأحكام لا تخالف
الدستور ولما كان القرار بقانون المذكور
قد خلا من أحكام في هذا الخصوص في الدستور فإنه لا يكون متعارضا مع أحكامه - أما
ما يثيره المدعي من ادعاء التعارض بين القرار المطعون فيه وقوانين أخرى من ذات
مرتبته، فهو مردود بأن الرقابة القضائية على دستورية القوانين تقوم على مخالفة
التشريع لنص دستوري فلا تمتد لحالات التعارض أو التنازع بين القوانين ذات المرتبة
الواحدة، لذلك فإن ما يثيره المدعي في هذا الخصوص لا يصلح سببا للطعن بعدم
الدستورية ولا يتناوله اختصاص هذه المحكمة.
(17) حق المتقاضين في رد القضاة ليس من الحقوق
الدستورية المقررة بنص الدستور، وإنما هو مقرر بتشريع عادي، إذ نص عليه قانون المرافعات
وقانون الإجراءات
الجنائية. وقد منعه
القانون عن
المتقاضين إذا قامت دواعي هذا المنع، ومن ثم فلا
يمس منع حق
الرد باستقلال القضاء، كما لا يخل هذا المنع بحق الدفاع المكفول للمتهمين أمام
محكمة الثورة طبقا للأصول الدستورية المقررة، وليس في تقرير هذا المنع ما يخل
بمبدأ المساواة، ذلك أن عموم القاعدة القانونية يتوافر بمجرد انتفاء التخصيص بأن
يسن الشارع قاعدته مجردة عن الاعتداد بشخص معين أو واقعة محددة بالذات، والشارع
يملك بسلطته التقديرية لمقتضيات الصالح العام وضع شروط تحدد المراكز القانونية
التي يتساوى بها الأفراد أمام القانون بحيث إذا
توافرت هذه الشروط في طائفة من الأفراد وجب إعمال المساواة بينهم لتماثل ظروفهم ومراكزهم القانونية،
فإذا اختلفت هذه الظروف بأن توافرت الشروط في البعض دون البعض الآخر انتفى مناط التسوية بينهم، والتجاء المشرع إلى هذا الأسلوب في تحديد شروط
موضوعية يقتضيها الصالح العام للتمتع بالحقوق لا يخل بشرطي العموم والتجريد في
القاعدة القانونية ذلك لأن المشرع إنما يخاطب الكافة من خلال هذه الشروط، ولما كان التشريع المطعون فيه قد استن قواعد عامة
مجردة لا تستهدف حالة فردية بذاتها وإنما تطبق على من يحاكمون أمام محكمة الثورة كافة طبقا للشروط والأوضاع التي نص عليها
القانون والذين
تختلف ظروفهم عن باقي المتهمين.
--------------
الوقائع
المحكمة