الصفحات

البحث الذكي داخل المدونة

تحميل وطباعة هذه الصفحة

Print Friendly and PDF

السبت، 31 يناير 2026

الدعوى رقم 62 لسنة 40 ق دستورية عليا "دستورية" جلسة 4 / 1 / 2026

باسم الشعب
المحكمة الدستورية العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت الثالث من يناير سنة 2026م، الموافق الرابع عشر من رجب سنة 1447هـ.
برئاسة السيد المستشار/ بولس فهمي إسكندر رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين: محمود محمد غنيم والدكتور محمد عماد النجار والدكتـور عبد العزيز محمد سالمان وخالد أحمد رأفت دسوقي والدكتورة فاطمة محمد أحمد الرزاز ومحمد أيمن سعد الدين عباس نواب رئيس المحكمة
وحضور السيد المستشار الدكتور/ عماد طارق البشري رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد/ عبد الرحمن حمدي محمود أمين السر
أصدرت الحكم الآتي
في الدعوى المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 62 لسنة 40 قضائية "دستورية"
المقامة من
محمد حسيني عبد العزيز
ضد
1- رئيس الجمهوريــة
2- رئيس مجلس الوزراء
3- وزيـــر العـــــدل
4- النائــــب العـــــــام
--------------------
الإجراءات
بتاريخ السادس عشر من مايو سنة 2018، أودع المدعي صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا، طالبًا الحكم بعدم دستورية المادة (86)، والفقرتين الثالثة والرابعة –وصحتهما الثانية والثالثة- من المادة (86 مكررًا)، والفقرتين الثالثة والرابعة –وصحتهما الثانية والثالثة- من المادة (86 مكررًا "أ")، والمادة (88 مكررًا "ج") مـــن قـانون العقوبات
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، طلبت فيها الحكم، أولًا: بعدم قبول الدعوى بالنسبة لنص المادة (88 مكررًا "ج") من قانون العقوبات، ثانيًا: برفضها فيما عدا ذلك.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرًا برأيها.
ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وفيها قررت المحكمة إصدار الحكم بجلسة اليوم.
------------
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع تتحصل -على ما يتبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق- في أن النيابة العامة أحالت المدعي إلى المحاكمة الجنائية أمام محكمة جنايات بنها في القضية رقم 52 لسنة 2017 جنايات أمن دولة طوارئ مركز بنها، المقيدة برقم 2965 لسنة 2017 كلي شمال بنها، لأنــــــه في يوم 12/10/2017، بدائرة مركز بنها، أولًا: انضم إلى جماعة الإخوان المسلمين التي أُسست على خلاف أحكام القانون، الغرض منها الدعوة إلى تعطيل أحكام الدستور والقوانين، ومنع مؤسسات الدولة والسلطات العامة من ممارسة أعمالها، والاعتداء على الحرية الشخصية للمواطن وغيرها من الحريات والحقوق العامة التي كفلها الدستور والقانون، والإضرار بالوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي، وكان الإرهاب من الوسائل التي تستخدمها تلك الجماعة في تحقيق وتنفيذ الأغراض التي تدعو إليها، وذلك مع علمه بتلك الأغراض، على النحو المبين بالأوراق. ثانيًا: حاز محررات تروج لأفكار ومنهج الجماعة محل الاتهام الأول، وطلبت عقابه بالمواد (86 و86 مكررًا/2، 3 و86 مكررًا "أ"/2، 3 و88 مكررًا "ج") من قانون العقوبات، والمواد (1 و12 /2 و37 /1 و39) من قانون مكافحة الإرهاب الصادر بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 94 لسنة 2015، وقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 2198 لسنة 2017، وقرار رئيس الجمهورية رقم 510 لسنة 2017 بإعلان حالة الطوارئ، والقانون رقم 162 لسنة 1958 بشأن حالة الطوارئ. وفي أثناء تداول الدعوى أمام تلك المحكمة، دفع المدعي بعدم دستورية المواد (86 و86 مكررًا/2، 3 و86 مكررًا "أ"/3،2 و88 مكررًا "ج") من قانون العقوبات، لمخالفتها نصوص المواد (94 و95 و96 و184 و186) من الدستور. وإذ قدرت المحكمة جدية الدفع، وصرحت له بإقامة الدعوى الدستورية؛ فأقام الدعوى المعروضة.
وحيث إن المواد (86 و86 مكررًا و86 مكررًا "أ" و88 مكررًا "ج") من قانون العقوبات، المضافة بالمادة الثانية من القانون رقم 97 لسنة 1992، والمعدلة بالقانونين رقمي: 95 لسنة 2003 و147 لسنة 2006، تنص على أنه:
مادة (86): "يقصد بالإرهاب في تطبيق أحكام هذا القانون كل استخدام للقوة أو العنف أو التهديد أو الترويع، يلجأ إليه الجاني تنفيذًا لمشروع إجرامي فردي أو جماعي، بهدف الإخلال بالنظام العام أو تعريض سلامة المجتمع وأمنه للخطر، إذا كان من شأن ذلك إيذاء الأشخاص أو إلقاء الرعب بينهم أو تعريض حياتهم أو حرياتهم أو أمنهم للخطر، أو إلحاق الضرر بالبيئة، أو بالاتصالات أو المواصلات أو بالأموال أو بالمباني أو بالأملاك العامة أو الخاصة أو احتلالها أو الاستيلاء عليها أو منع أو عرقلة ممارسة السلطات العامة أو دور العبادة أو معاهد العلم لأعمالها، أو تعطيل تطبيق الدستور أو القوانين أو اللوائح".
مادة (86 مكررًا): "يعاقب بالسجن كل من أنشأ أو أسس أو نظم أو أدار، على خلاف أحكام القانون، جمعية أو هيئة أو منظمة أو جماعة أو عصابة، يكون الغرض منها الدعوة بأية وسيلة إلى تعطيل أحكام الدستور أو القوانين أو منع إحدى مؤسسات الدولة أو إحدى السلطات العامة من ممارسة أعمالها، أو الاعتداء على الحرية الشخصية للمواطن أو غيرها من الحريات والحقوق العامة التي كفلها الدستور والقانون، أو الإضرار بالوحدة الوطنية أو السلام الاجتماعي. ويعاقب بالسجن المشدد كل من تولى زعامة أو قيادة ما فيها، أو أمدها بمعونات مادية أو مالية مع علمه بالغرض الذي تدعو إليه.
ويعاقب بالسجن مدة لا تزيد على خمس سنوات كل من انضم إلى إحدى الجمعيات أو الهيئات أو المنظمات أو الجماعات، أو العصابات المنصوص عليها في الفقرة السابقة أو شارك فيها بأية صورة، مع علمه بأغراضها.
ويعاقب بالعقوبة المنصوص عليها بالفقرة السابقة كل من روج بالقول أو الكتابة أو بأية طريقة أخرى للأغراض المذكورة في الفقرة الأولى، وكذلك كل من حاز بالذات أو بالواسطة أو أحرز محررات أو مطبوعات أو تسجيلات، أيًّا كان نوعهـــــا، تتضمن ترويجًا لشيء مما تقــــدم، إذا كانت معــــدة للتوزيـــــع أو لاطلاع الغير عليها. وكل من حاز أو أحرز أية وسيلة من وسائل الطبع أو التسجيل أو العلانية، استعملت أو أعدت للاستعمال ولو بصفة وقتية لطبع أو تسجيل أو إذاعة شيء مما ذكر".
مادة (86 مكررًا "أ"/2، 3): "وتكون عقوبة الجريمة المنصوص عليها في الفقرة الثانية من المادة السابقة، السجن المشدد، إذا كان الإرهاب من الوسائل التي تستخدم في تحقيق، أو تنفيذ الأغراض التي تدعـــــو إليها الجمعية أو الهيئة أو المنظمة أو الجماعة أو العصابة المذكورة في هذه الفقرة، أو إذا كان الجاني من أفراد القوات المسلحة، أو الشرطة.
وتكون عقوبة الجريمة المنصوص عليها في الفقرة الثالثة من المادة السابقة السجن مدة لا تزيد على عشر سنوات، إذا كانت الجمعية أو الهيئة أو المنظمة أو الجماعة أو العصابة المذكورة في المادة السابقة تستخدم الإرهاب لتحقيق الأغراض التي تدعو إليها، ....".
مادة (88 مكررًا "ج"): "لا يجوز تطبيق أحكام المادة (17) من هذا القانون عند الحكم بالإدانة في جريمة من الجرائم المنصوص عليها في هذا القسم عدا الأحوال التي يقرر فيها القانون عقوبة الإعدام أو السجن المؤبد، فيجوز النزول بعقوبة الإعدام إلى السجن المؤبد، والنزول بعقوبة السجن المؤبد إلى السجن المشدد التي لا تقل عن عشر سنوات".
وتنص المادة الأولى من قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 94 لسنة 2015 بإصدار قانون مكافحة الإرهاب على أنه "يُعمل بأحكام قانون مكافحة الإرهاب المرافق، وتسري على ما لم يرد في شأنه نص في هذا القانون أحكام قانوني العقوبات والإجراءات الجنائية".
وتنص المواد (1 و2 و12/2) من قانون مكافحة الإرهاب الصادر بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 94 لسنة 2015، على أن:
مادة (1): "في تطبيق أحكام هذا القانون، يقصد بالألفاظ والعبارات التالية المعنى المبين قرين كل منها:
(أ) الجماعة الإرهابية: كل جماعة أو جمعية أو هيئة أو منظمة أو عصابة مؤلفة من ثلاثة أشخاص على الأقل أو غيرها أو كيان تثبت له هذه الصفة، أيًّا كان شكلها القانوني أو الواقعي سواء كانت داخل البلاد أو خارجها، وأيًّا كان جنسيتها أو جنسية من ينتسب إليها، تهدف إلى ارتكاب واحدة أو أكثر من جرائم الإرهاب أو كان الإرهاب من الوسائل التي تستخدمها لتحقيق أو تنفيذ أغراضها الإجرامية.
(ب)...................
(ج) الجريمة الإرهابية: كل جريمة منصوص عليها في هذا القانون، وكذا كل جناية أو جنحة ترتكب باستخدام إحدى وسائل الإرهاب أو بقصد تحقيق أو تنفيذ غرض إرهابي، أو بقصد الدعوة إلى ارتكاب أية جريمة مما تقدم أو التهديد بها، وذلك دون إخلال بأحكام قانون العقوبات.
(د)...........................
مادة (2): "يقصد بالعمل الإرهابي كل استخدام للقوة أو العنف أو التهديد أو الترويع في الداخل أو الخارج، بغرض الإخلال بالنظام العام أو تعريض سلامة المجتمع أو مصالحه أو أمنه للخطر، أو إيذاء الأفراد أو إلقاء الرعب بينهم، أو تعريض حياتهم أو حرياتهم أو حقوقهم العامة أو الخاصة أو أمنهم للخطـر، أو غيرها من الحريات والحقوق التي كفلها الدستور والقانون، أو الإضرار بالوحدة الوطنية أو السلام الاجتماعي أو الأمن القومي، أو إلحاق الضرر بالبيئة، أو بالموارد الطبيعية أو بالآثار أو بالأموال أو بالمباني أو بالأملاك العامة أو الخاصة، أو احتلالها أو الاستيلاء عليها، أو منع أو عرقلة السلطات العامة أو الجهات أو الهيئات القضائية أو مصالح الحكومة أو الوحدات المحلية أو دور العبادة أو المستشفيات أو مؤسسات ومعاهد العلم، أو البعثات الدبلوماسية والقنصلية، أو المنظمات والهيئات الإقليمية والدولية في مصر، من القيام بعملها أو ممارستها لكل أو بعض أوجه نشاطها، أو مقاومتها، أو تعطيل تطبيق أي من أحكام الدستور أو القوانين أو اللوائح.
وكذلك كل سلوك يرتكب بقصد تحقيق أحد الأغراض المبينة بالفقرة الأولى من هذه المادة، أو الإعداد لها أو التحريض عليها، إذا كان من شأنه الإضرار بالاتصالات أو بالنظم المعلوماتية أو بالنظم المالية أو البنكية، أو بالاقتصاد الوطني أو بمخزون الطاقة أو بالمخزون الأمني من السلع والمواد الغذائية والمياه، أو بسلامتها أو بالخدمات الطبية في الكوارث والأزمات".
مادة (12 /2): "ويُعاقب بالسجن المشدد كل من انضم إلى جماعة إرهابية أو شارك فيها بأية صورة مع علمه بأغراضها، وتكون العقوبة السجن المشدد الذي لا تقل مدته عن عشر سنوات إذا تلقى الجاني تدريبات عسكرية أو أمنية أو تقنية لدى الجماعة الإرهابية لتحقيق أغراضها، أو كان الجاني من أفراد القوات المسلحة أو الشرطة".
وحيث إنه وصلًا بتشريعات جمهورية مصر العربية في مجال مكافحة الإرهاب، فقد انضمت مصر وصدقت على عدد من الاتفاقيات الدولية في هذا الشأن، منها الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب، بموجب قرار رئيس الجمهورية رقم 279 لسنة 1998، واتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية، بموجب قرار رئيس الجمهورية رقم 294 لسنة 2003، والاتفاقية الدولية لقمع تمويل الإرهاب، بموجب قرار رئيس الجمهورية رقم 426 لسنة 2004، والاتفاقية العربية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بموجب قرار رئيس الجمهورية رقم 70 لسنة 2014.
وحيث إن الانضمام والتصديق على الاتفاقيات الدولية المار بيانها مؤداه نشوء التزام على الدولة المصرية بتماهي تشريعاتها الداخلية مع تعهداتها الدولية المترتبة على تلك الاتفاقيات، وحاصلها مواجهة الإرهاب بكافة صوره وأشكاله، وتعقب مصادر تمويله، وفق برنامج زمني محدد، باعتباره تهديدًا للوطن والمواطنين، مع ضمان الحقوق والحريات العامة، وما يتآدى إليه ذلك من حفظ النظام العام وسلامة المجتمع وأمنه واستقراره، وتوفير الأمن والطمأنينة للمواطنين ولكل مقيم على أراضيها، وذلك كله عملًا بالمواد (59 و93 و237) من الدستور القائم.
وحيث إنه ترتيبًا على ما تقدم، صدر قانون مكافحة الإرهاب المشار إليه آنفًا، ليساير التعهدات الدولية ذات الصلة بمكافحة الإرهاب من ناحية، ويكمل نصوص القسم الأول من الباب الثاني من الكتاب الثاني من قانون العقوبات المضاف بالقانون رقم 97 لسنة 1992، المعدل بالقانونين رقمي: 95 لسنة 2003، و147 لسنة 2006 من ناحية أخرى، فيظل معمولًا بنصوص قانون العقوبات، بغير أن يداخل إعمالها مظنة الإلغاء الصريح أو الضمني، بصدور قانون مكافحة الإرهاب المار بيانه؛ إذ إن المقرر -وفقًا للقاعدة العامة الواردة في المادة (2) من القانون المدني- أنه لا يجوز إلغاء نص تشريعي إلا بتشريع لاحق ينص صراحة على هذا الإلغاء أو يشتمل على نص يتعارض مع نص التشريع القديم أو ينظم من جديد وعلى وجه مختلف الموضوع الذي سبق أن قرر قواعده ذلك التشريع. وإذ كان قانون العقوبات وقانون مكافحة الإرهاب السالف بيانهما بمنزلة سواء في مدارج التشريع، وكان القانون الأخير اللاحق لقانون العقوبات لم ينص صراحة على إلغاء أي من أحكامه، ولم يُنظم من جديد وعلى وجه مختلف الموضوع الذي سبق أن قرر قواعده قانون العقوبات، أو يستبدل أيًّا من أحكامه، وإنما أكدت المادة الأولى من قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 94 لسنة 2015، على سريان أحكام قانوني العقوبات والإجراءات الجنائية على ما لم يرد في شأنه نص في قانون مكافحة الإرهاب، كما قضت نصوص المواد (4 و9 و10 و32) من هذا القانون بسريان بعض الأحكام الواردة بقانون العقوبات أو الالتزام بعدم الإخلال بها، فضلًا عما جاء بعجُز تعريف الجريمة الإرهابية الوارد بنص المادة (1/ج) منه، من وجوب ألّا يخل ذلك بأحكام قانون العقوبات، مما مفاده أن نصوص قانون العقوبات الواردة في القسم الأول من الباب الثاني من الكتاب الثاني، ومنها المواد المطعون فيها، تظل معمولًا بها، دون نسخ لأحكامها.
وحيث إن المقرر في قضاء هذه المحكمة أن شرط المصلحة الشخصية المباشرة، يتغيا أن تفصل المحكمة الدستورية العليا في الخصومة الدستورية من جوانبها العملية، وليس من معطياتها النظرية، وهو كذلك يقيد مباشرتها لولايتها في شأن هذه الخصومة، فلا تفصل في غير المسائل الدستورية التي يؤثر الحكم فيها على النزاع الموضوعي. ويتحدد مفهوم هذا الشرط باجتماع عنصرين، أولهما: أن يقيم المدعي -وفى حدود الصفة التي اختصم بها النص المطعون عليه- الدليل على أن ضررًا واقعيًّا -اقتصاديًّا أو غيره- قد لحق به، سواء أكان هذا الضرر الذي يتهدده وشيكًا، أم كان قد وقع فعلًا. ويتعين دومًا أن يكون هذا الضرر مباشرًا، منفصلًا عن مجرد مخالفة النص المطعون فيه للدستور، مستقلًّا بالعناصر التي يقوم عليها، ممكنًا تصوره ومواجهته بالترضية القضائية تسوية لآثاره. ثانيهما: أن يكون هذا الضرر عائدًا إلى النص المطعون فيه، وليس ضررًا متوهمًا أو منتحلًا أو مجهلًا، فإذا لم يكن هذا النص قد طبق أصلًا على من ادعى مخالفته للدستور، أو كان من غير المخاطبين بأحكامه، أو كان الإخلال بالحقوق التي يدعيها لا يعود إليه، دلَّ ذلك على انتفاء المصلحة الشخصية المباشرة؛ ذلك أن إبطال النص التشريعي في هذه الصور جميعها لن يحقق للمدعي أيّة فائدة عملية يمكن أن يتغير بها مركزه القانوني بعد الفصل في الدعوى الدستورية عما كان عليه قبلها.
وحيث إن نطاق الدعوى الدستورية، وإن كان يتحدد أصلًا بالنصوص القانونية التي يتعلق بها الدفع بعدم الدستورية المثار أمام محكمة الموضوع، فإن هذا النطاق يمتد ليشمل أيضًا النصوص التي يُضار المدعون من جراء تطبيقها عليهم ولو لم يتضمنها الدفع بعدم الدستورية، إذا كان فصلها عن النصوص التي اتصلت بالمحكمة الدستورية العليا متعذرًا، وكان ضمها إليها كافلًا تحقيق الأغراض التي يتوخاها المدعون من دعواهم الدستورية.
وحيث إن الواقعة الجنائية الواحدة قد تخضع لعدة نصوص قانونية في وقت واحد، بما يُعرف بتنازع النصوص الجنائية، وهو تزاحم أو تضارب ظاهري لنصوص تجريم متعددة إزاء فعل واحد، وعندئذ يكون النص الذي يعطي تكييفًا أكثر شمولًا بين الكيوف القانونية المتزاحمة هو وحده الواجب التطبيق، فلا تتعدد الأوصاف الإجرامية للفعل ولا تتعدد الجرائم، وذلك على خلاف التعدد الحقيقي أو المادي بين الجرائم لكيوف تداخلت فيما بينها، إذ هو تعدد للسلوك وتعدد للنتائج، ولا كذلك -أيضًا- التعدد المعنوي أو الصوري للجرائم، إذ إنه ولئن كان فعلًا واحدًا قد أرتكب وأن نصوصًا متعددة تبدو واجبة التطبيق عليه، فإنها تُطبق جميعًا وتتعدد الأوصاف والجرائم.
وحيث إن قانون العقوبات ولئن انتظم الوسائل الكفيلة لمنع التنازع المعنوي والحقيقي، وذلك بإعمال ما تنص عليه المادة (32) منه بالنسبة للنوع الأول، أو التخفيف من آثار الثاني بما جاء بنص المادة (33) من القانون ذاته، فإنه خلا بالكلية من أي ذكر لهذه الوسائل بالنسبة للتنازع الظاهري، إلا أن الأخذ بها بشأن هذا التنازع الأخير على الرغم من عدم النص عليها هو من مقتضيات المنطق القانوني ذاته، ذلك أن تطبيق قاعدتين قانونيتين على واقعة الدعوى، حال وجوب تطبيق قاعدة واحدة، مؤداه تكرار الجزاء الجنائي بغير موجب، وهو ما تهدف وسائل فض هذا التنازع الظاهري إلى منعه وتلافيه، وتأتي قاعدة الاستيعاب حلًّا لحسم هذا التنازع، فإذا تبين عند المقارنة بين نصين متنازعين أن أحدهما يستوعب "عدم المشروعية" الذي يحدده النص الآخر ويزيد عليه، فإن النص الأول الذي يفترض عدم المشروعية أوسع نطاقًا، ويُرجح على النص الذي يفترض نطاقًا أضيق منه، وبذلك يتغلب التكييف القانوني الشامل على الكيوف القانونية الجزئية، وفي هذه الحالة تتوافر جريمة واحدة هي ذات التكييف القانوني الشامل، وهذا شأن محكمة الموضوع عند نظرها النصوص الجنائية المنطبقة.
متى كان ما تقدم، وكانت النيابة العامة قد قدمت المدعي إلى المحاكمة الجنائية متهمة إياه بالانضمام إلى جماعة أُسست على خلاف أحكام القانون، وكان الإرهاب من الوسائل التي تستخدمها تلك الجماعة في تحقيق وتنفيذ الأغراض التي تدعو إليها، مع علمه بتلك الأغراض، وحيــازة محررات تروج لأفكار ومنهج الجماعة محــــل الاتهام الأول، المعاقب عليها بالمواد (86 و86 مكررًا/ 2، 3 و86 مكررًا/ "أ"/ 2، 3) من قانون العقوبات، وكانت الجريمة الأولى مؤثمة بالمواد (1/ أ، ج)، و(2)، وصدر الفقرة الثانية من المادة (12) من قانون مكافحة الإرهاب الصادر بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 94 لسنة 2015، ومن ثم فإن المواد المطعون عليها تتعدد ظاهريًّا مع مواد القانون الأخير، وكان إعمال أي من القانونين أو بعض نصوصهما معًا، مما يدخل في سلطة محكمة الموضوع التي تستقل بتحديد مواد العقوبة المطبقة على كل واقعة، إلا أن المصلحة الشخصية المباشرة للمدعي لا تتحقق في الدعوى الدستورية المعروضة بعيدًا عن الفصل في دستورية نصوص قانون مكافحة الإرهاب المار ذكرها، باعتبار ذلك كافلًا للأغراض التي توخاها المدعي من هذه الدعوى، ومن ثم يتعين أن يمتد نطاقها إلى النصوص السالف بيانها من قانون مكافحة الإرهاب، لتكوﱢن مع نصوص قانون العقوبات المطعون عليها نطاقًا للدعوى المعروضة.
وحيث إن نص المادة (88 مكررًا "ج") من قانون العقوبات يحول –عند الحكم بالإدانة– دون تطبيق أحكام المادة (17) من القانون ذاته بالنسبة للجريمتين المسندتين إلى المدعي والمعاقب عليهما بعقوبات أخرى غير الإعدام أو السجن المؤبد؛ ومن ثم تتوافر للمدعي مصلحة شخصية ومباشرة في الطعن عليها بعدم الدستورية، بما يغدو معه نطاق الدعوى متضمنًا إياها، ويغدو الدفع المبدى من هيئة قضايا الدولة بعدم قبول الدعوى بشأن هذا النص في غير محله متعينًا الالتفات عنه.
وحيث إن المدعي ينعى على نصوص المواد المطعون عليها إخلالها بأحكام المواد (94 و95 و96) من الدستور، وذلك لغموض مضمونها، وعدم تحديد الركنين المادي والمعنوي للجريمة الإرهابية، حين حصر القصد الجنائي في الإخلال بالنظام العام وتعريض سلامة المجتمع وأمنه للخطر، وهو ما لا يصلح ضابطًا لتمييز هذه الجريمة، والتجهيل بأحوال انطباقها، لتحققها في كافة الجرائم، والتباسها مع غيرها من صور ممارسة الأشخاص لحرياتهم؛ مما ينال من أصل البراءة وضمانات المحاكمة المنصفة، ومبدأ اليقين القانوني، والحق في الحرية الشخصية، ومبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، والعدوان على استقلال القضاء، بالحيلولة دون استعمال الرأفة، المنصوص عليها في المادة (17) من قانون العقوبات، عند الحكم بالإدانة في أي من الجريمتين المسندتين إلى المدعي.
وحيث إن المقرر في قضاء المحكمة الدستورية العليا أن القانون الجنائي، وإن اتفق مع غيره من القوانين في سعيها لتنظيم علائق الأفراد فيما بين بعضهم بعضًا، وعلى صعيد صلاتهم بمجتمعهم، فإن هذا القانون يفارقها في اتخاذه الجزاء الجنائي أداة لحملهم على إتيان الأفعال التي يأمرهـم بها، أو التخلي عن تلك التي ينهاهم عن مقارفتهـا، وهو بذلك يتغيّا أن يحدد من منظور اجتماعي، ما لا يجوز التسامح فيه من مظاهر سلوكهم، بما مؤداه أن الجزاء على أفعالهم لا يكون مخالفــًا للدستور، إلا إذا كان مجاوزًا حدود الضرورة التي اقتضتها ظروف الجماعة في مرحلة من مراحل تطورها، فإذا كان مبررًا من وجهة اجتماعية انتفت عنه شبهة المخالفة الدستورية، ومن ثم يتعين على المشرع، حين يقدر وجوب التدخل بالتجريم حماية لمصلحة المجتمع، أن يجري موازنة دقيقة بين مصلحة المجتمع والحرص على أمنه واستقراره من جهة، وضمان حريات الأفراد وحقوقهم من جهة أخرى.
وحيث إن النطاق الحقيقي لمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات المنصوص عليه في المادة (95) من الدستور، إنما يتحدد على ضوء عدة ضمانات، يأتي على رأسها وجوب صياغة النصوص العقابية بطريقة واضحة محـددة لا خفاء فيها أو غموض، فلا تكون هذه النصـوص شباكًا أو شراكًا يلقيها المشرع، متصيّدًا باتساعها أو بخفائها من يقعون تحتها أو يخطئون مواقعها، وهي ضمانات غايتها أن يكون المخاطبون بالنصوص العقابية على بيّنة من حقيقتها، فلا يكون سلوكهم مجافيًا لها، بل اتساقًا معها ونزولًا عليها. وكان الدستور قد دل بهذه المادة على أن لكل جريمة ركنًا ماديًّا لا قوام لها بغيره، يتمثل أساسًا في فعل أو امتناع وقع بالمخالفة لنص عقابي، مفصحًا بذلك عن أن ما يركن إليه القانون الجنائي ابتداء، في زواجره ونواهيه، هو مادية الفعل المؤاخذ على ارتكابه، إيجابيًّا كان هذا الفعل أم سلبيًّا، ذلك أن العلائق التي ينظمها هذا القانون في مجال تطبيقه على المخاطبين بأحكامه، محورها الأفعال ذاتها، في علاماتها الخارجية ومظاهرها الواقعية، وخصائصها المادية، إذ هي مناط التأثيم وعلته، وهي التي يتصور إثباتها ونفيها، وهي التي يتم التمييز على ضوئها بين الجرائم بعضها عن بعض، وهي التي تديرها محكمة الموضوع على حكم العقل لتقييمها وتقدير العقوبة المناسبة لها، بل إنه في مجال تقدير توافر القصد الجنائي، فإن محكمة الموضوع لا تعزل نفسها عن الواقعة محل الاتهام التي قام الدليل عليها قاطعًا واضحًا، ولكنها تجيل بصرها فيها منقبة من خلال عناصرها عما قصد إليه الجاني حقيقة من وراء ارتكابهـــــا؛ ومـــــن ثَمَّ تعكس هـــــذه العناصـــــر تعبيرًا خارجيًّا وماديًّا عن إرادة واعية، وبالتالي لا يتصور-وفقًا لأحكـــــام الدستور- أن توجـــــد جريمـــــة فـــــي غيبـــــة ركنهـــــا المادي، ولا إقامة الدليل على توافر علاقة السببية بين مادية الفعل المؤثم، والنتائج التي أحدثها بعيدًا عن حقيقة هذا الفعل ومحتواه، ولازم ذلك أن كل مظاهر التعبير عن الإرادة البشرية -وليس النوايا التي يضمرها الإنسان في أعماق ذاته- تعتبر واقعة في منطقة التجريم كلما كانت تعكس سلوكًا خارجيًّا مؤاخذًا عليه قانونًا، فإذا كان الأمر غير متعلق بأفعال أحدثتها إرادة مرتكبها، وتم التعبير عنها خارجيًّا في صور مادية لا تخطئها العين؛ فليس ثمة جريمة.
وحيث إنه من القواعد المبدئية التي يتطلبها الدستور في القوانين الجزائية، أن تكون درجة اليقين التي تنتظم أحكامها في أعلى مستوياتها، وأظهر في هذه القوانين منها في أية تشريعات أخرى، ذلك أن القوانين الجزائية تفرض على الحرية الشخصية أخطر القيود وأبلغها أثرًا، ويتعين بالتالي -ضمانًا لهذه الحرية- أن تكون الأفعال التي تؤثمها هذه القوانين محددة بصورة قاطعة بما يحول دون التباسها بغيرها، وأن تكون تلك القوانين جلية واضحة في بيان الحدود الضيقة لنواهيها، ذلك أن التجهيل بها أو انبهامها في بعض جوانبها لا يجعل المخاطبين بها على بينة من حقيقة الأفعال التي يتعين عليهم تجنبها. كذلك فإن غموض مضمون النص العقابي مؤداه أن يُحَال بين محكمة الموضوع وبين إعمال قواعد منضبطة تُعيّن لكل جريمة أركانها وتقرر عقوبتها بما لا خفاء فيه. وهي قواعد لا ترخص فيها وتمثل إطارًا لعملها لا يجوز تجاوزه، ذلك أن الغاية التي يتوخاها الدستور هي أن يوفر لكل مواطن الفرص الكاملة لمباشرة حرياته في إطار من الضوابط التي قيدها بها، ولازم ذلك أن تكون القيود على الحرية التي تفرضها القوانين الجزائية، محددة بصورة يقينية لأنها تدعو المخاطبين بها إلى الامتثال لها لكى يدفعوا عن حقهم في الحياة، وكذلك عن حرياتهم، تلك المخاطر التي تعكسها العقوبة، بحيث لا يتم تجاوز الحدود التي اعتبرها الدستور مجالًا حيويًّا لمباشرة الحقوق والحريات التي كفلها، وهو ما يخل في النهاية بالضوابط الجوهرية التي تقوم عليها المحاكمة المنصفة.
وحيث إن افتراض أصل البراءة الذي نص عليه الدستور في المادة (96) منه -على ما جرى به قضاء هذه المحكمة- يُعد أصلًا ثابتًا يتعلق بالتهمة الجنائية، وينسحب إلى الدعوى الجنائية في جميع مراحلها وعلى امتداد إجراءاتها، وقد غدا حتمًا عدم جواز نقض البراءة بغير الأدلة الجازمة التي تخلص إليها المحكمة، وتتكون من مجموعها عقيدتها، حتى تتمكن من دحض أصل البراءة المفروض في الإنسان، على ضوء الأدلة المطروحة أمامها، التي تثبت كل ركن من أركان الجريمة، وكل واقعة ضرورية لقيامها، بما في ذلك القصد الجنائي بنوعيه إذا كان متطلبًا فيها، وبغيــــر ذلك لا ينهدم أصل البراءة.
وحيث إنه من المقرر قانونًا أن المقصود بالنظام العام إنما يشمل القواعد التي ترمي إلى تحقيق المصلحة العامة للبلاد، سواء من الناحية السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية، والتي تتعلق بالوضع الطبيعي المادي والمعنوي لمجتمع منظم، وتعلو فيه على مصالح الأفراد، وهي فكرة نسبية، يتقيد القاضي في تحديد مضمونها بالتيار العام السائد بشأنها في بلده وزمانه.
وحيث إن البين من استقراء نص المادة (86) من قانون العقوبات، والمادتين (1/أ، ج) و(2) من قانون مكافحة الإرهاب، السالف بيانها، تصديها للمقصود بالإرهاب، وما يرتبط به من مدلول الجماعة الإرهابية، والجريمة الإرهابية، والعمل الإرهابي، لتتعاضد هذه التعريفات فيما بينها، محققة مفهومًا معينًا، وإطارًا محددًا لماهية الإرهاب ودلالته المتفردة، التي يجمع بينها قاسم مشترك مؤداه استخدام كيان أُسس على خلاف أحكام القانون مؤلف من ثلاثة أشخاص على الأقل، القوة أو العنف أو التهديد أو الترويع في ارتكاب جريمة من الجرائم المنصوص عليها في أي من المادتين (86 مكررًا و86 مكررًا "أ") من قانون العقوبات، أو تلك المنصوص عليها في قانون مكافحة الإرهاب، وأن يكون استخدام هذا الكيان للقوة أو الترويع أو التهديد بهما سبيلًا لتنفيذ مشروع إجرامي من شأنه الإخلال بالنظام العام أو تعريض سلامة المجتمع أو مصالحه أو أمنه للخطر.
وحيث إن المادتين (86 مكررًا/2 و86 مكررًا "أ"/2) من قانون العقوبات، وصدر الفقرة الثانية من المادة (12) من قانون مكافحة الإرهاب، السالف بيانها، قد جرمت فعل الانضمام إلى جماعة إرهابية مع العلم بأغراضها، وهي جريمة تتطلب لتحققها أركانًا ثلاثة، أولها مادي: قوامه الانضمام إلى كيان أُسس على خلاف أحكام القانون، يستخدم الإرهاب لتحقيق الأغراض التي يدعو إليها، من بين تلك التي تندرج تحت مفهوم العمل الإجرامي، ويشملها معنى الجريمة الإرهابية، وثانيها معنوي: يتمثل في اتجاه إرادة الجاني إلى الانضمام إلى ذلك الكيان مع علمه بأغراضه غير المشروعة، وآخرها قصد خاص: لا يقف عند تخوم عمدية القصد الجنائي العام، وإنما يجاوزه بالضرورة والحتم إلى الإخلال بالنظام العام أو تعريض سلامة المجتمع وأمنه للخطر؛ بما قد يتآدى إليه ذلك من تقويض لمقومات الدولة المدنية الحديثة التي يكفل الدستور حمايتها.
وحيث إن تعريف الإرهاب، وما يرتبط به من أفعال تحيله إلى كيان مؤثم على اختلاف صوره الإجرامية، على النحو السالف، إنما يلتئم مع الأدوات الدولية التي تقيم بنيانًا يبدو متماسكًا في سعيه لتعريف الإرهاب، وتفارق بينه وبين غيره من أنماط السلوك الإجرامي، ومن ذلك ما نص عليه قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 49/60 لعام 1994، الخاص بالتدابير الرامية إلى القضاء على الإرهاب الدولي؛ إذ نصت المادة (1/3) من هذا القرار على أن "الأعمال الإجرامية التي يقصد منها أو يُراد بها إشاعة حالة من الرعب، لأغراض سياسية، بين عامة الجمهور أو جماعة من الأشخاص أو أشخاص معينين، هي أعمال لا يمكن تبريرها بأي حال من الأحوال أيًّا كان الطابع السياسي أو الفلسفي أو العقائدي أو العنصري أو الديني أو أي طابع آخر يحتج به لتبرير تلك الأفعال".
وحيث إنه عن جريمة حيازة محررات أو مطبوعات أو تسجيلات تتضمن ترويجًا للأغراض المنصوص عليها بالفقرة الأولى من المادة (86 مكررًا) من قانون العقوبات، وهي الجريمة المؤثمة والمعاقب عليها بموجب الفقرة الثالثة من كل من المادتين (86 مكررًا و86 مكررًا "أ") من القانون ذاته، فهي من جرائم الخطر، التي يتوقى بها المشرع ضررًا محتملًا حاصله الترويج لأفكار ومعتقدات داعية إلى استخدام العنف، ويتحقق بالحيازة في صورتيها أو الإحراز لوسائط وأدوات الترويج، الركن المادي لهذه الجريمة، ويكون علم الجاني واتجاه إرادته إلى أفعال الركن المادي مع العلم بطبيعة ما يحوزه أو يحرزه من أدوات الترويج والغرض منه، هو صورة القصد الجنائي لهذه الجريمة. وحيث إن مناعي المدعي على النصوص المطعون فيها تدور حول تميع ألفاظها وغموضها على نحو يتعذر معه على المخاطبين بها الوقوف على حقيقة الأفعال المؤثمة والمعاقب عليها، فذلك مردود بأن تأثيم الأفعال الواردة بتلك النصوص يجد ضرورته في المحافظة على النظام العام وعلى أمن المجتمع واستقراره، وحماية مؤسساته الدستورية ومرافقه العامة ومنع إعاقتها عن أداء دورها في خدمة الشعب، وصون مقدرات الوطن الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وحماية الآمنين من الترويع، ومنع الافتئات على ثوابت الجماعة الوطنية، وهي مصالح مجتمعية جديرة بالحماية الجنائية في أعلى مدارجها، لتعلقها بحسب الأصل بكيان الدولة وبقائها وقدراتها، وأمن وسلامة مواطنيها، وكل مقيم على أراضيها، وجميعها مصالح مشروعة، قدر المشرع أن حمايتها من أية أفعال من شأنها المساس بها أو النيل منها، تسوﱢغ التجريم، وقد أورد الدستور جلها، كالحق في الحياة الآمنة، والحق في سلامة الجسد، والبيئة الصحية السليمة، وحق الملكية، وحماية الثروات الطبيعية، والتي حرص الدستور على توكيدها في المواد (33 و34 و35 و44 و45 و46 و59 و60) منه، إذ صار لكل من الألفاظ الواردة في النص، سواء المحددة للفعل أو للحقوق والحريات والمصالح المحمية، معنى محدد ومنضبط، ومن ثم تنداح عنها قالة الاتساع والتميع، وتنتفي عنها شبهة الخفاء والغموض. ولا يعزب عن نظر، أن النصوص التي تحدد بها نطاق هذه الدعوى، تتضمن أفعالًا محددة، تؤدي إلى نتائج ملموسة واقعًا، أو تعرض مصالح مجتمعية للخطر، لتستهدف هذه النصوص غاية نهائية مشروعة، ومن ثم فإنها لا تنال من الحقوق والحريات العامة أو الفردية، والتي لا تقبل تعطيلًا أو انتقاصًا، ويكفل الدستور والقانون حمايتها وصونها، لتغدو هذه النصوص منضبطة على مدارج الشرعية الدستورية، وتبرأ من قالة الافتئات على محارم الدستور، التي رمى بها المدعي هذه النصوص، بغير سند؛ ومن ثم يكون الادعاء بمخالفتها المواد (94 و95 و96) من الدستور منتفيًا.
وحيث إن المقرر في قضاء هذه المحكمة أن الأصل في العقوبة هو معقوليتها، فلا يكون التدخل فيها إلا بقدر، نأيًا بها عن أن تكون إيلامًا غير مبرر، يؤكد قسوتها في غير ضرورة. وكان من المقرر أيضًا، أن المتهمين لا تجوز معاملتهم بوصفهم نمطًا ثابتًا، أو النظر إليهم باعتبار أن صورة واحدة تجمعهم لتصبهم في قالبها، بما مؤداه أن الأصل في العقوبة هو تفريدها لا تعميمها، ذلك أن مشروعية العقوبة، من زاوية دستورية، مناطها أن يباشر كل قاضٍ سلطته في مجال التدرج بها وتجزئتها، تقديرًا لها، في الحدود المقررة قانونًا، فذلك وحده الطريق إلى معقوليتها وإنسانيتها؛ جبرًا لآثار الجريمة من منظور عادل يتعلق بها وبمرتكبها. وحيث إن الدستور الحالي إذ نص في المادة (94) منه على خضوع الدولة للقانون وأن استقلال القضاء وحصانته وحيدته ضمانات أساسية لحماية الحقوق والحريات، كما أكد على هذه المبادئ في المادتين (184 و186) منه، فقد دلَّ على أن الدولة القانونية هي التي تتقيد في كافة مظاهر نشاطها، وأيًّا كانت طبيعة سلطاتها، بقواعد قانونية تعلو عليها وتكون بذاتها ضابطًا لأعمالها وتصرفاتها في أشكالها المختلفة، ذلك أن ممارسة السلطة لم تعد امتيازًا شخصيًّا لأحد ولكنها تباشر نيابة عن الجماعة ولصالحها، ولأن الدولة القانونية هي التي يتوافر لكل مواطن في كنفها الضمانة الأولية لحماية حقوقه وحرياته، ولتنظيم السلطة وممارستها في إطار من المشروعية، وهي ضمانة يدعمها القضاء من خلال استقلاله وحصانته لتصبح القاعدة القانونية محورًا لكل تنظيم، وحدًّا لكل سلطة، ورادعًا ضد كل عدوان.
وحيث إنه من المقرر في قضاء هذه المحكمة أن العقوبة التخييرية، أو المراوحة في العقوبة بين حدين أدنى وأقصى، أو استبدال عقوبة أخف أو تدبير احترازي بعقوبة أصلية أشد -عند توافر عذر قانوني جوازي مخفف للعقوبة- أو إجازة استعمـال الرأفة في مواد الجنايات بالنزول بعقوبتها درجة واحدة أو درجتين إذا اقتضت أحوال الجريمة ذلك التبديل، عملًا بنص المادة (17) من قانون العقوبات، أو إيقاف تنفيذ عقوبتي الغرامة أو الحبس الذى لا تزيد مدته على سنة إذا رأت المحكمة من الظروف الشخصية للمحكوم عليه أو الظروف العينية التي لابست الجريمة ما يبعث على الاعتقاد بعدم العودة إلى مخالفة القانون، على ما جرى به نص المادة (55) من قانون العقوبات، إنما هي أدوات تشريعية يتسـاند القاضي إليها -بحسب ظروف كل دعوى- لتطبيق مبدأ تفريد العقوبة، ومن ثم ففي الأحوال التي يمتنع فيها إعمال إحدى هذه الأدوات، فإن الاختصاص الحصري بتفريد العقوبة المعقود للقاضي يكون قد استغلق عليه تمامًا، بما يفتئت على استقلاله، ويسلبه حريته في تقدير العقوبة، ويفقده جوهر وظيفته القضائية، وينطوي على تدخل محظور في شئون العدالة والقضايا.
وحيث إن العقوبة المقررة بمقتضى نص المادتين (86 مكررًا/2 و86 مكررًا "أ"/2) من قانون العقوبات هي السجن المشدد لجريمة الانضمام إلى جماعة أُسست على خلاف أحكام القانون إذا كان الإرهاب من الوسائل التي تستخدم في تحقيق، أو تنفيذ الأغراض التي تدعو إليها الجمعية أو الهيئة أو المنظمة أو الجماعة أو العصابة المذكورة، وهي العقوبة ذاتها التي ينص عليها صدر الفقرة الثانية من المادة (12) من قانون مكافحة الإرهاب، السالف بيانها، وتعاقب الفقرة الثالثة من كل من المادتين (86 مكررًا و86 مكررًا "أ") من قانون العقوبات بالسجن مدة لا تزيد على عشر سنوات كل من حاز بالذات أو بالواسطة أو أحرز محررات أو مطبوعات أو تسجيلات، أيًّا كان نوعها، تتضمن ترويجًا لجمعية أو هيئة أو منظمة أو جماعة أو عصابة تستخدم الإرهاب لتحقيق الأغراض التي تدعو إليها.
متى كان ذلك، وكانت العقوبات السالف بيانها تتناسب مع جسامة الأفعال المكونة للجريمتين المبينتين بالنصوص التي تحدد بها نطاق هذه الدعوى، دون غلو أو إفراط، ولم تنل من سلطة القاضي في تفريد العقوبة التي يوقعها على من يثبت ارتكابه لها، باختيار مدة العقوبة السالبة للحرية بين حدين أدنى وأقصى؛ ومن ثم فإن العقوبة المقررة بنص المادتين (86 مكررًا/2، 3 و86 مكررًا "أ"/2، 3) وصدر الفقرة الثانية من المادة (12) من قانون مكافحة الإرهاب، السالف بيانها، لا تخالف الضوابط الدستورية المقررة في مجال العقوبة الجنائية؛ ويضحى الطعن عليها بمخالفة المادتين (184 و186) من الدستور القائم، لا أساس له خليقًا برفضه.
وحيث إن نص المادة (88 مكررًا "ج") من قانون العقوبات قد حظر على محكمة الموضوع استعمال المادة (17) من القانون ذاته عند الحكم بالإدانة في أي من الجرائم المنصوص عليها في القسم الأول من الباب الثاني من الكتاب الثاني من قانون العقوبات، فيما عدا الجرائم المعاقب عليها بالإعدام أو بالسجن المؤبد، فيجوز النزول بأيهما إلى الحد المبين بالنص المطعون فيه، وكان مرد ذلك أن كلتا هاتين العقوبتين ذات حد واحد؛ مما يمتنع معه التفريد القضائي لأيهما، ولا كذلك الحال بالنسبة لباقي العقوبات المقررة لجرائم القسم سالف الإشارة إليه، التي تقع بين حدين أدنى وأقصى، والتي يكون لمحكمة الموضوع توقيع العقوبة المقررة بأي من هذين الحدين أو المدة التي تقع بينهما، على نحو يتيح لها استعمال إحدى أدوات التفريد القضائي لعقوبة الجرائم المعدودة من الجنايات الواردة بالقسم المار ذكره، الأمر الذي تنحسر معه عن النص المطعون فيه مظنة العدوان على استقلال القضاء، أو التدخل في شئون العدالة.
وحيث إن النصوص المطعون فيها، وتلك التي امتد إليها نطاق هذه الدعــــوى، لا تخالف أي نص آخر في الدستور؛ فإن لازم ذلك القضاء برفض الدعوى.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة برفض الدعوى، ومصادرة الكفالة، وألزمت المدعي المصروفات.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق