المنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ : ۲۰۲٦/۰۷/۰٤
باسم الشعب
المحكمة الدستورية العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة يوم الأربعاء الأول من يوليو سنة 2026م، الموافق السادس عشر من المحرم سنة 1448هـ.
برئاسة السيد المستشار/ بولس فهمي إسكندر رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين: رجب عبد الحكيم سليم والدكتور محمد عماد النجار والدكتور طارق عبد الجواد شبل وخالد أحمد رأفت دسوقي والدكتورة فاطمة محمد أحمد الرزاز وصلاح محمد الرويني نواب رئيس المحكمة
وحضور السيد المستشار الدكتور/ عماد طارق البشري رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد/ عبد الرحمن حمدي محمود أمين السر
أصدرت الحكم الآتي
في الدعوى المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 114 لسنة 26 قضائية "دستورية"
المقامة من
1- علي أحمــد عثمان 2- إبراهيـم أحمد عثمان
3- عمران أحمد عثمان 4- حمـدي عبد العزيز عيسى
5- ثابت فرغلي سيد 6- عزة عبد الرؤوف عبد العال
7- قـدري سعـد سيـد 8- مـراد علـي حسانين
9- محسن إبراهيم محمد 10 - صوفي نـوال يؤنس
11- يوسف فهمي عبد الحافظ 12- حسين عبد الرحمن حسين
13- خالد سعد الدين عبد الحليم 14- جمال عبد الناصر عبد الرحمن
ضــد
1- رئيس الجمهورية
2- رئيس مجلس الوزراء
3- وزير التموين والتجارة الداخلية
4- رئيس الاتحاد التعاوني الاستهلاكي المركزي بالقاهرة
-----------------
الإجـراءات
بتاريخ الحادي عشر من مايو سنة 2004، أودع المدعون صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا، طالبين الحكم بعدم دستورية المادة (3) من قانون التعاون الاستهلاكي الصادر بالقانون رقم 109 لسنة 1975، والمادة (19) من لائحة النظام الداخلي للجمعيات التعاونية الاستهلاكية الصادرة بقرار وزير التموين رقم 431 لسنة 1975.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرًا برأيها.
ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وفيها قدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، تمسكت فيها بطلبها، كما حضر وكيل عن المدعى عليه الرابع وطلب أجلًا للمذكرات، وقررت المحكمة إصدار الحكم بجلسة اليوم.
----------------
المحكمــــة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع تتحصل – على ما يتبين من صحيفة الدعوى وسـائر الأوراق – في أن المدعين أقاموا الدعوى التي آل قيدها أمام محكمة أسيوط الابتدائية برقم 840 لسنة 2003 تجاري، ضد رئيس مجلس إدارة الاتحاد التعاوني الاستهلاكي بأسيوط، ورئيس مجلس إدارة الجمعية التعاونية الاستهلاكية للخدمات الاجتماعية لنقل الركاب بمنفلوط، ومحافظ أسيوط، طالبين الحكم، أولًا: بإعادة تقييم المقومات المادية والمعنوية لرأس مال الجمعية المشار إليها، وإعادة تقييم قيمة السهم في 1/12/1992، تاريخ بدء عمل الجمعية بعد الإشهار والنشر في الجريدة الرسمية. ثانيًا: بإعادة تقييم المقومات المادية والمعنوية لرأس مال الجمعية وقيمة السهم في 5/5/1995، بعد سداد كافة الأقساط المستحقة على الجمعية لمحافظة أسيوط. ثالثًا: بإعادة تقييم المقومات المادية والمعنوية لرأس مال الجمعية وقيمة السهم في تواريخ 1/1/1998، و1/1/1999، و1/1/2001. رابعًا: ببراءة ذمتهم من مبلغ (130690 جنيهًا) موضوع مطالبات المدعى عليه الأول. وإذ قام بعض المساهمين– ومن بينهم المدعون – ببيع أسهمهم (وعددها 425 سهمًا) للجمعية، مقابل مبلغ مقداره (173190 جنيهًا)، بناءً على تقييم سعر السهم وقت البيع، فإنه بتاريخ 27/3/2002، انعقدت الجمعية العمومية وانتُخب مجلس إدارة جديد، الذي تقدم بشكوى إلى الاتحاد التعاوني بأسيوط بشأن واقعة بيع الأسهم سالفة الذكر، فأرسل الأخير مطالبات إلى المدعين لسداد قيمة ما حصلوا عليه من الجمعية بالزيادة على المبالغ التي دفعوها شراءً لهذه الأسهم، الأمر الذي حدا بهم إلى إقامة دعواهم المشار إليها، بالطلبات سالفة البيان. وفي أثناء نظرها، دفع المدعون بعدم دستورية المادة (3) من قانون التعاون الاستهلاكي الصادر بالقانون رقم 109 لسنة 1975، والمادة (19) من لائحة النظام الداخلي للجمعيات التعاونية الاستهلاكية الصادرة بقرار وزير التموين رقم 431 لسنة 1975. وإذ قدرت المحكمة جدية الدفع، وصرحت بإقامة الدعوى الدستورية؛ فأقاموا الدعوى المعروضة.
وحيث إن المادة (3) من قانون التعاون الاستهلاكي الصادر بالقانون رقم 109 لسنة 1975، تنص على أن "أموال الجمعيات التعاونية الاستهلاكية مملوكة لها ملكية تعاونية بصفتها الاعتبارية ولا يجوز أن تزيد حقوق عضو الجمعية عند انقضاء عضويته أو تصفية الجمعية على استرداد قيمة أسهمه في رأس المال".
وتنص المادة (19) من لائحة النظام الداخلي للجمعيات التعاونية الاستهلاكية الصادرة بقرار وزير التموين رقم 431 لسنة 1975، على أنه "للعضو الذي زالت صفة عضويته الحق في استرداد قيمة أسهمه بشرط ألا يترتب على ذلك تخفيض رأس مال الجمعية إلى أقل من نصف رأسمالها في تاريخ تقديم طلب الاسترداد وتسترد قيمة هذه الأسهم بنسبة مال الجمعية الموجود في ختام السنة المالية الجارية طبقًا للحساب الختامي المُصدق عليه من الجمعية العمومية بعد خصم كل ما على العضو من ديون للجمعية، ولا يدخل في تقدير مال الجمعية المال الاحتياطي ولا الديون المشكوك في تحصيلها- وعلى الجمعية صرف المبلغ الواجب السداد خلال ستة أشهر من عمل الحساب الختامي السنوي ولها ألا تدفع خلال سنة واحدة أكثر من ربع رأسمالها في بداية العام وفي كل الأحوال لا تدفع الجمعية للعضو أزيد من المبلغ الذي دفعه لها".
وحيث إن المدعين ينعون على النصين المطعون فيهما –في النطاق المتقدم– مخالفة مبادئ الشريعة الإسلامية، والإخلال بالحماية المقررة دستوريًّا لكل من الملكية التعاونية والملكية الخاصة، والتزام الدولة بحمايتهما وصونهما، بحسبان ثبات قيمة سهم الجمعية التعاونية، واسترداده دون أي زيادة، حال تحقيق الجمعية أرباحًا وزيادة لرأس مالها، يُعد إهدارًا للملكية الخاصة، قد يفضي إلى الإحجام عن المشاركة في الجمعيات التعاونية، وإلى تدهور النظام التعاوني، ويتعارض مع موجبات رعاية الدولة للتعاونيات. فضلًا عن أن نص المادة (19) من لائحة النظام الداخلي للجمعيات التعاونية الاستهلاكية، المطعون فيه، قد استحدث حكمًا جديدًا يجاوز ما ورد في نص المادة (3) من قانون التعاون الاستهلاكي، فيما يتعلق بتحديد قيمة السهم عند استرداد العضو إيَّاه، وأن هذا التحديد ينبغي أن يكون وقت بيع السهم، وليس وقت الشراء. وذلك بالمخالفة لأحكام المواد (2 و28 و31 و32 و34 و144) من دستور عام 1971- المقابلة للمواد (2 و17 و35 و37 و170) من الدستور الحالي الصادر عام 2014 - فضلًا عن مخالفة النصين المطعون فيهما أحكام المادتين (2 و34) من قانون التعاون الاستهلاكي، والمادة (4) من لائحة النظام الداخلي للجمعيات التعاونية الاستهلاكية، المشار إليهما.
وحيث إنه عن النعي بمخالفة النصين المطعون فيهما أحكام المادتين (2 و34) من قانون التعاون الاستهلاكي المار ذكره، والمادة (4) من لائحة النظام الداخلي للجمعيات التعاونية الاستهلاكية، المشار إليهما، فمردود بأن الرقابة القضائية التي تباشرها المحكمة الدستورية العليا في شأن دستورية النصوص التشريعية، مناطها مخالفة تلك النصوص لقاعدة تضمنها الدستور، ولا شأن لها بالتعارض بين نصين قانونيين جمعهما قانون واحد أو تفرقا بين قانونين مختلفين، ما لم يكن هذا التعارض منطويًا –بذاته- على مخالفة دستورية؛ مما يتعين معه الالتفات عن هذا النعي.
وحيث إن من المقرر في قضاء المحكمة الدستورية العليا أن المصلحة الشخصية المباشرة –وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية- مناطها أن يكون الحكم في المسألة الدستورية مؤثرًا في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها، المطروحة على محكمة الموضوع. متى كان ما تقدم، وكانت رحى النزاع في الدعوى الموضوعية تدور حول طلب المدعين الحكم ببراءة ذمتهم من المبالغ التي حصلوا عليها مقابل تنازلهم عن أسهمهم لصالح الجمعية التعاونية الاستهلاكية للخدمات الاجتماعية لنقل الركاب بمنفلوط، التي تزيد على ما دفعوه للجمعية لدى شرائهم تلك الأسهم، وقت تأسيسها. وإذ تقرر بموجب نص المادة (3) من قانون التعاون الاستهلاكي الصادر بالقانون رقم 109 لسنة 1975، ألا تزيد حقوق عضو الجمعية عند انقضاء عضويته أو تصفية الجمعية على استرداد قيمة أسهمه في رأس المال، وهو ما تردد في عجُز المادة (19) من لائحة النظام الداخلي للجمعيات التعاونية الاستهلاكية الصادرة بقرار وزير التموين رقم 431 لسنة 1975؛ ومن ثم يضحى الفصل في دستورية هذين النصين أمرًا لازمًا للفصل في الطلبات المثارة في الدعوى الموضوعية، مما تتوافر معه المصلحة الشخصية المباشرة للمدعين في الدعوى المعروضة، ويتحدد نطاقها فيما تضمنه النصان من أنه "لا يجوز أن تزيد حقوق عضو الجمعية التعاونية الاستهلاكية عند انقضاء عضويته على قيمة أسهمه في رأس المال"، دون غيره من أحكام جرى بها النصان المار بيانهما.
وحيث إنه عن النعي باستحداث نص المادة (19) من لائحة النظام الداخلي للجمعيات التعاونية الاستهلاكية حكمًا جديدًا لم يرد في نص المادة (3) من قانون التعاون الاستهلاكي، يتعلق بتحديد قيمة السهم عند استرداد عضو الجمعية له، حال زوال عضويته، بما لا يزيد على ما دفعه للجمعية، فمردود بأن النص اللائحي المطعون فيه- في النطاق الذي تحددت فيه مصلحة المدعين- جاء ترديدًا لما تضمنه نص المادة (3) من القانون سالف البيان، بحسبان المقصود برأس مال الجمعية هو رأس مالها وقت التأسيس (الاكتتاب)، ومن ثم فإن النص اللائحي لا يكون قد استحدث حكمًا جديدًا لم يتضمنه نص القانون المار الذكر، مما يكون معه هذا النعي لا سند له متعينًا الالتفات عنه.
وحيث إنه عن النعي بمخالفة النصين المطعون فيهما مبادئ الشريعة الإسلامية، المنصوص عليها في المادة الثانية من الدستور، فقد اطرد قضاء هذه المحكمة على أن استحداث النص على أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، الذي تم بالتعديل الدستوري في تاريخ 22 من مايو سنة 1980، في ظل العمل بدستور سنة 1971، وردده دستور سنة 2014 في المادة الثانية منه؛ مفاده أن الدستور اعتبارًا من تاريخ العمل بهذا التعديل قد أتى بقيد على السلطة التشريعية مؤداه تقييدها – فيما تقره من نصوص قانونية – بمراعاة الأصول الكلية للشريعة الإسلامية؛ إذ هي جوهر بنيانها وركيزتها، وقد اعتبرها الدستور أصلًا ينبغي أن ترد إليه هذه النصــــوص، فلا تتناــــــــر مع مبادئها المقطوع بثبوتها ودلالتها، وإن لم يكن لازمًا استمداد تلك النصوص مباشرة منها، بل يكفيها ألا تعارضها، ودونما إخلال بالقيود الأخرى التي فرضها الدستور على السلطة التشريعية في ممارستها لاختصاصاتها الدستورية. ومن ثم، لا تمتد الرقابة على الشرعية الدستورية التي تباشرها هذه المحكمة في مجال تطبيقها للمادة الثانية من الدستور لغير النصوص القانونية الصادرة بعد تعديلها.
لما كان ما تقدم، وكان النصان المطعون فيهما قد وردا ضمن تشريعين صدرا قبل نفاذ تعديل المادة (2) من دستور سنة 1971 في 22 من مايو سنة 1980، ولم يُدْخِل المشرع تعديلًا عليهما بعد هذا التاريخ، فإن القول بمخالفتهما حكم المادة (2) من الدستور؛ لتعارضهما مع مبادئ الشريعة الإسلامية – أيًّا كان وجه الرأي في ذلك – يكون في غير محله، حريًّا بالالتفات عنه.
وحيث إن الرقابة الدستورية على القوانين، من حيث مطابقتها للقواعد الموضوعية التي تضمنها الدستور، إنما تخضع لأحكام الدستور القائم دون غيره، بحسبانه مستودع القيم التي ينبغي أن تقوم عليها الجماعة، وتعبر عن إرادة الشعب منذ صدوره؛ ذلك أن هذه الرقابة إنما تستهدف – أصلًا- صون الدستور القائم وحمايته من الخروج على أحكامه بحسبان نصوص هذا الدستور تمثل دائمًا القواعد والأصول التي يقوم عليها النظام العام في المجتمع، وتشكل أسمى القواعد الآمرة التي تعلو على ما دونها من تشريعات؛ ومن ثم يتعين التزامها ومراعاتها، وإهدار ما يخالفها من تشريعات – أيًّا كان تاريخ العمل بها - لضمان اتساقها والمفاهيم التي أتى بها، فلا تتفرق هذه القواعد في مضامينها بين نظم مختلفة يناقض بعضها بعضًا، بما يحول دون جريانها وفق المقاييس الموضوعية ذاتها التي تطلبها الدستور القائم شرطًا لمشروعيتها الدستورية. متى كان ما تقدم، وكانت المناعي التي وجهها المدعون إلى النصين المطعون فيهما تندرج تحت المطاعن الموضوعية التي يقوم مبناها على مخالفة نص تشريعي لقاعدة في الدستور من حيث محتواها الموضوعي؛ ومن ثم فإن المحكمة تباشر رقابتها القضائية على دستورية هذين النصين، اللذين ما زالا ساريين ومعمولًا بأحكامهما، في ضوء أحكام الدستور القائم.
وحيث إن من المقرر في قضـاء المحكمة الدستورية العليا أن الدستور وإن قرن العدل بكثير من النصوص التي تضمنها؛ فنصت عليه المواد (4 و8 و27 و38 و177) منه، وخلا في الوقت ذاته من كل تحديد لمعناه، فإن مفهــــوم العــــدل -سواء بمبناه أو أبعاده- يتعين أن يكون محددًا من منظور اجتماعي باعتبار أن العـدل يتغيا التعبير عن تلك القيــم الاجتماعية التي لا تنفصل عن الجماعة في حركتها، والتي تتبلور مقاييسهـا في شأن ما يعتبر حقًّا لديها، فلا يكون العدل مفهومًا مطلقًا باطراد، بل مرنًا متغيرًا وفقًا لمعايير الضمير الاجتماعي ومستوياتهـا، وهو بذلك لا يعـدو أن يكون نهجًا متواصلًا منبسطًا على أشكال من الحياة تتعدد ألوانها، وازنًا بالقسط تلك الأعباء التي يفرضها المشرع على المواطنين، فلا تكون وطأتها على بعضهم عدوانًا، بل تطبيقها بينهم إنصافًا، وإلا كان القانون منهيًا للتوافق في مجال تنفيذه وغدا إلغاؤه لازمًا.
وحيث إن الدساتير المصرية على تعاقبها قد حرصـت على النص على التضامـــن الاجتماعـــي باعتبـاره ركيزة أساسية لبناء المجتمع، وواحدًا من الضمانات الجوهريــة التي ينبغي أن ينعـم بها أفراده، وهو ما أكدته المادة (8) من الدستور القائم، التي ألزمت الدولة بتوفير سبل التضامن والتكافل الاجتماعي، بما يضمن الحياة الكريمة لجميع المواطنين، على النحو الذي ينظمه القانون، وهي معانٍ استلهمها الدستور القائم بربطه الرفاهية والنمو الاقتصادي بالعدالة الاجتماعية، حين حدد في المادة (27) منه الأغراض التي يتوخاها النظام الاقتصادي، وهي تحقيق الرخاء في البلاد من خلال التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية، بما يكفل النمو الحقيقي للاقتصاد القومي، ورفع مستوى المعيشة، وزيادة فرص العمل، وتقليل معدلات البطالة، والقضاء على الفقر، ويلتزم -في هذا الإطار- بمعايير الشفافية والحوكمة، ودعم محاور التنافسية، ومنع الممارسات الاحتكارية، مع مراعاة الاتزان المالي، وضبط آليات السوق، وكفالة الأنواع المختلفة للملكية، والتوازن بين مصالح الأطراف المختلفة.
وحيث إن الاستثمار بمختلف صوره -العام منها والخاص- ليس إلا أموالًا تنفق، وسواء عبأتها الدولة أو كوَّنها القطاع الخاص، فإنها تتكامل فيما بينها، ويعتبر تجميعها لازمًا لضمان قاعدة إنتاجية أعرض وأعمق، لا يكون التفريط فيها إلا نكولًا عن قيم يدعو إليها التطور ويتطلبها، وما تنص عليه المادة (33) من الدستور القائم من تعداد لأشكال الملكية، تتقدمها الملكية العامة، وتقوم إلى جانبها كل من الملكية التعاونية والملكية الخاصة، ليس إلا توزيعًا للأدوار فيما بينهـــــا، لا يحول دون تساندها، والتزام الدولة بحمايتها جميعًا؛ ذلك أن تواصل التنمية المستدامة، وإثراء نواتجها -على ما تنص عليه المادة (27) من الدستور- يمثل أصلًا يبلوره الاستثمار العام والخاص، فلكل منهما دوره في التنمية، فهما شريكان متكاملان، فلا يتزاحمان أو يتعارضان أو يتفرقان، بل يتولى كل منهما مهامَّ يكون مؤهلًا لها وأقدر عليها. ومن بين المعايير التي يلتزم بها النظام الاقتصادي دعم محاور التنافسية، وتشجيع الاستثمار، وكفالة الأنواع المختلفة للملكية، والتوازن بين مصالح الأطراف المختلفة، بما يحفظ حقوق العاملين ويحمي المستهلك. وهو ما أكدته المادة (28) من الدستور، بالنص على التزام الدولة بحماية الأنشطة الاقتصادية الإنتاجية والخدمية والمعلوماتية، وزيادة تنافسيتها، وتوفير المناخ الجاذب للاستثمار، والعمل على زيادة الإنتاج، وتشجيع التصدير، وتنظيم الاستيراد، باعتبار أن تلك الأنشطة مقومات أساسية للاقتصاد القومي.
وحيث إن من المقرر في قضاء هذه المحكمة أن الدستور قد حرص على صون الملكية الخاصة، وكفل عدم المساس بها إلا على سبيل الاستثناء، وفي الحدود وبالقيود التي أوردها باعتبارها مترتبة -في الأصل- على الجهد الخاص الذي بذله الفرد بكده وعرقه، وبوصفها حافزًا إلى الانطلاق والتقدم؛ إذ يختص دون غيره بالأموال التي يرد عليها حـق الملكية، والتي تُعد -كذلك- من مصادر الثروة التي لا يجوز التفريط فيها، أو استخدامها على وجه يعوق التنمية، أو يعطل مصالح الجماعة، وكانت الملكية في إطار النظم الوضعية، التي تزاوج بين الفردية وتدخل الدولة، لم تَعد حقًّـا مطلقًــا، ولا هي عصية على التنظيم التشريعي، وإنما يجوز تحميلها بالقيود التي تقتضيها وظيفتها الاجتماعية، وهي وظيفة يتحدد نطاقها ومرماها على ضوء طبيعة الأموال محل الملكية أو الأغراض التي ينبغي توجيهها إليها، وبمراعاة الموازنة التي يجريها المشرع من خلال ما يراه من المصالح أولى بالرعاية وأجدر بالحماية على ضوء أحكام الدستور. وفى ضوء ما تقدم، يتعين أن ينظم القانون أداء هذه الوظيفة مهتديًــا -بوجه خاص- بالقيم التي تنحاز إليها الجماعة في مرحلة معينة من مراحل تطورها، وبمراعاة أن القيود التي تفرضها الوظيفة الاجتماعية على حق الملكية للحد من إطلاقها لا تعتبر مقصودة لذاتها، بل غايتها خير الفرد والمجتمع.
وحيث إن الدساتير المصرية المتعاقبة قد حرصت على صون الملكية التعاونية ورعاية المنشآت التعاونية؛ فألزمت المادة (16) من دستور سنة 1956 الدولة بتشجيع التعاون، ورعاية المنشآت التعاونية بمختلف صورها، وهو ما أكدته المادة (18) من دستور سنة 1964، الذي عرَّفت المادة (13) منه الملكية التعاونية بأنها ملكية كل المشتركين في الجمعية التعاونية، وقد سار دستور سنة 1971 على النهج ذاته، فألزمت المادتان (28 و29) منه الدولة بحماية الملكية التعاونية، ورعاية المنشآت التعاونية بكل صورها، ودعم الجمعيات التعاونية، وعرَّفت المادة (31) منه الملكية التعاونية بأنها ملكية الجمعيات التعاونية، وأوجبت على القانون رعايتها، وضمان الإدارة الذاتية لها، وهو ما جرى عليه دستور سنة 2012، الذي ألزمت المادتان (21 و23) منه الدولة بكفالة الملكية التعاونية، ورعاية التعاونيـــات بكل صـــورها، ودعمها، وكفالة استقلالهـــا. وقد نحا الدستور الحالي المنحى ذاته، فألزمت المادتان (27 و33) منه الدولة بكفالة الأنواع الثلاثة للملكية وحمايتها، ومن بينها الملكية التعاونية، واعتبرت ذلك أحد الأهداف التي يسعى النظام الاقتصادي إلى تحقيقها. ومن أجل ذلك حرصت المادة (37) منه على تأكيد صون الملكية التعاونية، والتزام الدولة برعاية التعاونيات بمختلف صورها، ووسعت من نطاق الحماية التي كفلها الدستور للمنشآت التعاونية لتشمل حمايتها ودعمها وضمان استقلالها واستمراريتها في أداء رسالتها.
وحيث إن المقرر في قضاء هذه المحكمة أن الأصل في النصوص القانونية هو ارتباطها بأهدافها، باعتبارها وسائل صاغها المشرع لتحقيقها؛ فمن ثم يتعين لاتفاق التنظيم التشريعي مع الدستور أن تتوافر علاقة منطقية بين الأغراض المشروعة التي اعتنقها المشرع في موضوع محدد، وفاءً لمصلحة عامة لها اعتبارها، وبين الوسائل التي انتهجها طريقًا لبلوغها، فلا تنفصل النصوص القانونية التي نظم بها المشرع هذا الموضوع عن أهدافها، بل يتعين أن تكون مدخلًا إليها.
وحيث إن الأصل في سلطة المشرع في مجال تنظيم الحقوق -وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة- أنها سلطة تقديرية، ما لم يقيد الدستور ممارستها بضوابط تحد من إطلاقها، وتكون تخومًــا لها لا يجوز اقتحامها أو تخطيها، وكان الدستور إذ يعهد بتنظيم موضوع معين إلى السلطة التشريعية فإن ما تقره من القواعد القانونية بصدده لا يجوز أن ينال من الحق محل الحماية الدستورية، سواءً بالنقض أو الانتقاص؛ ذلك أن إهدار الحقوق التي كفلها الدستور أو تهميشها يُعد عدوانًــا على مجالاتها الحيوية التي لا تتنفس إلا من خلالها، بما مؤداه أن تباشر السلطة التشريعية اختصاصاتها التقديرية -وفيما خلا القيود التي يفرضها الدستور عليها- بعيدًا عن الرقابة القضائية التي تمارسها المحكمة الدستورية العليا، فلا يجوز لها أن تزن بمعاييرها الذاتية السياسة التي انتهجها المشرع في موضوع معين، ولا أن تناقشها، أو تخوض في ملاءمة تطبيقها عملًا، ولا أن تنتحل للنص المطعون فيه أهدافًــا غير التي رمى المشرع إلى بلوغها، ولا أن تقيم خياراتها محل عمل السلطة التشريعية، بل يكفيها أن تمارس السلطة التشريعية اختصاصاتها تلك، مستلهمة في ذلك أغراضًــا يقتضيها الصالح العام، في شأن الموضوع محل التنظيم التشريعي، وأن تكون وسائلها إلى تحقيق الأغراض التي حددتها مرتبطة عقلًا بها.
وحيث إن المقرر في قضاء هذه المحكمة أنه يتعين تفسير النصوص التشريعية التي تنظم مسألة معينة بافتراض العمل بها في مجموعها، وأنها لا تتعارض أو تتهادم فيما بينها، وإنما تتكامل في إطار الوحدة العضوية التي تنتظمها من خلال التوفيق بين مجموع أحكامها، باعتبار أنها متآلفة فيما بينها، لا تتماحى معانيها، وإنما تتضافر توجهاتها، تحقيقًا للأغراض النهائية والمقاصد التي تجمعها؛ ذلك أن السياسة التشريعية لا يحققها إلا التطبيق المتكامل لتفاصيل أحكامها دون اجتزاء جزءٍ منها ليطبق دون الجزء الآخر؛ لما في ذلك من إهدار للغاية التي توخاها المشرع من ذلك التنظيم.
وحيث إن البين من استقراء نصوص قانون التعاون الاستهلاكي ومذكرته الإيضاحية، أنه تضمن -في الباب الأول منه- أحكامًا عامة أفصحت عن أن التعاون الاستهلاكي فرع من القطاع التعاوني، وأنه من القطاعات واجبة الحماية والضمان، وأن هدف التعاون الاستهلاكي يتحدد في العمل على توفير السلع والخدمات الاستهلاكية للأعضاء بمستوى الجودة الأعلى وسعر التكلفة الأقل، مع وجوب الالتزام بمبدأ ديمقراطية الإدارة وسائر المبادئ التعاونية المتعارف عليها دوليًّا وفى إطار الخطة العامة للدولة، من أجل تدعيم الاقتصاد القومي وتنمية المصالح المشتركة لأعضاء الجمعيات التعاونية الاستهلاكية، بحسبان تلك الجمعيات منظمات جماهيرية ديمقراطية، تتكون من المستهلكين للسلع والخدمات الاستهلاكية، تعمل على تحقيق مطالب أعضائها اقتصاديًّا واجتماعيًّا، وأن المشرع لدى تقنينه الملكية التعاونية -التي نص الدستور على قيامها إلى جانب الملكيتين العامة والخاصة- عرَّفها بأنها ملكية الجمعيات التعاونية باعتبارها شخصًا اعتباريًّا، يمثل كل المساهمين في الجمعية التعاونية في الماضي والحاضر والمستقبل، بحيث تظل صفة الملكية التعاونية لصيقة بالأموال التعاونية حتى بعد تصفية الجمعية وسداد قيمة ديونها، بما فيها أسهم الأعضاء التي تُؤدى في حدود ما يسمح به رصيد التصفية، وأن تؤول باقي أموال الجمعية واحتياطيها إلى الاتحاد التعاون المركزي لخدمة الحركة التعاونية العاملة في ذات النشاط، إضافة إلى امتيازات أخرى تشمل منحها أولوية على الأفراد في الحصول على القروض من بنوك القطاع العام، وتخصيص مبالغ سنوية بموازنة الدولة لإعانتها، وتخفيضات في أجور النقل، وإعفاءات عديد من الضرائب والرسوم، وكذا ما توفره الدولة من رقابة من خلال الجهاز المركزي للمحاسبات، الذي يتولى -دون مقابل- مراجعة حسابات الاتحاد التعاوني الاستهلاكي المركزي والاتحادات التعاونية الإقليمية والجمعيات التعاونية الاستهلاكية العامة، وغيره من أوجه الدعم والمساندة الاجتماعية التي تقدمها الدولة للجمعيات العاملة في مجال التعاون الاستهلاكي، ابتغاء تمكينها من مواصلة مهامها التي تضطلع بها وتحقيق أهدافها في خدمة المجتمع.
كما لم يغفل المشرع عن بسط رعايته لحقوق المساهمين الذاتية بتوزيع مكافأة عليهم من فائض الناتج عن نشاط الجمعية؛ بإقراره نسبة 15٪ من رأس المال بحد أقصى يحدده الاتحاد التعاوني المركزي بما لا يجاوز 6٪ من قيمة الأسهم، تخصص للأسهم التي انقضى على سداد قيمتها بالكامل سنة كاملة في نهاية السنة المالية، هذا فضلًا عن استفادة عضو الجمعية من حصوله على ما تقدمه من خدمات بأسعار التكلفة طوال مدة عضويته.
وحيث إنه ولئن كانت الملكية التعاونية تُعد إحدى صور الملكية الثلاث التي نص عليها الدستور فإنها تختلف عن الملكية العامة والملكية الخاصة، من حيث طبيعة كل منها؛ سواء شخص المالك في كلّ، أو أهدافه المبتغاة، أو وسائل تسيير المشروع؛ فالملكية التعاونية هي ملكية الجمعيات التعاونية التي تعمل في إطار التضامن الاجتماعي لا التنافس، بحسبانها تجمعًا طوعيًّا لأفراد، لا تجمُّعَ أموالٍ، وتضع مصلحة الفرد والجماعة – في آن واحد - في بؤرة اهتمامها ومركز عملها، وتقوم بوظائفها الاجتماعية من تلقاء نفسها خدمة لأعضائها وللمجتمع، بتوفير سلع وخدمات استهلاكية بجودة عالية وبسعر التكلفة، فضلًا عن تعزيز فرص العمل والمسئولية الذاتية الحرة للمواطنين، حرصًا على الصالح العام، وسعيًا لتحقيقه، وللنهوض بالاقتصاد والدخل القومي. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإن أموال الجمعيات التعاونية الاستهلاكية، وهي حصيلة المساهمات الاقتصادية الحرة الطوعية من أعضائها، تُعد أموالًا مملوكة لتلك الجمعيات بصفتها الاعتبارية، بما مفاده: أن تلك المساهمات المالية تخرج من الملكية الخاصة لأعضاء الجمعية، لتؤول إلى ملكية الجمعية بصفتها الاعتبارية، ومن ثم فإنها لا تنتمي إلى اقتصاد القطاع الخاص، ولا إلى الاقتصاد العام، وإنما هـــي عـــوان بين ذلك؛ إذ تنتمي إلى الاقتصاد التعاوني وسمته التضامن الذي لا يهدف –بحسب الأصل- إلى تحقيق الربح، بقدر ما يهدف إلى تعظيم المنافع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لجميع المساهمين، أي المصلحة العامة وترسيخ شعور الاعتماد على النفس لدى أعضاء الجمعية، والقضاء على الممارسات الاحتكارية، وتعميق روح الديمقراطية التشاركية والعمل من أجل خير الجماعة. متى كان ما تقدم، وكان اختيار المشرع – بموجب النصين المطعون فيهما - لقاعدة: "ألا تزيد حقوق عضو الجمعية عند انقضاء عضويته على استرداد قيمة أسهمه في رأس المال" –بما تتضمنه من صون الملكية الخاصة وتوازنها مع مقتضيات الملكية التعاونية- قد جاء حفاظًا على رأس مال الجمعية، وتمكينًا لها من أداء رسالتها واستمرارها في القيام بأغراضها وأنشطتها، فوق كونه من الوسائل التي قدر المشرع - مستندًا إلى أسس موضوعية - مناسبتها للحفاظ على الكيان التعاوني ذاته، وعلى رأس ماله، وطبيعته التعاونية الجماعية، وعدم تحويله إلى نظام استثماري أو خاص، يكون من بين تطلعات وأهداف مساهميه تحقيق الربح، ومن ثم يكون المشرع قد التزم الضوابط الدستورية الحاكمة لسلطته التقديرية في حماية كل من الملكية الخاصة والتعاونية، التي رددتها أحكام المواد (33 و35 و37) من الدستور.
وحيث إن النصين المطعون فيهما قد ترسما الضوابط التي تتوازن من خلالها علائق كل من الملكية التعاونية والملكية الخاصة، وجاءا كافلين لمصالح أطرافهما، وبما يحول دون تنافرها، ليُقيما تلك العلائق على قاعدتي التضامن الاجتماعي والعدالة الاجتماعية، اللتين أرستهما المادة (8) من الدستور، وهما بعد قاعدتان مؤداهما وحدة الجماعة في بنيانها واتساق توجهاتها، وتداخل مصالحها وتوافقها -لا تعارضها أو تنافرها- وإمكان التوفيق بينها ومزاوجتها ببعض عند تزاحمها، وكذلك اتصال أفرادها ببعض ليكون بعضهم لبعض ظهيرًا، وتعاونهم سعيًا لتقدم مجتمعهم، فلا يتفرقون بددًا، أو يتناحرون بغيًا، وهم بذلك شركاء في مسئوليتهم قبله، ولا ينال من الحقوق التي قررها الدستور وحدد تخومها، كما أنهما لا يُشكلان عدوانًا أو تسلطًا على الملكية الخاصة للعضو المنقضية عضويته، أو إخلالًا بخصائصها، أو بالأغراض التي توخاها الدستور من صونها، وهي بعد أغراض لا يُسقطها التضامن الاجتماعي أو يَجُبُّها، بل يشد عضدها ويدعمها، تقديرًا بأن هذا التضامن - في محتواه ومقاصده - لا يعدو أن يكون سلوكًا ومنهاجًا للعمل، يتخذ أشكالًا من التعاون يقيمها بين المواطنين، وصورًا من التراحم تكفل تقاربهم وتستنهض إيمانهم بوحدة مصالحهم، وتردهم جميعًا إلى كلمة سواء يتعايشون معها، فلا يتنازعون هضمًا للحقوق، بل يتناصفون لإرسائها، والتقيد بالحدود التي رسمها الدستور لممارستها، بضوابط العدالة الاجتماعية ومقتضيات التضامن الاجتماعي، مهتديًا بأحكام الدستور نصًّا وروحًا، وبما ليس فيه انتهاك لها أو خروج عليها؛ ومن ثم تنتفي عن النصين المطعون فيهما أية شبهة في العدوان على الملكية التعاونية أو على حقوق عضو الجمعية الذي زالت عضويته، ويضحى معه النعي بإخلالهما -وفقًا للنطاق المحدد سلفًا- بمتطلبات الحماية المقررة لكل من الملكية التعاونية والملكية الخاصة، ومبدأي العدل والعدالة الاجتماعية، التي حرص الدستور على توكيدها في المواد (17 و35 و37) منه، غير قائم على أساس سليم، حريًّا برفضه.
وحيث إن النصين المطعون فيهما لا يخالفان أحكام الدستور من أي وجه آخر، فإنه يتعين القضاء برفض الدعوى.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة برفض الدعوى، ومصادرة الكفالة، وألزمت المدعين المصروفات ومبلغ مائتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق