الصفحات

البحث الذكي داخل المدونة

تحميل وطباعة هذه الصفحة

Print Friendly and PDF

الأربعاء، 30 سبتمبر 2026

الطعن 940 لسنة 47 ق جلسة 22 / 1 / 1978 مكتب فني 29 ق 14 ص 74

جلسة 22 من يناير سنة 1978

برياسة السيد المستشار حسن علي المغربي نائب رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: أحمد فؤاد جنينه، ويعيش رشدي، ومحمد وهبه، وأحمد طاهر خليل.

-----------------

(14)
الطعن رقم 940 لسنة 47 القضائية

(1، 2) قتل خطأ. نيابة عامة. مأمور الضبط القضائي. إثبات "شهود". "خبرة". دفاع. "الإخلال بحق الدفاع. ما لا يوفره". نقض "أسباب الطعن. ما لا يقبل منها".
(1) حق عضو النيابة. بوصفه رئيساً للضبطية القضائية. في الاستعانة بأهل الخبرة وفي طلب رأيهم شفهيا أو بالكتابة بغير حلف يمين. المادة 29 إجراءات جنائية.
(2) لمحكمة الموضوع الأخذ بأقوال الشاهد في أية مرحلة ولو خالفت ما شهد به أمامها. دون إلزام ببيان العلة. لها كامل الحرية في تقدير القوة التدليلية لتقرير الخبير المقدم إليها وفي مفاضلة التقارير عند تعددها.
قول الحكم يتوافر الخطأ في جانب المتهم استناداً إلى ما شهد به أعضاء لجنة فنية. رغم عدم القيام بأية تجارب معملية. لا يعيبه.
النعي على المحكمة قعودها عن إجراء لم يطلب منها. غير مقبول.

-----------------
1 - لما كان الحكم الابتدائي المؤيد لأسبابه والمكمل بالحكم المطعون فيه - بين واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية لجريمة القتل الخطأ التي دان الطاعن بها وأورد على ثبوتها في حقه أدلة سائغة تؤدي إلى ما رتبه الحكم عليها، لما كان ذلك وكان النعي على الحكم استناده إلى تقرير لجنة الإسكان بقالة أنه لم يصدر قرار بندبها من سلطة التحقيق ولم يؤد أعضاؤها اليمين القانونية قبل مباشرة المأمورية المندوبين لها فقد قام الحكم الابتدائي بالرد عليه بقوله: "وحيث إن الثابت من الأوراق أن النيابة العامة هي التي قامت بتحقيق الواقعة بنفسها وكذلك أصدرت قرارها بتشكيل لجنة من السادة مهندسي وزارة الإسكان ومن ثم يكون ندب هذه اللجنة قد صدر منها باعتبارها سلطة تحقيق. هذا بالإضافة إلى أن الأصل أن الإجراءات المتعلقة بالشكل كتحليف الخبراء اليمين على إبداء رأيهم بالذمة إعمالاً للمادة 86 من قانون الإجراءات الجنائية قد روعيت ولم يقدم المتهم دليلاً ما يثبت أن أعضاء اللجنة سالفة الذكر لم يحلفوا اليمين القانونية قبل إبداء رأيها ومن ثم يضحى ما يثيره المتهم في هذا الخصوص على أساس غير سليم من القانون خليقاً بالرفض". وهو رد سائغ، فضلاً عن ذلك فإنه وإن أوجب القانون على الخبراء أن يحلفوا يميناً أمام سلطة التحقيق بأن يبدوا رأيهم بالذمة وأن يقدموا تقريرهم كتابة إلا أنه من المقرر أن عضو النيابة بوصف كونه صاحب الحق في إجراء التحقيق ورئيس الضبطية القضائية له من الاختصاص ما خوله القانون لسائر رجال الضبطية القضائية طبقاً للمادتين 24 و31 من قانون الإجراءات الجنائية، لما كان ذلك وكانت المادة 29 من هذا القانون تجيز لمأموري الضبط القضائي أثناء جمع الاستدلالات أن يستعينوا بأهل الخبرة وأن يطلبوا رأيهم شفهياً أو بالكتابة بغير حلف يمين، وكان القانون لا يشترط في مواد الجنح والمخالفات إجراء أي تحقيق قبل المحاكمة، فإنه على فرض صحة ما نعاه الطاعن في هذا الخصوص - فإنه ليس ثمة ما يمنع من الأخذ بما جاء بتقرير اللجنة وبما شهد به أعضاؤها ولو لم يحلفوا اليمين قبل مباشرة المأمورية على أنه ورقة من أوراق الاستدلال في الدعوى المقدمة للمحكمة وعنصراً من عناصرها ما دام أنه كان مطروحاً على بساط البحث وتناوله الدفاع بالتفنيد والمناقشة - كما هو الحال في الدعوى الماثلة - ومن ثم يضحى هذا النعي في غير محله.
2 - لما كان وزن أقوال الشاهد مرجعه إلى محكمة الموضوع ولها الأخذ بها في أية مرحلة ولو كانت مخالفة لما شهد به أمامها دون تلتزم ببيان السبب وفي أخذها بأقوال الشاهد ما يفيد إطراحها جميع الاعتبارات التي ساقها الدفاع لحملها على عدم الأخذ بها، وكان لها كامل الحرية في تقدير القوة التدليلية لتقرير الخبير المقدم إليها ما دامت قد اطمأنت إلى ما جاء به فلا يجوز مجادلتها فيه، وكان الحكم المطعون فيه قد تكفل بالرد على ما أثاره المدافع عن الطاعن بشأن التدليل على توافر الخطأ في حق الطاعن بما ورد بتقرير اللجنة وبشهادة أعضائها دون القيام بأي تجارب معملية، واكتفاء بما شاهدوه بالعين المجردة بقوله: "..... وهذه المحكمة رأت وقوفاً على وجه الحق في الدعوى واستجلاء للحقيقة سماع أقوال أعضاء تلك اللجنة المذكورة أسماؤهم في المحضر وبسؤالهم اتفقت كلمتهم على أن سبب انهيار المنزل كان بسبب خطأ المتهم متمثلاً في رداءة خلطه الأسمنت والرمل والزلط وعدم التزام المتهم الأصول الفنية في البناء باستعمال حديد مسحوب لا يصلح للبناء ولم يراع المسافات القانونية بين كل سيخ وآخر ولم يضع الكوابيل اللازمة في الأعمدة وكان دفاع المتهم أن التحقيق كان قاصراً لعدم إرسال عينة من مخلفات المبنى لحساب قيمة الجهد الذي يتحمله المبنى وأن هذا الدفاع في غير محله لأن جميع أعضاء اللجنة قرروا بأن سبب الانهيار وهو عدم تحمل الأعمدة الخرسانية البناء القائم عليها بسبب رداءة الصنع والمواد المستعملة في البناء وأن ذلك يبين بالعين المجردة دون الحاجة إلى الرجوع إلى المعامل للتحليل"، كما نقل الحكم الابتدائي عن تقرير اللجنة أنه تبين لها بعد معاينتها العقار المنهار....." أن المتهم قام ببناء بدروم ودور أرضي وخمسة أدوار علوية هيكل خرساني على أساسات منفصلة وحدث انهيار كامل المبنى وقد وجد من المعاينة أن مستوى التنفيذ رديء جدا وواضح أن خلطات الهيكل الخرساني ضعيفة للغاية سواء في نوعية الأسمنت أو الرمل الذي تدخل فيه بعض شوائب ولا تنطبق عليه مواصفات حبيبات الرمل الواجب استخدامها في الخرسانة المسلحة كما أن الزلط غير متدرج وبه نسبة عالية من الزلط الكبير كما أن جميع الحديد المستعمل من الحديد المسحوب الغير مسموح باستعماله، كما أن متوسط سمك الأسمنت في الأجزاء التي وجدت أقل من السمك الذي يجب ألا يقل عن 10 سم وحديد التسليح وتوزيعه أقل من الكميات التصميمية المقررة سواء في الأقطار المستعملة أو نسبته وتوزيعه على السطح أو سقوطه..... كما أن قطاعات الكمرات أقل من القطاعات التصميمية بالنسبة لأطوالها والأحمال الواقعة عليها علاوة على قلة نسبة حديد التسليح بها وعدم اتباع الأصول الفنية في استخدامه بالنسبة للعزم كما أن الحديد المستعمل في الأعمدة من أقطار 3/ 8 بوصة الغير مسموح باستعماله في تسليح الأعمدة وموضوع بطريقة غير فنية والكانات بالأعمدة من حديد 1/ 8 بوصة وتوجد قطاعات كاملة من الأعمدة بدون كأنات ولا توجد أشاير ربط..... بالإضافة إلى أن المتهم قام بتنفيذ كامل البناء في مدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر مخالفاً بذلك المواصفات الزمنية اللازمة لتنفيذ الأعمال الإنشائية والمعمارية"...... لما كان ذلك، وكان من المقرر أن تقدير آراء الخبراء والمفاضلة بين تقاريرهم والفصل فيما يوجه إلى تقاريرهم من اعتراضات مرجعه إلى محكمة الموضوع التي لها كامل الحرية في تقدير القوة التدليلية لتقرير الخبير المقدم إليها دون أن تلتزم بندب خبير آخر ما دام استنادها في الرأي الذي انتهت إليه هو استناد سليم لا يجافي المنطق والقانون، وكان يبين من مدونات الحكمين الابتدائي والاستئنافي أن محكمة الموضوع أقامت قضاءها ما على ما اقتنعت به من أسانيد حواها تقرير أعضاء لجنة الإسكان الذي لم ينازع الطاعن في صحة ما نقله الحكم عنه، وعلى ما شهد به أعضاء تلك اللجنة أمام المحكمة الاستئنافية بما لا يخرج عما تضمنه التقرير، وأوضح الحكمان تفصيلاً الأخطاء التي وقعت من الطاعن والتي اكتشفها أعضاء اللجنة بالعين المجردة من معاينة المبنى بعد انهياره بما يوفر في حقه ركن الخطأ في الجريمة التي دين عنها. لما كان ذلك، فإنه لا يجوز مصادرتها في عقيدتها التي خلصت إليها في منطق سائغ كما أنه لا يصح النعي عليها عدم أخذها بالنتيجة التي انتهى إليها تقرير خبير الجدول ذلك أن ما يثيره الطاعن في هذا الشأن ينحل إلى جدل في تقدير الدليل مما لا يجوز إثارته أمام محكمة النقض. لما كان ذلك، وكان الطاعن لم يطلب إلى محكمة الموضوع ندب خبير آخر من غير مهندسي مديرية الإسكان تحقيقاً لما ادعاه في طعنه فإنه لا يصح له أن ينعى على المحكمة قعودها عن إجراء لم يطلبه منها. لما كان ما تقدم، فإن الطعن برمته يكون على غير أساس متعيناً رفضه موضوعاً.


الوقائع

اتهمت النيابة العامة الطاعن بأنه "تسبب خطأ في موت..... و...... وكان ذلك ناشئاً عن إهماله وإخلاله إخلالاً جسيماً بما تفرضه عليه أصول حرفته بأن لم يطبق المواصفات الفنية للتنفيذ في البناء المبين بالمحاضر. كما استعمل في بنائه مواد رديئة مما أدى إلى ضعف الخراسنات وعدم تحمل أعمدة البناء للأحمال الواقعة عليها كما أتم التنفيذ في مدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر مخالفاً بذلك المواصفات الزمنية اللازمة لتنفيذ الأعمال الإنشائية والمعمارية وقد ترتب على ذلك تفتت الأعمدة الحاملة للهيكل الخرسانى للبدروم وحدوث انهيار كامل للمبنى فحدثت إصابات المجني عليهم سالفي البيان والتي أودت بحياتهم. وطلبت عقابه بالمادة 238/ 302 من قانون العقوبات. ومحكمة مصر الجديدة الجزئية قضت حضورياً عملاً بمادة الاتهام بحبس المتهم سبع سنوات مع الشغل وكفالة خمسمائة جنيهاً لوقف التنفيذ. فاستأنف المحكوم عليه هذا الحكم. ومحكمة القاهرة الابتدائية - بهيئة استئنافية - قضت حضورياً بقبول الاستئناف شكلاً وفي الموضوع برفضه وتأييد الحكم المستأنف. فطعن المحكوم عليه في هذا الحكم بطريق النقض... إلخ.


المحكمة

حيث إن الطاعن ينعى على الحكم المطعون فيه أنه إذ دانه بجريمة القتل الخطأ قد شابه خطأ في تطبيق القانون وفساد في الاستدلال وقصور في التسبيب وإخلال بحق الدفاع ذلك بأنه عول في إدانته على تقرير لجنة الإسكان وشهادة أعضائها رغم ما دفع به من بطلان أعمال تلك اللجنة لعدم صدور قرار بالندب من سلطة التحقيق ولأن أعضاءها لم يؤدوا اليمين القانونية قبل مباشرتهم المأمورية لمندوبين لها، ورد الحكم على هذا الدفع رداً غير سائغ، كما استدل الحكم على توافر الخطأ في حق الطاعن بما شهد به أعضاء اللجنة من أنه تبين لهم بالعين المجردة رداءه مكونات خليط الأسمنت والزلط والرمل ومن استعماله حديداً مسحوباً غير جائز استعماله في الخرسانة، ومن عدم مراعاته المسافات القانونية بين أسياخ الحديد وعدم وضع الكوابل اللازمة للأعمدة، في حين أن أحد أعضاء تلك اللجنة قرر في تحقيقات النيابة أنه كان يتعين إجراء تحليل معملي لبيان مدى ضعف العينات الخرسانية واستكمال الدراسات الإنشائية من واقع الرسومات وما تم تنفيذه لتحديد جهود الشد الواقعة على أحمال المبنى والكشف على الأساسات واستكمال التحليلات للتحقق من صلاحية التربة وسلامة الأساسات وتنفيذ الشدادات اللازمة لربط القواعد الجانبية، ويتفق الشاهد في ذلك مع ما طلبته اللجنة المشكلة برئاسة السيد وكيل كلية هندسة عين شمس وما طلبه مكتب خبراء وزارة العدل - كما شهد بجلسة المحاكمة الاستئنافية عندما استوضحته المحكمة عن جدوى التحليل المعملي لمكونات الخرسانة بأن التحليل المعملي يحدد الجهد الذي تتحمله الخرسانة وأنه على الرغم من عدم إجراء هذا التحليل فقد قام بتحديد الجهد بأنه أقل من المطلوب مؤسساً ذلك على واقع الرسم والطبيعة دون أن يبين كيفية إمكان احتساب الجهد بنسبة معينة دون إجراء تجارب معملية على عينات تؤخذ من الموقع، بما يجعل تلك الأقوال الغير مدعمة بدليل فني غير صالحة للاستدلال على توافر الخطأ في حق الطاعن. هذا إلى أن المحكمة الاستئنافية أطرحت تقرير خبير الجدول الذي ندبته والذي خلص إلى أن سبب انهيار المبنى هو أخطاء فنية في التصميم المعماري ونفى أن يكون سببه الإنشاءات، بقالة أنها لا تطمئن إليه دون بيان لأسانيد عدم اطمئنانها، وفضلاً على ذلك فقد عاب الطاعن على أقوال الشهود من لجنة الإسكان أن شهادتهم على النحو الذي شهدوا به كان مبعثها درء المسئولية الملقاة على عاتقهم نتيجة تقصيرهم في مراجعة الرسم الهندسي قبل إصدار الترخيص بالمبنى الأمر الذي يوجب ندب هيئة محايدة لإبداء رأيها في سبب الحادث، ورغم جوهرية هذا الدفاع الذي قد يترتب على تحقيقه تغير وجه الرأي في الدعوى فإن المحكمة لم تجبه إليه، كل ذلك مما يعيب الحكم ويوجب نقضه.
وحيث الحكم الابتدائي المؤيد لأسبابه والمكمل بالحكم المطعون فيه - بين واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية لجريمة القتل الخطأ التي دان الطاعن بها وأورد على ثبوتها في حقه أدلة سائغة تؤدى إلى ما رتبه الحكم عليها، لما كان ذلك، وكان النعي على الحكم استناده إلى تقرير لجنة الإسكان بقالة أنه لم يصدر قرار بندبها من سلطة من سلطة التحقيق ولم يؤد أعضاؤها اليمين القانونية قبل مباشرة المأمورية المندوبين لها فقد قام الحكم الابتدائي بالرد عليه بقوله: "وحيث إن الثابت من الأوراق إن النيابة العامة هي التي قامت بتحقيق الواقعة بنفسها وكذلك أصدرت قرارها بتشكيل لجنة من السادة مهندسي وزارة الإسكان ومن ثم يكون ندب هذه اللجنة قد صدر منها باعتبارها سلطة تحقيق، هذا بالإضافة إلى أن الأصل أن الإجراءات المتعلقة بالشكل كتحليف الخبراء اليمين على إبداء رأيهم بالذمة إعمالاً للمادة 86 من قانون الإجراءات الجنائية قد روعيت ولم يقدم المتهم دليلاً ما يثبت أن أعضاء اللجنة سالفة الذكر لم يحلفوا اليمين القانونية قبل إبداء رأيها، ومن ثم يضحي ما يثيره المتهم في هذا الخصوص على غير أساس غير سليم من القانون خليقاً بالرفض". وهو رد سائغ، فضلاً عن ذلك فإنه وإن أوجب القانون على الخبراء أن يحلفوا يميناً أمام سلطة التحقيق بأن يبدو رأيهم بالذمة وأن يقدموا تقريرهم كتابة إلا أنه من المقرر أن عضو النيابة بوصف كونه صاحب الحق في إجراء التحقيق ورئيس الضبطية القضائية له من الاختصاص ما خوله القانون لسائر رجال الضبطية القضائية طبقاً للمادتين 24 و31 من قانون الإجراءات الجنائية، لما كان ذلك، وكانت المادة 29 من هذا القانون تجيز لمأموري الضبط القضائي أثناء جمع الاستدلالات أن يستعينوا بأهل الخبرة وأن يطلبوا رأيهم شفهيا أو بالكتابة بغير حلف يمين، وكان القانون لا يشترط في مواد الجنح والمخالفات إجراء أي تحقيق قبل المحاكمة، فإنه على فرض صحة ما نعاه الطاعن في هذا الخصوص - فإنه ليس ثمة ما يمنع من الأخذ بما جاء بتقرير اللجنة وبما شهد به أعضاؤها ولو لم يحلفوا اليمين قبل مباشرة المأمورية على أنه ورقة من أوراق الاستدلال في الدعوى المقدمة للمحكمة وعنصراً من عناصرها ما دام أنه كان مطروحاً على بساط البحث وتناوله الدفاع بالتفنيد والمناقشة - كما هو الحال في الدعوى الماثلة - ومن ثم يضحى هذا النعي في غير محله. لما كان ذلك، وكان وزن أقوال الشاهد مرجعه إلى محكمة الموضوع ولها الأخذ بها في أية مرحلة ولو كانت مخالفة لما شهد به أمامها دون تلتزم ببيان السبب وفي أخذها بأقوال الشاهد ما يفيد إطراحها جميع الاعتبارات التي ساقها الدفاع لحملها على عدم الأخذ بها، وكان لها كامل الحرية في تقدير القوة التدليلية لتقرير الخبير المقدم إليها ما دامت قد اطمأنت إلى ما جاء به فلا يجوز مجادلتها فيه، وكان الحكم المطعون فيه قد تكفل بالرد على ما أثاره المدافع عن الطاعن بشأن التدليل على توافر الخطأ في حق الطاعن بما ورد بتقرير اللجنة وبشهادة أعضائها دون القيام بأي تجارب معملية، واكتفائه بما شاهدوه بالعين المجردة بقوله...... وهذه المحكمة رأت وقوفاً على وجه الحق في الدعوى واستجلاء للحقيقة سماع أقوال أعضاء تلك اللجنة المذكورة أسماؤهم في المحضر وبسؤالهم اتفقت كلمتهم على أن سبب انهيار المنزل كان بسبب خطأ المتهم متمثلاً في رداء خلطه الأسمنت والرمل والزلط وعدم التزام المتهم الأصول الفنية في البناء باستعمال حديد مسحوب لا يصلح للبناء ولم يراع المسافات القانونية بين كل سيخ وآخر ولم يضع الكوابيل اللازمة في الأعمدة وكان دفاع المتهم أن التحقيق كان قاصراً لعدم إرسال عينة من مخلفات المبنى لحساب قيمة الجهد الذي يتحمله المبنى وإن هذا الدفاع في غير محله لأن جميع أعضاء اللجنة قرروا بأن سبب الانهيار هو عدم تحمل الأعمدة الخرسانية البناء القائم عليها بسبب رداءة الصنع والمواد المستعملة في البناء وأن ذلك يبين بالعين المجردة دون الحاجة إلى الرجوع إلى المعامل للتحليل، كما نقل الحكم الابتدائي عن تقرير اللجنة أنه تبين لها بعد معاينتها العقار المنهار..... أن المتهم قام ببناء بدروم أرضي وخمسة أدوار علوية هيكل خرساني على أساسات منفصلة وحدث انهيار كامل المبنى وقد وجد من المعاينة أن مستوى التنفيذ رديء جداً وواضح أن خلطات الهيكل الخرساني ضعيفة للغاية سواء في نوعية الأسمنت أو الرمل الذي تدخل فيه بعض شوائب ولا تنطبق عليه مواصفات حبيبات الرمل الواجب استخدامها في الخرسانة المسلحة كما أن الزلط غير متدرج وبه نسبة عالية من الزلط الكبير كما أن جميع الحديد المستعمل من الحديد المسحوب الغير مسموح باستعماله، كما أن متوسط سمك الأسمنت في الأجزاء التي وجدت أقل من السمك الذي يجب ألا يقل عن 10 سم وحديد التسليح وتوزيعه أقل من الكميات التصميمية المقررة سواء في الأقطار المستعملة أو نسبته وتوزيعه على السطح أو سقوطه...... كما أن قطاعات الكمرات أقل من القطاعات التصميمية بالنسبة لأطوالها والأحمال الواقعة عليها علاوة على قلة نسبة حديد التسليح بها وعدم اتباع الأصول الفنية في استخدامه بالنسبة للعزم كما أن الحديد المستعمل في الأعمدة من أقطار 3/ 8 بوصة الغير مسموح باستعماله في تسليح الأعمدة وموضوع بطريقة غير فنية والكانات بالأعمدة من حديد 1/ 8 بوصة وتوجد قطاعات كاملة من الأعمدة بدون كانات ولا توجد أشاير ربط..... بالإضافة إلى أن المتهم قام بتنفيذ كامل البناء في مدة لا تتجوز ثلاثة أشهر مخالفاً بذلك المواصفات الزمنية اللازمة لتنفيذ الأعمال الإنشائية والمعمارية......." لما كان ذلك، وكان من المقرر أن تقدير آراء الخبراء والمفاضلة بين تقاريرهم والفصل فيما يوجه إلى تقاريرهم من اعتراضات مرجعه إلى محكمة الموضوع التي لها كامل الحرية في تقدير القوة التدليلية لتقرير الخبير المقدم إليها دون أن تلتزم بندب خبير آخر ما دام استنادها في الرأي الذي انتهت إليه هو استناد سليم لا يجافي المنطق والقانون، وكان يبين من مدونات الحكمين الابتدائي والاستئنافي أن محكمة الموضوع أقامت قضاءها على ما اقتنعت به من أسانيد حواها تقرير أعضاء لجنة الإسكان الذي لم ينازع الطاعن في صحة ما نقله الحكم عنه، وعلى ما شهد به أعضاء تلك اللجنة أمام اللجنة أمام المحكمة الاستئنافية بما لا يخرج عما تضمنه التقرير، وأوضح الحكمان تفصيلاً الأخطاء التي وقعت من الطاعن والتي اكتشفها أعضاء اللجنة بالعين المجردة من معاينة المبنى بعد انهياره بما يوفر في حقه ركن الخطأ في الجريمة التي دين عنها، لما كان ذلك، فإنه لا يجوز مصادرتها في عقيدتها التي خلصت إليها في منطق سائغ، كما أنه لا يصح النعي عليها عدم أخذها بالنتيجة التي انتهى إليها تقرير خبير الجدول ذلك أن ما يثيره الطاعن في هذا الشأن ينحل إلى جدل في تقدير الدليل مما لا يجوز إثارته أمام محكمة النقض. لما كان ذلك، وكان الطاعن لم يطلب إلى محكمة الموضوع ندب خبير آخر من غير مهندسي مديرية الإسكان تحقيقاً لما ادعاه في طعنه فإنه لا يصح له أن ينعى على المحكمة قعودها عن إجراء لم يطلبه منها. لما كان ما تقدم، فإن الطعن برمته يكون على غير أساس متعيناً رفضه موضوعاً.

الطعن 706 لسنة 47 ق جلسة 22 / 1 / 1978 مكتب فني 29 ق 13 ص 70

جلسة 22 من يناير سنة 1978

برياسة السيد المستشار حسن علي المغربي نائب رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: أحمد فؤاد جنينة، وأحمد طاهر خليل، ومحمد علي بليغ، ومحمد حلمي راغب.

-----------------

(13)
الطعن رقم 706 لسنة 47 القضائية

تبديد. حكم. "تسبيبه. تسبيب غير معيب". دفاع. "الإخلال بحق الدفاع. ما يوفره". نقض. "أسباب الطعن. ما يقبل منها".
تمسك الطاعن بأن المنقولات موضوع الاتهام بيعت جبرياً وفاءً لدين له وأخرى على المجني عليه. وتقديمه صورة محضر حجز تساند ذلك. التفات الحكم عن هذا المستند وعن تحقيق مؤداه. إخلال بحق الدفاع.

----------------

لما كان يبين من مطالعة الحكم المطعون فيه أنه عرض لحافظة المستندات المقدمة من الطاعن بإحدى جلسات المعارضة الاستئنافية بقوله: "ومن حيث إن المتهم تقدم بحافظة مستندات طويت على صورة عريضة الدعوى 5239 سنة 1967 مدني مستعجل إسكندرية عن الحكم الصادر فيها بطرد المجني عليها من الأرض الموضحة بالصحيفة وعقد الإيجار المؤرخ 16/ 1/ 1961 وتسليمها خالية وكذا محضر الطرد والتسليم وثابت به استلام المتهم للشاليه وما وجد بداخله، ثم محضر جرد وإشهار مزايدة وبيع بالنسبة للمنقولات ولم يأت ذكر للشاليه ومخلفاته والثابت بمحضر الطرد المؤرخ 28/ 1/ 1968 أوصافه الواردة بالمحضر المذكور والمسلمة للمتهم على سبيل الوديعة كما لم يثبت هذه الأشياء ضمن محضر الجرد المؤرخ 3/ 2/ 1969 ومن ثم يضحى الاتهام ثابتاً قبل المتهم........."، لما كان ذلك، وكان يبين من الاطلاع على محاضر جلسات المعارضة الاستئنافية وعلى المفردات المضمومة تحقيقاً لوجه الطعن أن الطاعن قدم أثناء نظر المعارضة حافظتي مستندات اشتملت أولاهما على المستندات التي أشار إليها الحكم المطعون فيه، كما كان من بين ما اشتملت عليه الحافظة الثانية التي لم يعرض لها الحكم، صورة من محضر الحجز التحفظي المؤرخ 11/ 1/ 1969 الموقع بناء على طلب الطاعن وأخرى على أنقاض الشاليه من الأخشاب ضد المجني عليها....... وفاء لمبلغ 30 ج و520 م، وكان هذا المستند متعلقاً بدفاع جوهري للطاعن قد يترتب على تحقيقه تغير وجه الرأي في الدعوى فإنه كان يتعين على المحكمة أن تعني بتحقيقه وتقسطه حقه من البحث والتمحيص، لما كان ما تقدم، فإن الحكم المطعون فيه يكون قد انطوى على إخلال بحق الدفاع.


الوقائع

اتهمت النيابة العامة الطاعن بأنه بدد الأشياء والمنقولات المبينة وصفاً وقيمة بالمحضر والمملوكة لـ.......... والتي سلمت إليه على سبيل الوديعة فاختلسها لنفسه أضراراً بالمالكة الحاجزة. وطلبت عقابه بالمادتين 341 و342 من قانون العقوبات. ومحكمة المنتزه الجزئية قضت حضورياً عملاً بمادتي الاتهام بحبس المتهم شهراً مع الشغل وكفالة ثلاثة جنيهات للإيقاف. فاستأنف المحكوم عليه هذا الحكم ومحكمة الإسكندرية الابتدائية - بهيئة استئنافية - قضت غيابياً بقبول الاستئناف شكلاً وفى الموضوع برفضه وتأييد الحكم المستأنف. فعارض وقضى بقبولها شكلاً وفى الموضوع برفضه وتأييد الحكم المعارض فيه فطعن الوكيل عن الطاعن في هذا الحكم بطريق النقض... إلخ.


المحكمة

حيث إن الطاعن ينعى على الحكم المطعون فيه أنه إذ دانه بجريمة تبديد قد شابه خطأ في تطبيق القانون وإخلال بحق الدفاع، ذلك بأنه دفع بأن الواقعة التي دين عنها غير مؤثمة إذ أنه يداين المجني عليها بدين أجره استصدر به أمر أداء، وبمصاريف دعوى وأوقع بهذين الدينين حجزين تنفيذيين على منقولات المجني عليها بداخل الشاليه - المقام منها على قطعة الأرض المؤجرة إليها والتي قضى بطردها منها - وعلى أنقاض الشاليه من الأخشاب، وكان الطاعن قد تسلم المنقولات وأنقاض الشاليه بصفة وديعة، وتم بيع المنقولات وفاء لهذين الدينين، وأنه على الرغم من إبدائه هذا الدفاع الجوهري أمام المحكمة الاستئنافية وتقديمه المستندات المؤيدة له ومنها محضر الحجز الموقع على الأنقاض بتاريخ 11 من يناير سنة 1969 إلا أنها لم تمحص هذه المستندات ولم تقل كلمتها فيها وقضت في الدعوى دون أن تعرض لدفاعه إيراداً ورداً بما يعيب الحكم ويوجب نقضه.
وحيث إنه يبين من مطالعة الحكم المطعون فيه أنه عرض لحافظة المستندات المقدمة من الطاعن بإحدى جلسات المعارضة الاستئنافية بقوله: "ومن حيث إن المتهم تقدم بحافظة مستندات طويت على صورة عريضة الدعوى 5239 سنة 1967 مدني مستعجل إسكندرية عن الحكم الصادر فيها بطرد المجني عليها من الأرض الموضحة بالصحيفة وعقد الإيجار المؤرخ 16/ 1/ 1961 وتسليمها خالية وكذا محضر الطرد والتسليم وثابت به استلام المتهم للشاليه وما وجد بداخله، ثم محضر جرد وإشهار مزايدة وبيع بالنسبة للمنقولات ولم يأت ذكر للشاليه ومخلفاته والثابت بمحضر الطرد المؤرخ 28/ 1/ 1968 أوصافه الواردة بالمحضر المذكور والمسلمة للمتهم على سبيل الوديعة كما لم يثبت بيع هذه الأشياء ضمن محضر الجرد المؤرخ 3/ 2/ 1969 ومن ثم يضحى الاتهام ثابتاً قبل المتهم...."، لما كان ذلك، وكان يبين من الاطلاع على محاضر جلسات المعارضة الاستئنافية وعلى المفردات المضمومة تحقيقاً لوجه الطعن أن الطاعن قدم أثناء نظر المعارضة حافظتي مستندات اشتملت أولاهما على المستندات التي أشار إليها الحكم المطعون فيه، كما كان من بين ما اشتملت عليه الحافظة الثانية التي لم يعرض لها الحكم، صورة من محضر الحجز التحفظي المؤرخ 11/ 1/ 1969 الموقع بناء على طلب الطاعن وأخرى على أنقاض الشاليه من الأخشاب ضد المجني عليها....... وفاء لمبلغ 30 ج و520 م، وكان هذا المستند متعلقاً بدفاع جوهري للطاعن قد يترتب على تحقيقه تغير وجه الرأي في الدعوى، فإنه كان يتعين على المحكمة أن تعني بتحقيقه تقسطه حقه من البحث والتمحيص. لما كان ما تقدم، فإن الحكم المطعون فيه يكون قد انطوى على إخلال بحق الدفاع ويتعين نقضه والإحالة دون حاجة لبحث الوجه الآخر من وجهي الطعن.

الطعن 161 لسنة 3 ق جلسة 29 / 6 / 1957 إدارية عليا مكتب فني 2 ج 3 ق 137 ص 1335

جلسة 29 من يونيه سنة 1957

برياسة السيد/ السيد علي السيد رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة السيد إبراهيم الديواني والإمام الإمام الخريبي وعلي إبراهيم بغدادي ومصطفى كامل إسماعيل المستشارين.

------------------

(137)

القضية رقم 161 لسنة 3 القضائية

(أ) طعن 

- شمول الحكم المطعون فيه لشقين أحدهما بالإلغاء والآخر بالتعويض - الطعن في أحد الشقين فقط أمام المحكمة الإدارية العليا يثير المنازعة برمتها ما دام الطلبان مرتبطين ارتباطاً جوهرياً - كلاهما يقوم على أساس قانوني واحد هو عدم مشروعية القرار الإداري - الإلغاء هو طعن بالبطلان بطريق مباشر، والتعويض طعن بالبطلان بالطريق غير المباشر.
(ب) رقابة القضاء الإداري 

- القوانين والقرارات التنظيمية العامة التي تمت في عهد الثورة قبل صدور الدستور - تمتعها بحصانة تعصمها من السقوط أو من المجادلة في قوة نفاذها - القرارات التي صدرت من مجلس قيادة الثورة وما يتصل بها من قوانين وقرارات - تمتعها بنفس الحصانة - المادتان 190 و191 من الدستور - سريانهما على الدعاوى القائمة.
(جـ) دستورية القانون 

- اعتبار القانون غير دستوري إذا خالف نصاً دستورياً قائماً أو خرج على روحه ومقتضاه.
(د) دستورية القانون 

- النص في القانون رقم 600 لسنة 1953 على حرمان الموظف المفصول من رفع دعوى الإلغاء ودعوى التعويض - النعي عليه بأنه غير دستوري لا يستقيم إلا إذا كان حق الموظف في الوظيفة العامة هو من الحقوق التي يكفلها الدستور ذاته، وأن وسيلة اقتضائه عن طريق القضاء يقررها الدستور كذلك - إذا كان الحق ووسيلة اقتضائه منظمين بالقانون، فلا وجه للنعي على مثل هذا النص بعدم دستوريته.
(هـ) موظف 

- علاقته بالحكومة علاقة تنظيمية تحكمها القوانين واللوائح - تعيينه بالوظيفة لا يخلقها ولا يرتب له حقاً فيها على غرار حق الملكية؛ إذ هي ملك للدولة - بقاؤه في الوظيفة هو وضع شرطي منوط بصلاحيته للنهوض بأعبائها، وليس حقاً ينهض إلى مرتبة الحقوق الدستورية المنصوص عليها في الباب الثالث من الدستور - للإدارة أن تفصل من تراه أصبح غير صالح للنهوض بالوظيفة ما دام ذلك قد تم بالشروط والأوضاع التي قررها القانون وبغير إساءة استعمال السلطة.
(و) موظف 

- فصله - حق الحكومة في ذلك هو حق أصيل مرده إلى أمرين: أحدهما طبعي، والآخر تشريعي - دليل ذلك.
(ز) موظف 

- فصله بغير الطريق التأديبي - القانون رقم 600 لسنة 1953 الذي أجاز فصل الموظفين من الدرجة الثانية وما فوقها بشروط معينة - تقريره مبدأ كان مقرراً في ظل الأوضاع السابقة على صدوره - استحداثه ضمانات للموظف.
(ح) دستورية القانون 

- حرمان الناس كافة من الالتجاء للقضاء للانتصاف يعتبر مصادرة لحق التقاضي - وجوب التفرقة بين المصادرة المطلقة لحق التقاضي عموماً وبين تحديد دائرة اختصاص القضاء: الأولى تخالف الدستور لانطوائها على تعطيل وظيفة السلطة القضائية التي أنشأتها نصوصه، الثاني لا مخالفة فيه للدستور الذي تقضي نصوصه بأن القانون هو الذي يرتب جهات القضاء ويحدد اختصاصاتها - سرد لبعض النصوص التي تعتبر محددة لدائرة الاختصاص - المادة الثانية من القانون رقم 600 لسنة 1953 التي حرمت الموظفين المفصولين تطبيقاً لأحكامه من رفع دعوى الإلغاء أو التعويض - عدم اعتبارها من النصوص المصادرة لحق التقاضي، بل من تلك المحددة لدائرة اختصاص القضاء.
(ط) دستورية القانون - الإخلال بمبدأ المساواة أمام القانون والقضاء مخالف للدستور - المقصود بالمساواة عدم التمييز بين أفراد الطائفة الواحدة إذا تماثلت مراكزهم القانونية - المادة الثانية من القانون رقم 600 لسنة 1953 لا تنطوي على إخلال بمبدأ المساواة سالف الذكر.
(ى) دعوى - المادة الثانية من القانون رقم 600 لسنة 1953 - نصها على عدم جواز الطعن بإلغاء أو وقف تنفيذ القرارات الصادرة بالاستناد إليه، وعدم جواز سماع الدعاوى الخاصة بالتعويض عنها - عدم التفرقة في ذلك بين من طبق القانون في حقه تطبيقاً سليماً ومن لم يطبق هكذا في حقه؛ إذ البحث في ذلك دخول في الموضوع الذي يتعين أن يسبقه البحث في مسألة الاختصاص.

-----------------
1 - إن الدعوى إذا كانت ذات شقين أحدهما بالإلغاء والآخر بالتعويض، فإن الطعن في شق منهما يثير المنازعة برمتها؛ ما دام الطلبان مرتبطين أحدهما بالآخر ارتباطاً جوهرياً باعتبارهما يقومان على أساس قانوني واحد، هو عدم مشروعية القرار الإداري، وأن الطعن بالإلغاء هو طعن فيه بالبطلان بالطريق المباشر، وطلب التعويض عنه هو طعن فيه بالبطلان بالطريق غير المباشر. وآية ذلك أنه لا يستقيم الحكم بالتعويض على أساس أن القرار غير مشروع مع عدم الحكم بالإلغاء على أساس أن القرار مشروع؛ إذ مؤدى ذلك قيام حكمين متعارضين متفرعين عن أساس قانوني واحد وهو ما لا يجوز، وما لا مندوحة عن التردي فيه إذا لم يثر الطعن في أحد الشقين المنازعة برمتها. ومن ثم يجوز للمحكمة الإدارية العليا - وهي في مقام فحص الطعن المرفوع عن شق الحكم الخاص بالتعويض - أن نتناول بالنظر والتعقيب الحكم المطعون فيه في شقه الخاص بعدم جواز سماع طلب الإلغاء الذي لم تطعن فيه هيئة المفوضين ولكن آثاره المطعون عليه.
2 - نصت المادة 190 من دستور جمهورية مصر على أن "كل ما قررته القوانين والمراسيم والأوامر واللوائح والقرارات من أحكام قبل صدور هذا الدستور يبقى نافذاً، ومع ذلك يجوز إلغاؤها أو تعديلها وفقا للقواعد والإجراءات المقررة في هذا الدستور"، كما نصت المادة 191 منه على أن "جميع القرارات التي صدرت من مجلس قيادة الثورة، وجميع القوانين والقرارات التي تتصل بها وصدرت مكملة أو منفذة لها، وكذلك كل ما صدر من الهيئات التي أمر المجلس المذكور بتشكيلها من قرارات أو أحكام، وجميع الإجراءات والأعمال والتصرفات التي صدرت من هذه الهيئات أو من أية هيئة أخرى من الهيئات التي أنشئت بقصد حماية الثورة ونظام الحكم، لا يجوز الطعن فيها أو المطالبة بإلغائها أو التعويض عنها بأي وجه من الوجوه وأمام أية هيئة كانت". ويبين من ذلك أن الدستور أراد أن يضفي حصانة دستورية على حركة التشريع السابقة عليه التي تمت في عهد الثورة، سواء أكانت بالطريق الأصلي أي بمقتضى قوانين، أم بالطريق الفرعي أي بمقتضى قرارات تنظيمية عامة - حصانة تعصمها من السقوط أو من المجادلة في قوة نفاذها؛ لحكمة تتصل بالمصالح العليا للوطن، بمراعاة أن تلك القوانين واللوائح إنما تمت في عهد ثورة تستهدف الإصلاح الشامل بشكل وفي أوضاع وظروف استثنائية لا تقاس فيها الأمور بمقياس الأوضاع العادية، فأضفى عليها تلك الحصانة الدستورية على اعتبار أنها من الأدوات التي استعملتها الثورة في سبيل أوجه الإصلاح الذي قامت من أجله. وللحكمة عينها حصن الدستور كذلك جميع القرارات التي صدرت من مجلس قيادة الثورة وجميع القوانين والقرارات التي تتصل بها وتكون مكملة أو منفذة لها؛ وذلك بمنع الطعن فيها بأي وجه من الوجوه وأمام أية هيئة كانت. وغني عن البيان أن نصي الدستور المشار إليهما يسريان على الدعاوى المنظورة باعتبار أن هذا الدستور أصبح القانون الأعلى.
3 - إن القانون لا يكون غير دستوري إلا إذا خالف نصاً دستورياً قائماً أو خرج عن روحه ومقتضاه؛ ومرد ذلك إلى أن الدستور - وهو القانون الأعلى فيما يقرره - لا يجوز أن يهدره قانون وهو أداة أدنى.
4 - إذا كان النعي بعدم دستورية المادة الثانية من القانون رقم 600 لسنة 1953 يقوم على أنها تنطوي على مصادرة لحق الموظف في تعويضه عن فصله، سواء بالطريق العيني وهو الإلغاء، أو بطريق المقابل وهو التعويض عن فصله، إذا كان القرار قد وقع مخالفاً للقانون، وعلى مصادرة لحقه في الانتصاف في هذا الشأن عن طريق القضاء، وعلى إخلال بمبدأ المساواة أمام القانون والقضاء - فإن هذا النعي لا يستقيم إلا إذا كان حق الموظف في الوظيفة العامة هو من الحقوق التي يكفلها الدستور ذاته، وأن وسيلة اقتضائه عن طريق القضاء هي وسيلة يقررها الدستور كذلك، وأن ثمة حقاً إخلالاً بمبدأ المساواة أمام القانون والقضاء في هذا الشأن، إذن لا يجوز عندئذ أن يهدر القانون ما يقرره الدستور. أما إذا كان هذا الحق هو مما ينشئه القانون أو يلغيه، وكذلك إذا كانت وسيلة اقتضائه هي مما ينظمه القانون على الوجه الذي يراه، كما إذا كان القانون لا يقوم على تمييز بين أفراد طائفة واحدة تماثلت مراكزهم القانونية، فلا يكون ثمة وجه للنعي بعدم دستوريته.
5 - إن علاقة الموظف بالحكومة هي علاقة تنظيمية تحكمها القوانين واللوائح، فمركز الموظف هو مركز قانوني عام يجوز تغييره في أي وقت، ومرد ذلك إلى أن الموظفين هم عمال المرافق العامة، وبهذه المثابة يجب أن يخضع نظامهم القانوني للتعديل والتغيير وفقاً لمقتضيات المصلحة العامة لحسن سير تلك المرافق؛ ذلك أن الوظيفة العامة هي مجموعة من الاختصاصات يتولاها الموظف لصالح المرفق العام ويعهد بها إليه ليساهم في شئونه في سبيل تحقيق الأغراض المنشودة منه للمصلحة العامة التي تقوم الدولة على رعايتها. وتقليد الوظيفة العامة هو إسناد اختصاصاتها إلى الموظف الذي يولاها، وتعيين الموظف أياً كانت أداته لا يخلق الوظيفة، ولا يرتب للموظف حق فيها، على غرار حق الملكية مثلاً؛ إذ هي ملك للدولة وإنما يقتصر أثر التعيين على وضع الموظف في مركز قانوني عام، وإخضاعه لما تقرره القوانين واللوائح الخاصة بالوظيفة من قواعد وأحكام، وإفادته من مزاياها. ولما كانت الوظيفة تكليفاً للقائم بها كأصل مسلم رددته المادة 28 من دستور جمهورية مصر، وهذا التكليف يتطلب من الموظف أن يكون صالحاً للقيام به، فإن بقاءه في الوظيفة - وهو رهين بهذا المناط - ليس حقاً ينهض إلى مرتبة الحقوق الدستورية، تلك الحقوق المنصوص عليها في الباب الثالث من الدستور المذكور، ولا يقاس على حق الملكية مثلاً الذي صانته النصوص الدستورية بما يكفل عدم نزعه إلا للمنفعة العامة ومقابل تعويض عادل وفقاً للقانون، بل هو وضع شرطي منوط بصلاحيته للنهوض بأعباء الوظيفة العامة، وهو أمر يخضع لتقدير الحكومة القوامة على تسيير المرافق العامة، فتفصل من تراه أصبح غير صالح لذلك، دون الاحتجاج بأن له أصل حق في البقاء في الوظيفة، ما دام ذلك قد تم بالشروط والأوضاع التي قررها القانون وبغير إساءة استعمال السلطة.
6 - إن حق الحكومة في فصل الموظفين هو حق أصيل لا شبهة فيه مرده إلى أصلين: (الأول) أصل طبعي رددته النصوص الدستورية هو وجوب هيمنة الحكومة على تسيير المرافق العامة على الوجه الذي يحقق المصلحة العامة؛ فنصت المادة 57 من دستور سنة 1923 على أن "مجلس الوزراء هو المهيمن على مصالح الدولة"، كما نصت المادة 44 منه على أن رئيس الدولة وقتذاك يولي ويعزل الموظفين على الوجه المبين بالقوانين، ونصت المادة 140 من دستور جمهورية مصر على أن "يعين رئيس الجمهورية الموظفين المدنيين والعسكريين والممثلين السياسيين ويعزلهم على الوجه المبين في القانون". و(الثاني) أصل تشريعي يستند إلى الأوامر العالية الصادرة في 10 من إبريل سنة 1883 و24 من مايو سنة 1885 و19 من فبراير سنة 1887 والدكريتو الصادر في 24 من ديسمبر سنة 1888 والقانون رقم 5 لسنة 1909 بشأن المعاشات الملكية والمرسوم بقانون رقم 37 لسنة 1929 الخاص بالمعاشات الملكية، والمادة 107 من القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة التي عددت أسباب انتهاء خدمة الموظفين المعينين على وظائف دائمة، وذكرت من بينها في بند (4) العزل أو الإحالة إلى المعاش بقرار تأديبي، وفي البند (6) الفصل بمرسوم أو أمر جمهوري أو بقرار خاص من مجلس الوزراء أي بغير الطريق التأديبي، وهذا الفصل بالطريق الأخير هو الذي أشارت إليه المادة الرابعة بند (5) من القانون رقم 112 لسنة 1946 الخاص بإنشاء مجلس الدولة، والمادة الثالثة بند (5) من القانون رقم 9 لسنة 1949 الخاص بمجلس الدولة، والمادة الثامنة بند خامساً من القانون رقم 165 لسنة 1955 في شأن تنظيم مجلس الدولة.
7 - إن القانون رقم 600 لسنة 1953 عندما أجاز في مادته الأولى إحالة الموظف إلى المعاش قبل بلوغ السن المقررة لترك الخدمة إذا كان من الموظفين من الدرجة الثانية فما فوقها بناء على اقتراح لجنة وزارية يشكلها مجلس الوزراء متى تبين عدم صلاحيته للوظيفة، مع ضم مدة خدمة لا تجاوز السنة وأداء الفرق بين المرتب والمعاش مشاهرة، وذلك خلال الفترة التي حددها من 3 من يناير سنة 1954 إلى 14 من يناير سنة 1954 - إن القانون المذكور لم يستحدث جديداً في شأن جواز إحالة الموظف إلى المعاش بغير الطريق التأديبي، بل ما استحدثه هو إيجاد ضمانة لم تكن مقررة له من قبل بجعل اقتراح فصله منوطاً أولاً بلجنة وزارية تفحص حالته وتبدي رأيها في صلاحيته للبقاء في الوظيفة من عدمه، كما رتب له حقوقاً مالية ما كان ليظفر بها لولا النص عليها؛ ذلك أنه إذا كانت الحكومة تملك من الأصل فصل الموظفين بغير الطريق التأديبي لعدم صلاحيتهم للبقاء في الوظيفة، وتم ذلك وفقاً للقانون، وخلا من إساءة استعمال السلطة، كان القرار سليماً مبرءاً من العيب، مما لا وجه معه لمساءلة الحكومة بتعويض عنه.
8 - إن نص المادة الثانية من القانون رقم 600 سنة 1953، وإن جاء مضيقاً لاختصاص القضاء مانعاً إياه من نظر المنازعات المشار إليها بذلك النص إلغاء أو تعويضاً، إلا أنه لا وجه للنعي عليه بعدم الدستورية بدعوى مصادرته لحق التقاضي؛ ذلك أنه تجب التفرقة بين المصادرة المطلقة لحق التقاضي عموماً وبين تحديد دائرة اختصاص القضاء. وإذا كان لا يجوز من الناحية الدستورية حرمان الناس كافة من الالتجاء إلى القضاء للانتصاف؛ لأن في ذلك مصادرة لحق التقاضي، وهو حق كفل الدستور أصله؛ إذ تكون مثل هذه المصادرة المطلقة بمثابة تعطيل وظيفة السلطة القضائية، وهي سلطة أنشأها الدستور لتمارس وظيفتها في أداء العدالة مستقلة عن السلطات الأخرى - لئن كان ذلك كذلك، إلا أنه لا يجوز الخلط بين هذا الأمر وبين تحديد دائرة اختصاص القضاء بالتوسيع أو التضييق؛ لأن النصوص الدستورية تقضي بأن القانون هو الذي يرتب جهات القضاء ويعين اختصاصاتها، وعلى هذا نصت المادة 125 من دستور سنة 1923 والمادة 176 من دستور جمهورية مصر، وينبني على ذلك أن كل ما يخرجه القانون من ولاية القضاء يصبح معزولاً عن نظره، وهذا أصل من الأصول المسلمة. وقديماً قالوا إن القضاء يتخصص بالزمان والمكان والخصومة؛ وعلى هذا الأصل الدستوري صدرت التشريعات الموسعة أو المضيقة لولاية القضاء في جميع العهود وفي شتى المناسبات، كالنصوص التشريعية المانعة من النظر في أعمال السيادة سواء بالإلغاء أو بالتعويض، وكالنصوص التي كانت تمنع القضاء من النظر في طلبات إلغاء القرارات الإدارية أو وقف تنفيذها، إلى أن أنشئ مجلس الدولة، فجعل ذلك من اختصاصه على الوجه المحدد بقانونه، وكتلك النصوص التي تمنع سماع الدعاوى في شأن تصرفات السلطة القائمة على إجراء الأحكام العرفية بعد انتهائها إلغاء أو تعويضاً، وكالمادة 13 من المرسوم بقانون رقم 178 لسنة 1952 الخاص بالإصلاح الزراعي التي تمنع جميع جهات القضاء من النظر في طلبات إلغاء أو وقف تنفيذ قرارات الاستيلاء أو في المنازعات المتعلقة بملكية الأطيان المستولى عليها، وكالمادة السابعة من المرسوم بقانون رقم 181 لسنة 1952 الخاص بفصل الموظفين بغير الطريق التأديبي التي تمنع القضاء الإداري من نظر طلبات إلغاء قرارات الفصل أو وقف تنفيذها، وكالمادة 14 من القانون رقم 598 لسنة 1953 بشأن أموال أسرة محمد علي المصادرة التي تمنع المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها من سماع الدعاوى المتعلقة بتلك الأموال، وكالمادة 291 من القانون رقم 345 لسنة 1956 في شأن تنظيم الجامعات المصرية التي تمنع القضاء الإداري من النظر في طلبات إلغاء أو وقف تنفيذ القرارات الصادرة من الهيئات الجامعية في شئون طلابها - ولا شبهة في دستورية هذه التشريعات جميعاً؛ ما دام القانون هو الأداة التي تملك بحكم الدستور ترتيب جهات القضاء وتعيين اختصاصاتها؛ ومن ثم فله أن يضيقها أو أن يوسعها بالشروط والأوضاع التي يقررها.
9 - لا وجه للنعي على المادة الثانية من القانون رقم 600 لسنة 1953 بأنها تنطوي على إخلال بمبدأ المساواة أمام القانون والقضاء؛ لأن المقصود بالمساواة في هذا الشأن هو عدم التمييز بين أفراد الطائفة الواحدة إذا تماثلت مراكزهم القانونية، ولم يتضمن القانون المشار إليه أي تمييز من هذا القبيل بين الموظفين الذين تنطبق عليهم أحكامه.
10 - إن نص المادة الثانية من القانون رقم 600 لسنة 1953 جاء صريحاً قاطعاً في عدم جواز الطعن بإلغاء أو وقف تنفيذ القرارات الصادرة بالاستناد إليه، وفي عدم جواز سماع الدعاوى الخاصة بالتعويض عنها أمام جميع المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها، لا فرق في ذلك بين من طبقت الإدارة القانون في حقه تطبيقاً سليماً وبين من عساها تكون قد أخطأت في تطبيقه بالنسبة إليه؛ وذلك لحكمة واضحة؛ إذ المقصود من هذا المنع هو سد باب المنازعات القضائية في هذا الشأن، استقراراً للدولاب الحكومي. وإذا كان الشارع قد نص في المادة الأولى من هذا القانون على أن الفصل يلحق من تتبين عدم صلاحيته للوظيفة من الموظفين من الدرجة الثانية فما فوقها، فليس مفاد ذلك أن الاختصاص القضائي بنظر المنازعة أو عدم اختصاصه بها - والاختصاص مسألة فرعية سابقة على نظر الموضوع - يتوقف على تبين ما إذا كان الموظف صالحاً أو غير صالح، وهي مسألة من صميم الموضوع، بل الظاهر أن هذا بعيد عن مقصود الشارع الذي أراد عزل جميع جهات القضاء عن نظر هذه المنازعات؛ سداً لهذا الباب؛ للحكمة التي ارتآها. أما الخطاب في شأن ما نصت عليه المادة الأولى فموجه إلى السلطات التنفيذية التي تصدر قرارات الفصل بالتطبيق لأحكام هذه المادة، وإذا أخطأت في هذا التطبيق فلا تكون مساءلتها عن ذلك عن طريق القضاء بعد إذ امتنع عليه النظر في هذا الشأن بنص المادة الثانية، وإنما تكون مساءلتها بغير الوسيلة القضائية، كالالتجاء إلى السلطات التي أصدرت القرار أو السلطات الأعلى.


إجراءات الطعن

في 15 من يناير سنة 1957 أودع السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة سكرتيرية المحكمة عريضة طعن أمام هذه المحكمة قيد بجدولها تحت رقم 161 لسنة 3 القضائية في الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري (الهيئة الثانية) بجلسة 21 من نوفمبر سنة 1956 في الدعوى رقم 7982 لسنة 8 القضائية المقامة من السيد/ محمد عبد المنعم محمد ضد مجلس الوزراء ووزارة الخارجية، القاضي "بعدم قبول الدعوى بالنسبة لطلب إلغاء القرار المطعون فيه، وبإلزام الحكومة بأن تدفع للمدعي على سبيل التعويض الشامل مبلغ ألف جنيه مصري والمصروفات، ومبلغ 500 قرش مقابل أتعاب المحاماة". وطلب السيد رئيس هيئة المفوضين للأسباب التي استند إليها في صحيفة طعنه "قبول هذا الطعن شكلاً، وفي الموضوع إلغاء الحكم المطعون فيه فيما قضى بإلزام الحكومة بأن تدفع للمدعي على سبيل التعويض الشامل مبلغ 1000 جنيه مصري والمصروفات ومبلغ 500 قرش مقابل أتعاب المحاماة، والقضاء برفض الدعوى في هذا الشق من طلبات المدعي، وإلزامه مصروفات الدعوى". وقد أعلن هذا الطعن إلى كل من مجلس الوزراء ووزارة الخارجية في 4 و14 من فبراير سنة 1957، وإلى المطعون عليه في 11 منه، وعين لنظره أمام هذه المحكمة جلسة 30 من مارس سنة 1957. وقد أودعت الحكومة في 19 من مارس سنة 1957 و8 من إبريل سنة 1957 مذكرتين بملاحظاتها انتهت فيهما إلى طلب "الحكم بقبول الطعن، وإلغاء الحكم المطعون فيه، والقضاء بعدم قبول دعوى الطاعن بشطريها، مع إلزامه بالمصاريف ومقابل الأتعاب". كما أودع المطعون عليه في 10 من إبريل سنة 1957 مذكرة بملاحظاته خلص فيها إلى طلب "أولاً - رفض الطعن المقدم من رئيس هيئة مفوضي الدولة. ثانياً - والحكم بقبول الدعوى، وإجابة المطعون ضده إلى طلباته الأصلية الموضحة بعريضة دعواه أمام محكمة القضاء الإداري، مع حفظ كافة الحقوق". وقد أبلغ الطرفان في 4 من مارس سنة 1957 بميعاد الجلسة التي عينت لنظر الطعن، وفيها سمعت المحكمة ما رأت سماعه من إيضاحات ذوي الشأن على الوجه المبين بمحضر الجلسة، ثم قررت إرجاء النطق بالحكم لجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
عن عدم قبول الدعوى:
من حيث إن المطعون عليه أقام الدعوى رقم 7982 لسنة 8 القضائية ضد كل من مجلس الوزراء ووزارة الخارجية أمام محكمة القضاء الإداري بعريضة أودعها سكرتيرية المحكمة في 26 من مايو سنة 1954 طلب فيها الحكم "بصفة أصلية - بإلغاء القرار الصادر بإحالته إلى المعاش وما ترتب عليه من آثار، واحتياطياً - إلزام المدعى عليهما بصفتهما بأن يدفعا للطالب مبلغ 15000 جنيه تعويضاً له عن الأضرار الأدبية والمادية التي لحقته من جراء الفصل من الخدمة تعسفياً قبل السن القانوني، وإلزام المدعى عليهما في الحالتين بالمصاريف ومقابل أتعاب المحاماة، مع حفظ كافة الحقوق الأخرى". وأسس دعواه على أنه كان يشغل بوزارة الخارجية وظيفة وزير مفوض ببراج (تشيكو سلوفاكيا) حين قرر مجلس الوزراء بجلسته المنعقدة في 7 من يناير سنة 1954 إحالته إلى المعاش اعتباراً من ذلك التاريخ تطبيقاً للقانون رقم 600 لسنة 1953، الذي أجاز للمجلس بناء على اقتراح لجنة وزارية أن يحيل إلى المعاش من يتبين عدم صلاحيته لوظيفته من الموظفين من الدرجة الثانية فما فوقها قبل بلوغ السن المقررة لترك الخدمة، على أساس ضم مدة لا تجاوز السنة مع أداء الفرق بين المرتب والمعاش مشاهرة. وأنه أبلغ بمنطوق هذا القرار في 15 من يناير سنة 1954، ثم بفحواه في 4 من فبراير سنة 1954، فتظلم منه في طريق عودته إلى مصر بكتاب أرسله في 14 من مارس سنة 1954 إلى القنصلية المصرية العامة بجنوا، التي قامت بإبلاغه إلى وزارة الخارجية في 18 منه. وقد سبق للوزارة أن تعللت بحالته الصحية، وبعثت إليه بخطاب تستطلع فيه مدى استعداده لاعتزال الخدمة بحجة احتياجه إلى الراحة والتوفر على العناية بصحته، متلمسة بذلك السبيل لتنحيته عن وظيفته، ولكنه رد عليها سلباً، وطلب في الوقت ذاته إحالة ملف خدمته إلى اللجنة الوزارية التي نص عليها القانون رقم 600 لسنة 1953، للنظر في حالته في ضوء نشاطه وإنتاجه خلال مدة خدمته التي بلغت سبعاً وعشرين سنة. فلما أسقط في يد الوزارة فيما يتعلق بتذرعها باعتلال صحته، عمدت فجأة إلى تقرير عدم صلاحيته لوظيفته محتمية بالقانون رقم 600 لسنة 1953، ظانة أنها في مأمن من طعنه على قرار إحالته إلى المعاش بالإلغاء أو رجوعه عليها بالتعويض؛ استناداً إلى ما نص عليه هذا القانون مادته الثانية من عدم جواز الطعن بالإلغاء أو بوقف تنفيذ القرارات الصادرة بالتطبيق لأحكامه، وعدم جواز سماع الدعاوى الخاصة بالتعويض عنها أمام المحاكم على اختلاف أنواعها. ولما كان من حق كل إنسان أن يلجأ إلى المحاكم ليعرض عليها شكواه، فإن القانون المذكور الذي قام على الحرمان المطلق من هذا الحق الطبعي، وهو حق التقاضي، يتسم بعدم الدستورية؛ لإنكاره لأحد المبادئ الدستورية العامة التي حرص الدستور المؤقت الصادر في 10 من فبراير سنة 1953 على توكيدها، كما أكدها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في سنة 1948؛ لذا يتعين تقرير بطلان النص المانع من التقاضي وعدم إعماله وإطراحه. هذا إلى أن قرار إحالة المدعي إلى المعاش خارج عن نطاق تطبيق أحكام القانون المشار إليه، التي مناط إعمالها عدم الصلاحية؛ أي عدم كفاية الموظف أو سلوكه مسلكاً يتنافى مع واجبات الوظيفة ومقتضياتها. فإذا كانت جدارة الموظف ونزاهته واستقامته مشهوداً بها، فلا محل للقول بعدم الصلاحية، وإلا كان هذا تزييفاً للواقع وتجنياً على الحقائق، يبطل قرار الإحالة إلى المعاش، ويوجب الحكم بإلغائه، وبالتعويض عنه مادياً وأدبياً.
ومن حيث إن وزارة الخارجية دفعت بعدم اختصاص القضاء الإداري بنظر الدعوى بطلب إلغاء قرار إحالة المدعي إلى المعاش؛ واستندت في ذلك إلى أن اختصاص هذا القضاء رهين طبقاً للمادة الرابعة من قانون مجلس الدولة بأن يكون القرار المطعون فيه أحد القرارات المنصوص عليها في المادة الثالثة. ولما كانت القرارات الصادرة بفصل الموظفين طبقاً للقانون رقم 600 لسنة 1953 خارجة عن ولاية الإلغاء - طبقاً للمادة الثانية من هذا القانون التي تقضي بعدم جواز الطعن بإلغاء أو وقف تنفيذ القرارات الصادرة بالتطبيق لأحكامه، وكذا بعدم جواز سماع الدعاوى الخاصة بالتعويض عنها، وذلك أمام المحاكم على اختلاف أنواعها - فإن قرار فصل المدعي يكون خارجاً من عداد القرارات التي أشارت إليها المادة الثالثة من قانون مجلس الدولة؛ ومن ثم فلا تكون محكمة القضاء الإداري مختصة بنظر الدعوى، سواء بالنسبة إلى طلب إلغاء قرار فصل المدعي أو بالنسبة إلى طلب التعويض عن هذا القرار.
ومن حيث إنه بجلسة 21 من نوفمبر سنة 1956 قضت محكمة القضاء الإداري (الهيئة الثانية) "بعدم قبول الدعوى بالنسبة لطلب إلغاء القرار المطعون فيه، وبإلزام الحكومة بأن تدفع للمدعي على سبيل التعويض الشامل مبلغ ألف جنيه مصري والمصروفات، ومبلغ 500 قرش مقابل أتعاب المحاماة". وأقامت قضاءها فيما يتعلق بعدم قبول طلب الإلغاء وقبول طلب التعويض على أنه من المسلم أن كل مصادرة لحق التقاضي على إطلاقه تقع باطلة وغير مشروعة ومنافية للأصول الدستورية المرعية؛ إذ لا تجوز مصادرة الحقوق وحرمان أربابها في الوقت ذاته من اقتضاء تعويض عادل عنها. ولما كانت المادة الثانية من القانون رقم 600 لسنة 1953 تنص على تحريم الطعن بإلغاء أو وقف تنفيذ القرارات الصادرة بالاستناد إلى المادة الأولى منه، كما تقضي إلى جانب ذلك بعدم جواز سماع الدعوى بطلب التعويض عن هذه القرارات، فإن من الواضح أن هذين الحكمين لا يرتبطان ببعضهما ارتباطاً غير قابل للتجزئة، ولا يدوران في فلك واحد، بل يتميز كل منهما بمجال وأثر مستقل عن الآخر؛ ومن ثم يتعين النظر في مدى دستورية كل منهما منفصلاً عن الآخر. أما عن منع الطعن بإلغاء أو وقف تنفيذ القرارات الصادرة بفصل الموظفين، فإن حق الحكومة في فصل هؤلاء الموظفين بغير الطريق التأديبي هو حق ثابت لا شبهة فيه؛ لكونه مستمداً من طبيعة وظيفة الحكومة في الهيمنة على تسيير المرافق العامة على الوجه الذي تراه محققاً للصالح العام وما يستلزمه من إطلاق يدها في اختيار من ترى فيهم الصلاحية لمعاونتها في تحقيق هذا الغرض، وإقصاء من يصبح منهم غير صالح لذلك. وهذا الحق قد قررته القوانين واللوائح المتعاقبة ابتداء من الأمر العالي الصادر في 10 من إبريل سنة 1883 حتى القانون رقم 210 لسنة 1951، وكانت المحاكم العادية ممنوعة من نظر الدعاوى التي ترفع بطلب إلغاء أو وقف تنفيذ القرارات الإدارية ولو كانت مخالفة للقوانين واللوائح، وإنما أجيز الطعن بطلب إلغاء تلك القرارات منذ صدور القانون بإنشاء مجلس الدولة. وإذا كان حق الطعن هذا قد تقرر للأفراد بقانون عادي، فليس ثمة ما يمنع من تعطيل استعماله بالأداة ذاتها، ولا يكون مثل هذا الإجراء سبباً للدفع بعدم الدستورية؛ ومن ثم فإن حكم المادة الثانية من القانون رقم 600 لسنة 1953 القاضي بمنع الطعن بإلغاء أو وقف تنفيذ القرارات الصادرة بفصل الموظفين تطبيقاً لأحكامه، لا يخالف أصلاً من الأصول الدستورية المرعية ويتعين اتباعه، والقضاء بعدم قبول طلب المدعي إلغاء قرار إحالته إلى المعاش. أما ما نصت عليه المادة الثانية المذكورة من عدم جواز سماع دعاوى التعويض عن القرارات الصادرة بالتطبيق لأحكام القانون المشار إليه، فينطوي على مخالفة للقواعد الدستورية الأصيلة التي لا تجيز مصادرة الحقوق وحرمان أصحابها في الوقت ذاته من الحصول على تعويض عادل عنها، أو من اقتضاء هذا التعويض عند عدم أدائه رضاء؛ ذلك أن الأصل في التعويض عن الأعمال الضارة أن يكون عينياً بإعادة الحالة إلى ما كانت عليه، وهذا التعويض العيني يتمثل بالنسبة للقرارات الإدارية المخالفة للقانون في الإلغاء، فإذا استحال التعويض العيني لأسباب عادية أو قانونية، كان للمضرور حق في التعويض بمقابل، لا يجوز حرمانه منه متى تحققت أسبابه، وإلا كان ذلك مصادرة للحقوق بغير تعويض، وهو ما يخالف المبادئ الدستورية العامة. ومن ثم فإذا كان حظر الطعن بإلغاء القرارات الصادرة بالإحالة إلى المعاش بالتطبيق لأحكام القانون رقم 600 لسنة 1953 غير مخالف للدستور، فإن حظر سماع دعاوى التعويض عن هذه القرارات هو حظر غير دستوري، يتعين إهماله، والمضي في سماع دعوى التعويض المرفوعة من المدعي عن قرار إحالته إلى المعاش.
ومن حيث إنه بعريضة مودعة سكرتيرية هذه المحكمة في 15 من يناير سنة 1957، طعن السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة في هذا الحكم طالباً إلغاءه "فيما قضى بإلزام الحكومة بأن تدفع للمدعي على سبيل التعويض الشامل مبلغ 1000 جنيه مصري والمصروفات ومبلغ 500 قرش أتعاب المحاماة، والقضاء برفض الدعوى في هذا الشق من طلبات المدعي، وإلزامه مصروفات الدعوى". وقال في أسباب هذا الطعن إنه لا اعتراض له على ما قضى به الحكم المطعون فيه من عدم قبول طلب المدعي إلغاء القرار الصادر بإحالته إلى المعاش في 7 من يناير سنة 1954 عملاً بحكم المادة الثانية من القانون رقم 600 لسنة 1953، التي نصت على منع الطعن بإلغاء أو وقف تنفيذ القرارات الصادرة بالتطبيق لأحكامه، كما لا اعتراض له على ما قضى به الحكم من سماع دعوى التعويض، على الرغم مما نصت عليه المادة الثانية سالفة الذكر من عدم جواز سماع دعاوى التعويض عن تلك القرارات؛ ذلك أن التطهير الإداري - الذي ليس إلا عزلاً للموظف بغير الطريق التأديبي - جاء منظماً بقانون خاص، فهو إذن من صميم الأعمال الإدارية التي تدخل في نطاق السلطة الإدارية وإن اتخذت طابع القانون. وعلى ذلك فلا أثر للمادة 191 من دستور سنة 1956 التي حصنت جميع قرارات مجلس قيادة الثورة وجميع القوانين والقرارات التي تتصل بها أو التي صدرت مكملة أو منفذة لها، ومنعت الطعن فيها أو المطالبة بإلغائها أو التعويض عنها - لا أثر لذلك على القانون رقم 600 لسنة 1953 في شأن الإحالة إلى المعاش قبل بلوغ السن المقررة لترك الخدمة؛ لأن نص المادة 191 من الدستور خاص بأعمال السيادة أو أعمال الحكومة وبإجراءات الضرورة، وليس التطهير الإداري الصادر به القانون رقم 600 لسنة 1953 من أعمال السيادة أو الحكومة أو من إجراءات الضرورة الملجئة لحماية نظام الحكم، بل هو عمل يدخل في اختصاصات السلطة التنفيذية التي يتولاها مجلس الوزراء والوزراء كل فيما يخصه. وعلى ذلك فلا تضفي المادة 191 من دستور سنة 1956 حصانة على القانون رقم 600 لسنة 1953 تعصمه من نظر المحاكم لدستوريته ومن خضوعه للقضاء فيما يتعلق بهذه الدستورية عن طريق الدفع الفرعي. ولا ريب أن منع سماع دعوى التعويض المنصوص عليه في المادة الثانية من هذا القانون هو مصادرة لحق التقاضي، وهذه المصادرة تخالف مبدأ دستورياً عاماً مستمداً من نص المادة الثالثة من الدستور المؤقت، الذي صدر القانون رقم 600 المشار إليه في ظله، وهو مبدأ كفالة الحرية الشخصية في حدود القانون؛ فحق التقاضي من أهم صور الحرية الشخصية التي كفلتها الثورة من بادئ الأمر. على أن المشرع عندما أغلق باب التعويض ومنع سماع الدعوى بشأنه لم يقصد المصادرة على حق التقاضي لذاته، وإنما أراد في الواقع منع إعادة النظر في التعويض عن القرارات التي تصدر بالتطبيق لأحكام القانون رقم 600 لسنة 1953 بالذات، بعد أن لمس ما تحملته الميزانية في مدة التطهير السابقة بالمرسوم بقانون رقم 181 لسنة 1952 من أعباء مالية جسيمة غير منظورة، نتيجة لتجاوز السلطة عند التنفيذ؛ لهذا حدد المشرع بنفسه هذه المرة مقدار التعويض مشتملاً تجاوز السلطة، وذلك بطريقة جزافية، سواء كانت قرارات الفصل متفقة مع أحكام القانون، أم كانت الجهة الإدارية قد تجاوزت السلطة فيها، أي أنه ضمن هذا التعويض كافة المخاطر الناجمة عن أخطاء الجهة الإدارية على أساس ضم مدة خدمة لا تجاوز السنة مع أداء الفرق بين المرتب والمعاش مشاهرة. أما التعبير في مذكرة القانون الإيضاحية بمصلحة الدولة العليا التي أملت منع الطعن بالإلغاء أو سماع دعوى التعويض فليس إلا إشارة إلى مصلحة المرافق العامة، عن طريق إقصاء غير الصالح من عمالها وعدم عودته إليها بأي شكل، وإلى مصلحة الخزانة العامة عن طريق تحميلها أكثر من التعويض التشريعي المنصوص عليه حتى في حالة مجاوزة السلطة. بيد أن المشرع - عندما منع سماع دعوى التعويض - اصطدم بحق دستوري عام هو حق التقاضي؛ ولذا يسوغ للقاضي أن يهدر المنع ويقبل سماع الدعوى.
ومن حيث إن الحكومة أودعت مذكرتين بملاحظاتها، نعت فيهما على الحكم المطعون فيه مخالفته للقانون من عدة أوجه: (الوجه الأول) أن الحكم تعرض للقانون رقم 600 لسنة 1953 فلم ينفذ بعض أحكامه، مع أنه - بمقارنة المادة 190 من دستور سنة 1956 التي نصت على أن كل ما قررته القوانين السابقة على صدوره من أحكام يبقى نافذاً، بالمادة 167 من دستور سنة 1923 المقابلة التي اشترطت لنفاذ هذه الأحكام اتفاقها مع مبادئ الدستور - يبين أن المشرع الدستوري، إذ حذف القيد الموجب لاتفاق القوانين السابقة مع الدستور، إنما ألزم السلطتين التنفيذية والقضائية بالعمل بأحكام تلك القوانين بحالتها، ومنع القضاء من بحث دستوريتها؛ وبذلك جعلها جميعها دستورية لا تجوز المناقشة في أحكامها، مهما اختلفت هذه الأحكام مع أحكامه. ثم أتي عقب ذلك بنص المادة 191 الذي أغلق كل باب للمناقشة في كل ما سبق الدستور - وأضفى على كل ما صنعته الثورة حصانة دستورية استقراراً للأوضاع. كما ألزم القضاء بالخضوع للقانون دون سواه، ولم يمنحه سلطة تنحية القانون إعمالاً لحكم الدستور؛ لأن هذا من شأن الأمة وحدها طبقاً لمبدأ فصل السلطات. و(الوجه الثاني) أن الحكم المطعون فيه ذهب إلى أن القانون رقم 600 لسنة 1953 قد خالف أحد الأصول الدستورية المرعية، ومع أن هذا القانون لم يتضمن أية مصادرة للحقوق مع حرمان أربابها من تعويض عادل، بل قرر تعويضاً تشريعياً مقدراً منع الالتجاء في شأنه إلى القضاء، فإن صدور الحكم على هذا النحو ينطوي على إنكار للنظام القانوني الذي تقوم عليه الدولة أثناء الثورات؛ ذلك أن الثورة هي حالة ضرورة طارئة على الدولة تقوم على تغيير الأوضاع الرئيسية، فكل تشريع تصدره تحقيقاً لأهدافها أو تأميناً لها هو دستور في ذاته كاف بنفسه ولا يبحث له عن مصدر دستوري آخر، خلافاً لما عليه الأمر في الأحوال العادية، ولا سيما إذا كان ذلك في أول عهد الثورة وهي تعمل على تدعيم كيانها وإرساء قواعدها خلال فترة الانتقال قبل استقرار نظامها، وكل تشريع تصدره إنما هو لمصلحة الدولة العلياً، فإذا ما تعرض التشريع لبعض الحريات الفردية كان دستورياً مع ذلك في الظروف التي أحاطت به. وقد أكدت المذكرة الإيضاحية للقانون رقم 600 لسنة 1953 أن عدم الالتجاء إلى القضاء في شأن قرار الفصل أو التعويض عنه هو "تحقيقاً لمصلحة الدولة العليا"، وذلك نتيجة عدم وصول الثورة إلى أغراضها كاملة في تشريعات التطهير السابقة. ولما كان دستور سنة 1956 قد استهدف في الحقوق مصلحة جماعية، وقرن أغلبها بكفالة تنظيم القانون لها، فإن التشريع الصادر بناء على ذلك بتقييد استعمال الحق في خصوصية معينة لحكمة تشريعية ارتآها المشرع، يكون غير مخالف لأحكام الدستور. وليس الاستثناء من الأصل الوارد في حالة معينة إنكاراً للمبدأ العام، إنما يظل المبدأ قائماً لم يمس إلا في الحالة الصادر عنها التشريع تحقيقاً لمصلحة عامة. فلا يعد الاستثناء مصادرة للحق على إطلاقه، بل هو تنظيم له في خصوصية بذاتها لحكمة اقتضتها المصلحة العامة. وما يقال عن الحق وجواز الاستثناء من مبدئه العام يصدق أيضاً على توزيع الاختصاصات بين مختلف السلطات، فليس الاستثناء من القاعدة العامة لاختصاص سلطة معينة إنكاراً لأصل القاعدة. ولما كان القضاء بنصوص الدستور هو سلطة، وكانت اختصاصاته يحددها القانون، فإنه يمتنع التحدث في شأنه عن الحقوق؛ إذ هو كسائر السلطات الأخرى لا يعمل إلا على أساس اختصاصات محددة. وإذا كان الدستور قد كفل بنفسه تحديد اختصاصات السلطتين التشريعية والتنفيذية بما لا يجوز معه الإضافة إلى هذه الاختصاصات أو الانتقاص منها، فإن الوضع على خلاف ذلك بالنسبة إلى السلطة القضائية التي ترك الدستور الأمر في تحديد اختصاصاتها للمشرع. وقد حدد المشرع هذه الاختصاصات فعلاً في كل من قانوني نظام القضاء ومجلس الدولة، وهما قانونان عاديان يجوز للمشرع نسخ بعض أحكامهما بقانون آخر لحكمة تشريعية. فإذا منع القانون القاضي من النظر في موضوع معين، كان له ذلك وفقاً لأحكام الدستور، ولم يكن في هذا المنع انتقاص للحقوق؛ إذ لا حقوق للسلطة القضائية، وإنما لها اختصاص مرهون بما يحدده لها القانون، فإذا منع القاضي من النظر في منازعة معينة كان نظره لها خروجاً على اختصاصه المحدد قانوناً، وكان مناط اختصاصه رهيناً بمشيئته هو لا بإرادة المشرع وهو ما لا يجوز. ولم يفعل القانون رقم 600 لسنة 1953 سوى سلب اختصاص السلطة القضائية في خصوصية معينة، وهو أمر مشروع درج عليه المشرع لاعتبارات الصالح العام، فأصبح قاعدة دستورية مرعية، ومثال ذلك القانون رقم 28 لسنة 1922 الخاص بتصفية أملاك الخديوي السابق، وقانون التضمينات رقم 25 لسنة 1923 الخاص بتصرفات السلطة العسكرية، والمرسوم بقانون رقم 114 لسنة 1945 بشأن عدم قبول الطعن في التدابير التي اتخذتها السلطة القائمة على إجراء الأحكام العرفية إبان الحرب العظمى الثانية، والمرسوم بقانون رقم 148 لسنة 1944 الخاص بإلغاء الاستثناءات، ولائحة ترتيب المحاكم الشرعية بالنسبة إلى بعض دعاوى الزوجية والوصية والوقف، وقانوناً نظام القضاء ومجلس الدولة فيما يتعلق بأعمال السيادة. والأصل أن للحكومة سلطة فصل الموظف وإحالته إلى المعاش من غير الطريق التأديبي دون ذكر الأسباب ضماناً لحسن سير المرافق العامة إذا رأت أنه غير جدير بثقتها، ودون أن يكون له حق في مطالبتها بتعويض عن ذلك، ما دام لم يثبت عدم صحة القرار أو صدوره لغير الصالح العام. بيد أن المشرع رأى في القانون رقم 600 لسنة 1953 تقدير تعويض جزافي للموظف المفصول بمقتضى أحكام هذا القانون، ثم أغلق عليه باب التقاضي في شأن هذا التعويض، وبذا جرد القاضي من سلطة إعادة النظر في تقدير هذا التعويض، فإذا تدخل القاضي على الرغم من ذلك كان عمله هذا تعديلاً للتشريع فيما رآه المشرع تعويضاً عادلاً وقدره بصفة نهائية بالتوفيق بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة ولو لم يجبر الضرر فعلاً؛ إذ مؤدى تقدير المشرع للتعويض رغبته في الخروج على القواعد العامة للمسئولية، وهذا هو شأن التقدير الجزافي، وهو ما قد يتبعه المشرع في تنظيم التعويض بالنسبة إلى بعض الهيئات الخاصة، كما في قانون إصابات العمل. ففي مثل هذه الحالات لا محل لبحث خطأ المصلحة لزيادة مبلغ التعويض عن طريق تقديره وفقاً للقواعد العامة، بل تطبق نصوص القانون الخاص وحدها، سواء وقع خطأ أو لم يقع، وسواء جبر الضرر كاملاً في نظر القاضي أو لم يجبر. و(الوجه الثالث) أن الحكم المطعون فيه فرق بين عدم جواز الطعن بإلغاء أو وقف تنفيذ قرار الفصل، وبين عدم سماع دعوى التعويض، وانتهى من ذلك إلى أن الأول دستوري، وأن الثاني يقوم على مصادرة الحقوق وحرمان أصحابها من تعويض عادل عنها؛ وبذلك تعدى اختصاصه القانوني؛ بأن قطع أوصال القانون في شأن حكم قانوني خاص بواقعة قانونية واحدة؛ إذ أجاز الفصل بين دعويي الإلغاء والتعويض عن قرار إداري واحد، في حين أنهما فرعان لأصل واحد، هو عدم جواز الطعن بفرعيه في قرار الفصل. وطالما أن قصد المشرع هو حصانة القرار إلغاء وتعويضاً، فإن في التفرقة بين هذين الفرعين للقصد الواحد تغييراً لحكم القانون وتعديلاً للتشريع لا يملكه القاضي. وإذا فرض أن للمحكمة سلطة التصدي لدستورية القانون، فإن عليها إما تطبيقه بحالته أو إهداره كاملاً برمته؛ ذلك أن القانون لا يتجزأ في المسألة الواحدة، ولا سيما أن الحكم المطعون فيه قد قرر أن التعويض عن الفعل الضار له وجهان: أحدهما عيني وهو الأصل، والثاني بمقابل، فإذا منع المشرع سماع الدعوى عن الأصل فلا تثريب عليه إذا هو منعها أيضاً عن الفرع تمشياً مع القاعدة. وانتهت الحكومة من هذا إلى طلب "الحكم بقبول الطعن، وإلغاء الحكم المطعون فيه، والقضاء بعدم قبول دعوى الطاعن بشطريها، مع إلزامه بالمصاريف ومقابل الأتعاب".
ومن حيث إن المطعون عليه أودع سكرتيرية المحكمة في 10 من إبريل سنة 1957 مذكرة بملاحظاته، قال فيها إن رفع الطعن من هيئة مفوضي الدولة يتيح له الفرصة لتوكيد طلباته أمام محكمة القضاء الإداري التي لم تكن مقصورة على التعويض، بل تناولت قرار الإحالة إلى المعاش ذاته، بغية إلغائه تأسيساً على أنه ليس قراراً إدارياً باطلاً فحسب، بل معدوماً في حقه بحيث لا وجود له ولا ينتج أثراً، ولا تسري بالنسبة إليه الحصانة المستفادة من الحظر الوارد في المادة الثانية من القانون رقم 600 لسنة 1953، وتقتصر مهمة القضاء الإداري فيما يتعلق به بإثبات انعدامه؛ ذلك أن القرار المطعون فيه وإن كان قد صدر من مجلس الوزراء، وهو السلطة المختصة أصلاً بشئون الموظفين، إلا أن المجلس قد خرج في إصداره عن نطاق القانون المشار إليه الذي لم يخوله إلا فصل الموظفين غير الصالحين، لا من يثبت أن صلاحيتهم فوق متناول الشبهات. ومن ثم فإنه يعد قراراً باطلاً ويصح وصفه بأنه معدوم في نظر القانون. ولا يغير من هذا كون الصلاحية خاضعة لتقدير جهة الإدارة؛ لأن لسلطة الإدارة التقديرية في هذا حدوداً متى جاوزتها انعدم أساس قرارها. ومما يعزز وصف قرار إحالة المطعون عليه إلى المعاش بأنه معدوم لا باطل فحسب، إهمال عرض أمره كلية على اللجنة الوزارية المنصوص عليها في المادة الأولى من القانون، التي استهدف الشارع بتشكيلها إيجاد ضمانة للاطمئنان إلى سلامة قرارات الإحالة إلى المعاش الصادرة بالتطبيق لهذا القانون. وحتى إذا قيل بأن أثر العيب الذي شاب القرار يقتصر على إبطاله دون إعدامه، فإن النص في المادة الثانية من القانون على عدم جواز سماع دعوى التعويض عنه إن هو إلا مصادرة لحق الانتصاف تنطوي على مخالفة للمبادئ الدستورية، ولذا يتعين إطراحه، وهذا هو ما جرت عليه أحكام القضاء الإداري في شأن سماع دعوى التعويض عن قرارات فصل الموظفين بغير الطريق التأديبي بالتطبيق لأحكام المرسوم بقانون رقم 181 لسنة 1952، كما أن هذه الأحكام رفضت الأخذ بفكرة أن ضم مدة سنتين إلى خدمة الموظفين المفصولين تطهيراً يعتبر بمثابة تعويض جزافي يغني عن أي تعويض آخر. وقد ثار الفقه الحديث في الدول الدستورية على نظرية أعمال السيادة لما تضمنته من استثناء هذه الأعمال من الخضوع لرقابة القضاء، حتى لقد أجيز سماع دعوى التعويض عن هذه الأعمال اكتفاء بتحصينها ضد قضاء الإلغاء أو وقف التنفيذ. على أن قرار فصل المطعون عليه هو قرار إداري وليس عملاً من أعمال السيادة، فمنع المحاكم من سماع دعوى التعويض عنه فيما سببه من أضرار مادية وأدبية يخالف القواعد الدستورية العامة المتمشية مع ما نصت عليه المادتان الثامنة والعاشرة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الثالثة المنعقدة في باريس في سنة 1948. ولا يدحض ذلك ما جرى عليه العمل في قوانين التضمينات إثر إعلان الأحكام العرفية وبمناسبة رفعها من النص على عدم سماع دعاوى الأفراد أو الهيئات عن الإجراءات التي تكون اتخذتها السلطة القائمة على إجراء تلك الأحكام؛ إذ الواضح أن القصد من مثل هذه التشريعات إنما هو إعفاء الدولة ذاتها، لا شخص موظفيها وعمالها الذي كانوا ينفذون الأحكام العرفية، على الأقل متى بلغ ما هو مسند إليهم مرتبة الخطأ الجسيم. على أن هذه القوانين تصدر عادة بعد نفاذ الأحكام العرفية والعمل بها، وبعد أن يكون القضاء، بناء على ما رفع إليه من دعاوى، قد استوفى سلطانه في بسط رقابته على التدابير التي اتخذت. أما فكرة التعويض الجزافي فهي أكثر تمشياً مع مسئولية المخاطر منها مع المسئولية عن الخطأ أو التقصير التي يتعين أن يكون التعويض فيها بقدر الضرر. والأولى قد تكون نتيجة خطأ أو إهمال ولكن لا دخل للإدارة فيه، أما الثانية فقد تكون بصدد قرارات إدارية تعبر عن إرادة واعية قد يؤدي تحولها عن الهدف المقصود أصلاً إلى اختلال المعايير التي اتخذت أساساً للتعويض الجزافي. ولا وجه للمقارنة بين المرسوم بقانون رقم 181 لسنة 1952 الذي صدر لتطهير الأداة الحكومية مما شابها، والقانون رقم 600 لسنة 1953 الذي قصد به إفساح المجال للموظفين من الشباب ليحلوا محل آخرين قاربوا سن الإحالة إلى المعاش، أي تيسير خروج غير الصالحين من الموظفين، وحث المترددين منهم على المبادرة بطلب اعتزال الخدمة لكي يفيدوا من مزايا قراري مجلس الوزراء الصادرين في 4 و25 من نوفمبر سنة 1953 بتيسير خروج الموظفين، وأخص هذه المزايا ضم سنتين إلى المدة المحسوبة في معاشهم بدلاً من السنة الواحدة المنصوص عليها في المادة الأولى من القانون المشار إليه. وهذا الضم لا يفيد معنى التعويض عن ضرر بقدر ما يفيد معنى التسوية المالية بغية الترغيب في ترك الخدمة، الأمر الذي لا صلة له بما يصيب الموظف المحال إلى المعاش من ضرر مادي وأدبي نتيجة لتطبيق أحكام ذلك القانون في شأنه. ولا سيما أنه لم يرد في نصوص القانون المذكور ولا في مذكرته الإيضاحية ما يفيد أنه قصد بالتسوية المالية التي نص عليها بضم مدة سنة إلى المعاش أن تكون بمثابة تعويض جزافي يستعاض به عن التعويض الشامل، بل العكس هو الصحيح؛ فقد تحاشت المذكرة الإيضاحية ذكر لفظ التعويض، كما تناول القانون موضوع التعويض مستقلاً عن موضوع التسوية المالية. ولو صح الأخذ بفكرة التعويض الجزافي فلا أقل من قصر هذا التخريج على الحالات التي تنطوي تحت أحكام هذا القانون، دون تلك التي تقحم عليه بناء على قرارات خاطئة صادرة من جهة الإدارة. وخلص المطعون عليه من هذا إلى طلب الحكم بقبول الدعوى وإجابته إلى طلباته الأصلية الموضحة بعريضة دعواه أمام محكمة القضاء الإداري.
ومن حيث إنه يبين مما تقدم أن مثار المنازعة هو: (أولاً) ما إذا كان يجوز للمحكمة أن تتناول بالنظر والتعقيب الحكم المطعون فيه في شقه الخاص بعدم جواز سماع طلب الإلغاء الذي لم تطعن فيه هيئة المفوضين، ولكن أثاره المطعون عليه، أم أن ذلك لا يجوز (وثانياً) ما إذا كانت المادة الثانية من القانون رقم 600 لسنة 1953 - إذ قضت بأنه "استثناء من أحكام المادة 12 من قانون نظام القضاء ومن أحكام المواد 3 و4 و10 من قانون مجلس الدولة، لا يجوز الطعن بإلغاء أو وقف تنفيذ القرارات الصادرة بالتطبيق لأحكام هذا القانون. وكذلك لا يجوز سماع الدعاوى الخاصة بالتعويض عنها وذلك أمام المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها" - تتضمن حكماً غير دستوري فيمتنع على المحاكم تطبيقه، أم أن هذا النص دستوري فيجب على المحاكم أن تنزل عليه؟.
ومن حيث إنه فيما يتعلق بالنقطة الأولى، فإن هذه المحكمة سبق أن قضت بأن الطعن أمامها في الأحكام الصادرة من محكمة القضاء الإداري أو المحاكم الإدارية - طبقاً للمادة 15 من القانون رقم 165 لسنة 1955 في شأن تنظيم مجلس الدولة - يفتح الباب أمامها لتزن الحكم المطعون فيه بميزان القانون وزناً مناطه استظهار ما إذا كانت قد قامت به حالة أو أكثر من الأحوال التي تعيبه المنصوص عليها في المادة سالفة الذكر فتلغيه، ثم تنزل حكم القانون في المنازعة، أم أنه لم تقم به أية حالة من تلك الأحوال وكان صائباً في قضائه فتبقى عليه وترفض الطعن. ويتفرع عن ذلك أن للمحكمة العليا أن تنزل حكم القانون، غير مقيدة بالأوجه أو الأسباب التي تبديها هيئة المفوضين، ما دام المرد في ذلك كله هو إلى تطبيق مبدأ الشرعية نزولاً على سيادة القانون في روابط هي من روابط القانون العام التي تختلف في طبيعتها عن روابط القانون الخاص؛ ذلك أن رقابة محكمة القضاء الإداري والمحاكم الإدارية على القرارات الإدارية هي رقابة قانونية تسلطها عليها لتتعرف على مدى مشروعيتها من حيث مطابقتها أو عدم مطابقتها للقانون، وهذا بدوره ما تتناوله المحكمة الإدارية العليا في رقابتها للأحكام القضائية، كما قضت كذلك بأن الدعوى إذا كانت ذات شقين أحدهما بالإلغاء والآخر بالتعويض فإن الطعن في شق منهما يثير المنازعة برمتها، ما دام الطلبان مرتبطين أحدهما بالآخر ارتباطاً جوهرياً، باعتبارهما يقومان على أساس قانوني واحد، هو عدم مشروعية القرار الإداري، وأن الطعن بالإلغاء هو طعن فيه بالبطلان بالطريق المباشر، وطلب التعويض عنه هو طعن فيه بالبطلان بالطريق غير المباشر. وآية ذلك أنه لا يستقيم الحكم بالتعويض على أساس أن القرار غير مشروع مع الحكم بالإلغاء على أساس أن القرار مشروع؛ إذ مؤدى ذلك قيام حكمين متعارضين متفرعين عن أساس قانوني واحد، وهو ما لا يجوز وما لا مندوحة عن التردي فيه إذا لم يثر الطعن في أحد الشقين المنازعة برمتها.
ومن حيث إنه فيما يتعلق بالنقطة الثانية فإنه يجب التنبيه بادئ ذي بدء إلى أن الدفع بعدم دستورية النص المشار إليه قد أصبح غير ذي موضوع بعد صدور دستور جمهورية مصر والعمل به من تاريخ إعلان موافقة الشعب عليه في الاستفتاء؛ إذ قد نصت المادة 190 منه على أن "كل ما قررته القوانين والمراسيم والأوامر واللوائح والقرارات من أحكام قبل صدور هذا الدستور يبقي نافذاً، ومع ذلك يجوز إلغاؤها أو تعديلها وفقاً للقواعد والإجراءات المقررة في هذا الدستور"، كما نصت المادة 191 منه على أن "جميع القرارات التي صدرت من مجلس قيادة الثورة، وجميع القوانين والقرارات التي تتصل بها وصدرت مكملة أو منفذة لها، وكذلك كل ما صدر من الهيئات التي أمر المجلس المذكور بتشكيلها من قرارات أو أحكام، وجميع الإجراءات والأعمال والتصرفات التي صدرت من هذه الهيئات أو من أية هيئة أخرى من الهيئات التي أنشئت بقصد حماية الثورة ونظام الحكم، لا يجوز الطعن فيها أو المطالبة بإلغائها أو التعويض عنها بأي وجه من الوجوه وأمام أية هيئة كانت". ويبين من ذلك أن الدستور أراد أن يضفي حصانة دستورية على حركة التشريع السابقة عليه التي تمت في عهد الثورة؛ سواء أكانت بالطريق الأصلي، أي بمقتضى قوانين، أم بالطريق الفرعي، أي بمقتضى قرارات تنظيمية عامة - حصانة تعصمها من السقوط أو من المجادلة في قوة نفاذها؛ لحكمة تتصل بالمصالح العليا للوطن، بمراعاة أن تلك القوانين واللوائح إنما تمت في عهد ثورة تستهدف الإصلاح الشامل بشكل وفي أوضاع وظروف استثنائية. لا تقاس فيها الأمور بمقياس الأوضاع العادية، فأضفى عليها تلك الحصانة الدستورية على اعتبار أنها من الأدوات التي استعملتها الثورة في سبيل أوجه الإصلاح الذي قامت من أجله. وللحكمة عينها حصن الدستور كذلك جميع القرارات التي صدرت من مجلس قيادة الثورة، وجميع القوانين والقرارات التي تتصل بها وتكون مكملة أو منفذة لها، وذلك بمنع الطعن فيها بأي وجه من الوجوه وأمام أية هيئة كانت. وغني عن البيان أن نصي الدستور المشار إليهما يسريان على الدعاوى المنظورة باعتبار أن هذا الدستور أصبح القانون الأعلى. على أنه ينبغي، وضعاً للأمور في نصابها الدستوري الصحيح، التنبيه كذلك إلى أن الأصل المسلم هو أن القانون لا يكون غير دستوري إلا إذا خالف نصاً دستورياً قائماً أو خرج على روحه ومقتضاه؛ ومرد ذلك إلى أن الدستور - وهو القانون الأعلى فيما يقرره - لا يجوز أن يهدره قانون، وهو أداة أدنى. ويتحصل النعي بعدم دستورية المادة الثانية من القانون رقم 600 لسنة 1953، في أنها تنطوي على مصادرة لحق الموظف في تعويضه عن فصله، سواء بالطريق العيني وهو الإلغاء، أو بطريق المقابل وهو التعويض عن فصله، إذا كان القرار قد وقع مخالفاً للقانون، وعلى مصادرة لحقه في الانتصاف في هذا الشأن عن طريق القضاء، وعلى إخلال بمبدأ المساواة أمام القانون والقضاء. ولكن من البداهة أن هذا النعي لا يستقيم إلا إذا كان حق الموظف في الوظيفة العامة هو من الحقوق التي يكفلها الدستور ذاته، وأن وسيلة اقتضاء حقه هذا عن طريق القضاء هي وسيلة يقررها الدستور كذلك، وأن ثمة حقاً إخلالاً بمبدأ المساواة أمام القانون والقضاء في هذا الشأن؛ إذن لا يجوز عندئذ أن يهدر القانون ما يقرره الدستور. أما إذا كان هذا الحق هو مما ينشئه القانون أو يلغيه، وكذلك إذا كانت وسيلة اقتضائه هي مما ينظمه القانون على الوجه الذي يراه. كما إذا كان القانون لا يقوم على تمييز بين أفراد طائفة واحدة تماثلت مراكزهم القانونية، فلا يكون ثمة وجه للنعي بعدم دستوريته.
ومن حيث إن علاقة الموظف بالحكومة هي علاقة تنظيمية تحكمها القوانين واللوائح، فمركز الموظف هو مركز قانوني عام يجوز تغييره في أي وقت، ومرد ذلك إلى أن الموظفين هم عمال المرافق العامة، وبهذه المثابة يجب أن يخضع نظامهم القانوني للتعديل والتغيير وفقاً لمقتضيات المصلحة العامة لحسن سير تلك المرافق؛ ذلك أن الوظيفة العامة هي مجموعة من الاختصاصات يتولاها الموظف لصالح المرفق العام، ويعهد بها إليه ليساهم في شئونه في سبيل تحقيق الأغراض المنشودة منه للمصلحة العامة التي تقوم الدولة على رعايتها. وتقليد الوظيفة العامة هو إسناد اختصاصاتها إلى الموظف الذي يولاها، وتعيين الموظف أياً كانت أداته، لا يخلق الوظيفة، ولا يرتب للموظف حقاً فيها على غرار حق الملكية مثلاً؛ إذ هي ملك للدولة، وإنما يقتصر أثر التعيين على وضع الموظف في مركز قانوني عام، وإخضاعه لما تقرره القوانين واللوائح الخاصة بالوظيفة من قواعد وأحكام وإفادته من مزاياها. ولما كانت الوظيفة تكليفاً للقائم بها كأصل مسلم رددته المادة 28 من دستور جمهورية مصر، وهذا التكليف يتطلب من الموظف أن يكون صالحاً للقيام به، فإن بقاءه في الوظيفة، وهو رهين بهذا المناط، ليس حقاً ينهض إلى مرتبة الحقوق الدستورية، تلك الحقوق المنصوص عليها في الباب الثالث من الدستور المذكور، ولا يقاس على حق الملكية مثلاً الذي صانته النصوص الدستورية بما يكفل عدم نزعه إلا للمنفعة العامة، ومقابل تعويض عادل وفقاً للقانون، بل هو وضع شرطي منوط بصلاحيته للنهوض بأعباء الوظيفة العامة، وهو أمر يخضع لتقدير الحكومة القوامة على تسيير المرافق العامة؛ فتفصل من تراه أصبح غير صالح لذلك دون الاحتجاج بأن له أصل حق في البقاء في الوظيفة، ما دام ذلك قد تم بالشروط والأوضاع التي قررها القانون وبغير إساءة استعمال السلطة.
ومن حيث إن حق الحكومة في فصل الموظفين هو حق أصيل لا شبهة فيه مرده إلى أصلين: (الأول) أصل طبعي رددته النصوص الدستورية هو وجوب هيمنة الحكومة على تسيير المرافق العامة على الوجه الذي يحقق المصلحة العامة؛ فنصت المادة 57 من دستور سنة 1923 على أن "مجلس الوزراء هو المهيمن على مصالح الدولة"، كما نصت المادة 44 منه على أن رئيس الدولة وقتذاك يولي ويعزل الموظفين على الوجه المبين بالقوانين، ونصت المادة 140 من دستور جمهورية مصر على أن "يعين رئيس الجمهورية الموظفين المدنيين والعسكريين والممثلين السياسيين ويعزلهم على الوجه المبين في القانون". و(الثاني) أصل تشريعي يستند إلى الأوامر العالية الصادرة في 10 من إبريل سنة 1883 و24 من مايو سنة 1885 و19 من فبراير سنة 1887، والدكريتو الصادر في 24 من ديسمبر سنة 1888، والقانون رقم 5 لسنة 1909 بشأن المعاشات الملكية، والمرسوم بقانون رقم 37 لسنة 1929 الخاص بالمعاشات الملكية، والمادة 107 من القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة التي عددت أسباب انتهاء خدمة الموظفين المعينين على وظائف دائمة، وذكرت من بينها في بند "4" العزل أو الإحالة إلى المعاش بقرار تأديبي، وفي البند "6" الفصل بمرسوم أو أمر جمهوري أو بقرار خاص من مجلس الوزراء أي بغير الطريق التأديبي؛ وهذا الفصل بالطريق الأخير هو الذي أشارت إليه المادة الرابعة بند "5" من القانون رقم 112 لسنة 1946 الخاص بإنشاء مجلس الدولة، والمادة الثالثة بند "5" من القانون رقم 9 لسنة 1949 الخاص بمجلس الدولة، والمادة الثامنة بند "خامساً" من القانون رقم 165 لسنة 1955 في شأن تنظيم مجلس الدولة. ويبين من هذا كله أن القانون رقم 600 لسنة 1953، عندما أجاز في مادته الأولى إحالة الموظف إلى المعاش قبل بلوغ السن المقررة لترك الخدمة إذا كان من الموظفين من الدرجة الثانية فما فوقها بناء على اقتراح لجنة وزارية يشكلها مجلس الوزراء متى تبين عدم صلاحيته للوظيفة، مع ضم مدة خدمة لا تجاوز السنة وأداء الفرق بين المرتب والمعاش مشاهرة، وذلك خلال الفترة التي حددها من 3 من يناير سنة 1954 إلى 14 من يناير سنة 1954 - إن القانون المذكور لم يستحدث جديداً في شأن جواز إحالة الموظف إلى المعاش بغير الطريق التأديبي، بل ما استحدثه هو إيجاد ضمانة لم تكن مقررة له من قبل؛ بجعل اقتراح فصله منوطاً أولاً بلجنة وزارية تفحص حالته وتبدي رأيها في صلاحيته للبقاء في الوظيفة من عدمه، كما رتب له حقوقاً مالية ما كان ليظفر بها لولا النص عليها؛ ذلك أنه إذا كانت الحكومة تملك من الأصل فصل الموظفين بغير الطريق التأديبي لعدم صلاحيتهم للبقاء في الوظيفة، وتم ذلك وفقاً للقانون وخلا من إساءة استعمال السلطة، كان القرار سليماً مبرءاً من العيب مما لا وجه معه لمساءلة الحكومة بتعويض عنه؛ لأن أساس المسئولية - كما سبق أن قضت هذه المحكمة بذلك - هو وقوع خطأ من جانب الحكومة؛ بأن يكون القرار غير مشروع، أي يشوبه عيب أو أكثر من العيوب المنصوص عليها في المادة الثالثة من القانون رقم 9 لسنة 1949 الخاص بمجلس الدولة، وفي المادة الثامنة من القانون رقم 165 لسنة 1955 في شأن تنظيم مجلس الدولة، وهي عدم الاختصاص ووجود عيب في الشكل أو مخالفة القوانين واللوائح أو الخطأ في تطبيقها وتأويلها أو إساءة استعمال السلطة، وأن يترتب على القرار ضرر، وأن تقوم علاقة السببية بين الخطأ والضرر، فإذا كان القرار مشروعاً؛ بأن صدر سليماً مطابقاً للقانون، فلا تسأل الحكومة عن الضرر الذي ينجم عنه؛ إذ لا مندوحة من أن يتحمل الأفراد نتائج النشاط الإداري المشروع أي المطابق للقانون، ولا يمكن ترتيب مسئولية الدولة على أساس تبعة المخاطر - كأصل عام - إلا إذا وجد نص تشريعي خاص يقضي بذلك، والواقع من الأمر أن المنحة المالية التي قررتها المادة الأولى من القانون رقم 600 لسنة 1953 هي من هذا القبيل.
ومن حيث إن نص المادة الثانية من القانون المذكور، وإن جاء مضيقاً لاختصاص القضاء مانعاً إياه من نظر هذه المنازعات إلغاء أو تعويضاً، إلا أنه لا وجه للنعي عليه بعدم الدستورية، بدعوى مصادرته لحق التقاضي أو إخلاله بمبدأ المساواة أمام القانون؛ ذلك أنه تجب التفرقة بين المصادرة المطلقة لحق التقاضي عموماً وبين تحديد دائرة اختصاص القضاء. وإذا كان لا يجوز من الناحية الدستورية حرمان الناس كافة من الالتجاء إلى القضاء للانتصاف؛ لأن في ذلك مصادرة لحق التقاضي وهو حق كفل الدستور أصله، إذ تكون مثل هذه المصادرة المطلقة بمثابة تعطيل وظيفة السلطة القضائية" وهي سلطة أنشأها الدستور لتمارس وظيفتها في أداء العدالة مستقلة عن السلطات الأخرى - لئن كان ذلك كذلك، إلا أنه لا يجوز الخلط بين هذا الأمر وبين تحديد دائرة اختصاص القضاء بالتوسيع أو التضييق؛ لأن النصوص الدستورية تقضي بأن القانون هو الذي يرتب جهات القضاء ويعين اختصاصاتها، وبهذا نصت المادة 125 من دستور سنة 1923 والمادة 176 من دستور جمهورية مصر، وينبني على ذلك أن كل ما يخرجه القانون من ولاية القضاء يصبح معزولاً عن نظره، وهذا أصل من الأصول المسلمة. وقديماً قالوا إن القضاء يتخصص بالزمان والمكان والخصومة، وعلى هذا الأصل الدستوري صدرت التشريعات الموسعة أو المضيقة لولاية القضاء في جميع العهود وفي شتى المناسبات، كالنصوص التشريعية المانعة من النظر في أعمال السيادة سواء بالإلغاء أو بالتعويض، وكالنصوص التي كانت تمنع القضاء من النظر في طلبات إلغاء القرارات الإدارية أو وقف تنفيذها، إلى أن أنشئ مجلس الدولة فجعل ذلك من اختصاصه على الوجه المحدد بقانونه، وكتلك النصوص التي تمنع سماع الدعاوى في شأن تصرفات السلطة القائمة على إجراء الأحكام العرفية بعد انتهائها إلغاء أو تعويضاً، وكالمادة 13 من المرسوم بقانون رقم 178 لسنة 1952 الخاص بالإصلاح الزراعي التي تمنع جميع جهات القضاء من النظر في طلبات إلغاء أو وقف تنفيذ قرارات الاستيلاء أو في المنازعات المتعلقة بملكية الأطيان المستولى عليها، وكالمادة السابعة من المرسوم بقانون رقم 181 لسنة 1952 الخاص بفصل الموظفين بغير الطريق التأديبي التي تمنع القضاء الإداري من نظر طلبات إلغاء قرارات الفصل أو وقف تنفيذها، وكالمادة 14 من القانون رقم 598 لسنة 1953 بشأن أموال أسرة محمد على المصادرة التي تمنع المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها من سماع الدعاوى المتعلقة بتلك الأموال، وكالمادة 291 من القانون رقم 345 لسنة 1956 في شأن تنظيم الجامعات المصرية التي تمنع القضاء الإداري من النظر في طلبات إلغاء أو وقف تنفيذ القرارات الصادرة من الهيئات الجامعية في شئون طلابها - ولا شبهة في دستورية هذه التشريعات جميعاً، ما دام القانون هو الأداة التي تملك بحكم الدستور ترتيب جهات القضاء وتعيين اختصاصاتها؛ ومن ثم فله أن يضيقها أو أن يوسعها بالشروط والأوضاع التي يقررها.
ومن حيث إنه لا وجه للنعي على تلك المادة بأنها تنطوي على إخلال بمبدأ المساواة أمام القانون والقضاء؛ لأن المقصود بالمساواة في هذا الشأن هو عدم التمييز بين أفراد الطائفة الواحدة إذا تماثلت مراكزهم القانونية، ولم يتضمن القانون المشار إليه أي تمييز من هذا القبيل بين الموظفين الذين تنطبق عليهم أحكامه.
ومن حيث إن نص المادة الثانية من القانون السالف الذكر جاء صريحاً قاطعاً في عدم جواز الطعن بإلغاء أو وقف تنفيذ القرارات الصادرة بالاستناد إليه، وفي عدم جواز سماع الدعاوى الخاصة بالتعويض عنها أمام جميع المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها، لا فرق في ذلك بين من طبقت الإدارة القانون في حقه تطبيقاً سليماً وبين من عساها تكون قد أخطأت في تطبيقه بالنسبة إليه؛ وذلك لحكمة واضحة إذ المقصود من هذا المنع هو سد باب المنازعات القضائية في هذا الشأن، استقراراً للدولاب الحكومي. وإذا كان الشارع قد نص في المادة الأولى من هذا القانون على أن الفصل يلحق من تتبين عدم صلاحيته للوظيفة من الموظفين من الدرجة الثانية فما فوقها، فليس مفاد ذلك أن الاختصاص القضائي بنظر المنازعة أو عدم اختصاصه بها - والاختصاص مسألة فرعية سابقة على نظر الموضوع - يتوقف على تبين ما إذا كان الموظف صالح، أو غير صالح، وهي مسألة من صميم الموضوع، بل الظاهر أن هذا بعيد عن مقصود الشارع الذي أراد عزل جميع جهات القضاء عن نظر هذه المنازعات سداً لهذا الباب للحكمة التي ارتآها، أما الخطاب في شأن ما نصت عليه المادة الأولى فموجه إلى السلطات التنفيذية التي تصدر قرارات الفصل بالتطبيق لأحكام هذه المادة، وإذا أخطأت في هذا التطبيق فلا تكون مساءلتها عن ذلك عن طريق القضاء بعد إذ امتنع عليه النظر في هذا الشأن بنص المادة الثانية، وإنما تكون مساءلتها بغير الوسيلة القضائية؛ كالالتجاء إلى السلطات التي أصدرت القرار أو السلطات الأعلى.
ومن حيث إنه لكل ما تقدم يتعين إلغاء الحكم المطعون فيه في شقه الخاص بطلب التعويض، والقضاء بعدم جواز سماعه، وتأييد الحكم فيما عدا ذلك.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه، وبعدم جواز سماع دعوى التعويض، وبتأييده فيما عدا ذلك، وألزمت المدعي بالمصروفات.

الطعن 699 لسنة 47 ق جلسة 16 / 1 / 1978 مكتب فني 29 ق 12 ص 66

جلسة 16 من يناير سنة 1978

برياسة السيد المستشار حسن علي المغربي نائب رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: محمد عبد الواحد الديب، وقصدي اسكندر عزت، وأحمد رفعت خفاجي، وإسماعيل محمود حفيظ.

----------------

(12)
الطعن رقم 699 لسنة 47 القضائية

(1) تبديد. جريمة "أركانها". قصد جنائي. إثبات. "بوجه عام".
تحقق القصد الجنائي في التبديد بانصراف نية الجاني إلى إضافة المال الذي تسلمه وائتمن عليه إلى ملكه واختلاسه لنفسه. بحث توافر هذا القصد. موضوعي.
(2) تبديد. قصد جنائي. إثبات "بوجه عام" نقض. "أسباب الطعن. ما لا يقبل منها".
منازعة الطاعن في توافر القصد الجنائي. جدل موضوعي لا تجوز إثارته أمام النقض.
عدم جدوى إثارة قصور الدليل بالنسبة لتبديد بعض الأشياء. من ثبت يقيناً تبديد الباقي منها.

----------------------
1 - من المقرر أن القصد الجنائي في جريمة التبديد يتحقق بانصراف نية الجاني إلى إضافة المال الذي تسلمه إلى ملكه واختلاسه لنفسه، والبحث في توفره مما يدخل في سلطة محكمة الموضوع التقديرية التي تنأى عن رقابة محكمة النقض متى كان استخلاصها سليماً مستمداً من أوراق الدعوى.
2 - لما كان الحكم قد استظهر بالأدلة السائغة التي استند إليها وبما يتفق مع الثابت بالأوراق أن الطاعن قد تسلم كافة المستندات بصفته أميناً لصندوق الجمعية المذكورة مما يتحقق به تسليمها إليه على سبيل الوكالة عنها وأنه قد أودع بعضاً منها في القضية التي رفعها على المطعون ضدها فاستبعدها ولم يدنه إلا عن الباقي من المستندات التي كان قد تسلمها بتلك الصفة ولا تتعلق بالنزاع المذكور، وكان مفاد ذلك أن الطاعن وقد امتنع عن رد هذا الباقي دون وجه حق فإنه يكون قد أضافه إلى ملكه بنية اختلاسه وحرمان الجمعية المطعون ضدها منه وهو ما يتوفر به القصد الجنائي في جريمة التبديد على النحو الذي يطلبه القانون لما كان ذلك فإن منعى الطاعن على الحكم في هذا الخصوص ينحل إلى جدل موضوعي في وزن عناصر الدعوى واستنباط محكمة الموضوع لمعتقدها وهو ما لا تجوز إثارته أمام محكمة النقض. ولا جدوى من بعد مما يثيره الطاعن بشأن سجل الجمعية وخاتمها ما دام قد ثبت في حقه تبديد تلك المستندات الأخرى التي تكفي لحمل العقوبة المحكوم بها عليه.


الوقائع

اتهمت النيابة العامة الطاعن بأنه ارتكب ما هو مدون بعريضة الدعوى. وطلبت عقابه بالمادة 341 من قانون العقوبات. وادعى رئيس مجلس إدارة جمعية النعمة الإلهية القبطية الأرثوذكسية بصفته مدنياً قبل المتهم بمبلغ واحد وخمسين جنيهاً على سبيل التعويض المؤقت. ومحكمة المنتزه الجزئية قضت في الدعوى حضورياً عملاً بمادة الاتهام بحبس المتهم أسبوعين مع الشغل وكفالة عشرين جنيهاً لوقف التنفيذ. وفى الدعوى المدنية بإلزام المتهم أن يؤدي للمدعي بالحقوق المدنية بصفته مبلغ واحد وخمسين جنيهاً على سبيل التعويض المؤقت مع إلزامه بالمصروفات المدنية عن الدرجتين فطعن الأستاذ........ عن المحكوم عليه في هذا الحكم بطريق النقض... إلخ.


المحكمة

حيث إن الطاعن ينعى على الحكم المطعون فيه أنه إذ دانه بجريمة تبديد مستندات وسجل وختم جمعية النعمة الإلهية المطعون ضدها (المدعية بالحقوق المدنية) قد شابه خطأ في الإسناد وقصور في التسبيب وفساد في الاستدلال فضلاً عن أنه خالف صحيح القانون، وذلك بأن تلك المستندات كان قد قدمها إلى المحكمة المدنية - ولا زالت بها - في الدعوى المدنية التي أقامها على الجمعية المذكورة يطالبها فيها بما يداينها به وكانت هي الدليل الوحيد على ثبوت حقه هذا في ذمتها ولم تكن نيته قد انصرفت إطلاقاً إلى تملك تلك المستندات مما ينفي عنه القصد الجنائي الواجب توافره في تلك الجريمة التي آخذه بها، أما السجل والختم سالفى الذكر فلم يرد لهما ذكر في صحيفة الدعوى خلافاً لما ذهب إليه الحكم على غير الثابت في الأوراق دون أن يعني ببيان وصفهما والدليل على استلامه لهما مما يعيب الحكم بما يوجب نقضه.
وحيث إنه يبين من الحكم المطعون فيه أنه بعد أن حصل واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية لجريمة التبديد التي دان بها الطاعن وأورد على ثبوتها في حقه أدلة سائغة من شأنها أن تؤدى إلى ما رتبه عليها، عرض لما دفع به الطاعن من أنه قد تلك المستندات في الدعوى المدنية التي رفعها على الجمعية المطعون ضدهما ورد عليه بقوله: "وحيث إن المتهم دفع الاتهام المسند إليه بوجود حساب بينه وبين المدعية بالحق المدني وأنه يطلب تصفيته وكان دفاع المتهم يستقيم لو أنه امتنع عن تسليم المبالغ التي حصلها كلها فعلاً مع وجود هذا النزاع وكذلك باقي المستندات التي تؤيد دفاعه وثبت حقه في هذا الشأن إلا أنه وقد امتنع عن تسليم المدعية باقي المستندات التي لا تتعلق بالنزاع والتي ليس لها علاقة بإثبات أو نفي ما ادعى به مثل سجل الجمعية (خلاف سجل الاشتراكات) وخاتمها فإنه يكون قد ارتكب الجريمة المنصوص عليها في المادة 341 من قانون العقوبات ويتعين معاقبته وفق هذه المادة". وهذا الذي أورده الحكم يكفي في الرد على دفاع الطاعن في هذا الشأن ويسوغ، إطراحه، وذلك أنه من المقرر أن القصد الجنائي في جريمة التبديد يتحقق بانصراف نية الجاني إلى إضافة المال الذي تسلمه إلى ملكه واختلاسه لنفسه، والبحث في توفره أو عدم توفره مما يدخل في سلطة محكمة الموضوع التقديرية التي تنأى عن رقابة محكمة النقض متى كان استخلاصها سليماً مستمداً من أوراق الدعوى، لما كان ذلك، وكان الثابت من المفردات أن المطعون ضدها قد عددت في صحيفة دعواها المستندات التي نسبت للطاعن تبديدها فدفع هذا الأخير بأنه قدم تلك المستندات في الدعوى المدنية التي رفعها ضدها وقدم صورة من حافظة المستندات التي أودعها في تلك القضية. لما كان ذلك وكان الحكم قد استظهر بالأدلة السائغة التي استند إليها وبما يتفق مع الثابت بالأوراق أن الطاعن قد تسلم كافة المستندات بصفته أميناً لصندوق الجمعية المذكورة مما يتحقق به تسليمها إليه على سبيل الوكالة عنها وأنه قد أودع بعضا منها في القضية التي رفعها على المطعون ضدها فاستبعدها ولم يدنه إلا في الباقي من المستندات التي كان قد تسلمها بتلك الصفة ولا تتعلق بالنزاع المذكور، وكان مفاد ذلك أن الطاعن وقد امتنع عن رد هذا الباقي دون وجه حق فإنه يكون قد أضافه إلى ملكه بنية اختلاسه وحرمان الجمعية المطعون ضدها منه وهو ما يتوفر به القصد الجنائي في جريمة التبديد على النحو الذي يتطلبه القانون. لما كان ذلك فإن منعى الطاعن على الحكم في هذا الخصوص ينحل إلى جدل موضوعي في سلطة محكمة الموضوع في وزن عناصر الدعوى واستنباط معتقدها وهو ما لا تجوز إثارته أمام محكمة النقض ولا جدوى من بعد مما يثيره الطاعن بشأن سجل الجمعية وخاتمها ما دام قد ثبت في حقه تهمة تبديد تلك المستندات الأخرى التي تكفي لحمل العقوبة المحكوم بها عليه ومن ثم فإن الطعن برمته مستوجباً الرفض.

الطعن 1769 لسنة 2 ق جلسة 29 / 6 / 1957 إدارية عليا مكتب فني 2 ج 3 ق 136 ص 1318

جلسة 29 من يونيه سنة 1957

برياسة السيد/ السيد علي السيد رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة السيد إبراهيم الديواني وحسن أبو علم والإمام الإمام الخريبي ومصطفى كامل إسماعيل المستشارين.

-----------------

(136)

القضية رقم 1769 لسنة 2 القضائية

(أ) حكم 

- وجوب تنفيذ منطوقه مرتبطاً بأسبابه - قضاء محكمة القضاء الإداري بإلغاء الأمرين الملكيين رقمي 40 و41 الصادرين في 14 من نوفمبر سنة 1949 والأمرين الملكيين رقمي 53 و54 الصادرين في 9 من نوفمبر سنة 1950 فيما تضمنته من ترك المدعين في الترقية إلى وظيفة سكرتير ثالث أو وظيفة قنصل المماثلة - تأسيس قضائها على أن الأخذ بمبدأ أقدمية الوظيفة لا يكون إلا بالنسبة لمن هم في السلك السياسي أو القنصلي، أما المعينون من خارج هذين السلكين فتجرى في شأنهم القواعد العامة فيما تقضي به من ترتيب الأقدمية على أساس أسبقية الحصول على الدرجة المالية - وجوب التزام القواعد التي رسمتها هذه الأحكام وإعادة ترتيب الأقدميات على مقتضاها - من الخطأ في التنفيذ أن تلغى أقدمية أحدث المرقين بالأوامر الملكية المقضى بإلغائها وذلك على أساس وضعهم القائم وقتذاك في ترتيب الأقدمية وهو الوضع الذي عيبته الأحكام التي جرى تنفيذها بل المتعين بادئ ذي بدء تصحيح الأوضاع ثم إلغاء ترقية أحدث المرقين بموجب تلك الأوامر.
(ب) ميعاد الستين يوماً 

- إلغاء ترقية المدعي إلى وظيفة سكرتير ثالث نتيجة تنفيذ خاطئ لبعض الأحكام الصادرة من محكمة القضاء الإداري - التنفيذ الصحيح لتلك الأحكام كان يقتضي إعادة ترتيب الأقدميات وفقاً للأسس التي رسمتها مع الإبقاء على ترقية المدعي - لا وجه لأن يحاج المدعي بأنه قد فوت على نفسه الميعاد القانوني للطعن في القرارات الصادرة بتحديد أقدميته تحديداً خاطئاً في وظيفتي ملحق ثان وملحق أول - أساس ذلك.
(جـ) حكم بالإلغاء 

- تنفيذه - الحكم بإلغاء الأمر الملكي الصادر في 7 من أكتوبر سنة 1952 بإلغاء تعيين المدعي في وظيفة سكرتير ثالث - من المتعين تصحيح ترتيب الأقدميات في الوظائف التالية وضعاً لها في نصابها القانوني الصحيح ما دام أن المدعي قد بات يشغل وظيفة سكرتير أول منذ 30 من نوفمبر سنة 1955.

-----------------
1 - يبين من مطالعة الأحكام الصادرة من محكمة القضاء الإداري في الدعاوى أرقام 108 و506 لسنة 4 القضائية و386 و387 و628 و688 لسنة 5 القضائية، وهي التي اتفقت جميعها على القضاء بإلغاء الأمرين الملكيين رقمي 40 و41 الصادرين في 14 من نوفمبر سنة 1949، والأمرين الملكيين رقمي 53 و54 الصادرين في 9 من نوفمبر سنة 1950 فيما تضمنته من ترك المدعين في الترقية إلى وظيفة سكرتير ثالث أو وظيفة قنصل المماثلة، أنها أقامت قضاءها على أن الأخذ بمبدأ أقدمية الوظيفة لا يكون إلا بالنسبة إلى من هم في السلك السياسي أو القنصلي؛ لما نص عليه في لائحة شروط الخدمة في وظائف التمثيل الخارجي المصدق عليها من مجلس الوزراء في 25 من مايو سنة 1933 من تسلسل الترقية من أدنى درجات هذين السلكين إلى الدرجات الأعلى؛ فهو لا يشمل بطبيعة الحال من يعين من خارج هذين السلكين، سواء من غير موظفي وزارة الخارجية أو من موظفي السلك الكتابي في هذه الوزارة؛ لأن نصوص اللائحة لا تشمل هذه الحالات؛ ومن ثم فإنه عند التعيين أو الترقية في السلك السياسي أو القنصلي من خارج الوزارة أو من السلك الكتابي فيها يتعين الرجوع إلى القواعد العامة وضبط الأقدميات على أساسها، تلك القواعد التي تقضي بجعل الأقدمية على أساس نيل الدرجات المالية. وتأسيساً على هذا تكون قرارات لجنة شئون الموظفين بوزارة الخارجية في سنتي 1948 و1949 قد جانبت القانون في الاعتداد في تحديد الأقدمية بنتيجة الامتحان، مع أنه ليس في القوانين واللوائح ما يجيز ذلك، الأمر الذي انبنى عليه أن بعض من كانوا قد رقوا إلى الدرجة الخامسة قبل صدور هذا القرار وعينوا في وظيفة ملحق ثان من الدرجة الخامسة، جاء ترتيبهم تالياً لمن كانوا في الدرجة السادسة لغاية تاريخ صدور قرار التعيين في هذه الوظيفة لمجرد أن ترتيب هؤلاء كان سابقاً على أولئك في الامتحان. كما أخطأت اللجنة في جعل العبرة بأقدمية الوظيفة في وظيفة ملحق أول؛ إذ ترتب على ذلك أن المرقين إلى هذه الوظيفة من الملحقين الثواني سبقوا زملاءهم الذين كانوا في الدرجة الخامسة قبل تعيينهم في وظيفة ملحق أول، وسبقوا أيضاً زملاءهم الأقدم منهم في الدرجة السادسة ممن عينوا في سنة 1938. وأن الوضع الصحيح بالنسبة إلى المدعين وزملائهم ممن كانوا في وظائف كتابية أو خارج الوزارة وعينوا في وظائف ملحق ثان في سنة 1946 يجب أن يكون على أساس وضع من كان منهم في الدرجة الخامسة في رأس القائمة، ثم يتبعهم من كانوا في الدرجة السادسة وفقاً لأقدمية كل منهم في هذه الدرجة، كما يجب بالتالي أن ترتب أقدميتهم على هذا الأساس ذاته عند الترقية إلى وظيفة ملحق أول بالنسبة إلى من رقوا إلى هذه الوظيفة الأخيرة في قرار واحد. ومؤدى ذلك أن من عين في وظيفة ملحق أول مباشرة من موظفي الدرجة الخامسة الكتابية تسري في شأنه القاعدة العامة وهي أقدمية الدرجة المالية.
ومقتضى التنفيذ الصحيح للأحكام المتقدم ذكرها في ضوء الأسباب التي قامت عليها، وجوب التزام القواعد التي رسمتها هذه الأحكام للوزارة في تحديد أقدميات رجال السلكين السياسي والقنصلي الذين تناولتهم القرارات المطعون فيها والمحكوم بإلغائها، وذلك بإعادة ترتيب أقدميات هؤلاء جميعاً وضبطها منذ بدء تعيينهم في درجات هذين السلكين وفقاً للقواعد المشار إليها، أي على أساس الاعتداد بالأقدمية التي يكون قد اكتسبها كل منهم في الدرجة المماثلة للدرجة التي عين فيها في السلك السياسي أو القنصلي تبعاً لتاريخ حصوله على الدرجة المالية في الجهة أو السلك الذي كان به قبل نقله إلى السلك السياسي أو القنصلي، دون التحدي بأن الأقدمية في وظائف هذا السلك بالنسبة لمن يعين من خارجه هي أقدمية وظائف لا درجات، على أن يراعى الأخذ بمبدأ أقدمية الوظيفة بالنسبة لمن هم فعلاً في السلك السياسي أو القنصلي، أو من انتظمتهم فيه وظيفة واحدة بعد ذلك، أي يجعل الأقدمية في هذه الوظيفة هي مناط الترقية إلى الوظائف والدرجات الأعلى في هذين السلكين فيما بعد إذا كانت أجريت الترقية على أساس الأقدمية.
فإذا كان الثابت من الأوراق أن وزارة الخارجية بدلاً من أن تقوم بتنفيذ منطوق الأحكام الصادرة من محكمة القضاء الإداري للسبعة المحكوم لصالحهم مرتبطاً هذا المنطوق بأسبابها على الوجه المبين بها، وطبقاً للأسس التي قررتها على النحو السابق تفصيله، وذلك بإعادة ترتيب أقدميات من شملتهم الأوامر الملكية المحكوم بإلغائها وفقاً لتلك الأسس لتحديد أحدث المرقين من وظيفة ملحق أول إلى وظيفة سكرتير ثالث، وهم الذين ما كانوا يرقون لو رقي المحكوم لهم في دورهم الصحيح، وإلغاء ترقية آخر سبعة منهم في ترتيب الأقدمية بحسب ما يسفر عنه تطبيق القواعد التي قضت بها الأحكام المشار إليها - بدلاً من أن تفعل ذلك عمدت إلغاء ترقية آخر سبعة في كشف أقدمية السكرتيرين الثوالث الذين تضمنتهم الحركة المحكوم بإلغائها - ومنهم المدعي - وذلك على أساس وضعهم القائم وقتذاك في ترتيب الأقدمية، وهو الوضع الذي عيبته الأحكام المتقدم ذكرها، والذي كان يتعين إعادة النظر فيه بناء على تلك الأحكام وتعديله على مقتضاها إن كان لذلك وجه حق، وإلا ترتب على إغفال مراعاته قبل تنفيذها وقوع خطأ في التنفيذ - متى كان الثابت ذلك، فإن الوزارة تكون قد جانبت حكم القانون، ويكون الأمر الملكي رقم 22 لسنة 1952 الصادر في 7 من أكتوبر سنة 1952 بإلغاء تعيين سبعة - منهم المدعي - في وظائف سكرتيرين ثوالث وإعادتهم إلى وظائف ملحقين قد جانب الصواب في تطبيق القانون فيما تضمنه من إلغاء تعيين المدعي في وظيفة سكرتير ثالث بالوزارة تنفيذاً للأحكام الصادرة من محكمة القضاء الإداري لصالح سبعة من زملائه، مع أن ثمة من هو أحدث منه أقدمية، ممن لم يلغ تعيينهم بالأمر الملكي المشار إليه.
2 - لا وجه للتحدي بعدم طعن المدعي في الميعاد القانوني في القرارات الصادرة بتحديد أقدميته تحديداً خاطئاً في وظيفتي ملحق ثان وملحق أول مما أكسب زملاءه مراكز قانونية مستقرة لا يجوز المساس بها - لا وجه لذلك؛ لأنه فضلاً عن أن أقدميات رجال السلكين السياسي والقنصلي ظلت أمداً طويلاً سراً مغلقاً على أربابها كما نوهت بذلك منشورات الوزارة، وفضلاً عن عدم قيام قرينة علم المدعي بهذه الأقدميات علماً يقينياً شاملاً يمكن أن يكون من أثره جريان ميعاد الطعن في حقه، وفضلاً عن أن تظلمه إلى اللجنة القضائية لوزارة الخارجية المودع سكرتيريتها في 13 من نوفمبر سنة 1952 قد تضمن في عمومه الطعن في جميع القرارات السابقة التي أغفلت تحديد وضعه في الأقدمية بين زملائه على الوجه الصحيح بما أفضى به إلى وضع خاطئ في وظيفة سكرتير ثالث - فضلاً عن ذلك كله، فإن الأمر الملكي المطعون فيه الذي ألغى تعيينه في وظيفة سكرتير ثالث تنفيذاً لأحكام محكمة القضاء الإداري قد قلقل الأوضاع السابقة بالنسبة إليه، وأدى هذا التنفيذ الخاطئ إلى وضع أسوأ من وضعه الذي كان عليه قبل هذا التنفيذ، فأثار بذلك المنازعة من حيث وجوب إعادة ترتيب أقدميات جميع من عينوا في وظائف سكرتيرين ثوالث بالأمرين الملكيين رقمي 53 و54 لسنة 1950 وفقاً للأسس التي رسمتها هذه الأحكام، تلك الأسس التي لو طبقت تطبيقاً صحيحاً عند إصدار الأمر الملكي رقم 22 لسنة 1952 لما انتهى الأمر إلى إلغاء ترقية المدعي إلى وظيفة سكرتير ثالث.
3 - متى كان قد وضح أن تنفيذ أحكام محكمة القضاء الإداري الصادرة لصالح زملاء المدعي السبعة بإلغاء تعيين المدعي في وظيفة سكرتير ثالث بالأمر الملكي رقم 22 لسنة 1952 الصادر في 7 من أكتوبر سنة 1952 كان تنفيذاً خاطئاً لهذه الأحكام على مقتضى الأسباب التي كشفت عنها، وهي أسباب مرتبطة بمنطوقها ارتباط العلة بالمعلول، ما دامت أقدمية المدعي الصحيحة بالمقارنة إلى زملائه ما كانت لتسوغ المساس بوضعه الذي استقر عليه، وإنما كان تنفيذ هذه الأحكام يقتضي إلغاء ترقية من هو أحدث منه، فيجب على هذا الأساس إلغاء الأمر الملكي المشار إليه في هذا الخصوص بالنسبة إلى المدعي، كما أنه مما تجب مراعاته، كأثر مترتب على ذلك، أن المذكور صعد بعد ذلك في سلم وظائف السلك السياسي حتى أصبح حالياً يشغل وظيفة سكرتير أول اعتباراً من 30 من نوفمبر سنة 1955، وقد انتظمته هذه الوظيفة الأخيرة هو وزملاءه فأصبحت المنازعة بحكم الاقتضاء تشتمل تصحيح ترتيب الأقدميات في الوظائف التالية وضعاً لها في نصابها القانوني الصحيح؛ ومن ثم يتعين القضاء بإلغاء الحكم المطعون فيه، وإلغاء الأمر الملكي آنف الذكر فيما تضمنه من إلغاء تعيين المدعي في وظيفة سكرتير ثالث، وفيما ترتب على ذلك من آثار في خصوص ترتيب أقدميته الصحيح بين أقرانه الذين هم أحدث منه في وظيفة سكرتير أول وما يسبقها.


إجراءات الطعن

في 19 من أغسطس سنة 1956 أودع السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة سكرتيرية المحكمة عريضة طعن أمام هذه المحكمة قيد بجدولها تحت رقم 1769 لسنة 2 القضائية في الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري (الهيئة الثالثة) بجلسة 21 من يونيه سنة 1956 في الدعويين المضمومتين رقمي 266 و1193 لسنة 7 القضائية المقامتين من السيد/ يحيى سامي ضد وزارة الخارجية، القاضي "برفض الدعويين رقمي 266 و1193 لسنة 7 ق، وتأييد قرار اللجنة القضائية المطعون فيه، وألزمت المدعي بالمصروفات". وطلب السيد رئيس هيئة المفوضين، للأسباب التي استند إليها في صحيفة طعنه "الحكم بقبول هذا الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه، وإلغاء قرار اللجنة القضائية، وإلغاء الأمر الملكي رقم 22 لسنة 1952 الصادر في 7 من أكتوبر سنة 1952 فيما تضمنه من إلغاء ترقية المدعي إلى وظيفة سكرتير ثالث بوزارة الخارجية، وما يترتب على ذلك من آثار، وإلزام الحكومة المصروفات". وقد أعلن هذا الطعن إلى وزارة الخارجية في 28 من أغسطس سنة 1956، وإلى المطعون لصالحه في 30 منه، وعين لنظره أمام هذه المحكمة جلسة 2 من مارس سنة 1957. وقد انقضت المواعيد القانونية دون أن يقدم أي من الطرفين مذكرة بملاحظاته. وفي 9 من فبراير سنة 1957 أبلغ الطرفان بميعاد الجلسة، وفيها سمعت المحكمة ما رأت سماعه من إيضاحات ذوي الشأن على الوجه المبين بمحضر الجلسة، ثم أرجأت النطق بالحكم إلى جلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة، حسبما يبين من أوراق الطعن، تتحصل في أن المطعون لصالحه قدم إلى اللجنة القضائية لوزارتي العدل والخارجية التظلم رقم 20 لسنة 1 القضائية بعريضة أودعها سكرتارية اللجنة في 13 من نوفمبر سنة 1952، طلب فيها إلغاء الأمر الملكي رقم 22 لسنة 1952 الذي قضى بإنزاله إلى وظيفة ملحق أول بعد أن كان يشغل وظيفة سكرتير ثالث، وتعديل أقدميته بين السكرتيرين الثوالث بإرجاعها إلى تاريخ حصوله على الدرجة المالية، على أن يكون ترتيبه سابقاً لكل من حصل على الدرجة المالية بعده؛ وبذلك لا يشمله قرار الإنزال؛ إذ يسبق سبعة من زملائه. واستند في ذلك إلى أن أحكام محكمة القضاء الإداري لم تنص على إلغاء قرار تعيينه في وظيفة سكرتير ثالث، وإلى أن إلغاء تعيينه في وظيفة سكرتير ثالث لا يجوز أن يتم إلا بناء على حكم قضائي أو قرار تأديبي. وقد ردت وزارة الخارجية على هذا التظلم بأن المتظلم أعيد إلى وظيفة ملحق؛ نتيجة لتسوية حالة من صدرت لصالحهم أحكام من محكمة القضاء الإداري وعددهم سبعة، وتنفيذاً لهذه الأحكام التي قضت بإلغاء تعيين سبعة سكرتيرين ثوالث وتعيين سبعة ملحقين بدلاً منهم؛ إذ عمدت الوزارة إلى إلغاء ترقية السبعة سكرتيرين الثوالث الأخيرين في الكشف وهو منهم، وعينت مكانهم الملحقين السبعة المحكوم لصالحهم، ولو أن الأحكام المشار إليها لم تنص صراحة على إلغاء تعيينه؛ ذلك أنه لو كان من صدرت لصالحهم الأحكام قد رقوا إلى وظيفة سكرتير ثالث في الميعاد الذي عينته هذه الأحكام، لظل السبعة الذين أعيدوا إلى وظائف ملحقين أول في وظائفهم هذه إلى أن يرقوا في حركة مقبلة. أما فيما يتعلق بطلب المتظلم تعديل ترتيبه في الأقدمية بين الملحقين تبعاً لتاريخ حصوله على الدرجة الخامسة، فإنه يسبق فعلاً سبعة سكرتيرين ثوالث في أقدمية الدرجة المالية، ولكنهم جميعاً يسبقونه في أقدمية الوظيفة التي اكتسبوا فيها مركزاً قانونياً ثابتاً. وبجلسة أول مارس سنة 1953 أصدرت اللجنة القضائية قرارها في هذا التظلم "برفض طلب المتظلم". واستندت في ذلك إلى أنه اتضح لها من الاطلاع على كشوف الأقدمية أن السبعة الذين أعيدوا إلى وظيفة ملحق أول - ومن بينهم المتظلم - هم أحدث المعينين في وظيفة ملحق أول بين السكرتيرين الثوالث. ولما كان هؤلاء السبعة هم آخر من رقوا من وظيفة ملحق أول إلى وظيفة سكرتير ثالث، فإنه كان يتعين إعادتهم إلى وظيفة ملحق أول تنفيذاً للأحكام الصادرة لصالح سبعة آخرين كانوا ملحقين أول وقضت هذه الأحكام بتعيينهم سكرتيرين ثوالث، ولو أنهم رقوا في دورهم لما تناولت الترقية السبعة الذين منهم المتظلم. وقد أقام المتظلم الدعوى رقم 266 لسنة 7 القضائية أمام محكمة القضاء الإداري (الدائرة الثانية) بعريضة أودعها سكرتيرية اللجنة في 4 من ديسمبر سنة 1952، طلب فيها الحكم بإلغاء الأمر الملكي رقم 22 لسنة 1952 الصادر في 7 من أكتوبر سنة 1952 بإلغاء بعض تعيينات لموظفي السلك السياسي وتعيين آخرين في وظيفة سكرتير ثالث، وهو الأمر الملكي الذي قرر في المادة الأولى منه إلغاء الأوامر الملكية رقم 53 ورقم 54 لسنة 1950 ورقم 9 ورقم 50 ورقم 51 لسنة 1951، فيما تضمنه من تعيين المدعي وبعض زملائه سكرتيرين ثوالث بوزارة الخارجية، مع الحكم بإلغاء كل ما ترتب أو ما يترتب مستقبلاً على صدور الأمر الملكي المطلوب إلغاؤه نتيجة إلغاء تعيين المدعي في وظيفة سكرتير ثالث بالوزارة، وإلزام الحكومة بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة. وردد في هذه الدعوى دفاعه أمام اللجنة القضائية، وأضاف إليه أن الأحكام الصادرة من محكمة القضاء الإداري لصالح بعض موظفي الوزارة لم تلغ الأوامر الملكية إلغاء تاماً، بل اعتبرتها صحيحة، كما أنها لم تتعرض إطلاقاً لما تضمنته الأوامر الملكية من تعيينه في وظيفة سكرتير ثالث بالوزارة، هذا إلى أنه لم يكن طرفاً في الدعاوى التي صدرت فيها هذه الأحكام. وقد كان في الإمكان تنفيذ الأحكام المذكورة بترقية المحكوم لهم، دون إلغاء ترقيته ودون المساس بحقوقه المكتسبة التي نالها على الوجه القانوني، والتي لا يسوغ حرمانه منها إلا بحكم تأديبي أو بقرار سحب صادر في الميعاد القانوني. وقد كان من المتعين مراعاة ترتيب الأقدمية على أساس تاريخ الحصول على الدرجة المالية؛ بمعنى أن يكون الترتيب في وظيفة سكرتير ثالث تبعاً لتاريخ الترقية إلى الدرجة الخامسة، الأمر الذي لو أخذت به الوزارة لما مست مركزه؛ لتقدمه في ترتيب الأقدمية بحسب هذه القاعدة على سبعة من زملائه على الأقل. وأوضح في مذكرة له أنه تقدم بتظلم عن الموضوع ذاته إلى اللجنة القضائية في الميعاد القانوني أخذاً بالأحوط. وبعريضة مودعة سكرتيرية محكمة القضاء الإداري في 5 من مايو سنة 1953 أقام المدعي الدعوى رقم 1193 لسنة 7 القضائية طالباً "الحكم بقبول تظلمه شكلاً، وفي الموضوع - وبعد ضمه إلى الطعن رقم 266 لسنة 7 قضائية، وهو الطعن الذي رفع إلى محكمة القضاء الإداري بطلب إلغاء الأمر الملكي رقم 22 لسنة 1952 - الحكم: أولاً - بإلغاء الأمر الملكي رقم 22 لسنة 1952 الصادر بتاريخ 7 من أكتوبر سنة 1952 والقاضي بإلغاء تعيين الطاعن في وظيفة سكرتير ثالث بوزارة الخارجية وإحلال موظف آخر بدله، وإلغاء كل ما ترتب على الأمر رقم 22 المذكور من آثار بالنسبة للطاعن، وتمكينه من الحصول على ترقياته وعلاوته، كما لو لم يلغ هذا الأمر ترقيته. ثانياً - بإلزام وزارة الخارجية بكافة المصاريف ومقابل أتعاب المحاماة، وحفظ كافة الحقوق الأخرى". وذكر في صحيفة دعواه أنه لما كانت اللجنة القضائية لوزارتي العدل والخارجية قد أصدرت بجلسة أول من مارس سنة 1953 قرارها في التظلم المرفوع منه إليها تحت رقم 20 لسنة 1 القضائية برفض هذا التظلم، فإنه يحق له أن يطعن في هذا القرار؛ لأنه لم يتعرض لبطلان الأمر الملكي رقم 22 لسنة 1952 الخاص بإلغاء ترقيته إلى وظيفة سكرتير ثالث، مع أنه اكتسب حقاً ذاتياً على وجه مشروع في هذه الوظيفة، وهو حق لا يجوز سحبه إلا بالإجراءات القانونية المقررة لذلك وفي الميعاد القانوني، وهو ما لم يحصل. كما أن قرار اللجنة المشار إليه قد أغفل ترتيب أقدميته بين زملائه على أساس أسبقية الحصول على الدرجة المالية وفقاً للمبدأ الذي قررته محكمة القضاء الإداري، ولو أن اللجنة طبقت هذا المبدأ لتبينت أنه يسبق في أقدميته السبعة المحكوم لصالحهم بمراعاة هذه الأقدمية في الدرجة المالية وهي الدرجة الخامسة دون الوظيفة، وبملاحظة أن هؤلاء السبعة كانوا في السلك الإداري والكتابي وقت أن رقي هو من وظيفة ملحق أول إلى وظيفة سكرتير ثالث، وأنه لم يكن لهم أي حق في الانضمام إلى السلك السياسي والقنصلي. وقد ردت وزارة الخارجية على هذه الدعوى بأن محكمة القضاء الإداري أصدرت أحكاماً بإلغاء الأوامر الملكية فيما تضمنته من تخطي سبعة من الملحقين الأول في الترقية إلى وظيفة سكرتير ثالث أو قنصل، وقد اقتضى تنفيذ هذه الأحكام رفع أسماء سبعة سكرتيرين ثوالث وإحلال المحكوم لهم محلهم في وظيفة سكرتير ثالث؛ ولذا صدر الأمر الملكي رقم 22 لسنة 1952 بهذا المعنى. ولا اعتداد بقول المدعي أنه لم يكن ممثلاً في الدعاوى التي صدرت فيها هذه الأحكام، أو أنه اكتسب حقاً ما كان يجوز المساس به؛ ذلك أن أحكام محكمة القضاء الإداري عينية تزيل القرار ذاته من الوجود، وأن المخاصمة تكون للقرار الإداري ذاته لا للشخص، وأن الحكم كاشف دائماً لحق المحكوم له بحيث ينسحب أثره إلى الوقت الذي صدر فيه القرار المشوب بالعيب الموجب لإلغائه. أما فيما يتعلق بتعديل ترتيب الأقدمية على أساس تاريخ الحصول على الدرجة المالية، فإن هذا مردود بأن الأقدمية بين رجال السلكين السياسي والقنصلي ترجع إلى تاريخ شغل الوظيفة لا إلى تاريخ نيل الدرجة المالية. وخلصت الوزارة من هذا إلى طلب "الحكم برفض الدعوى، وإلزام رافعها بالمصروفات ومقابل الأتعاب".
ومن حيث إن محكمة القضاء الإداري (الهيئة الثالثة) قضت بجلسة 21 من يونيه سنة 1956 "أولاً - قررت المحكمة ضم الدعوى 266 سنة 7 إلى الدعوى رقم 1193 سنة 7 للارتباط، على أن يصدر فيهما حكم واحد. ثانياً - حكمت المحكمة برفض الدعويين رقمي 266 سنة 7 و1193 سنة 7، وتأييد قرار اللجنة القضائية المطعون فيه، وألزمت المدعي بالمصروفات". وأقامت قضاءها على أن مناط الاعتداد في ترتيب الأقدمية بالدرجة المالية دون الوظيفة هو عند تعيين أعضاء هيئة السلك السياسي من الخارج، أما بعد أن ينتظم الموظف في هذه الهيئة، وفقاً لهذا الأساس، فإن الأقدمية في الوظيفة تصبح هي مناط الترقية، كما تؤيد ذلك المواد 7 و8 و9 و10 من لائحة شروط الخدمة في وظائف التمثيل الخارجي الصادر بها قرار مجلس الوزراء في 25 من مايو سنة 1933؛ إذ يبين من هذه المواد أن الترقية من وظيفة إلى أخرى تكون حسب الأقدمية في الوظيفة السابقة من وظائف السلك السياسي. ولما كانت أقدمية المدعي في درجة ملحق أول قد تحددت من تاريخ ترقيته إليها من وظيفة ملحق ثان، فقد أصبحت تلك الأقدمية في وظيفة ملحق أول هي مناط ترقيته إلى سكرتير ثالث، بغض النظر عن درجته المالية، وعما يذهب إليه من أن أقدميته في وظيفة ملحق ثان قد حددت تحديداً خاطئاً عند تعيينه من الخارج نقلاً من وزارة الداخلية، ما دام لم يطعن في هذا الوضع في الميعاد القانوني، فاكتسب غيره مراكز قانونية بذلك أصبح لا يجوز المساس بها. ومن ثم يكون ما قامت به الوزارة من إلغاء ترقيته إلى وظيفة سكرتير ثالث بالأمر الملكي رقم 22 الصادر في 7 من أكتوبر سنة 1952 باعتباره من السبعة الأحدث ترقية إلى هذه الوظيفة، قد وقع صحيحاً مطابقاً للقانون. ولا حجة في القول بأنه لم يكن طرفاً في الدعاوى التي صدرت فيها الأحكام التي انبنى عليها الأمر الملكي المشار إليه؛ ذلك أن أحكام الإلغاء تكون حجة على الكافة، وبذا تؤثر في المراكز التي اكتسبت بمقتضى القرارات التي انصب عليها الإلغاء، وليست الوزارة بملزمة بأن تنشئ في ميزانيتها سبع درجات جديدة لكي ترقى عليها المحكوم لصالحهم، بل إن التنفيذ الصحيح للأحكام الصادرة لهؤلاء يقتضي إلغاء ترقية أحدث السبعة المرقين بالأوامر المطعون فيها.
ومن حيث إن السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة طعن في هذا الحكم بعريضة أودعها سكرتيرية هذه المحكمة في 19 من أغسطس سنة 1956، واستند في أسباب طعنه إلى أن المدعي قد طعن في تظلمه المقدم إلى اللجنة القضائية في قرارات الترقية إلى وظيفة ملحق أول؛ إذ أسسه على أنه كان ينبغي ترتيب أقدميته بالنسبة إلى من رقوا إلى وظيفة سكرتير ثالث أو ما يقابلها تبعاً لتاريخ الحصول على الدرجة الخامسة المالية؛ إذ لو تم هذا الترتيب لكان على رأس القائمة، ولسبق في الأقدمية سبعة من زملائه على الأقل. ومفاد هذا أنه يطعن ضمناً في قرارات الترقية التي حجبت عنه وضعه الصحيح في الأقدمية. وليس ثمة دليل قاطع في الأوراق على أنه رفع هذا التظلم بعد فوات الميعاد القانوني المقرر للطعن في القرارات المذكورة منذ علمه بجميع عناصرها علماً يقينياً شاملاً؛ ومن ثم فإن قرارات الترقية إلى وظيفة ملحق أول لا تكتسب بالنسبة إليه حصانة تحول دون تصحيح أقدميته بحسب الدرجة المالية، ولما كان الثابت من مذكرة إدارة المستخدمين بوزارة الخارجية المؤرخة أول ديسمبر سنة 1952 أنه يسبق فعلاً سبعة سكرتيرين في أقدمية الدرجة المالية فإن صحة وضعه تعصمه من إلغاء ترقيته إلى وظيفة سكرتير ثالث، تنفيذاً للأحكام الصادرة من محكمة القضاء الإداري، ويكون الأمر الملكي المطعون فيه - إذ ألغى ترقيته هذه - قد وقع مخالفاً للقانون، حقيقاً بالإلغاء في هذا الخصوص، مع ما يترتب على ذلك من آثار. وإذ ذهب الحكم المطعون فيه غير هذا المذهب فإنه يكون قد أخطأ في تطبيق القانون، ويتعين الطعن فيه أمام المحكمة الإدارية العليا. وانتهى السيد رئيس هيئة المفوضين من هذا إلى طلب "الحكم بقبول هذا الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه، وإلغاء قرار اللجنة القضائية، وإلغاء الأمر الملكي رقم 22 لسنة 1952 الصادر في 7 من أكتوبر سنة 1952 فيما تضمنه من إلغاء ترقية المدعي إلى وظيفة سكرتير ثالث بوزارة الخارجية، وما يترتب على ذلك من آثار، وإلزام الحكومة المصروفات".
ومن حيث إنه يبين من مطالعة الأحكام الصادرة من محكمة القضاء الإداري - في الدعاوى رقم 108 لسنة 4 القضائية لصالح كل من سعيد لطفي الغمراوي وعبد العظيم السعيد المرسي، ورقم 506 لسنة 4 القضائية لصالح سعيد أحمد عبد السلام، ورقم 386 لسنة 5 القضائية لصالح عثمان علي عسل، ورقم 387 لسنة 5 القضائية لصالح زهير الشبيني، ورقم 628 لسنة 5 القضائية لصالح أمين محمد أحمد سوكة، ورقم 688 لسنة 5 القضائية لصالح أنور محمد السكري، وهي التي اتفقت جميعها على القضاء بإلغاء الأمرين الملكيين رقمي 40 و41 الصادرين في 14 من نوفمبر سنة 1949، والأمرين الملكيين رقمي 53 و54 الصادرين في 9 من نوفمبر سنة 1950، فيما تضمنته من ترك المدعين في الترقية إلى وظيفة سكرتير ثالث أو وظيفة قنصل المماثلة - أنها أقامت قضاءها على أن الأخذ بمبدأ أقدمية الوظيفة لا يكون إلا بالنسبة لمن هم في السلك السياسي أو القنصلي، لما نص عليه في لائحة شروط الخدمة في وظائف التمثيل الخارجي المصدق عليها من مجلس الوزراء في 25 من مايو سنة 1933 من تسلسل الترقية من أدنى درجات هذين السلكين إلى الدرجات الأعلى، فهو لا يشمل بطبيعة الحال من يعين من خارج هذين السلكين سواء من غير موظفي وزارة الخارجية أو من موظفي السلك الكتابي في هذه الوزارة؛ لأن نصوص اللائحة لا تشمل هذه الحالات؛ ومن ثم فإنه عند التعيين أو الترقية في السلك السياسي أو القنصلي من خارج الوزارة أو من السلك الكتابي فيها يتعين الرجوع إلى القواعد العامة وضبط الأقدميات على أساسها، تلك القواعد التي تقضي بجعل الأقدمية على أساس نيل الدرجات المالية. وتأسيساً على هذا تكون قرارات لجنة شئون الموظفين بوزارة الخارجية في سنتي 1948 و1949 قد جانبت القانون في الاعتداد في تحديد الأقدمية بنتيجة الامتحان، مع أنه ليس في القوانين واللوائح ما يجيز ذلك، الأمر الذي انبنى عليه أن بعض من كانوا قد رقوا إلى الدرجة الخامسة قبل صدور هذا القرار وعينوا في وظيفة ملحق ثان من الدرجة الخامسة، جاء ترتيبهم تالياً لمن كانوا في الدرجة السادسة لغاية تاريخ صدور قرار التعيين في هذه الوظيفة، لمجرد أن ترتيب هؤلاء كان سابقاً على أولئك في الامتحان. كما أخطأت اللجنة في جعل العبرة بأقدمية الوظيفة في وظيفة ملحق أول؛ إذ ترتب على ذلك أن المرقين إلى هذه الوظيفة من الملحقين الثواني سبقوا زملاءهم الذين كانوا في الدرجة الخامسة قبل تعيينهم في وظيفة ملحق أول، وسبقوا أيضاً زملاءهم الأقدم منهم في الدرجة السادسة ممن عينوا في سنة 1938. وأن الوضع الصحيح بالنسبة إلى المدعين وزملائهم ممن كانوا في وظائف كتابية أو خارج الوزارة وعينوا في وظائف ملحق ثان في سنة 1946 يجب أن يكون على أساس وضع من كان منهم في الدرجة الخامسة في رأس القائمة، ثم يتبعهم من كانوا في الدرجة السادسة وفقاً لأقدمية كل منهم في هذه الدرجة، كما يجب بالتالي أن ترتب أقدميتهم على هذا الأساس ذاته عند الترقية إلى وظيفة ملحق أول بالنسبة إلى من رقوا إلى هذه الوظيفة الأخيرة في قرار واحد. ومؤدى ذلك أن من عين في وظيفة ملحق أول مباشرة من موظفي الدرجة الخامسة الكتابية تسري في شأنه القاعدة العامة وهي أقدمية الدرجة المالية.
ومن حيث إن التنفيذ الصحيح للأحكام المتقدم ذكرها - في ضوء الأسباب التي قامت عليها - كان يقتضي التزام القواعد التي رسمتها هذه الأحكام للوزارة في تحديد أقدميات رجال السلكين السياسي والقنصلي الذين تناولتهم القرارات المطعون فيها والمحكوم بإلغائها، وذلك بإعادة ترتيب أقدميات هؤلاء جميعاً وضبطها منذ بدء تعيينهم في درجات هذين السلكين وفقاً للقواعد المشار إليها، أي على أساس الاعتداد بالأقدمية التي يكون قد اكتسبها كل منهم في الدرجة المماثلة للدرجة التي عين فيها في السلك السياسي أو القنصلي تبعاً لتاريخ حصوله على الدرجة المالية في الجهة أو السلك الذي كان به قبل نقله إلى السلك السياسي أو القنصلي، دون التحدي بأن الأقدمية في وظائف هذا السلك بالنسبة إلى من يعين من خارجه هي أقدمية وظائف لا درجات، على أن يراعى الأخذ بمبدأ أقدمية الوظيفة بالنسبة إلى من هم فعلاً في السلك السياسي أو القنصلي أو من انتظمتهم فيه وظيفة واحدة بعد ذلك، أي بجعل الأقدمية في هذه الوظيفة هي مناط الترقية إلى الوظائف والدرجات الأعلى في هذين السلكين فيما بعد إذا كانت أجريت الترقية على أساس الأقدمية.
ومن حيث إنه ظاهر من الأوراق أن وزارة الخارجية بدلاً من أن تقوم بتنفيذ منطوق الأحكام الصادرة من محكمة القضاء الإداري للسبعة المحكوم لصالحهم، مرتبطاً هذا المنطوق بأسبابها على الوجه المبين بها، وطبقاً للأسس التي قررتها على النحو السابق تفصيله، وذلك بإعادة ترتيب أقدميات من شملتهم الأوامر الملكية المحكوم بإلغائها وفقاً لتلك الأسس؛ لتحديد أحدث المرقين من وظيفة ملحق أول إلى وظيفة سكرتير ثالث، وهم الذين ما كانوا يرقون لو رقي المحكوم لهم في دورهم الصحيح، وإلغاء ترقية آخر سبعة منهم في ترتيب الأقدمية بحسب ما يسفر عنه تطبيق القواعد التي قضت بها الأحكام المشار إليها - بدلاً من أن تفعل ذلك عمدت إلغاء ترقية آخر سبعة في كشف أقدمية السكرتيرين الثوالث الذين تضمنتهم الحركة المحكوم بإلغائها، ومنهم المدعي، وذلك على أساس وضعهم القائم وقتذاك في ترتيب الأقدمية، وهو الوضع الذي عيبته الأحكام المتقدم ذكرها، والذي كان يتعين إعادة النظر فيه بناء على تلك الأحكام، وتعديله على مقتضاها إن كان لذلك وجه، وإلا ترتب على إغفال مراعاته قبل تنفيذها وقوع خطأ في هذا التنفيذ.
ومن حيث إنه يتضح من كشوف الأقدميات المختلفة المقدمة من الوزارة ومن ملف خدمة المدعي، أن المذكور - وهو حاصل على ليسانس الحقوق في سنة 1941 وعلى دبلوم القانون العام في سنة 1942 ودبلوم الاقتصاد السياسي في سنة 1943 - عين في وزارة الداخلية في وظيفة من الدرجة السادسة بالديوان العام اعتباراً من 13 من ديسمبر سنة 1944، ثم نقل إلى رياسة مجلس الوزراء اعتباراً من 21 من ديسمبر سنة 1944 في نفس درجته، ونقل إلى وزارة الخارجية في أول أغسطس سنة 1946 في وظيفة ملحق من الدرجة الثانية، ثم عين في وظيفة ملحق أول من 10 من أغسطس سنة 1947، ورقي إلى الدرجة الخامسة اعتباراً من أول يناير سنة 1949، وعين سكرتيراً ثالثاً بالأمر الملكي رقم 53 لسنة 1950 الصادر في 9 من نوفمبر سنة 1950، ثم ألغي تعيينه في هذه الوظيفة بالأمر الملكي رقم 22 لسنة 1952 الصادر في 7 من أكتوبر سنة 1952، وأعيد إلى وظيفة ملحق، وأنه يسبق في أقدمية الدرجة السادسة من زملائه - الذين عينوا معه في وظيفة سكرتير ثالث بالأمر الملكي رقم 53 لسنة 1950 ولم يلغ تعينهم في هذه الوظيفة بالأمر الملكي رقم 22 لسنة 1952 - كلاً من محمود صلاح الدين حسن الذي حصل على هذه الدرجة في 3 من إبريل سنة 1945، وأحمد ناجي كمال علما الذي نالها في أول يوليه سنة 1946، كما يسبق فعلاً - في أقدمية الدرجة الخامسة بإقرار الوزارة في مذكرة إدارة مستخدميها المؤرخة أول ديسمبر سنة 1952 - سبعة سكرتيرين، وإن كانوا يسبقونه في أقدمية الوظيفة على أساس عدم الاعتداد بأقدمية الدرجة المالية، وهم: محمود صلاح الدين حسن، وصلاح الدين أبو جبل، وأشرف عبد اللطيف غربال، وجمال الدين بركات، وأحمد ناجي كمال علما، وحسن سري عصمت، ومحمد رياض، الذين حصلوا على الدرجة المذكورة في 3 من إبريل سنة 1949، و3 من يناير سنة 1950، و12 من يناير سنة 1950، وأول مارس سنة 1950، وأول يوليه سنة 1950 على التوالي. كذلك يسبق في أقدمية وظيفة ملحق أول كلاً من: صلاح الدين أبو جبل، وأحمد عصمت عبد المجيد، وأشرف عبد اللطيف غربال، الذين عينوا مباشرة في هذه الوظيفة بعد رجوعهم من البعثة الدراسية في 14 من نوفمبر سنة 1947، و10 من يوليه سنة 1948، و12 من يوليه سنة 1949، وهم ممن عينوا معه في وظائف سكرتيرين ثوالث بالأمر الملكي رقم 53 لسنة 1950 ولم يلغ تعيينهم في هذه الوظيفة بالأمر الملكي رقم 22 لسنة 1952، الذي ألغى تعيينه هو في الوظيفة المذكورة دونهم، على الرغم من تقدمه عليهم في الوظيفة التي تسبقها.
ومن حيث إنه واضح مما تقدم أن ترتيب أقدمية المدعي بين زملائه - في الدرجتين السادسة والخامسة، وكذا في كل من وظيفتي ملحق ثان وملحق أول بمراعاة سبق نيل الدرجة المالية السادسة - كاف لتغيير وضعه في الأقدمية بين أقرانه الذين عينوا معه في وظيفة سكرتير ثالث، بما يخرجه من نطاق السبعة الذين كان يتعين إلغاء ترقيتهم تنفيذاً لأحكام محكمة القضاء الإداري، لو أن الوزارة طبقت في ذلك القاعدة التي قررتها هذه الأحكام على وجهها الصحيح؛ ومن ثم فإن الأمر الملكي رقم 22 لسنة 1952 الصادر في 7 من أكتوبر سنة 1952 بإلغاء تعيين سبعة - منهم المدعي - في وظائف سكرتيرين ثوالث وإعادتهم إلى وظائف ملحقين، يكون قد جانب الصواب في تطبيق القانون، فيما تضمنه من إلغاء تعيين المدعي في وظيفة سكرتير ثالث بالوزارة تنفيذاً للأحكام الصادرة من محكمة القضاء الإداري لصالح سبعة من زملائه، مع أن ثمة من هو أحدث منه أقدمية ممن لم يلغ تعيينهم بالأمر الملكي المشار إليه. ولا وجه للتحدي بعدم طعن المدعي في الميعاد القانوني في القرارات الصادرة بتحديد أقدميته تحديداً خاطئاً في وظيفتي ملحق ثان وملحق أول، مما أكسب زملاءه مراكز قانونية مستقرة لا يجوز المساس بها - لا وجه لذلك؛ لأنه فضلاً عن أن أقدميات رجال السلكين السياسي والقنصلي ظلت أمداً طويلاً سراً مغلقاً على أربابها، كما نوهت بذلك منشورات الوزارة، وفضلاً عن عدم قيام قرينة علم المدعي بهذه الأقدميات علماً يقينياً شاملاً يمكن أن يكون من أثره جريان ميعاد الطعن في حقه، وفضلاً عن أن تظلمه إلى اللجنة القضائية لوزارة الخارجية - المودع سكرتيريتها في 13 من نوفمبر سنة 1952 - قد تضمن في عمومه الطعن في جميع القرارات السابقة التي أغفلت تحديد وضعه في الأقدمية بين زملائه على الوجه الصحيح، بما أفضى به إلى وضع خاطئ في وظيفة سكرتير ثالث - فضلاً عن ذلك كله، فإن الأمر الملكي المطعون فيه الذي ألغى تعيينه في وظيفة سكرتير ثالث تنفيذاً لأحكام محكمة القضاء الإداري قد قلقل الأوضاع السابقة بالنسبة إليه، وأدى هذا التنفيذ الخاطئ إلى وضع أسوأ من وضعه الذي كان عليه قبل هذا التنفيذ، فأثار بذلك المنازعة من حيث وجوب إعادة ترتيب أقدميات جميع من عينوا في وظائف سكرتيرين ثوالث بالأمرين الملكيين رقمي 53 و54 لسنة 1950 وفقاً للأسس التي رسمتها هذه الأحكام، تلك الأسس التي لو طبقت تطبيقاً صحيحاً عند إصدار الأمر الملكي رقم 22 لسنة 1952 لما انتهى الأمر إلى إلغاء ترقية المدعي إلى وظيفة سكرتير ثالث.
ومن حيث إنه يتضح من كتاب وزارة الخارجية المؤرخ 15 من يونيه سنة 1957 ومن كشف الأقدميات المرافق له، أن زملاء المدعي الذين شملهم الأمران الملكيان رقما 53 و54 لسنة 1950 بالتعيين في وظائف سكرتيرين ثوالث وعددهم 14، منهم 13 عينوا بالأمر الأول وواحد بالأمر الثاني، قد رقوا جميعاً إلى وظائف سكرتيرين أول في تاريخين هما 20 من إبريل سنة 1955 و30 من نوفمبر سنة 1955.
ومن حيث إنه يبين من كل ما تقدم أن تنفيذ أحكام محكمة القضاء الإداري الصادرة لصالح زملاء المدعي السبعة بإلغاء تعيين المدعي في وظيفة سكرتير ثالث بالأمر الملكي رقم 22 لسنة 1952 الصادر في 7 من أكتوبر سنة 1952 كان تنفيذاً خاطئاً لهذه الأحكام، على مقتضى الأسباب التي كشفت عنها، وهي أسباب مرتبطة بمنطوقها ارتباط العلة بالمعلول، ما دامت أقدمية المدعي الصحيحة بالمقارنة إلى زملائه ما كانت لتسوغ المساس بوضعه الذي استقر عليه، وإنما كان تنفيذ هذه الأحكام يقتضي إلغاء ترقية من هو أحدث منه، فيجب على هذا الأساس إلغاء الأمر الملكي المشار إليه في هذا الخصوص بالنسبة إلى المدعي، كما أنه مما يجب مراعاته - كأثر مترتب على ذلك - أن المذكور صعد بعد ذلك في سلم وظائف السلك السياسي حتى أصبح حالياً يشغل وظيفة سكرتير أول اعتباراً من 30 من نوفمبر سنة 1955، وقد انتظمته هذه الوظيفة الأخيرة هو وزملاءه فأصبحت المنازعة - بحكم الاقتضاء - تشتمل تصحيح ترتيب الأقدميات في الوظائف التالية وضعاً لها في نصابها القانوني الصحيح. ومن ثم يتعين القضاء بإلغاء الحكم المطعون فيه، وإلغاء الأمر الملكي آنف الذكر فيما تضمنه من إلغاء تعيين المدعي في وظيفة سكرتير ثالث، وفيما ترتب على ذلك من آثار في خصوص ترتيب أقدميته الصحيح بين أقرانه الذين هم أحدث منه في وظيفة سكرتير أول وما يسبقها.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه، وبإلغاء الأمر الملكي رقم 22 لسنة 1952 الصادر في 7 من أكتوبر سنة 1952، فيما تضمنه من إلغاء تعيين المدعي في وظيفة سكرتير ثالث بوزارة الخارجية، وفيما ترتب على ذلك من آثار في خصوص ترتيب أقدمية المدعي الصحيحة بين أقرانه الذين هم أحدث منه في تلك الوظيفة وفي الوظائف التالية حتى وظيفة سكرتير أول، وذلك كله على الوجه المبين بأسباب هذا الحكم، وألزمت الحكومة بالمصروفات".