المنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ : ۲۰۲٦/۱۰/۱۱
باسم الشعب
المحكمة الدستورية العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت العاشر من أكتوبر سنة ٢٠٢٦م، الموافق الثامن والعشرين من ربيع الآخر سنة ١٤٤٨هـ.
برئاسة السيد المستشار/ بولس فهمي إسكندر رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين: رجب عبد الحكيم سليم والدكتور محمد عماد النجار والدكتور طارق عبد الجواد شبل وخالد أحمد رأفت دسوقي والدكتورة فاطمة محمد أحمد الرزاز ومحمد أيمن سعد الدين عباس نواب رئيس المحكمة
وحضور السيد المستشار الدكتور/ عماد طارق البشري رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد/ عبد الرحمن حمدي محمود أمين السر
أصدرت الحكم الآتي
في الدعوى المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم ٧١ لسنة ٣٧ قضائية "دستورية"
المقامة من
هشام رشاد محمد هيكل
ضــد
١ – رئيس الجمهوريـــــــــــــــــة
٢ – رئيس مجلس الـــــــــــوزراء
٣- وزيــــــــــر العـــــــــــــــــــــــدل
٤- رئيس هيئة النيابة الإدارية
-----------------
الإجـراءات
بتاريخ التاسع عشر من أبريل سنة ٢٠١٥، أودع المدعي صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا، طالبًا الحكم بعدم دستورية نص الفقرتين السابعة والثامنة -وصحتهما الرابعة والخامسة- من المادة (٣٩) من قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم ١١٧ لسنة ١٩٥٨ بإعادة تنظيم النيابة الإدارية والمحاكمات التأديبية، مع ما يترتب على ذلك من آثار، أخصُّها: بطلان حكم مجلس تأديب أعضاء النيابة الإدارية الصادر بجلسة ٢٠/٦/٢٠٠٩، في الدعوى التأديبية رقم ١ لسنة ٢٠٠٩، فيما قضى به من معاقبته بعقوبة اللوم.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.
وقدم المدعي مذكرة بالرد، صمم فيها على طلباته.
وبعد تحضير الدعوى أودعت هيئة المفوضين تقريرًا برأيها.
ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وفيها قدم المدعي حافظتي مستندات، ومذكرة تمسك فيها بطلباته، وقررت المحكمة إصدار الحكم بجلسة اليوم.
--------------
المحكمـة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع تتحصل –على ما يتبين مــــــن صحيفة الدعوى وسائــــر الأوراق– في أن المدعي أُحيل إلى المحاكمة التأديبية أمام مجلس تأديب أعضاء النيابة الإدارية في الدعوى رقم ١ لسنة ٢٠٠٩، وذلك عن ملاحظات فنية نُسبت إليه إبان عمله بنيابة بلبيس الإدارية، وفي أثناء نظر تلك الدعوى دفع بعدم دستورية نص الفقرة السابعة من المادة (٣٩) من قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم ١١٧ لسنة ١٩٥٨، بإعادة تنظيم النيابة الإدارية والمحاكمات التأديبية، فيما تضمنه من حظر حضور محام أمام مجلس التأديب للدفاع عن العضو المُحال للمحاكمة التأديبية، واشتراط أن يكون من يتولى الدفاع بالإنابة عنه أحد أعضاء النيابة الإدارية الحاليين. وبجلسة ٢٠/٦/٢٠٠٩، صدر حكم مجلس التأديب برفض الدفع بعدم الدستورية آنف البيان، وبمجازاته بعقوبة اللوم. لم يرتضِ المدعي ذلك الحكم؛ فطعن عليه أمام المحكمة الإدارية العليا، بالطعن رقم ٢٨٧٠٨ لسنة ٥٥ قضائية "عليا"، طالبًا الحكم بإلغائه، مع ما يترتب على ذلك من آثار، ودفع بعدم دستورية الفقرة السابعة من المادة (٣٩) من القرار بقانون المار ذكره. وبجلسة ٢١/٢/٢٠١٥، قدَّم مذكرة دفاع طلب فيها الحكم بوقف السير في الطعن تعليقيًّا، وإحالة الأوراق إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في دستورية الفقرتين السابعة والثامنة –وصحتهما الرابعة والخامسة- من المادة (٣٩) من قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم ١١٧ لسنة ١٩٥٨ بإعادة تنظيم النيابة الإدارية والمحاكمات التأديبية، فيما تضمنته أولاهما من حظر حضور محام أمام مجلس تأديب أعضاء النيابة الإدارية، بالمخالفة لحكم المادة (٦٩/١) من دستور عام ١٩٧١- وتقابلها المادة (٩٨) من الدستور الحالي – فيما نصت عليه من حق الدفاع بالوكالة، وفيما تضمنته الأخرى من صدور حكم مجلس التأديب في جلسة سرية، بالمخالفة لحكم المادة (١٦٩) من دستور عام ١٩٧١ -وتقابلها المادة (١٨٧) من الدستور الحالي– التي أوجبت صدور الأحكام في جلسة علنية. وإذ قدرت المحكمة جدية الدفع، وصرحت للمدعي بإقامة الدعوى الدستورية؛ فأقام الدعوى المعروضة.
وحيث إن نص المادة (٣٩) من قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم ١١٧ لسنة ١٩٥٨ بإعادة تنظيم النيابة الإدارية والمحاكمات التأديبية- المستبدل به نص المادة الأولى من كلا القانونين رقمي: ١٢ لسنة ١٩٨٩، و١٥ لسنة ١٩٩٩ -يجري على أن: "العقوبات التأديبية التي يجوز توقيعها على أعضاء النيابة الإدارية هى: الإنذار- اللوم – العزل.
وتقام الدعوى التأديبية من وزير العدل بناء على طلب رئيس هيئة النيابة الإدارية أو أحد نوابه. ولا يقدم هذا الطلب إلا بناء على تحقيق جنائي أو بناء على تحقيق إداري تسمع فيه أقوال العضو.
ويتولى إجراء التحقيق الإداري عضو يندبه وزير العدل لهذا الغرض، على أن يكون سابقًا في ترتيب الأقدمية على العضو الذي يجرى التحقيق معه. وبشرط ألا تقل وظيفته عن نائب رئيس بالنسبة للتحقيق مع نواب الرئيس وعن وكيل عام أول بالنسبة للتحقيق مع الوكلاء العامين الأول والوكلاء العامين، أما باقى الأعضاء فيتولى التحقيق معهم وكيل عام على الأقل من إدارة التفتيش يندبه رئيس الهيئة.
وللوزير ولرئيس هيئة النيابة الإدارية إيقاف عضو النيابة الذي يجرى التحقيق معه عن العمل ولا يترتب على الوقف حرمان العضو من المرتب.
وللعضو حق التظلم من أمر الوقف لمجلس التأديب وذلك خلال أسبوع من تاريخ إخطاره به.
وإذا لم تُرفع الدعوى التأديبية خلال شهرين من تاريخ الإيقاف وجب عرض الأمر على مجلس التأديب ليقرر ما يراه في شأن عودة العضو إلى عمله أو استمرار وقفه وللمدة التي يحددها.
وترفع الدعوى التأديبية بصحيفة تشتمل على التهمة والأدلة المؤيدة لها وتُعلن للعضو، ولمجلس التأديب أن يُجرى ما يراه لازمًا من التحقيقات، وأن يأمر بوقف العضو عن مباشرة أعمال وظيفته أو وضعه في إجازة حتمية، وله أن يُعيد النظر في أمر الوقف أو الإجازة المذكورة في كل وقت.
ويحضر العضو بشخصه أمام المجلس وله أن يقدم دفاعه كتابة وأن يُنيب في الدفاع عنه أحد أعضاء النيابة الإدارية، وللمجلس الحق في طلب حضوره شخصيًّا، فإذا لم يحضر جاز الحكم في غيبته بعد التحقق من صحة الإعلان.
ويصدر الحكم ويُنطق به مشتملًا على الأسباب التي بُنى عليها في جلسة سرية، ويكون الطعن فيه أمام الدائرة المختصة بالمحكمة الإدارية العليا المشار إليها في المادة (٤٠ مكررًا -١) من هذا القانون خلال ستين يومًا من تاريخ صدور الحكم.
وتنقضي الدعوى التأديبية باستقالة العضو أو بإحالته للمعاش، ولا تأثير للدعوى التأديبية على الدعوى الجنائية أو المدنية الناشئة عن الواقعة ذاتها".
وحيث إن من المقرر في قضاء المحكمة الدستورية العليا أن المصلحة الشخصية المباشرة –وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية- مناطها أن يكون الحكم في المسألة الدستورية مؤثرًا في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها والمطروحة على محكمة الموضوع. متى كان ذلك، وكانت رحى النزاع الموضوعي المطروح على المحكمة الإدارية العليا في الطعن رقم ٢٨٧٠٨ لسنة ٥٥ قضائية "عليا"، تدور حول طلب المدعي الحكم بإلغاء حكم مجلس تأديب أعضاء النيابة الإدارية الصادر بجلسة ٢٠/٦/٢٠٠٩، في الدعوى رقم ١ لسنة ٢٠٠٩، فيما قضى به من معاقبته بعقوبة اللوم، وكان نص الفقرة الرابعة من المادة (٣٩) من القرار بالقانون رقم ١١٧ لسنة ١٩٥٨ المار ذكره –المطعون فيه– قد قصر حق الدفاع بالإنابة عن عضو هيئة النيابة الإدارية المُحال إلى المحاكمة الـتأديبية أمام مجلس التأديب، على أحد أعضاء الهيئة الحاليين دون السابقين منهم، كما أغفل حق الدفاع بالوكالة عنه بواسطة أحد المحامين، وأوجب نص الفقرة الخامسة من المادة ذاتها أن يكون صدور حكم مجلس التأديب والنطق به في جلسة سرية. ومن ثم فإن حسم دستورية هذين النصين يكـون ذا أثر وانعكاس أكيد على النزاع الموضوعي المرتبط به، ولازمًا للفصل في ذلك النزاع، وذا أثر على الطلبات المطروحة به، وقضاء محكمة الموضوع فيها، مما تتوافر معه المصلحة الشخصية المباشرة للمدعى في اختصامهما، ويتحدد نطاق الدعوى المعروضة، فيما لم تتضمنه الفقرة الرابعة من المادة (٣٩) من قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم ١١٧ لسنة ١٩٥٨، بإعادة تنظيم النيابة الإدارية والمحاكمات التأديبية، المستبدل بها القانون رقم ١٢ لسنة ١٩٨٩، من تخويل عضو النيابة الإدارية المُحال إلى مجلس التأديب الحق في الدفاع بوكالة محام، وقصر النيابة في الدفاع عنه أمام مجلس التأديب على أعضاء الهيئة الحاليين دون السابقين منهم، وما نص عليه صدر الفقرة الخامسة من المادة ذاتها من أن ينطق بالحكم في جلسة سرية، دون أية أحكام أخرى جرى بها نص الفقرتين اللتين تحدد فيهما نطاق الدعوى المعروضة.
وحيث إن المدعي ينعى على نص الفقرتين الرابعة والخامسة من المادة (٣٩) من القرار بالقانون رقم ١١٧ لسنة ١٩٥٨ بإعادة تنظيم النيابة الإدارية والمحاكمات التأديبية –في النطاق المحدد سلفًا– الإخلال بحق الدفاع بالوكالة المنصوص عليه في المادة (٩٨) من الدستور، بحرمان عضو النيابة الإدارية المُحال إلى المحاكمة التأديبية من توكيل محام للدفاع عنه أمام مجلس تأديب أعضاء النيابة الإدارية، ومخالفة مبدأ المساواة المقرر بالمادة (٥٣) من الدستور، لانطوائهما على تمييز غير مبرر بين أعضاء النيابة الإدارية من جهة، وأعضاء السلطة القضائية من جهة أخرى؛ إذ أجاز للقاضي المحال إلى المحاكمة التأديبية أن ينيب في الدفاع عنه أمام مجلس تأديب القضاة –المنصوص عليه في قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم ٤٦ لسنة ١٩٧٢ وتعديلاته– أحد رجال القضاء الحاليين أو السابقين من غير أرباب الوظائف أو المهن، وأن يكون النطق بالحكم في جلسة علنية، وذلك بالمخالفة لنص المادة (١٩٧) من الدستور، التي أكدت على أن يكون لأعضاء هيئة النيابة الإدارية كافة الضمانات والحقوق والواجبات المقررة لأعضاء السلطة القضائية.
وحيث إن المناعي التي وجهها المدعي إلى النصين المطعون فيهما –محددين بالنطاق المبين سلفًا– سديدة في جملتها؛ ذلك أن الأصل في سلطة المشرع في مجال تنظيم الحقوق -على ما جرى به قضاء هذه المحكمة- هو إطلاقها ما لم يقيدها الدستور بقيود معينة تبين تخوم الدائرة التي لا يجوز أن يتدخل المشرع فيها هادمًا لتلك الحقوق أو مؤثرًا في محتواها بما ينال منها، فلا يكون تنظيم المشرع لحق ما سليمًا من زاوية دستورية إلا فيما وراء هذه الحدود، فإن اقتحمها بدعوى تنظيمها انحل ذلك عدوانًا عليها .
وحيث إن الأصل في الحقوق التي كفلها الدستور أنها لا تتمايز فيما بينها، ولا ينتظمها تدرج هرمي يجعل بعضها أقل شأنًا من غيرها أو في مرتبة أدنى منها، بل تتكافأ في أن لكل منها مجالًا حيويًّا لا يجوز اقتحامه بالقيود التي تفرضها النصوص التشريعية، وكان هذا المجال يتحدد بالنسبة إلى الحقوق التي نص عليها الدستور في صلبه على ضوء طبيعة كل حق منها، وبمراعاة الأغراض النهائية التي قصد الدستور إلى تحقيقها من وراء إقراره، وفى إطار الرابطة الحتمية التي تقوم بين هذا الحق وغيره من الحقوق التي كفلها الدستور، باعتباره مدخلًا إليها أو معززًا لها أو لازمًا لصونها.
وحيث إن الدستور، بما نص عليه في المادة (٩٧)؛ من أن لكل مواطن حق الالتجاء إلى قاضيه الطبيعي، قد دل على أن هذا الحق في أصل شرعته هو حق للناس كافة، تتكافأ فيه مراكزهم القانونية في سعيهم لرد العدوان على حقوقهم دفاعًا عن مصالحهم الذاتية. وقد حرص الدستور على ضمان إعمال هذا الحق في محتواه المقرر دستوريًّا بما لا يجوز معه قصر مباشرته على فئة دون أخرى، أو إجازته في حالة بذاتها دون سواها. كما أن هذا الحق باعتباره من الحقوق العامة التي كفل الدستور بنص المادتين (٤ و٥٣) المساواة بين المواطنين فيها، لا يجوز حرمان طائفة منهم من هذا الحق مع تحقق مناطه - وهو قيام منازعة في حق من الحقوق - وإلا كان ذلك إهدارًا لمبدأ المساواة بينهم وبين غيرهم من المواطنين الذين لم يحرموا من الحق ذاته.
وحيث إن الدستور قد حرص على تخصيص الباب الخامس منه لنظام الحكم، وحدد فيه السلطات العامة التي يتكون منها هذا النظام، وخصص الفرع الأول من الفصل الثالث للأحكام العامة الحاكمة للسلطة القضائية، باعتبارها إحدى السلطات العامة التي يتكون منها نظام الحكم في الدولة، مؤكدًا في المادة (١٨٤) منه على استقلالها، وأن تتولاها المحاكم بمختلف أنواعها ودرجاتها، ولذلك أوجب الدستور في المادة (١٨٦) منه كفالة استقلال القضاة الذين يتحملون أعباء هذه الولاية، وحصَّنهم بضمانـة عدم القابلية للعزل، وعدم خضوعهم في عملهم لغير القانون، وذلك باعتبار جهــات القضاء -على ما جرى به قضاء هذه المحكمة– هي إحدى سلطات الدولة الثلاث، وتقوم على ولاية القضاء، وتستقل بشئون العدالة في مقابلة السلطتين التشريعية والتنفيذية، ويجمعها مع الهيئات القضائية إسهامهما جميعًا في سير العدالة. كما أكد في مادته (١٩٧) أن النيابة الإدارية هيئة قضائية مستقلة، وأن لأعضائها كافة الضمانات والحقوق والواجبات المقررة لأعضاء السلطة القضائية، وعهد إلى المشرع تنظيم مساءلتهم تأديبيًّا.
وحيث إن حق الدفاع أصالةً أو بالوكالة -وفقًا لما جرى عليه قضاء هذه المحكمة- قد كفله الدستور بنص المادة (٩٨) منه، باعتبار أن ضمانة الدفاع لا يمكن فصلها أو عزلها عن حق التقاضي؛ ذلك أنهما يتكاملان ويعملان معًا في دائرة الترضية القضائية التي يُعتبر اجتناؤها غاية نهائية لكل من الخصومة القضائية والخصومة التأديبية، فلا قيمة لحق التقاضي ما لم يكن متساندًا لضمانة الدفاع، مؤكدًا لأبعادها، عاملًا من أجل إنفاذ مقتضاها. كذلك لا قيمة لضمانة الدفاع بعيدًا عن حق النفاذ إلى القضاء، وإلا كان القول بها وإعمالها واقعًا وراء جدران صامتة؛ يؤيد ذلك أن الحقوق التي يكفلها الدستور أو النظم المعمول بها تتجرد من قيمتها العملية إذا كان من يطلبها عاجزًا عن بلوغها من خلال حق التقاضي، أو كان الخصوم الذين تتعارض مصالحهم بشأنها لا يتماثلون فيما بينهم في أسلحتهم التي يشرعونها لاقتضائها. ولا يعدو أن يكون إنكار ضمانة الدفاع أو انتقاصها إخلالًا بالحق المقرر دستوريًّا لكل مواطن في مجال اللجوء إلى قاضيه الطبيعي، وليس النزول عليها إلا توكيدًا للحق في الحياة والحرية، حائلًا دون اقتحام حدودهما، وذلك سواء أكان إنكار ضمانة الدفاع أو تقييدها متصلًا بحق كل شخص في أن يعرض بنفسه وجهة نظره في شأن الواقعة محل التداعي، وأن يبين حكم القانون بصددها، أم كان منسحبًا إلى الحق في أن يقيم باختياره محاميًا يطمئن إليه لخبرته وملكاته، ويراه -لثقته به- أقدر على تأمين المصالح التي يتوخى حمايتها، ليكون الدفاع عنها فعالًا، محيطًا بالخصومة القضائية التي تتناولها، نائيًا عن الانحدار بمتطلباتها إلى ما دون مستوياتها الموضوعية التي يمليها التبصر وتفرضها العناية الواجبة.
وحيث إن الدستور نص في المادة (١٩٨) منه، على أن المحاماة مهنة حرة، تشارك السلطة القضائية في تحقيق العدالة، وسيادة القانون، وكفالة حق الدفاع، وفي سعيها للوصول إلي الحقيقة، وفي التماس الوسائل القانونية التي تعينها على تحريها، وإيصال الحقوق لذويها بما يقيم لها ميزانها انتصافًا، وكفل الدستور للمحامين الضمانات والحماية الواجبة في أثناء تأديتهم حق الدفاع أمام المحاكم وأمام جهات التحقيق والاستدلال، التي لا يمكن فصلها أو عزلها عن حق التقاضي، وذلك لأن حق الدفاع وثيق الصلة بالخصومة القضائية، وأيضًا الخصومة التأديبية، من زاوية تجلية جوانبها، وتقويم مسارها ومتابعة إجراءاتها وعرض حججها بما يكفل تساند دعائمها، والرد على ما يناهضها، وإدارة دفاع مقتدر بيانًا لوجه الحق فيما يكون مهمًّا من المسائل التي تثيرها الخصومة القضائية، وعلى الأخص من خلال المفاضلة بين بدائل متعددة ترجيحًا لأكثرها اتصالًا بها، وأقواها احتمالًا في مجال كسبها، مع دعمها بما يكون منتجًا من الأوراق، بما مقتضاه أن الدستور أكد أن المحاماة تؤدي وظيفة لا تقوم دولة الحق والقانون من دونها، ويمارسها المحامي مستقلًّا؛ فهو لا يقدم مجرد خدمة خاصة لموكله، بل يقدم دفاعًا حرًّا ورسالة تنضبط وترتبط بحقوق دستورية أخصها حق الدفاع والمحاكمة العادلة المنصفة؛ وآية ذلك أن المبادئ الأساسية للأمم المتحدة بشأن دور المحامين، المعتمدة في "هافانا" سنة ١٩٩٠، ألزمت الدول بتوفير الضمانات اللازمة لأداء المحامين لمهامهم من دون ترهيب أو مضايقة أو تدخل غير مبرر، كما ربطت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان استقلال المحامي بضمانات المحاكمة العادلة.
وحيث إن اختيار الشخص من يدافع عنه إنما يتم في إطار علاقة قانونية قوامها الثقة المتبادلة بين طرفيها، ويتعين -تبعًا لذلك- أن يظل الحق في هذا الاختيار محاطًا بالحماية التي كفلها الدستور لحق الدفاع كي يحصل من يلوذ بهذا الحق على المعونة التي يطلبها معتصمًا في بلوغها بمن يختاره من المحامين متوسمًا فيــه أنه الأقـدر -لعلمه وخبرته وتخصصه- على ترجيح كفته، ذلك أنه في نطاق علاقة تقوم على الثقة المتبادلة بين الشخص ومحاميه، فإنه يكون مهيأً أكثر للقبول بالنتائج التي يسفر عنها الحكم في دعواه، فضلًا عن أن حدود هذه العلاقة توفر لمن كان طرفًا فيها من المحامين حرية إدارة الدفاع وتوجيهه الوجهة التي يقدر أنها الأفضل لخدمة مصالح موكله في إطار أصول المهنة ومقتضياتها. وعلى ضوء هذه الوكالة القائمة على الاختيار الحر التي يودع من خلالها الموكل بيد محاميه أدق أسراره وأعمق دخائله، اطمئنانًا منه لجانبه، يتخذ المحامي قراراته حتى ما كان منها مؤثرًا في مصير موكله، بل إن حدود هذه العلاقة تحمله على أن يكون أكثر يقظة وتحفزًا في متابعته لأي من الخصومة القضائية أو الخصومة التأديبية، وتعقبه لمسارها، ومواجهته بالمثابرة لما يطرح في أثناء نظرها مما يضر بمركز موكله فيها أو يهدده، وبوجه خاص كلما كان الحكم بالإدانة أكثر احتمالًا أو كانت النتائج المحتملة للحكم في النزاع بعيدة في آثارها العملية والقانونية.
متى كان ما تقدم، وكان نص الفقرة الرابعة من المادة (٣٩) من قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم ١١٧ لسنة ١٩٥٨، المستبدل به القانون رقم ١٢ لسنة ١٩٨٩، قد حرم عضو النيابة الإدارية المُحال إلى المحاكمة التأديبية من أن ينيب في الدفاع عنه أحد أعضاء النيابة الإدارية السابقين أو توكيل محام للدفاع عنه أمام مجلس التأديب، فإنه يغدو – والحال كذلك - إنكارًا لحقه في أن يختار من بين المحامين أو أعضاء النيابة الإدارية السابقين من يقدر تميزه في الدفاع عن المصالح التي يتوخى تأمينها والذود عنها. وبهذه المثابة فإنه لا يتمحض عن مصلحة مشروعة بل هو سعي إلى نقيضها، باعتبار أن فعالية ضمانة الدفاع ينافيها ما قرره النص المطعون فيه، وذلك لما ينطوي عليه هذا النص من إنكار حق المتقاضي في اختيار من يدافع عنه، ثقة بقدراته القانونية والقيم التي يتحلى بها في أداء عمله والكيفية التي يواجه بها مسئولياته في الدفاع عمن وكله أو أنابه، لينحل ذلك إلى عدوان على حق الدفاع، بما يتآدى –حتمًا– إلى الانتقاص من الحق في التقاضي، ويخل من زاوية أخرى بمبدأ المساواة بين المحال إلى المحاكمة التأديبية أمام مجلس تأديب أعضاء النيابة الإدارية، وبين أقرانهم من القضاة الذين يكون لهم الاستعانة بقضاة سابقين في الدفاع عنهم، كما يهدر النص المطعون فيه الضمانات والحقوق المقررة لأعضاء النيابة الإدارية على نحو يماثل تلك المقررة لأعضاء السلطة القضائية في نطاق التأديب الوظيفي، وكان نص الفقرة الخامسة من المادة (٣٩) من قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم ١١٧ لسنة ١٩٥٨ –سالف البيان- يقضي بأن يصدر الحكم من مجلس تأديب أعضاء النيابة الإدارية وينطق به في جلسة سرية؛ فقد جاء ذلك الحكم على نحو يغاير ما يقضي به تعديل قانون السلطة القضائية الصادر بالقانون رقم ١٤٢ لسنة ٢٠٠٦، من أن يكون النطق بالحكم الصادر من مجلس تأديب القضاة في جلسة علنية، بما ينطوي عليه هذا الحكم من إخلال بالمساواة بين الفئتين المذكورتين في الحقوق والضمانات التي توجب طبيعتها تماثلًا في الحكم، فضلًا عن مصادمة النص ذاته لالتزام دستوري على الجهات والمجالس التي تصدر أحكامًا قضائية، أن يكون النطق بها –في جميع الأحوال– في جلسة علنية؛ ومن ثم يكون النصان المطعون فيهما –في نطاقهما السالف بيانه– قد خالفا المواد (٥٣ و٩٧ و٩٨ و١٨٧ و١٩٧ و١٩٨) من الدستور.
وحيث إنه عن طلب المدعي إعمال آثار الحكم بعدم الدستورية، وأخصها بطلان حكم مجلس تأديب أعضاء النيابة الإدارية الصادر بجلسة ٢٠/٦/٢٠٠٩، في الدعوى التأديبية رقم ١ لسنة ٢٠٠٩ فيما قضى به من معاقبته بعقوبة اللوم، فمردود: بأن إعمال آثار الأحكام الصادرة في الدعاوى الدستورية منوط قانونًا بمحكمة الموضوع، بحسبانها المحكمة المختصة بإنفاذ الحجية المطلقة للحكم الصادر من المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية نص الفقرتين المطعون فيهما –في نطاقهما سالف البيان- وذلك عملًا بنص المادة (٤٩) من قانونها الصادر بالقانون رقم ٤٨ لسنة ١٩٧٩.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة:
أولًا: بعدم دستورية نص الفقرة الرابعة من المادة (٣٩) من قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم ١١٧ لسنة ١٩٥٨ بإعادة تنظيم النيابة الإدارية والمحاكمات التأديبية، المستبدل بها نص المادة الأولى من القانون رقم ١٢ لسنة ١٩٨٩، فيما لم يتضمنه من تخويل عضو النيابة الإدارية المُحال إلى مجلس التأديب الحق في الدفاع بوكالة محام، وقصر النيابة في الدفاع عنه أمام مجلس التأديب على أعضاء الهيئة الحاليين دون السابقين منهم.
ثانيًا: بعدم دستورية صدر الفقرة الخامسة من المادة ذاتها من القانون المشار إليه، فيما نص عليه من أن ينطق بالحكم في جلسة سرية.
وألزمت الحكومة المصروفات ومبلغ مائتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة.