الصفحات

البحث الذكي داخل المدونة

تحميل وطباعة هذه الصفحة

Print Friendly and PDF

الأحد، 6 سبتمبر 2026

د. أحمد أبو هشيمة: التزام محكمة الجنايات بدرجتيها باستطلاع رأي مُفتي الجمهورية في أحكام الإعدام ‎


التزام محكمة الجنايات بدرجتيها باستطلاع رأي مُفتي الجمهورية في أحكام الإعدام

‎"دراسة تحليلية في ضوء اتجاه محكمة النقض وضوابط التفسير القضائي"

 

القاضي الدكتور

أحمد أبو هشيمة

نائب رئيس محكمة النقض

سبتمبر 2026

 

مقدمة البحث:

‎  يُعدُّ استطلاع رأي مفتي الجمهورية قبل النطق بحكم الإعدام أحد أبرز الضمانات الإجرائية الجوهرية التي قررها المشرع المصري في الجنايات، لما تنطوي عليه هذه العقوبة من إنهاء للحياة البشرية، وهي ضمانة تتصل بالنظام العام ويترتب على إغفالها بطلان الحكم. ومع صدور القانون رقم 1 لسنة 2024 بتعديل بعض أحكام قانون الإجراءات الجنائية، والذي استحدث نظام التقاضي في الجنايات على درجتين عبر إنشاء "محاكم الجنايات المستأنفة" - وسار على ذات الدرب قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 - دخلت السياسة الجنائية في مصر مرحلة جديدة تهدف إلى تعزيز ضمانات المحاكمة العادلة.

  بيد أن هذا التحول التشريعي قد أثار إشكالية قانونية وعملية معقدة تتعلق بمدى تكرار هذا الالتزام الإجرائي أمام محكمة الدرجة الثانية. فقراءة النص التشريعي الجديد وفقاً لصريح عبارته تشير إلى أن التزام أخذ رأي المفتي يقع على عاتق محكمة جنايات أول درجة قبل إصدار حكمها بالإعدام، ويمتد ذات الالتزام بالضرورة إلى محكمة الجنايات المستأنفة إذا ما قضت بتأييد حكم الإعدام أو تشديد العقوبة المقيدة للحرية بناءً على استئناف النيابة العامة. ولما كان هذا التعديل حديث العهد، فقد تباينت الرؤى القضائية في تفسيره، مما استدعى تدخل محكمة النقض لضبط الإيقاع الإجرائي، إلا أن هذا التدخل أسفر بدوره عن اتجاهات متباينة بين دوائرها، مما جعل من دراسة هذا الموضوع ضرورة ملحة لتحديد المسار القانوني السديد.

  وفي هذا السياق، تبرز محكمة النقض كقمة الهرم القضائي في المنظومة القانونية المصرية، ليست مجرد جهة رقابية عليا تُوحّد تطبيق القانون وتُقرّر المبادئ القانونية المستقرة فحسب، بل هي منبع إلهام أصيل لكل باحث قانوني يغوص في أعماق الفكر القانوني وأدوات البحث العلمي. فأحكامها الرفيعة، التي تُستخلص بعناية فائقة، تشكل خريطة طريق مضيئة توجه الباحث نحو منهجية دقيقة في تحليل النصوص التشريعية، وتفسيرها بما يتوافق مع روح العدالة، واستخلاص المبادئ من الوقائع المعقدة.

   إن هذه المحكمة التليدة تُلهم الباحثين بترسيخها لقيم الدقة والعمق في البحث، حيث تُعلّم كيفية التوفيق بين الظاهر والمقصود، وكيفية بناء الاجتهاد على أسس متينة من التحليل المنطقي والتاريخي للتطور القضائي. ومن ثم، فإن كل اجتهاد قانوني يصدر عن باحث، حتى لو بدا في ظاهره مخالفًا لبعض اجتهاداتها السابقة، إنما هو في حقيقته امتداد طبيعي لفكرها الرحب ومبادئها الراسخة؛ إذ ينبع من رحم تلك المبادئ التي أرستها في مجال الفكر القانوني، ويُثريها بتطوير يحافظ على جوهرها، تمامًا كما ينبثق الفرع من الأصل، محملًا بإرثه ومُضيفًا إليه لمسة عصرية تُعزز من تماسك المنظومة القانونية ككل.

إشكالية البحث

   نؤكد في البداية أن فرضية تشديد العقوبة المقيدة للحرية إلى عقوبة الإعدام بناءً على استئناف النيابة العامة، لا تثير أي خلاف فقهي أو قضائي بشأن حتمية استطلاع رأي مفتي الجمهورية أمام محكمة الدرجة الثانية؛ إذ تواجه المحكمة هنا عقوبة مستحدثة لم تُعرض أوراقها على المفتي من قبل. بيد أن جوهر التنازع ومحور الخلاف العملي ينحصران في حالة مدى وجوب امتداد ذات الالتزام الإجرائي بالضرورة إلى محكمة الجنايات المستأنفة إذا ما اقتصر قضاؤها على تأييد حكم الإعدام الصادر عن محكمة أول درجة.

  ومن هنا تتبلور إشكالية البحث في الغموض التشريعي والتنازع القضائي حول مدى إلزامية إعادة استطلاع رأي مفتي الجمهورية أمام محكمة الجنايات المستأنفة. حيث يثور التساؤل الجوهري حول النطاق الإجرائي لتطبيق النص المستحدث في القانون رقم 1 لسنة 2024: هل يوجب النص تكرار عرض الأوراق على المفتي في الدعوى الواحدة؟

  وينبثق عن هذه الإشكالية نظامان تفسيريان تبنتهما دوائر محكمة النقض:

-  الاتجاه الأول (التفسير الموسع): يرى التزام محكمة الجنايات المستأنفة بأخذ رأي المفتي مجدداً متى تصدت لعقوبة الإعدام (سواء بالتأييد أو بالتشديد بناءً على استئناف النيابة)، باعتبارها محكمة موضوع كاملة الصلاحية تواجه خطورة العقوبة ذاتها.

- الاتجاه الثاني (التفسير الضيق): يرى عدم لزوم أخذ رأي المفتي مرة أخرى إذا كان حكم محكمة الجنايات المستأنفة قد انتهى إلى تأييد حكم أول درجة الصادر بالإعدام، استناداً إلى أن الغاية التشريعية والشرعية قد تحققت بالعرض الأول.

ومن ثم، يسعى هذا البحث إلى الإجابة عن التساؤل الرئيس: ما هو الاتجاه القانوني الأصوب في تفسير التزام محكمة الجنايات المستأنفة باستطلاع رأي المفتي، في ضوء الأعمال التحضيرية للقانون رقم 1 لسنة 2024 والغاية من تقاضي الجنايات على درجتين؟

أهمية البحث وهدفه

تنبع أهمية هذا البحث وهدفه من اعتبارات تشريعية وقضائية وعملية بالغة الخطورة، وتتمثل في:

-      معالجة النص المعيب للوصول إلى اليقين القانوني: تظهر الأهمية في معالجة غياب النص الصريح القاطع في التعديل الجديد بشأن تكرار استطلاع رأي المفتي، مما فتح الباب للاجتهادات.

-      توحيد المبادئ القضائية ومنع تضارب الأحكام: يكتسب البحث قيمة كبرى برصده التنازع الحاصل بين دوائر محكمة النقض ذاتها، محاولاً تقديم تأصيل قانوني يساهم في دمج هذه الرؤى وتوحيد اتجاهات المحكمة العليا.

-      تحديد النطاق الإجرائي لالتزامات محكمة الجنايات المستأنفة: بيان ما إذا كانت هذه المحكمة ملزمة باتباع ذات إجراءات محكمة أول درجة من عرض الأوراق على المفتي عند التصدي لعقوبة الإعدام تأييداً أو تشديداً.

-      تحليل أسانيد دوائر محكمة النقض المتباينة: دراسة الحجج القانونية التي استندت إليها الدوائر التي أوجبت إعادة استطلاع الرأي الشرعي، وتلك التي اكتفت بالعرض الأول، لمعرفة الفلسفة القضائية لكل اتجاه.

-       استقراء الإرادة التشريعية من واقع الأعمال التحضيرية: البحث في مضابط مجلس النواب والأعمال التحضيرية للقانون رقم 1 لسنة 2024 للوقوف على المقصد الحقيقي للمشرع خلف هذا الاستحداث.

-       تقديم رؤية ترجيحية للمسار القانوني الأصوب: تقديم توصيات علمية وقانونية مرجحة لأحد الاتجاهين بما يتفق مع الفقه الجنائي والضمانات الدستورية للمحاكمة العادلة.

تقسيم البحث

أولًا: نص القانون محل البحث وإشكاليته.

ثانيًا: تفسير النصوص القانونية الجنائية.

ثالثًا: أنواع التفسير.

رابعًا: قواعد وضوابط التفسير القضائي للنصوص القانونية الجنائية.

خامسًا: اتجاه محكمة النقض في تفسير نص القانون محل البحث.

سادسًا: الأعمال التحضيرية للقانون رقم 1 لسنة 2024.

سابعًا: خاتمة البحث ورأي الباحث.

ثامنًا: النتائج والتوصيات.

أولًا: نص القانون محل البحث وإشكاليته

  يتمثل نص القانون محل البحث في نص الفقرة الثانية من المادة ٣٨١ من قانون الإجراءات الجنائية المستبدلة بالقانون رقم ١ لسنة ٢٠٢٤ - المقابلة لنص المادة ٣٦٥ من قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم ١٧٤ لسنة ٢٠٢٥ – والذي جرى على أنه: "ولا يجوز لمحكمة الجنايات بدرجتيها أن تصدر حكمًا بالإعدام إلا بإجماع آراء أعضائها، ويجب عليها قبل أن تصدر هذا الحكم أن تأخذ رأي مفتي الجمهورية، ويجب إرسال أوراق القضية إليه، ويتعين عليه في جميع الأحوال أن يرسل رأيه إلى المحكمة قبل جلسة النطق بالحكم بفترة كافية، فإذا لم يصل رأيه إلى المحكمة قبل التاريخ المحدد للنطق بالحكم، حكمت المحكمة في الدعوى".

  وقد فرض هذا التحول التشريعي الحديث إشكالية قانونية وعملية معقدة؛ تتبلور في الغموض التشريعي والتنازع القضائي حول مدى إلزامية وتكرار إعادة استطلاع رأي مفتي الجمهورية أمام محكمة الجنايات المستأنفة. فبينما يشير صريح النص إلى التزام محكمة جنايات أول درجة بهذا الإجراء قبل قضائها بالإعدام، يثور تساؤل جوهري حول النطاق الإجرائي لتطبيق هذا النص المستحدث: هل يمتد هذا الالتزام حتمًا وبذات الآلية إلى محكمة الجنايات المستأنفة (الدرجة الثانية) إذا ما انتهت إلى تأييد حكم الإعدام أو قضت بتشديد العقوبة إلى الإعدام بناءً على استئناف النيابة العامة، أم يكتفى بالعرض الأول؟ ونظرًا لحداثة هذا التعديل، فقد تباينت الرؤى والتفسيرات القضائية في شأنه، مما استدعى تدخل محكمة النقض لضبط الإيقاع الإجرائي وتوحيد الأحكام، إلا أن هذا التدخل أسفر بدوره عن اتجاهين تفسيريين متباينين بين دوائرها: الاتجاه الأول (التفسير الموسع): يقرر التزام محكمة الجنايات المستأنفة بأخذ رأي المفتي مجددًا متى تصدت لعقوبة الإعدام - سواء بتأييد حكم أول درجة أو بالتشديد إليه بناءً على استئناف النيابة العامة - بحسبانها محكمة موضوع كاملة الصلاحية تواجه جسامة العقوبة ذاتها وتحكم فيها من جديد. وأما الاتجاه الثاني (التفسير الضيق): يرى عدم لزوم أخذ رأي المفتي مرة أخرى إذا انتهى حكم محكمة الجنايات المستأنفة إلى تأييد حكم أول درجة الصادر بالإعدام، استنادًا إلى أن الغاية التشريعية والشرعية من هذا الاستطلاع الإجرائي قد تحققت بالفعل وخلصت غايتها بالعرض الأول للدعوى. ومن ثم، يسعى هذا البحث إلى الإجابة عن التساؤل الرئيس: ما هو الاتجاه القانوني الأصوب في تفسير التزام محكمة الجنايات المستأنفة باستطلاع رأي المفتي؟ وذلك في ضوء الأعمال التحضيرية للقانون رقم ١ لسنة ٢٠٢٤، والغاية التشريعية من إقرار مبدأ تقاضي الجنايات على درجتين. وللوصول إلى هذا الترجيح، يتبع البحث خطة دراسة تبدأ - كما سيأتي - بإلقاء الضوء على المنهج القضائي في تفسير النصوص الجنائية وضوابطه وأنواعه، ثم عرض موقف محكمة النقض بالتفصيل من تفسير نص الفقرة الثانية من المادة ٣٨١ المقابلة للمادة ٣٦٥ من القانون الجديد، وصولاً إلى تحليل الأعمال التحضيرية ذات الصلة؛ لترجيح الاتجاه القانوني الصحيح والملائم للتطبيق العملي السديد.

 

 

 

 

 

 

 

ثانيًا: التفسير القضائي للنصوص القانونية الجنائية[1]).

  التفسير، في جوهره، استثناءٌ يخرج على الأصل؛ وأصلُ النصوص القانونية هو الانطلاق من ظاهرها. فالمفترض في النص القانوني أن يكون واضحاً، بما يُمكّن المخاطَبين به من إدراك دلالته ومقصوده بدقة، وإلا أصبح القانون مصدر قلق وارتياب، بدلًا من أن يكون مصدر أمن واطمئنان.

   ويأتي دور تفسير النصوص القانونية ليزيل ما قد يعتري بعضها من غموض أو التباس. فبعض الألفاظ والعبارات قد تحتمل أكثر من معنى أو تأويل، مما يُنذر بتشتت الأحكام وتباين القرارات. وهنا يتدخل القضاء ليحدد المعنى الواحد، ويوحّد التأويل، فيعيد للنص وضوحه، ويُعزز ثقة الناس في القانون وفي العدالة على السواء.

  وفي حين يتمتع المفسرون في النصوص المدنية بمساحة أوسع وحرية أكبر في مواجهة الغموض والنقص والالتباس، فإن المشهد يختلف تماماً في النصوص الجنائية. هنا تُفرض ضوابط أكثر دقة، تقوم على قاعدة أساسية: عدم التوسع في التفسير. وذلك حفاظاً على عدم اختلاق جرائم لم يُردها المشرع، أو ابتداع عقوبات وتدابير وقائية لم يقرها، مما يُعدّ مساساً خطيراً بأعظم مبادئ القانون الجنائي وهي شرعية التجريم والعقاب.

  إن التوسع في تفسير النصوص الجنائية -خاصة من جانب القضاء- قد يُشكل في حقيقته تهديداً للأمن القضائي الجنائي ذاته؛ إذ يصبح الفرد عرضة لأن يُدان أو يُعاقب بجريمة أو عقوبة لم يكن في وارد توقعه، لمجرد أن القاضي استنبط معنىً موسعاً لم يكن ظاهراً في النص ولا متوقعاً لدى المخاطَب العادي. ومن ثم يُلزم القاضي الجنائي بمجموعة ضوابط، تجعل تفسيره لا يتجاوز حدود مبدأ عدم التوسع، ولا يُخلّ بمبدأ الأمن القضائي الجنائي.

  وإذا كانت ترد على مبدأ عدم التوسع في تفسير النصوص القانونية الجنائية بعض الاستثناءات، فهي تبقي مؤكدة للقاعدة، ولا يمكنها بأي حال أن تفضي لخلق قواعد جنائية جديدة، سواء تعلق الأمر بالجرائم أو بالعقوبات، وحتى بالتدابير الوقائية، لأن ما يرد على الأصل من استثناء هو على سبيل الحصر وعليه ألا يخرق مبدأ دستوريًا واضحًا.

  ومن المعلوم أن التفسير القضائي للنصوص القانونية الجنائية هو جزء من تفسير النصوص القانونية عمومًا، سواء المدنية أو الجنائية أو غيرها، كما أنه جزء من تفسيرات عدة، كالتفسير التشريعي والفقهي. لكننا سنتطرق في البحث للتفسير القضائي كنوع من أنواع تفسير النصوص القانونية ثم نعرض لقواعده وضوابطه كما سيأتي حالًا.

 

 

 

 

 

 

 

 

ثالثًا: أنواع التفسير:

   يفرق الفقه والقضاء بين أنواع عديدة من التفسير غالبًا يكون بالنظر إلى الجهة مُصدرة التفسير، منها التفسير التشريعي والتفسير الإداري والتفسير الفقهي والتفسير القضائي، وما يهمنا في هذا البحث هو التفسير القضائي [2]).

  التفسير القضائي هو تفسير عملي متميز ينفرد به القاضي ويتمثل في اجتهاده في البحث والتأصيل القانوني عند إنزال حكم القانون بنزاع مطروح عليه الفصل فيه. وهذا التفسير بوجه عام لا يلزم القاضي أو المشرع أو الفقيه، ومع ذلك تختلف النظم القانونية المعاصرة في شأن تحديد القوة الإلزامية للتفسير القضائي أو بالأحرى للحكم القضائي، فنميز بين اتجاهين وهما: النظام اللاتيني الذي يجرد التفسير القضائي من كل قوة ملزمة كقواعد عامة، والنظام الأنجلو أمريكي والذي يجعل القاضي صانعًا للقانون فيأخذ فيه بنظام السوابق القضائية، بعبارة أخرى إذا كان النظام اللاتيني يقوم على مبدأ عدم إلزام الحكم القضائي لغير أطرافه، فإن النظام الأنجلو أمريكي يجعل الحكم القضائي سابقة يلتزم بها سائر القضاة المساوين له في الدرجة أو الأدنى منه في هذا الشأن، وما يعنينا هو أن النظام القانوني المصري، وهو يدخل في زمرة النظم اللاتينية، ويقصر حجية الحكم على أطرافه، ويخرج عن هذا القاعدة في حالة وحيدة وهي إلزام قضاة الموضوع بالتفسير القانوني لمحكمة النقض عند نقضها لحكمهم. ومن المعروف أن محكمة النقض إذا نقضت الحكم وأعادته لمحكمة الموضوع للحكم فيه مع التزامهم بالرأي القانوني الذي قالت به محكمة النقض، فإذا أصرت محكمة الموضوع على الرأي المخالف وطعن فيه أمام محكمة النقض للمرة الثانية التزمت محكمة النقض بالحكم بنفسها في الموضوع متبنية في حكمها - بطبيعة الحال - التفسير الذي أخذت به بداية، وفيما عدا ذلك فالأحكام القضائية للمحكمة العليا ليست ملزمة للمحاكم لأن حجيتها مقصورة على أطرافها.

  وتجدر الإشارة إلى أن الاستثناء الأبرز والأعم أثراً في النظام القانوني المصري يتبدى في الأحكام والقرارات التفسيرية الصادرة عن المحكمة الدستورية العليا؛ فإذا ما قضت المحكمة بعدم دستورية نص تشريعي، أو أصدرت قراراً تفسيرياً، فإن حجية حكمها أو قرارها لا تقتصر على أطراف النزاع فحسب، وإنما تتمتع بحجية مطلقة تنصرف إلى الكافة وتلزم جميع سلطات الدولة بما فيها المحاكم على اختلاف درجاتها؛ وهو ما يتماشى تماماً مع نص المادة 195 من الدستور المصري الحالي والمادة 49 من قانون المحكمة الدستورية العليا، واللتين تؤكدان صراحةً أن أحكام المحكمة وقراراتها بالتفسير ملزمة للكافة ولجميع سلطات الدولة.

 

 

 

 

 

 

 

 

رابعًا: قواعد وضوابط التفسير القضائي للنصوص القانونية الجنائية [3]).

  تختلف قواعد التفسير الواجبة الاتباع عند تطبيق النص القانوني بحسب حالة النص موضوع التفسير، فهناك فارق بين حالة النص غير الموجود (الفراغ التشريعي) وحالة النص السليم، وحالة النص المعيب، وهذه الحالة الأخيرة هي محل البحث.

النص القانوني المعيب:

يوصَف النص التشريعي بالمعيب إذا شابه أحد أربعة عيوب: الخطأ بنوعيه المادي والمعنوي، أو الغموض، أو النقص، أو التعارض. وتدفع هذه العيوب بالمُفسِّر إلى الاستعانة بآليات التفسير المختلفة - سواء مجتمعة أو منفردة - والتي تتمثل في: المقارنة بين النصوص، والرجوع إلى النص الفرنسي، أو المصادر التاريخية، أو حكمة التشريع، فضلاً عن الاستهداء بالأعمال التحضيرية، وهي الوسيلة التي يعتمدها هذا البحث كأداة رئيسية لحل إشكاليته.

   ويمكن تفصيل هذه العيوب التشريعية وتحديد المقصود بكل منها على النحو الآتي:

أولاً: الخطأ التشريعي (المادي والمعنوي): ينقسم الخطأ الذي يقع فيه المشرع دون قصد إلى نوعين:

الخطأ المادي: ويتمثل في سقطات النشر أو الطباعة، كحذف أو زيادة حرف أو كلمة أو أكثر، بما يؤدي إلى إخلالٍ بالمعنى المراد.

الخطأ المعنوي (أخطاء القلم): ويحدث حين تزلُّ صياغة المشرع فيستبدل كلمة بأخرى لم يقصدها حقيقة، مما يترتب عليه اختلال المعنى الابتدائي للنص.

   وعند صدور استدراك لتصحيح الأخطاء الشائبة لعملية النشر في الجريدة الرسمية، يجب التمييز بين فرضيتين:

الفرضية الأولى (الخطأ غير الجوهري): وهو الخطأ المادي أو المطبعي البسيط الذي يسهل على القارئ الفطن إدراكه. وفي هذه الحالة، يُعامل الاستدراك كجزء لا يتجزأ من النص الأصلي وله ذات قوته القانونية، ويمتد أثره الزمني (تاريخ نفاذه) بأثر رجعي إلى تاريخ نفاذ القانون الأول.

الفرضية الثانية (الخطأ الجوهري): وهو الخطأ الذي يمس جوهر النص أو موضوعه. ويخضع الاستدراك هنا لأحكام التشريع الجديد؛ إذ يشترط لصحته أن يصدر عن الجهة التي تملك دستورياً سلطة تعديل التشريع الأصلي أو إلغائه، ويترتب عليه نسخ التشريع القديم في الحدود التي شملها التصحيح.

ثانياً: الغموض التشريعي: ينشأ الغموض نتيجة استخدام المشرع لألفاظ أو عبارات حمالة أوجه وتحتمل أكثر من معنى، مما يضع المُفسِّر في حيرة لتحديد المقصد الحقيقي. ويتخذ هذا الغموض ثلاث صور دلالية هي:

اللفظ الخفي: وهو اللفظ الذي يبدو واضح الدلالة في أصله، لكن يكتنفه الغموض عند محاولة تطبيقه على حالات خاصة فرعية. ومثال ذلك نص المادة (211) من قانون العقوبات التي عرفت السرقة بأنها "اختلاس مال منقول مملوك للغير"؛ حيث ثار الخلاف حول مدى انطباق وصف "المنقول" على "التيار الكهربائي". وقد حسمت محكمة النقض هذا الغموض مقررةً أن التيار الكهربائي يعد مالاً منقولاً في مفهوم قانون العقوبات، ويصلح أن يكون محلاً لجريمة السرقة [4]).

اللفظ المُشْكِل: وهو اللفظ الذي لا تفصح صيغته بذاتها عن معناه المراد، مما يستلزم الاستعانة بقرينة خارجية لتحديده. ومثاله لفظ "الليل" الذي اعتبره قانون العقوبات ظرفاً مشدداً في عدة جرائم؛ إذ ثار الخلاف حول ما إذا كان المقصود به "الظلام الفعلي" المترتب على غياب الضوء، أم "الظلام الفلكي" الممتد من غروب الشمس حتى شروقها. ولم يكن لمحكمة النقض في هذا الشأن قضاءٌ مستقر، فتارةً اعتدّت بالظلام الفعلي، وتارةً أخرى بالفلكي[5])، وقضت في مسار ثالث بأن استخلاص دلالة "الليل" يعد من المسائل التقديرية التي يستقل بها قاضي الموضوع طبقاً لظروف كل واقعة[6]).

اللفظ المُجْمَل: وهو اللفظ الذي يحتمل في صيغته المعنى المقصود، لكنه يفتقر إلى قرائن لفظية أو حالية توضحه وتزيل إبهامه. ومثاله مصطلح "أصل الوقف" الوارد في المادة (16) من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية، والتي حظرت على المحاكم النظر فيه؛ حيث لم يخلص القضاء الفقهي والعملي إلى تعريف جامع مانع وموحد لهذا اللفظ.

ثالثاً: النقص التشريعي: ويتحقق النقص عند إغفال المشرع للفظ جوهري لا يستقيم حكم النص أو يكتمل بدونه. ومثاله ما شاب المادة (151) من القانون المدني القديم، والتي كانت تقضى بأن "كل فعل نشأ عنه ضرر للغير يوجب ملزمية فاعله بتعويض الضرر"؛ إذ كان الحكم القانوني ناقصاً لا يستقيم منطقياً إلا بزيادة كلمة "خطأ" إلى جوار "فعل". وهو ما تداركه المشرع في القانون المدني الحالي عبر المادة (163) التي استقرت صياغتها على أن: "كل خطأ سبب ضررًا للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض".

رابعاً: التعارض التشريعي: وهو التناقض والتقابل بين النصوص التشريعية بما يمنع إعمالها معاً، مما يفرض على المفسر محاولة التوفيق بينها أولاً، فإذا استعصى الجمع، وجب تغليب أحد النصوص على الآخر. وينحصر هذا التعارض بين أربع فرضيات رئيسية:

الفرضية الأولى (التعارض بين نصوص متفاوتة الدرجة): وفيه يُغلّب النص التشريعي الأعلى مرتبة على النص الأدنى، تطبيقاً لقاعدة "تدرج القواعد القانونية" كتقديم النص الدستوري على التشريعي.

الفرضية الثانية (التعارض بين نصوص متحدة الدرجة ومتفاوتة التاريخ): وفيه يُغلّب التشريع اللاحق من حيث الزمان على التشريع السابق عليه، إعمالاً لقاعدة "اللاحق ينسخ السابق".

الفرضية الثالثة (التعارض بين نصوص متحدة الدرجة والتاريخ ومتفاوتة الاستدلال): وفيه يتم اللجوء إلى التفسير الأقوى دلالة؛ بحيث تُقدّم الدلالة المستقاة من "عبارة النص" على الدلالة المستنتجة من "إشارة النص"، وهكذا نزولاً في مراتب الاستدلال.

الفرضية الرابعة (التعارض بين نصوص متحدة الدرجة والتاريخ وقوة الاستدلال): وتتحقق هذه الحالة النادرة عندما يضم التشريع الواحد نصوصاً متناقضة بالكامل، أو عند صدور نصين متعارضين في ذات التوقيت عبر تشريعين مستقلين ولهما نفس القوة. فإذا استحال التوفيق أو الجمع بينهما في هذه الفرضية، تهاترت النصوص وسقطت حجيتها، ويمتنع تطبيق أي منها. وعليه، وبعد حصر هذه العيوب الصياغية، يثور التساؤل الجوهري حول الوسائل والأدوات القانونية التي يملكها المفسر، والتي يتعين عليه بذل غاية جهده لتطبيقها بغية التوفيق بين النصوص وإزالة عوارها، وهو ما سنعرض له حالًا.

طرق تفسير النص المعيب

الأصل أنه متى كانت عبارة القانون واضحة لا لبس فيها فإنه يجب أن تعد تعبيرًا صادقًا عن إرادة الشارع ولا يجوز الانحراف عنها عن طريق التفسير أو التأويل أيًا كان الباعث على ذلك، وأنه لا محل للاجتهاد إزاء صراحة نص القانون الواجب تطبيقه[7]).

   بيد أن الفقه والقضاء استقرَّا على حزمة من الوسائل التفسيرية والآليات الاستدلالية التي يتعين على المفسر الاستعانة بها في حال استغلق عليه فهم النص، أو عجزت ألفاظه عن بيان مقصده بوضوح، ولم تسعفه القواعد اللغوية العادية في الوصول إلى تأويل يرتضيه. وتتمثل هذه الأدوات والوسائل في: تقريب النصوص، والرجوع إلى النص الفرنسي، والاستهداء بالمصادر التاريخية، فضلاً عن استنباط حكمة التشريع والرجوع إلى الأعمال التحضيرية.

  وقد يلجأ المشرع أو القاضي إلى كل هذه الوسائل أو بعضها مجتمعة لإزالة العيب التشريعي، ونعرض لكل وسيلة منها تفصيلاً على النحو التالي:

(1) تقريب النصوص: يقصد بالتقريب قيام المفسر بالمقارنة والمواءمة بين النص محل التفسير والنصوص التشريعية الأخرى، سواء وردت في ذات التشريع أو في تشريعات أخرى؛ ذلك أن النصوص القانونية المختلفة يجمعها عادةً نسق فكري وفلسفي واحد ورابطة تشريعية متجانسة، ومن ثمّ يسهم هذا الترابط في فك الغموض والكشف عن المفهوم الصحيح والنوايا الحقيقية للمشرع.

(2) الرجوع إلى النص الفرنسي: تستند هذه الوسيلة إلى المرجعية التاريخية لصياغة القوانين المصرية؛ إذ كانت التشريعات تُصاغ أولاً باللغة الفرنسية ثم تُترجم إلى العربية. وعلى الرغم من أن النص العربي هو صاحب الحجية الرسمية والدستورية، إلا أن القضاء والفقهاء درجوا على العودة إلى الأصل الفرنسي لإزالة الغموض الذي قد يشوب الترجمة. ولئن كانت هذه الازدواجية اللغوية مبررة في الماضي نظراً لتعامل قضاة لا يجيدون العربية مع نسخ فرنسية في يد زملائهم، فإن القيمة التفسيرية للنص الفرنسي قد تراجعت بشكل ملحوظ في الوقت الراهن بعدما أصبحت اللغة العربية هي اللغة الحصرية والنسق الصياغي الوحيد لإصدار التشريعات.

(3) الرجوع إلى المصادر التاريخية: تعني هذه الآلية تقصي الينابيع الأولى والمنطلقات الأصلية التي استقى منها المشرع أحكامه، وتعد هذه الوسيلة أصلاً ثابتاً ومسلماً به من أصول التفسير. وتشمل هذه المصادر: التشريعات السابقة أو المقارنة، والأعراف المستقرة، والاجتهادات القضائية والفقهية القديمة.

ففي فرنسا: يرتد المفسرون إلى قواعد القانون الروماني، وأطروحات الفقيهين "بوتييه" و"دوما"، ناهيك عن السوابق القضائية والأعراف القديمة. وفي مصر: تتعدد الروافد التاريخية للتشريع؛ إذ يتوجب على المفسر مراجعة أحكام القانون المدني الملغى، والقانون المدني الفرنسي بشروحه الفقهية وتطبيقاته القضائية. وعلاوة على ذلك، تبرز مبادئ الشريعة الإسلامية باعتبارها مصدراً تاريخياً وجوهرياً للعديد من نصوص القانون المدني الحالي، حيث يمكن رد غالبية هذه الأحكام إلى المذاهب الفقهية الإسلامية المختلفة بيسر وسهولة.

(4) الرجوع إلى حكمة التشريع (الغاية التشريعية): المراد بحكمة التشريع هي الغاية التي رمى إليها المشرع عند صياغة النص، وسواء كانت هذه المصلحة المستهدفة ذات طابع سياسي، أو اقتصادي، أو اجتماعي، أو أخلاقي. وتطبيقاً لذلك، استقر اجتهاد محكمة النقض المصرية على الكشف عن هذه الحكمة عند تحديد المفهوم القانوني لـ "الليل" كظرف مشدد في القانون الجنائي، فاعتبرته فترة الظلام المحصورة بين الغسق والفجر؛ نظراً لأن الحكمة من تشديد العقوبة في هذا الوقت تكمن في سكون الناس وهدوء الحركة وتعاظم الخطر الاستثنائي على الأنفس والأموال.

    وجدير بالذكر أن الاستهداء بحكمة التشريع مشروط بوجود غموض أو إبهام في النص؛ إذ إن النص الواضح القطعي ترتفع يد الاجتهاد عنه ويتعين إعماله وتطبيقه فحسب. ورغم تواتر أحكام محكمة النقض على هذا المبدأ، إلا أن الرأي الفقهي الراجح يميل إلى إطلاق ضرورة الاجتهاد والتأويل عند إنزال النص القائم على واقعة مستجدة ونوازل جديدة.

  (5) الرجوع إلى الأعمال التحضيرية

    هذه الوسيلة هي وسيلتنا في التفسير لحل إشكالية هذا البحث، وتتمثل هذه الوسيلة في تقصي ومراجعة المحاضر والوثائق الرسمية التي واكبت ولادة النص، وتشمل المذكرات الإيضاحية، والتقارير البرلمانية، والمناقشات التي دارت أثناء صياغة المشروع سواء داخل أروقة المجالس النيابية أو في اللجان المشتركة وخارجها.

   وفي هذا السياق، أصدرت الهيئة العامة للمواد الجنائية بمحكمة النقض حكماً حديثاً يرسخ هذا المنحى، حيث أيدت الأحكام التي تقضي بتأثيم أعمال التنقيب والحفر غير المشروع عن الآثار في أي موقع كان، سواء أكان معلماً أثرياً أم لا، وسواء أكانت الأرض مملوكة للدولة أم للأفراد، متى ثبتت نية الحصول على الآثار دون ترخيص. وقد استندت المحكمة في ذلك إلى صراحة النص وما سطرته المذكرة الإيضاحية وتقرير اللجنة المشتركة في مجلس النواب. وتبعاً لذلك، دحض الحكم أي دفع يحاول قصر التجريم على الأراضي الأثرية أو المتاخمة لها، واصفاً هذا التفسير بأنه قول لا يسعفه النص بل يصطدم بصراحته ومقصد الشارع منه، ويتنافى مع الفلسفة التشريعية للتعديل التي تبتغي حصار سائر محاولات التنقيب غير المشروعة وملاحقة مرتكبيها، إذ المستقر قضاءً أنه "لا تخصيص بغير مخصص، ولا إلزام بما لا يلزم"[8]).

 

 

 

 

 

   

 

 

 

 

خامسًا: اتجاه محكمة النقض في تفسير نص القانون محل البحث

 

تبنت محكمة النقض اتجاهين حول تفسير نص الفقرة الثانية من المادة ٣٨١ من القانون القديم المقابلة للمادة 365 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد،  وينبثق عن هذه الإشكالية نظامان تفسيريان تبنتهما دوائر محكمة النقض:

 

الاتجاه الأول: (التفسير الموسع):

   تبنت هذا الاتجاه بعض الدوائر الجنائية بمحكمة النقض، ويرى هذا الاتجاه التزام محكمة الجنايات المستأنفة بأخذ رأي المفتي مجدداً متى تصدت لعقوبة الإعدام (سواء بالتأييد أو بالتشديد بناءً على استئناف النيابة)، وبرَّرت قضاءها بأن "حكم محكمة جنايات أول درجة بعد أن حصل واقعة الدعوى، وأورد الأدلة على ثبوتها في حق الطاعنة انتهى - بعد أخذ رأي مفتي الجمهورية - إلى القضاء حضوريًا، وبإجماع الآراء بمعاقبة الطاعنة بالإعدام شنقًا عما أسند إليها، وألزمتها المصاريف الجنائية، فاستأنفت المحكوم عليها هذا الحكم، وقضت محكمة الجنايات المستأنفة بجلسة ١٥ من أكتوبر سنة ٢٠٢٤ بإجماع آراء أعضائها بقبول الاستئناف شكلًا، وفي الموضوع برفضه، وتأييد الحكم المستأنف، وألزمت المستأنفة المصاريف الجنائية، دون أن تستطلع رأي المفتي قبل القضاء بتلك العقوبة. لما كان ذلك، وكان نص الفقرة الثانية من المادة ٣٨١ من قانون الإجراءات الجنائية المعدل بالقانون رقم ١ لسنة ٢٠٢٤ قد جرى على أنه: "ولا يجوز لمحكمة الجنايات بدرجتيها أن تصدر حكمًا بالإعدام إلا بإجماع آراء أعضائها، ويجب عليها قبل أن تصدر هذا الحكم أن تأخذ رأي مفتي الجمهورية، ويجب إرسال أوراق القضية إليه، ويتعين عليه في جميع الأحوال أن يرسل رأيه إلى المحكمة قبل جلسة النطق بالحكم بفترة كافية، فإذا لم يصل رأيه إلى المحكمة قبل التاريخ المحدد للنطق بالحكم، حكمت المحكمة في الدعوى". لما كان ذلك، وكان من المقرر وفقًا لقضاء محكمة النقض وجوب استطلاع رأي مفتي الجمهورية قبل الحكم بالإعدام باعتباره شرطًا لازمًا لصحة الحكم أوجبه القانون، لا يغني عنه سبق اتخاذه أمام محكمة جنايات أول درجة، لما هو مقرر أن الاستئناف يعيد طرح الدعوى برمتها على محكمة الجنايات المستأنفة، مما لازمه أن تتحقق في المحاكمة أمامها ذات ضمانات الدفاع التي أوجبها القانون لكل متهم فإذا رأت محكمة الجنايات المستأنفة تأييد الحكم بالإعدام وجب عليها إرسال أوراق القضية إلى مفتي الجمهورية لاستطلاع رأيه حتى تطمئن إلى أن حكمها يوافق أحكام الشريعة الإسلامية باعتبارها هيئة حكم جديدة لم يسبق لها نظر الدعوى، واتجه الرأي عندها إلى الحكم بإعدام المتهم، ولم تستطلع من قبل رأيه حتى يطمئن وجدانها إلى أن حكمها يوافق أحكام الشريعة الإسلامية، كما أن هذا الإجراء يطمئن المتهم إلى أن المحكمة الجديدة قد استطلعت رأي مفتي الجمهورية قبل الحكم - حسبما استلزم القانون - وليكون الرأي العام على بينة من ذلك، وهي مقاصد لازمة جديرة بالاحترام، فضلًا عن أن هناك جديدًا في محكمة الجنايات المستأنفة، هو أن تشكيل المحكمة أصبح مغايرًا، والمحكمة بتشكيلها الجديد في حاجة إلى أن تطمئن بدورها إلى موافقة حكمها للشرع، إذا رأت الحكم بإعدام المتهم، هذا بالإضافة إلى أن المرافعة التي تجري في الدعوى هي مرافعة جديدة تسمعها المحكمة الجديدة لأول مرة. لما كان ذلك، وكان البين من الاطلاع على الأوراق، والمفردات المضمومة أن حكم محكمة الجنايات المستأنفة بجلسة ١٥ من أكتوبر سنة ٢٠٢٤ قد قضى بمعاقبة الطاعنة بالإعدام دون أن تأخذ هذه المحكمة رأي المفتي عملًا بالفقرة الثانية من المادة ٣٨١ من القانون سالف الذكر، فإن الحكم يكون باطلًا، ولا يقدح في ذلك أن تكون محكمة جنايات أول درجة قد استطلعت رأي المفتي قبل إصدار حكمها بالإعدام. لما كان ما تقدم، فإنه يتعين نقض الحكم المطعون فيه بغير حاجة لبحث أوجه طعن المحكوم عليها مع تحديد جلسة لنظر الموضوع عملًا بنص الفقرة الثانية من المادة ٣٩ من القانون رقم ٥٧ لسنة ١٩٥٩ الصادر بشأن حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض بعد تعديلها بالقانون رقم ١١ لسنة ٢٠١٧ [9] )".

الاتجاه الآخر: (التفسير الضيق):

  يرى هذا الاتجاه من خلال تفسيره لذات النص - عدم لزوم أخذ رأي المفتي مرة أخرى إذا كان حكم محكمة الجنايات المستأنفة قد انتهى إلى تأييد حكم أول درجة الصادر بالإعدام، وبرَّرت قضاءها بأن المقرر وفقاً لنص المادة ٣٨١ من قانون الإجراءات الجنائية أنه "تتبع أمام محاكم الجنايات بدرجيتها جميع الأحكام المقررة في الجنح ما لم ينص على خلاف ذلك ولا يجوز لمحكمة الجنايات بدرجيتها أن تصدر حكماً بالإعدام إلا بإجماع آراء أعضائها ويجب عليها قبل أن تصدر هذا الحكم أن تأخذ رأي مفتي الجمهورية..."، ومفاد هذا النص أن القانون قد أوجب على محكمة الجنايات بدرجيتها عند إصدارها حكماً بالإعدام أن يصدر ذلك الحُكم بإجماع آراء أعضائها ويجب عليها أن تأخذ رأي مفتي الجمهورية قبل إصداره، ومعنى الإصدار هنا أن يكون ذلك الحكم قد صدر ابتداء من محكمة جنايات أول درجة أو من محكمة الجنايات المُستأنفة كما لو كانت محكمة أول درجة قد قضت بالبراءة ثم استأنفت النيابة العامة للثبوت ورأت محكمة الجنايات المُستأنفة معاقبة المتهم بالإعدام أو كانت محكمة أول درجة قد قضت بالسجن المؤبد أو بالسجن المشدد واستأنفت النيابة العامة للتشديد أو للخطأ في تطبيق القانون، وقضت محكمة الجنايات المُستأنفة بالإعدام فيها يكون حكم الإعدام صادراً من محكمة الجنايات المُستأنفة ويجب عليه أن تستطلع رأي مفتي الجمهورية وأن يصدر حكمها بإجماع الآراء أما إذا اقتصر دورها على تأييد الحُكم المستأنف القاضي بالإعدام فلا حاجة لاستطلاع رأي مفتي الجمهورية أو صدور الحكم بإجماع آراء أعضائها طالما كأن حكم محكمة الجنايات قد استوفى تلك الإجراءات ويؤيد هذا النظر ما استقر عليه العمل بمحكمة النقض قبل العمل بالقانون رقم ١ لسنة ٢٠٢٤ الذي جعل التقاضي في الجنايات على درجتين إذ أن محكمة النقض إذا ما عرضت عليها قضية محكوم فيها بالإعدام ورأت اقراره فتقضي بذلك دون إعادة إرسال القضية إلى مفتي الجمهورية لأخذ رأيه – طالما كانت محكمة أول درجة قد قامت بهذا الإجراء وكان رأيه معروضاً على المحكمة باختلاف درجاتها ولا حاجة لإعادة ذلك الإجراء الا في حالة إلغاء الحُكم بالإعدام وإعادة المحاكمة إذا ما رأت محكمة الإعادة توقيع تلك العقوبة عليه، وإذ كان الحُكم المعروض قد التزم هذا النظر فإنه يكون قد سلم من مخالفة القانون في هذا الخصوص[10] )".

  ومن هنا، وللوصول إلى ترجيح علمي دقيق بين هذين الاتجاهين القضائيين المتباينين، يتعين لزامًا بسط وتحليل الأعمال التحضيرية للقانون رقم ١ لسنة ٢٠٢٤؛ تفعيلًا لما سلف بيانه من وجوب اتخاذ هذه الأعمال أداةً أصيلة من وسائل التفسير القانوني، للوقوف على النية الحقيقية للمشرع ومقاصده الواقعية، لحل إشكالية البحث في ضوء الفلسفة الحاكمة لنظام تقاضي الجنايات على درجتين، وذلك على النحو الآتي.

 

سادسًا: الأعمال التحضيرية للقانون رقم 1 لسنة 2024. [11] )".

نعرض هنا لما جاء بالمضبطة نصًّا:

"السيد النائب المحترم إبراهيم محمد إبراهيم الهنيدي

(المستشار إبراهيم الهنيدي) (رئيس اللجنة ومقررها):

'مادة ( ٣٨١):

تتبع أمام محاكم الجنايات بدرجتيها جميع الأحكام المقررة في الجنح ما لم ينص على خلاف ذلك.

ولا يجوز لمحكمة الجنايات بدرجتيها أن تصدر حكماً بالإعدام إلا بإجماع آراء أعضائها، ويجب عليها قبل أن تصدر هذا الحكم أن تأخذ رأى مفتي الجمهورية، ويجب إرسال أوراق القضية إليه، ويتعين عليه في جميع الأحوال أن يرسل رأيه إلى المحكمة قبل جلسة النطق بالحكم بفترة كافية، فإذا لم يصل رأيه إلى المحكمة قبل التاريخ المحدد للنطق بالحكم، حكمت المحكمة في الدعوى.

وفى حالة خلو وظيفة المفتي أو غيابه أو قيام مانع لديه، يندب وزير العدل، بقرار منه، مَن يقوم مقامه.

ولا يجوز الطعن فى أحكام محكمة الجنايات المستأنفة إلا بطريق النقض أو إعادة النظر."

رئيس المجلس:

لتتفضل الحكومة بشرح أسباب ومبررات طلب إعادة المناقشة في المادة (٣٨١) المتضمنة في المادة الأولى.

السيد المستشار وزير شئون المجالس النيابية:

شكراً سيادة الرئيس.

قضت الفقرة الثانية من المادة (٣٨١) كما وافق عليها المجلس أمس بأخذ رأى فضيلة مفتي الجمهورية مرتين حيث وردت عبارة " لمحكمة الجنايات بدرجتيها".

التعديل الأول المقترح أن يكون رأى مفتي الجمهورية في أول درجة، إلا في حالة الطعن بالاستئناف من النيابة العامة للتشديد، وإذا كانت المحكمة ستقضى بالإعدام عليها أخذ رأى مفتي الجمهورية في الاستئناف.

التعديل الثاني وهو الخاص بمدة ورود رأى مفتي الجمهورية، النص في القانون القائم كان يعطى مدة عشرة أيام لورود رأى مفتي الجمهورية، وقد حذفت من النص الجديد، ونقترح إعادتها مرة أخرى، شكراً.

السيد المستشار وزير العدل:

سيادة الرئيس، لدينا ثلاث ملاحظات على هذه المادة:

الملاحظة الأولى: كما أشار السيد المستشار وزير شئون المجالس النيابية تكرار أخذ رأى مفتي الجمهورية في ذات الواقعة، فالأفضل أخذ رأى المفتي أمام محكمة الاستئناف إذا كان الاستئناف من النيابة العامة للتشديد، بمعنى أنه إذا لم يكن حكم أول درجة يقضى بالإعدام، بالتالي لم يؤخذ رأى المفتي، فإذا استأنفت النيابة العامة للتشديد يجب على محكمة الاستئناف أخذ رأى المفتي، أما إذا كان من الأصل صدر ضده حكم بالإعدام، واستأنف هذا الحكم، فما المبرر لإعادة أخذ رأى المفتي مرة أخرى؟

  فالمحكمة إما أن تؤيد الحكم أو تخفض العقوبة أو تقضي بالبراءة، لذلك ليس هناك مبرر واضح لإعادة أخذ رأى فضيلة المفتي مرة أخرى.

الملاحظة الثانية: تتعلق بحذف مدة العشرة أيام الواردة في نص المادة في القانون القائم، هذا ميعاد تنظيمي حتى يستطيع فضيلة المفتي ترتيب أولوياته في الرد على القضايا التي ترد إليه، وترتيب أولوياته يكون على ضوء ميعاد زمني محدد للقضايا التي ترد إليه.

الملاحظة الثالثة: إن نص المادة الذي سبق أن وافق عليه المجلس الموقر يقضى بأن المحكمة تحجز الدعوى للحكم وتنتظر رأى فضيلة المفتي، كيف هذا؟ المفترض أن تكون الدعوى متداولة، وعلى المحكمة تأجيل الدعوى لحين ورود رأى فضيلة المفتي، وليس العكس، لذلك نقترح إعادة الصياغة بحيث لا تحجز الدعوى للحكم مادام رأى فضيلة المفتي لم يأت، ولم تنقض المدة المحددة لورود رأى فضيلته.

هذه التعديلات التي تقدمت بها لهذه المادة، أما باقي التعديلات فالسيد المستشار وزير شئون المجالس النيابية صاحب الاقتراح فيها، ومن يتولى الرد عليها.

رئيس المجلس:

السيد المستشار وزير شئون المجالس النيابية اقرأ لنا النص المقترح، مع بيان نقاط الاختلاف بينه وبين النص المقدم من الحكومة ووافقت عليه اللجنة.

السيد المستشار وزير شئون المجالس النيابية:

سيادة الرئيس، سأتلو على سيادتكم نص المادة

(٣٨١) على ضوء النص المقترح بإعادة صياغة الفقرة

الثانية منها.

"تتبع أمام محاكم الجنايات بدرجتيها جميع الأحكام

المقررة فى الجنح ما لم ينص على خلاف ذلك.

ولا يجوز لمحكمة الجنايات بدرجتيها أن تصدر حكماً بالإعدام إلا بإجماع آراء أعضائها، ويجب على محكمة جنايات أول درجة قبل أن تصدر هذا الحكم أن تأخذ رأى مفتي الجمهورية، ويجب إرسال أوراق القضية إليه، فإذا لم يصل رأيه إلى المحكمة خلال العشرة أيام التالية لإرسال الأوراق إليه حكمت المحكمة في الدعوى.

ولا يعاد أخذ رأى مفتي الجمهورية أمام محكمة الجنايات المستأنفة قبل الحكم بالإعدام إلا في حالة تشديد العقوبة المحكوم بها بناءً على الاستئناف المرفوع من النيابة العامة.

وفى حالة خلو وظيفة المفتي أو غيابه أو قيام مانع لديه، يندب وزير العدل، بقرار منه، مَن يقوم مقامه.

ولا يجوز الطعن فى أحكام محكمة الجنايات المستأنفة إلا بطريق النقض أو إعادة النظر."

رئيس المجلس:

السادة النواب، أستأذن حضراتكم قبل التصويت، لابد من توضيح بعض النقاط:

أولاً: التعديل المقترح من الحكومة ممثلة في وزارة العدل يتعلق بمصلحة الدولة المصرية العليا في المقام الأول، وهو ما حدا بي أن أتدخل للتوضيح.

نحن نتحدث عن عقوبة الإعدام، وهى ليست بالأمر الهين لاسيما على المستوى الدولي، ولا شك أن أخذ رأى فضيلة مفتى الجمهورية مرتين ينظر إليه على أنه ضمانة للمتهم، وبالتالي فإن الأخذ بمقترح وزارة العدل سيكون له مردود سلبى.

أكرر اقتراح الحكومة المقدم الآن له مردود سلبي على المستوى الدولي عند مناقشة الملف الخاص بالنظام العقابي المصري، ومن المفترض أن تكون وزارة العدل الأحرص في ذلك، باعتبارها من الجهات القائمة على مناقشة هذا الملف.

(تصفيق)

ثانياً: قد استرعى انتباهي أن مقترح وزارة العدل يخالف حكم محكمة النقض، الهيئة العامة للمواد الجنائية في الطعن رقم (٤٩٣٩٠) لسنة ٧٥ قضائية بجلسة الثاني عشر من نوفمبر سنة ٢٠٠٦، وهو حكم رائع في تفصيلاته ومبرراته، ماذا انتهى إليه هذا الحكم؟ انتهى الحكم إلى وجوب استطلاع رأى مفتي الجمهورية قبل الحكم، بالإعدام مرتين، باعتباره شرطاً لازماً لصحة الحكم - أوجبه القانون - مؤكداً أنه لا يغنى عنه سبق أخذ رأيه في المحاكمة الأولى لكون نقض الحكم يعيد الدعوى لمحكمة الإعادة بحالتها قبل إصدار الحكم المنقوض، فإذا رأت محكمة الإعادة أن تقضى بالإعدام، ماذا تفعل؟ وجب عليها إرسال أوراق القضية لمفتي الجمهورية لاستطلاع رأيه حتى نطمئن إلى أن حكمها يوافق أحكام الشريعة الإسلامية، باعتبارها هيئة حكم جديدة لم يسبق لها نظر الدعوى، وحتى يطمئن وجدانها إلى أن حكمها يوافق أحكام الشريعة الإسلامية، بالإضافة إلى أن هذا الإجراء يطمئن المتهم إلى أن المحكمة الجديدة استطلعت رأى مفتى الجمهورية قبل الحكم، ويكون الرأي العام على بينة من ذلك، هذه مقاصد تراها الهيئة لازمة وجديرة بالاحترام، هذه الهيئة هي الهيئة العامة للمواد الجنائية في محكمة النقض، وهى أعلى جهة في محكمة النقض و تشكل تشكيلاً خاصاً عند الخلاف في الرأي.

ثالثاً: لقد قمت بمراجعة محاضر اجتماعات اللجنة الفرعية المشكلة لصياغة مشروع قانون الإجراءات الجنائية، تبين أن الاقتراح المقدم اليوم من الحكومة قد أثير من أحد السادة أعضاء اللجنة الفرعية وتم رفضه، تم رفضه مِمَّن؟!

هذه هي المفاجأة، تم رفضه من ممثلي وزارتي العدل وشئون المجالس النيابية!

السادة النواب وبعد هذا التوضيح، هل لأحد من حضراتكم ملاحظات أخرى على هذه المادة؟

(لم تبد ملاحظات)

إذن، أعرض على حضراتكم الاقتراح الوارد بشأن هذه المادة لأخذ الرأي عليه والمقدم من الحكومة، ويقضى بتجزئة الفقرة الثانية من هذه المادة إلى فقرتين مع إعادة صياغتها على النحو الآتي "ولا يجوز لمحكمة الجنايات بدرجتيها أن تصدر حكماً بالإعدام إلا بإجماع آراء أعضائها، ويجب على محكمة جنايات أول درجة قبل أن تصدر هذا الحكم أن تأخذ رأى مفتي الجمهورية، ويجب إرسال أوراق القضية إليه، فإذا لم يصل رأيه إلى المحكمة خلال العشرة أيام التالية لإرسال الأوراق إليه حكمت المحكمة فى الدعوى.

ولا يعاد أخذ رأى مفتي الجمهورية أمام محكمة الجنايات المستأنفة قبل الحكم بالإعدام إلا في حالة تشديد العقوبة المحكوم بها بناءً على الاستئناف المرفوع من النيابة العامة."

الموافق على هذا الاقتراح يتفضل برفع يده.

(أقلية)

رئيس المجلس:

الموافق على المادة (٣٨١) المتضمنة في المادة الأولى كما سبق أن وافق عليها المجلس يتفضل برفع يده.

(موافقة)

رئيس المجلس:

يطلب السيد المستشار وزير العدل الحديث، ولا حديث بعد التصويت، سوف نستمع لسيادتك فيما بعد.

(صوت السيد النائب مصطفى بكري: من حق سيادة الوزير أن يتحدث.)

رئيس المجلس:

أرجو عدم الإخلال بنظام الجلسة سواء من السادة النواب أو من الحكومة، الجلسة لها نظام والتصويت المرجع النهائي.

(تصفيق)

نحن نتعاون مع الحكومة، ولكن اللائحة الداخلية للمجلس حددت الإجراءات والنظام، وكما يجب على السادة النواب الالتزام باللائحة الداخلية، يجب أيضاً على الحكومة الالتزام بها فهي قانون.

الحكومة أخذت فرصتها في شرح مبرراتها، وهي مبررات غير مستندة إلى أساس ومفندة، فأرجو الحكومة الالتزام بالقانون المتمثل في اللائحة الداخلية للمجلس الصادرة بقانون.

أرجو السادة النواب قبل أن يتحمسوا، أن يقرءوا اللائحة الداخلية للمجلس، أرجو ذلك من الجميع وأولهم أنا.

خاتمة البحث ورأي الباحث

  نرى أن نص الفقرة الثانية من المادة ٣٨١ من قانون الإجراءات الجنائية المستبدلة بالقانون رقم ١ لسنة ٢٠٢٤ - المقابلة لنص المادة ٣٦٥ من قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم ١٧٤ لسنة ٢٠٢٥ – قد ران عليه الغموض التشريعي نشأ نتيجة استخدام المشرع لألفاظ أو عبارات حمالة أوجه وتحتمل أكثر من معنى، مما وضع محكمة النقض في حيرة لتحديد المقصد الحقيقي. ويتخذ هذا الغموض صورة اللفظ الخفي الذي يبدو واضح الدلالة في أصله، لكن يكتنفه الغموض عند محاولة تطبيقه؛ وهذ إشكالية انبثق عنها نظامان تفسيريان تبنتهما دوائر محكمة النقض:

-  الاتجاه الأول (التفسير الموسع): يرى التزام محكمة الجنايات المستأنفة بأخذ رأي المفتي مجدداً متى تصدت لعقوبة الإعدام (سواء بالتأييد أو بالتشديد بناءً على استئناف النيابة)، باعتبارها محكمة موضوع كاملة الصلاحية تواجه خطورة العقوبة ذاتها.

- الاتجاه الثاني (التفسير الضيق): يرى عدم لزوم أخذ رأي المفتي مرة أخرى إذا كان حكم محكمة الجنايات المستأنفة قد انتهى إلى تأييد حكم أول درجة الصادر بالإعدام، استناداً إلى أن الغاية التشريعية والشرعية قد تحققت بالعرض الأول.

   ونؤكد - كما سبق القول - أن فرضية تشديد العقوبة المقيدة للحرية إلى عقوبة الإعدام بناءً على استئناف النيابة العامة، لا تثير أي خلاف فقهي أو قضائي بشأن حتمية استطلاع رأي مفتي الجمهورية أمام محكمة الدرجة الثانية؛ إذ تواجه المحكمة هنا عقوبة مستحدثة لم تُعرض أوراقها على المفتي من قبل. بيد أن جوهر التنازع ومحور الخلاف العملي ينحصران في حالة مدى وجوب امتداد ذات الالتزام الإجرائي بالضرورة إلى محكمة الجنايات المستأنفة إذا ما اقتصر قضاؤها على تأييد حكم الإعدام الصادر عن محكمة أول درجة.

   ويؤيد الباحث الاتجاه القضائي الذي يوجب على محكمة الجنايات المستأنفة إعادة استطلاع رأي مفتي الجمهورية قبل النطق بحكم الإعدام، حتى في حالة تأييد الحكم الصادر من محكمة أول درجة، ويستند الباحث في هذا التأييد إلى الأسانيد القانونية والتشريعية الآتية:

- حقيقة الاستحداث الجوهري لطبيعة المحكمة المستأنفة: إن محكمة الجنايات المستأنفة ليست مجرد جهة فاحصة للحكم السابق، بل هي محكمة موضوع ثانية تنظر الدعوى من جديد وتطرح عناصرها بالكامل. ومن ثم، فإن عقيدة المحكمة تتشكل بشكل مستقل، وبما أن الحكم بالإعدام يصدر باسمها ولأول مرة من تشكيلها، وجب تلازم الضمانة الإجرائية (رأي المفتي) مع قرارها الجنائي.

- إن العودة إلى الأعمال التحضيرية للقانون رقم ١ لسنة ٢٠٢٤ تحسم هذا الخلاف؛ إذ يتضح جلياً أن قصد المشرع قد اتجه صراحةً إلى حتمية إعادة استطلاع رأي المفتي أمام محكمة الجنايات المستأنفة، كالتزام إجرائي مستقل ومتكرر، حتى في الأحوال التي تنتهي فيها المحكمة الاستئنافية إلى مجرد تأييد حكم إعدام صادر عن محكمة أول درجة، أو عند تشديد العقوبة بناءً على استئناف النيابة العامة، وهو ما يؤكد رغبة المشرع في إحاطة عقوبة الإعدام بأقصى ضمانات العدالة وضوابط التحوط التشريعي على اختلاف درجات التقاضي. ولم تشر الأعمال التحضيرية مطلقاً إلى الرغبة في اختزال أو إسقاط أي ضمانة بحجة سبق ممارستها.

- منطق الاتساق الإجرائي (إجماع الآراء): أوجب القانون أن يصدر حكم الإعدام بإجماع آراء قضاة المحكمة. فإذا كان إجماع قضاة محكمة أول درجة يحتاج إلى مظلة الرأي الشرعي للمفتي، فإن إجماع قضاة محكمة الاستئناف (وهم تشكيل قضائي جديد وأعلى درجة) يحتاج بالتبعية ذاتها إلى ذات المظلة الشرعية لضمان سلامة حكمهم الجديد.

  ثامنًا: النتائج والتوصيات.

  ننتهي من خلال هذه الدراسة إلى جملة من النتائج والتوصيات المهمة:

1. نتائج البحث:

- تأكيد الطبيعة الآمرة لضمانة المفتي: خلص البحث إلى أن استطلاع رأي المفتي ليس مجرد إجراء شكلي، بل هو ضمانة موضوعية وإجرائية تتصل بالنظام العام ويترتب على إغفالها بطلان الحكم بطلاناً مطلقاً.

- رصد اتجاهات النقض: كشف البحث عن وجود تباين واشتباك قانوني بين دوائر محكمة النقض؛ حيث جنح بعضها للتفسير الشكلي بالاكتفاء بالعرض الأول عند تأييد الحكم، بينما انحاز البعض الآخر للتفسير الضماني بضرورة تكرار العرض.

- حسم الإرادة التشريعية: أثبت استقراء الأعمال التحضيرية للقانون رقم 1 لسنة 2024 أن فلسفة المشرع اتجهت نحو حتمية إعادة استطلاع رأي المفتي أمام محكمة الجنايات المستأنفة كالتزام مستقل، حتى في حال تأييدها لحكم الإعدام الصادر من أول درجة، أو تشديد العقوبة بناءً على استئناف النيابة العامة، إمعاناً في توفير أقصى ضمانات التقاضي لهذه العقوبة.

2. توصيات البحث:

- يوصي الباحث بضرورة انعقاد الهيئة العامة للمواد الجنائية بمحكمة النقض لإصدار مبدأ قضائي موحد، يقضي بوجوب إعادة استطلاع رأي المفتي أمام محاكم الجنايات المستأنفة ترجيحاً لكفة الضمانات الجوهرية للمحاكمة العادلة.

- يوصي الباحث النيابة العامة بالتأكد عند قيد الطعون بالنقض في أحكام الإعدام الصادرة من الجنايات المستأنفة من استيفاء إجراء عرض الأوراق على المفتي للمرة الثانية، صوناً للأحكام من البطلان ومحافظةً على استقرار المراكز القانونية.



) [1] ) لمزيد من التفصيل، راجع:

-       الأستاذ عبد الرحيم شنكاو، ضوابط وحدود التفسير القضائي للنصوص القانونية الجنائية - العدد 49 من مجلة الباحث - منشورات موقع الباحث القانوني - تقديم د محمد القاسمي.

 

) [2] ) لمزيد من التفصيل، راجع د. حسام لطفي: المدخل لدراسة القانون في ضوء آراء الفقه وأحكام القضاء - القاهرة 2025 – 2026، ص 353 وما بعدها.

 

) [3] ) لمزيد من التفصيل، راجع:

-       الأستاذ عبد الرحيم شنكاو، ضوابط وحدود التفسير القضائي للنصوص القانونية الجنائية، مرجع سابق.

-       د. حسام لطفي: المدخل لدراسة القانون في ضوء آراء الفقه وأحكام القضاء – مرجع سابق، ص 353 وما بعدها.

 

) [4] ) نقض جنائي: الطعن رقم 1150 - لسنة 48 - تاريخ الجلسة 16 / 4 / 1931 - مكتب فني 2 ع - رقم الجزء 1 - رقم الصفحة 298.

) [5] ) نقض جنائي:

- الطعن رقم 4258 - لسنة 81 - تاريخ الجلسة 1 / 7 / 2012.

- الطعن رقم 2136 - لسنة 17 - تاريخ الجلسة 4 / 11 / 1947 - مكتب فني 7 ع - رقم الجزء 1 - رقم الصفحة 391.

- الطعن رقم 2136 - لسنة 17 - تاريخ الجلسة 6 / 1 / 1948 - مكتب فني 7 ع - رقم الجزء 1 - رقم الصفحة 446.

 

) [6] ) نقض جنائي: [الطعن رقم 1317 - لسنة 19 - تاريخ الجلسة 30 / 1 / 1950 - مكتب فني 1 رقم الجزء 1 -  رقم الصفحة 277.

 

) [7] ) نقض جنائي: الطعن رقم 13427 - لسنة 61 - تاريخ الجلسة 1 / 4 / 2002 - مكتب فني 53 رقم الصفحة 537.

) [8] ) نقض جنائي: الهيئة العامة للمواد الجنائية: الطعن رقم ١٠٢١٩ لسنة 91 ق جلسة 22/3/2023، مكتب فني س 73 ص 5.

) [9] ) نقض جنائي: الطعن رقم 6430 لسنة 95ق جلسة 26/4/2026، والطعن رقم 55 لسنة 95ق جلسة 23/2/2026، والطعن رقم 445 لسنة 95ق جلسة 17/2/2026، الطعن رقم 705 لسنة 95ق جلسة 25/2/2026، الطعن رقم 9946 لسنة 94 ق جلسة 3/2/2026، الطعن رقم 9646 لسنة 94ق جلسة 23/12/2025.

) [10] ) نقض جنائي: الطعن رقم 11339 لسنة 94ق جلسة 4/2/2026.

) [11] ) راجع: مضبطة الجلسة العشرين المعقودة صباح يوم الثلاثاء 4 من رجب سنة 1445 هـ الموافق 16 من يناير سنة 2024م، دور الانعقاد العادي الرابع، الفصل التشريعي الثاني، المنشورة في الجريدة الرسمية لجمهورية مصر العربية "قسم مجلس النواب" صفحة 9 وما بعدها.

الطعن 11339 لسنة 94 ق جلسة 4 / 2 / 2026

 باسم الشعب 

محكمة النقـــض

الدائــرة الجنائيـــة

دائرة الأربعاء (و)

-----

المؤلفة برئاسة السيد القاضي / محمود خضر نائب رئيس المحكمـة وعضوية السـادة القضاة / قدري عبد الله ، خالد الـوكيل، أحمد الحميلي وأيمن ماهر نواب رئيس المحكمة

وبحضور السيد رئيس النيابة العامة لدى محكمة النقض السيد/ عمرو كدواني.

وأمين السر السيد/ حاتم عبد الفضيل.

في الجلسة العلنية المنعقدة بمقر المحكمة بدار القضاء العالي بمدينة القاهرة. 

في يوم الأربعاء 16 من شعبان سنة 1447هـ الموافق 4 من فبراير سنة 2026م.

أصدرت الحكم الآتي :-

في الطعن المقيد بجدول المحكمة برقـــم 11339 لسنة 94 القضائية . 

المرفوع من

.........            " الطاعن "

ضــــــــــــــــــــــد

النيابـــة العامــة       " المطعون ضدها "

-----------------

الـوقـائـــع

اتهمت النيابة العامة كلاً من 1ــ ......... (طاعن) 2ـــ ......... 3ـــ ......... 4ــــ ......... في القضية رقم 21134 لسنة 2023 جنايات مينا البصل " والمقيدة برقم 1973 لسنة 2023 كلي غرب الإسكندرية " " والمقيدة برقم 180 لسنة 2024 جنايات مُستأنف الإسكندرية " بوصف أنهم في يوم 23 من أغسطس سنة 2023 ـــ بدائرة قسم مينا البصل ـــ محافظة الإسكندرية:ــــ

المتهم الأول:

ــ قتل عمداً الطفل/ ......... بغير سبق إصرار أو ترصد بأن توجه إلى المجني عليه أبان استقلاله الدراجة النارية " التوك توك " قيادته مطالباً إياه توصيله إلى وجهته بدائرة أول العامرية وما أن صدق المجني عليه مزاعمه حتى استقل الدراجة النارية رفقته ولتنفيذ مسعاه الآثم استدرجه بعيداً عن أعين الرقباء وآلات الرصد، وما أن ظفر به وحيداً حتى نحره بسلاح ابيض قاطع "نصل كتر" فأحدث به إصاباته الموصوفة بتقرير الصفة التشريحية التي أودت بحياته قاصداً من ذلك كله إزهاق روحه على النحو المبين بالتحقيقات، وقد اقترنت تلك الجناية وتقدمتها جناية أخرى وذلك أنه في ذات الزمان والمكان: 

ــ خطف بالتحايل الطفل/ ......... ذلك أنه ما أن أبصر المجني عليه سالف الذكر مستقلاً دراجته النارية (التوك توك) لكسب قوت يومه حتى بادره طالباً منه توصيله إلى وجهته مستغلاً حداثة سنه تم استدرجه بعيداً عن أعين الرقباء وألات الرصد توطئة لارتكاب الجريمة محل الاتهام اللاحق، فانصاع لمكره حاسناً الظن بالمتهم وقد تلتها واقترنت بها الجناية التالية وذلك أنه ذات الزمان والمكان أنفى البيان، سرق المنقولات خاصة بالمجني عليه والمبينة وصفاً بالأوراق " دراجه نارية، هاتف محمول" من طريق عام وبأن أشهر في مواجهته سلاح أبيض " نصل قاطع " مهدداً إياه بالنزول عن دراجته النارية وتمكن من تنفيذ مسعاه الآثم عقب ارتكابه للأفعال المادية للجريمتين محل الاتهامين السابقين وذلك على النحو المبين بالتحقيقات.

ـ أحرز بغير ترخيص سلاح أبيض قاطع " نصل كتر " دون مسوغ قانوني وهو المسُتخدم في ارتكاب الجريمتين محل الإتهامين الأول والثالث وذلك على النحو المبين بالتحقيقات.

المتهمون من الثاني حتى الرابع:ـــ

ــ أخفوا أشياء مسروقة " دراجة نارية " والمتحصل عليها من الجريمة محل الاتهام السالف مع علمهم بكونها متحصله من جريمة سرقة على النحو المبين بالتحقيقات.

  وأحالتهم إلى محكمة جنايات الجيزة لمحاكمتهم طبقا للقيد والوصف الواردين بأمر الإحالة.

    وبجلسة 6 من مارس سنة 2024  قررت المحكمة بإجماع آراء أعضائها بإرسال الأوراق لمفتي جمهورية مصر العربية لاستطلاع الرأي الشرعي.

        وبجلسة 8 من مايو سنة 2024 قضت المحكمة حضورياً عملاً بالمواد 304 /2، 313، 381 /2 من قانون الإجراءات الجنائية والمواد 44 مكرراً/1، 234/1-2، 317/رابعاً من قانون العقوبات، والمواد 1/1، 25مكرر/1، 30/1 من القانون رقم 394 لسنة 1954 المعدل بالقانونين ٢٦ لسنة ۱۹۷۸، و ١٦٥ لسنة ۱۹۸۱ والبند رقم (۷) من الجدول رقم (۱) الملحق بالقانون الأول والمعدل بقرار وزير الداخلية رقم ١٧٥٦ لسنة ۲۰۰۷ والمواد 2/1، 11٦مكرر/1 من قانون الطفل ١٢ لسنة ١٩٩٦ والمعدل بالقانون ١٢٦ لسنة ۲۰۰۸، وبعد تطبيق نص المادة ٣٢/٢ من قانون العقوبات، أولاً: بمعاقبة ......... بالإعدام شنقاً عما اسند إليه من إتهام، ثانياً: بمعاقبة كلاً من .........، .........، ......... بالسجن لمدة ثلاث سنوات لكلاً منهم عما اسند إليهم وألزمتهم المصاريف الجنائية، ثالثاً: بمصادرة السلاح الأبيض المضبوط، وذلك بعد أن عدلت وصف الاتهام بالنسبة للمتهم الأول بجعله:

ــ قتل عمداً المجني عليه/ ......... من غير سبق إصرار أو ترصد بأن جاب الطرقات بحثاً عن فريسة يسلبها مالها حتى وجد ضحيته حال قيادته لدراجته النارية ــ توكتوك ـــ فاستوقفه وتظاهر زوراً بطلبه منه توصيله لوجهة قصدها حتى استدرج إياه لمكان ناءٍ وما أن ظفر به وحيداً أشهر أداة بطشة ـــ كتر ــــ وطعن إياه بها طعنة قاتلة برقبته قاصداً من ذلك إزهاق روحه فأحدث به الإصابات الموصوفة بتقرير الصفة التشريحية والتي أودت بحياته، وفى ذات الزمان والمكان سالفي الذكر كان القصد من ارتكاب جناية القتل العمد سالفة البيان ارتكاب وتسهيل وإتمام جنحة السرقة الآتية:

ـــ سرق المنقولات (التوكتوك، هاتف محمول) المبينين بالتحقيقات الخاصين بالمجني عليه سالف الذكر من طريق عام باستخدام سلاح أبيض ـــ كتر ـــ على النحو المبين بالتحقيقات.

ـــ أحرز بغير ترخيص سلاح أبيض (كتر) دون مسوغ قانوني وهو المُستخدم في الجريمتين سالفتي الوصف.

فاستأنف المحكوم عليهم ذلك القضاء، ومحكمة الجنايات المُستأنفة قضت حضورياً في ٣٠ من يوليو لسنة ٢٠٢٤، بقبول الاستئناف شكلاً وفي الموضوع: أولاً: وبإجماع الآراء بالنسبة للمُستأنف الأول/ ......... برفض الاستئناف وتأييد الحُكم المُستأنف وألزمته المصاريف الجنائية، ثانياً: بالنسبة لباقي المُستأنفين بتعديل الحُكم المُستأنف بمعاقبة كلاً من ......... و ......... و ......... بالحبس مع الشغل لمدة سنة واحدة عما أسند إليهم وألزمتهم المصاريف الجنائية.

فطعن المحكوم عليه الأول في هذا الحكم بطريق النقض في 15 من سبتمبر سنة 2024.

وطعن الأستاذ/ ......... (المحامي) بصفته وكيلاً المحكوم عليه الأول في هذا الحكم بطريق النقض في 17 من سبتمبر سنة 2024.

وأودعت مذكرة بأسباب الطعن بالنقض عن الطاعن في ١٧ من سبتمبر سنة 2024 موقع عليها من الأستاذ/ ......... (المحامي).

         وعرضت النيابة العامة القضية على محكمة النقض مشفوعة بمذكرة برأيها طلبت فيها إقرار الحكم بإعدام المحكوم عليه/ ..........

 وبجلسة اليوم سُمعت المرافعة على ما هو مبين بمحضر الجلسة

----------------

المحكمـــة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذي تلاه السيد القاضي المقرر والمرافعة وبعد المداولة قانوناً:

 أولاً: عن الطعن المُقدم من المحكوم عليه/ ..........

حيث إن الطعن قد استوفى الشكل المقرر في القانون.

وحيث ان الطاعن ينعى على الحُكم المطعون فيه أنه إذ دانه بجرائم القتل العمد بغير سبق إصرار أـو ترصد المرتبط بجنحة السرقة واحراز سلاح أبيض "  كتر " دون مسوغ وقضى بإعدامه قد شابه القصور والتناقض في التسبيب والفساد في الاستدلال والإخلال بحق الدفاع، ذلك بأنه لم يُبين واقعة الدعوى وأدلتها في بيانٍ وافٍ، ولم يُدلل تدليلاً سائغاً على توافر نية القتل في حقه وأن ما ساقه في هذا الخصوص لا يعدو أن يكون مجرد ترديد للأفعال المادية التي وقعت والتي لا يستقي منها أنه ابتغى إزهاق روح المجني عليه ولا يكفي لحمل قضائه، لا سيما أن الواقعة في حقيقتها لا تعدو سوى أن تكون جريمة الضرب المفضي إلى الموت ملتفتاً عن طلبه بتعديل القيد والوصف إلى تلك الجريمة، وتناقض الحكم إذ أورد بمدوناته أن الباعث على القتل كان خشية افتضاح أمره ثم عاد في موضع آخر منه أن القتل كان بقصد السرقة، كما لم يدلل تدليلاً سائغاً على توافر ظرف الارتباط وقيام رابطة السببية بين القتل والسرقة، وأطرح بما لا يسوع دفعه ببطلان اعترافه بتحقيقات النيابة العامة لكونه وليد اكراه مادى ومعنوي من مأموري الضبط القضائي، لاسيما وأنه عدل عنه أمام المحكمة، واخيراً لم تحبه المحكمة إلى طلبه بعرض الطاعن على مصلحة الصحة النفسية لبيان مدى مسئوليته عن أفعاله وأطرحت طلبه بما لا يسوغ، مما يعيب الحُكم ويستوجب نقضه.

ومن حيث إن الحُكم الابتدائي المؤيد لأسبابه والمكمل بالحكم المطعون فيه بين واقعة الدعوى في قوله " من حيث أن واقعة الدعوى حسبما استقرت في يقين المحكمة واطمأن إليه وجدانها مستخلصة من أوراقها وسائر ما تم فيها من تحقيقات وما دار بشأنها بجلسة المحاكمة تتحصل في أن المتهم/ صلاح جابر محمد محمد قد ضل سعيه في الحياة الدنيا واستذله الشيطان بشهوة المال الحرام بينما كان يمر بضائقة مالية، فوسوس إليه على سرقة أحد الدراجات النارية " التكاتك " كرهاً عن قائدها وبيعها وأعد لهذا الغرض سلاحاً أبيض " كتر " وخبأة داخل طيات ملابسه وفي ليلة الواقعة توجه إلى شارع الإسناوي ـــ دائرة مينا البصل ـــ والبعيد عن منطقة سكنه لصعوبة التعرف عليه وحيث تتواجد عدة تكاتك لتوصيل الراغبين ووقف يتصيد فريسة تكون من صغار السن ضعيفة البنيان ليسهل السيطرة عليه ليتمكن من سرقة منقولاته والتوكتوك قيادته تحت تهديد السلاح الأبيض حوزته حسبما وقر في باطنه ووجد ضالته في المجني عليه/ .........حال قيادته دراجة نارية " توكتوك " حتى استوقفه وطلب منه اقلاله إلى ناحية المستعمرة بمنطقة نجع العرب دائرة قسم العامرية أول فوافقه المغدور به وفوجئ أن المجني عليه مقيم بمنطقة نجع العرب وهي منطقة سكن المتهم مما سيسهل التعرف عليه عقب قيامه بسرقته كرهاً عنه وأثناء ذلك عقد العزم وبيت النية على سرقة المجني عليه كرهاً عنه وإزهاق روحه لعدم افتضاح أمره وتوجها إلى المستعمرة منطقة الهلال الأحمر وحال سيرهما وبوصولهما لمنطقة غير مأهولة استوقفه على جانب الطريق بزعم رغبته في قضاء حاجته وأخرج سلاحه الأبيض وباغت المجني عليه وكال له طعنة برقبته قاصداً إنهاء حياته فسقط أرضاً مفارقاً الحياة وقام بالاستيلاء على هاتفه المحمول والتوكتوك للتصرف فيه ببيعه والتحصل على ثمنه وقام بالتخلص من أداة الجريمة بإلقاء السلاح الأبيض المستخدم بجوار الجثة وقام بالتوجه إلى أشخاص معروفين له المتهمين الثاني/ محمد أشرف الشاطبي " وشهرته حمو سبرتو " والثالث/ إسلام علي مرسي علي " وشهرته إسلام بازوما " للتصرف في التوكتوك المتحصل من جريمته بالبيع وقام الأخير بالاتصال مع المتهم الرابع/ ريان صافي ريان محمود حسونه " وشهرته ريان حرباوي" لإتمام عملية بيعها وقام المتهم الثاني بالاحتفاظ ببعض أجزاء وكماليات الدراجة المسروقة وبإجراء التحريات السرية حول الواقعة بمعرفة المقدم/ أحمد الصيرفي مفتش مباحث قسمي مينا البصل والدخيلة توصلت إلى قيام المتهم بارتكاب الواقعة على نحو ما سبق ونفاذاً للإذن الصادر من النيابة العامة تمكن المقدم/ فادي أحمد أبو الدهب رئيس مباحث مينا البصل من ضبطه وبإرشاده عثر بحوزته على الهاتف المحمول الخاص بالمجني عليه والمبلغ المالي المتحصل من بيع التوكتوك المستولى عليه وبمواجهته أقر له بأنه وعلى اثر مروره بضائقة مالية انتابته فكرة سرقة أحد سائقي التكاتك فبادر باصطياد فريسته المجني عليه واستدرجه إلى مكان ناءٍ وما ان ظفر به أشهر من طيات ملابسه سلاح أبيض ـــ كتر ـــ وطعن ضحيته طعنة قاتلة برقبته سقط على أثرها صريعاً قاصداً ازهاق روحه بقصد الاستيلاء على متعلقات الضحية وتمكن من سرقة " التوكتوك وهاتف محمول " ولاذ بالفرار بغنائمه وتواصل مع المتهمين الثاني والثالث لعلمه بتعاملهما في الأشياء المُتحصلة من جرائم واللذين أوصلوه للمتهم الرابع الذي اشترى منه التوكتوك المسروق بثمن بخس وتمكن من ضبطهم وضبط التوكتوك لديه وبإرشادهم تمكن من العثور على بعض من أجزاء الدراجة النارية المسروقة وأقروا له بأنهم على علم بكون الدراجة المضبوطة متحصلة من جريمة سرقة...."، وأورى تقرير الصفة التشريحية للمجني عليه أن إصابته بالعنق ذبحيه حيوية حديثة وجائزة الحصول من السلاح المضبوط - كتر - ووفق تصوير المتهم وفي تاريخ معاصر لارتكاب الجريمة وأن تلك الإصابة هي السبب في حدوث الوفاة الذبحية بالعنق بما أدت إليه من قطع بالأوعية الدموية الرئيسية بيمين العنق وقطع بالقصبة الهوائية ونزيف دموي أدى ذلك إلى هبوط حاد بالدورة الدموية والتنفسية والوفاة"، وساق الحُكم على صحة الواقعة واسنادها إلى الطاعن أدلة استقاها من أقوال المقدم أحمد الصيرفي مفتش مباحث قسمي مينا البصل والدخيلة والمقدم/ فادي أحمد أبو الدهب رئيس المباحث والرائد صابر كامل الدد معاون المباحث ومما ثبت بتقرير الصفة التشريحية لجثة المجني عليه وما ثبت من معاينة النيابة العامة لمكان الواقعة والمعاينة التصويرية وملاحظات النيابة العامة بإقرار المتهم ومما ثبت بالتقرير الطبي الشرعي وهى أدلة سائغة من شانها أن تؤدى إلى ما رتبه الحُكم عليها. لما كان ذلك، وكان من المقرر أن جريمة القتل العمد تتحقق بكل فعل يرتكبه الجاني من شأنه الاعتداء على حياة انسان حي وإزهاق روحه ويتحقق القصد الجنائي في تلك الجريمة باتجاه إرادة الجاني إلي اقتراف الفعل المادي لجريمة القتل مع علمه بذلك كما يتطلب تحقق أركان تلك الجريمة تحقق ركن خاص وهو نية القتل ويجب على الحُكم الصادر بالإدانة أن يورد الأدلة السائغة على توافر نية القتل لدى الجاني. لما كان ذلك، وكانت المادة 310 من قانون الإجراءات الجنائية قد أوجبت في كل حُكم بالإدانة أن يشتمل على بيان الواقعة المستوجبة للعقوبة بياناً تتحقق به أركان الجريمة التي دان الطاعن بها والظروف التي وقعت فيها، والأدلة التي استخلصت منها المحكمة ثبوت وقوعها منه، وكان يبين مما سطره الحُكم أنه بين واقعة الدعوى بما تتوافر به العناصر القانونية لجرائم القتل العمد بغير سبق الإصرار والترصد المرتبط بجنحة السرقة، وإحراز سلاح أبيض بغير ترخيص التي دان الطاعن بها، وأورد على ثبوتها في حقه أدلة سائغة من شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه الحُكم عليها، وجاء استعراض المحكمة لأدلة الدعوى على نحو يدل على أنها محصتها التمحيص الكافي وألمت بها إلماماً شاملاً يفيد أنها قامت بما ينبغي عليها من تدقيق البحث لتعرف الحقيقة، وكان من المقرر أن القانون لم يرسم شكلاً أو نمطاً يصوغ فيه الحُكم بيان الواقعة المستوجبة للعقوبة والظروف التي وقعت فيها، ومتى كان مجموع ما أورده الحُكم كافياً في تفهم الواقعة بأركانها وظروفها حسبما استخلصتها المحكمة، فإن ذلك يكون محققاً لحُكم القانون، ويكون منعى الطاعن على الحُكم بالقصور لا محل له. لما كان ذلك، وكان الحُكم الابتدائي المؤيد لأسبابه والمكمل بالحكم المطعون فيه قد استظهر نية القتل وأثبت توافرها في حق الطاعن بقوله " .... أن نية إزهاق روح المجني عليه قد استقامت في قناعة هذه المحكمة بحق المتهم استخلاصاً مما دلت عليه التحريات التي سطرها الشاهد الأول المقدم/ أحمد الصيرفي مفتش مباحث مينا البصل والدخيلة أن تحرياته توصلت إلى قيام المتهم بارتكاب الواقعة ونفاذاً للاذن الصادر من النيابة العامة تمكن الشاهد الثاني المقدم/ فادى أبو الدهب رئيس مباحث مينا البصل من ضبطه وبمواجهته أقر له بأنه وعلى أثر مروره بضائقة مالية انتابته فكرة سرقة أحد سائقي التكاتك فبادر باستيقاف المجني عليه واستدرجه إلى مكان ناءٍ وما أن ظفر به أشهر من طيات ملابسه سلاح أبيض "كثر " وطعن ضحيته طعنة اسقطته صريعاً قاصداً ازهاق روحه بقصد الاستيلاء على متعلقات الضحية وتمكن من سرقة " التوكتوك وهاتف محمول" ولاذ بالفرار بغنائمه وأن نية القتل قد اختمرت في نفس المتهم كنتيجة لما اختلجت به نفسه من سرقة توكتوك المجني عليه مما دعاه لقتله والخلاص منه خلاصاً نهائياً ومؤبداً لئلاً ينكشف ستر جرمه سيما وأنه علم أن المجني عليه يقطن بذات منطقة سكنه، كما تستنبط المحكمة تحقق نية المتهم ازهاق روح المجني عليه المذكور من استعماله في ارتكابها سلاحاً قاتلاً بطبيعته " كتر " ومن كونها اصابت منه مقتلاً برقبته، وتيقن من سقوطه قتيلاً مضرجاً في دمائه، ومن تعمده تركه ينزف إلى أن لفظ أنفاسه الأخيرة وسكت جسده وأسلم الروح لبارئها، ومن نكوله وقعوده عقب ذلك عن طلب المساعدة له أو لإسعافه بعد أن اثخنته جراحه، وكل تلك امارات ومظاهر خارجية تكشف في مجملها بجلاء متبادر للمحكمة وتفصح بيقين فى قناعتها بأن نية ازهاق روح المجني عليه في جريمة القتل العمد قد توافرت بحق المتهم وتولد قصد القتل لديه بمسرح الحادث توافراً حقيقياً وفعلياً أكيدا لا مراء فيه. لما كان ذلك، وكان قصد القتل أمراً خفياً لا يدرك بالحس الظاهر وإنما يدرك بالظروف المحيطة بالدعوى والامارات والمظاهر الخارجية التي يأتيها الجاني وتنم عما يضمره في نفسه واستخلاص هذا القصد من عناصر الدعوى موكول إلى قاضي الموضوع في حدود سلطته التقديرية، وكان ما أورده الحُكم يكفي في استظهار نية القتل، فإن النعي على الحُكم في هذا الشأن يكون على غير أساس. لما كان ذلك، وكان ما أورده الحُكم في مدوناته تتوافر به جناية القتل العمد بغير سبق الإصرار والترصد المرتبط بجنحة السرقة كما هي معرفة به في القانون وكان النعي بأن الواقعة مجرد جناية ضرب أفضى إلى موت او طلب تعديل القيد والوصف الى هذه التهمة مردود بأنه لا يعدو أن يكون منازعة في الصورة التي اعتنقتها المحكمة للواقعة وجدلاً موضوعياً في سلطة محكمة الموضوع في استخلاص صورة الواقعة كما ارتسمت في وجدانها مما تستقل بالفصل فيه بغير معقب، هذا إلى أن محكمة الموضوع غير ملزمة بتعقب المتهم في مناحي دفاعه الموضوعي والرد على كل شبهة يثيرها على استقلال إذ في قضائها بالإدانة استناداً إلي أدلة الثبوت التي أوردتها ما يفيد ضمناً أنها أطرحتها ولم تعول عليها ويضحى ما يثيره الطاعن في هذا الصدد غير مقبول. لما كان ذلك، وكان من المقرر أن الباعث على ارتكاب الجريمة ليس ركناً من أركانها أو عنصراً من عناصرها فلا يقدح في سلامة الحكم عدم بيان الباعث تفصيلاً أو الخطأ فيه أو ابتناؤه على الظن أو إغفاله جملة، ومن ثم فلا محل لتعييب الحُكم في هذا الخصوص. لما كان ذلك، وكان شرط إنزال العقوبة المنصوص عليها في المادة ٢٣٤ من قانون العقوبات هو أن يكون وقوع القتل لأحد المقاصد المبينة بها ومن بينها التأهب لفعل جنحة أو تسهيلها أو ارتكابها بالفعل، وعلى محكمة الموضوع في حالة ارتباط القتل بجنحة سرقة أن تبين غرض المتهم من القتل وأن تقيم الدليل على توافر رابطة السببية بين القتل والسرقة، وكان ما أورده الحُكم على النحو سالف البيان يتحقق به ظرف الارتباط المُشدّد لعقوبة القتل العمد المرتبطة بجنحة سرقة كما هي معرفة به في القانون؛ إذ أوضح رابطة السببية بين القتل وارتكاب جنحة السرقة التي كانت الغرض المقصود منه، فإن ما يثيره الطاعن في هذا الشأن يكون غير سديد. لما كان ذلك، وكان من المقرر أن الاعتراف في المسائل الجنائية من عناصر الاستدلال التي تملك محكمة الموضوع كامل الحرية في تقدير صحتها وقيمتها في الإثبات بغير معقب ما دامت تقيمه على أسباب سائغة ـــ كما هو الحال في الدعوى المطروحة ـــ ولها سلطة مطلقة في الأخذ باعتراف المتهم في أي دور من أدوار التحقيق متى اطمأنت إلى سلامة الدليل المستمد من هذا الاعتراف، كما أن لها أن تقدر عدم صحة ما يدعيه المتهم من أن الاعتراف المعزو إليه قد انتزع منه بطريق الإكراه بغير معقب عليها ما دامت تقيم تقديرها على أسباب سائغة، وكانت المحكمة فيما أوردته في ردها على دفاع الطاعن في هذا الشأن قد أفصحت عن اطمئنانها إلى أن اعترافه في تحقيقات النيابة العامة إنما كان طواعية واختياراً ولم يكن نتيجة إكراه واقتنعت بصحته، فإن رد الحُكم على ما دفع به المدافع عن الطاعن في هذا الصدد يكون كافياً وسائغاً، ويضحى النعي عليه في هذا الخصوص غير سديد. لما كان ذلك، وكان من المقرر أن تقدير حالة المتهم العقلية ومدى تأثيرها على مسئوليته الجنائية من الأمور الموضوعية التي تستقل محكمة الموضوع بالفصل فيها ما دامت تقيم تقديرها على أسباب سائغة وهى غير ملزمة بالاستعانة في ذلك بخبير إلا فيما يتعلق بالمسائل الفنية البحتة التي يتعذر عليها تقديرها، كما أنه من المقرر أنه يشترط في الطلب والدفاع الجوهري كيما تلتزم المحكمة بتحقيقه أو الرد عليه أن يكون مع جوهريته يشهد له الواقع ويسانده فإذا كان عارياً من دليله وكان الواقع يدحضه فإن المحكمة تكون في حل من أجابته أو الالتفات إليه، وكان الطاعن لم يقدم دليله على كونه مصاب بمرض عقلي أو نفسي وقت ارتكابه للجريمة، كما أن واقعات الدعوى خلت مما يشهد له بذلك، وكانت المحكمة قد قدرت في حدود سلطتها التقديرية سلامة قواه العقلية وأنه ارتكب جرائمه وهو في كامل شعوره اختياره وهو ما تتوافر معه مسئولية الجنائية عنها ولا عليها من بعد أن هي اعرضت عن طلب عرضه على خبير فني لفحص حالته العقلية لعدم استناده إلى أساس جدي وهو أمر منبت الصلة بما هو محظور عليها أن تقحم نفسها فيه من الأمور الفنية التي لا تستطيع أن تشق طريقها فيها دون الاستعانة بأهل الخبرة بل أنه لا يعدو أن يكون من الأمور التي تتعلق بسلطة المحكمة في تقدير الدليل، فإن النعي على الحُكم بهذا السبب يكون على غير سند. لما كان ما تقدم، فإن الطعن يكون على غير أساس متعيناً رفضه موضوعاً.

ثانياً: عن عرض النيابة العامة للقضية:

حيث إن النيابة العامة عرضت القضية الماثلة على هذه المحكمة اعمالاً لنص المادة 46 من القانون رقم 57 لسنة 1959 في شأن حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض وقدمت مذكرة برأيها طلبت فيها إقرار الحكم الصادر بإعدام المحكوم عليه وذلك دون إثبات تاريخ تقديمها بحيث يستدل منه أنه روعي فيه عرض القضية في ميعاد الستين يوماً المبينة بالمادة 34 من ذات القانون، وكان البين أنها موقع عليها من رئيس نيابة وليس محام عام بتوقيع غير مقروء وأنها تحمل ما يشير إلى صدورها من الأستاذ/ مروان يوسف رئيس النيابة الكلية، فضلاً عن أنها تحمل تأشيره بالنظر موقعه بتوقيع لا يقرأ يستحيل معه معرفة صاحبه، إلا أنه كان تجاوز هذا الميعاد وعدم التوقيع على المذكرة بتوقيع مقروء لمحام عام على الأصل وفقاً للتعديل الوارد على المادة سالفة البيان بالقانون رقم 74 لسنة 2007 وعلى ما جرى به قضاء محكمة النقض لا يترتب عليه عدم قبول عرض النيابة العامة بل إن محكمة النقض تتصل بالدعوى بمجرد عرضها عليها لتفصل فيها وتستبين من تلقاء نفسها دون أن تتقيد بمبنى الرأي الذي ضمنته النيابة مذكرتها ما عسى أن يكون قد شاب الحُكم من عيوب يستوي في ذلك أن يكون عرض النيابة في الميعاد المحدد أو بعد فواته موقعاً عليها من محام عام بتوقيع مقروء أم غير مقروء أم غير موقع عليها أصلاً، ومن ثم يتعين قبول عرض النيابة العامة للقضية. لما كان ذلك، وكان البين مما سطره الحُكم المعروض على ما سلف بيانه في معرض التصدي لأوجه الطعن المُقدمة من المحكوم عليه أنه بين واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية للجرائم التي دان بها المحكوم عليه، وجاء استعراض المحكمة لأدلة الدعوى على نحو يدل على أنها محصتها التمحيص الكافي وألمت بها إلماماً شاملاً يفيد أنها قامت بما ينبغي عليها من تدقيق البحث لتعرف الحقيقة، وخلص إلى إدانة المتهم بالجرائم المنصوص عليها في المواد ٤٤ مكرر/1، ٢٣٤/1، ٢، 239 ، 317/رابعاً من قانون العقوبات والمواد 1/1، 25مكرراً/1، 30/1 من القانون 394 لسنة 1954 المعدل بالقوانين أرقام 26 لسنة 1978، 165 لسنة 1981، 5 لسنة 2019 والبند (7) من الجدول رقم (1) الملحق بالقانون الأول والمعدل بقرار وزير الداخلية رقم 1756 لسنة 2007 والمادة 116 مكرراً من قانون رقم 12 لسنة 1996 بشأن إصدار قانون الطفل مع إعمال نص المادة 32 من قانون العقوبات، ومن ثم فإن الحُكم المعروض يكون قد سلم من القصور في التسبيب في هذا الصدد. لما كان ذلك، وكان ما أورده الحُكم المعروض عن تقرير الصفة التشريحية يكفي لتبرير اقتناعه بالإدانة ويحقق مراد الشارع الذي استوجبته المادة ٣١٠ من قانون الإجراءات الجنائية من دعوى بيان مؤدى الأدلة التي يستند إليها الحُكم الصادر بالإدانة، هذا فضلاً أنه لا يؤثر في سلامة الحُكم الصادر بالإدانة عدم إيراد نص تقرير الخبير بكامل أجزائه؛ ومن ثم فإن الحُكم يكون قد سلم من القصور في هذا الصدد. لما كان ذلك، وكان الواضح من مدونات الحُكم المعروض أنه استظهر قيام علاقة السببية بين إصابات المجني عليه التي أوردها تفصيلاً عن تقرير الصفة التشريحية وبين وفاته فأورد من واقع ذلك التقرير قوله: أن إصابات المجني عليه بالعنق ذبحية حيوية حديثة وجائزة الحصول من السلاح المضبوط " كتر " ووفق تصوير المتهم وفي تاريخ معاصر لارتكاب الجريمة وأن تلك الاصابة هي السبب في حدوث الوفاة الذبيحة بالعنق بما أدت إليه من قطع بالأوعية الدموية الرئيسية بيمين العنق وقطع القصبة الهوائية ونزيف دموي أدى إلى هبوط حاد بالدورة الدموية والتنفسية " وهو ما يكفي للتدليل على توافر علاقة السببية بين فعل الاعتداء ووفاة المجني عليه. لما كان ذلك، وكان من المقرر أنه ليس بلازم أن تتطابق أقوال الشهود ومضمون الدليل الفني على الحقيقة التي وصلت إليها المحكمة بجميع تفاصيلها على وجه دقيق، بل يكفي أن يكون جماع الدليل القولي غير متناقض مع جوهر الدليل الفني تناقضاً يستعصي على الملاءمة والتوفيق، وإذ كان ما أورده الحُكم من دليل قولي لا يتناقض مع ما نقله من ـــ تقريري الصفة التشريحية والطب الشرعي ـــ اللذين عول عليهما بل يتلاءم معهما، فإن الحُكم يكون فوق تطبيقه القانون تطبيقاً صحيحاً قد خلا مما يظاهر دعوى الخلاف بين الدليلين القولي والفني، ومن ثم يكون بمنأى عن الفساد في الاستدلال والقصور في هذا الخصوص. لما كان ذلك، وكان ما أورده الحُكم المعروض في بيان مضمون اعتراف المحكوم عليه كافياً ودقيقاً كما استوجبه الشارع في المادة ٣١٠ من قانون الإجراءات الجنائية من بيان مضمون الأدلة التي يستند إليها الحُكم الصادر بالإدانة؛ ومن ثم يكون الحُكم المعروض بريئاً من أيه شائبة في هذا الخصوص. لما كان ذلك، وكان من المقرر أن الأحكام بجب أن تبنى على أسس صحيحة من أوراق الدعوى وعناصرها، وكان البين من الاطلاع على المفردات أن ما حصله الحُكم من أقوال شاهدي الإثبات المقدم فادى أحمد أبو الدهب والرائد صابر كامل الدد واعتراف المتهم بالتحقيقات وتقرير الصفة التشريحية له صداه وأصله الثابت بالأوراق ولم يجد الحُكم فيما حصله منها وعول عليه عن نص ما أنبأ به أو فحواه، ومن ثم فقد انحسرت عن الحُكم الخطأ في الاسناد أو مخالفة الثابت بالأوراق. لما كان ذلك، وكان من المقرر أنه يكفي أن تستخلص المحكمة وقوع السرقة لكي يستفاد فعل الاختلاس دون حاجة للتحدث عنه صراحة، وكان الحُكم المعروض فيه قد أورد في تحصيله لواقعة الدعوى وأدلتها أن المحكوم عليه بعد أن قام بقتل المجني عليه قام بسرقة الدراجة النارية " التوكتوك " قيادة المجني عليه، وكان من المقرر أن التحدث عن نية السرقة شرط لازم لصحة الحُكم بالإدانة في جريمة السرقة متى كانت هذه النية محل شك في الواقعة المطروحة، أو كان المتهم يجادل في قيامها لديه، وإذ كان ذلك، وكان الثابت من مدونات الحُكم أنه خلص في بيانٍ كافٍ إلى توافر أركان جريمة السرقة، وتوافر الدليل عليها في حق المحكوم عليه من اعترافه بالتحقيقات ومن تحريات الشرطة فلا يعيبه عدم تحدثه صراحة عن نية السرقة والتي لم تكن محل شك في الواقعة ولم يجادل المحكوم عليه بشأنها، كما أنه من المقرر أن ظرف الارتباط بين جريمة القتل العمد وبين جريمة السرقة يتوافر متى كان القتل قد وقع لأحد المقاصد المبينة بالفقرة الثالثة من المادة ٢٣٤ من قانون العقوبات وهى التأهب لفعل جنحة أو تسهيل ارتكابها أو ارتكابها بالفعل، وكان البين من واقعة الدعوى وظروفها وأدلتها - كما حصلها الحكم المعروض - أن المحكوم عليه قد قارف فعل قتل المجني عليه بقصد سرقة التوكتوك فإن القتل يكون قد وقع بقصد السرقة، ومن ثم يتوافر في حقه جريمة القتل العمد المرتبط بجنحة السرقة. لما كان ذلك، وكان لمحكمة الموضوع الحق في أن تستخلص من أقوال الشهود وسائر العناصر المطروحة على بساط البحث الصورة الصحيحة لواقعة الدعوى حسبما يؤدي إليه اقتناعها وأن تطرح ما يخالفها من صور أخرى ما دام استخلاصا سائغاً مستنداً إلى أدلة مقبولة في العقل والمنطق ولها أصل ثابت بالأوراق، وكان وزن أقوال الشهود وتقدير الظروف التي يؤدون فيها شهادتهم وتعويل القضاء على أقوالهم مهما وجه إليها من مطاعن وحام حولها من الشبهات مرجعه إلى محكمة الموضوع تنزله المنزلة التي تراها وتقدره التقدير الذي تطمئن إليه بغير معقب، وهى متى أخذت بشهادتهم فإن ذلك يفيد أنها اطرحت جميع الاعتبارات التي ساقها الدفاع لحملها على عدم الأخذ بها، ولما كانت المحكمة قد بينت في حكمها وقائع الدعوى على الصورة التي استقرت في وجدانها وأوردت أدلة الثبوت المؤدية إليها واطمأنت إلى أقوال شهود الإثبات وصحة تصويرهم للواقعة، فإن ما يثيره المحكوم عليه بمحضر جلسة المحاكمة من عدم معقولية الواقعة واستحالة تصور حدوثها ينحل إلى جدل موضوعي في تقدير الدليل وهو ما تستقل به محكمة الموضوع ولا تجوز مجادلتها فيه أو مصادرة عقيدتها في شانه أمام محكمة النقض، ومن ثم يضحى الحُكم المعروض قد سلم من هذا العوار. لما كان ذلك، وكان القانون لا يشترط لثبوت الجريمة التي رصد عقوبة الإعدام على مرتكبها وجود شهود رؤية أو قيام أدلة معينة بل للمحكمة أن تكون اعتقادها بالإدانة في تلك الجريمة مما تطمئن إليه من ظروف الدعوى وأدلتها، ومتى رأت الإدانة كان لها أن تقضي بعقوبة الإعدام متى توافرت شرائط توقيعها على مرتكب الفعل المستوجب للقصاص دون حاجة إلى إقرار منه بها أو شهادة شاهدين رأيا الجريمة وقت ارتكابها؛ ومن ثم فإن ما خلص إليه الحُكم المعروض يكون قد أقترن بالصواب. لما كان ذلك، وكان الحُكم المعروض قد رد على الدفع المبدى من المعروض ضده ببطلان القبض لعدم توافر حالة من حالات التلبس بما مؤداه أن القبض عليه تم نفاذاً لإذن النيابة العامة بضبط المتهم والصادر بناء على تحريات المباحث التي تبين جديتها وكفايتها لإصدار الأمر ومن ثم فان القبض على المتهم قد تم صحيحاً ووفقاً للإجراءات الصحيحة ويكون الدفع على غير سند. لما كان ذلك، وكان ما أورده الحُكم فيما سلف رداً على ما أثاره الدفاع له أصله الثابت في الأوراق ويسوغ به اطراح ما أثير من بطلان القبض، ومن ثم فإن الحُكم المعروض يكون قد سلم من عيب القصور في التسبيب والإخلال بحق الدفاع. لما كان ذلك، وكان الحُكم قد أطرح الدفع بعدم جدية التحريات استناداً إلى اطمئنان المحكمة إلى صحة التحريات وجديتها، وهو ما يعد كافياً للرد على ما أثاره دفاع المحكوم عليه بمحضر الجلسة في هذا الصدد. لما كان ذلك، وكان من المقرر أن للمحكمة أن تستغني عن سماع شهود الإثبات إذا ما قبل المتهم أو المدافع عنه ذلك صراحة أو ضمناً دون أن يحول عدم سماعهم أمامها من أن تعتمد في حكمها على أقوالهم التي ادلوا بها في التحقيقات ما دامت هذه الأقوال مطروحة على بساط البحث، كما أن لمحكمة الموضوع أن تعرض عن قالة شهود النفي ما دامت لا تثق بما شهدوا به وفي قضائه بالإدانة لأدلة الثبوت التي أوردتها دلالة على أنها لم تطمئن لأقوال هؤلاء الشهود فأطرحتها، ومن ثم فإن الحُكم يكون قد سلم من الإخلال بحق الدفاع والفساد في الاستدلال في هذا الخصوص، كما أن لمحكمة الموضوع أن تعرض عن قالة شهود النفي ما دامت لا تثق بما شهدوا به وفي قضائها بالإدانة لأدلة الثبوت التي أوردتها دلالة على أنها لم تطمئن لأقوال هؤلاء الشهود فأطرحتها. لما كان ذلك، وكان مفاد نص المادة ١٢٤ من قانون الإجراءات الجنائية المعدل بالقانونين ١٤٥ لسنة ۲۰۰٦، ٧٤ لسنة ۲۰۰۷ أن المشرع تطلب ضمانة خاصة لكل متهم في جناية أو جنحة معاقب عليها بالحبس وجوبا هي وجوب دعوة محاميه إن وجد لحضور الاستجواب أو المواجهة فيما عدا حالتي التلبس والسرعة بسبب الخوف من ضياع الأدلة على النحو الذي يثبته المحقق في المحضر وذلك تطمينا للمتهم وصونًا لحرية الدفاع عن نفسه، ولتحقيق هذه الضمانة العامة يجب على المتهم أن يعلن اسم محاميه بتقرير في قلم كتاب المحكمة أو إلى مأمور السجن أو يخطر به المحقق كما يجوز لمحامية القيام بهذا الإعلان أو الإخطار، وإذا لم يكن للمتهم محام أو لم يحضر محاميه بعد دعوته وجب على المحقق من تلقاء نفسه أن يندب له محامياً، وكان الثابت من مطالعة المفردات أن الطاعن لم يخطر المحقق باسم محاميه ولم يعلنه بتقرير لدى قلم الكتاب أو إلى مأمور السجن وأن المحقق أرسل في طلب أحد الأساتذة المحامين من النقابة الفرعية لحضور الاستجواب إلا أنه عجز عن تنفيذ ذلك بسبب غلق النقابة فصار ندب محام أمراً غير ممكن؛ ومن ثم فإنه لا تثريب على المحقق إن هو استمر في استجواب الطاعن ولا يعد ذلك منه خطأ في الإجراءات إذ أنه غير ملزم بانتظار حضور المحامي أو تأجيل الاستجواب لحضوره سيما وأن الجريمة معترف بها، والقول بغير ذلك فيه تعطيل للنيابة العامة عن أداء وظيفتها انتظاراً للمحامي الذي يتعذر حضوره أو يتراخي فيه، كما أن الواقعة بحالتها الراهنة تحمل من الأدلة التي يخشي عليها من الضياع مما يستلزم جزاء على مخالفة هذه المادة ومن ثم فإن إجراءات استجواب المحكوم عليه تكون قد خلت من شائبة البطلان في هذا الخصوص. لما كان ذلك، وكانت المادة 377 من قانون الإجراءات الجنائية تقضي بأن المحامين المقبولين أمام محكمة الاستئناف أو المحاكم الابتدائية يكونون مختصين دون غيرهم بالمرافعة أمام محكمة الجنايات، وكان الثابت أن الأستاذ محمد فتحي مصطفى المحامي الذى تولي الدفاع عن المحكوم عليه بجلسات المحاكمة أمام محكمة أول درجة وأن الاستاذين مصطفى محمد محمود وأحمد محمد قطب اللذين توليا المرافعة عنه أمام المحكمة الاستئنافية مقبولين للمرافعة أمام محاكم الاستئناف، وبالتالي فإن إجراءات المحاكمة والحُكم يكونان قد تما وفق صحيح القانون. لما كان ذلك، وكان من المقرر أن القانون وإن أوجب أن يكون بجانب كل متهم بجناية محام يتولى الدفاع عنه أمام محكمة الجنايات، إلا أنه لم يرسم للدفاع خططاً معينة لأنه لم يشأ أن يوجب على المحامي أن يسلك من كل طرف خطة مرسومة، بل ترك له ــ اعتماداً على شرف مهنته واطمئناناً إلى نبل أغراضها ـــ أمر الدفاع يتصرف فيه بما يرضي ضميره وعلى حسب ما تهديه خبرته في القانون، وإذ كان البين من محاضر جلسات المحاكمة بدرجيتها أن محامين موكلين قد ترافعوا في موضوع الدعوى عن المحكوم عليه وأبدى كل منهم أوجه الدفاع بما هو ثابت بتلك المحاضر، فإن ذلك يكفي لتحقيق غرض الشارع، ومن ثم فإن الحُكم المعروض يكون قد سلم من الإخلال بحق الدفاع في هذا الصدد. لما كان ذلك، وكان من المقرر أن القانون لم يستوجب توقيع جميع أعضاء الهيئة التي أصدرت الحكم على ورقته، ويكفى توقيع رئيسها وكاتب الجلسة طبقاً لنص المادة ۳۱۲ من قانون الإجراءات الجنائية، فضلاً عن أنه من المقرر بأنه لا يلزم في الأحكام الجنائية أن يوقع القضاة الذين أصدروا الحُكم على مسودته، بل يكفى أن يُحرر الحُكم ويوقعه رئيس المحكمة وكاتبها، ولا يوجب القانون توقيع أحد من القضاة الذين اشتركوا في المداولة على مسودة الحُكم، إلا إذا حصل له مانع من حضور تلاوة الحُكم عملاً بنص المادة ۱۷۰ من قانون المرافعات المدنية، ولما كان المحكوم عليه لا يمارى في أن رئيس الهيئة التي سمعت المرافعة في الدعوى واشتركت في المداولة هو الذي وقع على نسخة الحُكم الأصلية، وكان البين من مطالعة الحكم المعروض ومحاضر جلساته أن الحكم تُلي من ذات الهيئة التي استمعت للمرافعة واشتركت في المداولة، فإن الحُكم يكون قد سلم من البطلان. لما كان ذلك، وكان من المقرر وفقاً لنص المادة 381 من قانون الإجراءات الجنائية أنه " تتبع أمام محاكم الجنايات بدرجيتها جميع الأحكام المقررة في الجنح ما لم ينص على خلاف ذلك ــــ ولا يجوز لمحكمة الجنايات بدرجيتها أن تصدر حكماً بالإعدام إلا بإجماع آراء أعضائها ويجب عليها قبل أن تصدر هذا الحكم أن تأخذ رأي مفتي الجمهورية..."، ومفاد هذا النص أن القانون قد أوجب على محكمة الجنايات بدرجيتها عند إصدارها حكماً بالإعدام أن يصدر ذلك الحُكم بإجماع آراء أعضائها ويجب عليها أن تأخذ رأي مفتي الجمهورية قبل إصداره، ومعنى الإصدار هنا أن يكون ذلك الحكم قد صدر ابتداء من محكمة جنايات أول درجة ـــ أو من محكمة الجنايات المُستأنفة ــــ كما لو كانت محكمة أول درجة قد قضت بالبراءة ثم استأنفت النيابة العامة للثبوت ورأت محكمة الجنايات المُستأنفة معاقبة المتهم بالإعدام أو كانت محكمة أول درجة قد قضت بالسجن المؤبد أو بالسجن المشدد واستأنفت النيابة العامة للتشديد أو للخطأ في تطبيق القانون، وقضت محكمة الجنايات المُستأنفة بالإعدام فيها يكون حكم الإعدام صادراً من محكمة الجنايات المُستأنفة ويجب عليه أن تستطلع رأي مفتي الجمهورية وأن يصدر حكمها بإجماع الآراء أما إذا اقتصر دورها على تأييد الحُكم المستأنف القاضي بالإعدام فلا حاجة لاستطلاع رأي مفتي الجمهورية أو صدور الحكم بإجماع آراء أعضائها طالما كأن حكم محكمة الجنايات قد استوفى تلك الإجراءات ويؤيد هذا النظر ما استقر عليه العمل بمحكمة النقض قبل العمل بالقانون رقم 1 لسنة 2024 الذي جعل التقاضي في الجنايات على درجتين إذ أن محكمة النقض إذا ما عرضت عليها قضية محكوم فيها بالإعدام ورأت اقراره فتقضي بذلك دون إعادة إرسال القضية إلى مفتي الجمهورية لأخذ رأيه – طالما كانت محكمة أول درجة قد قامت بهذا الإجراء وكان رأيه معروضاً على المحكمة باختلاف درجاتها ولا حاجة لإعادة ذلك الإجراء الا في حالة إلغاء الحُكم بالإعدام وإعادة المحاكمة إذا ما رأت محكمة الإعادة توقيع تلك العقوبة عليه، وإذ كان الحُكم المعروض قد ألتزم هذا النظر فإنه يكون قد سلم من مخالفة القانون في هذا الخصوص. لما كان ما تقدم، وكان الحُكم المعروض قد بين واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية للجرائم التي دين بها المحكوم عليه بالإعدام، وساق الحُكم أدلة سائغة لها معينها الصحيح من الأوراق ومن شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه الحُكم عليها، وقد صدر الحكم بالإعدام بإجماع آراء أعضاء المحكمة وبعد استطلاع محكمة أول درجة رأي مفتي الجمهورية، وجاء حُكم محكمة الاستئناف مؤيد له كما جاء خلواً من قالة مخالفة القانون أو الخطأ في تطبيقه أو في تأويلة، وصدر من محكمة مشكلة وفقاً للقانون ولها ولاية الفصل في الدعوى، ولم يصدر بعده قانون يسري علي واقعة الدعوى بما يغير ما انتهى إليه هذا الحُكم، ولا يغير من ذلك صدور القانون رقم 174 لسنة 2025 بإصدار قانون الإجراءات الجنائية الجديد في الثاني عشر من نوفمبر سنة 2025 والمنشور في الجريدة الرسمية بالعدد رقم 45مكرر في ذات التاريخ والذي نصت المادة الرابعة من مواد إصداره على إلغاء قانون الإجراءات الجنائية الصادر بالقانون رقم 150 لسنة 1950 – كما نصت المادة السادسة من مواد إصداره على أن يعمل بأحكام هذا القانون اعتباراً من الأول من أكتوبر التالي لتاريخ نشره أي اعتباراً من الأول من أكتوبر سنة 2026 وما تضمنه المادة 22 منه من النص على أنه " ومع عدم الاخلال باختصاصات رئيس الجمهورية بالعفو عن العقوبة أو تخفيفها يجوز لورثه المجني عليه أو وكيلهم الخاص إثبات الصلح في أيه حالة كانت عليها الدعوى إلى أن يصدر فيها حكم بات في الجرائم المنصوص عليها في المواد 320، 233، 234 الفقرتين الأولى والثانية، 235، 236 الفقرة الأولى من قانون العقوبات ويترتب على الصلح في هذه الحالة تخفيف العقوبة وفقاً لحكم المادة 17 من قانون العقوبات، وبإنزال حُكم ذلك النص على واقعة الدعوى المؤثمة بالمادة 234 الفقرتين الأولى والثانية، فإنه يكون قد أنشأ وضعاً أصلح للمحكوم عليه وفقاً لحُكم الفقرة الثانية من المادة الخامسة من قانون العقوبات ـــ إذ أوجب على المحكمة في حالة تصالح المتهم مع ورثه المجني عليه أو وكيلهم الخاص أن تُعمل في حقه حكم المادة 17 من قانون العقوبات بتخفيف عقوبة الإعدام في ضوء حُكم هذه المادة ومن ثم فقد وجب إعمال حُكم ذلك النص ـــ متى توافر موجب إعماله من تاريخ صدور ذلك القانون ونشره في الجريدة الرسمية ـــ بإعتباره أنشأ وضعاً أصلح للمتهم ـــ وليس من تاريخ العمل به في 1/10/2026 وفقاً لنص المادة الخامسة من قانون العقوبات ـــ وهو ما استقر عليه قضاء هذه المحكمة ــــ محكمة النقض ــــ ولما كان مقتضى إعمال حُكم ذلك النص يترتب عليه نقض الحُكم المعروض بحسبانه أنشأ وضعاً أصلح للمحكوم عليه اعمالاً لحكم المادتين 35، 39 من القانون رقم 57 لسنة 1959 في شأن حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض، إلا أن ذلك مرهون بتحقق موجب إعمال ذلك النص ـــ وهو إثبات صلح المحكوم عليه مع ورثه المجني عليه أو وكيلهم الخاص إذ أن إعمال حُكم ذلك النص يدور وجود أو عدماً مع تحقق موجب إعماله، وإذ كان ذلك وكان المحكوم عليه بالإعدام لا يدعي أنه قد تصالح مع ورثه المجني عليه أو وكيلهم الخاص ولم يطلب أجلاً لذلك فلا محل لأعمال حُكم ذلك النص في حقه، ويضحى نقض الحُكم المعروض لهذا السبب غير مجد، ومن ثم يتعين قبول عرض النيابة العامة وإقرار الحُكم الصادر بإعدام المحكوم عليه/ ..........   

          فلهــــذه الأسبــــــــــاب

حكمت المحكمة : ــــ

أولاً: بقبول طعن المحكوم عليه شكلاً وفي الموضوع برفضه.

ثانياً: بقبول عرض النيابة العامة للقضية وبإقرار الحُكم الصادر بإعدام المحكوم عليه/ ..........