جلسة ۱۲ من ديسمبر سنة ۲۰۲٤
برئاسة السيد القاضي الدكتور/ علي فرجاني نائب رئيس المحكمة وعضوية السادة القضاة / محمد الخطيب ، هشام عبد الهادي ، نادر خلف وصلاح صديق نواب رئيس المحكمة .
-----------------
(۱۰۱)
الطعن رقم ۲۱۸۰۸ لسنة ۹۳ القضائية
(۱) نقض " التقرير بالطعن وإيداع الأسباب " .
التقرير بالطعن بالنقض في الميعاد دون تقديم أسبابه . أثره : عدم قبوله شكلًا .
(۲) حكم " بيانات حكم الإدانة " " بيانات التسبيب " .
حكم الإدانة . بياناته ؟ المادة ٣١٠ إجراءات جنائية .
بيان الحكم واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية للجرائم التي دان الطاعنين بها وإيراده على ثبوتها في حقهما أدلة سائغة تؤدي إلى ما رتبه عليها . لا قصور .
(۳) اختلاس أموال أميرية . إثبات " بوجه عام " . قصد جنائي .
جريمة الاختلاس . مناط تحققها ؟
لا يشترط لإثبات جريمة الاختلاس طريقًا خاصًّا . كفاية اقتناع المحكمة بوقوع الفعل المكون لها من أي دليل أو قرينة تقدم إليها .
تحدث الحكم استقلالًا عن القصد الجنائي في جريمة الاختلاس . غير لازم . كفاية أن يكون ما أورده من وقائع وظروف دالًّا على قيامه .
مثال .
(٤) إضرار غير عمدي . قصد جنائي .
جريمة الإضرار غير العمدي المنصوص عليها بالمادة ١١٦ مكررًا ( أ ) عقوبات . تحققها بتوافر الخطأ والضرر الجسيم ورابطة السببية بينهما . أساس وعلة ذلك ؟
مثال .
(٥) دفوع " الدفع بالجهل بالقانون أو الغلط فيه " .
قبول الاعتذار بالجهل بحكم من أحكام قانون آخر غير قانون العقوبات . شرطه ؟
دفع الطاعن الثاني بحداثة عهده بالعمل . لا يصلح سندًا للتمسك بالاعتذار بعدم العلم بالأحكام واللوائح المعمول بها في جهة عمله . حد وأساس ذلك ؟
(٦) أسباب الإباحة وموانع العقاب " طاعة الرئيس " .
طاعة الرئيس بمقتضى المادة ٦٣ عقوبات . لا تمتد لارتكاب الجرائم . نعي الطاعن الثاني بارتكابه لها طاعة لأوامر رئيسه . غير مقبول .
(۷) فاعل أصلي .
إدانة الحكم الطاعنين بوصفهما فاعلين أصليين في الجريمة . النعي بعدم استظهاره عناصر اشتراكهما فيها . غير مقبول .
(۸) محكمة الموضوع " سلطتها في تقدير الدليل " .
للمحكمة أن تستمد اقتناعها بثبوت الجريمة من أي دليل تطمئن إليه . حد ذلك ؟
العبرة في المحاكمات الجنائية باقتناع القاضي بناءً على الأدلة المطروحة عليه . عدم جواز مطالبته بالأخذ بدليل معين .
(۹) محكمة الموضوع " سلطتها في تقدير الدليل " .
عدم تقيد القاضي في المحاكمات الجنائية بدليل معين . له تكوين عقيدته من أي دليل يطمئن إليه . حد ذلك ؟
الجدل الموضوعي في تقدير الدليل أمام محكمة النقض . غير جائز .
مثال .
(۱۰) نقض " أسباب الطعن ما لا يقبل منها " .
النعي على الحكم بأمر لا يتصل بقضائه . غير مقبول .
مثال .
(۱۱) عقوبة " عقوبة الجريمة الأشد " . نقض " المصلحة في الطعن " .
معاقبة الطاعن عن جريمة الاختلاس باعتبارها الأشد . نعيه بشأن جريمتي التزوير في محرر رسمي واستعماله . غير مجد . لا يغير من ذلك معاملة المحكمة له بالرأفة وفقًا للمادة ١٧ عقوبات . علة ذلك ؟
(۱۲) محكمة الموضوع " سلطتها في تقدير جدية التحريات " .
للمحكمة أن تعوّل على التحريات باعتبارها قرينة معززة لما ساقته من أدلة .
عدم إفصاح الضابط عن مصدر تحرياته . لا ينال من جديتها .
مثال .
(۱۳) نقض " أسباب الطعن ما لا يقبل منها " .
النعي على الحكم بصيغة التساؤل . غير مقبول .
مثال .
(۱٤) دفوع " الدفع بنفي التهمة " " الدفع بتلفيق التهمة " .
دفع الطاعن بانتفاء الواقعة في حقه وانتفاء صلته بالمحررات المزورة وتلفيق الاتهام له وخلو الأوراق من دليل قبله . موضوعي . لا يستوجب ردًّا . استفادته من أدلة الثبوت التي أوردها الحكم .
(۱٥) حكم " تسبيبه . تسبيب غير معيب " . محكمة النقض " سلطتها " .
الخطأ في مادة العقاب المطبقة . لا يرتب بطلان الحكم . لمحكمة النقض تصحيحه . حد وأساس ذلك ؟
مثال .
(۱٦) رد . اختلاس أموال أميرية . نقض " حالات الطعن . الخطأ في تطبيق القانون " " أثر الطعن " . محكمة النقض " سلطتها " .
القضاء برد الطاعن للمصروفات الإدارية مضافة لقيمة المال المُختلس . خطأ في تطبيق القانون . يوجب تصحيح الحكم بإلغائها له ولمن لم يقبل طعنه شكلًا . علة وأساس ذلك ؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
۱ - لمَّا كان الطاعن وإن قرر بالطعن في الميعاد إلَّا أنَّه لم يقدم أسبابًا لطعنه ، ومن ثم يكون الطعن المقدم منه غير مقبول شكلًا .
۲ - لمَّا كانت المادة ٣١٠ من قانون الإجراءات الجنائية أوجبت في كل حكم بالإدانة أن يشتمل على بيان الواقعة المستوجبة للعقوبة والظروف التي وقعت فيها والأدلة التي استخلصت منها المحكمة ثبوت وقوعها منه المتهم ، وكان يبين ممَّا سطره الحكم المطعون فيه أنَّه بيَّن واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية للجرائم التي دان الطاعنين بها وأورد على ثبوتها في حقهما أدلة سائغة من شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه الحكم عليها ، وجاء استعراض المحكمة لأدلة الدعوى على نحو يدل على أنَّها محصتها التمحيص الكافي وألمت بها إلمامًا شاملًا يفيد أنَّها قامت بما ينبغي عليها من تدقيق البحث لتعرف الحقيقة ، ممَّا يكون معه منعى الطاعنين في هذا الصدد في غير محله .
۳ - من المُقرَّر أنَّ جريمة الاختلاس المنصوص عليها في المادة ١١٢ من قانون العقوبات تتحقق إذا كانت الأموال أو الأشياء المختلسة قد وجدت في حيازة الموظف العام أو من في حكمه بسبب وظيفيه ، يستوي في ذلك أن تكون هذه الأموال أو الأشياء قد سُلمت إليه تسليمًا ماديًا أو وجدت بين يديه بمقتضى وظيفته ، وكان من المُقرَّر أنَّه لا يشترط لإثبات جريمة الاختلاس المنصوص عليها في الباب الرابع من قانون العقوبات طريقة خاصة غير طرق الاستدلال العامة ، بل يكفي كما هو الحال في سائر الجرائم بحسب الأصل أنَّ تقتنع المحكمة – كما هو الحال من الدعوى المطروحة – بوقوع الفعل المكون له من أي دليل أو قرينة تُقدم إليه مهما كانت قيمة المال موضوع الجريمة ، وكان ما أورده الحكم كافيًا وسائغًا في التدليل على أن المتهم الأول وهو أمين مخزن الوحدة المحلية لمركز ومدينة .... ثم مدير مخزن ذات الجهة وهو المسؤول عن المحررات والمنقولات التي أشار إليها الحكم في مدوناته ، وعلى توافر جريمة الاختلاس في حق الطاعن الأول بأركانها المادية والمعنوية ، إذ لا يلزم أن يتحدث الحكم استقلالًا على توافر القصد الجنائي في جريمة الاختلاس ، بل يكفي أن يكون ما أورده من وقائع وظروف دالًّا على قيامه – كما هو الحال في الدعوى الراهنة – ومن ثم فإنَّ ما ينعاه الطاعن الأول على الحكم من هذا الصدد يكون غير سديد .
٤ - لمَّا كانت المادة ١١٦ مكررًا / أ من قانون العقوبات المعدلة بالقانون رقم ٦٣ لسنة ١٩٧٥ تنص على أنَّ : " كل موظف عام تسبب بخطئه في إلحاق ضرر جسيم بأموال أو مصالح الجهة التي يعمل بها أو يتصل بها بحكم وظيفته أو بأموال الغير أو مصالحهم المعهود بها إلى تلك الجهة بأن كان ذلك ناشئًا عن إهماله في أداء وظيفته أو عن إخلال بواجباتها أو عن إساءة استعمال السلطة يعاقب بالحبس وبغرامة لا تجاوز خمسمائة جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين .... " ، والجريمة المنصوص عليها في تلك المادة من الجرائم غير العمدية ويتوقف تحققها على توافر أركان ثلاثة هي خطأ وضرر جسيم ورابطة سببية بين ركني الخطأ والضرر الجسيم ، وقد حدد المشرع للخطأ صورًا ثلاث هي الإهمال في أداء الوظيفة والإخلال بواجباتها وإساءة استعمال السلطة ، والخطأ الذي يقع من الأفراد عمومًا في الجرائم غير العمدية يتوافر متى تصرف الشخص تصرفًا لا يتفق والحيطة التي تقضي بها ظروف الحياة العادية ، وبذلك فهو عيب يشوب مسلك الإنسان لا يأتيه الرجل العادي المتبصر الذي أحاطت به ظروف خارجية مماثلة للظروف التي أحاطت بالمسئول ، والإهمال الجسيم في نطاق الأموال والوظائف العامة هو صورة من صور الخطأ الفاحش يُنبئ عن انحراف مرتكبه عن السلوك المألوف والمعقول للموظف العادي من مثل ظروفه ، وقوامه تصرف إداري خاطئ يؤدي إلى نتيجة ضارة توقعها العامل أو كان عليه أن يتوقعها ولكنه لم يقصد إحداثها ولم يقبل وقوعها ، والسلوك المعقول العادي للموظف تحكمه الحياة الاجتماعية والبيئة والعرف ومألوف الناس في أعمالهم وطبيعة مهنتهم وظروفها ، فإنَّ قعد عن بذل القدر الذي يبذله أكثر الناس تهاونًا في أمور نفسه كان تصرفه خطئًا جسيمًا ، وتقدير ذلك الخطأ المستوجب لمسئولية مرتكبه هو ما يتعلق بموضوع الدعوى ، أمَّا الضرر فهو الأثر الخارجي للإهمال المعاقب عليه وشرطه في هذه الجريمة أن يكون جسيمًا ، وقد ترك المشرع تقدير مبلغ جسامته لقاضي الموضوع لاختلاف مقدار الجسامة في كل حالة عن غيرها تبعًا لاعتبارات مادية عديدة ، كما أنَّه يشترط في الضرر أن يكون محققًا وأن يكون ماديًا بحيث يلحق أموال أو مصالح الجهة التي يعمل بها الموظف أو يتصل بها بحكم وظيفته أو أموال أو مصالح الغير المعهود بها إلى تلك الجهة ، وأما رابطة السببية فيجب أن تتوافر بين خطأ الموظف والضرر الجسيم بحيث تكون جريمة الموظف نتيجة سلوكه فعلًا كان أو امتناعًا ، وإذ كانت المحكمة في الدعوى الماثلة قد استظهرت مسئولية الطاعن الثاني بما ينتجها واستندت في إثبات الاتهام في حقه إلى أقوال شهود الإثبات وأعضاء اللجنة المشكلة من النيابة العامة وتحريات مباحث الأموال العامة وتقدير الأدلة الجنائية ، وقد اجتمع قولهم على أنَّ الطاعن الثاني أهمل في أداء وظيفته " أمين مخزن الوحدة المحلية لمركز ومدينة .... " من حيث إهماله في مباشرة وظيفته ومراجعة وفحص الأوراق المعروضة عليه قبل توقيعها منه بصفته ، وقد ترتب على ذلك الإهمال ضرر جسيم بأموال الجهة التي يعمل بها وهي المبالغ المُبيَّنة بالأوراق ، وانتهى الحكم المطعون فيه إلى إدانة الطاعن المذكور عملًا بنصوص المواد ١١٦ مكررًا (أ) ، ۱۱۸ مكررًا ، ۱۱۹/أ ، ۱۱۹ مكررًا/أ ، لتوافر الخطأ والضرر الجسيم وعلاقة السببية بينهما لعدم قيامه بالإجراءات سالفة الذكر والتي تتوافر بها أركان الجريمة التي دين بها ، ومن ثم يضحى منعى الطاعن الثاني ولا محل له .
٥ - من المُقرَّر أنَّه يشترط لقبول الاعتذار بالجهل بحكم من أحكام قانون آخر غير قانون العقوبات ، أن يقيم من يدعي هذا الجهل الدليل القاطع على أنَّه تحرى تحريًا كافيًا وأن اعتقاده الذي اعتقده بأنَّه يباشر عملًا مشروعًا كانت له أسبابًا معقولة ، وهذا هو المعمول عليه في القوانين التي أخذ عنها الشارع أُسس المسئولية الجنائية وهو المستفاد من مجموع نصوص القانون ، فإنَّه مع تقريره قاعدة عدم قبول الاعتذار بعدم العلم بالقانون ، أوردت المادة ٦٣ من قانون العقوبات أنَّه : " لا جريمة إذا وقع الفعل من موظف أميري في الأحوال الآتية ، أولًا : إذا ارتكب الفعل تنفيذًا لأمر صادر إليه من رئيس وجبت عليه طاعته أو اعتقد أنَّها واجبة عليه ، ثانيًا : إذا حسنت نيته وارتكب فعلًا تنفيذًا لما أمرت به القوانين أو ما اعتقد أن إجراءه من اختصاصه ، وعلى كل حال يجب على الموظف أن يثبت أنَّه لم يرتكب الفعل إلَّا بعد التثبت والتحري وأنَّه كان يعتقد مشروعيته وأن اعتقاده كان مبنيًّا على أسباب معقولة " ، وكان دفاع الطاعن الثاني بحداثة عهده بالعمل لا ينهض بمجرده سندًا للتمسك بالاعتذار بعدم العلم بالأحكام واللوائح المعمول بها في جهة عمله ما دام أنَّه لم يقدم الدليل القاطع على أنَّه تحريًا كافيًا ، وأن اعتقاده الذي اعتقده بأنَّه باشر عملًا مشروعًا كانت له أسبابًا معقولة تُبرر له هذا الاعتقاد ، ومن ثم فإنَّ ما ينعاه الطاعن الثاني على الحكم في هذا الخصوص يكون بعيدًا عن محجة الصواب .
٦ - من المُقرَّر أنَّ طاعة الرئيس بمقتضى المادة ٦۳ من قانون العقوبات لا تمتد بأي حال إلى ارتكاب الجرائم ، وأنَّه ليس على المرؤوس أن يطيع الأمر الصادر له من رئيسه بارتكاب فعل يعلم أن القانون يعاقب عليه ، ومن ثم فإنَّ تمسك الطاعن الثاني بالاحتماء بحكم المادة المذكورة في مجال ارتكابه للجريمة المسندة إليه إطاعة منه لأوامر رئيسه – على فرض حصوله – يكون غير مقبول .
۷ - لمَّا كان الحكم المطعون فيه قد دان الطاعنين بوصفهما فاعلين أصليين في الجرائم التي دانهما بها وليسا شريكين فيها ، فإنَّ ما يثيرانه بشأن قصور الحكم في التدليل على توافر عناصر الاشتراك في حقهما لا يكون له محل .
۸ - من المُقرَّر أنَّ لمحكمة الموضوع أن تستمد اقتناعها بثبوت الجريمة من أي دليل تطمئن إليه طالما أنَّ هذا الدليل له مأخذه الصحيح من أوراق الدعوى ولا يماري في ذلك الطاعنان ، كما أنَّ العبرة في المحاكمات الجنائية هي باقتناع قاضي الموضوع بناءً على الأدلة المطروحة عليه فلا يصح مطالبته بالأخذ بدليل معين ، ومن ثم فإنَّ ما ينعاه الطاعنان على الحكم المطعون فيه بدعوى تسانده إلى أدلة لا تؤدي إلى ما رتبه عليها يكون غير مقبول .
۹ - لمَّا كان الشارع لم يقيد القاضي الجنائي في المحاكمات الجنائية بدليل معين إلَّا إذا نص على ذلك بالنسبة لجريمة معينة ، وإنَّما ترك له حرية تكوين عقيدته من أي دليل يطمئن إليه ما دام أن له مأخذه بالأوراق ، وكان ما يثيره الطاعنان في شأن خلو الأوراق من دليل على ارتكاب الواقعة والتعويل على أدلة ظنية الدلالة لا يعدو أن يكون جدلًا موضوعيًّا في سلطة محكمة الموضوع في وزن عناصر الدعوى واستنباط معتقدها ممَّا لا شأن لمحكمة النقض به ولا يثار أمامها .
۱۰ - لمَّا كان ما يثيره الطاعن الأول بشأن شهادة موظف التموين أمر لم يتصل بقضاء الحكم ، ومن ثم فإنَّ منعاه في هذا الخصوص يضحى غير مقبول .
۱۱ - لمَّا كان لا مصلحة للطاعن الأول من النعي على الحكم بأوجه تتصل بجرائم التزوير في محررٍ رسميٍ واستعماله وما يتعلق بهما من أسباب الطعن ما دامت المحكمة قد طبقت على الطاعن المادة ۳۲ من قانون العقوبات للارتباط ، وقضت بمعاقبته بالعقوبة الأشد وهي المُقرَّرة لجريمة الاختلاس مجردة من ظرفها المشدد ، ولا يغير من ذلك كون المحكمة قد عاملته بالمادة ۱۷ من هذا القانون ، ذلك بأنَّها إنَّما قدرت مبررات الرأفة بالنسبة للواقعة الجنائية ذاتها بغض النظر عن وصفها القانوني ، ولو أنَّها رأت أن الواقعة في الظروف التي وقعت فيها تقتضي النزول بالعقوبة إلى أكثر ممَّا نزلت إليه لما منعها من ذلك الوصف الذي وصفتها به ، بما يكون معه نعي الطاعن الأول في كل ما سلف غير مقبول .
۱۲ - من المُقرَّر أنَّ للمحكمة أن تعوّل في تكوين عقيدتها على ما جاء بتحريات الشرطة باعتبارها قرينة معززة لما ساقته من أدلة أساسية ، كما أنَّه لا محل للاستناد إلى عدم إفصاح الضابط عن مصدر تحرياته في القول بعدم جديتها ، هذا إلى أنَّ الحكم المطعون فيه قد عرض لدفع الطاعنين بعدم جدية التحريات واطرحه استنادًا إلى اطمئنان المحكمة إلى صحَّة الإجراءات التي أجراها شاهد الإثبات العقيد / .... وجدية تحرياته ، وهو ما يعد كافيًا للرد على ما أثاره الطاعن الأول في هذا الخصوص ، فإنَّ منعاه في هذا الشأن لا يكون له محل .
۱۳- لمَّا كان الطاعن الأول قد أورد نعيه بشأن كيفية توصل التحريات إلى أنَّه مُحرر المحررات المزورة في صيغة التساؤل ، فإنَّ هذا الشق من النعي يكون غير مقبول .
۱٤ - لمَّا كان الدفع بانتفاء الواقعة في حق الطاعن الثاني وانتفاء صلته بالمحررات المزورة وتلفيق الاتهام له وخلو الأوراق من دليل قبله ، كل ذلك إنَّما هو دفاع موضوعي لا يستوجب في الأصل من المحكمة ردًّا خاصًا أو صريحًا طالما أنَّ الرد عليها يستفاد ضمنًا من القضاء بالإدانة استنادًا إلى أدلة الثبوت التي أوردها الحكم – كما هو الحال من هذه الدعوى – ومن ثم فلا على محكمة الموضوع إن هي لم ترد في حكمها على تلك الدفوع أو أن تكون قد اطرحتها بالرد عليها إجمالًا ويكون معه ما يثيره الطاعن الثاني في هذا الشأن غير سديد .
۱٥ - من المُقرَّر أنَّ الخطأ في رقم مادة العقاب المطبقة لا يترتب عليه بطلان الحكم ما دام قد وصف وبيَّن واقعة الدعوى موضوع الإدانة بيانًا كافيًا وقضى بعقوبة لا تخرج عن حدود المادة الواجب تطبيقها ، فإنَّ خطأ الحكم بذكر المادة ١١٦ مكررًا من قانون العقوبات بدلًا من المادة ۱۱٦ مكررًا ( أ ) من القانون ذاته لا يعيبه ، وحسب محكمة النقض أن تصحح الخطأ الذي وقع في أسباب الحكم المطعون فيه باستبدال المادة ١١٦ مكررًا ( أ ) من قانون العقوبات بدلًا من المادة ۱۱٦ مكررًا عملًا بنص المادة ٤۰ قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض الصادر بالقانون رقم ٥٧ لسنة ١٩٥٩ .
۱٦ - لمَّا كان المال الذي اختلسه الطاعن الأول محددٌ على وجه القطع منذ وقوع الجريمة لا يدخل فيه مصروفات إدارية أو غيرها ممَّا لم تكن موجودة ، إذ لا كيان لها ولم تدخل فيه ولم يلحقها نزاع ، فإنَّه ما كان للمحكمة حسبما يبين من مدونات الحكم المطعون فيه أن تضيف المصروفات الإدارية إلى قيمة الأموال المستولى عليها بالرد على هذا الأساس ما دام أن قيمة الأشياء المستولى عليها هي وحدها التي يتعين حسابها بالنسبة لجريمة الاختلاس ، أمَّا وأنَّها قد فعلت فإنَّها تكون قد أخطأت في تطبيق القانون ، ممَّا يتعين معه تصحيح الحكم المطعون فيه بالنسبة للطاعن الأول والمحكوم عليه الذي لم يقبل طعنه شكلًا لاتصال وجه الطعن به بإلغاء قيمة المصروفات الإدارية من مبلغ الرد المقضي به عملًا بالحق المخول لمحكمة النقض بالمادة ۳٥ من القانون رقم ٥۷ لسنة ۱۹٥۹ بشأن حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض ، من نقض الحكم لمصلحة المتهم إذا تعلق الأمر بمخالفة القانون ولو لم يرد هذا الوجه في أسباب الطعن .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الوقائع
اتهمت النيابة العامة الطاعنين بأنَّهم :
المتهم الأول :
- قلد بواسطة آخر مجهول خاتم شعار الجمهورية الخاص بالوحدة المحلية لمركز ومدينة .... وخاتم مطبعة محافظة .... وإمضاءات الموظفين المختصين بالجهتين آنفي البيان بأن اصطنع الأخير خاتمين على غرار الخاتمين الصحيحين وكذا إمضاءات الموظفين المختصين واستعملها بأن ذيل بها المحررات موضوع الاتهامات التالية مع علمه بتزويرها على النحو المُبيَّن بالتحقيقات .
- بصفته موظفًا عامًا أمين على الودائع " أمين مخزن الوحدة المحلية لمركز ومدينة .... ثم مدير مخزن ذات الجهة " اختلس أوراق ومنقولات " فواتير صادرة من مطبعة محافظة .... والأصناف المكتبية محل فواتير مطبعة .... وأذون صرف عن الفترة من .... إلى .... وعدد ۱۸۰ دفتر ۳۳ ع ح " والتي وجدت في حيازته بسبب ومناسبة وظيفته والبالغ قيمتها .... جنيه والمعهود إليه استلامها وحفظها بموجب صفته الوظيفية ، فاستأثر بها لنفسه وقام ببيعها والتحصل على ثمنها لنفسه على النحو المُبيَّن بالتحقيقات ، وقد ارتبطت تلك الجريمة ارتباطًا لا يقبل التجزئة بجريمتي تزوير محررات رسمية استعمالها فيما زورت من أجله ، ذلك بأنَّه في ذات الزمان والمكان سالفي الذكر : اشترك وآخر مجهول بطريقي الاتفاق والمساعدة في تزوير محررات رسمية " طلبات إذن صرف للوحدة المحلية بــ .... وأذون صرف للوحدة المحلية بــ .... ومحاضر لجان فحص للأصناف الموردة للوحدة المحلية لمركز ومدينة .... وفواتير منسوب صدورها من مطبعة محافظة .... وعروض أسعار منسوب صدورها لمطبعة محافظة .... " وذلك بأن اصطنعا تلك المحررات على غرار المحررات الصحيحة الصادرة من تلك الجهة وذيلاها بتوقيعات عزياها زورًا للمختصين بالجهات سالفة الذكر ومهراها ببصمة أختام نسباها زورًا لتلك الجهات على النحو المُبيَّن بالتحقيقات .
/ استعمل المحررات محل الاتهام آنف البيان فيما زورت من أجله بأن قدمها لجهة عمله للاحتجاج بصحة ما دوّن بها مع علمه بتزويرها على النحو المُبيَّن بالتحقيقات .
المتهم الثاني :
- بصفته موظفًا عامًا " أمين مخزن مطبعة محافظة .... " اشترك مع المتهم الأول بطريقي الاتفاق والمساعدة في اختلاس الأصناف التي وجدت في حيازة الأول بسبب ومناسبة وظيفته بأن قدم إليه أذون صرف مثبت بها أصناف يسهل التصرف فيها بالبيع وبدون أمر توريد ، الأمر الذي مكن المتهم الأول من جريمته على نحو ما ورد بالاتهام الأول على النحو المُبيَّن بالتحقيقات .
المتهم الثالث :
- بصفته موظفًا عامًا " أمين مخزن الوحدة المحلية لمركز ومدينة .... " تسبب بإهماله في إلحاق ضررٍ جسيمٍ بأموال ومصالح الجهة التابعة لها " الوحدة المحلية لمركز ومدينة .... " والبالغ قيمتها .... جنيه ، وذلك بأن أخلّ بواجبات وظيفته لعدم إلمامه بالإجراءات الواجب إتباعها بشأن توريد وتسليم الأصناف عهدته والتحقق من صحَّة المحررات التي يقوم بالتوقيع عليها ، وقد ترتب على ضررٍ تمثل في تمكن المتهم الأول من ارتكاب الجرائم سالفة البيان على النحو المُبيَّن بالتحقيقات .
وأحالتهم إلى محكمة جنايات .... لمعاقبتهم طبقًا للقيد والوصف الواردين بأمر الإحالة .
ومحكمة الجنايات قضت حضوريًّا عملًا بالمواد ۳۰ ، ۳۹ / أولًا وثانيًا ، ٤٠/ ثانيًا وثالثًا ، ۲ / ۱/۱۱۲ بندي ( أ ، ب ) ، ۲ / ۱/۱۱۳ ، ١١٦ مكررًا /١ ، ۱۱۸ ، ۱۱۸ مكررًا ، ۱۱۹/أ ، ۱۱۹ مكررًا /أ ، ٤ / ۳ / ۲/۲۰٦ ، ۲۱۱ ، ۲۱٤ من قانون العقوبات ، مع إعمال المادة ١٧ من قانون العقوبات بالنسبة للمتهم الأول ، وتطبيق المادة ۲/۳۲ من القانون ذاته بالنسبة لما نسب للمتهمين الأول والثاني ، أولًا : بمعاقبة الأول بالسجن المشدد لمدة عشر سنوات ، وبمعاقبة الثاني بالسجن المشدد لمدة خمس سنوات وتغريمهما مبلغًا قدره ستمائة وثمانية وثمانين ألفًا وأربعمائة وسبعة وسبعين جنيهًا وبرد مبلغ سبعمائة وسبعة وخمسين ألفًا وثلاثمائة وخمسة وعشرين جنيها متضامنين فيما بينهما وبعزلهما من وظيفتهما عما أسند إليهما وإلزامهما بالمصاريف الجنائية ، ثانيًا : بمعاقبة الثالث بالحبس مع الشغل لمدة سنتين وبتغريمه مبلغ خمسمائة جنيه عما أسند إليه وألزمته المصاريف الجنائية ، ثالثًا : بمصادرة المحررات المزورة المضبوطة .
فطعن المحكوم عليهم في هذا الحكم بطريق النقض .... إلخ .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المحكمة
أولًا : بالنسبة للطعن المقدم من المحكوم عليه الأول :
من حيث إنَّ الطاعن وإن قرر بالطعن في الميعاد إلَّا أنَّه لم يقدم أسبابًا لطعنه ، ومن ثم يكون الطعن المقدم منه غير مقبول شكلًا .
ثانيًا : بالنسبة للطعن المقدم من الطاعنين الثاني والثالث :
حيث ينعى الطاعنان على الحكم المطعون فيه أنَّه إذ دان الطاعن الأول " المحكوم عليه الثاني " بجرائم الاختلاس المرتبط بجريمتي التزوير في محررات رسمية واستعمالها ، وتقليد خاتم شعار الجمهورية الخاص بإحدى الجهات وخاتم إحدى المصالح الحكومية وتوقيعات موظفين بهما ، ودان الطاعن الثاني " المحكوم عليه الثالث " بجريمة الإضرار غير العمدي بأموال ومصالح الجهة التي يعمل بها ، قد شابه القصور في التسبيب ، والفساد في الاستدلال ، والإخلال بحق الدفاع والبطلان ، ذلك بأنَّه صيغ في عبارات عامة وبصورة مجملة ومجهلة ، ولم يورد مضمون ومؤدى الأدلة التي عوَّل عليها في قضائه بالإدانة في بيانٍ كافٍ ، وجاء قاصرًا في التدليل على توافر أركان الجرائم التي دانهما بها ، مطرحًا بغير مبرر سائغٍ دفاعهما في هذا الخصوص ، لم يدلّل على توافر القصد الجنائي لديهما ومدى توافر ركن العلم في حقهما سيما وأن الطاعن الثاني حديث العهد بالعمل وغير ملمٍ بما تفرضه عليه أصول مهنته ، كما أنَّه كان يتلقى تعليماته من الطاعن الأول بصفته رئيسه في العمل ، ولم يورد الأدلة على اشتراك الطاعنين في ارتكاب الجرائم المسندة إليهما ، وعوَّل على أدلة غير مقبولة ولا تؤدي إلى ما رتبه عليها ، ودانهما رغم خلو الأوراق من دليل يقيني مستندًا إلى أدلة ظنية ، وينعى الطاعن الأول بأنَّ الحكم لم يورد في بيانٍ وافٍ أقوال موظف التموين ، ولم يبين أوجه التزوير وعمَّا إذا كان ينخدع به الشخص العادي من عدمه ، هذا إلى أنَّ المحكمة لم تقم بوصف الحرز وبيان مضمونه ونتيجة اطلاعها عليه ، وعوَّل في قضائه على التحريات رغم أنَّها لا تنهض بذاتها دليلًا للإدانة لعدم الإفصاح عن مصدرها ، وأورد نعيه حول كيفية توصل مُجري التحريات إلى أنَّ الطاعن الأول هو محرر الإيصالات المزورة في صيغة تساؤل ، وينعى الطاعن الثاني بالتفات الحكم عن دفوعه بانتفاء صلته بالواقعة وعدم ارتكابه لها بدلالة أقوال ضابطي الواقعة ، ممَّا يعيب الحكم ويستوجب نقضه .
وحيث إنَّ المادة ٣١٠ من قانون الإجراءات الجنائية أوجبت في كل حكم بالإدانة أن يشتمل على بيان الواقعة المستوجبة للعقوبة والظروف التي وقعت فيها والأدلة التي استخلصت منها المحكمة ثبوت وقوعها منه المتهم ، وكان يبين ممَّا سطره الحكم المطعون فيه أنَّه بيَّن واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية للجرائم التي دان الطاعنين بها وأورد على ثبوتها في حقهما أدلة سائغة من شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه الحكم عليها ، وجاء استعراض المحكمة لأدلة الدعوى على نحو يدل على أنَّها محصتها التمحيص الكافي وألمت بها إلمامًا شاملًا يفيد أنَّها قامت بما ينبغي عليها من تدقيق البحث لتعرف الحقيقة ، ممَّا يكون معه منعى الطاعنين في هذا الصدد في غير محله . لمَّا كان ذلك ، وكان من المُقرَّر أنَّ جريمة الاختلاس المنصوص عليها في المادة ١١٢ من قانون العقوبات تتحقق إذا كانت الأموال أو الأشياء المختلسة قد وجدت في حيازة الموظف العام أو من في حكمه بسبب وظيفيه ، يستوي في ذلك أن تكون هذه الأموال أو الأشياء قد سُلمت إليه تسليمًا ماديًا أو وجدت بين يديه بمقتضى وظيفته ، وكان من المُقرَّر أنَّه لا يشترط لإثبات جريمة الاختلاس المنصوص عليها في الباب الرابع من قانون العقوبات طريقة خاصة غير طرق الاستدلال العامة ، بل يكفي كما هو الحال في سائر الجرائم بحسب الأصل أنَّ تقتنع المحكمة – كما هو الحال من الدعوى المطروحة – بوقوع الفعل المكون له من أي دليل أو قرينة تُقدم إليه مهما كانت قيمة المال موضوع الجريمة ، وكان ما أورده الحكم كافيًا وسائغًا في التدليل على أن المتهم الأول وهو أمين مخزن الوحدة المحلية لمركز ومدينة .... ثم مدير مخزن ذات الجهة وهو المسئول عن المحررات والمنقولات التي أشار إليها الحكم في مدوناته ، وعلى توافر جريمة الاختلاس في حق الطاعن الأول بأركانها المادية والمعنوية ، إذ لا يلزم أن يتحدث الحكم استقلالًا على توافر القصد الجنائي في جريمة الاختلاس ، بل يكفي أن يكون ما أورده من وقائع وظروف دالًّا على قيامه – كما هو الحال في الدعوى الراهنة – ومن ثم فإنَّ ما ينعاه الطاعن الأول على الحكم من هذا الصدد يكون غير سديد . لمَّا كان ذلك ، وكانت المادة ١١٦ مكررًا / أ من قانون العقوبات المعدلة بالقانون رقم ٦٣ لسنة ١٩٧٥ تنص على أنَّ : " كل موظف عام تسبب بخطئه في إلحاق ضرر جسيم بأموال أو مصالح الجهة التي يعمل بها أو يتصل بها بحكم وظيفته أو بأموال الغير أو مصالحهم المعهود بها إلى تلك الجهة بأن كان ذلك ناشئًا عن إهماله في أداء وظيفته أو عن إخلال بواجباتها أو عن إساءة استعمال السلطة يعاقب بالحبس وبغرامة لا تجاوز خمسمائة جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين .... " ، والجريمة المنصوص عليها في تلك المادة من الجرائم غير العمدية ويتوقف تحققها على توافر أركان ثلاثة هي خطأ وضرر جسيم ورابطة سببية بين ركني الخطأ والضرر الجسيم ، وقد حدد المشرع للخطأ صورًا ثلاث هي الإهمال في أداء الوظيفة والإخلال بواجباتها وإساءة استعمال السلطة ، والخطأ الذي يقع من الأفراد عمومًا في الجرائم غير العمدية يتوافر متى تصرف الشخص تصرفًا لا يتفق والحيطة التي تقضي بها ظروف الحياة العادية ، وبذلك فهو عيب يشوب مسلك الإنسان لا يأتيه الرجل العادي المتبصر الذي أحاطت به ظروف خارجية مماثلة للظروف التي أحاطت بالمسئول ، والإهمال الجسيم في نطاق الأموال والوظائف العامة هو صورة من صور الخطأ الفاحش يُنبئ عن انحراف مرتكبه عن السلوك المألوف والمعقول للموظف العادي من مثل ظروفه ، وقوامه تصرف إداري خاطئ يؤدي إلى نتيجة ضارة توقعها العامل أو كان عليه أن يتوقعها ولكنه لم يقصد إحداثها ولم يقبل وقوعها ، والسلوك المعقول العادي للموظف تحكمه الحياة الاجتماعية والبيئة والعرف ومألوف الناس في أعمالهم وطبيعة مهنتهم وظروفها ، فإنَّ قعد عن بذل القدر الذي يبذله أكثر الناس تهاونًا في أمور نفسه كان تصرفه خطئًا جسيمًا ، وتقدير ذلك الخطأ المستوجب لمسئولية مرتكبه هو ما يتعلق بموضوع الدعوى ، أمَّا الضرر فهو الأثر الخارجي للإهمال المعاقب عليه وشرطه في هذه الجريمة أن يكون جسيمًا ، وقد ترك المشرع تقدير مبلغ جسامته لقاضي الموضوع لاختلاف مقدار الجسامة في كل حالة عن غيرها تبعًا لاعتبارات مادية عديدة ، كما أنَّه يشترط في الضرر أن يكون محققًا وأن يكون ماديًا بحيث يلحق أموال أو مصالح الجهة التي يعمل بها الموظف أو يتصل بها بحكم وظيفته أو أموال أو مصالح الغير المعهود بها إلى تلك الجهة ، وأما رابطة السببية فيجب أن تتوافر بين خطأ الموظف والضرر الجسيم بحيث تكون جريمة الموظف نتيجة سلوكه فعلًا كان أو امتناعًا ، وإذ كانت المحكمة في الدعوى الماثلة قد استظهرت مسئولية الطاعن الثاني بما ينتجها واستندت في إثبات الاتهام في حقه إلى أقوال شهود الإثبات وأعضاء اللجنة المشكلة من النيابة العامة وتحريات مباحث الأموال العامة وتقدير الأدلة الجنائية ، وقد اجتمع قولهم على أنَّ الطاعن الثاني أهمل في أداء وظيفته " أمين مخزن الوحدة المحلية لمركز ومدينة .... " من حيث إهماله في مباشرة وظيفته ومراجعة وفحص الأوراق المعروضة عليه قبل توقيعها منه بصفته ، وقد ترتب على ذلك الإهمال ضرر جسيم بأموال الجهة التي يعمل بها وهي المبالغ المُبيَّنة بالأوراق ، وانتهى الحكم المطعون فيه إلى إدانة الطاعن المذكور عملًا بنصوص المواد ١١٦ مكررًا (أ) ، ۱۱۸ مكررًا ، ۱۱۹/أ ، ۱۱۹ مكررًا/أ ، لتوافر الخطأ والضرر الجسيم وعلاقة السببية بينهما لعدم قيامه بالإجراءات سالفة الذكر والتي تتوافر بها أركان الجريمة التي دين بها ، ومن ثم يضحى منعى الطاعن الثاني ولا محل له . لمَّا كان ذلك ، وكان من المُقرَّر أنَّه يشترط لقبول الاعتذار بالجهل بحكم من أحكام قانون آخر غير قانون العقوبات ، أن يقيم من يدعي هذا الجهل الدليل القاطع على أنَّه تحرى تحريًا كافيًا وأن اعتقاده الذي اعتقده بأنَّه يباشر عملًا مشروعًا كانت له أسبابًا معقولة ، وهذا هو المعمول عليه في القوانين التي أخذ عنها الشارع أُسس المسئولية الجنائية وهو المستفاد من مجموع نصوص القانون ، فإنَّه مع تقريره قاعدة عدم قبول الاعتذار بعدم العلم بالقانون ، أوردت المادة ٦٣ من قانون العقوبات أنَّه : " لا جريمة إذا وقع الفعل من موظف أميري في الأحوال الآتية ، أولًا : إذا ارتكب الفعل تنفيذًا لأمر صادر إليه من رئيس وجبت عليه طاعته أو اعتقد أنَّها واجبة عليه ، ثانيًا : إذا حسنت نيته وارتكب فعلًا تنفيذًا لما أمرت به القوانين أو ما اعتقد أن إجراءه من اختصاصه ، وعلى كل حال يجب على الموظف أن يثبت أنَّه لم يرتكب الفعل إلَّا بعد التثبت والتحري وأنَّه كان يعتقد مشروعيته وأن اعتقاده كان مبنيًّا على أسباب معقولة " ، وكان دفاع الطاعن الثاني بحداثة عهده بالعمل لا ينهض بمجرده سندًا للتمسك بالاعتذار بعدم العلم بالأحكام واللوائح المعمول بها في جهة عمله ما دام أنَّه لم يقدم الدليل القاطع على أنَّه تحريًا كافيًا ، وأن اعتقاده الذي اعتقده بأنَّه باشر عملًا مشروعًا كانت له أسبابًا معقولة تُبرر له هذا الاعتقاد ، ومن ثم فإنَّ ما ينعاه الطاعن الثاني على الحكم في هذا الخصوص يكون بعيدًا عن محجة الصواب . لمَّا كان ذلك ، وكان من المُقرَّر أنَّ طاعة الرئيس بمقتضى المادة ٦۳ من قانون العقوبات لا تمتد بأي حال إلى ارتكاب الجرائم ، وأنه ليس على المرؤوس أن يطيع الأمر الصادر له من رئيسه بارتكاب فعل يعلم أن القانون يعاقب عليه ، ومن ثم فإنَّ تمسك الطاعن الثاني بالاحتماء بحكم المادة المذكورة في مجال ارتكابه للجريمة المسندة إليه إطاعة منه لأوامر رئيسه – على فرض حصوله – يكون غير مقبول . لمَّا كان ذلك ، وكان الحكم المطعون فيه قد دان الطاعنين بوصفهما فاعلين أصليين في الجرائم التي دانهما بها وليسا شريكين فيها ، فإنَّ ما يثيرانه بشأن قصور الحكم في التدليل على توافر عناصر الاشتراك في حقهما لا يكون له محل . لمَّا كان ذلك ، وكان من المُقرَّر أنَّ لمحكمة الموضوع أن تستمد اقتناعها بثبوت الجريمة من أي دليل تطمئن إليه طالما أنَّ هذا الدليل له مأخذه الصحيح من أوراق الدعوى ولا يماري في ذلك الطاعنان ، كما أنَّ العبرة في المحاكمات الجنائية هي باقتناع قاضي الموضوع بناءً على الأدلة المطروحة عليه فلا يصح مطالبته بالأخذ بدليل معين ، ومن ثم فإنَّ ما ينعاه الطاعنان على الحكم المطعون فيه بدعوى تسانده إلى أدلة لا تؤدي إلى ما رتبه عليها يكون غير مقبول . لمَّا كان ذلك ، وكان الشارع لم يقيد القاضي الجنائي في المحاكمات الجنائية بدليل معين إلَّا إذا نص على ذلك بالنسبة لجريمة معينة ، وإنَّما ترك له حرية تكوين عقيدته من أي دليل يطمئن إليه ما دام أن له مأخذه بالأوراق ، وكان ما يثيره الطاعنان في شأن خلو الأوراق من دليل على ارتكاب الواقعة والتعويل على أدلة ظنية الدلالة لا يعدو أن يكون جدلًا موضوعيًّا في سلطة محكمة الموضوع في وزن عناصر الدعوى واستنباط معتقدها ممَّا لا شأن لمحكمة النقض به ولا يثار أمامها . لمَّا كان ذلك ، وكان ما يثيره الطاعن الأول بشأن شهادة موظف التموين أمر لم يتصل بقضاء الحكم ، ومن ثم فإنَّ منعاه في هذا الخصوص يضحى غير مقبول . لمَّا كان ذلك ، وكان لا مصلحة للطاعن الأول من النعي على الحكم بأوجه تتصل بجرائم التزوير في محررٍ رسميٍ واستعماله وما يتعلق بهما من أسباب الطعن ما دامت المحكمة قد طبقت على الطاعن المادة ۳۲ من قانون العقوبات للارتباط ، وقضت بمعاقبته بالعقوبة الأشد وهي المُقرَّرة لجريمة الاختلاس مجردة من ظرفها المشدد ، ولا يغير من ذلك كون المحكمة قد عاملته بالمادة ۱۷ من هذا القانون ، ذلك بأنَّها إنَّما قدرت مبررات الرأفة بالنسبة للواقعة الجنائية ذاتها بغض النظر عن وصفها القانوني ، ولو أنَّها رأت أن الواقعة في الظروف التي وقعت فيها تقتضي النزول بالعقوبة إلى أكثر ممَّا نزلت إليه لما منعها من ذلك الوصف الذي وصفتها به ، بما يكون معه نعي الطاعن الأول في كل ما سلف غير مقبول . لمَّا كان ذلك ، وكان من المُقرَّر أنَّ للمحكمة أن تعوّل في تكوين عقيدتها على ما جاء بتحريات الشرطة باعتبارها قرينة معززة لما ساقته من أدلة أساسية ، كما أنَّه لا محل للاستناد إلى عدم إفصاح الضابط عن مصدر تحرياته في القول بعدم جديتها ، هذا إلى أنَّ الحكم المطعون فيه قد عرض لدفع الطاعنين بعدم جدية التحريات واطرحه استنادًا إلى اطمئنان المحكمة إلى صحَّة الإجراءات التي أجراها شاهد الإثبات العقيد - .... وجدية تحرياته ، وهو ما يعد كافيًا للرد على ما أثاره الطاعن الأول في هذا الخصوص ، فإنَّ منعاه في هذا الشأن لا يكون له محل . لمَّا كان ذلك ، وكان الطاعن الأول قد أورد نعيه بشأن كيفية توصل التحريات إلى أنَّه مُحرر المحررات المزورة في صيغة التساؤل ، فإنَّ هذا الشق من النعي يكون غير مقبول . لمَّا كان ذلك ، وكان الدفع بانتفاء الواقعة في حق الطاعن الثاني وانتفاء صلته بالمحررات المزورة وتلفيق الاتهام له وخلو الأوراق من دليل قبله ، كل ذلك إنَّما هو دفاع موضوعي لا يستوجب في الأصل من المحكمة ردًّا خاصًا أو صريحًا طالما أنَّ الرد عليها يستفاد ضمنًا من القضاء بالإدانة استنادًا إلى أدلة الثبوت التي أوردها الحكم – كما هو الحال من هذه الدعوى – ومن ثم فلا على محكمة الموضوع إن هي لم ترد في حكمها على تلك الدفوع أو أن تكون قد اطرحتها بالرد عليها إجمالًا ويكون معه ما يثيره الطاعن الثاني في هذا الشأن غير سديد . لمَّا كان ذلك ، وكان من المُقرَّر أنَّ الخطأ في رقم مادة العقاب المطبقة لا يترتب عليه بطلان الحكم ما دام قد وصف وبيَّن واقعة الدعوى موضوع الإدانة بيانًا كافيًا وقضى بعقوبة لا تخرج عن حدود المادة الواجب تطبيقها ، فإنَّ خطأ الحكم بذكر المادة ١١٦ مكررًا من قانون العقوبات بدلًا من المادة ۱۱٦ مكررًا (أ) من القانون ذاته لا يعيبه ، وحسب محكمة النقض أن تصحح الخطأ الذي وقع في أسباب الحكم المطعون فيه باستبدال المادة ١١٦ مكررًا (أ) من قانون العقوبات بدلًا من المادة ۱۱٦ مكررًا عملًا بنص المادة ٤۰ قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض الصادر بالقانون رقم ٥٧ لسنة ١٩٥٩ . لمَّا كان ذلك ، وكان المال الذي اختلسه الطاعن الأول محددٌ على وجه القطع منذ وقوع الجريمة لا يدخل فيه مصروفات إدارية أو غيرها ممَّا لم تكن موجودة ، إذ لا كيان لها ولم تدخل فيه ولم يلحقها نزاع ، فإنَّه ما كان للمحكمة حسبما يبين من مدونات الحكم المطعون فيه أن تضيف المصروفات الإدارية إلى قيمة الأموال المستولى عليها بالرد على هذا الأساس ما دام أنَّ قيمة الأشياء المستولى عليها هي وحدها التي يتعين حسابها بالنسبة لجريمة الاختلاس ، أما وأنَّها قد فعلت فإنَّها تكون قد أخطأت في تطبيق القانون ، ممَّا يتعين معه تصحيح الحكم المطعون فيه بالنسبة للطاعن الأول والمحكوم عليه الذي لم يقبل طعنه شكلًا لاتصال وجه الطعن به بإلغاء قيمة المصروفات الإدارية من مبلغ الرد المقضي به عملًا بالحق المخول لمحكمة النقض بالمادة ۳٥ من القانون رقم ٥۷ لسنة ۱۹٥۹ بشأن حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض ، من نقض الحكم لمصلحة المتهم إذا تعلق الأمر بمخالفة القانون ولو لم يرد هذا الوجه في أسباب الطعن ، ورفض الطعن فيما عدا ذلك .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق