الصفحات

البحث الذكي داخل المدونة

تحميل وطباعة هذه الصفحة

Print Friendly and PDF

الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026

د. أحمد أبو هشيمة - سقوط العقوبة في الجنح "في ضوء تباين اتجاهات محكمة النقض"

 أكتوبر 2026


مقدمة البحث

    يُعدّ مبدأ استقرار المراكز القانونية أحد الركائز الأساسية التي تقوم عليها التشريعات، ومن هذا المنطلق أقر قانون الإجراءات الجنائية نظام تقادم العقوبة وسقوطها بمضي المدة؛ فمرور زمن طويل على صدور حكم بالعقوبة دون تنفيذه، يؤدي عمليًا إلى محو الجريمة وأثرها من ذاكرة المجتمع، مما يجعل من المصلحة العامة الإبقاء على هذا النسيان وتثبيت الأوضاع الواقعية المستقرة.

إلا أن التطبيق العملي لهذا النظام في ظل قانون الإجراءات الجنائية رقم 150 لسنة 1950 قد أثار إشكالية قانونية دقيقة تتعلق بتحديد التاريخ الفعلي لبدء سريان مدة سقوط العقوبة في الجنح، وهو ما انعكس في تباين اتجاهات محكمة النقض المصرية؛ حيث انقسمت الآراء بين اتجاه يرى بدء السريان من تاريخ صيرورة الحكم "نهائيًا"، واتجاه آخر يربطه بصيرورة الحكم "باتًا".

وقد ظلت هذه المعضلة قائمة في العمل القضائي إلى أن تداركها المشرع المصري في قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025، حيث قطع الشك باليقين وأنهى هذا الخلاف بنص صريح وضعه في المادة 485 منه، مؤكدًا أن العبرة بصيرورة الحكم "باتًا".

إشكالية البحث:

تكمن مشكلة هذا البحث في تسليط الضوء على الخلاف القضائي حول مفهوم الحكم الذي يبدأ به تقادم العقوبة في الجنح، وكيف نجح المشرع في حسمه عبر المادة 485 من القانون الجديد تماشيًا مع فلسفة السياسة الجنائية المستقرة.

تقسيم البحث:

سنتناول في هذا البحث الفارق بين تقادم الدعوى الجنائية وتقادم العقوبة

والفارق بين الحكم البات وغير البات، ثم عرضًا للاتجاهين القضائيين لمحكمة النقض والأسانيد التي بُني عليها كل اتجاه، وبعد ذلك ننتقل إلى عرض رأينا الخاص في هذا الشأن وتحليل الموقف الحاسم لقانون الإجراءات الجنائية الجديد وكيف جاء مؤيدًا لرأينا في هذه الإشكالية؛ وذلك على النحو الآتي:

أولًا: الفروق بين تقادم الدعوى الجنائية وتقادم العقوبة [1] ).

  تظهر أهم الفروق بين نوعي التقادم من خلال النقاط الآتية:

-      اختلاف مجاليهما؛ فمجال تقادم الدعوى هو الفترة السابقة على صدور الحكم البات، أما مجال تقادم العقوبة فهو الفترة اللاحقة على صدور هذا الحكم، وتفسير ذلك أن تقادم الدعوى يفترض أنها ما تزال قائمة بحيث يرد عليها التأثير المنهي لهذا التقادم، أما إذا كانت قد انقضت بالحكم البات قبل استكمال التقادم مدته فلن يكون لهذا التقادم الموضوع الذي يرد عليه، وعلى خلاف ذلك فإن تقادم العقوبة يفترض صدور حكم واجب التنفيذ فيها بحيث ينشأ عنه الالتزام بتنفيذ العقوبة وإلى هذا الالتزام ينصرف تأثير تقادم العقوبة.

-      يختلف نوعا التقادم من حيث المدة؛ فمدد تقادم العقوبة أطول من مدد تقادم الدعوى ويعلل ذلك بأن صدور الحكم البات يعني اليقين بارتكاب الجريمة ومسئولية المتهم عنها في حين يكون ذلك موضعاً للشك قبل صدور ذلك الحكم.

-      يختلفان من حيث إن تقادم الدعوى لا يرد عليه الإيقاف طبقاً للمادة ١٦ من قانون الإجراءات الجنائية، في حين يرد الإيقاف على تقادم العقوبة طبقاً للمادة ٥٣٢ من قانون الإجراءات الجنائية.

-      يختلفان من حيث الأثر والتكييف؛ فأحدهما ينصرف تأثيره إلى إجراءات الدعوى فيجعلها غير مقبولة ومن ثم كان له طابع إجرائي، أما الثاني فتأثيره منصرف إلى الالتزام بتنفيذ العقوبة ومن ثم كان له طابع موضوعي

    على أنه يلاحظ أنه بالنسبة لحالة صدور حكم غيابي من محكمة الجنايات في جناية؛ فقد نصت المادة ٣٩٤ من قانون الإجراءات الجنائية على أنه "لا يسقط الحكم الصادر غيابيًا من محكمة الجنايات في جناية بمضي المدة، وإنما تسقط العقوبة المحكوم بها، ويصبح الحكم نهائيًا بسقوطها". وقد قرر الشارع في هذا النص أنه إذا صدر حكم غيابي من محكمة الجنايات في جناية، فإن مدة التقادم التي يتعين سريانها بعد ذلك هي مدة تقادم العقوبة، وليست مدة تقادم الدعوى. وهذا النص استثنائي، فالحكم الغيابي لا ينهي الدعوى، إذ الدعوى لا تنقضي إلا بالحكم البات؛ والحكم الغيابي - في القواعد العامة - هو مجرد سبب لانقطاع مدة تقادم الدعوى، وقد كان ذلك مقتضيًا أن تسري اعتبارًا من تاريخ صدوره مدة تقادم الدعوى. ويعنى ذلك أن الشارع قد أقر تقادم العقوبة في غير مجاله الطبيعي. وعلة هذا النص هي حرص الشارع على ألا يكون المتهم بجناية الذي يحضر أمام محكمة الجنايات ويصدر الحكم في مواجهته حضوريًا أسوأ وضعًا من المتهم الذي تغيب أمام هذه المحكمة فكان الحكم بالنسبة له غيابيًا، فسوى بينهما وأخضعهما معًا لتقادم واحد، هو تقادم العقوبة.

  وقضت محكمة النقض بأن " قانون الإجراءات الجنائية في الفصل الثالث من الباب الثاني الذي بسط الإجراءات التي تتبع في مواد الجنايات في حق المتهمين الغائبين قد نص في المادة ٣٩٤ على أن " لا يسقط الحكم الصادر غيابياً من محكمة الجنايات في جناية بمضي المدة وإنما تسقط العقوبة المحكوم بها، ويصبح الحكم نهائياً بسقوطها " ونص في المادة ٣٩٥ على أن " إذا حضر المحكوم عليه في غيبته أو قبض عليه قبل سقوط العقوبة بمضي المدة، يبطل حتما الحكم السابق صدوره سواء فيما يتعلق بالعقوبة أو بالتضمينات، ويعاد نظر الدعوى أمام المحكمة " ونصت الفقرة الأولى من المادة ٥٢٨ من هذا القانون على أن تسقط العقوبة المحكوم بها في جناية بمضي عشرين سنة ميلادية إلا عقوبة الإعدام فإنها تسقط بمضي ثلاثين سنة، وواضح من هذه النصوص أنه ما دامت الدعوى قد رفعت أمام محكمة الجنايات عن واقعة يعتبرها القانون جناية، فإن الحكم الذي يصدر فيها غيابياً بعقوبة مقيدة للحرية يجب أن يخضع لمدة السقوط المقررة للعقوبة في مواد الجنايات وهي عشرين سنة ميلادية ، وإذن فمتى كان الثابت من الأوراق أن الدعوى العمومية قد رفعت على الطاعن لارتكابه جناية وقضت محكمة الجنايات غيابياً بتاريخ ١/٢/٢٠١٤ بمعاقبته بالسجن - وهو حكم صحيح لابتنائه على إجراءات صحيحة كما سلف بيانه – ، وإذ قبض عليه وأعيدت محاكمته وقضت محكمة الجنايات بتاريخ ٢٤/١١/٢٠٢٤ بمعاقبته بالسجن ، وذلك قبل انقضاء عشرين سنة من تاريخ صدور الحكم الغيابي السابق صدوره في حقه عن ذات الدعوى المطروحة، فإن الدعوى الجنائية لا تكون قد انقضت بالتقادم، وإذ قضت المحكمة برفض الدفع بانقضاء الدعوى العمومية بمضي المدة . فان الحكم يكون قد أصاب صحيح القانون، ويكون النعي عليه في غير محله .[2] )".

   ولكن الأحكام الغيابية الصادرة من محاكم الجنايات في جنح أُحيلت إليها بوصفها جنحة – في الأحوال التي يجوز فيها ذلك – فإنها تصير باتة طبقًا للقواعد المقررة للأحكام الصادرة من محاكم الجنح، أي إذا استُنفدت طرق الطعن فيها أو مضت مواعيد الطعن دون اتخاذ إجراءات الطعن فيها.

 

 ثانيًا: الفروق بين الحكم البات وغير البات[3] ).

   الحكم البات هو الحكم الذي لا يقبل الطعن بطريق عادي أو غير عادي عدا طلب إعادة النظر، فهو حكم لا يقبل طعنًا بالمعارضة أو الاستئناف أو النقض. أما الحكم غير البات فهو الحكم الذي يقبل الطعن بطريق أو أكثر من الطرق السابقة.

والحكم البات هو وحده الذى يحوز قوة إنهاء الدعوى، وقد صرح الشارع بذلك، فالمادة ٤٥٤ من قانون الإجراءات الجنائية تنص في فقرتها الأولى  على أن "تنقضي الدعوى الجنائية بالنسبة للمتهم المرفوعة عليه والوقائع المسندة إليه بصدور حكم نهائي بالبراءة أو بالإدانة" وهذا النص يعني بالحكم النهائي الحكم الذى لا يجوز الطعن فيه بطريق عادي أو غير عادي، أي الحكم البات في المعنى الذى حددناه، والعلة في قصر قوة إنهاء الدعوى على الحكم البات، أن هذه القوة تعنى "حظر اتخاذ أي إجراء يهدف إلى وضع ما قرره الحكم موضع المناقشة أمام القضاء"، والحكم البات هو الذي يقوم به هذا الحظر. أما الحكم غير البات فالطعن فيه جائز، ويعني الطعن أن تستأنف إجراءات الدعوى سيرها أمام القضاء، وأن يوضع ما قرره الحكم موضع النقاش، ومؤدى ذلك أن الدعوى لم تنقص بعد.

   والجدير بالذكر أن محكمة النقض إذا نقضت الحكم وأعادته لمحكمة الموضوع للفصل فيه من جديد؛ ففي هذه الحالة الأخيرة لا تكون محكمة النقض قد قالت كلمتها النهائية، وبالتالي لا يصير الحكم باتًا.

 

 

ثالثًا: تباين اتجاهات محكمة النقض حول تاريخ سريان المدة المقررة لسقوط العقوبة

كشف الواقع العملي عن تباين اتجاهات محكمة النقض حول تاريخ سريان المدة المقررة لسقوط العقوبة في الجنح؛ حيث ذهب اتجاه إلى سريانها من وقت صيرورة الحكم نهائيًا بيّنما ذهب الاتجاه الآخر إلى بدء سريانها من وقت صيرورة الحكم باتًا؛ وذلك على النحو الآتي:

الاتجاه الأول:

  يرى هذا الاتجاه أن سريان المدة المقررة لسقوط العقوبة في الجنح تبدأ من وقت صيرورة الحكم نهائيًا؛ إذ قضت محكمة النقض أن " المادة ٥٢٨ من قانون الإجراءات الجنائية قد نصت في فقرتها الثانية على أنه "وتسقط العقوبة المحكوم بها في جنحة بمضي خمس سنين"، كما نصت المادة ٥٢٩ من ذات القانون في فقرتها الأولى على أنه "تبدأ المدة من وقت صيرورة الحكم نهائياً"، وكان من المقرر أن الحكم الصادر في جنحة يعتبر نهائياً بفوات ميعاد الاستئناف محسوباً من اليوم المقرر لذلك في القانون، وتسري مدة سقوط العقوبة من تاريخ انقضاء ميعاد الاستئناف. لما كان ذلك، وكان يبين من الاطلاع على الأوراق أن الحكم الابتدائي القاضي حضورياً بوكيل بحبس المتهم سنة وكفالة قدرها مائتا ألف جنيه لإيقاف التنفيذ وتغريمه مبلغًا قدره خمسة آلاف جنيه وإلزامه بأداء قيمة الضريبة المستحقة وقدرها مليون وثمانمائة وأحد عشر ألفًا وستمائة وستة وسبعون جنيهًا وأربعة وثلاثون قرشًا فقط لا غير والضريبة الإضافية والمصاريف قد صدر في ٢٨ من أكتوبر سنة ۲۰۱۹، ولم يستأنف في ميعاد العشرة أيام التالية لصدوره، فإنه يجب في القانون اعتباره حكماً نهائياً قابلاً للتنفيذ كما هو الشأن في سائر الأحكام الصادرة على شاكلته، ومدة السقوط التي تسري في خصوصه تكون مدة سقوط العقوبة، ولا يمنع من ذلك أن يكون المحكوم عليه قد استأنفه بتاريخ ١١ من يوليو سنة ۲۰۲۳ وفقاً للثابت بمدونات الحكم المطعون فيه بعد مضى ميعاد الاستئناف المقرر ثم قُبل استئنافه للأعذار القهرية التي تقدم بها وأقام الدليل على ثبوتها، وحيث إنه متى كان ذلك، وكان الحكم الابتدائي قد صدر في ۲۸ من أكتوبر سنة ۲۰۱۹، فإن مدة سقوطه تبدأ من يوم ٨ من سبتمبر سنة ۲۰۱۹، وإذ قرر المطعون ضده بالاستئناف في تاريخ ۱۱ من يوليو سنة ۲۰۲۳، فإن مدة الخمس سنوات المقررة لسقوطه لم تكن قد اكتملت بعد، وإذ خالف الحكم المطعون فيه هذا النظر وقضى بانقضاء الدعوى الجنائية بمضي المدة، فإنه يكون قد أخطأ في تطبيق القانون، مما يتعين معه نقضه. ولما كان هذا الخطأ قد حجب المحكمة عن نظر الموضوع، فإنه يتعين أن يكون النقض مقروناً بالإعادة [4] )".

وفي ذات الاتجاه قضت محكمة النقض أن " المادة ٥٢٨ من قانون الإجراءات الجنائية قد نصت في فقرتها الثانية على أنه " وتسقط العقوبة المحكوم بها في جنحة بمضي خمس سنين " ، كما نصت المادة ٥۲۹ من ذات القانون في فقرتها الأولى على أنه " تبدأ المدة من صدور الحكم نهائياً"، وكان من المقرر أن الحكم الصادر في جنحة يعتبر نهائياً بفوات ميعاد الاستئناف محسوباً من اليوم المقرر لذلك في القانون وتسري مدة سقوط العقوبة من تاريخ انقضاء ميعاد الاستئناف، لما كان ذلك، وكان البين من الاطلاع على الأوراق أن الحكم الابتدائي الصادر حضورياً اعتبارياً والقاضي بحبس المتهم ثلاث سنوات مع الشغل وكفالة خمسون جنيه لإيقاف التنفيذ قد صدر في ١٣ من نوفمبر سنة ۲۰۱۹ ولم يستأنف في ميعاد العشرة أيام التالية لصدوره، فإنه يجب في القانون اعتباره حكماً نهائياً قابلاً للتنفيذ كما هو الشأن في سائر الأحكام الصادرة على شاكلته، ومدة السقوط التي تسري في خصوصه تكون مدة سقوط العقوبة وليست مدة انقضاء دعوى ، ولا يمنع من ذلك أن يكون المحكوم عليه - الطاعن - قد استأنفه بتاريخ ٢٧ من سبتمبر سنة ٢٠٢٤ - وفقاً للثابت بمدونات الحكم المطعون فيه - بعد مضي ميعاد الاستئناف المقرر ثم قبل استئنافه للأعذار القهرية التي تقدم بها وأقام الدليل على ثبوتها، وحيث إنه متى كان ذلك، وكان الحكم الابتدائي الحضوري قد صدر في ١٣ من نوفمبر سنة ۲۰۱۹ ، فإن مدة سقوطه تبدأ من يوم ۲۳ من نوفمبر سنة ۲۰۱۹ عقب اليوم العاشر من تاريخ صدوره - ميعاد الطعن بالاستئناف - وإذ قرر الطاعن بالاستئناف في تاريخ ۲۷ من سبتمبر سنة ٢٠٢٤، فإن مدة الخمس سنوات المقررة لسقوطه لم تكن قد اكتملت بعد ، ويضحى ما يثيره الطاعن في هذا الخصوص من أن الدعوى الجنائية قد انقضت بمضي المدة غير سديد[5] )".

ويؤخذ على هذا الاتجاه أنه يخالف القاعدة العامة في سقوط العقوبة بمضي المدة في الجنح؛ لأن سقوطها يبدأ بصدور الحكم البات أو صيرورته باتًا بعدم الطعن عليه بطريق النقض في الميعاد المقرر قانونًا أو إذا صدر الحكم ابتداءً غير قابل للطعن؛ ذلك أن الحكم النهائي كما نصت المادة ٥۲۹ من قانون الإجراءات الجنائية على أنه "تبدأ المدة من وقت صيرورة الحكم نهائياً" يقصد به الحكم البات الذي استنفد طرق الطعن العادية والطعن بالنقض؛ ذلك أن الدعوى الجنائية تنتهي بالحكم البات. ومن غير المتصور أن تبدأ مدة تقادم العقوبة والدعوى الجنائية مازالت لم تنقض بعد بصدور حكم بات فيها[6] ).

   فمجال تقادم الدعوى هو الفترة السابقة على صدور الحكم البات، أما مجال تقادم العقوبة فهو الفترة اللاحقة على صدور هذا الحكم، وتفسير ذلك أن تقادم الدعوى يفترض أنها ما تزال قائمة بحيث يرد عليها التأثير المنهي لهذا التقادم، أما إذا كانت قد انقضت بالحكم البات قبل استكمال التقادم مدته فلن يكون لهذا التقادم الموضوع الذي يرد عليه، وعلى خلاف ذلك فإن تقادم العقوبة يفترض صدور حكم واجب التنفيذ فيها بحيث ينشأ عنه الالتزام بتنفيذ العقوبة وإلى هذا الالتزام ينصرف تأثير تقادم العقوبة[7] ).

 

الاتجاه الآخر:

  يرى هذا الاتجاه أن سريان المدة المقررة لسقوط العقوبة في الجنح تبدأ من وقت صيرورة الحكم باتًا، وأن المرحلة التي تسبق هذا الحكم البات تخضع للقواعد المقررة لتقادم الدعوى لا لتقادم العقوبة؛ إذ قضت محكمة النقض أن "البين من مطالعة الأوراق أن الطاعن قد طعن بالنقض في الحكم الصادر في الجنحة الرقيمة ..... لسنة ...... مستأنف ..... ومن ثم فإن الحكم الصادر فيها يخضع لمدة السقوط المقررة للعقوبة في مواد الجنح وهي خمس سنوات على ما جرى به نص المادة 528 من قانون الإجراءات الجنائية تبدأ من صيرورة الحكم المطعون فيه باتاً، وآية ذلك أن الدعوى الجنائية لا تنقضي إلا بالحكم الذي تستنفد طرق الطعن فيه، ومن ثم فمن غير المتصور أن تبدأ مدة تقادم العقوبة قبل انقضاء الدعوى الجنائية بصدور حكم بات فيها. لما كان ذلك، وكانت الدعوى الجنائية لم تنته بحكم بات إذ إن الطعن بالنقض المرفوع من الطاعن ما زال منظوراً أمام هذه المحكمة - محكمة النقض - فإن صدور قرار من النيابة العامة بسقوط العقوبة بعد طعن المحكوم عليه بطريق النقض يعتبر اغتصاباً لسلطة المحكمة وقراراً منعدماً تلتفت عنه محكمة النقض[8] )"

  كما قضت في ذات الاتجاه بأن "البين من الأوراق أن الطاعن وهو المقضي عليه في جنحه بناء بدون ترخيص قرر بتاريخ ١٢ من فبراير سنة ٢٠٢٥ باستئناف الحكم الصادر ضده من محكمة أول درجة في المعارضة الجزئية بجلسة ٢٣ من ديسمبر سنة ٢٠١٧ بإدانته أي بعد مضي أكثر من ثلاث سنوات دون أن يتخذ أي إجراء قاطع للتقادم من تاريخ صدور الحكم الابتدائي إلى حين التقرير باستئنافه، ولما كان ذلك ، وكان قانون الإجراءات الجنائية يقضي في المادتين ١٥، ١٧ بانقضاء الدعوى الجنائية في مواد الجنح بمضي ثلاث سنوات من يوم وقوع الجريمة وتنقطع المدة بإجراءات التحقيق أو الاتهام أو المحاكمة وكذلك بالأمر الجنائي أو بإجراءات الاستدلال إذا اتخذت في مواجهة المتهم أو إذا أخطر بها بوجه رسمي وتسري المدة من جديد ابتداء من يوم الانقطاع واذا تعددت الإجراءات التي تقطع المدة ، فإن سريان المدة يبدأ من تاريخ آخر إجراء قاطع للتقادم ، وإذ كان البيَّن من الأوراق أنه قد مضى أكثر من ثلاث سنوات من تاريخ الحكم الابتدائي الصادر في المعارضة إلى يوم التقرير بالطعن في الاستئناف دون اتخاذ إجراء قاطع للتقادم ، فإنه يتعين نقض الحكم المطعون فيه والقضاء بانقضاء الدعوى الجنائية بمضي المدة [9] )".

وفي ذات المعني قضت محكمة النقض "لما كان قانون الإجراءات الجنائية يقضي في المادتين ١٥ ، ١٧ منه بانقضاء الدعوى الجنائية في مواد الجنح بمضي ثلاث سنوات من يوم وقوع الجريمة ، وتنقطع المدة بإجراءات التحقيق أو الاتهام أو المحاكمة وكذلك بالأمر الجنائي أو بإجراءات الاستدلال إذا اتخذت في مواجهة المتهم أو إذا أخطر بها بوجه رسمي وتسرى المدة من جديد ابتداء من يوم الانقطاع وإذا تعددت الإجراءات التي تقطع المدة، فإن سريان المدة يبدأ من تاريخ آخر إجراء، ولما كان قد مضى في صورة الدعوى المطروحة ما يزيد على ثلاث سنوات من تاريخ الحكم الصادر في معارضة المتهم إلى يوم التقرير بالاستئناف ونظره دون اتخاذ إجراء من ذلك القبيل، فإن الحكم المطعون فيه إذ قضى بانقضاء الدعوى بمضي المدة يكون قد طبق القانون على واقعة الدعوى تطبيقاً صحيحاً، مما يفصح عن عدم قبول الطعن موضوعًا[10])".
  كما قضت محكمة النقض بأنه "متى كان الثابت أنه قد انقضى على الدعوى من تاريخ التقرير بالطعن إلى تاريخ نظره أمام محكمة النقض مدة تزيد على ثلاث السنوات المقررة لانقضاء الدعوى الجنائية بمضي المدة في مواد الجنح دون اتخاذ أي إجراء قاطع لهذه المدة، فإن الدعوى الجنائية تكون قد انقضت بمضي المدة ويتعين لذلك نقض الحكم المطعون فيه والقضاء بانقضاء الدعوى الجنائية بمضي المدة دون أن يكون لذلك تأثير على سير الدعوى المدنية المرفوعة معها، فهي لا تنقضي إلا بمضي المدة المقررة في القانون المدني [11])".

رابعًا: رأيُنا الخاص ونتائج البحث:

   استعرضنا في هذا البحث معضلة قانونية وقضائية سالت فيها محابر الفقه واختلفت حولها أحكام محكمة النقض لسنوات طويلة، والمتعلقة ببدء سريان مدة تقادم العقوبة المحكوم بها في الجنح.

 فقد كشف الواقع العملي عن تباين اتجاهات محكمة النقض حول تاريخ سريان المدة المقررة لسقوط العقوبة في الجنح؛ حيث ذهب اتجاه إلى سريانها من وقت صيرورة الحكم نهائيًا بيّنما ذهب الاتجاه الآخر إلى بدء سريانها من وقت صيرورة الحكم باتًا؛ فبعد أن عرضنا لاتجاهي محكمة النقض على نحو ما تقدم؛ فإننا نؤيد الاتجاه الأخير الذي يرى أن سريان المدة المقررة لسقوط العقوبة في الجنح تبدأ من وقت صيرورة الحكم باتًا، وأن المرحلة التي تسبق هذا الحكم البات تخضع للقواعد المقررة لتقادم الدعوى لا لتقادم العقوبة؛ للأسباب الآتية:

   تنص المادة 528 من قانون الإجراءات الجنائية المقابلة للمادة 484 من القانون الجديد على أن "تسقط العقوبة المحكوم بها في جناية بمضي عشرين سنة ميلادية إلا عقوبة الإعدام فإنها تسقط بمضي ثلاثين سنة. وتسقط العقوبة المحكوم بها في جنحة بمضي خمس سنين. وتسقط العقوبة المحكوم بها في مخالفة بمضي سنتين".

وتنص المادة 529 المقابلة للمادة 485 من القانون الجديد على أنه "تبدأ المدة من وقت صيرورة الحكم نهائياً، إلا إذا كانت العقوبة محكوماً بها غيابياً من محكمة الجنايات في جناية، تبدأ المدة من يوم صدور الحكم".

والمستفاد من هاتين المادتين أن:

- القاعدة العامة في سقوط العقوبة بمضي المدة في الجنح أن التقادم يبدأ بصدور الحكم البات أو صيرورته باتًا بعدم الطعن عليه بطريق النقض في الميعاد المقرر قانونًا أو إذا صدر الحكم ابتداءً غير قابل للطعن؛ ذلك أن الحكم النهائي هنا يقصد به الحكم البات الذي استنفد طرق الطعن العادية والطعن بالنقض؛ إذ إن الدعوى الجنائية تنتهي بالحكم البات. ومن غير المتصور أن تبدأ مدة تقادم العقوبة والدعوى الجنائية مازالت لم تنقض بعد بصدور حكم بات فيها[12])".

   - مجال تقادم الدعوى هو الفترة السابقة على صدور الحكم البات، أما مجال تقادم العقوبة فهو الفترة اللاحقة على صدور هذا الحكم، وتفسير ذلك أن تقادم الدعوى يفترض أنها ما تزال قائمة بحيث يرد عليها التأثير المنهي لهذا التقادم، أما إذا كانت قد انقضت بالحكم البات قبل استكمال التقادم مدته فلن يكون لهذا التقادم الموضوع الذي يرد عليه، وعلى خلاف ذلك فإن تقادم العقوبة يفترض صدور حكم واجب التنفيذ فيها بحيث ينشأ عنه الالتزام بتنفيذ العقوبة وإلى هذا الالتزام ينصرف تأثير تقادم العقوبة[13] ).

- تأكيدًا للاتجاه القضائي والفقهي السديد الذي اشترط صيرورة الحكم "باتًا"، وتلافيًا للتضارب المستمر في اتجاهات محكمة النقض، تدارك المشرع المصري هذا الأمر في قانون الإجراءات الجنائية الجديد الصادر بالقانون رقم 174 لسنة 2025. إذ نصت المادة 485 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد صراحة على أن: "تبدأ مدة سقوط العقوبة من وقت صيرورة الحكم باتًا..."، ليتوافق النص التشريعي المحدث تمامًا مع المنطق القانوني السليم.

وبذلك، يكون المشرع قد استبدل بلفظ "نهائيًا" لفظ "باتًا"، ليرفع كل غموض واختلاف عملي، ويقر صراحةً بأن سقوط العقوبة بمضي المدة في الجنح لا يبدأ إلا من وقت صدور الحكم البات أو صيرورته باتًا بعدم الطعن عليه بطريق النقض في الميعاد المقرر قانونًا أو إذا صدر الحكم ابتداءً غير قابل للطعن؛ وهو ما يحقق الاستقرار القانوني والأمن القضائي المنشود.

ومما تقدم ننتهي إلى التوصيتين الآتيتين:

أولاً: نوصي الدوائر الجنائية بمحكمة النقض والهيئة العامة للمواد الجنائية بتقرير مبدأ قضائي موحد يقضي بأن سريان المدة المقررة لسقوط العقوبة في الجنح يبدأ بصدور الحكم البات أو صيرورته باتًا بعدم الطعن عليه بطريق النقض في الميعاد المقرر قانونًا أو إذا صدر الحكم ابتداءً غير قابل للطعن؛ استناداً إلى أن الحكم النهائي هنا يقصد به الحكم البات الذي استنفد طرق الطعن العادية والطعن بالنقض، وأن المرحلة التي تسبق هذا الحكم البات تخضع للقواعد المقررة لتقادم الدعوى لا لتقادم العقوبة، إذ إن الدعوى الجنائية تنتهي بالحكم البات، ومن غير المتصور أن تبدأ مدة تقادم العقوبة والدعوى الجنائية ما زالت لم تنقضِ بعد بصدور حكم بات فيها.

ثانياً: نوصي محاكم الجنح الجزئية والمستأنفة والنيابة العامة بالتزام القواعد المقررة لتقادم الدعوى (وليس تقادم العقوبة) في كافة المراحل السابقة على صدور الحكم البات، واعتبار أن مجال تقادم الدعوى يفترض أنها ما تزال قائمة بحيث يرد عليها التأثير المنهي لهذا التقادم، ومن ثم عدم احتساب مدة سقوط العقوبة إلا من الفترة اللاحقة على صدور الحكم البات أو صيرورته باتًا بعدم الطعن عليه بطريق النقض في الميعاد المقرر قانونًا أو إذا صدر الحكم ابتداءً غير قابل للطعن.

 

 

    



) [1] ) لمزيد من التفصيل، راجع:

- د محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية الطبعة الثالثة سنة ١٩٩٨، دار النهضة العربية ص ٢٠٦، 225.

- د. عبد الرؤوف مهدي، القواعد العامة للإجراءات الجنائية، دار النهضة العربية ص 820، 842 وما بعدها، 882 وما بعدها.

) [2] ) نقض جنائي:

- الطعن رقم ٥٧٩٠ لسنة ٩٥ قضائية .جلسة 14/1/2026

      - الطعن رقم ٧٤٨٠ لسنة ٩٤ ق. جلسة 3/2/2026

- الطعن رقم 22509 - لسنة 65 - تاريخ الجلسة 18 / 1 / 1998 - مكتب فني 49 رقم الجزء 1 -  رقم الصفحة 100

 

) [3] ) لمزيد من التفصيل، راجع:

- د محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، المرجع السابق ص 241 وما بعدها.

) [4] ) نقض جنائي:

-       الطعن رقم ٢٣٩٩٨ لسنة ٩٥ ق جلسة 22/4/2026

-       الطعن رقم ٣٧٩٩ لسنة ٩٦ ق جلسة 14/5/2026

-       الطعن رقم ١١٤٨٣ لسنة ٩٥ ق جلسة 18/12/2025

-       الطعن رقم ٣٢٩٣٩ لسنة ٣ ق .جلسة 16/4/2013

-       الطعن رقم ٨٩٧٤ لسنة ٤ ق جلسة 15/5/2013

-       الطعن رقم 14220 - لسنة 64 - تاريخ الجلسة 24 / 7 / 2000 - مكتب فني 51 رقم الصفحة 533

) [5] ) نقض جنائي:

الطعن رقم ١٠٧٨٧ لسنة ٩٥ ق جلسة 8/2/2026

) [6] ) نقض جنائي:

الطعن رقم 21103 - لسنة 67 - تاريخ الجلسة 20 / 3 / 2007 - مكتب فني 58 رقم الصفحة 256

 

) [7] ) لمزيد من التفصيل، راجع:

- د محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية المرجع السابق ص ٢٠٦، 225.

) [8] ) نقض جنائي:

الطعن رقم 21103 - لسنة 67 - تاريخ الجلسة 20 / 3 / 2007 - مكتب فني 58 رقم الصفحة 256

 

 

 

 

 

) [9] ) نقض جنائي:

-       الطعن رقم ١٦٢٨ لسنة ٩٦ ق .جلسة 3/9/2026

-       الطعن رقم ١٦٢٢ لسنة ٩٦ ق جلسة 3/٩/2026

-       الطعن رقم ١٦٢٨ لسنة ٩٦ ق جلسة 3/9/2026

-       الطعن رقم ٨٠٤٤ لسنة ٩٦ ق.جلسة 20/7/2026

-       الطعن رقم ٧٥١٨ لسنة ٩٦ ق جلسة 16/٧/2026

-       الطعن رقم ٧٤٣٧ لسنة ٩٦ ق جلسة 14/٧/2026

 

 

 

 

 

 

) [10] ) نقض جنائي:

 الطعن رقم ٢٥٠٤٩ لسنة ٣ ق جلسة 25/3/2013


) [11] ) نقض جنائي:

-       الطعن رقم 1074 - لسنة 42 - تاريخ الجلسة 25 / 12 / 1972 - مكتب فني 23 رقم الجزء 3 -  رقم الصفحة 1446

-       الطعن رقم 44756 - لسنة 59 - تاريخ الجلسة 13 / 4 / 1998 - مكتب فني 49 رقم الجزء 1 -  رقم الصفحة 541

-       الطعن رقم 63264 - لسنة 59 - تاريخ الجلسة 28 / 7 / 1999 - مكتب فني 50 رقم الجزء 1 -  رقم الصفحة 433

-       الطعن رقم ١١٤٩٨ لسنة ٩٥ ق جلسة 17/١٢/2025

-       الطعن رقم ١٤٨٠٣ لسنة ٨٩ ق جلسة 11/١/2023

-       الطعن رقم ٩٥٦٧ لسنة ٩٠ ق جلسة 27/١٢/٢٠٢٢

-       الطعن رقم ٢٩٧٠٤ لسنة ٨٦ ق جلسة 2/١٢/٢٠١٨

 

) [12] ) نقض جنائي: الطعن رقم 21103 - لسنة 67 - تاريخ الجلسة 20 / 3 / 2007 - مكتب فني 58 رقم الصفحة 256.

- د محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية المرجع السابق ص ٢٠٦، 225.

- د. عبد الرؤوف مهدي، القواعد العامة للإجراءات الجنائية، المرجع السابق ص 820، 842 وما بعدها، 882 وما بعدها.   

 - ثم راجع: الكتاب الدوري رقم 6 لسنة 2015 الصادر من النيابة العامة بشأن سقوط العقوبة.

) [13] ) لمزيد من التفصيل، راجع:

- د محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية المرجع السابق ص ٢٠٦، 225.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق