المنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ : ۲۰۲٦/۱۰/۲٦
باسم الشعب
المحكمة الدستورية العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت العاشر مـن أكتوبر سنة ٢٠٢٦م، الموافق الثامن والعشرين من ربيع الآخر سنة ١٤٤٨هـ.
برئاسة السيد المستشار/ بولس فهمي إسكندر رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين: رجب عبد الحكيم سليم والدكتور محمد عماد النجار والدكتور طارق عبد الجواد شبل وخالد أحمد رأفت دسوقي والدكتورة فاطمة محمد أحمد الرزاز وصلاح محمد الرويني نواب رئيس المحكمة
وحضور السيد المستشار الدكتور/ عماد طارق البشري رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد/ عبد الرحمن حمدي محمود أمين السر
أصدرت الحكم الآتي
في الدعوى المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم ٢٨ لسنة ٤٦ قضائية "دستورية"
المقامة من
ميلاد جاد حنين عبد الملاك
ضد
١- رئيس الجمهوريــــة
٢- رئيس مجلس الوزراء
٣- أمل فل ثابت حفظ الله جرجس
٤- ماري فل ثابت حفظ الله جرجس
٥- فوزية بسطاوي تواضروس
--------------
الإجراءات
بتاريخ الثالث من يوليو سنة ٢٠٢٤، أودع المدعي صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا، طالبًا الحكم بعدم دستورية نص الفقرة الثانية من المادة (١٤) من قانون الإثبات في المواد المدنية والتجارية الصادر بالقانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٦٨.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، طلبت فيها الحكم؛ أصليًّا واحتياطيًّا: بعدم قبول الدعوى، ومن باب الاحتياط الكلي: برفضها.
وقدم المدعي مذكرة، تمسك فيها بطلباته.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرًا برأيها.
ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وفيها قدم المدعي مذكرة، صمم فيها على طلباته، وقررت المحكمة إصدار الحكم بجلسة اليوم.
--------------
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع تتحصـل –على ما يتبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق- في أن المدعى عليهما الثالثة والرابعة، أقامتا أمام محكمة الخانكة الكلية الدعوى رقم ٧٩٦ لسنة ٢٠٢٣ مدني كلي، ضد المدعي، طلبًا للحكم بطرده من الشقة الكائنة بالعقار المبين بصحيفة الدعوى؛ على سند من أن والدهما كان كفيفًا فاستضاف المدعي بتلك العين لمساعدته ومراعاة لظروفه المالية، إلا أنه بعد وفاة والدهما رفض المدعي تسليمهما تلك العين، فأنذرتاه بالإخلاء لصيرورة يده غاصبة؛ ذلك أن ملكية العقار آلت إليهما بالشراء من والدتهما التي سبق لها شراؤه من والدهما، فتمسك المدعي بأنه يستأجر العين بموجب عقد إيجار مبرم مع والد المدعى عليهما بتاريخ ٢٧/٧/٢٠١٠، لمدة (٥٩) عامًا، موقع عليه ببصمة إصبعه، فعدَّلت المدعى عليهما المذكورتان طلباتهما ودفعتا بالجهالة طالبتين الحكم؛ أصليًّا: بعدم الاعتداد بعقد الإيجار ورده وبطلانه لتمسكهما بالجهالة طبقًا لنص المادة (١٤) من قانون الإثبات في المواد المدنية والتجارية، واحتياطيًّا: برد وبطلان العقد وعدم الاعتداد به طبقًا لنصوص القانون المدني وقانون المرافعات المدنية والتجارية، مع طرد المدعي في الحالتين، فادعى المدعي فرعيًّا طالبًا الحكم بإثبات العلاقة الإيجارية بينه وبين مورثهما، وإلزامهما بتحرير عقد إيجار له بالشروط ذاتها. وبجلسة ٢٥/١٢/٢٠٢٣، قضت المحكمة بتوجيه يمين عدم العلم للمدعى عليهما، فأدتا اليمين بجلسة ٥/٢/٢٠٢٤، وقررت المحكمة عملًا بنص المادتين (١٤ و٣٠) من قانون الإثبات في المواد المدنية والتجارية، ندب قسم الأدلة الجنائية لإجراء المضاهاة للتوقيع ببصمة الإصبع المنسوبة لمورث المدعى عليهما، فورد تقرير الفحص الفني بتعذر إجراء المضاهاة. وبجلسة ١/٧/٢٠٢٤، دفع المدعي بعدم دستورية الفقرة الثانية من المادة (١٤) من قانون الإثبات في المواد المدنية والتجارية. وإذ قدرت المحكمة جدية الدفع، وصرحت للمدعي باتخاذ إجراءات الطعن بعدم الدستورية؛ فقد أقام الدعوى المعروضة.
وحيث إن المادة (١٤) من قانون الإثبات في المواد المدنية والتجارية الصادر بالقانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٦٨، تنص على أن "يُعتبر المحرر العرفي صادرًا ممن وقعه ما لم ينكر صراحة ما هو منسوب إليه من خط أو إمضاء أو ختم أو بصمة.
أما الوارث أو الخلف فلا يطلب منه الإنكار، ويكفي أن يحلف يمينًا بأنه لا يعلم أن الخط أو الإمضاء أو الختم أو البصمة هي لمن تلقى عنه الحق.
.................".
وتنص المادة (٣٠) من القانون ذاته على أنه "إذا أنكر من يشهد عليه المحرر خطه أو إمضاءه أو ختمه أو بصمة أصبعه أو أنكر ذلك خلفه أو نائبه وكان المحرر منتجًا في النزاع ولم تكف وقائع الدعوى ومستنداتها لتكوين عقيدة المحكمة في شأن صحة الخط أو الإمضاء أو الختم أو بصمة أصبعه أمرت المحكمة بالتحقيق بالمضاهاة أو بسماع الشهود أو بكليهما".
وحيث إنه عن الدفع المبدى من هيئة قضايا الدولة بعدم قبول الدعوى للتجهيل بأوجه مخالفة النص المطعون فيه للدستور؛ فمردود بأن المقرر في قضاء المحكمة الدستورية العليا أن المادة (٣٠) من قانونها الصادر بالقانون رقم ٤٨ لسنة ١٩٧٩ توجب أن يتضمن القرار الصادر بالإحالة، أو صحيفة الدعوى المرفوعة إليها، بيان النص التشريعي المطعون بعدم دستوريته، والنص الدستوري المدعى بمخالفته، وأوجه المخالفة، باعتبار أن هذه البيانات تُعد من البيانات الجوهرية التي تنبئ عن جدية الدعوى، بما يمكن معها تحديد موضوعها، وإلا كان هذا القرار أو تلك الصحيفة منطويين على التجهيل بالمسائل الدستورية التي تدعى هذه المحكمة للفصل فيها. متى كان ما تقدم، وكانت صحيفة الدعوى المعروضة، قد تضمنت بيان النص التشريعي المطعون بعدم دستوريته، وهو الفقرة الثانية من المادة (١٤) من قانون الإثبات في المواد المدنية والتجارية الصادر بالقانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٦٨، وبيان النصوص الدستورية المدعى مخالفتها، وهي المواد (٤ و٩ و٣٥ و٥٣ و٥٩) من الدستور، وأوجه المخالفة المتمثلة في الإخلال بمبدأ المساواة وتكافؤ الفرص، والاعتداء على الملكية الخاصة، والخروج على مبدأ الحياة الآمنة؛ ومن ثم تكون صحيفة الدعوى قد استوفت الشروط الشكلية المتطلبة قانونًا، مما يتعين معه الالتفات عن هذا الدفع.
وحيث إنه من المقرر في قضاء هذه المحكمة أن المصلحة الشخصيــة المباشرة في الدعوى الدستوريـة -وهي شرط لقبولهــــــا – مناطها أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يؤثر الحكم في المسألة الدستورية على الطلبات المرتبطة بها، والمطروحة على محكمة الموضوع. متى كان ذلك، وكانت رحى النزاع الموضوعي تدور حول طلب المدعى عليهما الثالثة والرابعة طرد المدعي من العين المذكورة بقالة افتقاره لسند شغلها، وهو ما دفعه المدعي بتقديمه عقد إيجار يحمل توقيعًا بالبصمة منسوبًا لمورثهما، فدفعتا بجهالة التوقيع، وأدتا اليمين استنادًا إلى نص الفقرة الثانية من المادة (١٤) من قانون الإثبات في المواد المدنية والتجارية الصادر بالقانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٦٨؛ ومن ثم فإن الفصل في دستورية نص تلك الفقرة المشار إليها يرتب انعكاسًا أكيدًا وأثرًا مباشرًا على الطلبات في الدعوى الموضوعية، وقضاء محكمة الموضوع فيها، وتتوافر للمدعي مصلحة شخصية ومباشرة في الطعن على دستوريته، ويكون الدفع المبدى من هيئة قضايا الدولة بعدم قبول الدعوى لانتفاء المصلحة الشخصية المباشرة في غير محله متعينًا الالتفات عنه؛ ومن ثم يتحدد نطاق الدعوى المعروضة في نص الفقرة الثانية من المادة (١٤) سالفة الذكر.
وحيث إن المدعي ينعى على النص المطعون فيه ما تضمنه من زوال قوة المحرر في الإثبات، وانتقال عبء إثبات نسبته لمن صدر عنه إلى من يتمسك به، وذلك بمجرد قيام الوارث أو الخلف بحلف اليمين بأنه لا يعلم أن الخط أو الإمضاء أو الختم أو البصمة هي لمن تلقى عنه الحق، وأن النص المطعون فيه يٌشكل إخلالًا بمبدأي المساواة وتكافؤ الفرص؛ إذ تضمن تمييزًا غير مبرر بين المنسوب إليه التوقيع، وبين ورثته أو خلفه، إذ يكفي الأخيرين حلف اليمين بعدم العلم بالخط أو الإمضاء أو الختم أو البصمة لينتقل عبء الإثبات إلى من يتمسك بالمحرر العرفي، في حين أنه لو ظل من يُنسب إليه المحرر العرفي على قيد الحياة، فليس له أن يدفع بالجهالة. كما أن النص المطعون فيه يمثل اعتداءً على الملكية الخاصة وضياعًا لها، ويزعزع الثقة في المعاملات ويهدر المراكز القانونية المستقرة بما يناقض الحياة الآمنة.
وحيث إن الأصل في سلطة المشرع في مجال تنظيم الحقوق – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة – أنها سلطة تقديرية، ما لم يقيد الدستور ممارستها بضوابط تحد من إطلاقها، وتكون تخومًا لها لا يجوز اقتحامها أو تخطيها، وكان الدستور إذ عهد بتنظيم موضوع معين إلى السلطة التشريعية فإن ما تقره من القواعد القانونية بصدده لا يجوز أن ينال من الحق محل الحماية الدستورية، سواء بالنقض أو الانتقاص.
وحيث إن من المقرر في قضاء المحكمة الدستورية العليا أن الأصل في كل تنظيم تشريعي أن يكون منطويًا على تقسيم أو تصنيف أو تمييز من خلال الأعباء التي يلقيها على البعض، أو عن طريق المزايا، أو الحقوق التي يكفلها لفئة دون غيرها، إلا أن اتفاق هذا التنظيم مع أحكام الدستور يفترض ألا تنفصل النصوص القانونية التي نظم بها المشرع موضوعًا محددًا عن أهدافها، ليكون اتصال الأغراض التي توخاها بالوسائل المؤدية إليها منطقيًّا، وليس واهيًا، بما يخل بالأسس الموضوعية التي يقوم عليها التمييز المبرر دستوريًّا.
وحيث إن المقرر في قضاء هذه المحكمة أنه يتعين تفسير النصوص التشريعية التي تنظم مسألة معينة بافتراض العمل بها في مجموعها، وأنها لا تتعارض أو تتهادم فيما بينها، وإنما تتكامل في إطار الوحدة العضوية التي تنتظمها من خلال التوفيق بين مجموع أحكامها، باعتبار أنها متآلفة فيما بينها، لا تتماهى معانيها، وإنما تتضافر توجهاتها، تحقيقًا للأغراض النهائية والمقاصد التي تجمعها؛ ذلك أن السياسة التشريعية لا يحققها إلا التطبيق المتكامل لتفاصيل أحكامها دون اجتزاء جزء منها ليطبق دون الجزء الآخر؛ لما في ذلك من إهدار للغاية التي توخاها المشرع من ذلك التنظيم.
وحيث إن الدستور الحالي قد اعتمد بمقتضى نص المادة (٤) منه مبدأ المساواة، باعتباره -إلى جانب مبدأي العدل وتكافؤ الفرص- أساسًا لبناء المجتمع وصيانة وحدته الوطنية، وتأكيدًا لذلك حرص الدستور في المادة (٥٣) منه على كفالة تحقيق المساواة لجميع المواطنين أمام القانون، في الحقوق والحريات والواجبات العامة، دون تمييز بينهم لأي سبب، إلا أن ذلك لا يعني -وفقًا لما استقر عليه قضاء هذه المحكمة- أن تعامل فئاتهم على ما بينها من تفاوت في مراكزها القانونية معاملة قانونية متكافئة، كذلك لا يقوم هذا المبدأ على معارضة صور التمييز جميعها؛ ذلك أن من بينها ما يستند إلى أسس موضوعية، ولا ينطوي -من ثم- على مخالفة لنص المادتين (٤ و٥٣) من الدستور، بما مؤداه أن التمييز المنهي عنه بموجبهما هو ذلك الذى يكون تحكميًّا، وأساس ذلك أن كل تنظيم تشريعي لا يعتبر مقصودًا لذاته، بل لتحقيق أغراض بعينها تعكس مشروعيتها إطارًا للمصلحة العامة التي يسعى المشرع إلى تحقيقها من وراء هذا التنظيم.
وحيث إن الحماية التي كفلها الدستور لحق الملكية الخاصة – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة – تمتد إلى كل حق ذي قيمة مالية، سواء أكان هذا الحق شخصيًّا أم عينيًّا أم من حقوق الملكية الفنية أو الأدبية أو الصناعية، وهو ما يعني اتساعها للأموال بوجه عام.
وحيث إن المادة (١٤) من قانون الإثبات أباحت للوارث أو الخلف الخاص الاكتفاء بنفي علمه بأن الخط أو الإمضاء أو الختم أو البصمة لمورثه أو سلفه، دون أن يقف موقف الإنكار صراحةً، فإذا نفى الوارث أو الخلف علمه بأن الإمضاء الذي على الورقة العرفية المحتج بها عليه لمورثه أو سلفه، وحلف اليمين المنصوص عليها في الفقرة الثانية من المادة السابقة، زالت عن هذه الورقة مؤقتًا قوتها في الإثبات، ويتعين على المتمسك بها أن يقيم الدليل على صحتها، وذلك باتباع الإجراءات المنصوص عليها في المادة (٣٠) من هذا القانون، فإذا ما انتهت المحكمة إلى أن التوقيع ليس للمورث أو السلف، انعدمت الورقة كدليل في الإثبات؛ ذلك أن التوقيع بالإمضاء أو بصمة الختم أو بصمة الإصبع هو المصدر القانوني الوحيد لإضفاء الحجية على الأوراق العرفية، وفقًا لما تقضي به المادة سالفة البيان؛ وذلك بمراعاة أن الطعن بالجهالة ما هو إلا صورة من صور الطعن بالإنكار، وإن كان المشرع خفف بعض أحكامه على الوارث أو الخلف الخاص، فاكتفى أن يحلف أي منهما يمينًا أنه لا يعلم أن الخط أو الإمضاء أو الختم أو البصمة هو لمن تلقى عنه الحق، حتى لا تكون الورقة حجة عليه إلا بعد التحقيق، ولا تلزم المحكمة بتوجيه اليمين للوارث أو الخلف إلا إذا رأت أن أوراق الدعوى لا تكفي للحكم في الطعن ورأت تحقيقه. وفي هذه الحالة - أي حالة إنكار التوقيع أو طعن الوارث أو الخلف الخاص بالجهالة - تنطبق الإجراءات المنصوص عليها في المادة (٣٠) من القانون ذاته، كما أن المحكمة غير ملزمة، في حالة طعن الوارث أو الخلف الخاص بالجهالة على توقيع أو ختم مورثه أو سلفه، باتباع إجراءات التحقيق المنصوص عليها في هذه المادة، متى وجد في وقائع الدعوى ومستنداتها ما يكفي لاقتناعها بأن التوقيع أو الختم صحيح، وبعدم جدية ادعاء الجهالة.
وحيث إن النص المطعون فيه –في النطاق المحدد سلفًا– قد سن قاعدة تضبط الإثبات في شأن المحرر العرفي؛ بغية حماية مال الوارث أو الخلف إذا احتُج عليه بمحرر عرفي يحمل توقيعًا منسوبًا لمورثه أو سلفه، بضمانة قوامها ألا يكون المحرر حجة إلا بعد التثبت من خط أو إمضاء أو ختم أو بصمة المورث أو السلف، متماهيًا مع القواعد العامة للإثبات التي تلقي على المدعي عبء إثبات دعواه، ودون أن يهدر حق المتمسك بالورقة، إذ أعطى له من الضمانات ما يكفل توازن طرفي الخصومة، وأولى تلــــك الضمانــــات: أن للقاضــــي أن يرد الدفع بالجهالـــــة دون تحقيــــق إذا قـــــدر أن التوقيع صحيح والدفع باعثه الكيد، كما أن القاضي -إذا لم يجد ما يكفي للاقتناع بصحة المحرر- لا يملك إهدار المحرر العرفي نهائيًّا –بمجرد الدفع بالجهالة– بل يلتزم بإحالة الدعوى للتحقيق، وقد أعطى له القانون الكثير من المُكنات في الوصول إلى صحة المحرر، سواء عن طريق المضاهاة أو سماع الشهود أو كليهما معًا. وثانيتها: أن الدفع بالجهالة ينصب على المحرر فحسب ولا يمس التصرف ذاته المثبت فيه، فلا يتضمن عدوانًا على العقود المبرمة، ولا يتطرق للالتزامات التي تنشئها تعديلًا أو إلغاءً. وثالثتها: أن للمتمسك بالورقة التدليل على صحة المحرر بكافة طرق الإثبات، كما أن له إثبات التعاقد بعيدًا عن المحرر الذي أفرغ فيه، وبوسعه إلزام الوارث أو الخلف بتقديم ما تحت يده من المحررات المنتجة في الدعوى.
وحيث إن النص المطعون فيه وضع من الضوابط ما يكفل حماية الوارث والخلف دون انتقاص أو تضييق لحــــق المتمسك بالمحرر العــــرفي –على نحو ما تقدم بيانه– مقيمًا توازنًا بينهما، دون إفراط لصالح الأول بما يهدر حجية المحرر العرفي نهائيًّا في الإثبات، ولا تفريط في حق الآخر بما يحرمه من إثبات صحة المحرر بكافة طرق الإثبات، بل كان بين هذين الأمرين قوامًا، كما أنه لا يُشكل عدوانًا أو تسلطًا على الملكية الخاصة إخلالًا بخصائصها، أو الأغراض التي توخاها الدستور من صونها ضمانًا لاستقرارها؛ ومن ثم فإن النعي بمخالفته للحماية المقررة للملكية الخاصة يُعد لغوًا.
وحيث إنه لا ينال مما تقدم النعي على النص المطعون فيه بالخروج على مبدأ المساواة أمام القانون بقالة تمييزه بين المنسوب له التوقيع، والوارث أو الخلف في شأن الالتزام بعبء الإثبات، وذلك لاختلاف المركز القانوني بينهما، فالأول هو الذي نُسب إليه التوقيع على المحرر، وله أن ينكر صراحة نسبة المحرر إليه، على نحو ما تنص عليه الفقرة الأولى من المادة (١٤) من قانون الإثبات في المواد المدنية والتجارية، وذلك على خلاف الوارث أو الخلف الذي يجابه بمحرر منسوب لمورثه أو سلفه قد لا يدري عنه شيئًا، فأتاح له المشرع بالنص المطعون فيه الدفع بالجهالة سبيلًا لتمحيص أمر التوقيع حال الجهل به، كما لا ينال من ذلك القول بمصادمة النص المطعون فيه لمبدأ الحياة الآمنة؛ ذلك أن كفالة الحياة الآمنة – بمفهومها الواسع – لا يناهضها إحاطة الأموال التي آلت للوارث أو الخلف، أو أموال من يتمسك بالمحرر العرفي، بسياج منيع من الحماية، بل إن ذلك أكفل لضمان هذه الحياة، بإجهاض محاولات المساس بتلك الأموال على نحو يؤدي إلى حرمان أي من الفئات المذكورة من أموالهم.
وحيث إن ما ينعاه المدعي من مخالفة النص المطعون فيه لمبدأ تكافؤ الفرص، فمردود بأن الفرص التي يستنهضها هذا المبدأ هي تلك التي تتعهد الدولة بتقديمها، ويفترض ذلك بالضرورة أن تكون هذه الفرص محدودة عددًا، وأن من يطلبونها يتزاحمون فيما بينهم للنفاذ إليها، وأن ترتيبهم على ضوء أجدرهم بالحصول عليها يقتضي تحديد شروطها الموضوعية وفق ضوابط يمليها التبصر والاعتدال؛ وإذ كانت أحكام النص المطعون فيه لا تتصل بفرص يجري التزاحم عليها، فإن قالة الإخلال بمبدأ تكافؤ الفرص لا يكون لها من سند.
متى كان ما تقدم، وكان التنظيم الذي تضمنه النص المطعون فيه، باعتباره الوسيلة التي اختارها المشرع - والبديل الذي اعتمده - وقدر مناسبته لبلوغ الأهداف والأغراض المتقدمة، وكفالة تحقيقها، والتي ترتبط بتلك الغايات بعلاقة منطقية وعقلية، قد جاء مستندًا إلى أسس موضوعية تبرره، وأنه لا يتضمن تمييزًا تحكميًّا بين الوارث أو الخلف، وبين المتمسك بالمحرر، ولا يخالف -من ثم- مبدأي العدل والمساواة اللذين حرص الدستور على كفالتهما، ولا يُشكل عدوانًا على الملكية الخاصة، أو مساسًا بالحياة الآمنة؛ ليضحى النص المطعون فيه غير مخالف لنصوص المواد (٩ و٣٥ و٥٣ و٥٩) من الدستور.
وحيث إن النص المطعون فيه لا يتعارض مع أحكام الدستور من أوجه أخرى؛ الأمر الذي يتعين معه القضاء برفض الدعوى.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة برفض الدعوى، ومصادرة الكفالة، وألزمت المدعي المصروفات.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق