الصفحات

البحث الذكي داخل المدونة

تحميل وطباعة هذه الصفحة

Print Friendly and PDF

الثلاثاء، 13 أكتوبر 2026

الطعن 12625 لسنة 91 ق جلسة 2 / 5/ 2023 مكتب فني 74 ق 38 ص 404

 جلسة ۲ من مايو سنة ۲۰۲۳

برئاسة السيد القاضي / محمد سامي إبراهيم نائب رئيس المحكمة وعضوية السادة القضاة / هشام الجندي ومحمود إبراهيم داود نائبي رئيس المحكمة وسامح أبو العلا وتامر عباس .

--------------

(۳۸)

الطعن رقم ۱۲٦۲٥ لسنة ۹۱ القضائية

تلبس . محكمة الموضوع " سلطتها في تقدير حالة التلبس " . مرور . مواد مخدرة . قبض . تفتيش " التفتيش بغير إذن ". حكم " تسبيبه . تسبيب غير معيب".

إفلات مجرم من العقاب . لا يضير العدالة بقدر ما يضيرها الافتئات على حريات الناس والقبض عليهم بغير وجه حق .

التلبس . صفة تلازم الجريمة لا شخص مرتكبها . تقدير توافره . موضوعي . شرط ذلك ؟

وجود المطعون ضده بجوار دراجة بخارية بدون لوحات معدنية وعدم حمله رخصتي قيادة وتسيير . لا يوفر حالة التلبس . متى لم يضبط حال قيادتها . التعرّض له بالقبض والتفتيش وضبط المخدر بحوزته . إجراء باطل . التزام الحكم هذا النظر في قضائه بالبراءة . صحيح . علة وأساس ذلك ؟

مثال .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لما كان الحكم المطعون فيه بعد أن أورد أدلة الاتهام من شهادة الرائد / .... بأنه : ( وحال مروره بدائرة القسم على رأس قوة من الشرطة السريين لتفقد حالة الأمن وأثناء مروره بناحية .... شاهد المطعون ضده واقفاً على جانب الطريق وبجواره دراجة بخارية دون لوحات معدنية وممسكاً بكيس أسود اللون فاستوقفه لسؤاله عن سبب توقفه فلم يبد سبباً مقنعاً وبسؤاله عن تراخيص الدراجة البخارية وتحقيق شخصيته فأجابه بعدم حمله لها وبفض الكيس المتواجد معه عثر به على ثماني قطع كبيرة الحجم لمادة بنية ثبت أنها لمخدر الحشيش وبتفتيشه عثر معه على هاتف محمول وبمواجهته بما تم ضبطه أقر بإحرازه للمضبوطات بقصد الاتجار ) ، ومن تقرير المعمل الكيماوي الذي أثبت أن ما ضبط لمخدر الحشيش ، ثم عرض الحكم لدفع المطعون ضده ببطلان القبض والتفتيش وانتهى إلى صحة هذا الدفع لعدم توافر حالة التلبس بجناية أو جنحة تبيح القبض عليه ورتّب على ذلك بطلان تفتيشه وبطلان الدليل المستمد من هذا التفتيش وقضى ببراءته بعد أن استبعد الدليل المستمد مما قرره الضابط من أن المطعون ضده أقرّ له بإحراز المخدر . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أنه لا يضير العدالة إفلات مجرم من العقاب بقدر ما يضيرها الافتئات على حريات الناس والقبض عليهم بدون وجه حق ، وكان من المقرر أيضاً أن التلبس حالة تلازم الجريمة ذاتها لا شخص مرتكبها وأنه ولئن كان تقدير الظروف التي تلابس الجريمة وتحيط بها وتقدير كفايتها لقيام حالة التلبس أمراً موكولاً لتقدير محكمة الموضوع دون معقب إلا أن ذلك مشروطٌ بأن تكون الأسباب والاعتبارات التي بنت عليها المحكمة هذا التقدير صالحة لأن تؤدي إلى النتيجة التي انتهت إليها . لما كان ذلك ، وكانت المادتان ۳٤ ، ۳٥ من قانون الإجراءات الجنائية – المعدلتين بالقانون رقم ۳۷ لسنة ١٩٧۲ بشأن تعديل بعض النصوص المتعلقة بضمان حريات المواطنين في القوانين القائمة – لا تجيزان لمأمور الضبط القضائي أن يقبض على المتهم الحاضر إلا في أحوال التلبس بالجنايات والجنح المعاقب عليها بالحبس مدة تزيد على ثلاثة أشهر إذا وجدت دلائل كافية على اتهامه ، وقد خولته المادة ٤٦ من القانون ذاته تفتيش المتهم في الحالات التي يجوز فيها القبض عليه قانوناً أياً كان سبب القبض أو الغرض منه ، وكانت الواقعة كما أوردها الحكم – سواء في بيانه لواقعة الدعوى أو ما حصله من أقوال الضابط شاهد الإثبات – ليس فيها ما يدل على أن الجريمة المسندة للمطعون ضده شوهدت في حالة من حالات التلبس المبينة على سبيل الحصر بالمادة ٣٠ من قانون الإجراءات الجنائية ، ذلك أن مناط التأثيم في جرائم قيادة دراجة بخارية بدون حمل لوحات معدنية ودون الحصول على رخصتي تسيير وقيادة – والتي تبيح القبض على مرتكبها وتفتيشه عند توافر أركانها – هو فعل القيادة ، ومن ثم فإن مجرد وجود المطعون ضده بجانب الدراجة المُشار إليها – دون قيادتها – لا يتوفر به الركن المادي لهذه الجرائم ، وبالتالي فإن القبض على المطعون ضده يكون باطلاً ويبطل كذلك كل ما ترتب عليه تطبيقاً لقاعدة كل ما يترتب على الباطل فهو باطل ، وإذ كان الحكم المطعون فيه قد أثبت أن الضابط قد فتّش المطعون ضده لمجرد تواجده بجوار دراجة بخارية لا تحمل لوحات معدنية وبطلب رخصتي التسيير والقيادة لم يقدمها وانتهى إلى أن تلك الجريمة ليست من الجنايات ولا الجنح التي تبرر القبض والتفتيش ، فإنه يكون قد اقترن بالصواب فيما قضى به من براءة المطعون ضده استناداً إلى بطلان تفتيشه وبطلان الدليل المستمد منه ، ويضحى ما تثيره النيابة العامة في هذا الصدد غير سديد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الوقائع

اتهمت النيابة العامة المطعون ضده بأنه : /

- أحرز بقصد الاتجار جوهراً مخدراً ( حشيش ) في غير الأحوال المصرح بها قانوناً .

وأحالته إلى محكمة جنايات .... لمعاقبته طبقاً للقيد والوصف الواردين بأمر الإحالة .

والمحكمة المذكورة قضت حضورياً ببراءته مما أسند إليه ومصادرة المخدر المضبوط .

فطعنت النيابة العامة في هذا الحكم بطريق النقض .... إلخ .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المحكمة

من حيث إن النيابة العامة تنعى على الحكم المطعون فيه أنه إذ قضى ببراءة المطعون ضده من تهمة إحراز مخدر الحشيش بقصد الاتجار قد شابه الخطأ في تطبيق القانون ، والفساد في الاستدلال ، ذلك بأنه أسس البراءة على ما قال به من انتفاء حالة التلبس على الرغم أن الثابت بالأوراق أن المطعون ضده ارتكب جرائم قيادة دراجة بخارية دون لوحات معدنية ودون الحصول على رخصتي تسيير وقيادة مما يجيز لرجل الضبط القضائي طبقاً للمادتين ۱/۳٤ ، ٤٦ من قانون الإجراءات الجنائية القبض عليه وتفتيشه ويصح به الإجراء الذي قضى الحكم ببطلانه وبطلان الدليل الذي كشف عنه ، ومن ثم فإن الحكم يكون معيباً بما يوجب نقضه .

ومن حيث إن الحكم المطعون فيه بعد أن أورد أدلة الاتهام من شهادة الرائد / .... بأنه : ( وحال مروره بدائرة القسم على رأس قوة من الشرطة السريين لتفقد حالة الأمن وأثناء مروره بناحية .... شاهد المطعون ضده واقفاً على جانب الطريق وبجواره دراجة بخارية دون لوحات معدنية وممسكاً بكيس أسود اللون فاستوقفه لسؤاله عن سبب توقفه فلم يبد سبباً مقنعاً وبسؤاله عن تراخيص الدراجة البخارية وتحقيق شخصيته فأجابه بعدم حمله لها وبفض الكيس المتواجد معه عثر به على ثماني قطع كبيرة الحجم لمادة بنية ثبت أنها لمخدر الحشيش وبتفتيشه عثر معه على هاتف محمول وبمواجهته بما تم ضبطه أقر بإحرازه للمضبوطات بقصد الاتجار ) ، ومن تقرير المعمل الكيماوي الذي أثبت أن ما ضبط لمخدر الحشيش ، ثم عرض الحكم لدفع المطعون ضده ببطلان القبض والتفتيش وانتهى إلى صحة هذا الدفع لعدم توافر حالة التلبس بجناية أو جنحة تبيح القبض عليه ورتّب على ذلك بطلان تفتيشه وبطلان الدليل المستمد من هذا التفتيش وقضى ببراءته بعد أن استبعد الدليل المستمد مما قرره الضابط من أن المطعون ضده أقرّ له بإحراز المخدر . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أنه لا يضير العدالة إفلات مجرم من العقاب بقدر ما يضيرها الافتئات على حريات الناس والقبض عليهم بدون وجه حق ، وكان من المقرر أيضاً أن التلبس حالة تلازم الجريمة ذاتها لا شخص مرتكبها وأنه ولئن كان تقدير الظروف التي تلابس الجريمة وتحيط بها وتقدير كفايتها لقيام حالة التلبس أمراً موكولاً لتقدير محكمة الموضوع دون معقب إلا أن ذلك مشروطٌ بأن تكون الأسباب والاعتبارات التي بنت عليها المحكمة هذا التقدير صالحة لأن تؤدي إلى النتيجة التي انتهت إليها . لما كان ذلك ، وكانت المادتان ۳٤ ، ۳٥ من قانون الإجراءات الجنائية – المعدلتين بالقانون رقم ۳۷ لسنة ١٩٧۲ بشأن تعديل بعض النصوص المتعلقة بضمان حريات المواطنين في القوانين القائمة – لا تجيزان لمأمور الضبط القضائي أن يقبض على المتهم الحاضر إلا في أحوال التلبس بالجنايات والجنح المعاقب عليها بالحبس مدة تزيد على ثلاثة أشهر إذا وجدت دلائل كافية على اتهامه ، وقد خولته المادة ٤٦ من القانون ذاته تفتيش المتهم في الحالات التي يجوز فيها القبض عليه قانوناً أياً كان سبب القبض أو الغرض منه ، وكانت الواقعة كما أوردها الحكم – سواء في بيانه لواقعة الدعوى أو ما حصله من أقوال الضابط شاهد الإثبات – ليس فيها ما يدل على أن الجريمة المسندة للمطعون ضده شوهدت في حالة من حالات التلبس المبينة على سبيل الحصر بالمادة ٣٠ من قانون الإجراءات الجنائية ، ذلك أن مناط التأثيم في جرائم قيادة دراجة بخارية بدون حمل لوحات معدنية ودون الحصول على رخصتي تسيير وقيادة – والتي تبيح القبض على مرتكبها وتفتيشه عند توافر أركانها – هو فعل القيادة ، ومن ثم فإن مجرد وجود المطعون ضده بجانب الدراجة المُشار إليها – دون قيادتها – لا يتوفر به الركن المادي لهذه الجرائم ، وبالتالي فإن القبض على المطعون ضده يكون باطلاً ويبطل كذلك كل ما ترتب عليه تطبيقاً لقاعدة كل ما يترتب على الباطل فهو باطل ، وإذ كان الحكم المطعون فيه قد أثبت أن الضابط قد فتّش المطعون ضده لمجرد تواجده بجوار دراجة بخارية لا تحمل لوحات معدنية وبطلب رخصتي التسيير والقيادة لم يقدمها وانتهى إلى أن تلك الجريمة ليست من الجنايات ولا الجنح التي تبرر القبض والتفتيش ، فإنه يكون قد اقترن بالصواب فيما قضى به من براءة المطعون ضده استناداً إلى بطلان تفتيشه وبطلان الدليل المستمد منه ، ويضحى ما تثيره النيابة العامة في هذا الصدد غير سديد . لما كان ما تقدم ، فإن الطعن يكون على غير أساس متعيناً رفضه موضوعاً .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مدى وجوب العدة على المرأة المختلعة قبل الدخول وبعد الخلوة الصحيحة

تاريخ الفتوى: 15 مارس 2025 م

رقم الفتوى: 8596

من فتاوى: فضيلة أ. د/ نظير محمد عياد - مفتي الجمهورية

التصنيف: الخلع

مدى وجوب العدة على المرأة المختلعة قبل الدخول وبعد الخلوة الصحيحة

السؤال:

هل تجب العدة على المرأة المختلعة قبل الدخول وبعد الخلوة الصحيحة؟ فقد عَقَد رجلٌ على امرأة عقد زواج صحيحًا ولم يَدخُل بها، إلَّا أنه حصلت بينهما خلوة شرعية صحيحة، ثم رفعت المرأة قضية خُلْعٍ على هذا الزوج، وتسأل: هل عليَّ عدة بعد هذا الخلع؟


الجواب:

الفرقة الحاصلة بالخلع في العقد الصحيح بعد الخلوة الصحيحة -تعتبر طلاقًا بائنًا، وتوجب العدة على المرأة المختلعة كما توجبها على المطلقة المدخول بها، وهي ثلاثُ حيضاتٍ لِمَن تَحِيض، وثلاثةُ أشهُرٍ للتي لم تحض واليائس التي تَجاوَزَت سِنَّ الحيض وانقطع حيضها، فإذا انقضت عدتها حلَّ لها الزواج.


بيان المراد بالعدة الواجبة شرعًا

العدة هي مدة زمنية وضعها الشرع الشريف للتَّعرُّف على براءة رحم المرأة عند زوال عقد النكاح أو شبهته، سواء بالوفاة أو بحدوث فُرقة من فُرق النكاح، كالخلع، تلتزم فيها المرأة بالمكوث دون زواج حتى تنقضي تلك المدة.


قال العلَّامة فخر الدين الزيلعي في "تبيين الحقائق" (3/ 26، ط. المطبعة الكبرى الأميرية) في تعريف العدة: [(هي تربص يلزم المرأة)، أي: العدة عبارة عن التربص الذي يلزم المرأة عند زوال النكاح أو شبهته] اهـ.


هل يعتبر الخلع طلاقًا؟

الفرقة الحاصلة بين الزوجين بسبب الخلع تعتبر طلاقًا بائنًا على المعمول به إفتاءً وقضاءً، وهو مذهب جمهور العلماء من الحنفية، والمالكية، والقول الجديد عند الشافعية.


قال الإمام شمس الأئمة السرخسي الحنفي في "المبسوط" (6/ 171-172، ط. دار المعرفة): [إذا اختلعت المرأة مِن زوجها فالخلع جائز، والخلع تطليقة بائنة عندنا] اهـ.


وقال الإمام ابن عبد البر المالكي في "الكافي" (2/ 593، ط. مكتبة الرياض الحديثة): [الخلع ليس بفسخٍ عند مالك، وإنما هو طلاق بائن] اهـ.


وقال الإمام محيي الدين النووي الشافعي في "الروضة" (7/ 375، ط. المكتب الإسلامي): [وإن لم يجز إلَّا لفظ الخلع فقولان، الجديد: أنَّه طلاق يَـنقُص به العَدَد] اهـ.


ويدل على أَنَّ الخلع طلاق بائن قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: 229].


ثم قال تعالى بعد هذه الآية: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230]، "فلما ذُكِر الخلع بَيْن طلاقين عُلِم أنَّه ملحق بهما"، كما في "الحاوي" لأبي الحسن الماوردي (10/ 9، ط. دار الكتب العلمية).


كما أنَّ العموم الوارد في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228] يدل على عدم التفرقة بين الخلع والطلاق، وهذا يقتضي أن يكون الخلع طلاقًا، كما قَرَّره الإمام أبو بكر الجَصَّاص في "شرح مختصر الطحاوي" (4/ 459، ط. دار البشائر الإسلامية).


وقد سَمَّى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الخلع طلاقًا، فإنه لما أرادت امرأة ثابت بن قيس أن تفارق زوجها قال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟»، قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّم: «اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً» رواه البخاري.


موقف القانون المصري من اعتبار الخلع طلاقًا

قد سار قانون الأحوال الشخصية المصري على رأي الجمهور، فنَصَّ في المادة 20 مِن القانون رقم 1 لسنة 2000م على أنه: [يقع بالخلع في جميع الأحوال طلاق بائن] اهـ.


ومعنى كون الخلع طلاقًا بائنًا أَنَّ الخلع يترتب عليه ما يترتب على الطلاق من أحكام.


حكم العدة للمرأة إذا طُلِّقت بعد العقد وقبل الدخول والخلوة

قد اتفق الفقهاء على أنَّه إذا طُلِّقت المرأة بعد العقد وقبل الدخول والخلوة فإنه لا عِدَّة عليها، قال الإمام أبو بكر ابن المنذر في "الإجماع" (ص: 94، ط. دار الآثار): [وأجمعوا على أنَّه من طَلَّق زوجته، ولم يدخل بها: طلقة، أنها قد بانت منه، ولا تحل إلا بنكاح جديد، ولا عدة له عليها] اهـ.


حكم العدة للمرأة إذا طُلِّقت قبل الدخول وبعد الخلوة الصحيحة

ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة -وهو قول الإمام الشافعي في القديم- إلى وجوب العدة إذا طُلِّقت المرأة قبل الدخول وبعد الخلوة الصحيحة باجتماعهما في مكان آمن مِن اطلاع الغير عليهما بغير إذنهما، وكان الزوج متمكِّنًا من الوطء بلا مانع حسيٍّ أو طَبْعيٍّ أو شرعيٍّ؛ "لأنَّ الخلوة الصحيحة إنما أقيمت مقام الدخول في وجوب العدة مع أنها ليست بدخول حقيقة؛ لكونها سببًا مفضيًا إليه، فأقيمت مقامه احتياطًا، إقامة للسَّبَب مقام الـمُسَبَّب فيما يحتاط فيه"، كما ذَكَر الإمام علاء الدين الكاساني في "بدائع الصنائع" (3/ 191، ط. دار الكتب العلمية)، والاحتياط في باب الفروج واجب.


قال الإمام السرخسي الحنفي في "المبسوط" (5/ 148- 149): [والخلوة بين الزوجين البالغين المسلمين وراء سترٍ أو بابٍ مُغلَق يوجب المهر والعدة عندنا] اهـ.


وقال الإمام ابن جُزَي المالكي في "القوانين الفقهية" (ص: 400، ط. دار ابن حزم): [وإن طَلَّقها بعد الخلوة واتفقا على عدم المسيس، فالعدة واجبة] اهـ.


وقال العلامة الخطيب الشربيني الشافعي في "مغني المحتاج" (3/ 384، ط. دار الفكر): [و(لا) تجب العدة (بخلوةٍ) مُجرَّدة عن وطءٍ (في الجديد)... والقديم: تقام مقام الوطء] اهـ.


وقال الإمام الموفَّق ابن قدامة الحنبلي في "المغني" (11/ 197، ط. دار عالم الكتب): [العدة تجب على كل من خلا بها زوجها وإن لم يمسها، ولا خلاف بين أهل العلم في وجوبها على المطلقة بعد المسيس، فأما إن خلا بها ولم يصبها، ثم طلقها، فإن مذهب أحمد وجوب العدة عليها، وروى ذلك عن الخلفاء الراشدين، وزيد، وابن عمر، وبه قال عروة، وعلي بن الحسين، وعطاء، والزهري، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي، والشافعي في قديم قوله] اهـ.

موقف القانون المصري من عدة المختلعة قبل الدخول وبعد الخلوة الصحيحة

كما نَصَّت المادة الثالثة من موادِّ الإصدار للقانون رقم 1 لسنة 2000م على أنه: [تَصْدُرُ الأحكامُ طِبْقًا لِقوانين الأحوال الشخصية والوقف المَعمُول بها، ويُعمَلُ فيما لم يَرِدْ بشأنه نَصٌّ في تلك القوانين بِأرجَحِ الأقوال مِن مَذهب الإمام أبي حَنيفة] اهـ. وأرجح الأقوال مِن مَذهب الإمام أبي حنيفة وجوب العدة بالخلوة الصحيحة، وهذا يَقتضي أنَّ عِدَّةَ المختلعة من عقد زواج صحيح بعد خلوة صحيحة هي نفس عدة المطلقة.

والذي عليه العمل في الديار المصرية إفتاءً وقضاءً أنَّ عدة المرأة المطلقة ثلاثُ حيضاتٍ لِـمَن كانت تَحِيض، وثلاثةُ أشهُرٍ للتي لم تحض واليائس التي تَجاوَزَت سِنَّ الحيض وانقطع حيضها؛ لقول الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228]، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: 4].

الخلاصة

بناء عليه وفي واقعة السؤل: فإنَّ الفرقة الحاصلة بالخلع في العقد الصحيح بعد الخلوة الصحيحة -تعتبر طلاقًا بائنًا، وتوجب العدة على المرأة المختلعة كما توجبها على المطلقة المدخول بها، وهي ثلاثُ حيضاتٍ لِمَن تَحِيض، وثلاثةُ أشهُرٍ للتي لم تحض واليائس التي تَجاوَزَت سِنَّ الحيض وانقطع حيضها، فإذا انقضت عدتها حلَّ لها الزواج.


والله سبحانه وتعالى أعلم.

كفالة ذكر وأنثى معًا (الأسر البديلة)

تاريخ الفتوى: 19 يناير 2017 م

رقم الفتوى: 3780

من فتاوى: الأستاذ الدكتور / شوقي إبراهيم علام

التصنيف: الحضانة

كفالة ذكر وأنثى معًا

السؤال:

ما حكم كفالة ذكر وأنثى معًا؟ فإن اللجنة العليا للأسر البديلة المشكَّلة بقرار وزارة التضامن الاجتماعي، تشكر لمعاليكم جهودكم الكبيرة في خدمة المجتمع المصري، وخاصة في مجال دعم الأسر البديلة، واللجنة في هذا الإطار ت توجه لفضيلتكم بالاستفتاء في مسألة شائكة تتعلق بحالات كثيرة ترد إلى اللجنة وتطلب فيها الأسرة الكافلة رعاية طفلين من جنسين مختلفين: ذكر، وأنثى. فما الحكم الشرعي الخاص بكفالة طفلين من نوعين مختلفين، والضوابط الشرعية لذلك؟


بيان فضل كفالة اليتيم

حَثَّ الإسـلام على كفالة اليتيم وتَرْبِيَتِهِ والإحسان إليه والقيام بأمره ومَصَالِحِهِ، حَتَّى جَعَلَ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم كافلَ اليتيم معه في الجنة؛ فقال: «أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ كَهَاتَيْنِ فِي الجَنَّةِ» وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى. رواه البخاري في "صحيحه"، وفي رواية مُسلِمٍ في "صحيحه": «أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ فِي الْجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ»، وأَوجَب الجنةَ لِمَن شارَكَ اليتيم في طعامه وشرابه؛ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ ضَمَّ يَتِيمًا بَيْنَ أَبَوَيْنِ مُسْلِمَيْنِ إِلَى طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ حَتَّى يَسْتَغْنِيَ عَنْهُ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، الْبَتَّةَ» رواه الإمام أحمد في "المسند"، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «إنَّ أَحَبَّ البيوتِ إلى الله بَيتٌ فيه يتيمٌ مُكرَمٌ»، رواه الإمام الطبراني مِن حديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم: «السَّاعِي عَلَى الأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ»، وَأَحْسِبُهُ قَالَ: «وكَالْقَائِمِ لَا يَفْتُرُ، وَكَالصَّائِمِ لَا يُفْطِر» متفقٌ عليه.

وإذا كان هذا ثوابَ كافل طفل واحد، فإن الثواب يتضاعف كلَّما زاد عدد المكفولين، فإذا كان المكفولون إخوة من النسب أو الرضاعة نال الكافل بذلك أجر الكفالة وأجر وصل رحمهما وتقوية الرابطة التي جعلها الله بينهما.


بيان الضوابط التي وضعها الشرع الشريف لكفالة الأيتام

قد ضبط الشرع الشريف الكفالة بضوابط شرعية تدور في مُجملها بين مُراعاة الأحكام في تحريم الخلوة بالأجنبي، وتوفير الجو الأسري الذي يُؤمن فيه على دين المكفول ودنياه.

والأصل أن المكفول أجنبيٌّ عن كافله وزوجه وأصولهما وفروعهما، وهو أجنبيٌّ أيضًا عن المكفول الآخر معه؛ ذكرًا كان أم أنثى، ومن ثَمَّ فإن أحكام المحرمية التي بين المحارم لا تجري هنا إلا إذا رضع المكفول، رضاعًا محرِّمًا، في سن الرضاع، ممن يثبت برضاعه منه علاقةُ المحرمية بين الكافلين؛ كزوجة الكافل أو أمها أو بنتها.

وكفالة طفلين من جنسين مختلفين في مكان واحد لا تخلو من أن تكون إلى سن بلوغ المكفول، أو يراد لها أن تستمر لِمَا بعد البلوغ.


بيان الضوابط الشرعية الواجب مراعاتها إذا كانت كفالة الطفلين إلى سن البلوغ

إن كانت الكفالة إلى سن البلوغ فقط: فإن المكفولَيْن يُعامَلان كالمحارم في شأن العورات والخلوة والاختلاط، مع بعضهما ومع كافِلَيْهما؛ وذلك لصغرهما والحاجة إلى رعايتهما، مع التقيد بالأحكام الشرعية التي نظَّم الإسلام بها علاقة المحارم ومن في حكمهم؛ من وجوب ستر العورات التي أوجب الشرع سترها، والاستئذان عند الدخول، ومع مراعاة الآداب المرعية؛ من التفريق بينهم في المضاجع، والتراتيب الإجرائية التي تكفل لهما الأمن الأخلاقي؛ كخصوصية أماكن ملبسهما، ومراعاة آثار التغيرات الجسدية والنفسية لهما قبيل سن البلوغ، وغير ذلك من آداب التربية بين الأطفال والمميزين من الجنسين المختلفين.


بيان الضوابط الشرعية الواجب مراعاتها إذا كانت كفالة الطفلين إلى ما بعد سن البلوغ

أما إذا كانت الكفالة مستمرة لِمَا بعد البلوغ: فذلك لا يخلو من حالتين:

فإن أمكن رضاعُ المكفولَيْن ممن يثبت برضاعه منه علاقةُ المحرمية بينهما من جهة، وبينهما وبين الكافِلَيْن من جهة أخرى؛ كزوجة الكافل أو أمها أو بنتها: فذلك أَوْلَى؛ ليكونا من محارم الأسرة الكافلة، حتى لا يكون هناك حَرَجٌ عند البلوغ أو بعده، فيصبح المكفولان أخوَيْن لبعضهما وولدَيْنِ لكافلَيْهما، ويُخبَران بذلك؛ فإن الرضاعة تحرِّمُ ما تُحرِّمُه الولادة، وذلك بالشروط المقررة شرعًا للرضاعة المُحَرِّمة؛ وهي أن تكون الرضعات خَمْسًا مُتَفَرِّقَاتٍ -على المختار للفتوى والمعمول به في الديار المصرية-، وأن يكون الرضاع في الحولين؛ كما عليه جمهور الفقهاء، ورخَّص المالكية في زيادة شهر أو شهرين على الحولين، وجعله الإمام أبو حنيفة عامين ونصفًا؛ حيث حمل قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: 15] على كون جميع المذكور مدةً لكلٍّ منهما على حدة لا على مجموع الْمُدَّتين، وقَدَّرَه صاحبُه الإمام زُفَرُ بثلاثة أعوام، ولا مانع من الأخذ بهذه الأقوال عند الحاجة إلى ذلك.

أما إذا لم يكن الرضاع متيسرًا: فلا بد من التقيد بالضوابط الشرعية واتِّخاذ الإجراءات المعيشية التي تحفظ المكفولَيْن وكافلَيْهما وأولادهما حتى تمكن كفالتهما مع أسرة واحدة؛ بأن يُوَفَّر لهما العيش في مكان يُؤمَنُ فيه عليهما من الخلوة المحرَّمة؛ بين أحدهما والآخر من جهة، وبين كل واحد منهما وغيره من أفراد عائلة الأسرة الكافلة.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

حكم سقوط الحضانة عن الأم بزواجها

تاريخ الفتوى: 02 ديسمبر 1896 م

رقم الفتوى: 2584

من فتاوى: فضيلة الشيخ حسونة النواوي

التصنيف: الحضانة

حكم سقوط الحضانة عن الأم بزواجها

السؤال:

هل تسقط الحضانة عن الأم إذا تزوجت أجنبيًّا عن المحضون؟ ولمن تكون الحضانة بعدها إذا سقطت حضانتها؟ وهل للحاضنة دون الأم التغيب بالولد بدون إذن أبيه؟


الجواب:

الذي يقتضيه الحكم الشرعي أنه إذا تزوجت الأم الحاضنة أجنبيًّا من الصغير يسقط حقها في الحضانة، وتكون الحضانة بعدها لأمها وإن علت حيث كانت صالحة للحضانة، قادرة عليها، لم يقم بها مانع، ثم لأم الأب كذلك، وليس لغير الأم من الحاضنات نقله من بلد الأب إلى بلدة أخرى بدون إذن أبيه ورضاه إذا تفاوت البَلَدان.


والله سبحانه وتعالى أعلم.

حكم اختيار جنس الجنين في عملية الحقن المجهري

تاريخ الفتوى: 29 سبتمبر 2007 م

رقم الفتوى: 7248

من فتاوى: فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة محمد

التصنيف: الطب والتداوي

حكم اختيار جنس الجنين في عملية الحقن المجهري

السؤال:

قال السائل: برجاء إفادتنا حول اختيار جنس الجنين عند نقل الأجنة أثناء عمل الحَقن المِجهري، فأحيانًا يطلب المريض نقل الأجنة الذكور فقط مثلًا، فهل هذا جائز شرعًا بناءً على رغبة المريض فقط، أو يكون في حالة الضرورة فقط؛ كأن يكون هناك مرض وراثي ينتقل إلى الإناث دون الذكور مثلًا فيتم نقل الأجنة الذكور فقط وهكذا؟


الجواب:

لا مانع من نقل ذكور الأجنة دون إناثها حسب رغبة الزوجين، ولكن بشرط ألا يكون في التقنية المستخدمة ما يضرّ بالمولود في قابل أيامه ومستقبله، وهذا مَرَدُّه لأهل الاختصاص، هذا على المستوى الشخصي؛ فإن أصبح ذلك ظاهرةً عامةً فإنه لا يجوز ذلك؛ لأن الأمر سيتعلق حينئذٍ باختلال التوازن الطبيعي الذي أوجده الله تعالى، وباضطراب التعادل العددي بين الذكر والأنثى الذي هو عامل مهم من عوامل استمرار التناسل البشري، وتصبح المسألة نوعًا من الاعتراض على الله تعالى في خلقه بمحاولة تغيير نظامه وخلخلة بنيانه وتقويض أسبابه التي أقام عليها حياة البشر.

خلق الله تعالى الإنسان خلقًا متوازنًا؛ فجعله زوجين: ذكرًا وأنثى، وميَّز كلًا منهما بخصائص تتناسب مع الوظائف التي أقامه فيها، وبيّن أن هذه هي طبيعة الخلق التي تقتضي استمراره؛ فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ۝ مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾ [النجم: 45-46]، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: 49]، وهذا التنوع في الخلق والتوازن في الطبيعة هو ما اقتضته حكمة الله تعالى العليم بكل شيء والقدير على كل شيء: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ ۝ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: 49-50].


وعندما نتناول مسألة كمسألة تحديد نوع الجنين فإننا نعالجها على مستويين مختلفين:


فإذا عالجناها على المستوى الفردي فالأصل في الأشياء الإباحة؛ لأن الإنسان يمكنه أن يتزوج أو لا يتزوج، وإذا تزوج فيمكنه أن ينجب أو لا ينجب، وإذا أنجب فيمكنه أن ينظم النسل أو لا ينظمه، كلٌّ حسب ظروفه وأحواله، وكما يجوز للإنسان أن يعمل على زيادة نسبة اختيار نوع الجنين بما ينصح به المختصون في ذلك -من اختيار نوع الغذاء، أو توقيت الجماع قبل التبويض أو أثناءه، أو غربلة الحيوانات المنوية، أو غير ذلك من الأساليب التي يعرفها أهلها- فكذلك يجوز التعامل المجهري مع الكروموسومات والمادة الوراثية -DNA- لنفس الغرض؛ إذ ليس في الشرع ما يمنع من ذلك على المستوى الفردي، ولكن كل هذا بشرط ألا يكون في التقنية المستخدمة ما يضرّ بالمولود في قابل أيامه ومستقبله، وهذا مَرَدُّه لأهل الاختصاص؛ فلا يُقبَل أن يكون الإنسان محلًّا للتجارب، ومحطًّا للتلاعب.

أما إذا عالجناها على مستوى الأمة فالأمر يختلف؛ لأن الأمر سيتعلق حينئذٍ باختلال التوازن الطبيعي الذي أوجده الله تعالى، وباضطراب التعادل العددي بين الذكر والأنثى الذي هو عامل مهم من عوامل استمرار التناسل البشري، وتصبح المسألة نوعًا من الاعتراض على الله تعالى في خلقه بمحاولة تغيير نظامه وخلخلة بنيانه وتقويض أسبابه التي أقام عليها حياة البشر؛ ذلك أن هناك فارقًا في الحكم بين تحديد نوع الجنين على المستوى الشخصي وعلى المستوى الجماعي؛ وذلك بناءً على ما هو مقرَّر شرعًا من اختلاف الفتوى باختلاف تعلق الحكم بالفرد وتعلقه بالأمة، وهذا نجده كثيرًا في كتب الفقه من مثل قتال أهل البلدة إذا امتنعوا عن أداء سنة الفجر أو الأذان مع جواز ترك ذلك على المستوى الفردي الشخصي.

وبناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فلا مانع من نقل ذكور الأجنة دون إناثها حسب رغبة الزوجين، ما لم يشكل اختيار أحد الجنسين ظاهرة عامة.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

حكم ختان الإناث في الشريعة الإسلامية

تاريخ الفتوى: 10 نوفمبر 2021 م

رقم الفتوى: 5832

من فتاوى: الأستاذ الدكتور / شوقي إبراهيم علام

التصنيف: القصاص والديات

حكم ختان الإناث في الشريعة الإسلامية

السؤال:

ما رأي الشريعة الإسلامية في ختان الإناث؟


الجواب:

ختان الإناث لا مُوجب له من الشرع الشريف، وكل ما ورد فيه من أحاديث إنما دلت على تقييده بُغية الوصول إلى منعه، وبيان عظيم شره، والتحذير من انتهاك جسد المرأة بهذه العادة، في سياقٍ يؤكد عدم جواز الادعاء بأن فعلها عبادة، بل هو سقف معرفي وصل إليه العقل البشري حينذاك، فإذا ما ارتفع هذا السقف المعرفي، وتغيرت أحوال الناس واختلفت البيئات، لزم أن يتغير الحكم، وهذا ما أقره الشرع في قواعده، وتواردت نصوصه على أن الأحكام المترتبة على العادات تتغير بتغيرها.


وقد تقرر شرعًا أنه "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ"، وثبت ما في هذا الفعل من ضررٍ حسيٍّ ومعنويٍّ، يلحق بالأنثى على المستوى الشخصيّ والأسريّ، دون فائدة مرجوة، تعود عليها أو على زوجها، بل هو عكس ذلك؛ يُورِد المهالك، ويَنهَك المسالك، ويُذهِب كمال الانتفاع؛ فوجب لأجْل ذلك القول بتحريمه، واعتباره جريمة، على ما جرت به قواعد الشريعة الإسلاميـة، ومقاصدهـــا الـمرعية.


بيان شمولية المنهج الإسلامي في التوفيق بين العقل والنقل

مِن شمولية المنهج الإسلامي التوافقُ التام بين مصادر المعرفة التي منَّ بها الله تعالى على عباده؛ من الحس والعقل والنقل. وبينما اختص الحس والعقل بعالم الوجود والخلق (الكتاب المنظور) اختص النقل بعالم الغيب والأمر (الكتاب المسطور)، ومع اختلاف العالَمَين في الجهة التي يُتَوصل بها إلى المعرفة إلا إن كليهما صادر عن الله تعالى، فَلَزِمَ عن ذلك تمامُ الاتساق والتكامل بلا أدنى اختلافٍ أو تناقضٍ بين ما لِعَالَمِ الخلْق من قوانين وأحكامٍ وَصَلَ إليها الإنسان بعقله وحواسِّه إذا التزم بالمنهج العلمي الصحيح، وبين ما لِعَالَمِ الأمر من تشريعاتٍ أو إلزاماتٍ جاء بها الوحي الشريف؛ قال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: 54].

قال الإمام الرازي في "مفاتيح الغيب" (32/ 367، ط. دار إحياء التراث العربي): [عالم الْـمُمْكِنَات على قسمين: عالم الأمر، وعالم الخلق؛ على ما قال: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾، وعالم الأمر: كله خيرات محضة بريئة عن الشرور والآفات، أما عالم الخلق: وهو عالم الأجسام والجسمانيات.. وإنما سُمِّي عالَمُ الأجسام والجسمانيات بعالَمِ الخلْق: لأن الخلق هو التقدير، والمقدار من لواحق الجسم] اهـ.

وإذا كانت حقيقة الوحي أنه كتاب الله تعالى المسطور بين السطور، وحقيقة الخلق بما فيه من آيات بينات هو كتاب الله المنظور بالعقل والحواس والعيون؛ فإنهما بذلك يصيران مترابطين يؤيد كلٌّ منهما الآخر ولا يعارضه؛ قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82].

بيان المقصود بختان الإناث

ختان الإناث مسألة طبية يُنظر إليها من جانب الوجود؛ لارتباطه بصحة المرأة الجسدية والنفسية، وجانب الوحي فيها لم يَرِد إلا على جهة تنظيمه وبيان ماهيَّتِهِ تخفيفًا لِبَلْوَتِهِ، لا الأمرِ بِهِ أو استحسان صَنعَتِهِ:

- فأما جانب الوجود المنظور: فختان الأنثى هو إجراء يتعلق بجسدها الذي أوجب الله تعالى رعايته والحفاظ عليه؛ فقال تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36]؛ وأباح من أجل ذلك كل ما يضمن سلامته؛ كالاغتذاء والتداوي، وحرم كل ما يؤول إلى تضرره؛ كالتغيير فيه أو الإيلام من غير ضرورة أو حاجة تنزل منزلتها.

وإذا كانت عملية الختان عبارة عن قطعٍ كلي أو جزئي أو شقٍّ لجزءٍ من جسد المرأة هو منها بمثابة عضوٍ له وظيفته؛ فإنه يلزم لإجرائها الرجوع إلى ما يقرره أهل الطب المختصون، باعتبارهم أهل الذكر والخبراء فيما يتعلق بصحة الجسد البشري والتعامل فيه، لا إلى مجرد أقوال أو عادات توارثتها الأجيال جيلًا عن جيل دون مراعاة لمدى تغير وتطور السقف المعرفي وفقًا لتطور العلوم ووسائلها، حتى يصح القطع بأنه إذا علمت الأجيال السابقة ما كشف عنه العلم الحديث في كثير من المسائل لقالوا بما قال به بلا أدنى شك؛ ذلك أن الشريعة المحكَمة أناطت المعرفة الصحيحة بالرجوع إلى أهلها، فلا يسوغ في هذا الأمر إلا سؤالُهُم؛ كما قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]، واستطلاعُ الآثار المترتبة، والوقوفُ على الأضرار أو المنافع المتوقَّعة بإنبائهم؛ بما خُوِّل لهم في هذا المجال ما لم يُخَوَّل لغيرهم، من خلال دراستهم وممارستهم وخبرتهم؛ كما قال سبحانه: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: 14].

والإنباء بالشيء أخص من الإخبار به؛ إذ يتضمن كون المخبر به قد بَلَغَ في صدقه ومطابقته للواقع ما يصل به إلى رتبة العلم أو غلبة الظن، بما لا يدع مجالًا للتشكيك فيه أو تخطئته، ومنه اشتُقَّ اسم "نبي"؛ لأنه مخبر عن الله تعالى بحقائق لا مجال للتشكيك فيها، وعلى ذلك كان المُنْبِئُ هو الخبير بحقائق الأشياء.

قال العلامة عبد القادر البغدادي [ت:1903هـ] في "خزانة الأدب" (1/ 270، ط. مكتبة الخانجي): [قال الراغب: النبأ: خبرٌ ذو فائدة عظيمة يحصل به علمٌ أو غلبةُ ظنٍّ، ولا يقال للخبر في الأصل نبأ حتى يتضمن هذه الأشياء الثلاثة، وحقه أن يتعرى عن الكذب كالتواتر وخبر الله وخبر الرسول، ولتضمن النبأ معنى الخبر؛ يقال: أنبأته بكذا أخبرته به، ولتضمنه معنى العلم؛ قيل: أنبأته كذا كقولك علَّمته كذا] اهـ.

وقال العلامة صدر الدين بن معصوم الشيرازي في "الطراز الأول والكناز لما عليه من لغة العرب المعول" (1/ 204، ط. مؤسسة آل البيت): [النَّبَأُ، كسَبَبٍ: الخَبَرُ، أو ما تضمّنَ منه عظيم فائدةٍ وأفادَ علمًا أو غلبةَ ظنٍّ، فهو أخصُّ من الخبرِ] اهـ.

وكما هو مستفاد من صياغة الآية الكريمة: فإنَّ مجرد الإنباء لا يتحقق به المطلوب من العلم الذي تنبني عليه الأحكام حتى يكون من خبيرٍ بما ينبئ عنه؛ حتى يجمع إلى صفة الصدق ومطابقة الواقع صفة الخبرة والتخصص.

قال الإمام أبو البركات النسفي [ت:710هـ] في "مدارك التنزيل وحقائق التأويل" (3/ 82، ط. دار الكلم الطيب): [ولا يخبرك بالأمر مخبِرٌ هو مثل خبيرٍ عالم به؛ يريد أنَّ الخبير بالأمر وحده هو الذي يخبرك بالحقيقة دون سائر المخبرين به] اهـ.

وقال الإمام ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (6/ 541، ط. دار طيبة للنشر والتوزيع): [ولا يُخْبِرُكَ بعواقب الْأُمُور ومَآلِهَا وما تصير إِليه، مثلُ خَبِيرٍ بِهَا] اهـ.

وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يراعي قواعد الطب فيما يتعلق بصحة جسده؛ فكان يعادل -مثلًا- في تناول الأطعمة بما يحدّ من ضررها؛ قال العلامة القسطلاني في "المواهب اللدنية بالمنح المحمدية" (2/ 164، ط. المكتبة التوفيقية): [وكان صلى الله عليه وآله وسلم يراعي صفات الأطعمة وطبائعها واستعمالها على قاعدة الطب؛ فإذا كان في أحد الطعامين ما يحتاج إلى كسرٍ وتعديلٍ كَسَرَهُ وعدله بضِدِّه إن أمكن، كتعديله حرارة الرُّطَب بالبطيخ، وهذا أصلٌ كبيرٌ في المركبات من الأدوية، وإن لم يجد ذلك تناوله على حاجةٍ وداعيةٍ من النفس من غير إسراف] اهـ.

بيان أقوال العلماء في حكم ختان الإناث

قرر الفقهاء ضرورة الرجوع إلى الأطباء في كثير من المسائل الفقهية التي تتعلق بالجسد البشري كلٌّ في تخصصه؛ فَبَنَوُا الكثير من أحكامهم فيها على ما وصل إليه السقف المعرفي في العلوم الطبية، ومن ذلك ما قاله الإمام الشافعي في "الأم" (1/ 16، ط. دار المعرفة) في سياق الكلام عن كراهة الوضوء بالماء المشَمَّس: [ولا أكرهه إلَّا مِن جهة الطِّب] اهـ.

وعندما يتكلمون في مسائل الحيض والنفاس والولادة وغيرها من الأمور المتعلقة بطبيعة جسد المرأة؛ يَرُدُّون بعض أحكامها إلى الوجود، ويَعنُون بالوجود: البحث الطبي، والرصد والتتبع؛ عملًا بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ» أخرجه مسلم في "صحيحه".

قال العلامة تقي الدين الحصني الشافعي في "كفاية الأخيار" (ص: 76، ط. دار الخير): [كل ما لا ضابط له في الشرع ولا في اللغة يرجع فيه إلى الوجود] اهـ.

وإنفاذًا لهذا المنهج الشرعي المُحكَم: فقد أفاد الخبراء أن لختان الإناث بأنواعه المختلفة مخاطر كثيرة؛ منها ما هو قصير المدى؛ كالألم المفرط، أو حدوث نزيف حاد، أو التهابات شديدة، ومنها ما هو طويل المدى؛ كحدوث ضيق أو انسداد في مجرى البول، أو صعوبة في خروج دم الحيض، أو الألم البالغ أثناء العلاقة الزوجية مما يسبب للمرأة مشاكل نفسية واجتماعية، وقد يصل ما للختان من ضرر إلى حد تأخير الولادة الطبيعية وصعوبتها مما قد يؤدي إلى وفاة الأم أو الطفل. وذلك حسبما أفادت "الموسوعة البريطانية".


وقد تقرر شرعًا أنه "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ"؛ فمتى ثبت ما في هذا الفعل من ضررٍ حسيٍّ ومعنويٍّ، يلحق بالأنثى على المستوى الشخصيّ والأسريّ، دون أدنى فائدة مرجوة، تعود عليها بالمسرة، أو على زوجها بالحظوة، بل هو عكس ذلك؛ يُورِد المهالك، ويَنهَك المسالك، ويُفَوِّت كمال الانتفاع، ببتر محلِّ لذة الجماع، ويطفئ النضارة والسرور، لِتَحِلَّ الكآبةُ ويحصل النُّفور؛ وجب حينئذٍ القول بتحريمه واعتباره جريمة، على ما جرت به قواعد الشريعة.

الأحاديث الواردة في الأمر بختان الإناث وبيان المقصود منها

أما جانب الوحي المسطور: فما روي في الختان من أحاديث -إن صحت- إنما يُستدل بها على عظيمِ حرص الشريعة الإسلامية على حماية جسد المرأة وصيانته عن العبث به والتمثيل بخِلقته، وعِظَمِ جريمة التعدي عليه والتنكيل به، ووجوبِ تقييد هذا الفعل ما أمكن، لا مشروعيته أو الأمر به.

فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لأم عطية رضي الله عنها حين سألته عن الختان: «إِذَا خَفَضْتِ فَأَشِمِّي وَلَا تَنْهَكِي؛ فَإِنَّهُ أَسْرَى لِلْوَجْهِ، وَأَحْظَى عِنْدَ الزَّوْجِ» أخرجه الطبراني في "المعجم"، والبيهقي في "السنن".

وعن أمِّ عطيةَ الأنصارية رضي الله عنها: أن امرأةَ كانَت تَخْتُنُ بالمدينةِ، فقال لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لا تَنْهَكِي؛ فإنَّ ذلكَ أحْظَى لِلمرأةِ، وأحَبُّ إلى البَعْلِ» أخرجه أبو داود في "سننه"، وقال: هذا حديث ضعيف.

فهذا الفعل وإن لم يأت النصُّ النبويُّ بالنهي عنه مباشرةً؛ مراعاةً لما جرت به الأعراف المستقرة، إلا أنه جاء بتقييده إلى الحد الذي يتضمن النهي عنه، ويُفهَم ذلك مما يلي:

أولًا: بيانه صلى الله عليه وآله وسلم للقدر المسموح به في عملية الختان؛ بقوله: «أَشِمِّي»، ومفهوم ذلك: أنه إن كان لا بد لك من فعل هذه العادة التي اعتيد على فعلها، ظنًّا بأن فيها منفعة للمرأة، «فَأَشِمِّي»؛ للمبالغة في بيان أن لا تتعدي في فعل ذلك الأمر، فكأن المعنى اجعلي ما تأخذينه من هذا العضو قدر ما يأخذ شمُّ الشيء منه. مما يؤخذ منه إن كان أقرب للتجميل.

قال العلامة الرافعي في "العزيز شرح الوجيز" (11/ 303، ط. دار الكتب العلمية): [«أَشِمِّي وَلَا تَنْهَكِي» أي: اتركي الموضع أَشَمّ وهو المرتفع] اهـ.

ثانيًا: تأكيده صلى الله عليه وآله وسلم على أن تجاوز ذلك الحد -الذي هو قدر ما يأخذ شم الشيء منه- هو انتهاكٌ وتعدٍّ على المرأة، ثم نهيه عن ذلك بقوله: «وَلَا تَنْهَكِي» بما يفيد أن مجرد إحداث أثر في هذا الموضع منهيٌّ عنه.

قال العلامة ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري" (10/ 347، ط. دار المعرفة): [«أَشِمِّي وَلَا تَنْهَكِي» أي: لا تبالغي في ختان المرأة، وجرى على ذلك أهل اللغة وقال ابن بطال: "النَّهْكُ": التأثير في الشيء، وهو غير الاستئصال] اهـ.

وقال العلامة المناوي في "فيض القدير" (1/ 216، ط. المكتبة التجارية الكبرى): [لا تبالغي في استقصاء محل الختان بالقطع؛ بل أبقي ذلك الموضع] اهـ.

ثالثًا: بيانه صلى الله عليه وآله وسلم ما في بقاء هذا الموضع على خِلقته من فائدةٍ معنويةٍ وجسديةٍ للمرأة؛ بقوله: «فَإِنَّهُ أَسْرَى لِلْوَجْهِ، وَأَحْظَى عِنْدَ الزَّوْجِ»، ومن المقرر أن الشرع لا يأتي على المصالح بالبطلان ولا الإفساد، فكيف بأمرٍ فيه مصلحة الرجل والمرأة على السواء.

قال الإمام الغزالي في "إحياء علوم الدين" (1/ 142، ط. دار المعرفة): [«فَإِنَّهُ أَسْرَى لِلْوَجْهِ، وَأَحْظَى عِنْدَ الزَّوْجِ» أي: أكثر لماء الوجه ودمه، وأحسن في جماعها] اهـ.

ومن هذا البيان للمعاني التي تضمنتها تلك الأحاديث، يمكن القول بأن المسلك الذي اختاره التشريع الإسلامي في النهي عن ختان الإناث بتقييده إلى الحد الذي يوصل إلى تركه، دون التصريح بالنهي المباشر عنه، رعايةً منه للعادات والأعراف المجتمعية المستقرة، هو ذات المسلك الذي اختاره في تحريم الرق بتجفيف المنابع، والحث على العتق لكل رقيقٍ تابع.

وعلى هذا الفَهم تواردت نصوص الفقهاء: فنَصُّوا على أن ما ورد في الختان من رواياتٍ لا يصح الاستدلال بها على مشروعيته.

قال الإمام الشوكاني في مناقشته لأحاديث ختان الإناث في "نيل الأوطار" (1/ 191، ط. دار الحديث): [ومع كون الحديث لا يصلح للاحتجاج به، فهو لا حُجّةَ فيه على المطلوب] اهـ.

وقال العلامة شمس الحق العظيم آبادي في "عون المعبود" (14/ 126، ط. دار الكتب العلمية): [وحديث ختان المرأة رُوي من أوجُهٍ كثيرة، وكلها ضعيفةٌ معلولةٌ مخدوشةٌ لا يصح الاحتجاج بها] اهـ.

وقال الإمام ابن المنذر الشافعي -فيما نقله عنه الحافظ ابن حجر في "تلخيص الحبير" (4/ 155، ط. مؤسسة قرطبة): [ليس في الختان -أي للإناث- خبرٌ يُرجَع إليه ولا سُنّةٌ تُتَّبَع] اهـ. وذلك بعد ذكره ما ورد في ختان الإناث من رواياتٍ وبيانه ما فيها من ضعف.

كما لا يصح الاستدلال على مشروعية الختان للإناث بما روي عن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَجَبَ الْغُسْلُ» وذلك فيما أخرجه أبو يوسف في "الآثار"، والشافعي وأحمد في "المسند"، وعبد الرزاق الصنعاني وابن أبي شيبة في "المصنف".

وبيان ذلك: أن التعبير عن مختلِفَيْن باسمِ الغالِب منهما إذا كان بين مَدْلُولَيْهِمَا عُلْقَةٌ أَو اختلاط؛ هو في اللغة العربية من باب التغليب، ومن ذلك: قولهم على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما: العمران، والأب والأم: الأبوان، والتمر واللبن: الأسودان، والشمس والقمر: القمران.

قال العلامة بدر الدين العيني في "البناية شرح الهداية" (1/ 333، ط. دار الكتب العلمية): [فذكر الختانين بطريق التغليب؛ كالعمرين والقمرين] اهـ.

فغاية الأمر في ختان الإناث أنه من العادات التي انتشر فعلها في بعض المجتمعات دون بعض؛ ظنًّا منهم أن فيه صيانةً للمرأة ونفعًا لها؛ حتى إن كثيرًا من البلدان الإسلامية لا تعرف الختان ولا تفعله؛ كبلاد الخليج العربي، والشمال الأفريقي، وكثير من أهل مصر، ومن هنا نجد الفقهاء حين ذكروه فرَّقوا بين نساء المشرق والمغرب، فدلَّ هذا على أن المسألة مرتبطة بجانب الوجود (أي: الحقائق الطبية، والرصد والتتبع).

قال العلامة بدر الدين العيني الحنفي في "البناية شرح الهداية" (1/ 333): [وفي "الدراية": ذكر الختانين بناءً على عادة العرب؛ فإنهم يختنون النساء] اهـ.

وقال العلامة أبو الحسن العدوي في "حاشيته على كفاية الطالب" (1/ 596، ط. دار الفكر): [وهو في نساء المشرق، لا نساء المغرب] اهـ.

مراعاة العرف في الأحكام الشرعية وأثره في الفتوى

نصَّ الـمُحَقِّقُون من فقهاء المذهب على أنَّه لو طرأ عرفٌ جديد في زمان دون زمان فللمفتي أن يفتي بما يناسب زمانه ولو خالف المنصوص في كتب مذهبه، وأنَّ المتأخرين الذين خالفوا المنصوص عليه في كتب مَن سبقهم لم يفعلوا ذلك إلا لتغيرِ العرف تبعًا لتغير الزمان، ولِعِلْمِهِم أن هؤلاء السابقين لهم لو كانوا في زمانهم لأفتَوا بما أفتَوا به، وأن العالِم مهما حفظ من كتب الفقه ومسائله ودلائله وظاهر الرواية فيه فإن هذا كلَّه لا يكفيه في الفتوى حتى يَبْنِيَها على عُرف أهل زمانه وعاداتهم، وإلَّا كان ضررُه أعظمَ من نفعه؛ قال العلامة ابن عابدين في رسالته "نشر العَرف في بناء بعض الأحكام على العُرف"، المطبوعة ضمن "مجموعة رسائله" (2/ 128): [فإن قلتَ: العرف يتغير ويختلف باختلاف الأزمان؛ فلو طرأ عرفٌ جديدٌ هل للمفتي في زماننا أن يفتي على وِفْقِهِ ويخالف المنصوص في كتب المذهب؟ وكذا هل للحاكم الآن العملُ بالقرائن؟ قلتُ: مَبْنَى هذه الرسالة على هذه المسألة؛ فاعلم أن المتأخرين الذين خالفوا المنصوص في كتب المذهب في المسائل السابقة لم يخالفوه إلا لتغير الزمان والعرف، وعِلْمِهِم أن صاحب المذهب لو كان في زمنهم لقال بما قالوه] اهـ.


بيان توجيه النهي الوارد في الأمر بختان الإناث في السنة النبوية الشريفة

من ذلك يُعلم: أن ختان الإناث لا موجب له من الشرع، وأن ما ورد فيه من أحاديث إنما دلت على تقييده بُغية الوصول إلى منعه، وبيان عظيم شره، والتحذير من انتهاك جسد المرأة بهذه العادة، في سياقٍ يؤكد عدم جواز الادعاء بأن فعلها عبادة، بل هو سقف معرفي، وصل إليه حينذاك العقل البشري، فإذا ما ارتفع هذا السقف المعرفي، وترتب عليه تغير المدرك العقلي، أو تغيرت أحوال الناس واختلفت البيئات، لزم أن يتغير بناءً على ذلك ما استقر لدى هذه المجتمعات، من تلك العادات، وهذا ما أقره الشرع في قواعده والأصول واستحسنه، وتواردت نصوصه على أن الأحكام المترتبة على العادات تتغير بتغيرها.


قال العلامة القرافي المالكي في "الفروق" (3/ 29، ط. عالم الكتب): [فإن الأحكام المرتبة على العوائد: تَتْبَعُ العوائد، وتتغير عند تغيرها] اهـ.


وقال في "الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام" (ص: 218، ط. دار البشائر): [إنَّ إِجراءَ الأحكام التي مُدْرَكُها العوائدُ مع تغيُّرِ تلك العوائد: خلافُ الإِجماع، وجهالةٌ في الدّين، بل كلُّ ما هو في الشريعةِ يَتْبَعُ العوائدَ: يَتغيَّرُ الحكمُ فيه عند تغيُّرِ العادةِ إِلى ما تقتضيه العادَةُ المتجدِّدةُ، وليس هذا تجديدًا للاجتهاد من المقلِّدين حتى يُشترَطَ فيه أهليةُ الاجتهاد؛ بل هذه قاعدةٌ اجتهدَ فيها العلماء وأجمعوا عليها، فنحن نتبعهم فيها من غيرِ استئنافِ اجتهاد] اهـ.

يضاف إلى ذلك: أن حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد تم تدوينها ونقل أحداثها إلينا كاملة بأدق ما فيها من تفاصيل، ولم ينقل عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه ختن بناته أو واحدةً منهن عليهن السلام، مثلما نقل عنه أنه ختن حفيديه الحسن والحسين عليهما السلام.

بل قد أوجب التشريع الإسلامي الدية كاملة على من أتلف أو أذهب منفعة عضوٍ من أعضاء جسد الإنسان ذكرًا كان أو أنثى، ولا يخفى ما في هذا الفعل من إبطال كمال المنفعة لهذا الجزء من المرأة وما له من وظائف حيوية تتضرر المرأة بفقدها جسديًّا ونفسيًّا؛ فوجب القولُ بتحريمه وتنظيمُ القوانين بتجريمه.

قال العلامة الحصفكي في "الدر المختار" (ص: 712، ط. دار الكتب العلمية): [(وتجب دية كاملة في كل عضو ذهب نفعه)] اهـ.

بيان أقوال علماء الأزهر الشريف في حكم ختان الإناث

قد تكلم في هذه المسألة من قَبْلُ كبار العلماء بالأزهر الشريف في منتصف القرن الماضي، ونصُّوا على أنه متى ثبت ضرره بالاستقراء والبحث الطبي الرصين فإنه يُمنع؛ للقاعدة الشرعية "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ".

قال فضيلة شيخ الأزهر الأسبق محمود شلتوت في "الفتاوى" (ص: 332-334، ط. دار الشروق): [وقد خرجنا من استعراض المرويات في مسألة الختان على أنه: ليس فيها ما يصح أن يكون دليلًا على السنة الفقهية، فضلًا عن الوجود الفقهي، وهي النتيجة التي وصل إليها بعض العلماء السابقين، وعبر عنها بقوله: "ليس في الختان خبر يرجع إليه، ولا سُنَّة تتبع"، وأن كلمة (سُنَّة) التي جاءت في بعض المرويات؛ معناها -إذا صحت،-: الطريقة المألوفة عند القوم في ذلك الوقت، ولم تَرِدِ الكلمةُ على لسان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بمعناها الفقهي الذي عُرِفَتْ به فيما بعد، والذي أراه أن حكم الشرع في الختان لا يخضع لِنَصّ منقول، وإنما يخضع في الذَّكَرِ والأنثى لقاعدة شرعية عامة؛ وهي: أن "إيلام الحيّ لا يجوز شرعًا إلا لمصالح تعود عليه، وتربو على الألم الذي يلحقه".. ومن هنا يتبين أن ختان الأنثى ليس لدينا ما يدعو إليه وإلى تَحَتُّمِهِ؛ لا شرعًا، ولا خَلْقًا، ولا طِبًّا] اهـ.

بيان موقف القانون من ختان الإناث

قد استند المشرع المصري في قطع دابر هذا الفعل الإجرامي، إلى أقوال أهل العلوم والخبرة الطبية؛ تطبيقًا لما أمرت به نصوص الشريعة الإسلامية، فأصدر من القانون ما يَمنَعُ به هذه الفِعلة الشنعاء، ويَعُدُّها جريمة نكراء، ويغلِّظ العقوبة على مُرتَكِبِها والجزاء؛ فنص قانون العقوبات المصري المعدل برقم 10 لسنة 2021م، على أنه: [يُستبدل بنصى المادتين (٢٤٢ مكررًا) و (٢٤٢ مكررًا/ أ) من قانون العقوبات، النصان الآتيان:

مـادة (٢٤٢ مكررًا): يُعاقب بالسجن مدة لا تقل عن خمس سنوات كل من أجرى ختانًا لأنثى بإزالة أي جزء من أعضائها التناسلية الخارجية بشكل جزئي، أو تام، أو ألحق إصابات بتـلك الأعضاء، فإذا نشأ عن ذلك الفعل عاهة مستديمة تكون العقوبة السجن المشدد مدة لا تقل عن سبع سنوات، أما إذا أفضى الفعل إلى الموت تكون العقوبة السجن المشدد لمدة لا تقل عن عشر سنوات.

وتكون العقوبة السجن المشدد لمدة لا تقل عن خمس سنوات إذا كان من أجرى الختان المشار إليه بالفقرة السابقة طبيبًا أو مزاولًا لمهنة التمريض، فإذا نشأ عن جريمته عاهة مستديمة تكون العقوبة السجن المشدد لمدة لا تقل عن عشر سنوات، أما إذا أفضى الفعل إلى الموت تكون العقوبة السجن المشدد لمدة لا تقل عن خمس عشرة سنة ولا تزيد على عشرين سنة.

وتقضى المحكمة فضلًا عن العقوبات المتقدمة بحرمان مرتكبها من الأطباء ومزاولي مهنة التمريض من ممارسة المهنة مدة لا تقل عن ثلاث سنوات ولا تزيد على خمس سنوات، تبدأ بعد انتهاء مدة تنفيذ العقوبة، وغلق المنشأة الخاصة التي أجرى فيها الختان، وإذا كانت مرخصة تكون مدة الغلق مساوية لمدة المنع من ممارسة المهنة، مع نزع لوحاتها ولافتاتها سواء أكانت مملوكة للطبيب مرتكب الجريمة، أم كان مديرها الفعلي عالمًا بارتكابها، وذلك بما لا يخل بحقوق الغير حسن النية.

مـادة (٢٤٢ مكررًا/ أ): يُعاقب بالسجن كل من طلب ختان أنثى وتم ختانها بناءً على طلبه على النحو المنصوص عليه بالمادة (٢٤٢) مكررًا من هذا القانون.

كما يُعاقب بالحبس كل من روج، أو شجع، أو دعا بإحدى الطرق المبينة بالمادة (١٧١) من هذا القانون لارتكاب جريمة ختان أنثى ولو لم يترتب على فعله أثر] اهـ.

ومن المقرر أن هذا الدين هو كلمةُ اللهِ الأخيرةُ إلى العالمين، وليس هو للمسلمين فقط، ولا هو يقتصر على السقف المعرفي للمسلمين؛ بل هو خطاب الله  تعالى لجميع عباده، فهو صالح لكل زمان ولكل مكان ولكل الأشخاص وفي كل الأحوال، بل ولكل سقف معرفي يمكن أن يصل إليه البشر، ونحن مأمورون أن نبلغ الإسلام كما أنزله الله تعالى وأراده؛ ظنيًّا في ظنِّيِّه وقطعيًّا في قطعيِّه، وأن نعلم الناس كيف يحبون ربهم سبحانه وتعالى بما أنعم عليهم من صنوف العلم وفنون المعرفة التي تجلب لهم النفع وتدفع عنهم الضر، فالإسلام أوسع منا ومن مذاهبنا ومن بيئاتنا ومن تقاليدنا وعاداتنا، وما قد يصلح لنا قد لا يصلح بالضرورة لغيرنا، فكيف والأمر لا يصلح لنا ولا لغيرنا، فلا يجوز لنا حينئذٍ أن نكون حجابًا بين الخلق والخالق، ولا أن نجعل أنفسنا سببًا في فتنة الناس عن قبول الإسلام ونشر تعاليمه، ولا أن نقف حجر عثرة أمام العلوم والمعارف التي يأذن بها الله تعالى للبشر حينًا بعد حين، إما بسوء الفهم أو سوء التصرف.


الخلاصة

بناءً على ذلك: فإن ختان الإناث لا موجب له من الشرع الشريف، وكل ما ورد فيه من أحاديث إنما دلت على تقييده بُغية الوصول إلى منعه، وبيان عظيم شره، والتحذير من انتهاك جسد المرأة بهذه العادة، في سياقٍ يؤكد عدم جواز الادعاء بأن فعلها عبادة، بل هو سقف معرفي، وصل إليه حينذاك العقل البشري، فإذا ما ارتفع هذا السقف المعرفي، وترتب عليه تغير المدرك العقلي، أو تغيرت أحوال الناس واختلفت البيئات، لزم أن يتغير بناءً على ذلك ما استقر لدى هذه المجتمعات، من تلك العادات، وهذا ما أقره الشرع في قواعده والأصول واستحسنه، وتواردت نصوصه على أن الأحكام المترتبة على العادات تتغير بتغيرها.

وقد تقرر شرعًا أنه "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ"، وثبت ما في هذا الفعل من ضررٍ حسيٍّ ومعنويٍّ، يلحق بالأنثى على المستوى الشخصيّ والأسريّ، دون أدنى فائدة مرجوة، تعود عليها بالمسرة، أو على زوجها بالحظوة، بل هو عكس ذلك؛ يُورِد المهالك، ويَنهَك المسالك، ويُذهِب كمال الانتفاع؛ فوجب لأجْل ذلك القول بتحريمه، واعتباره جريمة، على ما جرت به قواعد الشريعة الإسلاميـة، ومقاصدهـــا الـمرعية.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

حكم انفراد الزوجة بقرار منع الإنجاب بسبب إدمان الزوج

تاريخ الفتوى: 29 سبتمبر 2023 م

رقم الفتوى: 7975

من فتاوى: الأستاذ الدكتور / شوقي إبراهيم علام

التصنيف: الطب والتداوي

حكم انفراد الزوجة بقرار منع الإنجاب بسبب إدمان الزوج

السؤال:

ما حكم انفراد الزوجة بقرار منع الإنجاب بسبب إدمان الزوج؟ فهناك امرأة تمت خطبتها مُدَّة قصيرة مِنَ الزمن، وتمَّ الزواج، وبعد الزواج بوقتٍ قليل ظهر أنَّ الزوجَ يُدمن المخدرات مما أثَّر على المعيشة، وتدخَّل الأهل، وقاموا بمحاولة علاجه في مصحة متخصصة، وتحسنت حالته بعد الخروج منها لمُدة قصيرة، ثُمَّ عَاد لما كان عليه مرة أخرى، ولم يحدث حمل حتى الآن، وتخشى الزوجة من الحمل خوفًا على ولدها؛ فهل يجوز لها شرعًا أن تنفرد بقرار منع الإنجاب؟

الجواب:

الإنجابَ حقٌّ مشتركٌ بين الزوجين، ولا يجوز لأحدهما أن ينفرد بقرارِ منعه أو تأجيله دون إرادة الآخر، إلا إذا كان هناك حاجة داعية له إلى التأجيل، فإذا تحققت الحاجة؛ كتخوف الزوجة من إدمان وتعاطي زوجها للمخدرات وما يتبع ذلك من مخاطر على ولدها في حال كونه جنينًا أو بعد ولادته؛ فإنه يجوز لها حينئذٍ الانفراد بقرار تأجيل الإنجاب حتى يتعافى زوجها من الإدمان، وتأمن من عدم تأثر الجنين أو الطفل بتوابعه.


حث الشرع على رعاية الأبناء ودور الوالدين في ذلك

من عناية الشريعة الإسلامية بالأمور الأساسية التي لا تستقيم حياة الناس إلا بها، ولا تتحقق مصالحهم إلا بالحفاظ عليها ورعايتها، كالنفس والعقل والدِّين والنسل والمال، جعلت المحافظة عليها هي المقصود الأعلى لها، والذي عليه مدار أحكامها وتشريعاتها، حتى أطلق العلماء على ضرورة الحفاظ على هذه الأمور "مقاصد الشريعة الكلية" بحيث لا يخرج عن رعايتها حكمٌ من الأحكام المنصوص عليها، وإليهم أيضًا المرجع والمآل فيما يستجد من النوازل والوقائع والأحوال.


ولَمَّا كان حفظُ النَّسلِ مِنَ المقاصدِ الكليَّة التي حثت الشريعةُ على رعايتها، فقد فطرَ الله تعالى الإنسانَ على شدةِ التعلقِ والمحبة لذريتِه ونَسْلِه، حتى جعلهم من زينة الحياة الدنيا، قال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: 46].


فتحتم على الآباء بداعي الطبع وضرورة الفطرة بذل قصارى الجهد من أجل تنشئتهم تنشئة حسنة، إلا أنه لخطورة أثر التَّهاون أو الإهمال في حقِّ الأولاد، مع تأكُّد تفاوُت الناس في سلامة الطباع ونقاء الفطرة، واختلاف تقديرهم للمصالح والمفاسد، لم يترك الشرع الشريف أمرَ رعاية الأولاد موكولًا لعاطفة الآباء حيالهم أو مدى شفقتهم عليهم ورحمتهم بهم، بل ألزمهم بذلك إلزامًا حتميًّا بوازع الأمر والتكليف الشرعي، حتى أخبر أنه لو لم يكن للإنسان إثم في حياته إلا أنه أضاع حقَّ أولاده عليه، لكان عِظَمُ ذلك الإثم كافيًا حتى يحبط سائر عمله.


فعن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما أنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ قال: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ» أخرجه أبو داود في "السنن".


قال العلامة محمد بن إسماعيل الصَّنْعَاني في "سبل السلام" (2/ 323، ط. دار الحديث): [فإنه لا يكون آثمًا إلا على تركه لما يجب عليه، وقد بولغ هنا في إثمه بأنْ جعل ذلك الإثم كافيًا في هلاكه عن كلِّ إثم سواه] اهـ.


فإذا كان إثم إضاعة الأولاد كافيًا في هلاك الإنسان وموجبًا لعقوبته، فقد وجب حينئذٍ على الأزواج التحقق من مدى قدرتهم على رعاية أولادهم والقيام بحقِّهم، قبل الشروع في إنجابهم، ذلك لأن شؤون التربية والعطف والرعاية الصحية والنفسية والتعليمية تفوق في أهميتها أمرَ الإنفاق المادي، خاصة في مرحلة الطفولة؛ إذ إنَّ سد حاجة الأولاد المادية قد ينوب فيها عن الآباء غيرهم من الأهل أو الأقارب، ولا يوجد مَن يستطيع أن يحلّ محلهم أو ينوب عنهم في سد حاجة الأولاد مِن الرعاية والتربية.


حكم تأخير الحمل بسبب عدم القدرة على رعاية الأولاد

إذا غَلَب على الإنسان الظن أنه لن يُحسن تربية أولاده أو أنه لا يستطيع أن يوفر لهم عوامل الطمأنينة والاستقرار والأمان والرعاية لسفر أو لمرض أو توقع خطر عليهم، شُرِعَ له حينئذٍ الامتناع عن الإنجاب، حتى يغلب على ظنه تحقق القدرة على القيام بذلك الحق، فيكون بذلك مراعيًا لظروفه وإمكاناته رافعًا عن نفسه إثم تكليف نفسه بما فوق وسعه وطاقته.


وذلك مقتضى ما تواردت عليه النصوص الشرعية، حيث أفادت أنه إذا خاف الزوجان أو أحدهما على ذريته من المشاق أو الضرر أو عدم القدرة على القيام بواجبه الشرعي نحوهم جاز أن يمتنع من الإنجاب حتى يزول ما يتخوف منه، وتتحقق لديه القدرة من القيام بحقِّ رعايتهم؛ قال تعالى: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ [البقرة: 233].


فالآية تفيد أن الإضرار بالأولاد منهي عنه مِن كلِّ وجهٍ، فكانت الوسيلة الموصلة لذلك منهيًّا عنها لما قد تقرر أنَّ "ما أدى إلى الحرامِ فهو حرامٌ"، كما نص على ذلك الإمام عزِ الدِّين ابن عبد السلام في "قواعد الأحكام" (2/ 218، ط. مكتبة الكليات الأزهرية).


قال الإمام الفخر الرازي في "التفسير الكبير" (6 /462، ط. دار إحياء التراث العربي): [﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ وإن كان خبرًا في الظاهر، لكن المراد منه النهي، وهو يتناول إساءتها إلى الولد بترك الرضاع، وترك التعهد والحفظ.


وقوله: ﴿وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ يتناول كلَّ المضار، وذلك بأن يمنع الوالدة أن ترضعه وهي به أرأف، وقد يكون بأن يضيق عليها النفقة والكسوة أو بأن يسيئ العشرة فيحملها ذلك على إضرارها بالولد، فكلُّ ذلك داخلٌ في هذا النهي] اهـ.


كما تواردت نصوص السُّنَّة المطهرة على مشروعية اتخاذ وسائل منع الحمل إذا ثَبَتَ أنه يترتب على حصوله الإضرار بالولد، ومن ذلك: ما همَّ به النبي صلى الله عليه وآله وسلم من النهي عن الغيلة -وهي أَنْ يُصِيبَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ وَهِيَ تُرْضِعُ وَلَدَهَا، فتحملَ فيضرَّ لبنُها رضيعَها- فلما عَلِمَ أنَّ ذلك لنْ يَضر بالولد لم ينه عنه، فعَنْ جُدَامَةَ بِنْتِ وَهْبٍ الْأَسَدِيَّةِ رضي الله عنها أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنِ الْغِيلَةِ. حَتَّى ذَكَرْتُ أَنَّ الرُّومَ وَفَارِسَ يَصْنَعُونَ ذَلِكَ فَلَا يَضُرُّ أَوْلَادَهُمْ» أخرجه الإمام مسلم في "الصحيح".


كما قد تبادر إلى فهم الصحابة رضي الله عنهم أن يتخذوا وسائل منع الحمل شفقةً على أن يتضرَّر من حملِ الأم ولدها الصغير، ولم يعارض النبي صلى الله عليه وآله وسلم صحة ذلك الفهم منهم، مع توضيحه أنه إذا لم يثبت الضرر لم يكن هناك ثمة داعٍ لمنع الحمل، فعن سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رضي الله عنه «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْه وآلهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنِّي أَعْزِلُ عَنِ امْرَأَتِي. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: لِمَ تَفْعَلُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: أُشْفِقُ عَلَى وَلَدِهَا أَوْ عَلَى أَوْلَادِهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: لَوْ كَانَ ذَلِكَ ضَارًّا، ضَرَّ فَارِسَ وَالرُّومَ». وَقَالَ زُهَيْرٌ فِي رِوَايَتِهِ: إِنْ كَانَ لِذَلِكَ فَلَا. مَا ضَارَ ذَلِكَ فَارِسَ وَلَا الرُّومَ» أخرجه مسلم في "الصحيح".


قال الإمام أبو الفرج ابن الـجَوْزي في "شرح المشكل من حديث الصحيحين" (4/ 21، ط. دار الوطن): [إِنَّمَا خَافَ أَن تحمل فيشربَ ابْنُهَا الْمُرْضَع اللَّبَأَ فيؤذيَه، فَقَالَ: "لَو ضرَّ ذَلِك فَارس" أَي: إِنَّهُم لَا يحترزون من هَذَا وأبناؤهم حِسان] اهـ.


وقال الإمام أبو العباس القرطبي في "المفهم لما أُشْكِل من تلخيص كتاب مسلم" (4/ 175، ط. دار ابن كثير): [(قوله: لو كان ذلك ضارا ضرَّ فارس والرُّوم).. وفيه حجة على إباحة العزل] اهـ.


وقال الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي الشافعي في "الإحياء" (2/ 51-52، ط. دار المعرفة) في سياق بيان آداب معاشرة النساء ما مُحصَّلُه: [الصحيح عندنا أن ذلك مباحٌ، ثم تحدث عن البواعث المشروعة لإباحة العزل وقال: إنها خمسة، وَعَدَّ منها: استبقاء جمال المرأة وحسن سماتها، واستبقاء حياتها خوفًا من خطر الولادة، والخوف من كثرة الحرج بسبب كثرة الأولاد، والتخفف من الحاجة إلى التعب والكسب، وهذا غير منهي عنه؛ لأن قلة الحرج مُعينٌ على الدِّين] اهـ.


وقال الشوكاني في "نيل الأوطار" (6/ 236، ط. دار الحديث): [إن الأمور التي تَحمِلُ على العزل: الإشفاق على الولد الرضيع خشية الحمل مدة الرضاع، والفرار من كثرةِ العيال، والفرار من حصولهم مِن الأصل] اهـ.

حكم انفراد الزوجة بقرار منع الإنجاب بسبب إدمان الزوج

الأصل ألَّا ينفرد أحدُ الزوجين بمنع الحمل لكونه حقًّا مشتركًا بينهما، لما جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يعزل عن الحرة إلَّا بإذنها" أخرجه ابن ماجه في "السنن"، والطبراني في "المعجم الأوسط"، وله شواهد موقوفة عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم، وهو قول سعيد بن جبير وعكرمة وعطاء؛ كما في "مصنف عبد الرزاق" و"السنن الكبرى" للبيهقي.


قال الإمام ابن عبد البر في "التمهيد" (3/ 148-150، ط. أوقاف المغرب): [لا خلاف بين العلماء أيضًا في أن الحرة لا يعزل عنها إلَّا بإذنها؛ لأن الجماع من حقِّها ولها المطالبة به.. وقد روي في هذا الباب حديث مرفوع في إسناده ضعف، ولكن إجماع الحجة على القول بمعناه يقضي بصحته] اهـ.

إلا أنه يستثنى من ذلك بعض الأحوال التي يتخوف فيها من إلحاق الضرر لأحدِ الزوجين، حيث نصَّ محققو الحنفية على أن استعمال الوسائل التي من شأنها منع الحمل مشروع في حقِّ الزوجين على السواء.

قال العلامة سراج الدين ابن نُجَيْم الحنفي في "النهر الفائق" (2/ 276، ط. دار الكتب العلمية): [قال في "البحر": وينبغي أن يكون سد المرأة فم رحمها كما تفعله النساء بغير إذن الزوج غير جائزٍ قياسًا على عزله بغير إذنها. أقول: فيه نظر؛ لأن لها أن تعالج نفسها في إسقاطها الولد قبل اكتمال الخِلْقة.. وعلى هذا فيباح لها سد فم الرحم بغير إذنه] اهـ.

وقال العلامة ابن عابدين الحنفي في حاشيته "رد المحتار على الدر المختار" (3/ 176، ط. دار الفكر): [أخذ في "النهر" من هذا ومما قدمه الشارح عن "الخانية" والكمال أنه يجوز لها سدُّ فم رحمها كما تفعله النساء مخالفًا لما بحثه في "البحر" من أنه ينبغي أن يكون حرامًا بغير إذن الزوج قياسًا على عزله بغير إذنها. قلت: لكن في "البزازية" أن له منع امرأته عن العزل. اهـ. نعم، النظر إلى فساد الزمان يفيد الجواز من الجانبين. فما في "البحر" مبني على ما هو أصل المذهب، وما في "النهر" على ما قاله المشايخ] اهـ.

هذا، وقد قرر العلامة ابن عابدين أن تصحيح مشايخ الحنفية مسوغٌ للعدول عن الفتوى فيها على ظاهر الرواية في المذهب الحنفي، وذلك في "نشر العَرْف في بناء بعض الأحكام على العُرْف" (2/ 115، ط. دار سعادات)، وينظر أيضًا: "حاشيته على الدر المختار" (4/ 556، ط. دار الفكر).

ومقتضى ذلك: أنه يجوز للزوجة في حال تخوفها مِن لحوق الضرر بجنينها أو بطفلها أن تنفرد بقرار تأجيل الحمل وأن تتخذ الوسائل المعينة لها على ذلك، خاصةً أنه قد ثبت طبيًّا حدوث عدة مخاطر صحية للجنين في حال حدوث حملٍ أثناء تعاطي أحد الأبوين المخدرات، كانخفاض وزن الجنين، أو تعرضه للإصابة بتشوهات خِلْقية، أو تأخر في معدلِ النمو العقلي، أو التعرض لخطر الوفاة. ينظر: "تعاطي وإدمان المخدرات وأثره على تحقيق التنمية المستدامة" للدكتور/ حمدي أحمد عمر (ص: 584، عدد 55- إبريل 2022م- مجلة كلية الآداب- جامعة جنوب الوادي)، وكذلك في حال تخوفها من أن يفتقد ولدها عوامل التنشئة والرعاية والتربية الصحية أو النفقة الضرورية.

الخلاصة

بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فإننا نؤكد على أن الإنجابَ حقٌّ مشتركٌ بين الزوجين، ولا يجوز لأحدهما أن ينفرد بقرارِ منعه أو تأجيله دون إرادة الآخر، إلا إذا كان هناك حاجة داعية له إلى التأجيل، فإذا تحققت الحاجة كتخوف الزوجة من إدمان وتعاطي زوجها للمخدرات وما يتبع ذلك من مخاطر على ولدها في حال كونه جنينًا أو بعد ولادته؛ فإنه يجوز لها حينئذٍ الانفراد بقرار تأجيل الإنجاب حتى يتعافى زوجها من الإدمان، وتأمن من عدم تأثر الجنين أو الطفل بتوابعه.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

هل الزواج ينقص أهلية الزوجة ويمنعها من التصرف في مالها

تاريخ الفتوى: 14 مارس 1953 م

رقم الفتوى: 5289

من فتاوى: فضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف

التصنيف: فقه المرأة

هل الزواج ينقص أهلية الزوجة ويمنعها من التصرف في مالها

السؤال:

أرجو التفضل بإجابتنا عن حكم الشريعة ‏الإسلامية في زواج تم بين مسلم مصري ‏بأجنبية مسيحية بعقد تم بالمحكمة الشرعية، ‏وأثر هذا العقد على أهلية الزوجة، وهل لها ‏الحق في التصرف في أملاكها العقار والمنقول ‏دون التصريح من زوجها؟


الجواب:

اطلعنا على السؤال، والجواب: أن الزوجة ‏ما دامت عاقلة بالغة رشيدة فلا سبيل لأحد ‏عليها في مالها، ولها وحدها حق التصرف ‏فيه بما شاءت؛ لا تتقيد في ذلك برأي الزوج ‏أو غيره، فلها حق البيع والشراء والرهن ‏والهبة وسائر التصرفات الناقلة للملكية، ‏ولا أثر لعقد الزواج في أهليتها لهذه ‏التصرفات وفي ملكيتها لأموالها، بل ‏كل ما كان لها من هذه الحقوق قبل الزواج ‏ثابت لها بعده، هذا هو حكم الشريعة ‏الغراء في ذلك.


والله سبحانه وتعالى أعلم.

حكم عمل المرأة

تاريخ الفتوى: 21 سبتمبر 2021 م

رقم الفتوى: 5924

من فتاوى: الأستاذ الدكتور / شوقي إبراهيم علام

التصنيف: فقه المرأة

حكم عمل المرأة

السؤال:

هل وظيفة المرأة وعملها حرام؟ علمًا بأن زوجها في استطاعته كفالتها ومعيشتها. وهل هناك فارق في الحكم إذا كان عملها متقدم على زواجها أو العكس؟

الجواب:

خروج المرأة للعمل جائز شرعًا ما دام يتناسب مع طبيعتها ولا يؤثر على حياتها العائلية، مع التزامها بالضوابط الدينية والأخلاقية، وإذا كان خروجها للعمل سابقًا على الزواج أو شرطًا من شروطه: فليس لزوجها الاعتراض عليه إذا لم يتعارض مع واجباتها الزوجية ورعاية أبنائها، أما إذا أرادت المرأة الخروج للعمل ابتداءً بعد الزواج فليس لها ذلك إلا بإذن زوجها.

 

حكم عمل المرأة

عمل المرأة من حيث هو لا تمنعه الشريعة الإسلامية، والأصل فيه أنه مباح ما دام موضوعه مباحًا، ومتناسبًا مع طبيعة المرأة، وليس له تأثير سلبي على حياتها العائلية، وذلك مع تحقق التزامها الديني والأخلاقي وأمنها على نفسها وعرضها ودينها حال قيامها به؛ فالعمل حق من حقوق الأفراد، ولكل واحد الحق في ممارسة ما شاء من أنواع الأعمال المشروعة؛ ليُحَصِّل نفقتَه وينفع مجتمعه ويمكنه العيش بكرامة.

والشريعة الاسلامية لم تُفَرِّق بين المرأة والرجل في هذا الحق؛ فقد قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُم﴾ [البقرة: 198]، وقال سبحانه: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: 195]، وروى مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه قال: طُلِّقَتْ خالتي، فأرادت أن تَجُدَّ نخلها -أي: تحصد تمر نخلها-، فزجرها رجل أن تخرج، فأتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: «بَلَى فَجُدِّي نَخْلَكِ، فَإِنَّكِ عَسَى أَنْ تَصَدَّقِي، أَوْ تَفْعَلِي مَعْرُوفًا».

حكم عمل المرأة في حالة كفاية زوجها لها

أما حكم عمل المرأة في حالة كفاية زوجها لها، ففي المسألة تفصيل بيانه كالتالي:

1- إن كان عمل المرأة أحدَ شروطها قبل الزواج، وقد ارتضاه الزوج، بأن تشترط عليه أن تعمل عندما تريد ذلك، فلا يجوز له مخالفة الشرط حينئذٍ.

2- إن كان عمل المرأة متقدمًا على عقد الزواج ولم يعترض عليه الزوج فهذه موافقة ضمنية عليه، فلها الالتزام بعملها وإن رفضه الزوج بعد ذلك، ولها ما يترتب على ذلك من الخروج إلى العمل بغير إذنه إن رفض؛ لصحة الإجارة (عقد العمل المبرم بينها وبين المكان الذي تعمل فيه)، ولا يملك الزوج منعها، حتى تنقضي مدة عقد العمل؛ لأن عملها تمَّ بعقدٍ سابق على نكاح الزوج مع علمه بذلك ورضاه به وتزوجها عليه، فصار ذلك كالمشروط.

3- إذا أرادت الزوجة أن تعمل بعد الزواج، ولم يكن هناك من شرط قبل الزواج بعملها فلا يجوز لها الخروج للعمل حينئذٍ إلا بإذن الزوج، فإن لم يأذن وجب عليها الامتثال، فإن عصته وخرجت بغير إذنه كانت ناشزًا، وسقط حقُّها في النفقة حينئذٍ، وكانت آثمة أيضًا، والذي يحكم بذلك هو القاضي.

الخلاصة

بناء على ذلك: فإنه لا مانع شرعًا من عمل المرأة إذا كان متناسبًا مع طبيعتها ولم يكن له تأثير سلبي على حياتها العائلية، مع التزامها بالضوابط الدينية والأخلاقية، وإذا كان خروجها للعمل سابقًا على الزواج أو شرطًا من شروطه: فليس لزوجها الاعتراض عليه إذا لم يتعارض مع واجباتها الزوجية ورعاية أبنائها، أما إذا أرادت المرأة الخروج للعمل ابتداءً بعد الزواج فليس لها ذلك إلا بإذن زوجها.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

عدة المرأة التي مات عنها زوجها قبل الدخول

تاريخ الفتوى: 11 يناير 1970 م

رقم الفتوى: 5402

من فتاوى: فضيلة الشيخ أحمد محمد عبد العال هريدي

التصنيف: العدة

عدة المرأة التي مات عنها زوجها قبل الدخول

السؤال:

ما هي عدة المرأة التي مات عنها زوجها قبل الدخول؛ فزوج عقد زواجه على امرأة، ومات عنها قبل أن يدخل أو يختلي بها؟

الجواب:

المقرر شرعًا أن الزوجة التي يتوفى عنها زوجها بعد عقد صحيح يجب عليها أن تعتد بأربعة أشهر وعشرة أيام؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: 234]، سواء كانت الزوجة مدخولًا بها، أم لم تكن مدخولًا بها، وسواء أكانت من ذوات الحيض أم لم تكن؛ لأن هذه العدة إنما هي لإعلان الحزن على زوال نعمة الزواج بالموت.

وهذه المدة تحتسب بالأشهر القمرية ولو نقصت أيام بعضها عن ثلاثين يومًا إذا كانت الوفاة قد حدثت في أول جزء من الشهر، أما إذا كانت الوفاة قد حدثت بعد مضي جزء من الشهر فإنها تحتسب بالأيام مائة وثلاثين يومًا كاملة، وهذا عند أبي حنيفة، وقال الصاحبان: تحتسب الأشهر الثلاثة المتوسطة بالأهلة، أما الشهر الأول الناقص فتكمل أيامه من الأخير ثلاثين يومًا ثم يزاد عليه عشرة أيام كاملة.

وعلى ذلك: فيجب على زوجة المتوفى المذكور أن تعتد بأربعة أشهر وعشرة أيام، ولا تأثير لدخول زوجها بها وعدم دخوله على الإيجاب المذكور؛ طبقًا لما أوضحناه. ومما ذكر يعلم الجواب عن السؤال.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

الاثنين، 12 أكتوبر 2026

4 - لجنة القضاء على التمييز ضد المرأة (CEDAW) / 16 - شروح فقهية وأكاديمية

 العودة إلى قاعدة بيانات العنف ضد المرأة 👈 (هنا)


    4 - لجنة القضاء على التمييز ضد المرأة (CEDAW) / 15 - فتاوى شرعية

     العودة إلى قاعدة بيانات العنف ضد المرأة 👈 (هنا)


      4 - لجنة القضاء على التمييز ضد المرأة (CEDAW) / 14 - القانون المقارن

       العودة إلى قاعدة بيانات العنف ضد المرأة 👈 (هنا)

        4 - لجنة القضاء على التمييز ضد المرأة (CEDAW) / 13 - تطبيقات قضائية

         العودة إلى قاعدة بيانات العنف ضد المرأة 👈 (هنا)