الصفحات

البحث الذكي داخل المدونة

تحميل وطباعة هذه الصفحة

Print Friendly and PDF

الجمعة، 10 يناير 2025

الطعن 589 لسنة 4 ق جلسة 9 / 5 / 1959 إدارية عليا مكتب فني 4 ج 2 ق 110 ص 1273

جلسة 9 من مايو سنة 1959

برياسة السيد/ السيد علي السيد رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة سيد علي الدمراوي والسيد إبراهيم الديواني ومحيي الدين حسن والدكتور محمود سعد الدين الشريف المستشارين.

-----------------

(110)

القضية رقم 589 لسنة 4 القضائية

بدل سفر 

- قرار مجلس الوزراء في 4/ 3/ 1951 بشأن لجنة إصلاح الحرمين الشريفين وتحديد ما يصرف من بدل للأعضاء - عدم اشتماله على تقرير ما يمنح من بدل لمن يندب لهذه المهمة من موظفين وقياسين وعمال - اختصاص وزير الأشغال بتحديد قيمة البدل الذي يمنح لهؤلاء.

-------------------
إن ما ورد في قرار مجلس الوزراء الصادر في 4 من مارس سنة 1951 - بياناً لسلطة لجنة إصلاح الحرمين الشريفين - قاطع في اختصاص هذه اللجنة بتحديد بدل السفر الخاص بأعضاء اللجنتين الهندسية العليا والفنية، ومع أن هذا القرار قد تناول اختصاص اللجنة الثالثة التي وكل إليها مهمة تنفيذ أعمال الإصلاح بالحرمين، إلا أنه لم يتعين الأشخاص الذين تؤلف منهم هذه اللجنة، بل وأمسك عن بيان الجهة المختصة بتقدير بدل السفر الخاص بأعضائها من موظفين وقياسين وعمال؛ مما يجعلهم خاضعين في ذلك لولاية وزير الأشغال بوصفة السلطة الرئيسية الإدارية التي يتبعها هؤلاء الأعضاء، وكلهم من موظفي مصلحة المساحة ومستخدميها ممن يخضعون لإشراف وزير الأشغال الإداري. ومما يظاهر هذا الفهم أن قرار مجلس الوزراء سالف الذكر واضح في تقرير قاعدة عامة من حيث تفويض وزارة الأشغال في تحضير أعمال إصلاح الحرمين وتنفيذها بالكيفية التي تراها محققة للأعراض المقصودة من هذه الأعمال، ومن حيث تخويلها في سبيل تنفيذ تلك الأعمال سلطة استخدام الموظفين التابعين لها وبغيرها من الوزارات الأخرى خصماً على الاعتمادات المخصصة للأعمال المذكورة. وسياق هذه العبارة ينبئ بأن لوزير الأشغال - باعتباره صاحب شأن في اختيار من يلزم لتنفيذ أعمال إصلاح الحرمين - حق تحديد بدل السفر الخاص بالموظفين الذين يختارهم في نطاق الاعتمادات المخصصة لتلك الأعمال، وبخاصة إذا كانوا خاضعين لإشرافه الرئيسي، ولا يتعين عليه من ثم عرض الأمر في هذا الصدد على لجنة إصلاح الحرمين الشريفين.


إجراءات الطعن

في 29 من مايو سنة 1958 أودع السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة سكرتيرية المحكمة عريضة طعن أمام هذه المحكمة قيد بجدولها تحت رقم 589 لسنة 4 القضائية في الحكم الصادر من المحكمة الإدارية لوزارة الأشغال والحربية بجلسة 30 من مارس سنة 1958 في الدعوى رقم 84 لسنة 3 القضائية المقامة من السيد/ محمد أحمد حسن ضد وزارة الأشغال، القاضي "بأحقية المدعي في بدل السفر طبقاً لما وافقت عليه لجنة إصلاح الحرمين الشريفين في أول مايو سنة 1951؛ وذلك عن المدة التي انتدب فيها لمأمورية إصلاح الحرمين، ورفض ما عدا ذلك من الطلبات، وألزمت كلاً من الطرفين المصروفات المناسبة". وطلب السيد رئيس هيئة المفوضين - للأسباب التي استند إليها في صحيفة طعنه - "الحكم بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع إلغاء الحكم المطعون فيه، وأحقية المدعي في احتساب بدل السفر طبقاً لقرار لجنة إصلاح الحرمين الشريفين الصادر في 11 من مارس سنة 1951". وقد أعلنت وزارة الأشغال بهذا الطعن في 25 من يونيه سنة 1958، وأعلن به الطعن عليه في 16 منه. وبعد أن انقضت المواعيد القانونية المقررة دون أن يقدم أي من الطرفين مذكرة بملاحظاته، عين لنظر الطعن أمام هذه المحكمة جلسة 24 من فبراير سنة 1959، ومنها أجل لجلسة 21 من مارس سنة 1959، وفيها سمعت المحكمة ما رأت سماعه من إيضاحات ذوي الشأن على الوجه المبين بمحضر الجلسة، ثم أرجأت النطق بالحكم في الطعن إلى جلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة، حسبما يستفاد من أوراق الطعن، تتحصل في أن المطعون عليه أقام الدعوى رقم 84 لسنة 3 القضائية ضد وزارة الأشغال ومصلحة المساحة لدى المحكمة الإدارية لوزارتي الأشغال والحربية بصحيفة أودعت سكرتيرية المحكمة في 21 من مارس سنة 1958، طالباً الحكم "بأحقيته في بدل السفر طبقاً لما وافقت عليه لجنة إصلاح الحرمين الشريفين في أول مايو سنة 1951؛ وذلك عن المدة من 20 من يونيه سنة 1951 حتى 21 من نوفمبر سنة 1951، وجملة ما يستحقه من ذلك مبلغ ثلثمائة وأربعة وخمسين جنيهاً وعشرة مليمات، وإلزام المدعي عليهما بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة". وقال شرحاً للدعوى إنه كان ضمن مهندسي مصلحة المساحة التفصيلية اللذين ندبوا للعمل في مهمة إصلاح الحرمين الشريفين في الفترة من 20 من يونيه إلى 21 من نوفمبر سنة 1951، وقد أصدرت لجنة إصلاح الحرمين الشريفين المشكلة بقرار مجلس الوزراء الصادر في 7 من فبراير سنة 1937 قراراً في أول مايو سنة 1951 يقضي باعتبار قيمة بدل السفر المقرر لمن يعملون في مهمة على أن لا إصلاح الحرمين الشريفين على أساس ضعف بدل السفر العادي في مصر، على أن لا يقل عن 500 م و22 ج ولا يزيد على 500 م و67 ج شهرياً، مضافاً إليه ثلاثة جنيهات عن كل يوم؛ ومن ثم كان يتعين على مصلحة المساحة أن تصرف له بدل السفر المستحق على الأساس المتقدم، مع مراعاة فرق العملة طبقاً لقرار مجلس الوزراء الصادر في 21 من ديسمبر سنة 1949، باعتباره مندوباً لمأمورية في خارج القطر، إلا أن مصلحة المساحة صرفت له بدل السفر على أساس آخر، فحددته بثلاثة أمثال مرتبه الأصلي الشهري عن كل شهر، دون أن تضيف إلى ذلك أية إضافة، ودون أن تصرف له فرق العملة؛ وبذلك خالفت قرار إصلاح الحرمين الصادر في أول مايو سنة 1951، كما خالفت أحكام قرار مجلس الوزراء الصادر في 21 من ديسمبر سنة 1949. وقال إن استحقاقه لبدل السفر عن مدة ندبه طبقاً لقرار لجنة إصلاح الحرمين الصادر منها في أول مايو سنة 1951 إنما يستند إلى السلطة المخولة للجنة المذكورة بمقتضى قرار مجلس الوزراء الصادر في 7 من فبراير سنة 1937 بتحديد مأموريتها وتخصيصها بدراسة أعمال الإصلاح ووضع مشروعاتها وتقدير المبالغ اللازمة لتنفيذها، على أن تكون سلطتها في ذلك نهائية دون الرجوع إلى أية سلطة أخرى إلا فيما يختص بالموافقة على الأعمال والحصول على المال اللازم لتنفيذها. ثم أوضح أن مذكرة وزير الأشغال المرفوعة إلى مجلس الوزراء، والتي وافق عليها هذا المجلس في 4 من مارس سنة 1951، أبرزت سلطة لجنة إصلاح الحرمين في تقرير بدل السفر لأعضاء البعثة، كما أكدت أنه بعد اعتماد نتيجة المناقصة يمكن ندب من تسند إليهم مهمة الإشراف على التنفيذ، وتحديد قيمة بدل السفر اللازم تقريره بوساطة لجنة إصلاح الحرمين الشريفين. ثم ختم صحيفة دعواه منوها بأنه يستحق طبقاً لقرار لجنة إصلاح الحرمين بدل سفر قدره خمسمائة وثلاثة وستون جنيهاً وخمسمائة مليم، وأنه - إذ عومل في صرف بدل السفر على أساس يخالف ما وافقت عليه اللجنة المتقدم ذكرها - فإنه يكون مستحقاً لمبلغ ثلثمائة وأربعة وخمسين جنيهاً مصرياً وعشرة مليمات، بعد خصم ما تسلمه من المصلحة فعلاً. وقد ردت مصلحة المساحة على الدعوى بأن إصلاح الحرمين الشريفين وافقت في أول مايو سنة 1951 على حساب بدل السفر لأعضاء لجنة إصلاح الحرمين على أساس ضعف بدل السفر العادي في مصر، على ألا يقل عن 500 م و22 ج ولا يزيد على 500 م و67 ج شهرياً مضافاً إليه ثلاثة جنيهات عن كل يوم. إلا أن المصلحة تقدمت إلى وزارة الأشغال بكتابها المؤرخ 26 من أبريل سنة 1951 أعلمتها فيه بأن المقايسة التي علمت لهذه المهمة ومقدارها 22000 جنيه حسبت على أساس ما يتقاضاه أفراد بعثة الجراد بالحجاز، وهى أبدال توازي ثلاثة أمثال المرتب بالنسبة إلى الموظفين، أما القياس فيتقاضى بدلاً قدره 500 م في اليوم، والقياس المحلي أجراً قدره 400 م في اليوم. وقد وافق وزير الأشغال - وهو رئيس لجنة إصلاح الحرمين الشريفين - على ذلك بكتابه المؤرخ 16 من مايو سنة 1951، وفتح بناء على ذلك، من قبل وزارة المالية، اعتماد مالي مقدراه 22000 جنيه للصرف في شئون هذه المأمورية. وقد صرف إلى المدعي ما يستحقه عن مدة ندبه بالحجاز على أساس القواعد الواردة في المقاسية سالفة الذكر التي وافق عليها وزير الأشغال في 16 من مايو سنة 1951. وقد انتهى السيد مفوض الدولة في تقريره إلى أحقية المدعي في بدل السفر وفقاً لقرار لجنة إصلاح الحرمين الشريفين الصادر في أول مايو سنة 1951 وإلى عدم استحقاقه لفرق العملة المطالب به. وبجلسة 30 من مارس سنة 1958 حكمت المحكمة الإدارية "بأحقية المدعي في بدل السفر طبقاً لما وافقت عليه لجنة إصلاح الحرمين الشريفين في أول مايو سنة 1951؛ وذلك عن المدة التي انتدب فيها لمأمورية إصلاح الحرمين، ورفض ما عدا ذلك من الطلبات، وألزمت كلاً من الطرفين المصروفات المناسبة". وأقامت قضاءها بالنسبة إلى طلب المطعون عليه الأول على أن لجنة إصلاح الحرمين الشريفين "كانت قد قررت بجلستها المنعقدة في 11 من مارس سنة 1951 أن يكون بدل السفر الذي يعطي في هذه المهمة معادلاً لبدل السفر المقرر للمأموريات في الخارج، وهو جنيهان مصريان زائداً 1% من الماهية الشهرية عن الليلة الواحدة، إلا أنها عادت وقررت في أول مايو سنة 1951 - بناء على الشكاوى المقدمة من أعضاء البعثة - الخروج عن القواعد العامة التي سبق لها مراعاتها في قرارها الأول، فقررت صرف هذا البدل على أساس ضعف بدل السفر العادي في مصر، على أن لا يقل عن 500 م و22 ج ولا يزيد عن 500 م و67 ج شهرياً يضاف إلى ذلك ثلاثة جنيهات عن كل يوم. لذلك فإن هذا القرار الأخير، وقد صدر من اللجنة بناء على السلطة المخولة من مجلس الوزراء، ويكون هو الواجب التطبيق بالنسبة للمدعي". كما أسست قضاءها أيضاً على أنه "لا يجدي الجهة الإدارية المحاجة بأن وزير الأشغال بوصفة الرئيس الأعلى للجنة إصلاح الحرمين الشريفين قد وافق بكتابه المؤرخ 16 من مايو سنة 1951 على اعتماد المبالغ التي قدرت لمأمورية إصلاح الحرمين الشريفين، ومن بينها بدل السفر الذي احتسب على أساس القواعد التي كانت مقررة لأفراد بعثة الجراد بالحجاز؛ وبذلك فلا يستحق المدعي بدل السفر إلا على هذا الأساس - لا يجدي الجهة الإدارية ذلك؛ إذ أن وزير الأشغال ولو أنه رئيس اللجنة إلا أنه لا يملك وحده أن يعدل في القرار الذي صدر من اللجنة بناء على السلطة المخولة لها طبقاً لنظام إنشائها". وأسست قضاءها برفض الطلب الثاني على ما تبين لها من "أن لجنة إصلاح الحرمين الشريفين هي الجهة التي خولت سلطة تقرير بدل السفر لأعضاء البعثة على ما سلف بيانه، وأنه وجه لاستناد المدعي إلى قرار مجلس الوزراء الصادر في 21 من ديسمبر سنة 1949 بشأن بدل السفر عن المهام التي تؤدى خارج القطر للمطالبة بفرق العملة - لا وجه لذلك، طالما أنه قد روعي عند تقرير بدل السفر لأعضاء هذه البعثة الخروج عن القواعد المالية المتبعة؛ وذلك بوضع قاعدة خاصة بهم؛ ومن ثم يسري في شأنهم القواعد التي قررها مجلس الوزراء في قراره سالف الذكر. ولما كان قرار اللجنة في هذا الصدد لم ينص على مراعاة فرق العملة؛ لذلك فلا يحق للمدعي المطالبة بهذا الفرق".
ومن حيث إن الطعن يقوم على أنه "يبين من القرار الصادر من لجنة إصلاح الحرمين الشريفين بزيادة بدل السفر الذي تضمنه قرارها المؤرخ 11 من مارس سنة 1951 أن هذه الزيادة قاصرة على أعضاء اللجنة التي كان يرأسها المهندس مصطفى فهمي، وأن وزارة الأشغال أوضحت البواعث الداعية لذلك، وهى قصر المدة التي أمضاها أعضاء هذه اللجنة بالأراضي الحجازية والنفقات التي أنفقوها"، وعلى أن "لا محل لتطبيق القرار الصادر بالزيادة على غير أعضاء هذه اللجنة، ويظل واجب التطبيق القرار الصادر من اللجنة في 11 من مارس سنة 1951 بتطبيق بدل السفر المقرر للمأموريات في الخارج، وهو جنيهان مضافاً إليهما 1% من المرتب الشهري، وأن الحكم المطعون فيه، إذ ذهب غير هذا المذهب، ويكون قد خالف القانون".
ومن حيث إن الطعن، إذ انصب على ما قضى به الحكم المطعون فيه لصالح المطعون عليه، فإنه يتعين - حيال استقلال طلبي المطعون عليه أحدهما عن الآخر - الاقتصار على بحث موضوع الطعن الحاضر.
ومن حيث إنه بتقصي الملابسات التي أحاطت بتأليف لجنة إصلاح الحرمين الشريفين، والسلطات التي خولتها هذه اللجنة، يبين أن مجلس الوزراء كان قد قرر بجلسته المنعقدة في 7 من فبراير سنة 1938 الموافقة على مضمون المذكورة المرفوعة من وزارة الداخلية بإعادة تأليف لجنة إصلاح الحرمين السابق إنشاؤها بقرار مجلس الوزراء في 29 من ديسمبر سنة 1936، وقد أورد قرار 7 من فبراير سنة 1938، بياناً لاختصاصات هذه اللجنة وسلطتها، النص الآتي "تكون مأمورية اللجنة دراسة أعمال الإصلاح التي يرى إجراؤها في الحجاز، ووضع مشروعاتها، وتقدير المبالغ اللازمة لتنفيذها، واقتراح وسائل تدبير هذه المبالغ، وتحديد ما تساهم به حكومة الحجاز فيها وكيفية الحصول عليه، والإشراف على تنفيذ هذه الأعمال بوساطة وزارة الأشغال، وأن تكون سلطتها في ذلك انتهائية دون الرجوع إلى أية سلطة أخرى، إلا فيما يتعلق بالموافقة على الأعمال والحصول على المال اللازم لتنفيذها، وعمل الاتفاقات مع حكومة الحجاز، وأن تقوم وزارة الأشغال بتحضير الأعمال وتنفيذها بالكيفية التي تراها مناسبة وموصلة لسرعة تحقيق الأغراض من هذه الأعمال، دون التقيد في ذلك بالقواعد المالية، ودون الرجوع إلى أية سلطة أخرى سوى اللجنة للموافقة على تجاوز هذه القواعد، ويكون لها في سبيل تحضير الأعمال وتنفيذها استخدام الموظفين التابعين لها لغيرها من الوزارات الأخرى بعد الاتفاق مع رؤسائهم على ذلك، أو من ترى تعيينهم من الموظفين المستخدمين خصماً على الاعتمادات المخصصة للأعمال". وعلى إثر ما طرأ من خلل وتصدع على بعض أعمدة الحرم النبوي الشريف فوتحت الحكومة المصرية في فبراير سنة 1951 في شأن اتخاذ اللازم مع الحكومة السعودية لإعانتها على تدارك الخلل بالإصلاح العاجل، فكان ذلك مدعاة لاهتمام الحكومة المصرية، ولجعل نظرتها الفنية إلى ما اقتضاه الإصلاح في الحرم النبوي أشمل من مجرد الاقتصار على علاج مظاهر الخلل علاجاً وقتياً، سيما وأن هذا العمل الفني كان متعلقاً ببقعة طاهرة تهفو إليها المشاعر وتهوى إليها أفئدة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.
ومن حيث إن وزير الأشغال رفع آنذاك إلى مجلس الوزراء في 3 من مارس سنة 1951 مذكرة فصل فيها مقترحاته في شأن التخطيط المناسب المزمع عمله حول الحرم النبوي، والإصلاح العاجل اللازم إجراؤه لعلاج ذلك الخلل الطارئ على أعمدة الحرم الشريف، ووصَّى - لتحقيق هذا الغرض الأسنى - بأن توفد الحكومة المصرية لجنتين أولاهما اللجنة الهندسية العليا التي حشدت فيها كل كفايات التخصص الهندسي في مختلف فروعه للمعاينة والبحث، على أن تصحبها إلى الحجاز اللجنة الفنية الثانية التي ضمت المهندس المعماري والمصور للمعاينة وإعداد الرسومات الأولية، على أن تتلقى هذه اللجنة نتيجة معينة اللجنة العليا من توجيهات وخطوط رئيسية تسترشد بها في إنجاز تصميم المشروع وإعداد مواصفاته، ثم أشار وزير الأشغال في مذكرته إلى اللجنة الثالثة التي نيط بها الإشراف على التنفيذ والمراقبة بقوله: "وبعد أن يستقر الرأي نهائياً على ما يجب عمله يشهر المشروع في المناقصة العامة، ويتم اختيار المهندسين والملاحظين والمساحين وغيرهم اللازمين للإشراف على التنفيذ والمراقبة"، وأورد بعد ذلك بياناً بأسماء الأشخاص الذين اقترح تأليف اللجنة العليا من بينهم، كما عرض أسماء الذين رؤى تأليف اللجنة الفنية منهم لإيفادهم مع اللجنة الرئيسية العليا لتجهيز المشروع، ثم عرض الوزير بعد ذلك للهيئة التي نيط بها تحديد بدل السفر لأعضاء هاتين اللجنتين فقال: "وتحديد قيمة بدل السفر اللازم تقريره لحضرات أعضاء اللجنتين المذكورتين وغيرهم ممن سيقع الاختيار عليهم، وذلك بوساطة لجنة إصلاح الحرمين الشريفين والمرافق المتصلة بها الصادر بتشكيلها وبيان مأموريتها قراراً مجلس الوزراء المؤرخان 29 من ديسمبر سنة 1936، و7 من فبراير سنة 1938 الذي نص الأخير منهما على ما يأتي: (تكون مأمورية اللجنة دراسة أعمال الإصلاح التي يرى إجراؤها في الحجاز، ووضع مشروعاتها، وتقدير المبالغ اللازمة لها لتنفيذها، واقتراح وسائل تدبير هذه المبالغ، وتحديد ما تساهم به حكومة الحجاز فيها، وكيفية الحصول عليه، والإشراف على تنفيذ هذه الأعمال بوساطة وزارة الأشغال، وأن تكون سلطتها في ذلك انتهائية دون الرجوع إلى أية سلطة أخرى إلا فيما يتعلق بالموافقة على الأعمال والحصول على المال اللازم لتنفيذها وعمل الاتفاقات مع حكومة الحجاز، وأن تقوم وزارة الأشغال بتحضير الأعمال وتنفيذها بالكيفية التي تراها مناسبة وموصلة لسرعة تحقيق الأغراض من هذه الأعمال، دون التقيد في ذلك بالقواعد المالية، ودون الرجوع إلى أية سلطة أخرى سوى اللجنة للموافقة على تجاوز هذه القواعد، ويكون لها (أي لوزارة الأشغال) في سبيل تحضير الأعمال وتنفيذها استخدام الموظفين التابعين لها أو الموظفين التابعين لغيرها من الوزارات الأخرى بعد الاتفاق مع رؤسائهم على ذلك، أو من ترى تعيينهم من الموظفين المستخدمين خصماً على الاعتمادات المخصصة للأعمال)". وقد عرضت هذه المذكرة المتقدمة على مجلس الوزراء فوافق بجلسته المنعقدة في 4 من مارس سنة 1951 على كل ما جاء فيها؛ وتنفيذاً لأحكام هذا القرار اجتمعت لجنة إصلاح الحرمين الشريفين برياسة وزير الأشغال في 11 من مارس سنة 1951 وجرت بين أعضائها مناقشة دونت في محضر جلستها الرابعة والثلاثين، وقد ورد على لسان رئيسها ما يأتي: (الصفحة 106 من إشارة وزارة الأشغال قسم المحفوظات رقم 355/ 4/ 16) "ثم هناك بعد ذلك مسألة بدل السفر الذي يقرر لهاتين اللجنتين ومن رأيي توفير جميع وسائل الراحة لحضراتهم...". وفي نهاية الجلسة تداول الأعضاء الرأي في موضوع بدل السفر، ثم صدر قرار اللجنة "بأن يكون بدل السفر الذي يعطى في هذه المهمة معادلاً لبدل السفر المقرر للمأموريات في الخارج، وهو جنيهان مصريان زائداً 1% من الماهية الشهرية عن الليلة الواحدة"، وفوضت إلى وزير الأشغال أمر "اختيار الموظفين والمساعدين والعمال على اختلاف أنواعهم اللازم سفرهم لمعاونة هاتين اللجنتين"، وقصدت بهذه الإشارة تنفيذ قرار مجلس الوزراء في خصوص اللجنة التي نيط بها الإشراف على التنفيذ والمراقبة على ما سلف البيان.
وحيث إنه قد جد بعد ذلك ما دعا إلى تشكي بعض أعضاء اللجنتين الرئيستين شخصياً إلى الوزير عقب عودتهم من مهمتهم من ضآلة بدل السفر الذي تقرر لهم بجلسة لجنة إصلاح الحرمين الرابعة والثلاثين، واستهلاكه في النفقات التي تكبدوها في الفترة القصيرة التي قضوها بالحجاز؛ وعلى ذلك رفع وكيل وزارة الأشغال إلى وزير الأشغال مذكرة في 10 من أبريل سنة 1951 طلب فيها إعادة النظر في بدل السفر الذي سبق تقريره في اجتماع لجنة إصلاح الحرمين بتاريخ 11 من مارس سنة 1951، ولما علق الوزير على هذه المذكرة بما يأتي "أجو إفادتي بما هو مطلوب لعرضه على لجنة الحرمين في أول اجتماع"، تقدم وكيل الوزارة بمذكرة إلى وزير الأشغال موضحاً فيها أن ما طلبه أعضاء البعثة هو صرف بدل السفر لهم على غرار ما صرف لأعضاء البعثة التي سبق إيفادها عام 1947، أي على أساس استحقاق العضو لضعف بدل السفر العادي في مصر، على ألا يقل عن 500 م و22 ج ولا يزيد على 500 م و67 ج شهرياً مضافاً إلى ذلك ثلاثة جنيهات عن كل يوم شهرياً. وقد عرض هذا الطلب على لجنة إصلاح الحرمين الشريفين، فوافقت عليه في أوائل مايو سنة 1951. وفي 26 من أبريل سنة 1951 طلبت مصلحة المساحة من وزارة الأشغال بكتابها رقم 9 - 13/ 5 - 6 الموافقة على فتح اعتماد بمبلغ 22000 جنيه للمهمة التي اضطلعت بها بناء على تعليمات رئيس اللجنة الهندسية العليا وهى "رفع كل من الحرمين المكي والنبوي والمساحة التي تحيط بهما وباقي المدينة المنورة، وإثبات المناسيب المختلفة للشوارع المحيطة بالحرمين ومقاسات المعالم المختلفة للحرمين"، وحددت ضمن التقديرات المالية اللازمة لهذا الغرض بدل سفر للموظفين من أعضاء بعثتها بواقع ثلاثة أمثال المرتب الأصلي، وللقياسين بواقع خمسمائة مليم يومياً، وللقياسين المحليين أجراً يومياً مقداره أربعمائة مليم، وحسبت المقايسة فيما يتعلق بالأبدال على غرار ما يتقاضاه أعضاء بعثة الجراد. وقد وافق وزير الأشغال على هذا الطلب، وكتبت وزارة الأشغال إلى وزارة المالية في 16 من مايو سنة 1951 تعلمها بأن "الوزير قد وافق بمقتضى السلطة المخولة له من لجنة إصلاح الحرمين الشريفين والمرافق المتصلة بهما على وضع مبلغ اثنين وعشرين ألف جنيه تحت تصرف مصلحة المساحة للصرف منه على الأعمال الموكولة إليها بالمدينة المنورة ومكة المكرمة؛ وذلك من المتجمد بوزارة المالية على ذمة اللجنة المذكورة من المستقطع من ميزانية إدارة الحج، وطلبت منها التنبيه بقبول الخصم بهذا المبلغ على الاعتماد سالف الذكر". وبعد تمام هذا الإجراء وتأدية المهمة صرف لأعضاء لجنة المساحة من المهندسين - ومنهم المطعون عليه - بدل السفر على الأساس المشار إليه.
ومن حيث إنه يبين من قرارات مجلس الوزراء ومحاضر أعمال لجنة إصلاح الحرمين الشريفين والمكاتبات المتبادلة التي سلف إيرادها أن قراري لجنة إصلاح الحرمين الشريفين في 11 من مارس وأول مايو سنة 1951 إنما كانا يحددان بدل السفر الخاص بأعضاء اللجنتين الهندسية العليا والفنية، وهم الذين عين أشخاصهم في قرار مجلس الوزراء الصادر في 4 من مارس سنة 1951، بل إن لزيادة في بدل سفر هؤلاء الأعضاء لم تتقرر من قبل لجنة إصلاح الحرمين في أوائل مايو سنة 1951 إلا بناء على تشكي بعض أعضاء هاتين اللجنتين من ضآلة البدل المقرر لهم من قبل؛ وذلك عقب أو بتهم من مهمتهم؛ مما دعا إلى عرض الأمر على اللجنة المذكورة لإعادة النظر فيما قررته من قبل بزيادته على ما سبق البيان.
ومن حيث إن ما ورد في قرار مجلس الوزراء المؤرخ في 4 من مارس سنة 1951، بياناً لسلطة لجنة إصلاح الحرمين الشريفين، قاطع في اختصاصها بتحديد بدل السفر الخاص بأعضاء اللجنتين الهندسية العليا والفنية، ومع أن هذا القرار قد تناول اختصاص اللجنة الثالثة التي وكل إليها مهمة تنفيذ أعمال الإصلاح بالحرمين، فإنه لم يعين الأشخاص الذين تؤلف منهم هذه اللجنة، بل وأمسك عن بيان الجهة المختصة بتقرير بدل السفر الخاص بأعضائها من موظفين وقياسين وعمال؛ مما يجعلهم خاضعين في ذلك لولاية وزير الأشغال بوصفة السلطة الرئيسية الإدارية التي يتبعها هؤلاء الأعضاء. وكلهم من موظفي المساحة ومستخدميها ممن يخضعون لإشراف وزير الأشغال الإداري.
ومن حيث إنه مما يظاهر هذا الفهم أن قرار مجلس الوزراء الصادر 4 من مارس سنة 1951 واضح في تقريره قاعدة عامة من حيث تفويض وزارة الأشغال في تحضير أعمال إصلاح الحرمين وتنفيذها بالكيفية التي تراها محققة للأعراض المقصودة من هذه الأعمال، ومن حيث تخويلها في سبيل تنفيذ تلك الأعمال سلطة استخدام الموظفين التابعين لها أو لغيرها من الوزارات الأخرى خصماً على الاعتمادات المخصصة للأعمال المذكورة. وسياق هذه العبارة ينبئ بأن لوزير الأشغال - باعتباره صاحب شأن في اختيار من يلزم لتنفيذ أعمال إصلاح الحرمين - حق تحديد بدل السفر الخاص بالموظفين الذين يختارهم في نطاق الاعتمادات المخصصة لتلك الأعمال، وبخاصة إذا كانوا خاضعين لإشرافه الرياسي، ولا يتعين عليه من ثم عرض الأمر في هذا الصدد على لجنة إصلاح الحرمين الشريفين، كما ذهب إلى ذلك الحكم المطعون فيه. يؤكد ذلك أن هذه اللجنة عندما عقدت جلستها الرابعة والثلاثين في 11 من مارس سنة 1951 لم تتداول إلا في شأن بدل السفر الذي "يقرر لأعضاء هاتين اللجنتين"، ثم فوضت إلى وزير الأشغال "سلطة اختيار الموظفين والمساعدين والعمال على اختلاف أنواعهم اللازم سفرهم لمعاونة هاتين اللجنتين".
ومن حيث إن لجنة إصلاح الحرمين ما كان لها أن تتعدى ما رسمه قرار مجلس الوزراء المشار إليه من جهة أنها لا شأن لها بغير بدل السفر الخاص بأعضاء اللجنتين الهندسية العليا والفنية، ومن ناحية أن وزارة الأشغال هي التي خولت وحدها سلطة اختيار الموظفين اللازمين لتنفيذ أعمال الإصلاح، وذلك خصماً على الاعتمادات المرصدة لتلك الأعمال، وإذا ثبت ما تقدم تبين أن وزير الأشغال كان في حدود سلطاته عندما استقل بالموافقة في 16 من مايو سنة 1951 على أسس بدل السفر المقترح لموظفي وعمال مصلحة المساحة على اختلاف طوائفهم، وأنه لم يكن مجازاً هذه السلطة عندما اتجه رأساً إلى وزارة المالية بطلب الموافقة على هذه الاعتمادات، ولو قيل بغير ذلك وأجيب المطعون عليه إلى طلباته لأفضى ذلك حتماً إلى مجاوزة الاعتمادات التي فتحت لمواجهة نفقات البعثة التي اختير عضواً بها؛ إذ واقع الحال في بدل السفر الذي حددته وزارة الأشغال لأعضاء بعثة المساحة أنه قدرت على أساسه الاعتمادات المالية المقررة فعلاً، وأنه لم ينطو على أي تعديل لبدل السفر الذي زادته لجنة إصلاح الحرمين الشريفين في أوائل مايو سنة 1951، لما تبين من أن البدل الأخير خاص بأعضاء اللجنتين الهندسية العليا والفنية، وعلى ما سلف البيان.
ومن حيث إنه لا تثريب على وزارة الأشغال إذا كانت قد وضعت لمنح بدل السفر لأعضاء بعثة مصلحة المساحة قواعد أخرى غير التي أرستها لجنة إصلاح الحرمين؛ ذلك لأن البدل المقرر لأعضاء هذه البعثة - موظفين كانوا أم عمالاً - يتفق وطبيعة عمل هذه البعثة المتعلق بالتنفيذ، وعلى اعتبار أن عكوفها على مباشرة مهمتها يتطلب بقاء أعضائها فترة طويلة بالأراضي الحجازية، بينما لم تلبث اللجنتان الرئيسيتان - بحكم عملهما الفني والتخطيطي - سوى ثلاثة عشر يوماً، وفضلاً عن ذلك فقد وفرت لأعضاء بعثة المساحة - ومنهم المطعون عليه - جميع سبل الراحة من مسكن ومواصلات وتموين وأثاث وخلافه، وتحملت الحكومة المصرية نفقات سفرهم هم وأفراد عائلاتهم.
ومن حيث إنه يتبين مما تقدم إنه لا شيء في قرارات مجلس الوزراء ولجنة إصلاح الحرمين مفيد في تأييد وجهة نظر المطعون عليه، ولا شيء في هذه القرارات يدل على استحقاقه لبدل السفر المزيد الذي قررته لجنة إصلاح الحرمين الشريفين في أوائل مايو سنة 1951، وما دام المطعون عليه لم يكن من أعضاء اللجنتين الهندسية العليا والفنية المذكورتين بأسمائهم في قرار مجلس الوزراء المؤرخ 4 من مارس سنة 1951، فإنه وزير الأشغال وحده هو صاحب الشأن في تحديد بدل السفر المقرر له ولأمثاله من أعضاء بعثة مصلحة المساحة، وما يقرره من ذلك هو أمر راجع إلى سلطته التقديرية في حدود الاعتماد المالي المقرر لمواجهة نفقات تلك البعثة. وإذن فيكون قضاء الحكم المطعون فيه باستحقاقه بدل السفر الخاص بأعضاء اللجنتين الرئيسيتين قضاء في غير محله؛ لمخالفته لقواعد التفسير الصحيحة؛ ولأن فيه تجاوزاً في الاستدلال؛ ومن ثم يتعين القضاء بإلغائه، وبرفض دعوى المدعي بجميع أشطارها، ومع إلزامه بكامل مصروفاتها.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه، وبرفض الدعوى، وألزمت المدعي بالمصروفات.

الطعن 288 لسنة 4 ق جلسة 9 / 5 / 1959 إدارية عليا مكتب فني 4 ج 2 ق 109 ص 1252

جلسة 9 من مايو سنة 1959

برياسة السيد/ السيد علي السيد رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة سيد علي الدمراوي والسيد إبراهيم الديواني ومحيي الدين حسن ومصطفى كامل إسماعيل المستشارين.

----------------

(109)

القضية رقم 288 لسنة 4 القضائية

(أ) عقد إداري 

- تعاقد الإدارة مع الأفراد أو الهيئات عن طريق المناقصات العامة أو المحلية - الاعتبارات الواجب مراعاتها عند ذلك - تعلقها بمصلحة المرفق المالية وبمصلحته الفنية - إرساء المناقصة على صاحب العطاء الأقل تحقيقاً للمصلحة الأولى واختيار المناقص الأفضل تحقيقاً للمصلحة الثانية - الترجيح بين المصلحين - تمتع الإدارة فيه بسلطة تحددها القواعد المقررة في هذا الشأن.
(ب) مناقصة عامة 

- التأمين المؤقت الواجب إيداعه كشرط للنظر في العطاءات التي تقدم في المناقصات العامة - الغاية منه - عدم ترتب البطلان على عدم إيداعه إذا ما أطمأنت الإدارة إلى ملاءة مقدم العطاء.
(ج) مناقصة عامة 

- إجازة التفاوض بعد فتح المظاريف مع صاحب العطاء الأقل المقترن بتحفظ أو بتحفظات للنزول عن تحفظاته كلها أو بعضها - حكمته وشروطه - لا إخلال في ذلك بالمساواة الواجب مراعاتها بالنسبة لمقدمي العطاءات ولا ضرر عليهم منه - عدم جواز إرساء المناقصة إلا على صاحب أقل عطاء متى كان مستوفياً لجميع المواصفات والشروط أو كانت المفاوضة قد أسفرت عن جعل عطائه أصلح العطاءات.
(د) مناقصة عامة 

- التأمين المؤقت الواجب إيداعه كشرط للنظر في العطاءات التي تقدم في المناقصات العامة - تخلف صاحب العطاء الأقل عن إيداعه اعتماداً على وجود مبالغ مودعة لدى جهة الإدارة كتأمين نهائي منه عن عقد سابق - يعتبر بمثابة تحفظ اقترن به العطاء - التفاوض معه لإيداع مبلغ التأمين المؤقت - جائز قانوناً.

-------------------
1 - من الأسس التي يقوم عليها تعاقد الإدارة مع الأفراد أو الهيئات عن طريق المناقصات العامة أو المحلية أن يخضع هذا التعاقد لاعتبارات تتعلق بمصلحة المرفق المالية التي تتمثل في إرساء المناقصة على صاحب العطاء الأرخص بتغليب مصلحة الخزانة على أي اعتبار آخر، وكذا بمصلحته الفنية التي تبدو في اختيار المناقص الأفضل من حيث الكفاية الفنية وحسن السمعة، وفي ترجيح أي من هاتين المصلحتين تتمتع الإدارة بسلطة تحددها القواعد المقررة في هذا الشأن، ومنها لائحة المخازن والمشتريات المصدق عليها بقرار مجلس الوزراء الصادر في 6 من يونيه سنة 1948، والمرسوم بقانون رقم 58 لسنة 1953 الخاص بتنظيم المناقصات المعدل بالقانون رقم 188 لسنة 1953، والقانون رقم 384 لسنة 1953 بتعديل بعض الأحكام المتعلقة باختصاصات مجلس الوزراء، ثم القانون رقم 236 لسنة 1954 بتنظيم المناقصات والمزايدات. ويحكم المناقصات العامة مبدآ المنافسة والمساواة، بيد أن هذا الأخير يخضع لقيود منها ما يتعلق بمصلحة المرفق، ومنها ما يتصل بحماية الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في الدولة، ومن الأولى أهلية مقدم العطاء القانونية، وحسن سمعته وكفايته الفنية، وكذا كفايته المالية التي يقتضي التثبيت منها أن يودع تأميناً مؤقتاً تنص عليه وتعين مقداره كراسة الشروط، كضمان لجدية العطاء وصدق النية فيه، ولتنفيذ العقد ممن يرسو عليه، وتعويض الإدارة في حالة إعادة المناقصة على حسابه إذا ما نكل عن إيجابه، وهذا كله بخلاف التأمين النهائي.
2 - إن إيداع التأمين المؤقت من مقدم العطاء في الوقت المحدد كآخر موعد لوصول العطاءات شرط أساسي للنظر في عطائه، سواء كان هذا التأمين نقداً أو سندات أو كفاية مصرفية، وهذا الشرط مقرر للصالح العام دون ترتيب جزاء البطلان على مخالفته إذا ما اطمأنت الإدارة إلى ملاءة مقدم العطاء.
3 - إن الشارع رأى رغبة منه في تمكين الإدارة من الحصول على أصلح العطاءات لخير المرفق وصيانة لأموال الدولة - إجازة المفاوضة، بعد فتح المظاريف، مع صاحب العطاء الأقل إذا كان مقترناً بتحفظ أو بتحفظات، وكانت القيمة الرقمية لأقل عطاء غير المقترن بشيء من ذلك تزيد كثيراً على العطاء المقترن بتحفظات؛ وذلك لكي ينزل عن كل تحفظاته أو بعضها بما يوفق بين عطائه وشروط المناقصة قدر الاستطاعة، ويجعله أصلح من العطاء الأقل غير المقترن بأي تحفظ، فإذا رفض جاز التفاوض مع من يليه؛ ذلك لأن صاحب أقل عطاء - ما لم يستبعد - هو في الأصل، صاحب الحق في إرساء المناقصة عليه إذا كان عطاؤه مناسباً، ولأن تعديل عطائه إلى ما هو أقل أو إلى ما يجعله متمشياً مع مواصفات المناقصة وشروطها لا ضير منه على أي من أصحاب العطاءات الأخرى، ولا يخل بقاعدة المساواة الواجبة بالنسبة إليهم، سواء كيف هذا الإجراء بأنه تصفية لإجراءات المناقصة، أو بأنه ممارسة على أساس ما تمخضت عنه المناقصة، ومرجع الأمر في هذا إلى لجنة البت في العطاءات، باعتبارها أقدر من أية هيئة أخرى على الاضطلاع بهذه المهمة، وهي تتولى إجراءات المناقصة وتبت فيها. ولا يجوز بعد البت في طلبات الاستبعاد إرساء المناقصة إلا على صاحب أقل عطاء بالوضع المتقدم، أي سواء كان مستوفياً لجميع المواصفات والشروط، أو كانت المفاوضة قد أسفرت عن صيرورته أصلح العطاءات.
4 - إن اعتماد صاحب العطاء الأقل على ماله من مبالغ مستحقة قبل المصلحة كتأمين نهائي ومبالغ أخرى عن عملية العام السابق تجاوز في مقدارها قيمه التأمين المؤقت المطلوب في المناقصة موضوع النزاع لا يعني تخلفه قصداً عن استيفاء شرط البند الخامس من دفتر الشروط أو تحلله منه، بل مجرد فهم منه لجواز التحفظ الضمني في شأن طريقة دفع التأمين، ارتكاناً على إمكان تحقيق شرط أدائه بالخصم في تلك المبالغ، ولا سيما أن البند الخامس المشار إليه أورد ضروباً من الأوجه التي يجوز أن يؤدي بها التأمين المذكور، كالنقد والحوالات والأذونات البريدية والشيكات المقبولة وسندات الحكومة والسندات لحاملها والكفالة الصرفية. وليس شأن صاحب العطاء الأقل في هذا المقام بالنظر إلى وضعه الخاص إزاء المصلحة شأن من لم تسبق له علاقة تعامل معها أو من ليس له مال لديها يفي بالتأمين المطلوب، وإن يكن ما له غير حال الأداء. فإذا كان الثابت أن هذا المناقص قد بادرا بسداد قيمة هذا التأمين بمجرد دعوته إلى ذلك ولم تقبل المصلحة التي طرحت المناقصة عطاءه أو ترتبط به إلا بعد أن قام بتوريد مبلغ التأمين اللازم، وقد صادق مجلس إدارة السكة الحديد وكذا وزير المواصلات على هذه الإجراءات جميعاً، مقراً لها ومصححاً إياها؛ - فإنه بذلك تكون الإدارة قد استعملت حقها في المفاوضة المخول لها قانوناً لكي ينزل صاحب العطاء والأرخص عن تحفظه القائم على خصم التأمين الابتدائي مما هو مستحق له في ذمتها من مبالغ، وتغيت بإعمال هذه الرخصة بمقتضى سلطتها التقديرية في تيسر المرفق القائمة عليه وجه المصلحة العامة مجردة عن الميل أو الهوى، ولم تصدر في هذا عن رغبة غير مشروعة في محاباة أحد مقدمي العطاءات على الآخر بدون وجه حق إضراراً بصالح المرفق أو بالصالح العام.


إجراءات الطعن

في 27 من فبراير سنة 1958 أودع السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة سكرتيرية المحكمة عريضة طعن أمام هذه المحكمة قيد بجدولها تحت رقم 288 لسنة 4 القضائية في الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري (الهيئة الخامسة) بجلسة 29 من ديسمبر سنة 1957 في الدعوى رقم 10578 لسنة 8 القضائية المقامة من عوض الله إبراهيم ضد مصلحة السكك الحديدية، القاضي "بإلزام هيئة السكة الحديد بأن تدفع للمدعي مبلغ قرش صاغ واحد على سبيل التعويض المؤقت وكامل مصاريف الدعوى ومبلغ خمسمائة قرش مقابل أتعاب المحاماة. وطلب السيد رئيس هيئة المفوضين - للأسباب التي استند إليها في صحيفة طعنه - "قبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع إلغاء الحكم المطعون فيه، والقضاء برفض الدعوى، وإلزام رافعها المصروفات". وقد أعلن هذا الطعن إلى الهيئة العامة لشئون السكك الحديدية في 11 من مارس سنة 1958، وإلى المطعون عليه في 22 منه، وبعد أن انقضت المواعيد القانونية المقررة دون أن يقدم أي من الطرفين مذكرة بملاحظاته، عين لنظر الطعن أمام هذه المحكمة جلسة 21 من مارس سنة 1959. وفي 9 من فبراير سنة 1959 أبلغ الطرفان بميعاد هذه الجلسة، وفيها سمعت المحكمة ما رأت سماعه من إيضاحات ذوي الشأن على الوجه المبين بمحضر الجلسة، ثم قررت إرجاء النطق بالحكم في الطعن إلى جلسة اليوم، مع الترخيص في تقديم مذكرات في أسبوعين.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة، حسبما يبين من أوراق الطعن، تتحصل في أن المدعي أقام الدعوى رقم 10578 لسنة 8 القضائية ضد مصلحة السكك الحديدية أمام محكمة القضاء الإداري بعريضة أودعها سكرتيرية المحكمة في 12 من يوليه سنة 1954 ذكر فيها أنه في أول مايو سنة 1954 أعلنت المصلحة عن مناقصة خاصة بأعمال الشيالة بمحطات ومواصلات سكك حديد الحكومة والنقل المائي، وعن شروط هذه المناقصة، ومن بينها ما ورد في البند الخامس من أنه يجب، كشرط أساسي للنظر في أي عطاء - أن يدفع مقدم العطاء مبلغاً محدداً في المناقصة بصفة تأمين مؤقت، وألا يتأخر دفع هذا التأمين عن الوقت المحدد كآخر موعد لوصول العطاءات. وقد تقدم بعطائه في العملية الخاصة بالقسم الرابع من المناقصة، وأرفق بعطائه قيمة التأمين المشترط. وبجلسة 25 من مايو سنة 1954 قامت لجنة فحص العطاءات بفحص مظاريف العطاءات، وقررت استبعاد عطاء يوسف علي فاضل لعدم إرفاق قيمة التأمين به، كما أوصت بإرساء العطاء على المدعي؛ لأن عطاءه كان أقل العطاءات الجائز النظر فيها قانوناً طبقاً للشروط. غير أنه تبين بعد ذلك أن المصلحة أرسلت إلى يوسف علي فاضل بعد فتح مظاريف العطاءات بخمسة وعشرين يوماً كتاباً تطلب إليه فيه أن يسدد لها التأمين المؤقت الذي كان قد تخلف عن تقديمه في الوقت المحدد. ولما كان هذا الإجراء مخالفاً للقانون ولسرية العطاءات ومبدأ المساواة بين المتقدمين للمناقصة، وكانت شروط المناقصة صريحة في وجوب تقديم العطاء مصحوباً بالتأمين كشرط أساسي للنظر فيه، فقد اضطر إلى إنذار المصلحة؛ حتى تضع حداً لهذه المخالفة. ومع ذلك فقد قبلت المصلحة من يوسف فاضل أن يدفع إليها التأمين المشروط لقبول العطاء بعد شهر تقريباً من تاريخ فتح المظاريف؛ وعلى هذا الأساس قامت بإرساء العطاء عليه، واستصدرت من المجلس الأعلى للسكة الحديد قراراً بذلك، مع أن هذا المجلس لا يمكن بقرار إداري يصدر منه أن يغير حكم القانون أو أن يمحو عيباً في إجراءات قبول العطاء، ولما كانت مصلحة السكك الحديدية قد بادرت بتسليم العملية إلى يوسف علي فاضل المذكور في أول يوليه سنة 1954، وكان يحق للمدعي إزاء ذلك أن يطلب إلغاء القرار المشار إليه، مع إلزام المصلحة بالتعويضات التي يقدرها من الآن بملغ عشرة آلاف جنيه على الأقل، بيد أنه يكتفي الآن مؤقتاً بطلب مبلغ قرش صاغ واحد على سبيل التعويض الرمزي لحين تحديد مقدار التعويض الكامل والمطالبة به بدعوى أخرى، فإنه يطلب "صدور الحكم بإلغاء القرار الصادر من المجلس الأعلى للسكة الحديد المتضمن إرساء مناقصة أعمال الشيالة بمحطات ومواصلات السكك الحديدية والنقل المائي عن المدة من أول يوليه سنة 1953 إلى آخر يونيه سنة 1954 - عن القسم الرابع من المناقصة المذكورة - على من يدعى يوسف علي فاضل، مع إلزام مصلحة السكك الحديدية بأن تدفع للطالب مبلغ قرش صاغ مصري بصفة تعويض رمزي مؤقت، مع المصاريف والأتعاب، ومع حفظ حق الطالب في المطالبة بالتعويض الكامل، وكذلك كافة الحقوق الأخرى من أي نوع كانت". وقد أودعت مصلحة السكك الحديدية ما لديها من ملفات متعلقة بهذا الموضوع، إلا أن - المدعي عقب على ذلك بأن ثمت أوراقاً نزعت من الملف الخاص بها، وأخرى يتعين ضمها لإظهار الحقيقة وبيان السوابق التي جرت عليها المصلحة، وصمم في مذكرته على ضم هذه الأوراق جميعاً، ثم أودع مذكرة أخرى ردد فيها وقائع النزاع تفصيلاً، وهي السابق إيرادها في صحيفة الدعوى، وأضاف إليها أن المناقصة موضوع النزاع الحالي هي مناقصة مفتوحة تلتزم فيها الإدارة باختيار من يتقدم بأفضل الشروط المالية من بين مقدمي العطاءات، وقد حددت الإدارة شرطاً مالياً من دفتر الشروط جعلت منه الشرط الأساسي لقبول أي عطاء، وهو وجوب إيداع مقدار التأمين المطلوب؛ إذ ورد في البند الخامس من الدفتر المذكور، الذي تسلم كل متقدم للمناقصة نسخة منه مقابل رسم معلوم لكي يلتزم بالخضوع لأحكامه، أنه يجب ألا يتأخر دفع هذا التأمين عن آخر موعد محدد لوصول العطاء، وذلك كشرط أساسي للنظر في العطاء، كما جاء في البند السابع منه أن ورد في هذا الدفتر المطبوع يعتبر جزاءاً متمماً لشروط التعاقد، وفي البند الثامن أنه إذا سحب مقدم العطاء عطاءه قبل الميعاد المحدد لفتح المظاريف فإن التأمين المؤقت المشروط دفعه مقدماً يصبح حقاً للمصلحة بدون اتخاذ أية إجراءات. غير أن المصلحة قبلت التأمين المشار إليه من يوسف علي فاضل بعد أن فتحت المظاريف، وتبين لها أن عطاءه خال من هذا التأمين، وبعد أن أصبحت العطاءات جميعها معروفة لجميع المتناقصين وزالت سريتها؛ وبذا يكون قد دفع التأمين المؤقت لا لكي يتقدم في المناقصة، بل لأنه علم أن المناقصة سوف ترسو عليه حتماً، وتكون المساواة بين المتناقصين قد انعدمت، كما انعدمت السرية، ولا يملك المجلس الأعلى للسكك الحديدية بقرار يصدر منه، بعد فتح المظاريف، أن يهدر قاعدة المساواة بين مقدمي العطاءات في المناقصة، وأن يقوم بتسليم العملية إلى شخص قررت المصلحة أن عطاءه غير مقبول وأنه مستبعد من النظر فيه. وإذا كان من المسلم أن للمصلحة الحق في أن تعيد المناقصة إذا شاءت أو أن تلغيها كلية، أو أن لا تقبل العطاء الأقل بين العطاءات المقدمة، إلا أنه ليس من حقها - بعد إذ أعلنت أنها لا تقبل عطاء شخص لا يرفق به مبلغ التأمين المطلوب، وبعد إذ فتحت المظاريف - أن تقبل مناقصة الشخص الذي لم يرفق هذا التأمين، وأن تسبب بذلك اختلال الموازنة بين المتناقصين. ولا حجة في القول بأن لصاحب العطاء المقبول تأميناً سابقاً؛ لأن هذه التأمين إنما هو خاص بعملية أخرى لا علاقة لها بالعملية الجديدة فضلاً عن أن شروط المناقصة واضحة في وجوب استبعاد العطاء غير المصحوب بتأمين؛ ومن ثم فإن تصرف المصلحة بقبول العطاء المشار إليه، وهو الذي كان واجباً استبعاده، يكون مشوباً بإساءة استعمال السلطة فضلاً عن مخالفته للقانون.
ومن حيث إن الهيئة العامة لشئون السكك الحديدية ردت على هذه الدعوى بمذكرة بدفاعها، ويتحصل في أنه عندما طرحت المناقصة موضوع النزاع من أعمال الشيالة بمحطات ومواصلات سكك حديد الحكومة والنقل المائي عن منطقة مصر، قامت لجنة البت في العطاءات بفحص جميع العطاءات المتقدمة، وأوصت بقبول أرخصها في ترتيب الأسعار، وكان أرخص العطاءات في منطقة القاهرة هو العطاء المقدم من يوسف فاضل بمبلغ 26.75 مليماً للطعن، ويليه عطاء المدعي بمبلغ 32.5 مليماً أي بزيادة قدرها 5.75 مليمات في الطعن الواحد، أي أن عطاء هذا الأخير يزيد في مجموعة عن العطاء الأول بنحو أربعة آلاف من الجنيهات، ولم يكن مقدم العطاء الأرخص قد أرفق بعطائه التأمين المؤقت وقدره أربعمائة جنيه؛ معتمداً في ذلك على أنه كان متعاقداً مع المصلحة في العام السابق عن العملية ذاتها وعن المنطقة عينها، وأن له تأميناً نهائياً قدره ألفان من الجنيهات بالإضافة إلى مبالغ أخرى مستحقة له عن عمليات الشيالة ذاتها. وعلى الرغم من ذلك فقد قررت لجنة البت في العطاءات تكليفه دفع التأمين المؤقت الذي قام بتوريده فعلاً، فقرر قبول عطائه. وقد أيدت مراقبة الإيرادات والمصروفات التي لها الإشراف على المصلحة قرار اللجنة بقبول العطاء الأرخص، وعرض الأمر على مجلس إدارة السكة الحديد، فوافق عليه وصدر بذلك القرار الوزاري رقم 130 لسنة 1954 وتم التعاقد. وقد رفع المدعي هذه الدعوى، فأودعت الهيئة الملف المتعلق بها، إلا أن المذكور أثار اعتراضاً بشأن ما يتبين من أن الأرقام المسلسلة بالملف رقم 123/ 6/ 50 قد قفزت من 30 إلى 68 مباشرة، زاعماً أن ثمت أورقاً كانت لمصلحته ونزعت من الملف عمداً. وحقيقة الواقع أن في الأمر التباسا نتج عن سهو غير مقصود من موظف محفوظات الإدارة العامة بالمصلحة؛ ذلك أن كتاباً صادراً من سكرتارية البضائع إلى السيد المهندس مساعد المدير العام تحت رقم 740/ 1/ 26 ومؤرخاً 26 من يونيه سنة 1954 رؤى نقله إلى الملف 123/ 6/ 50، في حين أنه خاص بالملف رقم 29/ 4/ 1، ولما كان رقمه في هذا الملف الأخير هو 68، فقد وضع بعد آخر ورقة في الملف الأول ورقمها 30، إلا أن الموظف المختص لم يفطن إلى تعديل رقمه إلى 31، بل تركه على حاله حاملاً رقم 68، فلما أرفقت الورقة التالية بعد ذلك أعطيت رقم 69، وهكذا حتى نهاية الملف. ومصداق ذلك أن الرقم المسلسل 30 تاريخه 24 من يونيه سنة 1954، والرقم المسلسل 68 تاريخه 26 منه، ولو كانت هناك أوراق أخرى من 31 إلى 67 لتسلسلت تواريخها في فاصل زمني لا يقل عن بضعة أشهر. أما عن الموضوع فإن الغاية التي يجب أن يستهدفها القرار الإداري بإرساء العطاء في مثل الحالة المعروضة هي التعاقد على أرخص العطاءات وأحسنها؛ حتى تتحقق المصلحة العامة وتقتصد أموال الدولة؛ ومن أجل ذلك وضعت شروط المناقصة بحيث تكفل للإدارة حرية واسعة في التصرف حتى يمكنها الوصول إلى الغاية المقصودة؛ فنص في البند الرابع من الشروط على أنه "ليست المصلحة ملزمة بقبول أقل عطاء أو أي عطاء آخر، ولها الحق أن تلغى المناقصة حسبما يتراءى لها بعد تقديم العطاءات أو قبل ذلك بدون إبداء الأسباب، ولا يكون لمقدمي العطاءات الحق في المطالبة بأي تعويض". كما أن المادتين الرابعة والسادسة من القانون رقم 236 لسنة 1954 الخاص بتنظيم المناقصات والمزادات أجازتا التفاوض مع صاحب العطاء الأقل إذا كان مقترناً بتحفظات؛ لينزل عن تحفظاته كلها أو بعضها؛ حتى يجعل عطاءه متفقاًَ مع شروط المناقصة بقدر الإمكان، وبما لا يدع مجالاً للشك في أنه أصلح العطاءات. وفي ضوء هذا يكون يوسف فاضل، صاحب أرخص عطاء، قد تحفظ في دفع التأمين المؤقت رغبة في خصمه مما هو مستحق له من تأمين نهائي ومبالغ أخرى عن عملية العام السابق، ولكن المصلحة - إذ رأته أرخص كثيراً من العطاء التالي - فأوصته ليدفع التأمين المؤقت نقداً ففعل؛ وبذا استوفى الشروط، وأصبح عطاؤه أصلح العطاءات، ولا تثريب عليها في ذلك ما دامت قد ابتغت بهذا الصالح العام وحده، وهو توفير زهاء أربعة آلاف جنيه في العام؛ ومن ثم يكون عيب إساءة استعمال السلطة الذي ينسبه المدعي إلى القرار المطعون فيه غير قائم على أساس من الواقع أو القانون. أما عيب مخالفة الشكل أو الإجراءات الذي ينعاه على القرار المطعون فيه فمردود بأن الإجراءات الشكلية إنما تقرر دائماً بقصد تحقيق الصالح العام في حسن الإدارة، وأن القضاء في مصر وفي فرنسا قد اتجه إلى حل وسط بين التمسك الدقيق بالشكل وبين التساهل الكبير فيه، وذلك بالأخذ بالتفرقة بين الشكليات الجوهرية والشكليات الثانوية، وبين الشكليات المفروضة لصالح الإدارة والشكليات المقررة لصالح الأفراد. فالقضاء الإداري لا يترتب جزاء البطلان على مخالفة الشكل إلا إذا كان الإجراء الذي أهمل إجراء جوهرياً من ناحية، وموضوعاً لصالح الأفراد من ناحية أخرى، أما إذا كان الإجراء مقرراً لصالح الإدارة وحدها فلا يترتب على عدم مراعاته البطلان، إلا إذا كانت الإدارة هي التي تتمسك بهذا البطلان. والشرط الشكلي في هذه الدعوى، وهو إرفاق التأمين المؤقت بالعطاء إنما هو موضوع لصالح الإدارة وحدها، ولا شأن للمدعي ولا لغيره من الأفراد به؛ إذ أن حكمته أن يكون ضماناً تحت يدها تصادره إذا ما نكل مقدم العطاء عن إيجابه. فإذا رأت أن مقدم العطاء مضمون لها من جهة أخرى - كما هو الحال بالنسبة إلى يوسف فاضل الذي له مبالغ كبيرة لديها - فلا تثريب عليها إذا ضربت صفحاً عن هذا الشرط، ولو مؤقتاً، حتى تكلفه بالدفع على الرغم مما له عندها. وقد أوضح رئيس لجنة البت في العطاءات هذا النظر؛ إذ ذكر في محضر اجتماعها أن المبدأ المتبع لديها هو أن العطاء الذي لم يدفع عنه تأمين ابتدائي ويرى من المصلحة قبوله يوصى عليه ويطالب صاحبه بدفع التأمين قبل إتمام العقد. وقد عرض الأمر على المجلس الأعلى للسكك الحديدية فأقره. ولا وجه لقياس مسلك الإدارة في الحالة المعروضة على مسلكها في حالات أخرى تمسك فيها بضرورة تقديم التأمين المؤقت؛ إذ لكل حالة ظروفها، هذا إلى أن من سلطة الجهة التي تصادق على قرار إرساء المناقصة، وهي المجلس الأعلى للسكك الحديدية، أن تصحح ما وقع من مخالفة في الإجراءات. ومتى كان الأمر كذلك فلا تترتب أية مسئولية على الإدارة؛ ما دام القرار المعيب شكلاً له ما يبرره من ناحية الموضوع. وخلصت الهيئة من هذا إلى طلب: "أولاً - الحكم برفض الدعوى يشقيها، مع إلزام المدعي بالمصاريف ومقابل أتعاب المحاماة. ثانياً - إعفاء الحكومة من الغرامات المحكوم بها".
ومن حيث إن السيد مفوض الدولة أودع تقريراً بالرأي القانوني مسبباً انتهي فيه - للأسباب التي أبداها - إلى أنه يرى الحكم "بإلغاء القرار الصادر من مجلس إدارة سكك حديد جمهورية مصر بتاريخ 29 من مايو سنة 1954 فما تضمنه من إرساء مناقصة أعمال الشيالة خلال سنة 1954 - 1955 في القسم الرابع من المناقصة على يوسف علي فاضل، وإلزام المصلحة المدعي عليها بدفع قرش صاغ للمدعي على سبيل التعويض الرمزي، وإلزام المدعى عليها بالمصروفات". وبجلسة 2 من ديسمبر سنة 1956 ألزمت المحكمة مصلحة السكك الحديدية بغرامة قدرها خمسة جنيهات، كما ألزمتها بجلسة 24 من فبراير سنة 1957 بغرامة قدرها عشرة جنيهات تمنح للمدعي؛ لعدم تقديمها ما طلبه من أوراق.
ومن حيث إنه بجلسة 29 من ديسمبر سنة 1957 قضت محكمة القضاء الإداري (الهيئة الخامسة) في هذه الدعوى "بإلزام هيئة السكة الحديد بأن تدفع للمدعي مبلغ قرش واحد على سبيل التعويض المؤقت وكامل مصاريف الدعوى ومبلغ خمسمائة قرش مقابل أتعاب المحاماة". وأقامت قضاءها على أن جهة الإدارة عند تعاقدها مع الأفراد أو الهيئات العامة تسير على مقتضى تنظيم إداري تضمنته أحكام القانون رقم 236 لسنة 1954 الخاص بتنظيم المناقصات والمزايدات وكذا نصوص لائحة المخازن والمشتريات فيما لا يتعارض مع أحكام هذا القانون، وأن مقتضى هذا التنظيم أن الإجراءات التي تنتهي بالتعاقد تتولاها جهات ثلاث: (الأولى) لجنة فتح المظاريف، و(الثانية) لجنة البت في العطاءات، و(الثالثة) جهة التعاقد. ولكل من هذه الجهات الثلاث اختصاص معين، وقد أشار القانون رقم 236 لسنة 1954 إلى هذه الجهات في المادة الثانية منه. وهذا الاختصاص هو اختصاص مقيد؛ بمعنى أن القواعد التي تحكم إجراءات المناقصة ليست مجرد قواعد مصلحيه داخلية للإدارة إن شاءت تمسكت بها وإن شاءت تنازلت عنها، بل هي قواعد وضعت لصالح الإدارة والأفراد على السواء، وقصد بها كفالة احترام مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص بين المتناقصين جميعاً؛ حتى تنتهي الإجراءات بإرساء المناقصة على صاحب أقل عطاء. ويقابل هذا الاختصاص المقيد سلطة تقديرية لجهة التعاقد، هي حق هذه الجهة في عدم إتمام التعاقد والعدول عنه بإلغاء المناقصة؛ حتى لا يفرض عليها التعاقد مع شخص لا تقلبه، أو إذا تبينت ملاءمة اتخاذ هذا القرار لظروف تتعلق بالمصلحة العامة أو المصلحة المالية أو الإدارية. وقد نصت الشروط العامة التي طرحت على أساسها المناقصة موضوع النزاع في البند الخامس منها على أنه يجب كشرط أساسي للنظر في أي عطاء أن يدفع مقدمه تأميناً مؤقتاً عن كل قسم من أقسام الشيالة، ويجب ألا يتأخر دفع التأمين عن الوقت المحدد كآخر موعد لوصول العطاءات، وهذا الالتزام بتقديم التأمين المؤقت يعتبر من الشروط الجوهرية التي يحتملها مبدأ المساواة بين المتناقصين ضماناً لجدية العطاءات؛ ومن ثم فإن اختصاص جهة الإدارة في شأنه يكون مقيداً، ويكون ما قررته لجنة فتح المظاريف - من استبعاد عطاء يوسف علي فاضل لعدم دفعه التأمين المؤقت - مطابقاً للقانون، وما قررته لجنة البت في العطاءات - من التوصية بقبول عطاء يوسف علي فاضل بشرط دفع التأمين قبل التعاقد وكذا ما قرره مجلس إدارة الهيئة متفرقاً في 28 و29 من يونيه سنة 1954 من إرساء المناقصة على المذكور - مشوباً بعيب مخالفة القانون، وكان يتعين الحكم بإلغائه. إلا أنه نظراً لأن ميعاد تنفيذ المناقصة قد انقضى وتم تنفيذها فعلاً، فلم تعد ثمت جدوى من الحكم بالإلغاء، ويكفي لتقرير مسئولية الهيئة عن هذا القرار الحكم للمدعي بالتعويض المؤقت الذي طلبه، مع إلزام الهيئة بكامل مصروفات الدعوى، سواء ما كان منها خاصاً بطلب الإلغاء أو بطلب التعويض، وحفظ حق المدعي في المطالبة بالتعويض الكامل عما لحقه من ضرر بدعوى على حدة.
ومن حيث إن السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة قد طعن في هذا الحكم بعريضة أودعها سكرتارية هذه المحكمة في 27 من فبراير سنة 1958 وطلب فيها "قبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع إلغاء الحكم المطعون فيه، والقضاء برفض الدعوى، وإلزام رافعها المصروفات". واستند في أسباب طعنه إلى أن الهيئة العامة السكك الحديدية عندما فأوصت مقدم العطاء الأرخص لينزل عن تحفظه الخاص بخصم التأمين المؤقت من المبالغ المستحقة له عند المصلحة من عمليات سابقة إنما فاوضته بمقتضى ما لها من سلطة القانون رقم 236 لسنة 1954 بتنظيم المناقصات والمزايدات التي تبيح لها اتخاذ هذا الإجراء. والحكم الوارد في القانون المذكور في هذا الشأن هو حكم عام مجرد لم يوضع لصالح مقدم عطاء بذاته، إنما وضع لصالح الإدارة؛ تمكيناً لها من أن تختار من بين العطاءات المقدمة أفضلها. والمناط في استعمال هذه الرخصة هو تحقيق الشروط الواجب توافرها في العطاء الذي يصح أن يكون محلاً لهذه المفاوضة، فلا يتصور - والحالة هذه - أن يكون في تطبيق هذا الحكم أي إخلال بالمبادئ الأساسية التي تحكم المناقصات؛ لأن جميع المتناقصين يعلمون به سلفاً، فبمقتضى هذا الحكم يكون للإدارة كامل الحق في أن تتفاوض مع صاحب أقل عطاء لينزل عن تحفظاته التي اقترنت بطريقة دفع التأمين مثلاً، أو بوسيلة التوريد أو بالمدة المحددة له أو بطريقة السداد، طالما أن هذه المفاوضة لا تمس فئات الأسعار؛ إذ أن التفاوض في ذلك أو في التحفظات التي قد يتأثر بها زيادة أو نقصاً هو فقط الذي يخل بمبدأ المساواة إذا أتيحت الفرصة لمتناقص بعد فتح المظاريف لكي يعدل في فئات أسعار العطاء. وعلى ذلك فمتى تقدم العطاء قبل الميعاد المحدد لفتح المظاريف كان للإدارة - إذا توافرت له شروط الحكم المشار إليه - أن تتفاوض مع مقدمه لينزل عن كل أو بعض تحفظاته بما يجعل عطاءه متفقاًَ مع شروط المناقصة بقدر الإمكان، وبما لا يدع مجالاً للشك في أنه أصلح من العطاء الأقل غير المقترن بأي تحفظ. فإذا كان الثابت في الحالة المعروضة أن صاحب العطاء الذي تفاوضت معه الهيئة العامة للسكك الحديدية هو صاحب أقل عطاء ويقل عن أقل عطاء من العطاءات غير المقترنة بتحفظات بحوالي أربعة آلاف جنيه، فإن الهيئة لا تكون قد فعلت أكثر من أنها استعملت سلطتها تحقيقاً لصالح المرفق الذي تقوم على إدارته، مما كان يتعين معه رفض الطعن في القرار الصادر منها في هذا الخصوص، ورفض التعويض عنه تبعاً لذلك. وإذ ذهب الحكم المطعون فيه مذهباً مخالفاً، فإنه يكون قد خالف القانون، واستوجب الطعن فيه.
ومن حيث إن ما يثيره المدعي من اعتراض قائم على زعمه بأن ثمت أوراقاً من رقم 31 إلى رقم 67 نزعت من الملف المضموم رقم 123/ 6/ 50 الخاص بمقاومة الشيالة عن المدة من أول يوليه سنة 1954 إلى 30 يونيه سنة 1955 موضوع النزاع، منتزعاً هذا الاستنتاج من عدم تسلسل ترقيم مرافقات هذا الملف وانتقال أرقام صفحاته من رقم 30 إلى رقم 68، ومستخلصاً من ذلك أن الأوراق المظنون سلخها من الملف إنما كانت لمصلحته وسحبت عمداً إضراراً به، مع أنه يبين محتوياتها أو مدى تعلقها بموضوع الدعوى وتأثيرها في وجه الفصل فيها، وإن ما يثيره المدعي في هذا الشأن مردود بما أبدته الهيئة العامة لشئون السكك الحديدية من تعليل مقبول لهذا الفراغ في التسلسل من أنه إنما وقع نتيجة سهو من موظف محفوظات الإدارة العامة بها لدى إرفاقه كتاب سكرتارية البضائع الموجه إلى مساعد المدير العام في 26 من يونيه سنة 1954 تحت رقم 740/ 1/ 26 والخاص بالملف المشار إليه في صدره، وهو الملف رقم 29/ 4/ 1 لا بالملف المضموم رقم 123/ 6/ 50؛ إذ أنه عند إرفاقه الكتاب المذكور بهذا الملف الأخير - وقد كان يحمل في ملفه الأصلي رقم 68 - وضعه بعد الورقة رقم 30 التي كانت آخر ورقة وقتذاك، وفاته أن يعدل رقمه إلى 31، فأبقاه برقمه كما هو، ولم يفطن إلى هذه الطفرة في التسلسل، ثم تدرج في ترقيم ما تلاه من مرافقات ابتداء من رقم 69؛ ومصداق ذلك ما هو ملحوظ من اتحاد التاريخ بين كل من المرفق30 والمرفق رقم 68؛ إذ كلاهما مؤرخ 26 من يونيه سنة 1954. ومن غير المعقول أن تكون المكاتبات المدعي بنزعها من الملف والتي كان واجباً أن تتسلسل من رقم 31 إلى رقم 67 قد صدرت جميعها في اليوم ذاته دون فاصل زمني. على أنه مهما يكن من أمر في شأن صحة أو عدم صحة اعتراض المدعي في هذا الخصوص، فإن ما هو موجود من الأوراق بملف المقالة آنف الذكر وبملف الدعوى يتضمن كافة العناصر اللازمة لاستجلاء وقائعها وإمكان الفصل في موضوعها.
ومن حيث إن من الأسس التي يقوم عليها تعاقد الإدارة مع الأفراد أو الهيئات عن طريق المناقصات العامة أو المحلية أن يخضع هذا التعاقد لاعتبارات تتعلق بمصلحة المرفق المالية التي تتمثل في إرساء المناقصة على صاحب العطاء الأرخص بتغليب مصلحة الخزانة على أي اعتبار أخر، وكذا بمصلحته الفنية التي تبدو في اختيار المناقص الأفضل من حيث الكفاية الفنية وحسن السمعة، وفي ترجيح أي من هاتين المصلحتين تتمتع الإدارة بسلطة تحددها القواعد المقررة في هذا الشأن، ومنها لائحة المخازن والمشتريات المصدق عليها بقرار مجلس الوزراء الصادر في 6 من يونيه سنة 1948، والمرسوم بقانون رقم 58 لسنة 1953 الخاص بتنظيم المناقصات المعدل بالقانون رقم 188 لسنة 1953، والقانون رقم 384 لسنة 1953 بتعديل بعض الأحكام المتعلقة باختصاصات مجلس الوزراء، ثم القانون رقم 236 لسنة 1954 بتنظيم المناقصات والمزايدات. ويحكم المناقصات العامة مبدآ المنافسة والمساواة، بيد أن هذا الأخير يخضع لقيود منها ما يتعلق بمصلحة المرفق، ومنها ما يتصل بحماية الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في الدولة، ومن الأولى أهلية مقدم العطاء القانونية وحسن سمعته وكفايته الفنية وكذا كفايته المالية التي يقتضي التثبت منها أن يودع تأميناً مؤقتاً تنص عليه وتعين مقداره كراسة الشروط كضمان لجدية العطاء وصدق النية فيه ولتنفيذ العقد ممن يرسو عليه وتعويض الإدارة في حالة إعادة المناقصة على حسابه إذا ما نكل عن إيجابه، وهذا كله بخلاف التأمين النهائي. وقد نص البند الخامس من قائمة شروط ومواصفات العطاء موضوع الدعوى المتعلق بأعمال الشيالة بمحطات ومواصلات سكك حديد جمهورية مصر والنقل المائي عن المدة من أول يوليه سنة 1954 لغاية آخر يونيه سنة 1955، وهو البند الخاص بالتأمين المؤقت "على أنه يجب كشرط أساسي للنظر في أي عطاء أن يدفع مقدم العطاء بالكيفية المنصوص عنها فيما بعد المبلغ المبين بعد، وذلك بصفة تأمين مؤقت عن كل قسم من أقسام الشيالة... ويجب ألا يتأخر دفع هذا التأمين عن الوقت المحدد كآخر موعد لوصول العطاءات. ويجوز تقديم هذا التأمين المؤقت على أي وجه من الوجوه الآتية: ( أ ) نقداً، وتدخل تحت ذلك الحوالات والأذونات البريدية والشيكات المقبولة من بنك معروف وموجود في جمهورية مصر... (ب) سندات الحكومة المصرية أو أية سندات أخرى لحاملها متعمدة من المصلحة... (ج) خطاب كفالة حسب الاستمارة حرف "أ" المرفقة بهذه الشروط من أحد البنوك الموجودة في جمهورية مصر والمعتمدة من وزارة المالية المصرية...". ونص القانون رقم 236 لسنة 1954 بتنظيم المناقصات والمزايدات في الفقرة الأولى من مادته الثانية على أنه: "يجب أن يسبق قرار الجهة المختصة بإبرام العقود - فيما يجب أن يتم منها بطريق المناقصات العامة وفقاً لأحكام المادة السابقة - أن تتولى فحص العطاءات، إذا تمت بطريق المظاريف لجنتان تقوم إحداهما بفتح المظاريف وتقوم الثانية بالبت في هذه العطاءات..". وبذا عين الجهات التي تتولى الإجراءات الخاصة بالمناقصات في مختلف مراحلها، وهي: لجنة فتح المظاريف، ولجنة البت في العطاءات، ثم الجهة المختصة بإبرام العقود. كما نص في مادته الرابعة على أنه "لا يجوز بعد فتح المظاريف الدخول في مفاوضة مع أحد مقدمي العطاءات في شأن تعديل عطائه، ومع ذلك إذا كان العطاء الأقل مقترناً بتحفظ أو تحفظات، وكان أقل عطاء غير المقترن بشيء من ذلك تزيد القيمة الرقمية كثيراً على العطاء المقترن بتحفظات، جاز التفاوض مع مقدم أقل عطاء مقترن بتحفظات لينزل عن كل تحفظاته أو بعضها بما يجعل عطاءه متفقاًَ مع شروط المناقصة بقدر الإمكان، وبما لا يدع مجالاً للشك في أنه أصلح من العطاء الأقل غير المقترن بأي تحفظ، فإذا رفض فيجوز التفاوض مع من يليه؛ بحيث لا تجرى مفاوضة في التعديل مع صاحب عطاء إلا إذا رفض هذا التعديل جميع مقدمي العطاءات الأقل منه. ويسري الحكم المتقدم ولو كانت العطاءات كلها مقترنة بتحفظات أو كانت كلها غير مقترنة بشيء منها وكان العطاء الأقل يزيد على القيمة السوقية ولم يتقرر إلغاء المناقصة لهذا السبب...". كذلك نص في المادة السادسة منه على أنه "مع مراعاة حكم المادة السابقة لا يجوز بعد البت في طلبات الاستبعاد إرساء المناقصة إلا على صاحب أقل عطاء، سواء أكان هذا العطاء مستوفياً لجميع المواصفات والشروط أم أنه أصبح أصلح العطاءات بعد المفاوضة". وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمرسوم بقانون رقم 58 لسنة 1953 بتنظيم المناقصات، تعليقاً على المادة الرابعة منه المقابلة للمادة الرابعة من القانون رقم 236 لسنة 1954 آنف الذكر والمطالبة لها - أن "المساواة في العطاءات تكون قبل الدخول في المناقصة بتوحيد الشروط التي تطرح على أساسها. وبعد فتح المظاريف بإرساء المناقصة على صاحب أقل عطاء، ما لم يستبعد لأسباب تبرر هذا الاستبعاد. وقد جاء نص المادتين الرابعة والخامسة مطابقاً لهذا الحكم ومكملاً له؛ فنص صراحة في المادة الرابعة على أنه لا يجوز، بعد فتح المظاريف، المفاوضة في تعديل العطاء إلا مع صاحب أقل عطاء، وإذا رفع فمع من يليه؛ بحيث لا تجرى مفاوضة مع صاحب عطاء إلا إذا رفض هذا التعديل جميع مقدمي العطاءات الأقل؛ ذلك لأن صاحب أقل عطاء، ما لم يستبعد، هو في الأصل صاحب الحق في إرساء المناقصة عليه إذا كان عطاؤه مناسباً، فلا ضير على أحد من أصحاب العطاءات الأخرى، ولا يخل بالمساواة الواجبة بالنسبة إليهم أن يعدل العطاء الأقل إلى ما هو أقل، أو لكي يكون متمشياً مع مواصفات المناقصة وشروطها. وقد اشترط لإجراء المفاوضة صدور قرار بها من لجنة البت؛ لأنه سواء كيف هذا الإجراء بأنه تصفية لإجراءات المناقصة، أم هو ممارسة على أساس ما أسفرت عنه المناقصة، فإن لجنة البت، وقد تولت إجراءات المناقصة، أقدر على الاضطلاع بهذه المهمة من أية هيئة أخرى". ومفاد ما تقدم إنه ولئن كان إيداع التأمين المؤقت من مقدم العطاء في الوقت المحدد كآخر موعد لوصول العطاءات شرطاً أساسياً للنظر في عطائه، سواء كان هذا التأمين نقداً أو سندات أو كفالة مصرفية، وكان هذا الشرط مقرراً للصالح العام للمحكمة التي سلف بيانها، دون ترتيب جزاء البطلان على مخالفته إذا ما اطمأنت الإدارة إلى ملاءة مقدم العطاء شأن الجمعيات التعاونية، إلا أن الشارع رأى مع ذلك - رغبة منه في تمكين الإدارة من الحصول على أصلح العطاءات لخير المرفق وصيانة لأموال الدولة إجازة المفاوضة بعد فتح المظاريف، مع صاحب العطاء الأقل إذا كان مقترناً بتحفظ أو تحفظات، وكانت القيمة الرقمية لأقل عطاء غير المقترن بشيء من ذلك تزيد كثيراً على العطاء المقترن بتحفظات وذلك لكي ينزل عن كل تحفظاته أو بعضها بما يوفق بين عطائه وشروط المناقصة قدر الاستطاعة ويجعله أصلح من العطاء الأقل غير المقترن بأي تحفظ، فإذا رفض، جاز التفاوض مع من يليه؛ ذلك لأن صاحب أقل عطاء، ما لم يستبعد، هو في الأصل صاحب الحق في إرساء المناقصة عليه إذا كان عطاؤه مناسباً؛ ولأن تعديل عطائه إلى ما هو أقل أو إلى ما يجعله متمشياً مع مواصفات المناقصة وشروطها لا ضير منه على أي من أصحاب العطاءات الأخرى، ولا يخل بقاعدة المساواة الواجبة بالنسبة إليهم، سواء كيف هذا الإجراء بأنه تصفية لإجراءات المناقصة، أو بأنه ممارسة على أساس ما تمخضت عنه المناقصة، ومرجع الأمر في هذا إلى لجنة البت في العطاءات باعتبارها أقدر من أية هيئة أخرى على الاضطلاع بهذه المهمة، وهي تتولى إجراءات المناقصة وتبت فيها. ولا يجوز بعد البت في طلبات الاستبعاد إرساء المناقصة إلا على صاحب أقل عطاء بالوضع المتقدم، أي سواء كان مستوفياً لجميع المواصفات والشروط، أو كانت المفاوضة قد أسفرت عن صيرورته أصلح العطاءات.
ومن حيث إن الحكم المتقدم يصدق ما دام العطاء الأقل قائماً لم يستبعد، وتنص المادة الثالثة من القانون رقم 236 لسنة 1954 على أن "تعرض العطاءات على لجنة البت مشفوعة بملاحظات رئيس المصلحة أو الفرع المختص. ويجب أن تتضمن هذه الملاحظات إبداء الرأي في أصحاب العطاءات من حيث كفايتهم المالية والفنية وحسن السمعة. وإذ رأى استبعاد عطاء أو أكثر يجب أن يكون رأيه مسبباً. كما يجب قرار اللجنة بالاستبعاد مسبباً إذا كان العطاء المستبعد هو أقل عطاء". والثابت من الأوراق أن إدارة الحركة والبضائع بمصلحة السكك الحديدية التي قامت بفحص العطاءات المقدمة من أعمال الشيالة والنقل المائي لعام 1954/ 1955 الخاصة بالمناطق المطروحة لم تر استبعاد العطاء المقدم من يوسف علي فاضل عن منطقة بسعر 26 و3/ 4 مليم للطن على الرغم من عدم استيفائه للتأمين، وذلك لكونه أرخص العطاءات، ويليه العطاء المقدم من المدعي بسعر 32 و1/ 2 مليم للطن. وقد كان سندها في عدم استبعاد عطاء يوسف علي فاضل أن المذكور هو نفس المقاول الذي كان متعاقداً مع المصلحة في السنة الماضية عن المنطقة ذاتها، وأن لديها تأميناً نهائياً مودعاً منه عن العقد السابق علاوة على مبالغ أخرى مستحقة له مما يطمئن إلى ملاءته، وأنه ارتكن في عطائه الجديد على هذا التأمين. وقد فحصت لجنة البت في العطاءات جميع العطاءات المقدمة، وأوصت بقبول أرخصها في ترتيب الأسعار عن المناطق جميعاً، على أن يطلب إلى يوسف علي فاضل مقدم العطاء الأرخص عن المنطقة الرابعة (مصر) استيفاء التأمين المطلوب، وفي حالة رفضه دفع هذا التأمين يوصى بقبول عطاء المدعي الذي يليه في الرخص، وقد قام يوسف فاضل فعلاً بإيداع التأمين المؤقت بمخازن بضائع مصر فور مطالبته به، ولم يقبل عطاؤه إلا بعد هذا الإيداع. وقد جاء بمحضر اجتماع لجنة البت في العطاءات بجلستها المنعقدة في 15 من يونيه سنة 1954 على لسان رئيسها أن "المبدأ المتبع في هذه اللجنة أن العطاء الذي لم يدفع تأميناً ابتدائياً ويرى أنه من صالح المصلحة قبوله يوصى عليه ويطالب بدفع التأمين قبل إبرام العقد؛ لذلك أرى اتباع ذلك بالنسبة إلى صاحب العطاء الأرخص المقدم عن قسم مصر، فإذا لم يقبل دفع التأمين يوصى على التالي له". وقد وافقت اللجنة على هذا الرأي، ثم رفعت به إلى مجلس إدارة السكة الحديد المذكور رقم 6 المؤرخة 28 من يونيه سنة 1954 فوافق عليها المجلس في 28 و29 منه، وصدر القرار الوزاري رقم 130 لسنة 1954 (سكة حديد) بتكليف مدير عام المصلحة تنفيذ ما أقره المجلس.
ومن حيث إن اعتماد يوسف علي فاضل على ما له من مبالغ مستحقة قبل المصلحة كتأمين نهائي ومبالغ أخرى عن عملية العام السابق تجاوز في مقدارها قيمة التأمين المؤقت المطلوب في المناقصة موضوع النزاع لا يعني تخلفه قصداً عن استيفاء شرط البند الخامس من دفتر الشروط أو تحلله منه، بل مجرد فهم منه لجواز التحفظ الضمني في شأن طريقة دفع التأمين؛ ارتكاناً على إمكان تحقيق شرط أدائه بالخصم في تلك المبالغ، ولا سيما أن البند الخامس المشار إليه أورد ضروباً من الأوجه التي يجوز أن يؤدي بها التأمين المذكور، كالنقد والحوالات والاذونات البريدية والشيكات المقبولة وسندات الحكومة والسندات لحاملها والكفالة المصرفية. وليس شأن يوسف فاضل في هذا المقام بالنظر إلى وضعه الخاص إزاء المصلحة شأن من لم تسبق له علاقة تعامل معها، أو من ليس له مال لديها يفي بالتأمين المطلوب، وإن يكن ماله غير حال الأداء. وقد بادر بسداد قيمة هذا التأمين بمجرد دعوته إلى ذلك، ولم تقبل المصلحة عطاءه أو ترتبط به إلا بعد أن قام بتوريد مبلغ التأمين اللازم، وقد صادق مجلس إدارة السكة الحديد وكذا وزير المواصلات على هذه الإجراءات جميعها مقراً لها ومصححاً إياها. وبذلك استعملت الإدارة حقها في المفاوضة المخول لها قانوناً؛ لكي ينزل صاحب العطاء والأرخص عن تحفظه القائم على خصم التأمين الابتدائي مما هو مستحق له في ذمتها من مبالغ، وتغيت بإعمال هذه الرخصة، بمقتضى سلطتها التقديرية في تيسر المرفق القائمة عليه، وجه المصلحة العامة مجردة عن الميل أو الهوى، ولم تصدر في هذا عن رغبة غير مشروعة في محاباة أحد مقدمي العطاءات على الآخر بدون وجه حق إضراراً بصالح المرفق أو بالصالح العام، بل فاوضت يوسف فاضل بعد إذ وجدت عطاءه أرخص من العطاء التالي له غير المقترن بتحفظ وهو عطاء المدعي، فلما قبل إيداع التأمين المؤقت وأودعه أصبح عطاؤه أصلح العطاءات؛ الأمر الذي تنتفي معه شبهة إساءة استعمال السلطة، ولا ينطوي على أي إخلال بمبدأ المساواة أو تكافؤ الفرص بين مقدمي العطاءات المفروض علمهم مقدماً بحكم القانون في جواز هذه المفاوضة التي اقتصرت في خصوصية هذا النزاع على النزول عن التحفظ الخاص بوسيلة دفع التأمين الابتدائي لا على الإعفاء منه، ولم تمس فئات الأسعار أو الشروط الموضوعية. ولا سيما أن البند الرابع من دفتر الشروط ينص على أنه "ليست المصلحة ملزمة بقبول أقل عطاء أو أي عطاء آخر، ولها الحق أن تلغي المناقصة حسبما يتراءى لها بعد تقديم العطارات أو قبل ذلك بدون إبداء الأسباب، ولا يكون لمقدمي العطاءات الحق في المطالبة بأي تعويض". وقد ضبطت المادة السابعة من القانون رقم 236 لسنة 1954 حدود مثل هذا الشرط؛ إذ بينت الحالات التي يجوز فيها إلغاء المناقصات أو العطاء الأقل. وإذ كان تصرف المصلحة سليماً مطابقاً للقانون وغير مشوب بإساءة استعمال السلطة، فلا وجه لما يطلبه المدعي من إلغاء قرار إرساء المناقصة على يوسف علي فاضل، ولا يترتب له، تبعاً لذلك، أي حق في تعويض؛ ومن ثم فإن طعن السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة يكون على أساس سليم من القانون، ويكون حكم محكمة القضاء الإداري المطعون فيه، إذ قضى بإلزام الهيئة العامة لشئون السكك الحديدية بأن تدفع للمدعي مبلغ قرش صاغ واحد على سبيل التعويض المؤقت وكامل مصروفات الدعوى، قد أخطأ في تأويل القانون وتطبيقه، ويتعين القضاء بإلغائه، وبرفض الدعوى في شقيها، مع إلزام المدعي بكامل مصروفاتها.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه، وبرفض الدعوى، وألزمت المدعي بكامل المصروفات.

الطعن 1890 لسنة 32 ق جلسة 28 / 11 /1993 إدارية عليا مكتب فني 39 ج 1 ق 26 ص 299

جلسة 28 من نوفمبر سنة 1993

برئاسة السيد الأستاذ المستشار/ علي فؤاد الخادم - رئيس مجلس الدولة، وعضوية السادة الأساتذة: محمد معروف محمد، والسيد محمد السيد الطحان، وادوارد غالب سيفين، وأحمد عبد العزيز أبو العزم - المستشارين.

----------------

(26)

الطعن رقم 1890 لسنة 32 القضائية

(أ) اختصاص - ما يدخل في اختصاص مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري - المنازعات الإدارية. (دستور).
المادة 10 من قانون مجلس الدولة رقم 47 لسنة 1972 - أضحى مجلس الدولة بموجب الدستور والقانون المنفذ له صاحب الولاية العامة بنظر المنازعات الإدارية بحسبانه القاضي الطبيعي والمؤهل في هذا النوع من المنازعات وقاضي القانون العام - أفصحت البنود (أولاً) حتى (ثالث عشر) من المادة 10 عن منازعات إدارية معينة ألمحت إليها بصريح النص على سبيل المثال واستوت منازعات إدارية بنص القانون لا يقبل خلف على كنهها أو تكييفها غير أنها لا تستوي وحدها كل المنازعات الإدارية التي ينبسط اختصاص مجلس الدولة شاملاً لها - اختصاص مجلس الدولة بسائر المنازعات الإدارية مما لا يدخل في عداد البنود المذكورة - تطبيق.
(ب) اختصاص - ما يدخل في اختصاص مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري - العمل المادي التنفيذي.
مجال التمييز بين القرار الإداري الذي يكون مستهدفاً بدعوى الإلغاء وبين العمل المادي التنفيذي الذي يدخل في عداد المنازعات الإدارية - قرار إداري - تعريفه - قد يكون القرار الإداري ضمنياً أو سلبياً عندما ترفض الجهة الإدارية أو تمتنع عن اتخاذ إجراء كان من الواجب عليها اتخاذه بحكم القانون - يتعين لقيام القرار السلبي أن يكون ثمة إلزام على الجهة الإدارية اتخاذ قرار معين - لا يكون من القرارات الإدارية النهائية التي يختص مجلس الدولة بنظرها الأعمال المادية التي لا يقصد بها تحقيق آثار قانونية وإن رتب عليها القانون آثاراً معينة - أساس ذلك: أن هذه الآثار يكون مصدرها إرادة المشرع مباشرة لا إرادة الإدارة - مثال - عدم تنفيذ جهة الإدارة لمقتضى نصوص القرار الجمهوري رقم 128 لسنة 1960 ليس قراراً إدارياً سلبياً بالمعنى الفني الدقيق بل هو عمل تنفيذي مادي تقاعست جهة الإدارة عن اتخاذه - لا يستوجب ذلك القضاء بعدم قبول الدعوى لانتفاء القرار الإداري - أساس ذلك: أن حقيقة الطلبات في ضوء تكييف المحكمة لها هو طلب إلزام جهة الإدارة بتسليم المدعي أمواله نفاذاً للقرار الجمهوري المشار إليه وهو ما يدخل في عداد المنازعات الإدارية التي يختص بها مجلس الدولة - تطبيق.
(جـ) محكمة الثورة - العفو عن بعض العقوبات - نطاقه.
قرار رئيس الجمهورية رقم 128 لسنة 1960 بالعفو عن بعض العقوبات المحكوم بها من محكمة الثورة ومحكمة الغدر وعن كافة الآثار والعقوبات التبعية المترتبة عليها - ينصرف نطاق قرار رئيس الجمهورية رقم 128 لسنة 1960 إلى ما بقى من العقوبات المحكوم بها والتي لم يستكمل تنفيذها وإلي كافة الآثار والعقوبات التبعية المترتبة على العقوبات المحكوم بها - هذه العقوبات جميعها لها مسمياتها الخاصة بها وإن سميت بالمسميات الواردة في قانون العقوبات - الآثار في هذا الصدد تختلف عن العقوبات التبعية وتنصرف إلى كافة ما يترتب على الحكم ولو لم يصدق عليه وصف العقوبات التبعية - أساس ذلك: حرص قرار العفو على النص عليها جنباً إلى جنب مع العقوبات التبعية - نتيجة ذلك: عقوبة المصادرة المحكوم بها وقد ترتب عليها أيلولة الأموال المصادرة إلى الدولة فإن قرار العفو وقد انصب على هذه الآثار يستتبع رد تلك الأموال لإزالة هذا الأثر نزولاً على أحكام القرار - تطبيق.


إجراءات الطعن

في يوم الخميس الموافق 24 من إبريل سنة 1986 أودعت هيئة قضايا الدولة نائبة عن الطاعنين بصفاتهم قلم كتاب المحكمة الإدارية العليا تقرير طعن قيد بجدولها برقم 1890 لسنة 32 ق. ع في الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري "دائرة منازعات الأفراد والهيئات" بجلسة 25/ 2/ 1986 في الدعويين رقمي 1566، 1948 لسنة 31 ق والقاضي أولاً: في الدعوى رقم 1566 لسنة 31 ق بقبول الدعوى شكلاً وفي الموضوع بإلغاء القرار السلبي المطعون عليه فيما تضمنه من عدم تسليم المدعيين أموال مورثهما السابق مصادرتها وما يترتب على ذلك من آثار وبتعويض المدعيين مبلغ قرش صاغ واحد على سبيل التعويض المؤقت عن الأضرار المادية التي أصابتهما من جراء هذا القرار وألزمت الجهة الإدارية المصروفات. ثانياً: في الدعوى رقم 1948 لسنة 31 ق بقبول الدعوى شكلاً وفي الموضوع بإلغاء القرار السلبي المطعون عليه فيما تضمنه من عدم تسليم المدعية أموالها المصادرة من مجوهرات وغيرها التي امتد إليها حكم محكمة الثورة بالتبعية لزوجها المرحوم/ ............ المحكوم عليه بهذه العقوبة من المحكمة المذكورة وبعدم جواز نظر الدعوى في خصوص طلب إلغاء حكم محكمة الثورة فيما تضمنه من مصادرة أموال المدعية وألزمت طرفي الخصومة المصروفات مناصفة.
وطلب الطاعنون - بصفاتهم - لما ورد بتقرير الطعن من أسباب - الحكم بقبول الطعن شكلاً وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه والقضاء أصلياً: بعدم قبول الدعويين رقمي 1566، 1948 لسنة 31 ق لانتفاء القرار الإداري الجائز الطعن عليه، واحتياطياً: برفض الدعويين مع رفض طلب التعويض وإلزام المطعون ضدهما بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة عن الدرجتين. وقد أعلن المطعون ضدهما بالطعن على الوجه المبين بالأوراق.
قدمت هيئة مفوضي الدولة تقريراً مسبباً رأت فيه الحكم بقبول الطعن شكلاً ورفضه موضوعاً مع إلزام الجهة الإدارية بالمصروفات.
وقد عين لنظر الطعن أمام دائرة فحص الطعون جلسة 6 من يناير سنة 1992، وبجلسة 28 من سبتمبر سنة 1992 تقرر إحالة الطعن إلى هذه المحكمة والتي نظرته بجلسة 18 من أكتوبر سنة 1992 وبالجلسات التالية على النحو المبين بمحاضر الجلسات إلى أن قررت بجلسة 17 من أكتوبر سنة 1993 إصدار الحكم بجلسة اليوم 28/ 11/ 1993 وبها صدر هذا الحكم وأودعت مسودته المشتملة على أسبابه عند النطق به.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع المرافعة وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
من حيث إن عناصر المنازعة تخلص - حسبما يبين من الأوراق - في أنه بموجب صحيفة أودعت قلم كتاب محكمة القضاء الإداري بتاريخ 25/ 6/ 1977 أقامت المدعيتان (المطعون ضدهما) الدعوى رقم 1566 لسنة 31 ق بطلب الحكم بإلغاء القرار السلبي بامتناع الإدارة عن تسليم أموال المرحوم/ ......... وزوجته وابنته وما يترتب على ذلك من آثار وبإلزام الإدارة بأن تدفع لهما مبلغ قرش صاغ واحد على سبيل التعويض المؤقت نظير الأضرار المادية والأدبية التي لحقت بهما من جراء القرار المذكور وإلزام الإدارة المصروفات.
وذكرت المدعيتان شرحاً لدعواهما أنه بتاريخ 6/ 2/ 1960 صدر قرار رئيس الجمهورية رقم 128 لسنة 1960 بالعفو عن باقي العقوبات المحكوم بها من محكمة الثورة ومن محكمة الغدر وعن كافة الآثار والعقوبات التبعية المترتبة عليها وكان اسم المرحوم/ .......... من بين الأسماء التي شملها العفو، وقد نص القرار على أن يعمل به من تاريخ صدوره غير أن الإدارة امتنعت عن إصدار قرار بتسليم أموال المرحوم/ ........ وأموال زوجته السابق مصادرتها كعقوبة تكميلية للعقوبة التي كان محكوماً بها ضده، وأن أمر تنفيذ قرار رئيس الجمهورية رقم 128 لسنة 1960 بالعفو عن باقي العقوبات قد عرض على الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بجلستها المنعقدة بتاريخ 2/ 7/ 1975 فانتهت إلى أن قرار العفو وفقاً لصريح نصه ينصرف إلى ما بقى من العقوبات المحكوم بها من محكمة الثورة التي لم يستكمل تنفيذها وكذلك إلى كافة الآثار والعقوبات التبعية المترتبة على العقوبات المحكوم بها جميعاً وأن عقوبة المصادرة بوصفها إحدى العقوبات المحكوم بها على هؤلاء قد ترتب عليها أيلولة الأموال المصادرة إلى الدولة. وقد ظلت هذه العقوبات منتجة لآثارها فيما يتعلق بالملكية إلى تاريخ صدور قرار العفو المشار إليه ومن مقتضى تنفيذ هذا القرار هو رد ما بقى من أموال العفو عنهم التي آلت إلى الدولة بمقتضى حكم المصادرة وكذلك ما استحق من ريع وثمار من تاريخ قرار العفو.
وأضافت المدعيتان أنهما في يونيه سنة 1974 تقدمتا إلى مدير الأموال المستردة بطلب معاملتهما أسوة بالسيد/ ........ رئيس مجلس الوزراء الأسبق وتسليمهما أموالهما السابق مصادرتها وكذلك أموال مورثهما، كما سبق أن تقدمتا في 19/ 10/ 1971 بطلب إلى رئيس الجمهورية ولرئيس مجلس الوزراء في هذا الخصوص، إلا أن الإدارة امتنعت عن التسليم بالرغم من التزامها قانوناً بذلك وهو ما يشكل قرار إداري سلبي مخالفاً للقانون ويحق لهما طلب إلغائه كما أن هذا القرار قد الحق بهما وبمورثهما الذي توفى في مارس سنة 1964 أضراراً أدبية تمثلت في الإساءة إليهما رغم العفو عن العقوبة المحكوم بها وأضرار مادية تمثلت في حرمانهما من تسلم أموالهما وأموال مورثهما للانتفاع بها ومن تسلم غلاتها كما تمثلت كذلك في تصرف الإدارة بالبيع في بعض تلك الأموال دون وجه حق وبأثمان بخسة ومن ثم فإنه يحق لهما أن يطلبا الحكم بإلزام المدعى عليه (وزير المالية بصفته) أن يدفع لهما مبلغ قرش صاغ واحد على سبيل التعويض المؤقت نظير الأضرار المشار إليها.
وبصحيفة أودعت قلم كتاب محكمة القضاء الإداري بتاريخ 10/ 9/ 1977 أقامت المدعية........... الدعوى رقم 1948 لسنة 31 ق طالبة فيها الحكم بصفة مستعجلة بوقف تنفيذ القرار السلبي بالامتناع عن تسليمها المجوهرات المصادرة تنفيذاً لحكم محكمة الثورة الصادر في 19/ 10/ 1953 وفي الموضوع أصلياً: الحكم بإلغاء القرار الصادر من محكمة الثورة بمصادرة أموالها واحتياطياً: الحكم بإلغاء القرار السلبي بالامتناع عن تسليمها أموالها المصادرة وما يترتب على ذلك من آثار مع إلزام المدعى عليهم بالمصاريف شاملة أتعاب المحاماة. وذكرت المدعية شرحاً لدعواها أن المرحوم زوجها كان يعمل مستشاراً صحفياً للقصر الملكي منذ سنة 1946 وحتى قيام الثورة سنة 1952 ثم أدين من محكمة الثورة وصادرت أملاكه وأملاك زوجته (المدعية) والتي وردت على سبيل الحصر من عقارات وأسهم وسندات ومجوهرات رغم أن هذه المصادرة بالنسبة للزوجة ليس لها أي سند حيث لم ينسب لها أية تهمة أو اتهام. وقد استقر الفقه والقضاء على تجريد محكمة الثورة من وصف المحكمة واعتبرت أحكامها مجرد قرارات إدارية، وأنه قد صدر قرار رئيس الجمهورية رقم 128 لسنة 1960 بالعفو عن باقي العقوبات المحكوم بها من محكمة الثورة وعن كافة العقوبات التبعية المترتبة عليها وشمل هذا العفو زوجها ومورثها المرحوم........ إلا أن الجهة الإدارية امتنعت عن رد أموالها التي صودرت وخاصة المجوهرات والمثبتة في السجلات الرسمية الأمر الذي حدا إلى إقامة دعواها بطلباتها سالفة الذكر.
وبجلسة 25/ 2/ 1986 صدر الحكم المطعون فيه السالف بيان منطوقه، وقد أقامت المحكمة قضاءها بالنسبة للدعوى رقم 1566 لسنة 31 ق. على أنه بتاريخ 2/ 6/ 1960 صدر قرار رئيس الجمهورية رقم 128 لسنة 1960 متضمناً النص في مادته الأولى على أن يعفى عن باقي العقوبات المحكوم بها من محكمة الثورة ومحكمة الغدر وعن كافة الآثار والعقوبات التبعية المترتبة عليها بالنسبة للأشخاص المبينة أسماؤهم بالكشوف المرافقة. وقد ورد اسم مورث المدعيتين ضمن تلك الكشوف وقد سبق أن حكمت محكمة الثورة بجلستها المنعقدة بتاريخ 18/ 10/ 1953 بمعاقبة مورث المدعيتين بالأشغال الشاقة المؤبدة وبرد ما استولى عليه هو وزوجته من أموال الشعب إلى الشعب وذلك بمصادرة كل ما زاد من أملاكهما وأموالهما عما كانا يمتلكانه في 27 مايو سنة 1946 وقد وافق مجلس قيادة الثورة في ذات التاريخ على الحكم، ومن ثم فإنه من المتعين على جهة الإدارة تنفيذ قرار رئيس الجمهورية رقم 128 لسنة 1960 على مقتضى ما يرتبه من أحكام بمراعاة الضوابط التي يلزم إتباعها في تنفيذه وذلك برد الأموال المصادرة لمورث المدعيتين بمقتضى هذا الحكم وتسليمها لهما، وإذا لم تقدم جهة الإدارة الدليل الثبوتي على قيامها بتسليم المدعيتين أموال مورثهما السابق مصادرتها تنفيذاً لذلك الحكم ولم تكشف أوراق الدعوى ومستنداتها عن قيام الإدارة بإجراء إتمام هذا التسليم كما لم تدحض من جانبها بدليل معتبر ادعاء المدعيتين بأنهما لم يتسلما أموال مورثهما المصادرة فمن ثم يشكل مسلك الإدارة والحالة هذه قراراً إدارياً سلبياً بالامتناع عن رد وتسليم المدعيتين الأموال المصادرة لمورثهما تنفيذاً لقرار رئيس الجمهورية سالف الذكر وما يقضي به في هذا الخصوص مما ينطوي على مخالفة لأحكام ذلك القرار ويصم قرارها السلبي بالامتناع عن إجراء هذا التسليم بعيب مخالفة القانون مما يبطله ويجعله خلقياً بالإلغاء، وأضافت المحكمة - بالنسبة لطلب التعويض - أنه لا مراء في قيام ركن الخطأ في جانب الإدارة وقد ثبت عدم مشروعية القرار المطعون فيه حسبما سلف بيانه - كما أن ركن الضرر قائم أيضاً بالمدعيتين لما سببه هذا القرار من حرمانهما من الانتفاع بأموالهما دون تسليم غلاتها في الوقت المناسب بعد صدور قرار العفو عن مورثهما مما يتحقق معه بالنسبة لهما الضرر المادي اللاحق بهما من جراء القرار الطعين وهذا الضرر المادي يكفي في حد ذاته للقضاء لهما بتعويض مؤقت قدره قرش صاغ واحد.
وبالنسبة للدعوى رقم 1948 لسنة 31 ق فقد أقامت المحكمة قضاءها على أنه ترتيبًا على مقتضى تنفيذ قرار رئيس الجمهورية رقم 128 لسنة 1960 فقد غدا من حق المدعية (........ أرملة المرحوم...........) المحكوم ضدها من محكمة الثورة بمصادرة أموالها بالتبعية له أن ترد إليها أموالها المصادرة من مجوهرات وخلافه، وإذ أقرت جهة الإدارة على ما يبين من الأوراق أن مجوهرات المدعية المصادرة محفوظة بوزارة الثقافة حيث سلمت إلى هذه الوزارة ضمن مجوهرات أسرة محمد على ولم يتم التصرف فيها بالبيع فمن ثم وجب أن ترد إلى المدعية تلك المجوهرات بحسب حقيقة وصفها ونوعها التي تم جردها عليه تنفيذاً لحكم المصادرة أي بالحالة التي كانت عليها في الواقع وحقيقة الأمر عند مصادرتها دون أدنى استبدال أو تغيير فيها حتى يكون تسليم تلك المجوهرات إلى صاحبتها تسليماً حقيقياً لا صورياً، وإذ كان البادي من تقصي أوراق الدعوى وما قدم فيها من مستندات أن الجهة الإدارية لم ترد بعض مجوهرات المدعية بحسب المواصفات التي كانت عليها عند مصادرتها وهو ما حدا بالمدعية إلى الامتناع عن تسلمها بمقولة أنها استبدلت بغيرها أثناء مدة المصادرة فمن ثم ينطوي هذا المسلك من جانب الإدارة على عدم تنفيذها لقرار رئيس الجمهورية سالف الذكر في حق المدعية التنفيذ الصحيح الذي يتفق ومقتضى أحكامه التي رتبها ويتفق في ذات الوقت مع الغرض الذي رمى هذا القرار إلى تحقيقه من وراء العفو عن العقوبات وما يؤدي بحسب الواقع والقانون بالنسبة للمدعية من ترتيب التزام قانوني لصالحها قبل الإدارة مؤداه وجوب تسليم تلك المجوهرات إليها بوضعها الحقيقي التي كانت عليه عند مصادرتها، ولا مراء في أن عدم تسليم مجوهرات المدعية بالصورة التي يجب أن تتم عليها يشكل قبل الإدارة قراراً سلبياً بالامتناع عن تسليم المدعية تلك المجوهرات بالمخالفة لصحيح حكم قرار رئيس الجمهورية السالف البيان الأمر الذي يصم القرار بعدم المشروعية لمخالفة حكم القانون على نحو يعيبه فيبطله ويجعله خليقاً بالإلغاء.
ومن حيث إن مبنى الطعن أن الحكم المطعون فيه قد خالف القانون وأخطأ في تطبيقه وتأويله وذلك للأسباب الآتية:
أن ما صدر عن جهة الإدارة لا يعد قراراً إدارياً أصلاً سلباً كان أو إيجاباً يمكن أن توجه إليه دعوى الإلغاء بل أنه وبحسب تكييفه القانوني الصحيح يعد عملاً تنفيذياً للقرار الجمهوري رقم 128 لسنة 1960 وأن القول بوجود قرار سلبي بالامتناع أمر لا يؤدي إليه واقع ولا يسنده قانون ويكون قضاء الحكم المطعون فيه بقبول الدعوى والحال كذلك قد أخطأ مما يستوجب إلغاؤه والحكم بعدم قبول الدعويين لانتفاء القرار الإداري الجائز الطعن عليه.
2 - أن القرار الجمهوري المشار إليه وقد صدر بالعفو عن العقوبات الصادرة من محكمة الثورة بالنسبة لمورث المطعون ضدهما فإن دور جهة الإدارة ينحصر في اتخاذ الإجراءات التنفيذية لهذا القرار، وجهة الإدارة بسبيلها لتنفيذ ذلك القرار وقامت بالفعل باتخاذ الإجراءات اللازمة لتسليم الأموال المصادرة للمطعون ضدهما وإن استغرقت هذه الإجراءات وقتاً طويلاً فمرد ذلك إلى صعوبات كثيرة لا يد لجهة الإدارة فيها ترجع إلى تعدد التصرفات والقوانين الخاصة بالإصلاح الزراعي عن الأراضي الخاضعة لها، ولاختلاف الرأي بخصوص القواعد المتبعة في رد هذه الأموال وضرورة إثبات صفة المسترد وصلته بالمحكوم عليه إلى غير ذلك من معوقات.
3 - أن امتناع الإدارة غير قائم في حقها ومن ثم لا يوجد خطأ في جانبها الأمر الذي ينهار معه الركن الأول من أركان المسئولية بالتعويض، كما أنه عن ركن الضرر فالأصل أن يتحمل الناس بغية أعمال الإدارة المشروعة مهما بلغ الضرر المترتب عليها من جسامة فلا يستوجب التعويض، وتبعاً لذلك يتعين إلغاء الحكم المطعون فيه والقضاء برفض طلب التعويض.
ومن حيث إنه عن وجه الطعن الذي ساقته الجهة الطاعنة بأن ما صدر عن جهة الإدارة لا يعد قراراً إدارياً أصلاً سلباً كان أو إيجاباً يمكن أن توجه إليه دعوى الإلغاء - بل يعد عملاً تنفيذاً للقرار الجمهوري رقم 128 لسنة 1960 ويكون قضاء الحكم المطعون فيه بقبول الدعوى والحال كذلك قد أخطأ مما يستوجب إلغاؤه والحكم بعدم قبول الدعويين لانتفاء القرار الإداري الجائز الطعن عليه وطبقاً لصريح نص المادة 172 من الدستور والمادة العاشرة بجميع فقراتها وخاصة الفقرة (14) من قانون مجلس الدولة رقم 47 لسنة 1972 فإن مجلس الدولة أضحى بما عقد له من الاختصاص بموجب الدستور وصحيح القانون المنفذ له صاحب الولاية العامة بنظر سائر المنازعات الإدارية بحسبانه القاضي الطبيعي والمؤهل في هذا النوع من المنازعات وقاضي القانون العام في هذا الشأن، ولئن كانت المادة العاشرة من قانون مجلس الدولة المشار إليه قد أفصحت في البنود (أولاً) حتى (ثالث عشر) عن منازعات إدارية معينة ألمحت إليها بصريح النص، فلا يعدو الأمر أن تكون هذه المنازعات قد وردت على سبيل المثال واستوت منازعات إدارية بنص القانون لا يقبل خلف على كنهها أو تكييفها، بيد أنها لا تستوي وحدها كل المنازعات الإدارية التي ينبسط اختصاص مجلس الدولة شاملاً لها جميعاً طبقاً لصريح نص البند (رابع عشر) من قانون المجلس والمادة 172 من الدستور.
ومن حيث إنه في مقام التمييز بين القرار الإداري الذي يكون مستهدفاً بدعوى الإلغاء وبين العمل المادي التنفيذي الذي يدخل في عداد المنازعات الإدارية التي يختص بنظرها مجلس الدولة فإن المحكمة تكرر ما استقر عليه القضاء بأن القرار الإداري هو إفصاح الإدارة عن إرادتها الملزمة بما لها من سلطة بمقتضى القوانين واللوائح وذلك بقصد أحداث أثر قانوني معين متى كان ممكناً وجائزاً قانوناً، وكان الباعث عليه ابتغاء مصلحة عامة، وقد يكون القرار بهذا التعريف ضمنياً أو سلبياً وذلك عندما ترفض الجهة الإدارية أو تمتنع عن اتخاذ إجراء كان من الواجب عليها اتخاذه بحكم القانون بمعنى أنه يتعين لقيام القرار السلبي أن يكون ثمة إلزام على الجهة الإدارية باتخاذ قرار معين وأن تقصد إلى تحقيق آثار قانونية ومن ثم لا يكون من القرارات الإدارية النهائية التي يختص مجلس الدولة بنظرها الأعمال المادية التي لا يقصد بها تحقيق آثار قانونية وإن رتب عليها القانون آثاراً معينة لأن الآثار يكون مصدرها إرادة المشرع مباشرة لا إرادة الإدارة ومن ثم فإن عدم تنفيذ جهة الإدارة لمقتضى نصوص القرار الجمهوري رقم 128 لسنة 1960 ليس قراراً إدارياً سلبياً بالمعنى الفني الدقيق بل هو عمل تنفيذي مادي تقاعست جهة الإدارة عن اتخاذه على أن ذلك لا يستوجب القضاء بعدم قبول الدعوى لانتفاء القرار الإداري - لأن حقيقة الطلبات في الدعويين في ضوء من حقيقة التكييف السابق والذي تستقل به المحكمة - هو طلب المدعيتين إلزام جهة الإدارة بتسليمها أموالها نفاذاً للقرار الجمهوري آنف البيان وهو ما يدخل في عداد لمنازعات الإدارية التي يختص بها مجلس الدولة ومن ثم يتعين الالتفات عن هذا الوجه من الطعن.
ومن حيث إنه عن الموضوع فقد صدر بتاريخ 2 من يونيه سنة 1960 قرار رئيس الجمهورية رقم 128 لسنة 1960 متضمناً النص في المادة الأولى على أن "يعفى من باقي العقوبات المحكوم بها من محكمة الثورة ومحكمة الغدر وعن كافة الآثار والعقوبات التبعية المترتبة عليها بالنسبة للأشخاص المبينة أسماؤهم بالكشوف المرافقة" وقد ورد اسم مورث المطعون ضدهما ضمن تلك الكشوف وقد سبق أن حكمت محكمة الثورة بجلستها المنعقدة بتاريخ 18/ 10/ 1953 بمعاقبة مورث المطعون ضدهما بالأشغال الشاقة المؤبدة وبرد ما استولى عليه هو وزوجته من أموال الشعب إلى الشعب وذلك بمصادرة كل ما زاد من أملاكها وأموالها عما كانا يمتلكانه في 27 من مايو سنة 1946 وقد وافق مجلس قيادة الثورة في ذات التاريخ على الحكم.
ومن حيث إن نطاق العفو كما حدده قرار رئيس الجمهورية رقم 128 لسنة 1960 ووفقاً لصريح نصه ينصرف إلى ما بقى من العقوبات المحكوم بها من محكمة الثورة والتي لم يستكمل تنفيذها وكذلك إلى كافة الآثار والعقوبات التبعية المترتبة على العقوبات المحكوم بها وهي جميعها عقوبات لها مسمياتها الخاصة وإن سميت بالمسميات الواردة في قانون العقوبات، وأن الآثار في هذا الصدد تختلف عن العقوبات التبعية وتنصرف إلى كافة ما يترتب على الحكم ولو لم يصدق عليه وصف العقوبات التبعية وإلا لما حرص قرار العفو على النص على الآثار - جنباً إلى جنب مع العقوبات التبعية وعقوبة المصادرة المحكوم بها على هؤلاء ومن بينهم مورث المطعون ضدهما قد ترتب عليها أيلولة الأموال المصادرة إلى الدولة وقد ظلت هذه العقوبة منتجة لآثارها فيما يتعلق بالملكية إلى تاريخ صدور قرار العفو المشار إليه ومن ثم فإن العفو وقد انصب على هذه الآثار يستتبع رد أموالهم إزالة لهذا الأثر نزولاً على أحكام ذلك القرار.
ومن حيث إنه تأسيساً على ذلك فإن مقتضى تنفيذ قرار العفو هو رد ما بقى من أموال المعفو عنهم ومنهم مورث المطعون ضدهما التي آلت إلى الدولة بمقتضى حكم المصادرة وكذلك ما استحق من ريع وثمار من تاريخ صدور قرار العفو ومنها ما تحصل من أجرة العقارات ولو كان المستأجر هو المالك نفسه مخصوماً منها المصروفات التي أنفقت في تحصيلها وذلك بمراعاة أحكام التقادم بالتطبيق للمادتين 187، 375/ 2 من القانون المدني بحسب الأحوال. أما فيما يتعلق بالأموال التي تصرفت فيها الدولة للغير تصرفاً ناقلاً للملكية فإنه يتعين بالنسبة لها التفرقة بين حالتين الأولى: تتناول ما تم التصرف فيه قبل صدور قرار العفو وهذا التصرف وهو صادر من مالك لا يجوز الرجوع فيه ويقتصر حق العفو على استرداد صافي المقابل الذي حصلت عليه الدولة فعلاً لقاء التصرف دون الريع والثمار باعتبار أن الدولة في هذه الحالة في حكم الحائز حسن النية، والثانية: تتعلق بالتصرفات بعد قرار العفو وهذه التصرفات لا تسري في حق المالك الذي ارتفع أثر المصادرة عن ملكه بالعفو ما لم يتعطل حقه في استرداد هذه الأموال وثمارها أو ريعها طبقاً لقواعد الحيازة بشروطها المنصوص عليها في القانون المدني وفي هذه الحالة يترتب له حق قبل الدولة في الحصول على تعويض بقدر القيمة السوقية لها في تاريخ البيع وكذلك الأمر بالنسبة لاستحقاق مقابل الثمار المتولدة عنها ومن المعلوم أن رد تلك الأموال عيناً أو التعويض عنها في جميع الأحوال إنما يكون في حدود ما تقضي به قوانين الإصلاح الزراعي وقانون مصادرة أموال أسرة محمد علي وقانون تصفية الأوضاع الناشئة عن الحراسة بالنسبة لما يكون منهم قد خضع لأي من هذه القوانين وأن ما تصرفت فيه الدولة من أراضي زراعية عن طريق توزيعها على صغار الفلاحين استناداً لقانون الإصلاح الزراعي ينتج أثره في صدد نقل الملكية بمجرد اعتماده من مجلس إدارة الهيئة العامة للإصلاح الزراعي.
ومن حيث إنه متى كان الأمر كذلك حسبما تقدم جميعه فقد بات من المتعين على جهة الإدارة تنفيذ قرار رئيس الجمهورية رقم 128 لسنة 1960 المشار إليه على مقتضى ما يرتبه من أحكام بمراعاة الضوابط التي يلزم إتباعها في تنفيذه، حسبما سلف بيانه وذلك بالتزام جهة الإدارة برد الأموال المصادرة لمورث المطعون ضدهما بمقتضى الحكم الصادر ضده من محكمة الثورة في هذا الخصوص وتسليمها لهما وكذا تلتزم الإدارة برد الأموال بما فيها المجوهرات وخلافه الخاصة بالسيدة/ ........ التي تمت مصادرتها بحكم محكمة الثورة بالتبعية لزوجها. وإذ لم تقدم جهة الإدارة دليلاً على قيامها بتسليم المطعون ضدهما أموالهما السابق مصادرتها فقد ورد قولها مرسلاً في الطعن - بأنها بسبيلها لتنفيذ القرار الجمهوري واتخذت الإجراءات اللازمة لتسليم الأموال ويغدو عسيراً على الفهم ومجافياً لما يتعين أن تتصف به الإدارة من القدوة في تنفيذ التشريعات فلا يتصور أن تظل الإدارة قرابة الثلاثين عاماً بصدد اتخاذ الإجراءات للتنفيذ، كما لم تقدم ثمة دليل يبين الصعوبات التي صادفتها والإجراءات التي أتبعت للتنفيذ وهو ما يصم مسلكها بعيب مخالفة القانون مما يبطله.
ومن حيث إنه عن التعويض بمبلغ قرش صاغ واحد فالمادة 163 من القانون المدني تنص على أن كل خطأ سبب ضرراً للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض، ولما كان امتناع جهة الإدارة عن تنفيذ مقتضى القرار الجمهوري رقم 128 لسنة 1960 سالف البيان وعدم تسليم المطعون ضدهما أموالهما يشكل ركن الخطأ في جانب جهة الإدارة، كما أصابها الضرر المادي من جراء حرمانهما من الانتفاع بأموالهما ومن تسلم غلاتها فور صدور قرار العفو رقم 128 لسنة 1960 وقامت علاقة السببية بين الخطأ والضرر مما يستوجب تعويضيهما - حسب طلباتهما - بمبلغ قرش صاغ واحد.
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه وقد انتهى إلى ذات النتيجة السابقة ومن ثم يكون الطعن عليه على غير أساس جديراً بالرفض مع إلزام الجهة الإدارية مصروفات الطعن عملاً بحكم المادة 184 مرافعات.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً وبرفضه موضوعاً وألزمت الجهة الإدارية المصروفات.

الطعن 217 لسنة 4 ق جلسة 9 / 5 / 1959 إدارية عليا مكتب فني 4 ج 2 ق 108 ص 1242

جلسة 9 من مايو سنة 1959

برياسة السيد/ السيد علي السيد رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة سيد علي الدمراوي والسيد إبراهيم الديواني ومحيى الدين حسن والدكتور محمود سعد الدين الشريف المستشارين.

-----------------

(108)

القضية رقم 217 لسنة 4 القضائية

(أ) مخالفة مالية 

- مجازاة موظف بشغل وظيفة مؤقتة عن مخالفة مالية وقعت منه - صدور قرار بذلك من رئيس الجهة التي يتبعها في فترة سريان القانون رقم 132 لسنة 1952 الذي كان بعقد الاختصاص بذلك لمجلس التأديب المشكل بالتطبيق لأحكامه - بطلان القرار - تخويل رئيس الجهة بعد إلغاء القانون المذكور سلطة التأديب عن المخالفات المالية بالنسبة للموظفين الداخلين في الهيئة الشاغلين لوظائف مؤقتة - أثره بالنسبة لطلب إلغاء القرار المذكور - زوال العيب الذي كان يعتور القرار وانعدام الجدوى من إلغائه قضاء.
(ب) دعوى. مصروفاتها. 

طلب إلغاء قرار إداري - زوال السبب الذي كان يبرر إجابته نتيجة لتعديل التشريع أثناء نظر الدعوى - إلزام الحكومة بالمصروفات.

------------------
1 - لئن كانت المخالفة التي جوزي المدعي بسببها هي مخالفة مالية، وكانت محاكمته عنها وقت إصدار القرار المطعون فيه وحين رفع الدعوى بطلب إلغائه مما يدخل في اختصاص المجلس التأديبي للمخالفات المالية المشكل بالتطبيق لأحكام المرسوم بقانون رقم 132 لسنة 1952، وقد جاء فيه تحديد اختصاص المجلس شاملاً مطلقاً دون تفرقة بين الموظفين الداخلين في الهيئة، سواء على وظائف دائمة أم مؤقتة أو لأعمال مؤقتة، وبين الخارجين عنها. يقطع في ذلك ما جاء في المذكرة الإيضاحية من أنه "لا سبيل لاحترام الأنظمة المالية وصون الأموال العامة إلا إذا أنشئت هيئة تأديبية مستقلة تكون بمنأى عن سلطان رؤساء المصالح الذين كثيراً ما يكونون هم المسئولون أصلاً عن ارتكاب المخالفات المالية..." - لئن كان ذلك هو كما تقدم، إلا أنه قد صدر بعد ذلك القانون رقم 73 لسنة 1957 بتعديل بعض أحكام القانون رقم 210 لسنة 1951 قاضياً في مادته الثالثة بإلغاء المرسوم بقانون رقم 132 لسنة 1952، وبذلك عادت ولاية تأديب الموظفين المؤقتين إلى الوضع الذي كانت عليه قبل صدور المرسوم بقانون رقم 132 لسنة 1952 السالف الإشارة إليه، وأصبح تأديب المدعي وتوقيع الجزاءات عليه بما في ذلك فصله من اختصاص مدير الجامعة، كما كان الحال قبل إنشاء المجلس التأديبي للمخالفات المالية، ومن ثم فإن إلغاء القرار المطعون فيه - استناداً إلى أن هذا المجلس كان هو المختص وقت إصدار القرار - يكون عبثاً غير مجد لزوال علته؛ ما دام التشريع القائم الآن يعتبر مدير الجامعة هو المختص بالتأديب بالمدى المشار إليه آنفاً ويكون هذا التشريع الجديد وكأنه صحح القرار موضوع النزاع بإزالة العيب الذي كان يعتوره، هو عيب عدم الاختصاص.
2 - إذا كان طلب المدعي إلغاء القرار المطعون فيه، له ما يبرره عند تقديم طلب الإلغاء، ثم زال سببه خلال نظر الدعوى نتيجة لتعديل المشروع، فإن الحكومة هي التي تلزم بمصروفات الدعوى.


إجراءات الطعن

في 17 من فبراير سنة 1958 أودع السيد رئيس هيئة مفوضين سكرتارية المحكمة طعناً قيد بجدولها تحت رقم 217 لسنة 4 القضائية في الحكم الصادر من المحكمة الإدارية لوزارة التربية والتعليم بجلسة 19 من ديسمبر سنة 1957 - في الدعوى رقم 186 لسنة 3 القضائية المرفوعة من السيد/ إبراهيم أحمد حسين ضد وزارة التربية والتعليم، والقاضي "بإلغاء القرار الصادر بفصل المدعي من الخدمة، مع ما يترتب على ذلك من آثار، وإلزام الجامعة بالمصروفات". وطلب السيد رئيس هيئة المفوضين - للأسباب التي استند إليها في عريضة طعنه - قبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع إلغاء الحكم المطعون فيه، والقضاء برفض الدعوى، مع إلزام المدعي بالمصروفات. وأبلغ الطعن للحكومة في 2 من مارس سنة 1958، وللمطعون ضده في 9 منه، وعينت لنظره جلسة 7 من مارس سنة 1959، وفيها سمعت المحكمة الإيضاحات التي رأت سماعها من ذوي الشأن على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وأرجأت النطق بالحكم جلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة - كما يبين من الاطلاع على أوراق الطعن - تتحصل في أن المدعي رفع الدعوى رقم 186 لسنة 3 القضائية أمام المحكمة الإدارية لوزارة التربية والتعليم بعريضة أودعها سكرتيريتها في 11 من فبراير سنة 1956 بعد قبول طلب الإعفاء من المرسوم، طالباً الحكم بإلغاء القرار الصادر بفصله، مع ما يترتب على ذلك من آثار، وإلزام الجامعة بالمصروفات، ومقابل أتعاب المحاماة. وقال شرحاً لدعواه إنه كان مستخدماً باليومية المستديمة بمستشفى المنيل الجامعي، وكان مكلفاً بشراء ما يلزم المستشفى من الأغذية في حالة تخلف المتعهد عن توريدها. وفي نوفمبر سنة 1954 نسب إليه أنه قام بشراء بلح فاسد للمستشفى، وأن الأسعار مبالغ فيها، وأنه يخرج للأسواق وحده دون أعضاء لجنة المشتريات بالمستشفى. وبعد إجراء تحقيق أبلغ بقرار فصله في 17 من فبراير سنة 1955، فتظلم منه إلى السيد مدير الجامعة في أول مارس سنة 1955، ثم تقدم في 2 من يونيه سنة 1955 بطلب إعفائه من الرسوم وصدر قرار الإعفاء في 22 من يناير سنة 1956، ورفع دعواه في 11 من فبراير سنة 1956. وينعى على القرار المطعون فيه مخالفته المرسوم بقانون رقم 132 لسنة 1952 بإنشاء مجلس تأديبي للمخالفات المالية يختص بمحاكمة جميع الموظفين عدا الوزراء، لأن ما نسب إليه من مخالفة لائحة المخازن والمشتريات والإهمال والتقصير يدخل في اختصاصه، كما أن التحقيق الذي أجرى معه مخالف لنص المادتين 49 و69 من اللائحة التنفيذية للقانون رقم 210 لسنة 1951؛ إذ نسب إليه تلاعب في الفواتير، أي اتهام بالتزوير، ولم تخطر النيابة العمومية، ولم يرفع التحقيق إلى مدير الجامعة باعتباره رئيس المصلحة. وقد انتهى المحقق إلى اقتراح خصم عشر يوماً من مرتبه وإنذاره بالفصل مع تكليفه بدافع فرق الثمن، ثم توالت التأشيرات بالموافقة على التحصيل فرق الثمن وثمن البلح التالف، ثم أشر وكيل المستشفى باقتراح فصله من الخدمة بعد عرض التحقيقات على مدير الجامعة، وبالتالي لا تكون إدارته قد انصرفت إلى الفصل. وأضاف المدعي أن البائع مأخوذ بالسعر الوارد بالفاتورة، ولا دليل على إدعائه بالسعر الأقل، خشية المسئولية عن تلف البلح، بسبب عدم وجود المكان الملائم لحفظه بالمستشفى.
ومن حيث إن الجامعة ردت على الدعوى بأن المدعي درج على مخالفة التعليمات الخاصة بالشراء على حساب المتعهد عند تأخره في التوريد طبقاً لشروط العقد المبرم بينه وبين المستشفى، وقد حقق معه وانتهى التحقيق إلى تقرير مسئوليته عن مخالفة الإجراءات وتغيير الحقيقة وحصوله على مبالغ بدون وجه حق. وقد صدر القرار المطعون فيه بعد تحقيق كفل له جميع أوجه دفاعه. ومن المقرر أن العقوبة التأديبية تترخص الإدارة في تقديرها بلا معقب عليها من القضاء ما دام تقديرها قد خلا من إساءة استعمال السلطة، أما القانون رقم 132 لسنة 1952 فلا يسري عليه لأنه مستخدم باليومية المستديمة.
ومن حيث إن المحكمة الإدارية لوزارة التربية والتعليم بجلسة 19 من ديسمبر سنة 1957 حكمت بإلغاء القرار الصادر بفصل المدعي من الخدمة، مع ما يترتب على ذلك من آثار، وإلزام الجامعة بالمصروفات. وأقامت قضاءها على أساس أن التهمة المسندة إلى المدعي طبقاً لما بينته أوراق التحقيق وقرار الفصل تعتبر من المخالفات المالية التي يختص بها المجلس التأديبي للمخالفات المالية للموظفين العموميين، تطبيقاً للمرسوم بقانون رقم 132 لسنة 1952؛ ومن ثم يكون قرار الفصل المطعون فيه قد صدر على خلاف القانون المذكور، مما يجعله مشوباً بعيب عدم الاختصاص، ويكون بذلك حقيقاً بالإلغاء.
ومن حيث إن مبنى الطعن أن اختصاص المجلس التأديبي للمخالفات المالية رهين بأمرين: أولهما أن تكون المخالفة المنسوبة إلى الموظف من المخالفات المالية التي عددتها المادة الرابعة من المرسوم بقانون رقم 132 لسنة 1952، وثانيهما أن يكون الموظف من الموظفين الداخلين في الهيئة الذين كان يختص أصلاً مجلس التأديب العادي بالنظر فيما نسب إليهم من هذا النوع من المخالفات، أما أولئك الذين كانوا بمنأى عن ولاية المجالس التأديبية فإن النظر في تأديبهم عما ينسب إليهم من أمور مهما كانت طبيعتها يبقى خاضعاً للأحكام المنظمة لها، والتي تتمتع بمقتضاها جهة الإدارة بسلطات تأديبية لا تقتضي السير بإجراءات المحاكمات التأديبية. والقول بغير هذا يتنافى والغاية التي استهدفها المرسوم بقانون سالف الذكر إذ لم يقصد غل يد الإدارة فيما هي مبسوطة فيه، وإنما هدف تحقيقاً للصالح العام إلى توحيد وتركيز سلطة المحاكمة التأديبية في شئون المخالفات المالية وسلطة الاتهام والتحقيق في يد واحدة. والثابت أن المدعي عين على وظيفة عامل أرشيف بأجر يومي، ثم سويت حالته بالتطبيق لقانون المعادلات بوضعه في الدرجة التاسعة بصفة شخصية على وظيفة مؤقتة، وقد صدر قبل ذلك القرار من مدير جامعة القاهرة وهو مختص بإصداره.
ومن حيث إنه يبين من الاطلاع على ملف خدمة المطعون ضده أنه عين في 31 من ديسمبر سنة 1948 في وظيفة عامل أرشيف بأجر يومي قدره 150 م زيد إلى 160 م في 14 من فبراير سنة 1951 بعد تطبيق كشوف حرف "ب" الملحقة بكادر العمال، ثم حصل على علاوة في أول مايو سنة 1952، فبلغ أجره 180 م، ثم 195 م في أول مايو سنة 1954، واستمر على هذا الوضع إلى حين صدور قرار فصله من مدير الجامعة في 10 من فبراير سنة 1955، ثم سويت حالته بالقرار رقم 64 الصادر في شهر يونيه سنة 1955 بالتطبيق للقانون رقم 371 لسنة 1953؛ استناداً إلى حكم محكمة القضاء الإداري الصادر بجلسة 23 من فبراير سنة 1955 بوضعه في الدرجة التاسعة بصفة شخصية اعتباراً من تاريخ تعيينه في 31 من ديسمبر سنة 1948 بماهية شهرية قدرها خمسة جنيهات، بلغت 6 ج في أول يوليه سنة 1952، مع عدم صرف الفروق إلا من 23 من يوليه سنة 1952.
ومن حيث إنه يبين من الاطلاع على أوراق التحقيق الإداري أنه بدأ ببلاغ إلى مدير المستشفى تضمن أنه بفحص البطاطس الموردة يوم 16 من نوفمبر سنة 1954 وجد بها 28 كيلو غير صالحة للأكل، وأنه تبين أن البلح الرملي الذي ورد في ذلك اليوم، قد اشترى بسعر مبالغ فيه بمعرفة المدعي وحده دون حضور باقي أعضاء لجنة المشتريات، وقد ندب باشكاتب المستشفى للتحقيق، فسأل المدعي تفصيلاً عن دفاعه وكذا بائع البلح في مواجهته، واقترح المحقق خصم ثلاثة أيام من مرتب المدعي، وتقدير ثمن الفاكهة التالفة وتحصيل ثمنها منه. وقدم المدعي فواتير شراء البلح، وبها تلاعب وتغيير، فأوقف مدير المستشفى تنفيذ الجزاء السابق وندب الأستاذ علي الزعيري لاستيفاء التحقيق، فقدم مذكرة انتهى فيها إلى اقتراح خصم خمسة عشر يوماً من مرتب المدعي وإنذاره بالفصل مع تكليفه بدافع فرق الثمن على أساس أنه خالف التعليمات المالية، بأن توجه بمفرده إلى الأسواق دون أن يستصحب باقي أعضاء لجنة المشتريات، وقام بالشراء فعلاً، وأنه قدم فاتورة مؤرخة 16 من نوفمبر سنة 1954 بمبلغ 624 قرشاً ثمن بلح بسعر الأقة ستة قروش، وقد كذبه البائع فيما ورد بالفاتورة عن الكمية والسعر، وأثبت المحقق في مذكرته أنه دأب على الاختلاس والتزوير في كل ما قدمه من فواتير خاصة بشراء البلح، وقد تأشر على هذه المذكرة في 9 من فبراير سنة 1955 بتحصيل ثمن البلح التالف وفرق الثمن، واقترح فصله من الخدمة لخطورة ما نسب إليه، وقد أشر مدير المستشفى بنفس التاريخ بالموافقة وتحصيل فرق الثمن. وبتاريخ 10 من فبراير سنة 1955 أشر مدير الجامعة بالموافقة. وتنفيذاً لذلك أصدر مدير مستشفيات الجامعة إذناً بفصل المدعي المستخدم بصفة كاتب أجريه بأجرة يومية قدرها 195 م من خدمة المستشفى الجامعي لغاية 17 من فبراير سنة 1955؛ بسبب تلاعبه في أسعار الأغذية المشتراة واستيلائه على فروق المبالغ وتحرير فواتير شراء بمبالغ تزيد على الأسعار الحقيقية، وحررت استمارة خلو طرفه باعتباره كاتب أجرية بالمستشفى من الخدمة السايرة المرفوتين من الخدمة.
ومن حيث إن المادة 98 من لائحة المخازن والمشتريات تقضي بأنه في الأحوال الاضطرارية يجوز - بعد الحصول على التصريح المالي اللازم - تكليف لجنة لشراء ما يلزم من السوق بالممارسة، وفي هذه الحالة ترفع اللجنة لرئيس المصلحة محضراً تفصل فيه قامت به من إجراءات في هذا الشأن لاعتماده منه قبل الشراء، إلا إذا خولت اللجنة كتابة بإتمام الشراء قبل اعتماد إجراءاتها، ويجب أن يكون بين أعضاء هذه اللجنة موظف له خبرة بالأصناف المطلوب شراؤها ومندوب من إدارة الحسابات، وتتبع أحكام الفصل الثالث فيما يختص بتسليم وفحص الأصناف المشتراة، على أن يرفق محضر الشراء بمحضر الفحص.
ومن حيث إن المرسوم بقانون رقم 132 لسنة 1952 بإنشاء مجلس تأديبي لمحاكمة الموظفين المسئولين عن المخالفات المالية ينص في المادة الأولى منه على أن ينشأ مجلس تأديبي لمحاكمة الموظفين المسئولين عن المخالفات المالية يسمى المجلس التأديبي للمخالفات المالية، ونصت المادة الرابعة منه على أنه يختص بمحاكمة الموظفين العموميين - عدا الوزراء - تأديبياً عن المخالفات الآتية:... رابعاً - مخالفة أحكام لائحة المخازن والمشتريات، وعلى وجه العموم القواعد والأحكام المالية. وبينت المادة الخامسة العقوبات التي يجوز للمجلس توقيعها، وتبدأ بالإنذار وتنتهي بالعزل من الوظيفة مع الحرمان من كل أو بعض المعاش أو المكافأة. ورسمت المواد التالية الإجراءات الخاصة بإقامة الدعوى التأديبية أمام المجلس، وسلطة الاتهام والتحقيق. ثم صدر القانون رقم 73 لسنة 1957 بتعديل بعض أحكام القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة، ونص في المادة الثالثة منه على إلغاء المرسوم بقانون رقم 132 لسنة 1952، وأضاف مادة جديدة إلى أحكام الفصل السادس من الباب الأول من القانون رقم 210 لسنة 1951، عدد فيها المخالفات المالية، ورغبة منه في التوفيق بين قواعد التأديب في نوعي المخالفات الإدارية والمالية اتجه إلى إعادة تنظيم أحكام الفصل السابع من هذا الباب، والخاصة بتأديب الموظفين المعينين على وظائف دائمة، فتضمنت المادتان 86 و86 مكرراً بيان اختصاص كل من مجلس التأديب العادي ومجلس التأديب العالي بمحاكمة الموظفين عن المخالفات الإدارية والمالية على حد سواء.
ومن حيث إنه بعد إذ سويت حالة المدعي بالقرار رقم 64 الصادر في يونيه سنة 1955 نفاذاً لحكم محكمة القضاء الإداري بجلسة 23 من فبراير سنة 1955؛ بوضعه في الدرجة التاسعة الشخصية اعتباراً من تاريخ تعيينه في خدمة الحكومة في 11 من ديسمبر سنة 1948، على أن تسوي حالته فيما بعد على درجة أصلية في النسبة المعينة للخلوات؛ فقد أصبح يعتبر من الموظفين الداخلين في الهيئة، ولكن من الشاغلين لوظيفة مؤقتة باعتباره من الدرجة التاسعة؛ طبقاً لأوضاع الميزانية، وهؤلاء ينظم أحكام توظيفهم وتأديبهم وفصلهم قرار يصدره مجلس الوزراء بالتطبيق للمادة 26 من قانون نظام موظفي الدولة [(1)]. وقد صدر هذا القرار في 31 من ديسمبر سنة 1952 بصيغة عقد الاستخدام الذي يوقعه من يعين من هؤلاء في سلك الوظيفة، والعلاقة على مقتضاه وإن كانت علاقة مؤقتة ولمدة محدودة، إلا أنها مع ذلك علاقة تنظيمية عامة في طبيعتها وإن اتخذت صورة عقد الاستخدام المشار إليه ما دام قد صدر بصيغته قرار مجلس الوزراء سالف الذكر الذي بموجبه يملك الرئيس المختص فصل الموظف في حالة سوء السلوك الشديد خلال مدة العقد، وهو - بالنسبة للمدعي - مدير الجامعة طبقاً للقوانين واللوائح الجامعية. لئن كان ذلك هو الأصل العام بحسب الأوضاع المعتادة، إلا أنه لما كانت المخالفة التي جوزي المدعي يسببها هي مخالفة مالية وكانت محاكمته عنها وقت إصدار القرار المطعون فيه وحين رفع الدعوى بطلب إلغائه مما يدخل في اختصاص المجلس التأديبي للمخالفات المالية المشكل بالتطبيق لأحكام القانون رقم 132 لسنة 1952، وقد جاء فيه تحديد اختصاصه شاملاً مطلقاً دون تفرقة بين الموظفين الداخلين في الهيئة، سواء على وظائف دائمة أم مؤقتة أو لأعمال مؤقتة، وكذلك الخارجين عنها؛ يقطع في ذلك ما جاء في المذكرة الإيضاحية من أنه "لا سبيل لاحترام الأنظمة المالية وصون الأموال العامة إلا إذا أنشئت هيئة تأديبية مستقلة تكون بمنأى عن سلطان رؤساء المصالح الذين كثيراً ما يكونون هم المسئولون أصلاً عن ارتكاب المخالفات المالية..." - لئن كان ذلك هو كما تقدم، إلا أنه صدر بعد ذلك القانون رقم 73 لسنة 1957 بتعديل بعض أحكام القانون رقم 210 لسنة 1951 قاضياً في مادته الثالثة بإلغاء المرسوم بقانون رقم 132 لسنة 1952، وبذلك عادت ولاية تأديب الموظفين المؤقتين إلى الوضع الذي كانت عليه قبل صدور المرسوم بقانون رقم 132 لسنة 1952 السالف الإشارة إليه.
ومن حيث إنه بعد إذ أصبح تأديب المدعي وتوقيع الجزاءات عليه بما في ذلك فصله اختصاص مدير الجامعة، كما كان الحال قبل إنشاء المجلس التأديبي للمخالفات المالية، فإن إلغاء القرار المطعون فيه - استناداً إلى أن هذا المجلس كان هو المختص وقت إصدار القرار - يكون عبثاً غير مجد؛ لزوال علته، ما دام التشريع القائم الآن يعتبر مدير الجامعة هو المختص بالتأديب بالمدى المشار إليه آنفاً، ويكون هذا التشريع الجديد صحح القرار موضوع النزاع بإزالة العيب الذي كان يعتوره هو عيب عدم الاختصاص، فيتعين، والحالة هذه، إلغاء الحكم المطعون فيه، والقضاء برفض الدعوى، ولكن مع وإلزام الحكومة بالمصروفات، حيث إن طلب المدعي كان له ما يبرره عند تقديم طلب الإلغاء، وإن زال سببه خلال نظر الدعوى نتيجة لتعديل التشريع.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه، وبرفض الدعوى، وألزمت الحكومة بالمصروفات.


(1) راجع المبدأ المنشور في مجموعة السنة الثالثة، ص 1486، بند 157.

الخميس، 9 يناير 2025

الطعن 2104 لسنة 38 ق جلسة 27 / 11 /1993 إدارية عليا مكتب فني 39 ج 1 ق 25 ص 293

جلسة 27 من نوفمبر سنة 1993

برئاسة السيد الأستاذ المستشار/ فاروق عبد السلام شعت - نائب رئيس مجلس الدولة، وعضوية السادة الأساتذة: أبو بكر محمد رضوان، ومحمد أبو الوفا عبد المتعال، وغبريال جاد عبد الملاك، وسعيد أحمد برغش - نواب رئيس مجلس الدولة.

-----------------

(25)

الطعن رقم 2104 لسنة 38 القضائية

عاملون مدنيون بالدولة - تأديب - ما يخرج من نطاق المخالفات التأديبية.
وجود المرء في وضع يثير الشبهات والريب لا يعني وجوباً أنه هو الذي وضع نفسه فيه - قد يساق المرء قدراً إلى وضع مشبوه ومريب دون إرادة منه ودون أن يمكن وصم سلوكه بالغفلة وعدم الحذر - تطبيق.


إجراءات الطعن

في يوم الأحد الموافق 7/ 6/ 1992 أودع الأستاذ/ ......... المحامي بصفته وكيلاً عن الطاعنة - قلم كتاب المحكمة تقرير طعن قيد بجدولها برقم 2104 لسنة 38 ق في الحكم الصادر من المحكمة التأديبية بالمنصورة بجلسة 26/ 4/ 1992 في الدعوى رقم 982 لسنة 19 ق المقامة من النيابة الإدارية ضد الطاعنة والقاضي بمجازاتها بالفصل من الخدمة.
وطلبت الطاعنة - للأسباب الواردة بالتقرير - الحكم بصفة مستعجلة بوقف تنفيذ الحكم المطعون فيه وفي الموضوع أصلياً إلغاء الحكم المطعون فيه وبراءتها مما هو منسوب إليها واحتياطياً تخفيض العقوبة.
وقد تم إعلان الطعن إلى النيابة الإدارية بتاريخ 20/ 6/ 1992.
وقدمت هيئة مفوضي الدولة تقريراً بالرأي القانوني في الطعن ارتأت فيه الحكم بقبول الطعن شكلاً وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه بفصل الطاعنة من الخدمة ومجازاتها بخفض وظيفتها إلى وظيفة بالدرجة الأدنى مباشرة.
وقد تحدد لنظر الطعن أمام دائرة فحص الطعون جلسة 10/ 3/ 1993 وتدوول على النحو المبين بمحاضر الجلسات حيث قدم الحاضر عن الطاعنة حافظة طويت على مستند واحد كما قدم مذكرة صمم فيها على طلباته.
وقدمت النيابة الإدارية مذكرة طلبت فيها رفض الطعن.
وبجلسة 28/ 4/ 1993 قررت دائرة فحص الطعون إحالة الطعن إلى المحكمة الإدارية العليا "الدائرة الرابعة" وحددت لنظره جلسة 19/ 6/ 1993.
وقد تم نظر الطعن بالجلسة المحددة وتدوول بالجلسات على النحو المبين بالمحاضر وبجلسة 9/ 10/ 1993 قررت المحكمة إصدار الحكم بجلسة اليوم حيث صدر الحكم وأودعت مسودته المشتملة على أسبابه عند النطق به.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع الإيضاحات، وبعد المداولة.
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه قد صدر بجلسة 26/ 4/ 1992 وأن تقرير الطعن فيه قد أودع قلم كتاب المحكمة بتاريخ 7/ 6/ 1992 فمن ثم يكون الطعن قد أقيم بمراعاة المواعيد القانونية المقررة.
ومن حيث إن الطعن قد استوفى - فضلاً عما تقدم - بقية أوضاعه الشكلية فمن ثم يتعين قبوله شكلاً.
ومن حيث إن وقائع الموضوع تخلص - حسبما يبين من الأوراق - في أن النيابة الإدارية كانت قد أقامت الدعوى رقم 982 لسنة 19 ق بإيداع أورقها قلم كتاب المحكمة التأديبية بالمنصورة منطوية على تقرير باتهام الطاعنة أنها وبوصفها موجهة المواد الاجتماعية بمديرية التربية والتعليم بالشرقية بالدرجة الأولى وفي الفترة من 12/ 7/ 1987 حتى 17/ 11/ 1989 قد خالفت القانون وسلكت سلوكاً معيباً لا يتفق وكرامة الوظيفة العامة وخرجت على مقتضياتها بأن:
1 - وضعت نفسها موضع الشبهات بتواجدها بالعقار رقم 16 شارع المسجد بمنطقة روكسي بمصر الجديدة بالقاهرة والذي كان محدد لمراقبة شرطة الآداب، وضبطت بتاريخ 21/ 10/ 1989 بتهمة ممارسة الدعارة في المحضر رقم 6055 لسنة 1986 بجنح القاهرة على النحو الموضح بالأوراق.
2 - ضمنت أوراق سفرها رقم 59089 في 14/ 7/ 1987 الزقازيق في خانة المهنة أنها مدرسة سابقة بالتربية والتعليم بالمخالفة للحقيقة.
3 - ضمنت طلب استخراج إذن العمل رقم 142779 في 2/ 10/ 1989 بياناً عن المهنة غير صحيح مما سهل لها استخراج إذن العمل المنوه عنه بتلك الصفة المغايرة للحقيقة.
4 - استعملت جواز السفر وإذن العمل سالفي الذكر في مغادرة البلاد إلى الخارج رغم علمها بمخالفة بياناتهما للحقيقة ودون موافقة جهة عملها.
5 - التحقت بخدمة جهة أجنبية هي سلطنة عمان دون ترخيص من جمهورية مصر العربية وبالمخالفة للقانون.
وطلبت النيابة الإدارية محاكمة الطاعنة طبقاً للمواد الواردة بتقرير الاتهام.
وبجلسة 26/ 4/ 1992 قضت المحكمة التأديبية بالمنصورة بمجازاة الطاعنة بالفصل من الخدمة وأقامت المحكمة قضاءها على أساس ثبوت المخالفات الخمس في حقها إذ تم ضبطها بشقة مشبوهة بمعرفة شرطة الآداب بمصر الجديدة كما أن وقائع المخالفات الأربع الباقية غير منكورة، وأنها كانت تعلم يقيناً بأنها مدرسة بالخدمة وليست مدرسة سابقة.
ونعى تقرير الطعن على الحكم المطعون فيه مخالفة القانون لقصور التسبيب بانتزاع المخالفتين الأولى والخامسة من أوراق لا تؤدي إلى ثبوتها إذ أن الطاعنة لم تعترف أمام النيابة العامة بممارسة الدعارة كما أن محضر الضبط ملفق وأنه بالنسبة لمخالفة الالتحاق بخدمة جهة أجنبية دون ترخيص من جمهورية مصر العربية فإنه كان بوسع الجهة الإدارية أن تمنحها عن مدة الانقطاع أجازة بدون مرتب وأن تمنحها ترخيصاً.
ومن حيث إنه عن المخالفة الأولى فإن الثابت من الأوراق أن الطاعنة قد ضبطت بالفعل بمعرفة شرطة الآداب بتاريخ 21/ 10/ 1989 بإحدى شقق العقار رقم 16 شارع المسجد بمنطقة روكسي بمصر الجديدة بصحبة شخصين أحدهما ليبي والآخر سوداني، وأنه قد تمت محاكمتها جنائياً بتهمة ممارسة الدعارة وأنه قد قضى ببراءتها لبطلان إجراءات القبض والضبط.
ومن حيث إنه بعيداً عن جريمة ممارسة الدعارة التي برئت الطاعنة منها فإنه يظل قائماً يقيناً واقعة ضبط الطاعنة بشقة غرباء بالقاهرة حال أنها مدرسة بإحدى مدن محافظة الشرقية وهو باليقين وضع يثير الشبهات والريب.
ومن حيث إنه من المسلمات المنطقية أن وجود المرء في وضع يثير الشبهات والريب لا يعني وجوباً أنه هو الذي وضع نفسه فيه، إذ قد يساق قدراً إلى وضع مشبوه ومريب دون إرادة منه ودون أن يمكن وصم سلوكه بالغفلة وعدم الحذر.
ومن حيث إن الثابت أن الطاعنة قد أصرت على أنها قد حضرت إلى القاهرة في ذات يوم ضبطها بالشقة لشراء ملابس شتوية لأولادها وأنها قد اختارت منطقة روكسي بالذات لأنها تعرف المنطقة جيداً باعتبار أنها خريجة كلية البنات جامعة عين شمس وأنها قد قابلت إحدى السيدات التي أفهمتها أن هناك سيدة تربي أيتام وتقوم بالاتجار بالملابس بشقتها وأنها قد ذهبت معها إلى الشقة التي ضبطت فيها حيث أغمى عليها بمجرد دخولها الشقة ولم تفق إلا على وجود الشرطة والغرباء بالشقة حيث اكتشفت أنها قد جردت من حليها.
ومن حيث إنه على الرغم من غرابة الأحداث التي ساقتها الطاعنة إلا أنها ليست بمستحيلة الوقوع في زمن قل فيه التحقيق وكثر فيه التلفيق، خاصة أن الوضع الاجتماعي للطاعنة كمعلمة بالتربية والتعليم وزوجة لرجل يشغل درجة مدير عام وأم لخمسة أبناء بالتعليم الجامعي والثانوي والابتدائي وعلى درجة من اليسار المادي وأن سنها قد جاوز الخمسين ما يجعل احتمالات ذهابها إلى الشقة التي ضبطت فيها لممارسة الجنس مع مواطن سوداني من عابري السبيل أمر لا يحتمله منطق ولا يستسيغه عقل ويزيد في غرابته عن الرواية التي ساقتها ويجعل احتمالات قبولها ممكناً ويرجح احتمالات أنها لم تضع نفسها موضع الشبهات وإنما هي التي وضعت موضع الشبهات.
ومن حيث إنه متى كان ما تقدم وإعمالاً لقاعدة درء الحدود بالشبهات وأن الإدانة لا تبنى إلا على يقين، فإنه لا يمكن إدانة الطاعنة بتهمة أنها وضعت نفسها موضع الشبهات على النحو الذي انتهى إليه الحكم الطعين.
ومن حيث إنه عن المخالفات الأربع الأخر التي أدينت الطاعنة بالاستناد إليها بالحكم الطعين فإنها ثابتة في حقها واقعاً بغير إنكار من الطاعنة حال علمها بأن صفتها الوظيفية كمدرسة لم تكن قد زايلتها بعد، وأن الطاعنة قد اعترفت ضمناً في طعنها بصحة ارتكابها لهذه المخالفات بعدم تعرضها لنفيها في تقرير الطعن.
ومن حيث إن الحكم الطعين قد استند فيما قضى به من فصل الطاعنة من الخدمة إلى المخالفات الخمس المنسوبة إليها بتقرير الاتهام حال أن المخالفة الأولى والأكثر جسامة قد انتفت في حقها وأن المخالفات الأربع الباقية لا تكفي لحمل ما قضى به الحكم الطعين من مجازاة الطاعنة بالفصل من الخدمة محمل الصحة، فمن ثم فإنه يتعين إلغاء الحكم الطعين ومجازاة الطاعنة بما يتفق وما ثبت في حقها من مخالفات وهو ما تقدره المحكمة بالخفض إلى وظيفة في الدرجة الأدنى مباشرة.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه وبمجازاة الطاعنة بالخفض إلى وظيفة في الدرجة الأدنى مباشرة.

الطعن 753 لسنة 3 ق جلسة 9 / 5 / 1959 إدارية عليا مكتب فني 4 ج 2 ق 107 ص 1236

جلسة 9 من مايو سنة 1959

برياسة السيد/ السيد علي السيد رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة السيد إبراهيم الديواني والإمام الإمام الخربيي وعلي إبراهيم بغدادي ومصطفى كامل إسماعيل المستشارين.

------------------

(107)

القضية رقم 753 لسنة 3 القضائية

(أ) دعوى. عريضة الدعوى. 

وجوب توقيع عريضة كل دعوى ترفع إلى مجلس الدولة من محام مقيد بجدول المحامين المقبولين أمامه - إجراء جوهري يترتب على مخالفته البطلان - لا يلزم أن يكون التوقيع بإمضاء المحامي وبخطه، فقد يكون بختمه غير المنكور منه.
(ب) موظف. تأديبه. 

اختصاص مدير المصلحة بتوقيع الجزاءات في الحدود المقررة قانوناً - عدم جواز مباشرة وكيله لهذا الاختصاص إلا إذا كان هناك مانع يحول بينه وبين مباشرته - إلغاء القرار الصادر من الوكيل في مثل هذه الحالة ووجوب إعادة عرض الموضوع على المدير لتقرير ما يراه - مثال.

----------------
1 - لئن كانت المادة 20 من القانون رقم 165 لسنة 1955 تقضي بوجوب أن تكون كل عريضة دعوى ترفع إلى مجلس الدولة موقعة من محام مقيد بجدول المحامين المقبولين أمام المجلس، مما مفاد أن هذا الإجراء الجوهري يجب أن يستكمله شكل العريضة وإلا كانت باطلة، إلا أن التوقيع كما يكون بإمضاء الموقع وبخطه فإن قد يكون بختمه غير المنكور منه.
2 - إن المادة 2 من القانون رقم 104 لسنة 1949 باختصاصات مجلس إدارة السكك الحديدية تنص على أن "يقوم المدير العام تحت إشراف وزير المواصلات بإدارة السكك الحديدية والتلغرفات والتليفونات وتصريف شئونها الاعتيادية وذلك مع مراعاة أحكام هذا القانون، وله على الأخص أن يبت ضمن حدود القوانين واللوائح في المسائل الآتية وهى: أ - ... ج - جميع المسائل الأخرى كالعلاوات القانونية والإجازات والعقوبات وغيرها". ويبين من ذلك أن توقيع الجزاءات على موظفي المصلحة كان منوطاً بمدير عام المصلحة طبقاً لأحكام هذا القانون، وهذا الاختصاص معقود له دون سواه يباشره بنفسه ولا يحل وكيل المدير العام محله فيه إلا إذا كان هناك مانع يحول دون مباشرته له. ومن ثم فإذا كان الثابت من كتاب مصلحة السكك الحديدية لهيئة مفوضي الدولة في 5 من مايو سنة 1958 رقم 28/ 7/ 165 أن مدير عام المصلحة لم يكن في إجازة في يوم 26 من يوليه سنة 1954، وهو اليوم الذي أوقع فيه الجزاء على المدعي، كما لم يثبت أن مانعاً قد حال دون قيام المدير العام بمباشرة هذا الاختصاص حتى يمكن أن يحل وكيله محله في مباشرته، فإن هذا القرار، إذ صدر من غير مختص بإصداره، يكون مخالفاً للقانون متعيناً إلغاؤه. إلا أنه يجب التنبيه إلى أنه مهما يكن من أمر في موضوع التهمة ذاتها وفي شأن ثبوتها أو عدم ثبوتها وفي نوع العقوبة التي يحق توقيعها، فإن القرار المشار إليه قد شابه عيب ينبني عليه بطلانه بسبب عدم اختصاص وكيل المدير العام، فيتعين - والحالة هذه - إعادة عرض الموضوع على الرئيس المختص قانوناً لتقرير ما يراه في شأن ما هو منسوب للمدعي من حيث ثبوته أو عدم ثبوته، والجزاء الذي يوقع عليه في حالة ما إذا رؤى إدانته فيما هو منسوب إليه ليصدر قراره في هذا الشأن.


إجراءات الطعن

في يوم السبت 18 من مايو سنة 1957 أودع السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة سكرتيرية المحكمة عريضة طعن في الحكم الصادر من المحكمة الإدارية لوزارة المواصلات والسكك الحديدية بجلسة 19 من مارس سنة 1957 في القضية رقم 542 لسنة 2 القضائية المرفوعة من السيد/ يوسف عبد المجيد أبو طالب ضد مصلحة السكك الحديدية، والقاضي ببطلان عريضة الدعوى، وإلزام المدعي بالمصروفات. وطلب السيد رئيس هيئة المفوضين - للأسباب الواردة في عريضة طعنه - "الحكم بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه، والقضاء بقبول الدعوى، وإعادة القضية إلى المحكمة الإدارية للفصل فيها مجداً". وقد أعلن الطعن للحكومة في 5 من سبتمبر سنة 1957، وللمدعي في 7 منه، وعين لنظر جلسة 11 من يناير سنة 1958، وفيها سمعت الدعوى على الوجه المبين بالمحضر، وأرجئ النطق بالحكم لجلسة 24 من يناير سنة 1958، ورخصت في تقديم مذكرات. ثم مد أجل النطق بالحكم لجلسة 12 من أبريل سنة 1958، ثم لجلسة 21 من يونيه سنة 1958، وفيها أعيدت القضية للمرافعة لجلسة 22 من نوفمبر سنة 1958 للسبب المبين بالمحضر، وأرجئ النطق بالحكم لجلسة 31 من يناير سنة 1959، ثم لجلسة 4 من أبريل سنة 1959 للسبب الوارد بالمحضر، ثم لجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة، حسبما يبين من الأوراق، تتحصل في أن المدعي أقام هذه الدعوى بعريضة أودعها سكرتيرية محكمة القضاء الإداري في 25 من أكتوبر سنة 1954 يطلب فيها القضاء بإلغاء الأمر المبلغ إليه في 13 من سبتمبر سنة 1954 من مفتش عام المصلحة، والقاضي بخصم ثلاثة أيام من مرتبه. وقد أحيلت الدعوى إلى المحكمة الإدارية لوزارة المواصلات ومصلحة السكك الحديدية على إثر صدور القانون رقم 165 لسنة 1955 بشأن تنظيم مجلس الدولة. وبجلسة 19 من مارس سنة 1957 قضت المحكمة ببطلان عريضة الدعوى؛ لأنها غير موقع عليها من محام. وأسست قضاءها على أن نص المادة 13 من القانون رقم 9 لسنة 1949 الذي رفعت الدعوى في ظله صريح في وجوب توقيع عريضة الدعوى من محام؛ الأمر الذي لا يتحقق في مجرد ختم العريضة بأكلشيه المحامي؛ إذ أن الختم بالأكلشيه وإن تضمن اسم المحامي إلا أنه لا يعتبر توقيعاً بالمعنى المنصوص عليه في هذا القانون؛ وبهذه المثابة تكون الدعوى باطله.
ومن حيث إن الطعن يقوم على أن البطلان لا يكون واجباً إلا في الأحوال التي ينص فيها القانون على البطلان بلفظ أو بعبارة تقتضيه، أما عند عدم النص فلا وجه للبطلان إلا إذا كان العيب الذي شاب الأجر عيباً جوهرياً وبشرط أن يثبت حصول ضرر عنه، بحيث يكون من شأن هذا العيب عدم تحقق الغرض المقصود منه على الوجه الذي يريده القانون. فإذا تبين أن قانون مجلس الدولة قد خلا من نص يوجب تقرير البطلان في حالة عدم توقيع العريضة بإمضاء المحامي، وكان الثابت أن العريضة صادرة من مكتب المحامي بالفعل وممهورة بأكلشيه يحمل اسمه، ومثل المحامي المدعي في جميع مراحل الدعوى، فإن المصلحة التي تغياها القانون تكون قد تحققت بالفعل؛ ومن ثم كان يتعين قبول الدعوى. وإذ ذهب الحكم المطعون فيه إلى غير ذلك فإنه يكون قد خالف القانون، متعيناً الطعن فيه.
ومن حيث إنه ولئن كانت المادة 20 من القانون رقم 165 لسنة 1955 تقضي بوجوب أن تكون كل عريضة دعوى ترفع إلى مجلس الدولة موقعة من محام مقيد بجدول المحامين المقبولين أمام المجلس، مما مفاده أن هذا الإجراء الجوهري يجب أن يستكمله شكل العريضة وإلا كانت باطلة، إلا أن التوقيع كما يكون بإمضاء الموقع وبخطه فقد يكون بختمه غير المنكور منه. وقد بأن من أقوال محامي ذي الشأن في محضر الجلسة، أنه هو الذي أعد العريضة ووقعها بختمه الذي يوقع به عادة على مثل هذه الأوراق، قد حضر عنه في جميع مراحل الدعوى؛ ومن ثم يكون الحكم المطعون فيه، إذ أقام قضاءه بعدم قبول الدعوى على بطلان العريضة للسبب المذكور، قد أخطأ في تأويل القانون وتطبيقه، فيتعين إلغاؤه.
عن الموضوع:
من حيث إن الدعوى مهيأة للفصل فيها.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة تتحصل في أن المدعي جوزي بخصم ثلاثة أيام من راتبه "لإدانته في مادة وقوف القطار رقم 87 يوم 15 من نوفمبر سنة 1953 مدة خمس عشر دقيقة بالقرب من سيمافور القيام النازل بمحطة قوص لعدم فدو مؤخر القطار 423 ألف الذي اتضح من التحقيق أنه دفع للخلف لوزن اليوميات عقب مرور قطار 459". وقد نعى المدعي على هذا الجزاء أنه ينطوي على إساءة ظاهرة لاستعمال السلطة؛ لأنه غير مسئول عما نسب إليه وأدين فيه. وفي مذكرته الأخيرة المقدمة لهذه المحكمة نعى على قرار الجزاء أن الذي أوقعه شخص غير مختص بإصداره وهو مفتش عام الحركة، في حين أنه كان يجب صدوره من مدير عام المصلحة؛ الأمر الذي يعيب القرار ويبطله ويبطل جميع الآثار المترتبة عليه. وقد ردت الحكومة على ذلك بأن المصلحة وقعت هذا الجزاء على المدعي؛ لأنه ثبت من التحقيقات التي أجريت في شأن هذا الحادث مسئوليته عنه لمخالفته التعليمات المنصوص عليها في اللائحة العمومية.
ومن حيث إنه يبين من الأوراق أن المدعي جوزي بخصم ثلاثة أيام من راتبه نظراً لما نسب إليه من إهمال، وذلك على أثر التحقيق الأصلي والتحقيق الانضمامي الذي أجرته المصلحة. وقد أوقع الجزاء السيد وكيل المدير العام للمصلحة في 26 من يوليه سنة 1954 بناء على اقتراح مفتش عام الحركة والبضائع ومفتش عام هندسة السكة والأشغال. وقد أعلن المدعي بهذا الجزاء في 13 من سبتمبر سنة 1954.
ومن حيث إن المادة 2 من القانون رقم 104 لسنة 1949 باختصاصات مجلس إدارة السكك الحديدية تنص على أن "يقوم المدير العام تحت إشراف وزير المواصلات بإدارة السكك الحديدية والتلغرفات والتليفونات وتصريف شئونها الاعتيادية وذلك مع مراعاة أحكام هذا القانون، وله على الأخص أن يبت ضمن حدود القوانين واللوائح في المسائل الآتية وهى: ( أ )... (ج) جميع المسائل الأخرى كالعلاوات القانونية والإجازات والعقوبات وغيرها".
ومن حيث إنه يبين من ذلك أن توقيع الجزاءات على موظفي المصلحة كان منوطاً بمدير عام المصلحة طبقاً لأحكام هذا القانون، وهذا الاختصاص معقود له دون سواه يباشره بنفسه، ولا يحل وكيل المدير العام محله فيه إلا إذا كان هناك مانع يحول دون مباشرته له.
ومن حيث إن الواضح من كتاب مصلحة السكك الحديدية لهيئة مفوضي الدولة في 5 من مايو سنة 1958 رقم 28/ 7/ 165 أن مدير عام المصلحة لم يكن في إجازة في يوم 26 من يوليه سنة 1954، وهو اليوم الذي وقع فيه الجزاء على المدعي، كما لم يثبت أن مانعاً ما قد حال دون قيام المدير العام بمباشرة هذا الاختصاص حتى يمكن أن يحل وكيله محله في مباشرته؛ ومن ثم فإن القرار المطعون فيه - إذ صدر من غير مختص بإصداره - يكون مخالفاً للقانون متعيناً إلغاؤه. إلا أنه يجب التنبيه إلى أنه مهما يكن من أمر في موضوع التهمة ذاتها وفي شأن ثبوتها أو عدم ثبوتها وفي نوع العقوبة التي يحق توقيعها، فإن القرار المشار إليه قد شابه عيب ينبني عليه بطلانه بسبب عدم اختصاص وكيل المدير العام كما سلف إيضاحه، فيتعين، والحالة هذه، إعادة عرض الموضوع على الرئيس المختص قانوناً لتقرير ما يراه في شأن ما هو منسوب للمدعي من حيث ثبوته أو عدم ثبوته، والجزاء الذي يوقع عليه في حالة ما إذا رأى إدانته فيما هو منسوب إليه ليصدر قراره في هذا الشأن.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه، وبصحة عريضة الدعوى، وبإلغاء القرار المطعون فيه، وألزمت الهيئة العامة للسكك الحديدية بالمصروفات.