جلسة ۸ من فبراير سنة ۲۰۲۳
برئاسة السيد القاضي / مصطفى حسان نائب رئيس المحكمة وعضوية السادة القضاة / نادر جويلي ، أحمد فرحان وأحمد رضوان نواب رئيس المحكمة ومحمد علي المشد
-----------------
(۹)
الطعن رقم ۲۷٥۰ لسنة ۹۱ القضائية
(۱) حكم " بيانات التسبيب " " تسبيبه . تسبيب غير معيب " .
بيان الحكم واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية للجرائم التي دان الطاعن بها وإيراده على ثبوتها في حقه أدلة سائغة تؤدي إلى ما رتبه عليها . لا قصور.
عدم رسم القانون شكلاً أو نمطاً لصياغة الحكم . كفاية أن يكون مجموع ما أورده مؤدياً لتفهم الواقعة بأركانها وظروفها .
(۲) تعذيب . قبض . احتجاز بدون أمر أحد الحكام . قصد جنائي . حكم " تسبيبه . تسبيب غير معيب " .
التعذيبات البدنية . عدم اشتراط درجة معينة من الجسامة فيها . تقدير توافرها . موضوعي .
القصد الجنائي في جريمتي القبض والحجز بدون وجه حق . تحققه بانصراف إرادة الجاني إلى الفعل أياً كان الغرض منه . تحدث الحكم عنه استقلالاً . غير لازم . كفاية استفادته من وقائع الدعوى التي أوردها .
مثال .
(۳) محكمة الموضوع " سلطتها في تقدير صحة الاعتراف " .
عدم التزام المحكمة نص اعتراف المتهم وظاهره . لها تجزئته واستنباط الحقيقة منه . وروده على الواقعة بكافة تفاصيلها . غير لازم . لا يغير من ذلك عدم اشتماله على توافر القصد الجنائي . علة ذلك ؟
(٤) محكمة الموضوع " سلطتها في استخلاص الصورة الصحيحة لواقعة الدعوى " " سلطتها في تقدير الدليل " . إثبات " بوجه عام " . تزوير " أوراق رسمية " . قصد جنائي . ضرر . حكم " تسبيبه . تسبيب غير معيب " . نقض " أسباب الطعن . ما لا يقبل منها " .
استخلاص الصورة الصحيحة لواقعة الدعوى . موضوعي .
الأصل في المحاكمات الجنائية اقتناع القاضي بناءً على الأدلة المطروحة عليه . له تكوين عقيدته من أي دليل أو قرينة يرتاح إليها . حد ذلك ؟
جرائم التزوير . لم يجعل القانون لإثباتها طريقاً خاصاً .
تساند الأدلة في المواد الجنائية . مؤداه ؟
القصد الجنائي في جريمة التزوير . تحققه بتعمد الجاني تغيير الحقيقة في المحرر مع انتواء استعماله فيما زور من أجله .
الضرر في تزوير الأوراق الرسمية . مفترض . علة ذلك ؟
تحدث الحكم صراحة واستقلالاً عن كل ركن من أركان جريمة التزوير . غير لازم . حد ذلك ؟
الجدل الموضوعي في تقدير الدليل . غير جائز أمام محكمة النقض .
(٥) إجراءات " إجراءات المحاكمة " . دفاع " الإخلال بحق الدفاع . ما لا يوفره " .
النعي على المحكمة قعودها عن إجراء لم يطلب منها ولم تر حاجة لإجرائه . غير مقبول .
مثال .
(٦) قبض . احتجاز بدون أمر أحد الحكام . محكمة الموضوع " سلطتها في تقدير الدليل " . نقض " أسباب الطعن . ما لا يقبل منها " . حكم " ما لا يعيبه في نطاق التدليل " " تسبيبه . تسبيب غير معيب " .
كفاية تشكك المحكمة في ثبوت التهمة للقضاء بالبراءة . حد ذلك ؟
عدم التزام المحكمة في حالة القضاء بالبراءة الرد على كل دليل من أدلة الاتهام . إغفالها التحدث عنها . مفاده ؟
النعي على المحكمة قضاءها بالبراءة لاحتمال ترجح لديها . غير مقبول . علة ذلك ؟
لا يقدح في سلامة الحكم بالبراءة أن تكون إحدى دعاماته معيبة . متى أقيم على دعامات أخرى تكفي لحمله .
الجدل في تقدير الدليل . غير جائز أمام محكمة النقض .
مثال لتسبيب سائغ لحكم صادر بالبراءة من جريمتي القبض والاحتجاز المقترن بتعذيبات بدنية .
(۷) مسئولية مدنية . تعويض . نقض " حالات الطعن . الخطأ في تطبيق القانون " . محكمة النقض " سلطتها " .
الحكم بإلزام المتهم ووزير الداخلية بصفته مسئولاً عن الحقوق المدنية متضامنين بأداء تعويض للمدعين مدنياً رغم عدم إعلان الأخير أو حضوره بالجلسة وسماع دفاعه . خطأ في تطبيق القانون . يوجب تصحيحه . أساس ذلك ؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
۱– لما كان الحكم المطعون فيه بيّن واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية للجرائم التي دان الطاعن بها وأورد على ثبوتها في حقه أدلة سائغة من شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه عليها ، وجاء استعراض المحكمة لأدلة الدعوى على نحو يدل على أنها محصتها التمحيص الكافي وألمت بها إلماماً شاملاً يفيد أنها قامت بما ينبغي عليها من تدقيق البحث لتعرف الحقيقة ، وإذ كان من المقرر أن القانون لم يرسم شكلاً أو نمطاً يصوغ فيه الحكم بيان الواقعة المستوجبة للعقوبة والظروف التي وقعت فيها ومتى كان مجموع ما أورده الحكم كافياً في تفهم الواقعة بأركانها وظروفها حسبما استخلصتها – كما هو الحال في الدعوى الراهنة – ، فإن ذلك يكون محققاً لحكم القانون ، ومن ثم فإن منعى الطاعن في هذا الشأن يكون ولا محل له .
۲– لما كان الحكم المطعون فيه قد أثبت أن الطاعن قبض واحتجز المجني عليهما وجرى تعذيبهما بتعذيبات بدنية أحدثت بهما الإصابات الموصوفة بالتحقيقات والتي أفضت إلى موت المجني عليه الأول وهو ما تتوافر به أركان جريمة القبض والاحتجاز المقترن بالتعذيبات البدنية المنصوص عليها في المادتين ۲۸۰ ، ۲/۲۸۲ من قانون العقوبات ، ذلك بأنه لا يشترط في التعذيبات البدنية درجة معينة من الجسامة والأمر في ذلك متروك لتقدير محكمة الموضوع تستخلصه من ظروف الدعوى ، وأن القصد الجنائي في جريمتي القبض والحجز بدون وجه حق يتحقق بانصراف إرادة الجاني إلى الفعل ولا عبرة بما يكون قد دفع الجاني إلى فعلته أو بالغرض الذي توخاه منها ولا تلتزم المحكمة بأن تتحدث عنه استقلالاً بل يكفي أن يكون هذا القصد مستفاداً من وقائع الدعوى كما أوردها الحكم وهو ما تحقق في واقعة الدعوى ، وكان الحكم المطعون فيه ، فضلاً عن ذلك قد عرض لدفاع الطاعن بانتفاء أركان هذه الجريمة واطرحه بأسباب سائغة ، فإن الحكم المطعون فيه يكون قد بين أركان تلك الجريمة ، وما يثيره الطاعن في هذا الصدد يكون غير سديد .
۳– لما كانت المحكمة غير ملزمة في أخذها باعتراف المتهم أن تلتزم نصه وظاهره بل لها أن تجزئه وأن تستنبط منه الحقيقة كما كشفت عنها ، ولما كان الحكم المطعون فيه قد استظهر في قضائه أن الاعتراف الذي آخذ به الطاعن ورد نصاً في الاعتراف بالجريمة واطمأنت إلى مطابقته للحقيقة والواقع ، فلا يغير من إنتاجه عدم اشتماله على توافر القصد الجنائي لدى الطاعن – على حد زعمه – ، ذلك أنه لا يلزم أن يرد الاعتراف على الواقعة بكامل تفاصيلها بل يكفي أن يرد على وقائع تستنتج المحكمة منها ومن باقي عناصر الدعوى بكافة الممكنات العقلية والاستنتاجية اقتراف الجاني للجريمة – وهو ما لم يخطئ فيه الحكم – ، ويكون منعى الطاعن في هذا الشأن غير قويم .
٤– من المقرر أن لمحكمة الموضوع أن تستخلص من مجموع الأدلة والعناصر المطروحة أمامها على بساط البحث الصورة الصحيحة لواقعة الدعوى حسبما يؤدي إليه اقتناعها ، وكان الأصل في المحاكمات الجنائية هو اقتناع القاضي بناءً على الأدلة المطروحة عليه ، فله أن يكون عقيدته من أي دليل أو قرينة يرتاح إليها ، إلا إذا قيَّده القانون بدليل معين ينص عليه ، ولما كان القانون الجنائي لم يجعل لإثبات جرائم التزوير طريقاً خاصاً ، وكان لا يشترط أن تكون الأدلة التي اعتمد عليها الحكم بحيث ينبئ كل دليل منها ويقطع في كل جزئية من جزئيات الدعوى ، إذ الأدلة في المواد الجنائية متساندة يكمل بعضها بعضاً ومنها مجتمعة تتكون عقيدة المحكمة ، فلا ينظر إلى دليل بعينه لمناقشته على حدة دون باقي الأدلة ، بل يكفي أن تكون الأدلة في مجموعها كوحدة مؤدية إلى ما قصد الحكم منها ومنتجة في اكتمال اقتناع المحكمة واطمئنانها إلى ما انتهت إليه . لما كان ذلك ، وكان القصد الجنائي في جريمة التزوير في الأوراق الرسمية يتحقق متى تعمد الجاني تغيير الحقيقة في المحرر مع انتواء استعماله في الغرض الذي من أجله غيرت الحقيقة فيه ، وأن الضرر في تزوير الأوراق الرسمية مفترض ، لما في التزوير من تقليل الثقة بها على اعتبار أنها من الأوراق التي يعتمد عليها في إثبات ما ورد بها ، وليس أمراً لازماً التحدث صراحة واستقلالاً في الحكم عن توافر أي ركن من أركان جريمة التزوير ما دام قد أورد من الوقائع ما يدل عليه ، ولما كان الحكم المطعون فيه قد دلل بأسباب سائغة على ما استنتجه من قيام الطاعن بتزوير المحضرين رقمي .... لسنة .... جنح .... و .... أحوال بتاريخ .... واطرح دفاع الطاعن في هذا الشأن بما يسوغ اطراحه ، ومن ثم فلا محل لما يثيره الطاعن من قصور الحكم في التدليل على توافر أركان جريمة التزوير التي دانه بها ؛ لأنه لا يعدو أن يكون جدلاً موضوعياً في تقدير أدلة الدعوى ، مما لا تجوز إثارته أمام محكمة النقض .
٥– لما كان يبين من محاضر جلسات المحاكمة أن الطاعن لم يطلب إلى المحكمة سماع شهادة وكيل نيابة .... الجزئية وتفريغ سجل مكالماته الهاتفية تحقيقاً لدفاعه بشأن نفي التهمة ، فلا يصح له من بعد النعي على المحكمة قعودها عن القيام بإجراء لم يطلبه منها ولم تر هي حاجة لإجرائه ، فإن ما ينعاه الطاعن على الحكم المطعون فيه في هذا الخصوص يكون لا محل له .
٦– لما كان البيِّن من الاطلاع على الحكم المطعون فيه أنه بعد أن بيَّن واقعة الدعوى كما صورتها سلطة الاتهام وأحاط بالأدلة التي ساقتها ، برر قضاءه بالبراءة لأسباب عددها بقوله : ( وحيث إن المحكمة بعد أن فحصت الدعوى وأحاطت بظروفها وبأدلة الثبوت فيها والتي قام الاتهام عليها عن بصر وبصيرة ووازنت بينها وبين أدلة النفي ، داخلتها الريبة في صحة عناصر الإثبات بالنسبة للمتهم / .... فيما أسند إليه من قيامه بتعذيب المجني عليه / .... إذ إنه وفقاً لأقوال الطبيب الشرعي مجري إعداد تقرير الصفة التشريحية أن الوفاة حدثت نتيجة تعليق الجسم بالقيود في السقف من الذراعين لأعلى مع وجود تأثير وزن الجسم لأسفل يؤدي إلى تثبيت العضلات المسئولة عن عملية التنفس في وضعية معينة كعضلات الصدر المتصلة بالذراعين والكتفين والرقبة وأعلى للظهر مما يؤدي بمرور الوقت إلى إنهاك هذه العضلات مما يؤدي إلى عدم إتمام عملية التنفس على أكمل وجه وبالتالي حدوث القصور المزمن لإمداد الجسم بالكمية الكافية بالأكسجين والتي تزداد احتماليته بدرجة كبيرة في وجود ما يؤثر أو يغلق مداخل الأكسجين إلى الجسم بوجود عملية تكميم الفم كما ثبت من مناظرة الإصابات فضلاً عن إضافته أن الوفاة لا تحدث من الوضعية المقال عنها من المتهم الأول / .... وخاصة أن المجني عليه يبلغ من الطول ۱۷۷ سم وهو ما يجعل يداه أسفل مستواه في حالة التعليق كما قرر المتهم الأول مما يتعذر معه فنياً حدوث الوفاة وأخذاً مما تقدم وبانتقال المحكمة لمعاينة الغرفة المحتجز بها المجني عليه قد ثبت أن هناك ثلاث مستويات للأسياخ التي يمكن تعليق المجني عليه منهما كما قرر شهود الإثبات وهو المستوى الثاني الذي قام المتهم الأول بتعليقه به ووفقاً لمعاينة المحكمة فإن بعد المستوى الثاني عن سطح الأرض ۱۹۰ سم في حين أن طول المتهم ١٧٧ سم وهو ما يجعل المتهم يقف على قدميه على الأرض وهو ما لا يسبب الوفاة ، فضلاً عن شاهد الإثبات الثامن عشر/ .... الذي أكد رؤيته للمتهمين يقومان بتعذيب المجني عليه وقد تمكن من رؤيتهما عن طريق الباب الزجاجي لغرفة رئيس المباحث والمواجهة للغرفة المحتجز بها حيث تمكن من رؤية المجني عليه معلقاً وتمكن من رؤيتهما حال تعذيبه فلما كان الثابت للمحكمة من معاينتها للغرفة المحتجز بها شاهد الإثبات / .... يتعذر نهائياً رؤية من بداخل غرفة المجني عليه أو رؤية المجني عليه من مكان احتجازه بالغرفة وتقييده بالشباك المتواجد بالغرفة وهو ما تناقض مع معاينة النيابة العامة للغرفة إذ أثبت السيد مجري المعاينة صوراً فوتوغرافية لإمكانية رؤية شاهد الإثبات للمجني عليه من غرفته من الزجاج العاكس لباب غرفة رئيس المباحث إذ إنه التقط الصورة من الركن الأيمن للداخل للغرفة المحتجز بها شاهد الإثبات وهو يتنافى مع مكان تقييده بالشباك الخاص بالغرفة مواجهة الداخل مما يجعل المحكمة تستبعد دليل الإسناد القائم على شهادة شاهد الإثبات الثامن عشر بالنسبة إلى المتهمين ومن ثم لم يتبق بالأوراق دليل يسند إلى المتهم الأول سوى أقوال الشهود والتي على وضعية القيد الحديدي بالنسبة إلى المجني عليه بالمستوى الثاني كما ذكرنا وهو ما ينفي التهمة عن المتهم الأول أما بالنسبة إلى المتهم الثاني / .... فلما كان الثابت للمحكمة أن الأدلة القائمة لإسناد الاتهام إلى المتهم الثاني قائمة على شهادة شاهد الإثبات / .... وشاهد الإثبات الثامن عشر / .... والتي سبق للمحكمة أن استبعدته كما سلف وأن بينا وتجيء شهادة شاهد الإثبات السادس عشر / .... التي تناقضت مع بعضها البعض فقد قرر للوهلة الأولى بتحقيقات النيابة العامة بقيام المتهم الثاني وفي حضوره بفك القيد الحديدي للمتهم وتعليقه بمستوى أعلى بحيث أصبحت قدميه غير ملامسة للأرض ثم عاد ليعدل عن أقواله بموجب برقية أرسلها إلى نيابة الاستئناف برغبته في إبداء أقوال جديدة وهو نفي دخول النقيب / .... على المجني عليه وعدم التعامل معه نهائياً وأصر على تلك الأقوال أمام المحكمة حال استدعائه للشهادة ومواجهته بالعدول ومن ثم تنحي المحكمة شهادته جانباً لعدم اطمئنانها إليه وبمطالعة أقوال شاهد الإثبات السادس / .... الذي أكد قيام المتهم الثاني بالدلوف داخل الغرفة المحتجز بها المجني عليه وضربه بالأيدي حال تعليقه عن يديه المكبلتين بالقيود الحديدية أعلى النافذة في وضعية لم يكن عليها قبل حضوره إلى الغرفة وهو ما تناقض مع باقي شهود الإثبات تناقضاً يصعب معه المواءمة والملاءمة فقد شهد / .... قائد التوك توك الذي أكد رؤيته حال تعرفه على المجني عليه عقب صلاة الجمعة وهو مكبل الأيدي لم يستطع الوقوف أرضاً لارتفاع تعليقه وهو ما أكده شهود الإثبات .... ، .... ، .... وأضاف أنهم حضروا عقب صلاة الجمعة مباشرة وهو ما تناقض مع أقوال / .... بتحقيقات النيابة العامة ومحاضر جلسات المحاكمة أن المجني عليه قد مثل إلى وحدة المباحث قبل حضور النقيب / .... إلى وحدة المباحث وهو ما يؤكد للمحكمة أن المتهم في وضعية التعليق في أعلى النافذة قبل حضور المتهم الثاني إلى وحدة المباحث فضلاً عن عدم اطمئنان المحكمة إلى أقوال شاهد الإثبات / .... آية ذلك ما تبين لها حال سؤاله أثناء إجراءات المحاكمة عن المفتاح الخاص بالقيود الحديدية وقد قرر أنها تربطها سلسلة واحدة مع المفاتيح الخاصة بالغرف وأن المتهم الثاني لم يأخذ تلك المفاتيح منه لكنه طالبه بفتح باب الغرفة لمسئوليته عن المفاتيح إلا أنه بمواجهته بالمسئول عن المفاتيح قرر أن جميع المفاتيح بسلسلة واحدة في غرفة رئيس المباحث يأخذها ويردها إلى مكتبه وهو ما قد تناقض فيه مع نفسه إذ قرر أيضاً بالمحاكمة أنه في تمام الساعة الثالثة والنصف دلف إلى غرفة رئيس المباحث مستعلماً منه عن الشخص الذي يقوم بتسليم سلسلة المفاتيح الخاصة بالمباحث فقرر له المتهم الأول بتسليمها إلى الأمين / .... وهو ما يدخل الشك في الطمأنينة لشهادته بشأن الاتهام الأول إضافة إلى تناقض أقواله مع شاهد الإثبات الحادي عشر / .... الذي أكد رؤيته لشهود الإثبات الثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر مالكي وقائدي التوك توك حال اصطحابهم بمعرفة المتهم الأول للتعرف على المجني عليه / .... ( المتهم بسرقة التوك توك ) وأنه أبصره حال ذلك مقيداً بالقيود الحديدية ومعلقاً منهما في نافذة مقر احتجازه حامياً جسده واضعاً قدميه على حافتها السفلية وهو ما تنافى مع أقوال شاهد الإثبات السادس الذي أكد أن وضع المجني عليه بهذه الوضعية مسئولية المتهم الثاني الذي حضر عقب حضور المجني عليهما ، فضلاً عن ما قرره شاهد الإثبات السابع عشر / .... الذي أكد أنه أبصر المجني عليه الساعة الحادية عشر وبرفقته المتهم الأول بالغرفة المحتجز بها وكان واقفاً على قدميه ونفى انحناء جسده كما قرر ، الأمر الذي أكد للمحكمة أن سبب الوفاة هو تكميم فم المجني عليه ولم يوجد بالأوراق ثمة دليل واحد يشير بأصابع الاتهام إلى مرتكب فعل التكميم ولم يتطرق لها أي من شهود الإثبات على الرغم من ثبوتها كسبب من أسباب الوفاة بتقرير الصفة التشريحية ، فضلاً عن عدم وجود ثمة دليل بالأوراق قبل المتهم الثاني عن قيامه بالقبض على المجني عليهما / .... ، .... واحتجازهما بدون إذن من الجهات المختصة ، الأمر الذي تشككت معه المحكمة في أدلة الإسناد قبل المتهمين فيما سلف وأن بَيَنّا من اتهامات . لما كان ذلك ، وكان الدليل القائم بالأوراق قبل المتهمين والذي عماده أقوال شهود الإثبات ومجري التحريات قد أحاط بهما الشك بما لا ينهض معه كدليل تطمئن إليه المحكمة على صحة الاتهام وثبوته في حقهم ، الأمر الذي يتعين معه عملاً بنص المادة ۱/۳۰٤ من قانون الإجراءات الجنائية القضاء ببراءتهما مما نسب إليهما فيما سلف بيانه ) . لما كان ذلك ، وكان يكفي في المحاكمة الجنائية أن تتشكك محكمة الموضوع في صحة إسناد التهمة إلى المتهم لكي تقضي بالبراءة ، إذ مرجع الأمر في ذلك إلى ما تطمئن إليه في تقدير الدليل ما دام حكمها يشتمل على ما يفيد أنها محصت الدعوى وأحاطت بظروفها وبأدلة الثبوت التي قام الاتهام عليها عن بصر وبصيرة ، ووازنت بينها وبين أدلة النفي فرجحت دفاع المتهم أو دخلها الريبة في صحة عناصر الاتهام ، وكانت المحكمة غير ملزمة – وهي تقضي بالبراءة – بأن ترد على كل دليل من أدلة الاتهام ، لأن في إغفال التحدث عنه ما يفيد ضمناً أنها اطرحته ولم تر فيه ما تطمئن منه إلى الحكم بالإدانة ، متى كانت قد أحاطت بالدعوى عن بصر وبصيرة ، وكان لا يصح النعي على المحكمة أنها قضت ببراءة المتهم بناءً على احتمال ترجح لديها ما دام ملاك الأمر يرجع إلى وجدان قاضيها وما يطمئن إليه طالما أقام قضاءه على أسباب كافية لحمله ، وأنه لا يقدح في سلامة الحكم بالبراءة أيضاً أن تكون إحدى دعاماته معيبة ما دام الثابت أنه أقيم على دعامات أخرى متعددة تكفي لحمله ، وكان البيّن من الحكم المطعون فيه أن المحكمة بعد أن بيَّنت واقعة الدعوى وعرضت لأدلة الثبوت فيها مما ينم عن تمحيصها لها والإحاطة بظروفها وبأدلة الاتهام انتهت بعد ذلك إلى عدم اطمئنانها إلى أقوال شهود الإثبات وعدم ثبوت التهم في حق المطعون ضدهما للأسباب السائغة التي أوردها الحكم والتي تكفي لحمل النتيجة التي خلص إليها ، ومن ثم فإن النعي على الحكم في هذا الشأن يعد نعياً على تقدير الدليل ، وهو ما لا تجوز المجادلة فيه أمام محكمة النقض .
۷– لما كان الحكم المطعون فيه قضى بإلزام المتهم الأول ووزير الداخلية – بصفته المسئول عن الحقوق المدنية – بالتضامن فيما بينهما بتأدية مبلغ وقدره خمسمائة ألف جنيه تعويضاً نهائياً لصالح المدعين بالحقوق المدنية ، وكانت الفقرة الثانية من المادة ۲٥۱ من قانون الإجراءات الجنائية تنص على أنه : ( .... يحصل الادعاء مدنياً بإعلان المتهم على يد محضر أو بطلب في الجلسة المنظورة فيها الدعوى إذا كان المتهم حاضراً .... ) ، وكان البين من الاطلاع على محاضر جلسات المحاكمة ومفردات الدعوى بعد ضمها أن المدعين بالحقوق المدنية قد ادعوا مدنياً قبل المتهمين الحاضرين والمسئول عن الحقوق المدنية الذي لم يُعلن بالحضور أمام المحكمة ومن غير أن يسمع دفاعه في الدعوى ، فإن الحكم يكون قد خالف القانون ويتعين تصحيحه بإلغاء إلزام وزير الداخلية بالتعويض المدني المقضي به .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الوقائع
اتهمت النيابة العامة كلاً من ۱– .... ( طاعن ومطعون ضده ) ۲– .... ( مطعون ضده ) بأنهما :–
أولاً : - بصفتيهما موظفين عموميين الأول ( مقدم شرطة – رئيس مباحث مركز شرطة .... ) والثاني ( نقيب شرطة – معاون مباحث مركز شرطة .... ) قاما بتعذيب المجني عليه / .... بأن تناوبا تقييد يديه بالقيود الحديدية وتعليقه بها بأعلى نافذة الغرفة المحتجز بها قاصدين من ذلك حمله على الإقرار بأسماء المشتركين معه في ارتكاب واقعة السرقة المبينة بالتحقيقات ، فأحدثا به الإصابات الموصوفة بتقرير الصفة التشريحية والتي أدت إلى القصور المزمن في تغذية وإمداد الجسم بالكمية الكافية من الأكسجين والتي أودت بحياته على النحو المبين بالتحقيقات .
ثانياً : - قبضا على المجني عليه / .... وحجزاه دون أمر أحد الحكام المختصين وفي غير الأحوال التي تُصرح فيها القوانين واللوائح بأن أتى به المتهم الأول بإحدى الغرف المخصصة لوحدة مباحث مركز شرطة .... وتناوب الثاني تغيير موضع القيد الحديدي له وتعديا عليه بالضرب فألحقا به تعذيبات بدنية أحدثت إصابته الموصوفة بتقرير الصفة التشريحية على النحو المبين بالتحقيقات .
ثالثاً : - قبضا على المجني عليه / .... وحجزاه دون أمر أحد الحكام المختصين وفي غير الأحوال التي تصرح فيها القوانين واللوائح بأن أتى به المتهم الأول بإحدى الغرف المخصصة لوحدة مباحث مركز شرطة .... وقيده بالقيود الحديدية وتعدى عليه والمتهم الثاني بالضرب فألحقا به تعذيبات بدنية على النحو المبين بالتحقيقات.
المتهم الأول : -
أ– بصفته موظفاً عمومياً ( مقدم شرطة – رئيس مباحث مركز شرطة .... ) ارتكب تزويراً في محررين رسميين ( هما المحضرين رقمي .... جنح .... ، .... أحوال بتاريخ .... ) حال كونه من المختصين قانوناً بتحريرهما بجعل واقعة مزورة في صورة واقعة صحيحة بأن أثبت على خلاف الحقيقة بالمحضر رقم .... جنح .... سؤال المجني عليهما في ذلك المحضر في تمام الساعة الحادية عشرة صباحاً وأثبت بالمحضر رقم .... أحوال بتاريخ .... على خلاف الحقيقة ضبطه للمتهم في ذلك المحضر / .... في الساعات الأولى من صباح يوم .... حال استقلاله للمركبة الآلية المبلغ بسرقتها وذلك بغية إضفاء شرعية إجرائية على واقعة الضبط على النحو المبين بالتحقيقات .
ب– استعمل المحررين المزورين موضوع الاتهام السابق فيما زورا من أجله بأن قام بتقديمهما لنيابة .... الجزئية مع علمه بتزويرهما على النحو المبين بالتحقيقات .
وأحالتهما إلى محكمة جنايات .... لمعاقبتهما طبقاً للقيد والوصف الواردين بأمر الإحالة .
وادعى ورثة المجني عليه مدنياً قبل المتهمين بإلزامهما بأن يؤديا لهم مبلغ مليون جنيه على سبيل التعويض المؤقت .
والمحكمة المذكورة قضت حضورياً عملاً بالمواد ۲۱۳ ، ۲۱٤ ، ۲۸۰ ، ۲/۲۸۲ من قانون العقوبات مع إعمال المواد ۱۷ ، ۳۲ ، ۱/٥٥ ، ۱/٥٦ من ذات القانون ، أولاً : بمعاقبة المتهم الأول بالحبس مع الشغل لمدة سنة واحدة لما نسب إليه من الاتهام الثاني والثالث والرابع والخامس وأمرت بوقف تنفيذ العقوبة لمدة ثلاث سنوات تبدأ من تاريخ الحكم وألزمته المصاريف الجنائية ومصادرة المحررات المزورة ، ثانياً : ببراءة المتهم الأول مما نسب إليه من الاتهام الأول ، ثالثاً : ببراءة المتهم الثاني مما نسب إليه من اتهامات ، رابعاً : أمرت بإلزام المتهم الأول ووزير الداخلية بصفته المسئول عن الحقوق المدنية متضامنين فيما بينهما بأن يؤديا لورثة المجني عليه .... مبلغ خمسمائة ألف جنيه على سبيل التعويض النهائي وألزمتهما مصاريف الدعوى المدنية ومائة وخمسين جنيه أتعاب محاماة .
فطعن المحكوم عليه والنيابة العامة وهيئة قضايا الدولة – عن وزير الداخلية بصفته / في هذا الحكم بطريق النقض .... إلخ .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المحكمة
أولاً : - عن الطعن المرفوع من المحكوم عليه / .... :
من حيث ينعى الطاعن على الحكم المطعون فيه أنه إذ دانه بجرائم القبض والحجز بدون وجه حق المقترن بتعذيبات بدنية والتزوير في محررين رسميين واستعمالهما قد شابه القصور في التسبيب والفساد في الاستدلال والإخلال بحق الدفاع ؛ ذلك أنه لم يدلل تدليلاً سائغاً على توافر القصد الجنائي لديه عن جريمة القبض رغم تمسكه بانتفائه ، وبأن القبض كان وليد إجراء مشروع في القانون هو التلبس بجريمة السرقة وبأنه وفقاً للمادة ۳٦ من قانون الإجراءات له الحق أن يرسل المتهم للنيابة العامة خلال أربع وعشرين ساعة ، ولم يفطن إلى حقيقة اعترافه في هذا الشأن ، وعول عليه رغم أنه لم يكن نصاً على ارتكاب الجريمة ، وأن ما أورده الحكم تدليلاً على قيام الطاعن بالتزوير والعلم به جاء قاصراً ، وأن ما أثبته من أن الطاعن قد أثبت على خلاف الحقيقة سؤال المجني عليهم في واقعة السرقة بالمحضر رقم .... لسنة .... جنح .... لا صحة له وأن مجرد الخطأ في تحديد ساعة تحرير ذلك المحضر لا ينال من صحته أو يؤثر في مضمونه ، سيما وأن الطاعن قد أرجع ذلك إلى إرهاقه الشديد ، وأخيراً لم تجبه المحكمة لطلب سماع شهادة وكيل نيابة .... الجزئية وتفريغ سجل مكالماته الهاتفية لإثبات إخطاره بالواقعة فجر يوم حدوثها وطلب الأخير منه إرسال محضر السرقة عقب صلاة الجمعة وإرسال المتهم فيه اليوم التالي ، كل ذلك يعيب الحكم ويستوجب نقضه .
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه بيَّن واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية للجرائم التي دان الطاعن بها وأورد على ثبوتها في حقه أدلة سائغة من شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه عليها ، وجاء استعراض المحكمة لأدلة الدعوى على نحو يدل على أنها محصتها التمحيص الكافي وألمت بها إلماماً شاملاً يفيد أنها قامت بما ينبغي عليها من تدقيق البحث لتعرف الحقيقة ، وإذ كان من المقرر أن القانون لم يرسم شكلاً أو نمطاً يصوغ فيه الحكم بيان الواقعة المستوجبة للعقوبة والظروف التي وقعت فيها ، ومتى كان مجموع ما أورده الحكم كافياً في تفهم الواقعة بأركانها وظروفها حسبما استخلصتها المحكمة – كما هو الحال في الدعوى الراهنة – ، فإن ذلك يكون محققاً لحكم القانون ، ومن ثم فإن منعى الطاعن في هذا الشأن يكون ولا محل له . لما كان ذلك ، وكان الحكم المطعون فيه قد أثبت أن الطاعن قبض واحتجز المجني عليهما وجرى تعذيبهما بتعذيبات بدنية أحدثت بهما الإصابات الموصوفة بالتحقيقات والتي أفضت إلى موت المجني عليه الأول ، وهو ما تتوافر به أركان جريمة القبض والاحتجاز المقترن بالتعذيبات البدنية المنصوص عليها في المادتين ۲۸۰ ، ۲/۲۸۲ من قانون العقوبات ، ذلك بأنه لا يشترط في التعذيبات البدنية درجة معينة من الجسامة ، والأمر في ذلك متروك لتقدير محكمة الموضوع تستخلصه من ظروف الدعوى ، وأن القصد الجنائي في جريمة القبض والحجز بدون وجه حق يتحقق بانصراف إرادة الجاني إلى الفعل ، ولا عبرة بما يكون قد دفع الجاني إلى فعلته أو بالغرض الذي توخاه منها ، ولا تلتزم المحكمة بأن تتحدث عنه استقلالاً ، بل يكفي أن يكون هذا القصد مستفاداً من وقائع الدعوى كما أوردها الحكم ، وهو ما تحقق في واقعة الدعوى ، وكان الحكم المطعون فيه فضلاً عن ذلك قد عرض لدفاع الطاعن بانتفاء أركان هذه الجريمة واطرحه بأسباب سائغة ، فإن الحكم المطعون فيه يكون قد بيَّن أركان تلك الجريمة ، وما يثيره الطاعن في هذا الصدد يكون غير سديد . لما كان ذلك ، وكانت المحكمة غير ملزمة في أخذها باعتراف المتهم أن تلتزم نصه وظاهره ، بل لها أن تجزئه وأن تستنبط منه الحقيقة كما كشفت عنها ، ولما كان الحكم المطعون فيه قد استظهر في قضائه أن الاعتراف الذي آخذ به الطاعن ورد نصاً في الاعتراف بالجريمة واطمأن إلى مطابقته للحقيقة والواقع ، فلا يغير من إنتاجه عدم اشتماله على توافر القصد الجنائي لدى الطاعن – على حد زعمه – ، ذلك أنه لا يلزم أن يرد الاعتراف على الواقعة بكامل تفاصيلها ، بل يكفي أن يرد على وقائع تستنتج المحكمة منها ومن باقي عناصر الدعوى بكافة الممكنات العقلية والاستنتاجية اقتراف الجاني للجريمة – وهو ما لم يخطئ فيه الحكم – ، ويكون منعى الطاعن في هذا الشأن غير قويم . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن لمحكمة الموضوع أن تستخلص من مجموع الأدلة والعناصر المطروحة أمامها على بساط البحث الصورة الصحيحة لواقعة الدعوى حسبما يؤدي إليه اقتناعها ، وكان الأصل في المحاكمات الجنائية هو اقتناع القاضي بناءً على الأدلة المطروحة عليه ، فله أن يكون عقيدته من أي دليل أو قرينة يرتاح إليها ، إلا إذا قيَّده القانون بدليل معين ينص عليه ، ولما كان القانون الجنائي لم يجعل لإثبات جرائم التزوير طريقاً خاصاً ، وكان لا يشترط أن تكون الأدلة التي اعتمد عليها الحكم بحيث ينبئ كل دليل منها ويقطع في كل جزئية من جزئيات الدعوى ، إذ الأدلة في المواد الجنائية متساندة يكمل بعضها بعضاً ومنها مجتمعة تتكون عقيدة المحكمة ، فلا ينظر إلى دليل بعينه لمناقشته على حدة دون باقي الأدلة ، بل يكفي أن تكون الأدلة في مجموعها كوحدة مؤدية إلى ما قصد الحكم منها ومنتجة في اكتمال اقتناع المحكمة واطمئنانها إلى ما انتهت إليه . لما كان ذلك ، وكان القصد الجنائي في جريمة التزوير في الأوراق الرسمية يتحقق متى تعمد الجاني تغيير الحقيقة في المحرر مع انتواء استعماله في الغرض الذي من أجله غيرت الحقيقة فيه ، وأن الضرر في تزوير الأوراق الرسمية مفترض ، لما في التزوير من تقليل الثقة بها على اعتبار أنها من الأوراق التي يعتمد عليها في إثبات ما ورد بها ، وليس أمراً لازماً التحدث صراحة واستقلالاً في الحكم عن توافر أي ركن من أركان جريمة التزوير ما دام قد أورد من الوقائع ما يدل عليه ، ولما كان الحكم المطعون فيه قد دلل بأسباب سائغة على ما استنتجه من قيام الطاعن بتزوير المحضرين رقمي .... جنح .... ، .... أحوال بتاريخ .... واطرح دفاع الطاعن في هذا الشأن بما يسوغ اطراحه ، ومن ثم فلا محل لما يثيره الطاعن من قصور الحكم في التدليل على توافر أركان جريمة التزوير التي دانه بها ؛ لأنه لا يعدو أن يكون جدلاً موضوعياً في تقدير أدلة الدعوى ، مما لا تجوز إثارته أمام محكمة النقض . لما كان ذلك ، وكان يبين من محاضر جلسات المحاكمة أن الطاعن لم يطلب إلى المحكمة سماع شهادة وكيل نيابة .... الجزئية وتفريغ سجل مكالماته الهاتفية تحقيقاً لدفاعه بشأن نفي التهمة ، فلا يصح له من بعد النعي على المحكمة قعودها عن القيام بإجراء لم يطلبه منها ولم تر هي حاجة لإجرائه ، فإن ما ينعاه الطاعن على الحكم المطعون فيه في هذا الخصوص يكون لا محل له . لما كان ما تقدم ، فإن الطعن برمته يكون على غير أساس متعيناً رفضه موضوعاً .
ثانياً : - عن الطعن المرفوع من النيابة العامة :
من حيث إن النيابة العامة تنعى على الحكم المطعون فيه أنه إذ قضى ببراءة المطعون ضدهما من تعذيب متهم لحمله على الاعتراف أدى إلى موته وبراءة المطعون ضده الثاني من تهمة القبض والحجز بدون وجه حق المقترن بتعذيبات بدنية قد شابه الفساد في الاستدلال ومخالفة الثابت بالأوراق ، ذلك أنه لم يعرض ويفطن لدلالة أدلة الثبوت في الدعوى والتي تشير إلى ثبوت الواقعة في حق المطعون ضدهما ، وأن ما استند إليه في قضائه من عدم اطمئنانه إلى أقوال شهود الإثبات وتناقضها يعد غير سائغ ، وأن ما أورده من أن تقرير الصفة التشريحية يشير إلى أن من أسباب الوفاة هو تكميم الفم لا أصل له بالأوراق ، وأن إغفاله المعاينة التصويرية ودلالتها على ثبوت التهمة قبل المطعون ضدهما يكشف عن أن المحكمة لم تمحص عناصر الدعوى تمحيصاً كافياً ، كل ذلك يعيب الحكم ويستوجب نقضه .
ومن حيث إنه لما كان البيِّن من الاطلاع على الحكم المطعون فيه أنه بعد أن بيَّن واقعة الدعوى كما صورتها سلطة الاتهام وأحاط بالأدلة التي ساقتها ، برر قضاءه بالبراءة لأسباب عددها بقوله : ( وحيث إن المحكمة بعد أن فحصت الدعوى وأحاطت بظروفها وبأدلة الثبوت فيها والتي قام الاتهام عليها عن بصر وبصيرة ووازنت بينها وبين أدلة النفي ، داخلتها الريبة في صحة عناصر الإثبات بالنسبة للمتهم / .... فيما أسند إليه من قيامه بتعذيب المجني عليه / .... إذ إنه وفقاً لأقوال الطبيب الشرعي مجري إعداد تقرير الصفة التشريحية أن الوفاة حدثت نتيجة تعليق الجسم بالقيود في السقف من الذراعين لأعلى مع وجود تأثير وزن الجسم لأسفل يؤدي إلى تثبيت العضلات المسئولة عن عملية التنفس في وضعية معينة كعضلات الصدر المتصلة بالذراعين والكتفين والرقبة وأعلى للظهر مما يؤدي بمرور الوقت إلى إنهاك هذه العضلات مما يؤدي إلى عدم إتمام عملية التنفس على أكمل وجه وبالتالي حدوث القصور المزمن لإمداد الجسم بالكمية الكافية بالأكسجين والتي تزداد احتماليته بدرجة كبيرة في وجود ما يؤثر أو يغلق مداخل الأكسجين إلى الجسم بوجود عملية تكميم الفم كما ثبت من مناظرة الإصابات فضلاً عن إضافته أن الوفاة لا تحدث من الوضعية المقال عنها من المتهم الأول / .... وخاصة أن المجني عليه يبلغ من الطول ۱۷۷ سم وهو ما يجعل يداه أسفل مستواه في حالة التعليق كما قرر المتهم الأول مما يتعذر معه فنياً حدوث الوفاة وأخذاً مما تقدم وبانتقال المحكمة لمعاينة الغرفة المحتجز بها المجني عليه قد ثبت أن هناك ثلاث مستويات للأسياخ التي يمكن تعليق المجني عليه منهما كما قرر شهود الإثبات وهو المستوى الثاني الذي قام المتهم الأول بتعليقه به ووفقاً لمعاينة المحكمة فإن بعد المستوى الثاني عن سطح الأرض ۱۹۰ سم في حين أن طول المتهم ١٧٧ سم وهو ما يجعل المتهم يقف على قدميه على الأرض وهو ما لا يسبب الوفاة ، فضلاً عن شاهد الإثبات الثامن عشر / .... الذي أكد رؤيته للمتهمين يقومان بتعذيب المجني عليه وقد تمكن من رؤيتهما عن طريق الباب الزجاجي لغرفة رئيس المباحث والمواجهة للغرفة المحتجز بها حيث تمكن من رؤية المجني عليه معلقاً وتمكن من رؤيتهما حال تعذيبه فلما كان الثابت للمحكمة من معاينتها للغرفة المحتجز بها شاهد الإثبات / .... يتعذر نهائياً رؤية من بداخل غرفة المجني عليه أو رؤية المجني عليه من مكان احتجازه بالغرفة وتقييده بالشباك المتواجد بالغرفة وهو ما تناقض مع معاينة النيابة العامة للغرفة إذ أثبت السيد مجري المعاينة صوراً فوتوغرافية لإمكانية رؤية شاهد الإثبات للمجني عليه من غرفته من الزجاج العاكس لباب غرفة رئيس المباحث إذ إنه التقط الصورة من الركن الأيمن للداخل للغرفة المحتجز بها شاهد الإثبات وهو يتنافى مع مكان تقييده بالشباك الخاص بالغرفة مواجهة الداخل مما يجعل المحكمة تستبعد دليل الإسناد القائم على شهادة شاهد الإثبات الثامن عشر بالنسبة إلى المتهمين ومن ثم لم يتبق بالأوراق دليل يسند إلى المتهم الأول سوى أقوال الشهود والتي على وضعية القيد الحديدي بالنسبة إلى المجني عليه بالمستوى الثاني كما ذكرنا وهو ما ينفي التهمة عن المتهم الأول أما بالنسبة إلى المتهم الثاني / .... فلما كان الثابت للمحكمة أن الأدلة القائمة لإسناد الاتهام إلى المتهم الثاني قائمة على شهادة شاهد الإثبات / .... وشاهد الإثبات الثامن عشر / .... والتي سبق للمحكمة أن استبعدته كما سلف وأن بينا وتجيء شهادة شاهد الإثبات السادس عشر / .... التي تناقضت مع بعضها البعض فقد قرر للوهلة الأولى بتحقيقات النيابة العامة بقيام المتهم الثاني وفي حضوره بفك القيد الحديدي للمتهم وتعليقه بمستوى أعلى بحيث أصبحت قدميه غير ملامسة للأرض ثم عاد ليعدل عن أقواله بموجب برقية أرسلها إلى نيابة الاستئناف برغبته في إبداء أقوال جديدة وهو نفي دخول النقيب / .... على المجني عليه وعدم التعامل معه نهائياً وأصر على تلك الأقوال أمام المحكمة حال استدعائه للشهادة ومواجهته بالعدول ومن ثم تنحي المحكمة شهادته جانباً لعدم اطمئنانها إليه وبمطالعة أقوال شاهد الإثبات السادس / .... الذي أكد قيام المتهم الثاني بالدلوف داخل الغرفة المحتجز بها المجني عليه وضربه بالأيدي حال تعليقه عن يديه المكبلتين بالقيود الحديدية أعلى النافذة في وضعية لم يكن عليها قبل حضوره إلى الغرفة وهو ما تناقض مع باقي شهود الإثبات تناقضاً يصعب معه المواءمة والملاءمة فقد شهد / .... قائد التوك توك الذي أكد رؤيته حال تعرفه على المجني عليه عقب صلاة الجمعة وهو مكبل الأيدي لم يستطع الوقوف أرضاً لارتفاع تعليقه وهو ما أكده شهود الإثبات .... ، .... ، .... وأضاف أنهم حضروا عقب صلاة الجمعة مباشرة وهو ما تناقض مع أقوال / .... بتحقيقات النيابة العامة ومحاضر جلسات المحاكمة أن المجني عليه قد مثل إلى وحدة المباحث قبل حضور النقيب / .... إلى وحدة المباحث وهو ما يؤكد للمحكمة أن المتهم في وضعية التعليق في أعلى النافذة قبل حضور المتهم الثاني إلى وحدة المباحث فضلاً عن عدم اطمئنان المحكمة إلى أقوال شاهد الإثبات / .... آية ذلك ما تبين لها حال سؤاله أثناء إجراءات المحاكمة عن المفتاح الخاص بالقيود الحديدية وقد قرر أنها تربطها سلسلة واحدة مع المفاتيح الخاصة بالغرف وأن المتهم الثاني لم يأخذ تلك المفاتيح منه لكنه طالبه بفتح باب الغرفة لمسئوليته عن المفاتيح إلا أنه بمواجهته بالمسئول عن المفاتيح قرر أن جميع المفاتيح بسلسلة واحدة في غرفة رئيس المباحث يأخذها ويردها إلى مكتبه وهو ما قد تناقض فيه مع نفسه إذ قرر أيضاً بالمحاكمة أنه في تمام الساعة الثالثة والنصف دلف إلى غرفة رئيس المباحث مستعلماً منه عن الشخص الذي يقوم بتسليم سلسلة المفاتيح الخاصة بالمباحث فقرر له المتهم الأول بتسليمها إلى الأمين / .... وهو ما يدخل الشك في الطمأنينة لشهادته بشأن الاتهام الأول إضافة إلى تناقض أقواله مع شاهد الإثبات الحادي عشر / .... الذي أكد رؤيته لشهود الإثبات الثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر مالكي وقائدي التوك توك حال اصطحابهم بمعرفة المتهم الأول للتعرف على المجني عليه / .... ( المتهم بسرقة التوك توك ) وأنه أبصره حال ذلك مقيداً بالقيود الحديدية ومعلقاً منهما في نافذة مقر احتجازه حامياً جسده واضعاً قدميه على حافتها السفلية وهو ما تنافى مع أقوال شاهد الإثبات السادس الذي أكد أن وضع المجني عليه بهذه الوضعية مسئولية المتهم الثاني الذي حضر عقب حضور المجني عليهما فضلاً عن ما قرره شاهد الإثبات السابع عشر / .... الذي أكد أنه أبصر المجني عليه الساعة الحادية عشر وبرفقته المتهم الأول بالغرفة المحتجز بها وكان واقفاً على قدميه ونفي انحناء جسده كما قرر ، الأمر الذي أكد للمحكمة أن سبب الوفاة هو تكميم فم المجني عليه ولم يوجد بالأوراق ثمة دليل واحد يشير بأصابع الاتهام إلى مرتكب فعل التكميم ولم يتطرق لها أي من شهود الإثبات على الرغم من ثبوتها كسبب من أسباب الوفاة بتقرير الصفة التشريحية فضلاً عن عدم وجود ثمة دليل بالأوراق قبل المتهم الثاني عن قيامه بالقبض على المجني عليهما / .... ، .... واحتجازهما بدون إذن من الجهات المختصة ، الأمر الذي تشككت معه المحكمة في أدلة الإسناد قبل المتهمين فيما سلف وأن بينا من اتهامات . لما كان ذلك ، وكان الدليل القائم بالأوراق قبل المتهمين والذي عماده أقوال شهود الإثبات ومجري التحريات قد أحاط بهما الشك بما لا ينهض معه كدليل تطمئن إليه المحكمة على صحة الاتهام وثبوته في حقهم ، الأمر الذي يتعين معه عملاً بنص المادة ۱/۳۰٤ من قانون الإجراءات الجنائية القضاء ببراءتهما مما نسب إليهما فيما سلف بيانه ) . لما كان ذلك ، وكان يكفي في المحاكمة الجنائية أن تتشكك محكمة الموضوع في صحة إسناد التهمة إلى المتهم لكي تقضي بالبراءة ، إذ مرجع الأمر في ذلك إلى ما تطمئن إليه في تقدير الدليل ما دام حكمها يشتمل على ما يفيد أنها محصت الدعوى وأحاطت بظروفها وبأدلة الثبوت التي قام الاتهام عليها عن بصر وبصيرة ، ووازنت بينها وبين أدلة النفي فرجحت دفاع المتهم أو داخلتها الريبة في صحة عناصر الاتهام، وكانت المحكمة غير ملزمة – وهي تقضي بالبراءة – بأن ترد على كل دليل من أدلة الاتهام ، لأن في إغفال التحدث عنه ما يفيد ضمناً أنها اطرحته ولم تر فيه ما تطمئن منه إلى الحكم بالإدانة ، متى كانت قد أحاطت بالدعوى عن بصر وبصيرة ، وكان لا يصح النعي على المحكمة أنها قضت ببراءة المتهم بناءً على احتمال ترجح لديها ما دام ملاك الأمر يرجع إلى وجدان قاضيها وما يطمئن إليه طالما أقام قضاءه على أسباب كافية لحمله ، وأنه لا يقدح في سلامة الحكم بالبراءة أيضاً أن تكون إحدى دعاماته معيبة ما دام الثابت أنه أقيم على دعامات أخرى متعددة تكفي لحمله ، وكان البيّن من الحكم المطعون فيه أن المحكمة بعد أن بيَّنت واقعة الدعوى وعرضت لأدلة الثبوت فيها مما ينم عن تمحيصها لها والإحاطة بظروفها وبأدلة الاتهام انتهت بعد ذلك إلى عدم اطمئنانها إلى أقوال شهود الإثبات وعدم ثبوت التهم في حق المطعون ضدهما للأسباب السائغة التي أوردها الحكم والتي تكفي لحمل النتيجة التي خلص إليها ، ومن ثم فإن النعي على الحكم في هذا الشأن يعد نعياً على تقدير الدليل ، وهو ما لا تجوز المجادلة فيه أمام محكمة النقض . لما كان ما تقدم ، فإن الطعن برمته يكون قد أقيم على غير أساس متعيناً رفضه موضوعاً .
ثالثاً :- عن الطعن المرفوع من وزير الداخلية بصفته المسئول عن الحقوق المدنية :
من حيث إن الحكم المطعون فيه قضى بإلزام المتهم الأول ووزير الداخلية – بصفته المسئول عن الحقوق المدنية – بالتضامن فيما بينهما بتأدية مبلغ وقدره خمسمائة ألف جنيه تعويضاً نهائياً لصالح المدعين بالحقوق المدنية ، وكانت الفقرة الثانية من المادة ۲٥۱ من قانون الإجراءات الجنائية تنص على أنه : ( .... يحصل الادعاء مدنياً بإعلان المتهم على يد محضر أو بطلب في الجلسة المنظورة فيها الدعوى إذا كان المتهم حاضراً .... ) ، وكان البين من الاطلاع على محاضر جلسات المحاكمة ومفردات الدعوى بعد ضمها أن المدعين بالحقوق المدنية قد ادعوا مدنياً قبل المتهمين الحاضرين والمسئول عن الحقوق المدنية الذي لم يُعلن بالحضور أمام المحكمة ومن غير أن يسمع دفاعه في الدعوى ، فإن الحكم يكون قد خالف القانون ويتعين تصحيحه بإلغاء إلزام وزير الداخلية بالتعويض المدني المقضي به .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق