باسم الشعب
المحكمة الدستورية العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت الثالث مــــن يناير سنة 2026م، الموافق الرابع عشر من رجب سنة 1447هـ.
برئاسة السيد المستشار/ بولس فهمي إسكندر رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين: محمود محمد غنيم والدكتور عبد العزيز محمد سالمان وطارق عبد العليم أبو العطا والدكتورة فاطمة محمد أحمد الرزاز وصلاح محمد الرويني ومحمد أيمن سعد الدين عباس نواب رئيس المحكمة
وحضور السيد المستشار الدكتور/ عماد طارق البشري رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد/ عبد الرحمن حمدي محمود أمين السر
أصدرت الحكم الآتي
في الدعوى المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 194 لسنة 31 قضائية "دستورية"
المقامة من
محمد إبراهيم علي عيد
ضــــد
-1 رئيس مجلس إدارة الهيئة القومية للتأمينات الاجتماعية
-2 رئيس مجلس الوزراء
--------------
الإجراءات
بتاريخ العاشـر من سبتمبر سنة 2009، أودع المدعي صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا، طالبًا الحكم بعدم دستورية نص المادة الثانية من القانون رقم 86 لسنة 2000 بتعديل بعض أحكام قانون التأمين الاجتماعي الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.
وقدم المدعى عليه الأول مذكرة، دفع فيها بعدم قبول الدعوى؛ لرفعها على غير ذي كامل صفة، وطلب في ختامها الحكم برفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرًا برأيها.
ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وفيها طلب المدعى عليه الأول الحكم، أصليًّا: بعدم قبول الدعوى، واحتياطيًّا: برفضها. وقررت المحكمة إصدار الحكم بجلسة اليوم.
--------------
المحكمــــة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع تتحصل –على ما يتبين من صحيفة الدعوى وسائــر الأوراق– في أن المدعي أقام أمام محكمة طنطا الابتدائية الدعوى رقم 8 لسنة 2005 عمال كلي، ضد المدعى عليه الأول وآخر، طالبًا –وفق طلباته الختامية- الحكم بوقف وإلغاء خصم قيمة الاشتراك في نظام التأمين ضد المرض، وردّ ما سبق خصمه من معاشه، وإلغاء اشتراكه في هذا التأمين، وذلك على سند من أنه كان يعمل ببنك التنمية والائتمان الزراعي، بمحافظة الغربية، وانتهت خدمته بإحالته إلى المعاش المبكر بتاريخ 1994/6/15، وقد رُبط معاشه بتاريخ 1994/9/1، وعند انتهاء خدمته لم يطلب الانتفاع بنظام التأمين ضد المرض؛ لتمتعه بنظام علاج خاص لدى جهة عمله، إلا أن الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي قامت بخصم قيمة الاشتراك في نظام التأمين ضد المرض من معاشه اعتبارًا من 2000/7/1، تطبيقًا لنص المادة الثانية من القانون رقم 86 لسنة 2000 بتعديل بعض أحكام قانون التأمين الاجتماعي الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975. وفي أثناء نظر الدعوى دفع المدعي بعدم دستورية نص المادة الثانية من القانون رقم 86 لسنة 2000 المار ذكره. وإذ قدرت المحكمة جدية الدفع، وصرحت للمدعي بإقامة الدعوى الدستورية؛ فأقام دعواه المعروضة، ناعيًا على النص المطعون فيه انطواءه على أثر رجعي دون توافر الأغلبية اللازمة لإقرار القوانين رجعية الأثر، وإخلاله بكفالة الدولة لخدمات التأمين الصحي للمواطنين، والمساس بالحرية الشخصية كحق طبيعي، وذلك بالمخالفة للمواد (17 و40 و41 و187) من دستور سنة 1971.
وحيث إنه عن الدفع المبدى من المدعى عليه الأول بعدم قبول الدعوى؛ لرفعها على غير ذي كامل صفة، على سند من أن الهيئة العامة للتأمين الصحي هي المنوط بها علاج المصابين والمرضى الخاضعين لقانون التأمين الاجتماعي وتقديم الرعاية الطبية لهم، فكان لزامًا اختصامها في الدعوى المعروضة، فذلك مردود بأن الخصومة في الدعاوى الدستورية عينية، تستهدف النصوص التشريعية المطعون فيها بعيب دستوري، ويكون للحكم الصادر فيها حجية مطلقة في مواجهة الكافة، طبقًا لنص المادة (49) من قانونها الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979، ويكتسب حجية قبل الهيئة العامة للتأمين الصحي دون حاجة لاختصامها في الدعوى المعروضة، كما أن الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي هي المنوط بها تطبيق وتنفيذ أحكام قانون التأمين الاجتماعي الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975 وتعديلاته، وتكون بهذه المثابة مواجهة بالحكم الذي يصدر في هذه الدعوى، ومن ثم بات اختصامها في الدعوى المعروضة في محله؛ الأمر الذي يغدو معه الدفع المشار إليه غير قائم على أساس سليم، حقيقًا بالالتفات عنه.
وحيث إن المادة (72) من قانون التأمين الاجتماعي الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1979، المستبدل بالبند (ب) منها المادة الأولى من القانون رقم 86 لسنة 2000 بتعديل بعض أحكام قانون التأمين الاجتماعي، نصت على أن "يمول تأمين المرض مما يأتي:
الاشتراكات الشهرية وتشمل:
(أ) ...........
(ب) حصة المؤمن عليهم وتقدر على النحو الآتي:
(1)...............
1% (2) من المعاش بالنسبة لأصحاب المعاشات المنتفعين بأحكام العلاج والرعاية الطبية الواردة في هذا الباب".
ونصت المادة (74) من القانون ذاته، المستبدل بها المادة الأولى من القانون رقم 86 لسنة 2000 سالف البيان، على أنه "تسري أحكام العلاج والرعاية الطبية المنصوص عليها في هذا الباب على أصحاب المعاشات ما لم يطلبوا عدم الانتفاع بها في تاريخ تقديم طلب صرف المعاش ولا يجوز في جميع الأحوال لصاحب المعاش الذي طلب عدم الانتفاع بالأحكام المشار إليها أن يعدل عن طلبه".
ونصت المادة الثانية من القانون رقم 86 لسنة 2000 بتعديل بعض أحكام قانون التأمين الاجتماعي، المار ذكره، على أن "تسري أحكام العلاج والرعاية الطبية المنصوص عليها في الباب الخامس من قانون التأمين الاجتماعي الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975 على أصحاب المعاشات الذين انتهت خدمتهم قبل تاريخ العمل بأحكام هذا القانون، ولم ينتفعوا بأحكام هذا الباب، ويكون لهم الحق في طلب عدم الانتفاع بها خلال ستة أشهر من هذا التاريخ، ولا يجوز العدول عن هذا الطلب".
وحيث إن المصلحة الشخصية المباشرة –وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية– مناطها أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الفصل في المسألة الدستورية لازمًا للفصل في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها، والمطروحة على محكمة الموضوع.
متى كان ذلك، وكان النزاع الموضوعي تدور رحاه حول طلب المدعي وقف وإلغاء خصم قيمة الاشتراك في نظام التأمين ضد المرض من معاشه، وإلغاء اشتراكه في هذا التأمين، وردّ ما تم خصمه من معاشه، وكان الثابت بالأوراق أن خصم قيمة الاشتراك في النظام سالف البيان من معاش المدعي كان تطبيقًا لحكم المادة الثانية من القانون رقم 86 لسنة 2000 المار ذكره، وبذلك يكون النص المطعون فيه هو السند التشريعي لقرار الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي بسريان نظام التأمين ضد المرض على المدعي وخصم قيمة الاشتراك فيه من معاشه؛ ومن ثم يغدو الفصل في دستورية هذا النص له أثره وانعكاسه الأكيد على النزاع الموضوعي وقضاء محكمة الموضوع فيه، ويتحدد نطاق الدعوى المعروضة فيما تضمنه نص المادة الثانية من القانون رقم 86 لسنة 2000 المار بيانه، من سريان أحكام العلاج والرعاية الطبية المنصوص عليها في الباب الخامس من قانون التأمين الاجتماعي الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975 على فئة أصحاب المعاشات الذين انتهت خدمتهم قبل تاريخ العمل بأحكام هذا القانون، ولم ينتفعوا بأحكام هذا الباب، دون سائر أحكام النص الأخرى.
ولا ينال مما تقدم إلغاء النص المطعون فيه – ضمن كامل أحكام قانون التأمين الاجتماعي المشار إليه – بموجب المادة السادسة من القانون رقم 148 لسنة 2019 بإصدار قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات؛ ذلك أن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن استبدال المشرع قاعدة قانونية بغيرها أو إلغاءها لا يحول دون الطعن عليها بعدم الدستورية من قبل من طبقت عليه خلال مدة نفاذها وترتبت بمقتضاها آثار قانونية بالنسبة إليه، تتحقق بإبطالها مصلحته الشخصية المباشرة. متى كان ذلك، فإن إلغاء النص المطعون فيه على نحو ما تقدم لا يمنع هذه المحكمة من إعمال رقابتها الدستورية عليه، باعتباره قد طُبق على المدعي خلال فترة نفاذه، وترتبت بمقتضاه آثار قانونية بالنسبة إليه.
وحيث إن المقرر في قضاء هذه المحكمة أن التحقق من استيفاء النصوص التشريعية لأوضاعها الشكلية يعتبر أمرًا سابقًا بالضرورة على الخوض في عيوبها الموضوعية، كما أن الأوضاع الشكلية لتلك النصوص سواءً المتعلقة باقتراحها أو إقرارها أو إصدارها، إنما تتحدد على ضوء ما قررته في شأنها أحكام الدستور المعمول بها حين صدورها. وإذ صدر القانون رقم 86 لسنة 2000 بتعديل بعض أحكام قانون التأمين الاجتماعي الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975 بتاريخ 18 مايو سنة 2000 ونُشر في الجريدة الرسمية بالعدد (20) تابع (أ) في التاريخ ذاته، وتم العمل به اعتبارًا من 2000/6/1، في ظل سريان دستور سنة 1971؛ ومن ثم فإنه يتعين مباشرة الرقابة الدستورية على الأوضاع الشكلية لهذا القانون في ضوء ما ورد بذلك الدستور من أحكام.
وحيث إنه عن النعي على النص المطعون فيه انطواءه على أثر رجعي، دون أن تتحقق الضمانات الواردة بنص المادة (187) من دستور سنة 1971، لإنفاذ القوانين بأثر رجعي، فإن المقرر في قضاء هذه المحكمة أن الأصل في تطبيق القاعدة القانونية أنها تسري على الوقائع التي تتم في ظلها، أي خلال الفترة من تاريخ العمل بها حتى تاريخ إلغائها، فإذا ألغيت هذه القاعدة وحلت محلها قاعدة قانونية أخرى فإن القاعدة الجديدة تسري من الوقت المحدد لنفاذها، ويقف سريان القاعدة القديمة من تاريخ إلغائها، وبذلك يتحدد النطاق الزمني لسريان كل من القاعدتين القانونيتين، ومن ثم فإن المراكز القانونية التي نشأت وترتبت آثارها في ظل أي من القانونين – القديم والجديد – تخضع لحكمه، فما نشأ منها وترتبت آثاره في ظل القانون القديم يظل خاضعًا له، وما نشأ من مراكز قانونية وترتبت آثاره في ظل القانون الجديد يخضع لهذا القانون وحده.
متى كان ذلك، وكان النص المطعون فيه قد تضمن سريان أحكام العلاج والرعاية الطبية المنصوص عليها في الباب الخامس من قانون التأمين الاجتماعي الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975 على أصحاب المعاشات الذين انتهت خدمتهم قبل تاريخ العمل بأحكامه، من غير المنتفعين بخدمات التأمين الصحي، مانحًا إياهم الحق في طلب عدم الانتفاع بها خلال ستة أشهر من هذا التاريخ، ولم يدخل هذا النص حيز التنفيذ إلا اعتبارًا من 2000/6/1، ولم يُعمل به خلال الفترة السابقة على صدوره؛ إذ بدأ الانتفاع بخدمات التأمين الصحي لفئة أصحاب المعاشات المشار إليها اعتبارًا من هذا التاريخ، كما أن تحصيل الاشتراكات من المنتفعين بتلك الخدمة يبدأ أيضًا من التاريخ ذاته، دون تحصيل أية اشتراكات من صاحب المعاش عن الفترة من تاريخ إحالته إلى المعاش حتى بداية العمل بالنص المطعون فيه؛ وعلى ذلك فقد بات جليًّا أن النص المطعون فيه لم يمس أية حقوق مكتسبة أو مراكز قانونية مستقرة قبل صدوره، وقد توخى هذا النص أن يكون سريان أحكامه على الفئة التي يُخاطبها بعد تاريخ العمل به؛ فمن ثم لا يكون منطويًا على أثر رجعي، بل مستصحبًا الأصل المقرر في القوانين الذي رددته المادة (187) من دستور سنة 1971. وترتيبًا على ما تقدم، فإن استيفاء النص المطعون فيه الأغلبية اللازمة لإقرار القوانين رجعية الأثر لا يكون متطلبًا، ويكون النعي عليه في هذا الخصوص مفتقدًا سنده.
وحيث إن من المقرر في قضاء هذه المحكمة أن الرقابة على دستورية القوانين، من حيث مطابقتها للقواعد الموضوعية التي تضمنها الدستور، تخضع للدستور القائم دون غيره؛ إذ إن هذه الرقابة تستهدف – أصلًا – صون هذا الدستور وحمايته من الخروج على أحكامه، لكون الطبيعة الآمرة لقواعد الدستور، وعلوها على ما دونها من القواعد القانونية، وضبطها للقيم التي ينبغي أن تقوم عليها الجماعة، تقتضي إخضاع القواعد القانونية جميعها – أيًّا كان تاريخ العمل بها – لأحكام الدستور القائم، لضمان اتساقها والمفاهيم التي أتى بها، فلا تتفرق هذه القواعد في مضامينها بين نُظم مختلفة، يناقض بعضها بعضًا، بما يحول دون جريانها وفق المقاييس الموضوعية ذاتها التي تطلبها الدستور القائم شرطًا لمشروعيتها الدستورية.
متى كان ذلك، وكانت المناعي التي أثارها المدعي بشأن النص المطعون فيه –في شق منها- تندرج تحت المطاعن الموضوعية التي تقوم في مبناها على مخالفة نص تشريعي لقاعدة في الدستور، من حيث محتواها الموضوعي، وكان النص المطعون فيه قد صدر قبل العمل بالدستور القائم، وظل ساريًا ومعمولًا بأحكامه، حتى ألغي بالقانون رقم 148 لسنة 2019 المار ذكره، فإن هذه المحكمة تباشر رقابتها على دستورية هذا النص في ضوء أحكام الدستور القائم باعتباره الوثيقة الدستورية السارية.
وحيث إن البيِّن من تقصي نصوص قانون التأمين الاجتماعي، الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975، أنه قد تضمن في الباب الخامس منه الأحكام المنظمة للتأمين ضد المرض، وقد تناولت المادة (74) منه الآلية التي بموجبها يكون لصاحب المعاش الانتفاع بخدمات العلاج والرعاية الطبية وفقًا لنظام التأمين الصحي، وتدخل المشرع بالتعديل لهذه الآلية بموجب عدة قوانين، آخرها القانون رقم 86 لسنة 2000 المار ذكره. وفي بيان فلسفة التعديل الأخير وأهدافه، أبانت المذكرة الإيضاحية للقانون المشار إليه، "أن مناط انتفاع من يستحق معاشًا بالعلاج والرعاية الطبية التي يكفلها نظام التأمين الصحي، هو إفصاح صاحب المعاش عن رغبته في ذلك عند تقدمه بطلب صرف المعاش له، ولما كان هناك من أصحاب المعاشات من تقعد بهم قدراتهم عن الإلمام بأحكام القانون الذي يوجب عليهم الإفصاح عن هذه الرغبة في توقيت محدد، لذلك فإنهم لم يتقدموا بمثل هذه الطلبات، ومن ثم فقد فاتتهم الفرصة للخضوع لنظام التأمين الصحي، وعندما يكتشفون الأمر بعد حين يلجأون إلى الشكوى، والتي قادت المشرع، مدفوعًا بدواعٍ إنسانية جديرة بكل اهتمام إلى التدخل بتعديلات تشريعية متلاحقة، ليفتح الباب لمن فاتته الفرصة، للتقدم بطلب للانتفاع بنظام التأمين الصحي، وعلى ذلك كانت التعديلات التشريعية بالقوانين أرقام: 25 لسنة 1977 و48 لسنة 1981 و47 لسنة 1984 و107 لسنة 1987. ومراعاة لأحوال الخاضعين لأحكام هذا القانون، وأن الكثير منهم لا يسهل عليه الإلمام بتفاصيل الأحكام القانونية التي توجب عليه أن يتقدم بطلب في موعد محدد للخضوع لنظام التأمين الصحي وتجنبًا لكثرة التعديلات التشريعية التي تنصاع للاعتبارات الاجتماعية والإنسانية، فقد أُعد مشروع القانون المرافق ليجعل الأصل هو تمتع صاحب المعاش بنظام التأمين الصحي، ما لم يرفض هو بإرادته التي يفصح عنها – في طلب يقدم منه – الخضوع لهذا النظام. وإذا كان هذا التغيير من شأنه أن ينصرف إلى كل من يستحق معاشًا بعد العمل بهذا التعديل، فإنه كان من الواجب النظر فيمن خضع من قَبل للأحكام القائمة وفاتته في ظلها الفرصة لتقديم طلب بالخضوع لنظام التأمين الصحي، وعلى ذلك فقد تضمن المشروع المرافق حكمًا بفتح الطريق لأصحاب المعاشات الذين انتهت خدمتهم قبل العمل بهذا القانون للانتفاع بأحكام العلاج والرعاية الطبية وإتاحة الفرصة لمن لا يرغب منهم في الانتفاع بهذا النظام أن يبدي رغبته بعدم الانتفاع خلال ستة أشهر تبدأ من تاريخ العمل بالتعديل الجديد". وقد أكدت مناقشات أعضاء مجلس الشعب –مجلس النواب حاليًّا– التي كشفت عنها مضبطة الجلسة السادسة والسبعين المعقــودة في 13 مايو سنة 2000، هذا الفهم الذي أشارت إليه المذكرة الإيضاحية لمشروع القانون رقم 86 لسنة 2000.
وحيث إن المُستقر عليه في قضاء هذه المحكمة أنّ الدساتير المصرية كانت على تعاقبها قد حرصت على النص على التضامن الاجتماعي، باعتباره ركيزةً أساسية لبناء المجتمع، وواحدًا من الضمانات الجوهرية التي ينبغي أن ينعم بها أفراده، وهو ما أكدته المادة (8) من الدستور القائم، التي ألزمت الدولة بتوفير سُبل التضامن والتكافل الاجتماعي، بما يضمن الحياة الكريمة لجميع المواطنين، على النحو الذي ينظمهُ القانون. وفي سبيل تحقيق ذلك؛ ألزمت المادة (17) من الدستور الدولة بكفالة توفير خدمات التأمين الاجتماعي، وحق كل مواطن في الضمان الاجتماعي، إذا لم يكن مُتمتعًا بنظام التأمين الاجتماعي، بما يضمن له ولأسرته الحياة الكريمة، وتأمينه ضد مخاطر حالات العجز عن العمل والشيخوخة والبطالة، باعتبار أن مظلة التأمين الاجتماعي التي يحدد المشرع نطاقها هي التي تكفل بمداها واقعًا أفضل، يؤمّن المُواطن في غدِه، وينهض بموجبات التضامن الاجتماعي التي يقوم عليها المجتمع، بما مؤدّاه أن المزايا التأمينية هي– في حقيقتها– ضرورةٌ اجتماعية بقدرِ ما هي ضرورةٌ اقتصادية، وأن غايتها أن تؤمّن المشمولين بها في مُستقبل أيامهم عند تقاعدهم أو عجزهم أو مرضهم.
وحيث إن من المقرر في قضاء هذه المحكمة –أيضًا- أنّ ضمان الرعاية الصحية التأمينية، إنّما يكونُ أصلًا من خلال الدولة تنفيذًا من جانبها لالتزامها بأن تُوفّر لهذه الرعاية بيئتها وأسبابها وفقًا لنص المادة (17) من الدستور. بيد أن التزامها بأن تكفل لمواطنيها ظروفًا أفضل، تتهيأ بها لخدماتهم الصّحية ما يُقيمها -في نوعها ونطاقها- على أُسُسٍ ترعى احتياجاتهم منها وتُطَوِّرها، لا يعنى أن تنفرد وحدها بصون مُتطلّباتها، ولا أن تتحمل دون غيرها بأعبائها، وإلا كان ذلك تقويضًا لركائز التضامن الاجتماعي التي يقوم مُجتمعها عليها. ومن ثمّ؛ كان منطقيًّا أن يتضافر معها القادرون من مواطنيها في مجال النهوض بها، وأن يتّخذَ بعضُهم في شأن عُمّالهم، نظمًا علاجية يستقلُّ بها، وتظلُّهم بِحمايتها. وحيثُ إنّ ذلك مُؤدّاهُ أنّ أشخاص القانون العام أو الخاص قد تتولّى بوسائلها رعايةَ من ينتسبون إليها من خلال نُظمٍ علاجية تخططها لنفسها، وتعمد إلى تطبيقها في شأنهم.
وحيث إن الدستور القائم قد عني في المادة (18) منه بضمان توفير الرعاية الصحية لكل مواطن، وفقًا لمعايير الجودة، بحسبانها العمود الفقري للحياة الكريمة للإنسان، فأقرّ ذلك حقًّا لكل مواطن، يستوجب التزام الدولة بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومي على الصحة لا تقل عن 3% من إجمالي الناتج القومي، تتصاعد تدريجيًّا حتى تتفق مع المعدلات العالمية.
وحيث إن المقرر في قضاء هذه المحكمة أن ضمان الحرية الشخصية يفترض بالضرورة إمكان مباشرتها دون قيود جائرة تعطلها، وليس إسباغ حصانة عليها تعفيها من تلك القيود التي تقتضيها مصالح الجماعة، وتسوغها ضوابط حركته؛ ذلك أن الدستور أعلى قدر الحرية الشخصية، فاعتبرها من الحقوق الطبيعية الكامنة في النفس البشرية الغائرة في أعماقها، والتي لا يمكن فصلها عنها، ومنحها بذلك الرعاية الأوفى والأشمل توكيدًا لقيمتها، وبما لا إخلال فيه بالحق في تنظيمها.
وحيث إن الدستور قد حرص على صونِ الملكية الخاصة، وكفل عدم المساس بها إلا على سبيل الاستثناء، وفى الحدود وبالقيود التي أوردها باعتبارها مترتبة- في الأصل- على الجهد الخاص الذي بذله الفرد بكده وعرقه، وبوصفها حافزًا إلى الانطلاق والتقدم، ...، وكانت الملكية في إطارِ النظم الوضعية التي تُزاوج بين الفردية وتدخل الدولة، لم تعد حقًّا مطلقًا ولا هي عصية على التنظيم التشريعي، وإنما يجوز تحميلها بالقيود التي تقتضيها وظيفتها الاجتماعية، وهي وظيفة يتحدد نطاقها ومرماها على ضوء طبيعة الأموال محل الملكية أو الأغراض التي ينبغي توجيهها إليها، وبمراعاة الموازنة التي يجريها المشرع من خلال ما يراه من المصالح أولى بالرعاية وأجدر بالحماية على ضوء أحكام الدستور. وفى ضوء ما تقدم، يتعين أن ينظم القانون أداء هذه الوظيفة، مهتديًا- بوجه خاص- بالقيم التي تنحاز إليها الجماعة في مرحلة مُعينة من مراحل تطورها، وبمُراعاة أنّ القيود التي تفرضها الوظيفة الاجتماعية على حق الملكية للحد من إطلاقها لا تُعتبر مقصودة لذاتها، بل غايتها ضمير الفرد والجماعة.
وحيث إن المقرر في قضاء هذه المحكمة أن الأصل في النصوص القانونية هو ارتباطها عقلًا بأهدافها، باعتبارها وسائل صاغها المشرع لتحقيقها؛ فمن ثم يتعين لاتفاق التنظيم التشريعي مع الدستور أن تتوافر علاقة منطقية بين الأغراض المشروعة التي اعتنقها المشرع في موضوع محدد، وفاءً لمصلحة عامة لها اعتبارها، وبين الوسائل التي انتهجها طريقًا لبلوغها، فلا تنفصل النصوص القانونية التي نظم بها المشرع هذا الموضوع عن أهدافها، بل يتعين أن تكون مدخلًا إليها.
وحيث إن الأصل في سلطة المشرع في مجال تنظيم الحقوق أنها سلطة تقديرية، ما لم يقيدها الدستور بضوابط معينة، وجوهر هذه السلطة يتمثل في المفاضلة التي يجريها المشرع بين البدائل المختلفة لاختيار ما يقدر أنه أنسبها لمصلحة الجماعة، وأكثرها ملاءمة للوفاء بمتطلباتها في خصوص الموضوع الذي يتناوله التنظيم.
متى كان ما تقدم، وكان النص المطعون فيه يقضي بسريان أحكام العلاج والرعاية الطبية المنصوص عليها في الباب الخامس من قانون التأمين الاجتماعي الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975 على أصحاب المعاشات الذين انتهت خدمتهم قبل العمل بالقانون رقم 86 لسنة 2000، ولم ينتفعوا بأحكام هذا الباب، وقد استهدف المشرع بتقرير هذا النص مد مظلة التأمين ضد المرض على فئات لم يسبق لها الانتفاع بأحكام العلاج والرعاية الطبية المقررة للمخاطبين بقوانين التأمين الاجتماعي، وقد ارتأى المشرع – في إطار سلطته التقديرية – أن يكون الأصل هو الانتفاع بذلك النظام التأميني اعتبارًا من تاريخ العمل بالقانون رقم 86 لسنة 2000 المشار إليه، مع تحمل المنتفع قيمة الاشتراكات المقررة قانونًا خصمًا من معاشه، وإدراكًا من المشرع لحرية المخاطبين بالنص المطعون فيه بشأن الانضمام إلى نظام التأمين ضد المرض، فقد منحهم الحق في طلب عدم الانتفاع بهذا النظام التأميني، معليًا في ذلك حريتهم الشخصية، معتدًّا بإرادتهم في الشأن السالف ذكره. ومن ثم؛ فإن ما أتى به النص المطعون فيه من أحكام، يكون قد استهدف مصلحة مشروعة قوامها تحقيق الرعاية الصحية والاجتماعية للمخاطبين بذلك النص، على نحو ما أوجبته المادة (18) من الدستور القائم، محققًا توازنًا بين الحفاظ على أموال التأمينات الاجتماعية والحرية الشخصية للمخاطبين بالنص ذاته، على ما تقضي به المادتان (17 و54) من الدستور، وهي أحكام تقع جميعها في إطار السلطة التقديرية للمشرع في تنظيم الحقوق، بما لا يمس أصلها وجوهرها، وقد اختار من بين البدائل المتاحة ما ارتآه محققًا للغايات التي يستهدفها، وارتبطت في هذا التنظيم الوسائل بأهدافها، دون شطط أو غلو أو تمييز بين المخاطبين بتلك الأحكام، ولم يفتئت النص المطعون فيه على أموال المخاطبين بأحكامه، انتقاصًا منها، دون تقديم رعاية صحية لهم بتأمينهم ضد المرض، مراعيًا في ذلك صون الملكية الخاصة لهذه الفئة، التزامًا بتخوم نص المادة (35) من الدستور القائم، لتغدو المناعي على النص المطعون فيه بمخالفة كفالة الدولة الرعاية الصحية للمواطنين، والاعتداء على الحرية الشخصية، وإهدار الحق في الملكية الخاصة، لغوًا لا سند له.
وحيث إنه عن النعي بإخلال النص المطعون فيه بمبدأ المساواة؛ للمغايرة التي أجراها للأصل السابق إقراره بموجب نص المادة (74) من قانون التأمين الاجتماعي -قبل أن يستبدل به نص المادة الثانية من القانون رقم 86 لسنة 2000 السالف بيانه– فيما نص عليه من سريان نظام التأمين الصحي على فئة أصحاب المعاشات الذين انتهت خدمتهم قبل العمل بأحكام هذا النص إذا طلبوا خلال سنة من تاريخ العمل به الانتفاع بهذا النظام؛ فإنه مردود بأنّ الدائرة التي يُجيز فيهـــا الدستور للمُشرّع أن يُباشر سُلطَتَهُ التقديرية لِمُواجهة مُقتضيات الواقع، هي الدائرة التي تقع بين حَدّى الوجوب والنهي الدستوريين. وعلى هذا الأساس؛ فإنّ الاختلاف بين الأحكام التشريعية المُتعاقبة التي تُنظم موضوعًــا واحدًا، تعبيرًا عن تغير الواقع عبْر المراحل الزمنية المختلفة، لا يُعدُّ إخلالًا بمبدأ المساواة، الذي يستقي أحد أهمّ مُقوماتِه من وحدَةِ المرحلة الزمنية التي يُطبّق خلالها النص القانوني الخاضع لضوابط هذا المبدأ، فإذا تباينت النصوص التشريعية في مُعالجتها لموضوعٍ واحد، وكان كل منها قد طُبّق في مرحلةٍ زمنية مُختلفة، فإنّ ذلك لا يُعدُّ بذاتِه إخلالًا بمبدأ المُساواة، وإلا تحوّل هذا المبدأ من ضابطٍ لتحقيق العدالة إلى سد حائل دونَ التطوّر التشريعي. متى كان ذلك، وكان النص المطعون فيه قد شُرّع في مرحلة زمنية مختلفة عن النص السابق عليه، ولضرورة مشروعة تقتضيها مد مظلة التأمين الصحي إلى فئات لم تدرك الإفادة من المزايا التأمينية التي يكفلها النص المتمحل بحكمه، وأتاحها النص المطعون فيه؛ ومن ثم يغدو النعي على النص الأخير إخلاله بمبدأ المساواة، لا سند له، خليقًا برفضه.
وحيث إن النص المطعون فيه –في حدود نطاقه المتقدم– لا يتعارض مع أي نص آخر من نصوص الدستور؛ الأمر الذي يتعين معه القضاء برفض الدعوى.
فلهــذه الأسبــاب
حكمت المحكمة برفض الدعوى، ومصادرة الكفالة، وألزمت المدعي المصروفات ومبلغ مائتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق