باسم الشعب
المحكمة الدستورية العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت الثامن مــن مارس سنة 2025م،
الموافق الثامن من رمضان سنة 1446هـ.
برئاسة السيد المستشار/ بولس فهمي إسكندر رئيس المحكمة وعضوية السادة
المستشارين: رجب عبد الحكيم سليم والدكتور محمد عماد النجار والدكتور طارق عبد
الجواد شبل وخالد أحمد رأفت دسوقي والدكتورة فاطمة محمد أحمد الرزاز ومحمد أيمن
سعد الدين عباس نواب رئيس المحكمة
وحضور السيد المستشار الدكتور/ عماد طارق البشري رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد/ عبد الرحمن حمدي محمود أمين السر
أصدرت الحكم الآتي
في الدعوى المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 153 لسنة 31
قضائية دستورية
المقامة من
حسن علي حسن ضوه
ضــد
1- رئيس مجلس إدارة الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي
2- مدير مكتب تأمينات تـلا
3- مجدي توفيق نصر الدين
4- رئيس الوحدة المحلية بطوخ دلكة - مركز تلا - محافظة المنوفية
5- رئيس مجلس الوزراء
-----------------
" الإجـراءات "
بتاريخ الحادي عشر من يوليو سنة 2009، أودع المدعي صحيفة هذه الدعوى
قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا، طالبًا الحكم بعدم دستورية نص المادة (152) من
قانون التأمين الاجتماعي الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975، وقرار وزير المالية
رقم 231 لسنة 2006 بتعديل بعض أحكام قرار وزير التأمينات رقم 74 لسنة 1988 بشأن
التأمين على عمال المقاولات والمحاجر والملاحات، والقرارات الصادرة بشأن تحديد
القيمة المتوسطة لتكاليف إنشاء المتر المسطح من المباني.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، طلبت فيها الحكم، أولاً: بعدم اختصاص
المحكمة بنظر الطعن على قرار وزير المالية رقم 231 لسنة 2006. ثانيًا: برفض الدعوى.
وقدمت الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي مذكرة، طلبت فيها الحكم برفض
الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرًا برأيها.
ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر جلسة 4/ 1/ 2025، وفيها قدمت
هيئة قضايا الدولة مذكرة بطلباتها السابقة، وأضافت إليها طلبًا احتياطيًّا: بعدم
قبول الدعوى بالنسبة لقرار وزير المالية المار ذكره، وقررت المحكمة إصدار الحكم
بجلسة اليوم.
------------------
" المحكمة "
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع تتحصل -على ما يتبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق-
في أن المدعي أقام أمام محكمة تلا الجزئية الدعوى رقم 557 لسنة 2006 مدني، ضد
المدعى عليهم الثلاثة الأولين، وآخر، طلبًا للحكم ببراءة ذمته من المبالغ التي
تطالبه بها الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي وقدرها 3384,5 جنيهًا، وكف المطالبة
بها وإلغائها، وذلك على سند من القول إنه بتاريخ 11/ 2/ 2006، أبرم مع المدعى عليه
الثالث عقد مقاولة لإنشاء مبنى بإحدى قرى محافظة المنوفية، وبتاريخ 12/ 7/ 2006،
ورد إليه إخطاران من الهيئة المذكورة لسداد ذلك المبلغ، مقابل اشتراكات التأمين
على العمال الذين استخدمهم المقاول في إنشاء المبنى، وذلك طبقًا لأحكام قانون
التأمين الاجتماعي الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975. اعترض المدعي على تلك
المطالبة أمام لجنة فحص المنازعات المختصة. وإذ رفضت اللجنة ذلك الاعتراض؛ فأقام
دعواه الموضوعية. وحال نظرها، دفع المدعي بعدم دستورية نص المادة (152) من قانون
التأمين الاجتماعي المار ذكره. وإذ قدرت المحكمة جدية الدفع، وصرحت للمدعي بالطعن
بعدم الدستورية؛ فأقام الدعوى المعروضة بطلباته الفائت بيانها.
وحيث إن المقرر في قضاء المحكمة الدستورية العليا أن نطاق الدعوى
الدستورية التي أتاح المشرع للخصوم إقامتها - وفقًا لنص البند (ب) من المادة (29)
من قانون هذه المحكمة الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979- يتحدد بنطاق الدفع بعدم
الدستورية المبدى أمام محكمة الموضوع، وفي الحدود التي تقدر فيها جديته، وصرحت
برفع الدعوى الدستورية بشأنه. متى كان ما تقدم، وكان الثابت بمحضر جلسة 14/ 4/
2009، أن المدعي قصر الدفع المبدى منه بعدم الدستورية على نص المادة (152) من
قانون التأمين الاجتماعي سالف الإشارة إليه، الذي كان قد أبداه بمذكرته المقدمة
إلى محكمة الموضوع بجلسة 7/ 7/ 2008، دون قرار وزير المالية رقم 231 لسنة 2006،
والقرارات الصادرة بشأن تحديد القيمة المتوسطة لتكاليف إنشاء المتر المسطح من
المباني، وبجلسة 26/ 5/ 2009، صمم المدعي على الدفع بعدم الدستورية في النطاق الذي
كان قد أبداه بالجلسة السالف بيانها، وهو ما قدرت المحكمة جديته، وصرحت للمدعي
بإقامة الدعوى الدستورية في نطاقه؛ ومن ثم ينحل الطعن بعدم دستورية قرار وزير
المالية رقم 231 لسنة 2006 والقرارات المار ذكرها إلى دعوى دستورية مباشرة أقيمت
بالمخالفة للأوضاع المقررة في قانون هذه المحكمة، مما لزامه القضاء بعدم قبول
الدعوى في هذا الشق منها، ويكون الدفع المبدى من هيئة قضايا الدولة بعدم اختصاص
المحكمة بنظر الطعن على دستورية قرار وزير المالية المشار إليه، لا محل له، جديرًا
بالالتفات عنه.
وحيث إن المادة (152) من قانون التأمين الاجتماعي الصادر بالقانون رقم
79 لسنة 1975، بعد تعديلها بالقانون رقم 25 لسنة 1977، تنص على أن يكون لمن تندبه
الهيئة من العاملين بها الحق في دخول محال العمل في مواعيد العمل المعتادة لإجراء
التحريات اللازمة والاطلاع على السجلات والدفاتر ......
وعلى الجهات الحكومية والإدارية موافاة الهيئة المختصة بجميع البيانات
التي تطلبها في مجال تطبيق أحكام هذا القانون.
ويجب على من يعهد بتنفيذ أية أعمال لمقاول أن يخطر الهيئة باسم ذلك
المقاول وعنوانه وبياناته عن العملية قبل بدء العمل بثلاثة أيام على الأقل. ويكون
مسند الأعمال متضامنًا مع المقاول في الوفاء بالالتزامات المقررة وفقًا لأحكام هذا
القانون في حالة عدم قيامه بالإخطار.
وحيث إن قضاء المحكمة الدستورية العليا قد جرى على أن المصلحة الشخصية
المباشرة شرط لقبول الدعوى الدستورية، وأن مناطها أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين
المصلحة القائمة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الفصل في المسائل الدستورية
لازمًا للفصل في النزاع الموضوعي.
لما كان ذلك، وكانت الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي قد استندت في
مطالبتها المدعي بالاشتراكات التأمينية على العمال الذين نفذوا أعمال البناء
المملوك له إلى نص الفقرة الثالثة من المادة (152) من قانون التأمين الاجتماعي
سالف الذكر، بحسبانه متضامنًا مع المقاول في الوفاء بالاشتراكات المقررة قانونًا؛
ومن ثم تتحقق مصلحته في الطعن على نص هذه الفقرة من المادة المشار إليها، دون ما
جرت به من أحكام أخرى.
ولا ينال مما تقدم إلغاء قانون التأمين الاجتماعي الصادر بالقانون رقم
79 لسنة 1975، بموجب القانون رقم 148 لسنة 2019 بإصدار قانون التأمينات الاجتماعية
والمعاشات؛ ذلك أن المقرر في قضاء المحكمة الدستورية العليا أن إلغاء النص
التشريعي المطعون فيه لا يحول دون الفصل في الطعن عليه بعدم الدستورية من قبل من
طبق عليهم ذلك النص خلال فترة نفاذه، وترتبت بمقتضاه آثار قانونية بالنسبة إليهم،
وتبعًا لذلك توافرت لهم مصلحة شخصية في الطعن بعدم دستوريته. إذ كان ذلك، وكان
النص المطعون فيه قد طُبق على المدعي، بحسبانه السند التشريعي الذي استظلت به
الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي لتقرير مسئوليته التضامنية في سداد المستحقات
التأمينية التي يطلب الحكم ببراءة ذمته منها، فإن إلغاء النص المشار إليه، لا يحول
دون توافر مصلحة المدعي في الطعن عليه بعدم الدستورية.
وحيث إن المدعي ينعى على النص المطعون فيه مخالفته نص المادة (40) من
دستور عام 1971 -ويقابلها نص المادة (53) من الدستور الحالي-، تأسيسًا على أنه
ألزم مسند الأعمال، متضامنًا مع المقاول، بالوفاء بالاشتراكات المقررة عن العمال
الذين يستخدمهم المقاول في تنفيذ الأعمال المسندة إليه، وذلك بالمخالفة لقواعد
العدالة والمساواة.
حيث إن الرقابة على دستورية القوانين، من حيث مطابقتها للقواعد
الموضوعية التي تضمنها الدستور، إنما تخضع لأحكام الدستور القائم دون غيره، لكون
هذه الرقابة إنما تستهدف أصلًا - على ما جرى به قضاء هذه المحكمة - صون الدستور
القائم وحمايته من الخروج على أحكامه، وأن نصوص هذا الدستور تمثل دائمًا القواعد
والأصول التي يقوم عليها نظام الحكم، ولها مقام الصدارة بين قواعد النظام العام
التي يتعين التزامها ومراعاتها وإهدار ما يخالفها من التشريعات، باعتبارها أسمى
القواعد الآمرة. متى كان ذلك، وكان النص المطعون فيه قد استمر العمل به حتى تم
إلغاؤه بموجب المادة السادسة من القانون رقم 148 لسنة 2019 بإصدار قانون التأمينات
الاجتماعية والمعاشات؛ ومن ثم فإن هذه المحكمة تباشر رقابتها على دستورية ذلك النص
في ضوء أحكام دستور عام 2014، باعتباره الوثيقة الدستورية السارية.
وحيث إن المقرر في قضاء المحكمة الدستورية العليا أن ما نص عليه الدستور
في المادة (8) من قيام المجتمع على أساس من التضامن الاجتماعي، يعني وحدة الجماعة
في بنيانها، وتداخل مصالحها لا تصادمها، وإمكان التوفيق بينها ومزاوجتها ببعض عند
تزاحمها، واتصال أفرادها ببعض ليكون بعضهم لبعض ظهيرًا، وأن الرعاية التأمينية
ضرورة اجتماعية بقدر ما هي ضرورة اقتصادية، وأن غايتها أن تؤمن المشمولين بها في
مستقبل أيامهم عند تقاعدهم أو عجزهم أو مرضهم، وأن تكفل الحقوق المتفرعة عنها
لأسرهم بعد وفاتهم، وأن الدستور، في مجال دعم التأمين الاجتماعي، ناط بالدولة - في
المادة (17) منه - كفالة توفير خدمات التأمين الاجتماعية ومد خدماته إلى المواطنين
بجميع فئاتهم؛ ذلك أن مظلة التأمين الاجتماعي هى التي تكفل بمداها واقعًا أفضل
يؤمّن المواطن في غده، وينهض بموجبات التضامن الاجتماعي التي يقوم عليها المجتمع.
وحيث إن الدستور قد خطا بمادته السابعة عشرة خطوة أبعد في اتجاه دعم
التأمين الاجتماعي، حين ناط بالدولة أن تكفل لمواطنيها خدماتهم التأمينية، بما في
ذلك تقرير معاش لمواجهة بطالتهم أو عجزهم عن العمل أو شيخوختهم في الحدود التي
يبينها القانون، وأضفى حماية خاصة لأموال التأمينات والمعاشات، بحسبانها وعوائدها
حقًّا للمستفيدين منها، فذلك لأن مظلة التأمين الاجتماعي، التي يمتد نطاقها إلى
الأشخاص المشمولين بها، هي التي تكفل لكل مواطن الحد الأدنى لمعيشة كريمة لا
تُمتهن فيها آدميته، والتي توفر لحريته الشخصية مناخها الملائم، ولضمانة الحق في
الحياة أهم روافدها، وللحقوق التي يمليها التضامن بين أفراد الجماعة التي يعيش في
محيطها مقوماتها، بما يؤكد انتماءه إليها، وتلك هى الأسس الجوهرية التي لا يقوم
المجتمع بدونها.
وحيث إن مبدأ المساواة أمام القانون يتعين تطبيقه على المواطنين
كافةً؛ باعتباره أساس العدل والحرية والسلام الاجتماعي، وعلى تقدير أن الغاية التي
يستهدفها تتمثل أصلًا في صون حقوق المواطنين وحرياتهم في مواجهة صور التمييز التي
تنال منها أو تقيد ممارستها، وأضحى هذا المبدأ - في جوهره - وسيلة لتقرير الحماية
القانونية المتكافئة التي لا يقتصر نطاق تطبيقها على الحقوق والحريات المنصوص عليها
في الدستور، بل يمتد مجال إعمالها كذلك إلى تلك التي كفلها المشرع للمواطنين في
حدود سلطته التقديرية، وعلى ضوء ما يرتئيه محققًا للصالح العام.
وحيث إن الأصل في النصوص القانونية هو ارتباطها عقلًا بأهدافها،
باعتبارها وسائل صاغها المشرع لتحقيقها؛ فمن ثم يتعين، لاتفاق التنظيم التشريعي مع
الدستور، أن تتوافر علاقة منطقية بين الأغراض المشروعة التي اعتنقها المشرع في
موضوع محدد، وفاءً لمصلحة عامة لها اعتبارها، وبين الوسائل التي انتهجها طريقًا
لبلوغها، فلا تنفصل النصوص القانونية التي نظم بها المشرع هذا الموضوع عن أهدافها،
بل يتعين أن تكون مدخلًا إليها.
وحيث إن المقرر في قضاء هذه المحكمة أن الأصل في سلطة المشرع في مجال
تنظيم الحقوق، أنها سلطة تقديرية ما لم يقيدها الدستور بضوابط معينة، وكان جوهر
السلطة التقديرية يتمثل في المفاضلة التي يجريها المشرع بين البدائل المختلفة لاختيار
ما يقدر أنه أنسبها لمصلحة الجماعة، وأكثرها ملاءمة للوفاء بمتطلباتها، في خصوص
الموضوع الذي يتناوله بالتنظيم.
وحيث إنه عن النعي على النص المطعون فيه مخالفته مبدأ المساواة، فإنه
مردود بأن الأصل في التكليف بالوفاء بحصة صاحب العمل في اشتراك التأمين الاجتماعي
عن المؤمن عليهم من عمال المقاولات، واستقطاع حصة هؤلاء من أجورهم وأدائها إلى
الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي، وعلى ما يجري به مفهوم نص المادة (129) من
قانون التأمين الاجتماعي المار بيانه، أنه يقع على عاتق مالك البناء، بصفته صاحب
العمل، على أنه في الأحوال التي يُسند فيها مالك البناء الأعمال إلى مقاول، التزم
الأخير بأداء تلك الاشتراكات، شريطة أن يخطر مالك البناء - بوصفه مُسند الأعمال-
الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي باسم ذلك المقاول وبياناته عن العملية قبل بدء
العمل بثلاثة أيام على الأقل، فإذا لم يخطر بذلك يظل الالتزام بأداء اشتراك
التأمين الاجتماعي عن عمال المقاولات قائمًا في مواجهته، بالتضامن مع المقاول، بما
مؤداه أن النص المطعون فيه أقام تفرقة مبررة بين مُسند الأعمال إلى مقاول قام
بإخطار الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي ببياناته ليؤدي اشتراك صاحب العمل عن
عمال المقاولات التابعين له، وبين مُسند الأعمال الذي نكل عن تنفيذ التزامه
بالإخطار، بما يعوق الهيئة المذكورة عن استيداء مستحقاتها من اشتراكات التأمين على
عمال المقاولات، ويعطل الغايات التي استهدفها القانون المار ذكره من بسط مظلة
الحماية الاجتماعية على فئة مستضعفة من أولئك العاملين، تأمينًا لهم من مخاطر
العجز والمرض والبطالة، ولذويهم بعد وفاتهم، وفي ذلك يتفق النص المطعون فيه، بكامل
أحكامه، مع مبدأ التضامن الاجتماعي الذي كفله الدستور، ولا يتضمن تمييزًا غير مبرر
بين المخاطبين بأحكامه، ويغدو النعي عليه بمخالفته مبدأ المساواة لا سند له،
خليقًا برفضه.
وحيث إن النص المطعون فيه لا يخالف أي نص آخر من نصوص الدستور؛ فإن
لازم ذلك القضاء برفض الدعوى.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة برفض الدعوى، ومصادرة الكفالة، وألزمت المدعي المصروفات
ومبلغ مائتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق