الصفحات

البحث الذكي داخل المدونة

تحميل وطباعة هذه الصفحة

Print Friendly and PDF

السبت، 25 أبريل 2026

الطعن رقم 64 لسنة 44 ق دستورية عليا " دستورية " جلسة 7 / 3 / 2026

المنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ : ۸ / ۳ / ۲۰۲٦
باسم الشعب
المحكمة الدستورية العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت السابع من مارس سنة 2026م، الموافق السابع عشر من رمضان سنة 1447هـ.
برئاسة السيد المستشار/ بولس فهمي إسكندر رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين: الدكتور عادل عمر شريف ومحمود محمد غنيم والدكتور عبد العزيز محمد سالمان وطارق عبد العليم أبو العطا وصلاح محمد الرويني ومحمد أيمن سعد الدين عباس نواب رئيس المحكمة
وحضور السيد المستشار الدكتور/ عماد طارق البشري رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد/ عبد الرحمن حمدي محمود أمين السر
أصدرت الحكم الآتي
في الدعوى المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 64 لسنة 44 قضائية "دستورية"، بعد أن أحالت محكمة جنوب بنها الابتدائية -دائرة الجنح المستأنفة– بحكمها الصادر بجلسة 6/4/2022، ملف الاستئناف رقم 7634 لسنة 2022 جنح مستأنف جنوب بنها
المقام من
ياسر محمد علي حسنين
ضد
الــنيــــابــــــة العــامــــــة
----------------
الإجـراءات
بتاريخ الخامس عشر من ديسمبر سنة 2022، ورد إلى قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا ملف الاستئناف رقم 7634 لسنة 2022 جنح مستأنف جنوب بنها، بعد أن قضت محكمة جنوب بنها الابتدائية بوقف الاستئناف تعليقًا، وإحالة الأوراق إلى المحكمة الدستورية العليا؛ للفصل في دستورية نص الفقرة الثالثة من المادة (76) من قانون المرور الصادر بالقانون رقم 66 لسنة 1973، المستبدل بها قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 142 لسنة 2014، فيما تضمنه من جعل الحد الأدنى لعقوبة الحبس الوارد به ثلاث سنوات.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرًا برأيها.
ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وفيها قررت المحكمة إصدار الحكم بجلسة اليوم.
--------------
المحكمــــة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع تتحصل –على ما يتبين من حكم الإحالة وسائر الأوراق– في أن النيابة العامة أسندت إلى المتهم -المستأنف في الدعوى المحالة- أنه بتاريخ 13/10/2019، بدائرة قسم ثان شبرا الخيمة، أولاً: تسبب خطأ في قتل مجهولة الهوية، وكان ذلك ناشئًا عن إهماله ورعونته وعدم احترازه وعدم مراعاته للقوانين واللوائح والأنظمة، بأن قاد مركبة بحالة ينجم عنها الخطر، فأحدث إصابة للمجني عليها أودت بحياتها، وكان ذلك حال كونه تحت تأثير مخدر. ثانيًا: لم يلتزم بقواعد المرور وآدابه بأن قاد سيارة بحالة ينجم عنها الخطر. قيدت الواقعة جنحة ومخالفة برقم 36557 لسنة 2019 جنح قسم ثان شبرا الخيمة. وطلبت النيابة العامة معاقبته بالمادة (238/1و2) من قانون العقوبات، والمواد (1 و3 و4 و7 و63/1 و77 و78) من قانون المرور الصادر بالقانون رقـــم 66 لسنة 1973، المعدل بالقوانين أرقام: 210 لسنة 1980 و121 لسنة 2008 و59 لسنة 2014، والمادتين (2 و117) من لائحته التنفيذية. وبجلسة 18/1/2020، قضت المحكمة غيابيًّا بحبس المتهم ثلاث سنوات مع الشغل وكفالة خمسة آلاف جنيه والمصاريف. عارض المتهم في الحكم الغيابي. وبجلسة 18/7/2020، قضت المحكمة حضوريًّا برفض المعارضة وتأييد الحكم المعارض فيه. طعن المحكوم عليه –المستأنف في الدعوى المحالة– على الحكم أمام محكمة جنوب بنها، بالاستئناف رقم 7634 لسنة 2022 جنح مستأنف جنوب بنها. وحيث أمرت المحكمة بتعديل القيد والوصف بجعله جنحة بالمادة (76/1، 3) من القانون رقم 66 لسنة 1973، المعدل بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 142 لسنة 2014، بوصف أنه بتاريخ 13/10/2019، بدائرة قسم ثان شبرا الخيمة: قاد مركبة وهو تحت تأثير مخدر، وترتب على ذلك وفاة شخص مجهول الهوية. وبجلسة 6/4/2022، حكمت المحكمة بوقف الدعوى تعليقًا، وإحالة الأوراق إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في دستورية نص الفقرة الثالثة من المادة (76) من قانون المرور المار ذكره، المستبدل بها قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 142 لسنة 2014، فيما تضمنه من جعل الحد الأدنى لعقوبة الحبس الواردة به ثلاث سنوات؛ وذلك لمخالفته نصوص المواد (54 و92 و94 و96 و99 و184 و186) من الدستور.
وحيث إن المادة (76) من قانون المرور الصادر بالقانون رقم 66 لسنة 1973، المستبدل بها قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 142 لسنة 2014، تنص على أنه "مع عدم الإخلال بالتدابير المقررة في هذا القانون أو بأية عقوبة أشد في أي قانون آخر يعاقب كل من قاد مركبة وهو تحت تأثير مخدر أو مسكر أو السير عكس الاتجاه في الطريق العام داخل المدن أو خارجها بالحبس مدة لا تقل عن سنة.
فإذا ترتب على القيادة تحت تأثير مخدر أو المسكر أو السير عكس الاتجاه إصابة شخص أو أكثر يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنتين وغرامة لا تقل عن عشرة آلاف جنيه.
وإذا ترتب على ذلك وفاة شخص أو أكثر أو إصابته بعجز كلي يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ثلاث سنوات ولا تزيد على سبع سنوات وغرامة لا تقل عن عشرين ألف جنيه.
وفي جميع الأحوال يقضى بإلغاء رخصة القيادة ولا يجوز منح رخصة جديدة إلا بعد مرور مدة مساوية لمدة الحبس المقضي بها عليه".
وحيث إن المصلحة –وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية– مناطها أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الحكم في المسألة الدستورية المطروحة على بساط البحث أمام هذه المحكمة لازمًا للفصل في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها، المطروحة أمام محكمة الموضوع. والمحكمة الدستورية العليا وحدها هي التي تتحرى توافر شرط المصلحة في الدعوى المقامة أمامها أو المحالة إليها للتثبت من شروط قبولها.
وحيث إنه ولئن كانت المناعي التي أوردها حكم الإحالة قد انصبت في مجملها على العقوبة المقررة بالنص المحال، بيد أنه للارتباط الذي لا يقبل الفصل أو التجزئة بين الفعل المؤثم في ذلك النص والعقوبات المرصودة لذلك الفعل، فإنه وبحكم الاقتضاء العقلي يتعذر الفصل في دستورية التقدير العقابي بمنأى عن أن تُجيل المحكمة بصرها في شأن دستورية تجريم الأفعال الموجبة لإيقاع العقوبة، فيكون مطروحًا لزومًا على هذه المحكمة، ويمتد إليه نطاق الدعوى الدستورية.
متى كان ذلك، وكان الثابت بالأوراق أن المستأنف في الدعوى المحالة قد قُدم إلى المحاكمة الجنائية استنادًا إلى النص المحال، بعد أن عدلت محكمة الموضوع قيد ووصف الاتهام على النحو المار بيانه؛ ومن ثم فإن الفصل في دستورية هذا النص يكون له أثر مباشر وانعكاس أكيد على قضاء محكمة الموضوع في الاستئناف المطروح عليها، وتكون المصلحة في الدعوى المعروضة قد تحققت، ويتحدد نطاقها فيما تضمنه نص الفقرتين الأولى والثالثة من المادة (76) من قانون المرور الصادر بالقانون رقم 66 لسنة 1973، المستبدل بها قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 142 لسنة 2014، من معاقبة كل من قاد مركبة تحت تأثير مخدر وترتب على ذلك وفاة شخص أو أكثر أو إصابته بعجز كلي، بالحبس مدة لا تقل عن ثلاث سنوات ولا تزيد على سبع سنوات وغرامة لا تقل عن عشرين ألف جنيه.
وحيث إن حكم الإحالة ينعى على النص المحال – محددًا نطاقًا على ما سلف بيانه- أنه انتقص من سلطة قاضي الموضوع في تفريد العقوبة المقيدة للحرية، وتقديره المناسب لها، طبقًا للوقائع المطروحة، ووفقًا لظروف كل متهم، وذلك بجعل الحد الأدنى لعقوبة الحبس المقررة عن الأفعال المؤثمة بمقتضى هذا النص ثلاث سنوات، مع ما ينطوي عليه ذلك من غل يده وتقييد لسلطته التقديرية، بما يمثل انتهاكًا لاستقلال السلطة القضائية، وتدخلًا في شئون العدالة، بما يقيد الحرية الشخصية والحق في المحاكمة المنصفة، ويخرج العقوبة عن معقوليتها لعدم تناسبها مع الأفعال المؤثمة.
وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن العدالة - في غاياتها– لا تنفصل علاقاتها بالقانون باعتباره أداة تحقيقها، فلا يكون القانون منصفًا إلا إذا كان كافلًا لأهدافها، فإذا ما زاغ المشرع ببصره عنها، وأهدر القيم الأصيلة التي تحتضنها، كان منهيًا للتوافق في مجال تنفيذه، ومسقطًا كـل قيمة لوجوده، ومستوجبًا تغييره أو إلغاءه؛ ذلك أن العدالة الجنائية في جوهر ملامحها هي التي يتعين ضمانها من خلال قواعد محددة تحديدًا دقيقًا ومنصفًا، يتقرر على ضوئها ما إذا كان المتهم مدانًا أو بريئًا، وذلك منظور إليه في ضوء الموازنة بين مصلحة الجماعة في استقرار أمنها، ومصلحة المتهم في ألا تفرض عليه عقوبة تبلغ في شدتها حدًّا تفتقر معه إلى الصلة العضوية بجسامة فعله وظروف ارتكابه للجريمة، بحيث يظل التجريم مرتبطًا بالأغراض النهائية للقوانين العقابية.
وحيث إن تجريم المشرع لأي فعل أو امتناع يرتبط بالضرورة الاجتماعية التي اقتضتها ظروف الجماعة في مرحلة من مراحل تطورها؛ ذلك أن من المقرر -في قضاء هذه المحكمة- أن القانون الجنائي وإن اتفق مع غيره من القوانين في سعيها لتنظيم علائق الأفراد فيما بين بعضهم البعض، وعلى صعيد صلاتهم بمجتمعهم، فإن هذا القانون يفارقها في اتخاذه الجزاء الجنائي أداة لحملهم على إتيان الأفعال التي يأمرهم بها، أو التخلي عن تلك التي ينهاهم عن مقارفتها، وهو بذلك يتغيا أن يحدد، من منظور اجتماعي، ما لا يجوز التسامح فيه من مظاهر سلوكهم، بما مؤداه أن الجزاء على أفعالهم لا يكون مخالفًا للدستور إلا إذا كان مجاوزًا حدود الضرورة التي اقتضتها ظروف الجماعة في مرحلة من مراحل تطورها، فإذا كان مبررًا من وجهة اجتماعية انتفت عنه شبهة المخالفة الدستورية؛ ومن ثم يتعين على المشرع دومًا إجراء موازنة دقيقة بين مصلحة المجتمع والحرص على أمنه واستقراره من جهة، وحريات وحقوق الأفراد من جهة أخرى. ويتعين على المشرع -أيضًا- أن يصوغ النصوص العقابية بطريقة واضحة محددة لا خفاء فيها أو غموض، فلا تكون هذه النصوص شباكًا أو شراكًا يلقيها المشرع متصيدًا باتساعها أو بخفائها من يقعون تحتها أو يخطئون مواقعها. وتلك ضمانات غايتها أن يكون المخاطبون بالنصوص العقابية على بينة من حقيقتها، فلا يكون سلوكهم مجافيًا لها، بل اتساقًا معها ونزولًا عليها.
وحيث إن مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات غدا أصلًا ثابتًا كضمانة ضد التحكم، فلا يؤثم القاضي أفعالًا ينتقيها، ولا يقرر عقوباتها وفق اختياره، إشباعًا لنزوة أو انفلاتًا عن الحق والعدل، وصار التأثيم -من ثمَّ- عائدًا إلى المشرع؛ إذ يقرر للجرائم التي يستحدثها عقوباتها التي تناسبها. ويُفسر هذا المبدأ بأن القيم الجوهرية التي يصدر القانون الجنائي لحمايتها لا يمكن بلورتها إلا من خلال السلطة التشريعية التي انتخبها المواطنون لتمثيلهم، وأن تعبيرها عن إرادتهم يقتضيها أن تكون بيدها سلطة التقرير في شأن تحديد الأفعال التي يجوز تأثيمها وعقوباتها، لضمان مشروعيتها.
وحيث إن المقرر في قضاء هذه المحكمة أنه لا تجــــوز معاملة المتهمين بوصفهم نمطًا ثابتًا، أو النظر إليهم باعتبار أن صورة واحدة تجمعهم لتصبهم في قالبها، بما مؤداه أن الأصل في العقوبة هو تفريدها لا تعميمها، وتقرير استثناء من هذا الأصل -أيًّا كانت الأغراض التي يتوخاها– مؤداه أن المذنبين جميعهم تتوافق ظروفهم، وأن عقوبتهم يجب أن تكون واحدة لا تغاير فيها، وهو ما يعني إيقاع جزاء في غير ضرورة، بما يفقد العقوبة تناسبها مع وزن الجريمة وملابساتها، وبما يقيد الحرية الشخصية دون مقتضى؛ ذلك أن مشروعية العقوبة -من زاوية دستورية- مناطها أن يباشر كل قاضٍ سلطته في مجال التدرج بها وتجزئتها، تقديرًا لها، في الحدود المقررة قانونًا؛ فذلك وحده الطريق إلى معقوليتها وإنسانيتها جبرًا لآثار الجريمة من منظور موضوعي يتعلق بها وبمرتكبها، وأن حرمان من يباشرون تلك الوظيفة من سلطتهم في مجال تفريد العقوبة بما يوائم بين الصيغة التي أفرغت فيها ومتطلبات تطبيقها في كل حالة بذاتها؛ مؤداه بالضرورة أن تفقد النصوص العقابية اتصالهــــا بواقعها، فلا تنبض بالحياة، ولا يكون إنفاذها إلا عملًا مجردًا يعزلها عن بيئتها، دالًّا على قسوتها أو مجاوزتها حد الاعتدال، جامدًا فجًّا منافيًا لقيم الحق والعدل.
وحيث إن العقوبة التخييرية، أو استبدال عقوبة أخف أو تدبير احترازي بعقوبة أصلية أشد، عند توافر عذر قانوني جوازي مخفف للعقوبة، أو إجازة استعمال الرأفة في مواد الجنايات بالنزول بعقوبتها درجة واحدة أو درجتين إذا اقتضت أحوال الجريمة ذلك التبديل، عملًا بنص المادة (17) من قانون العقوبات، أو إيقاف تنفيذ عقوبتي الغرامة أو الحبس الذي لا تزيد مدته على سنة إذا رأت المحكمة من الظروف الشخصية للمحكوم عليه أو الظروف العينية التي لابست الجريمة ما يبعث على الاعتقـاد بعدم العودة إلى مخالفة القانون، على ما جرى به نص المادة (55) من قانون العقوبات، إنما هي أدوات تشريعية يتسـاند القاضي إليها- بحسب ظروف كل دعوى- لتطبيق مبدأ تفريد العقوبة؛ ومن ثم فإنه في الأحوال التي يمتنع فيها إعمال إحدى هذه الأدوات فإن الاختصاص الحصري بتفريد العقوبة المعقود للقاضي يكون قد استغلق عليه تمامًا، بما يفتئت على استقلاله ويسلبه حريته في تقدير العقوبة، ويفقده جوهر الوظيفة القضائية وينطوي على تدخل محظور في شئون العدالة.
وحيث إن تفريد عقوبة الغرامة يجنبها عيوبها باعتبارها أثقل على الفقراء منها على الأغنياء، وكان فرض تناسبها في شأن جريمة بذاتها، إنصافًا لواقعها وحال مرتكبها، يتحقق بوسائل متعددة يندرج تحتها أن تفاضل المحكمة الجنائية بين حدين أعلى وأدنى لتختار لكل حال ما يناسبها، وأن تأمر بوقف تنفيذها متى قام لديها ما يبرر ذلك.
وحيث إن النص المحال –محددًا نطاقًا على ما سلف– قد تغيا مصلحة اجتماعية جديرة بالحماية الجنائية، حاصلها صون حياة المارة ومرتادي الطرق، وسلامة أبدانهم، وضبط حركة المرور وانتظامها، من الآثار المترتبة على قيادة قائد مركبة غيب وعيه، وعطل إدراكه، وانتقص من قدراته العقلية، أثرًا لتعاطيه الإرادي مادة مخدرة، وهي غاية تتماهى مع ما أفصح عنه تقرير اللجنة الثامنة عشرة من مجلس النواب عن قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 142 لسنة 2014، بتعديل بعض أحكام قانون المرور الصادر بالقانون رقم 66 لسنة 1973 من "أن مصر تحتل المركز الأول في عدد ضحايا حوادث الطرق، حسب إحصائيات منظمة الصحة العالمية على مستوى الشرق الأوسط، بحوالي 13 ألف قتيل، و60 ألف مصاب سنويًّا، متصدرة قائمة الدول الأسوأ عالميًّا في حوادث الطرق بمعدل وفيات مرتفع جدًا. ووفقًا لبيانات البنك المركزي فإن شركات التأمين قامت بسداد 5,5 مليار جنيه، خلال الثلاث سنوات الماضية، تعويضات عن حوادث السيارات في مصر".
وحيث إن النص المحال قد عين عناصر الركن المادي للجريمة التي انتظمها، والتي تمثلت في قيادة مركبة – بالتعريف الوارد لها في قانون المرور ذاته– تحت تأثير مخدر، ويرتبط هذا الفعل المنطوي على جريمتين مستقلتين بعناصرهما بنتيجة هي وفاة شخص أو أكثر أو إصابته بعجز كلي، على أن يقارن ذلك الفعل وتلك النتيجة قصد جنائي عام قوامه علم الجاني بقيادته المركبة تحت تأثير مخدر، وقبوله تحقق هذه النتيجة؛ ومن ثم يكون النص المحال قد استوفى عناصر التجريم التي تطلبها الدستور، من حيث استهدافه مصلحة جديرة بالحماية الجنائية، وتحديد ركني الجريمة المادي والمعنوي على نحو قاطع لا لبس فيه ولا غموض، ولم يحل بين المتهم بهذه الجريمة وبين حقه الدستوري في نفي كل فعل ينسب إليه، ولم يقم قرينة ينقض بها أصل البراءة أو تقيد المحكمة الجنائية في إعمال سلطتها التقديرية في تمحيص الواقعة وتقدير أدلتها، في ضوء قواعد المحاكمة المنصفة؛ ومن ثم فإن التجريم الوارد في ذلك النص يكون قد استوى على قواعد الشرعية الدستورية.
وحيث إن العقوبة الأصلية التي رصدها النص المحال في فقرته الثالثة، وهى الحبس مدة لا تقل عن ثلاث سنوات ولا تزيد على سبع سنوات وغرامة لا تقل عن عشرين ألف جنيه، إنما تتناسب مع جسامة الجريمة مقترنة بالظرف المشدد الذي لابسها، باعتبار أن تحققه يستحيل معه الفعل إلى جريمة من جرائم الضرر، وعقوبة الحبس، باعتبارها الشق الأول من العقوبة الأصلية لهذه الجريمة، لا تستعصي على التفريد القضائي للعقوبة، كونها تقع بين حدين عينهما النص المحال، أدنى مدته ثلاث سنوات، وأقصى مدته سبع سنوات، ولا ينال من دستورية عقوبة الحبس المنصوص عليها في النص المحال عدم جواز إيقاف تنفيذها؛ ذلك أن النص الذي يحول دون وقف تنفيذ عقوبة الحبس المنصوص عليها في النص المحال هو نص المادة (55) من قانون العقوبات –غير المحال– فضلًا عن أن إيقاف تنفيذ العقوبة السالبة للحرية لا يُرد فحسب إلى قواعد التفريد القضائي للعقوبة التي تتسلط عليها محكمة الموضوع، وإنما يداخلها الغاية من تنفيذ العقوبة السالبة للحرية، ليوسد الدستور إلى المشرع –في حدود سلطته التقديرية– تحقيق التوازن بينهما على ضوء اعتبارات عدة، تتصدرها جسامة الجرم ومبلغ أثره المجتمعي من ناحية، وجدوى إيقاف تنفيذ العقوبة السالبة للحرية في إعادة تأهيل المحكوم عليه للانخراط في المجتمع مجددًا من ناحية أخرى. كما أن النص المحال لم يحل بين المحكمة الجنائية وبين سلطتها في إيقاف تنفيذ عقوبة الغرامة –الشق الثاني من العقوبة الأصلية– إذ رأت من ظروف المحكوم عليه ما يوجب ذلك؛ ومن ثم تغدو العقوبة الأصلية بشقيها قد سلمت من أية مثالب دستورية، ويكون الطعن في دستورية النص المحال –وفق نطاقه المحدد سلفًا– لا سند له، متعينًا رفضه.
وحيث إن النص المحال لا يخالف أي حكم آخر من أحكام الدستور؛ ومن ثم فإن المحكمة تقضي برفض الدعوى.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة برفض الدعوى.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق