الصفحات

البحث الذكي داخل المدونة

تحميل وطباعة هذه الصفحة

Print Friendly and PDF

الخميس، 9 يناير 2025

الطعن 1782 لسنة 2 ق جلسة 9 / 5 / 1959 إدارية عليا مكتب فني 4 ج 2 ق 106 ص 1207

جلسة 9 من مايو سنة 1959

برياسة السيد/ السيد علي السيد رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة السيد إبراهيم الديواني والإمام الإمام الخربيي وعلي إبراهيم بغدادي ومصطفى كامل إسماعيل المستشارين.

-------------------

(106)

القضية رقم 1782 لسنة 2 القضائية

(أ) رسوم جمركية 

- الإعفاء من رسوم الصادر والوارد - اختصاص مجلس الوزراء بتقريره بالنسبة للبضائع الخاصة بأفراد الناس طبقاً للفقرة السابعة من المادة 9 من اللائحة الجمركية الصادرة في 12/ 4/ 1884 - المقصود بأفراد الناس في حكم هذه المادة هم الأشخاص الطبيعيون والمعنويون على السواء.
(ب) رسوم جمركية 

- الإعفاء من الرسوم الجمركية - ترخص الإدارة بحسب الأصل في منحه أو منعه طبقاً للقانون - تمتعها بحق تقرير مناط الإعفاء أو عدمه في كل حالة على حدة - لا محل للمطالبة بالإعفاء لمجرد التماثل بين من يطالب به وبين من يتقرر إعفاؤه - صدور مرسوم بتقرير إعفاء عام الشركات الغزل من بعض الرسوم الجمركية - لا يفيد بذاته أحقية الشركات التي لم تعف من هذه الرسوم بقرارات فردية بالإعفاء في الفترة السابقة على تاريخ صدور هذا الرسوم.
(ج) ضريبة 

- مبدأ المساواة في فرض الضريبة - معناه - ليس من مقتضى هذا المبدأ استلزم المساواة بين كل الممولين في الإعفاء من الضرائب - ترخص الإدارة في تقرير الإعفاء أو منعه في غير الحالات التي يكون فيها الإعفاء وجوبياً.

-------------------
1 - إن الفقرة السابعة من المادة التاسعة من اللائحة الجمركية الصادرة في 12 من أبريل سنة 1884 جرى نصها بما يأتي "تعفى من إجراءات التحقيق ورسوم الصادر والوارد الأشياء الآتي بيانها: (أولاً)... (ثانياً)... وتعفى أيضاً من رسوم الصادر والوارد ولكن يجرى عليها الكشف والتحقيق فقط... (سابعاً) البضائع الخاصة بمصالح الحكومة وأفراد الناس الذين لهم الحق بالمسموحات بموجب أوامر خصوصية أو اتفاقات"، والمقصود بأفراد الناس هم جميع الأشخاص الذين لهم الشخصية القانونية، سواء أكانوا أشخاصاً طبيعيين أم أشخاصاً اعتباريين كالشركات والجمعيات وغيرها. وغنى عن القول إن قصر هذه السلطة على إصدار قرارات لصالح الأشخاص الطبيعيين دون غيرهم هو تخصيص بغير مخصص وتمييز دون مقتض، يتنافى بداهة مع الحكمة التي قام عليها النص، وهى حكمة تستلزم المساواة في المعاملة بين الأشخاص جميعاً الطبيعيين وغيرهم، ما دامت قد قامت بهم علة الإعفاء التي من أجلها شرعت هذه السلطة، كما أن تلك القرارات إنما يصدرها المجلس بسلطته التقديرية حسبما يراه متفقاً مع الصالح العام، فلا يحدها إلا عيب إساءة استعمال السلطة إن وجد وقام الدليل عليه، فإذا برئت من هذا العيب فلا معقب للقضاء على تلك القرارات، وليس له أن يتدخل في وزن أسباب تلك الملاءمة، وإلا جاوز القضاء حدود رقابته القانونية.
2 - إن القانون - إذ أولى جهة الإدارة سلطة الترخيص في الإعفاء أو عدم الإعفاء من الرسوم الجمركية في حالات فردية - فليس من شك في أن مناط هذا الإعفاء أو عدمه متروك زمامه لتقديرها في كل حالة على حدتها بحسب الظروف والأحوال، بما لا وجه معه لفرض القياس فرضاً بناء على ادعاء من يدعي ذلك، ويطالب بالإعفاء بحجة التماثل بين حالة فردية وأخرى، والزعم بأن في غير ذلك إخلالاً بمبدأ المساواة في فرض الضريبة وتميزاً بغير مقتض، ما دام القانون ذاته هو الذي سمح بالترخيص في الإعفاء أو عدمه في الحالات الفردية، والترخيص على هذا الأساس منوط بتقدير الإدارة كما سبق القول، كما لا وجه للتحدي بأن إصدار مرسوم بتقرير الإعفاء عاماً مطلقاً يدل على أحقية من لم يعف من الأصل في الإعفاء؛ ذلك أن تغيير نظرة الشارع من وضع سابق كان مناط الترخيص في تقدير الإعفاء أو عدمه فيه بحسب كل حالة فردية على حدتها إلى نظرة موضوعية شاملة مناطها الإعفاء العام بقاعدة عامة مجردة متى توافرت شروطها إنما يمثل تماماً كيفية التطور التشريعي في مثل هذه الظروف، وكيف يبدأ الوضع عادة بحالات فردية، فإذا عمت الأسباب فتعددت الحالات اتجه التفكير بعد ذلك إلى نقل الحكم من نطاق الحالات الفردية إلى التعميم بقاعدة عامة مجردة، وهذا هو ما تم في هذا الشأن إذ بعد أن صدرت قرارات فردية بإعفاء بعض شركات الغزل من بعض الرسوم الجمركية في 23 و30 من يوليه و6 و13 من أغسطس سنة 1950، وتقدمت بعد ذلك سائر الشركات بطلبات الإعفاء أسوة بالشركات الأولى، رأت الحكومة أن الأمر لم يعد مقصوراً على حالات فردية، وإنما أصبح الأمر يحتاج علاجاً عاماً، أي تقرير سياسة عامة بتعميم الإعفاء، فلجأت إلى الأداة القانونية التي يقتضيها الحال، وهى إصدار مرسوم بالإعفاء بالتطبيق للمادة 4 من القانون رقم 2 لسنة 1930. وغنى عن القول إن اتخاذ هذا السبيل كان يقتضي من الحكومة وقتاً كافياً للبحث والدراسة، وبوجه خاص استظهار مدى ما تتأثر به الميزانية؛ باعتبار الرسوم الجمركية من أهم موارد الدولة؛ فلا تثريب، والحالة هذه، على الحكومة في المسلك الذي سلكته، بعد إذ استعملت سلطتها في الحالات الفردية الأولى، فلما نبهها تكرار الطلبات إلى وجوب تقرير سياسة عامة نحو تعميم الإعفاء اتجهت هذه الوجهة وقامت بالفحص والدراسة، ثم انتهت إلى ما انتهت إليه من وجوب استصدر مرسوم عام بالإعفاء، وهو مسلك ينم على الاستواء والسواء في القصد والاتجاه للصالح العام.
3 - إن المساواة في فرض الضريبة شيء والإعفاء أو عدمه في حالات فردية ناطها القانون بتقدير الإدارة شيء آخر، وإذا كانت المساواة بين الممولين عند تطبيق ضريبة معينة واجبة قانوناً، إلا أن ذلك لا يستلزم حتماً المساواة بينهم أيضاً في الإعفاء؛ إذ الأمر في الإعفاء جد مختلف، فليس ما يمنع الجهة الإدارية من الإعفاء من الضريبة، على أن يتم ذلك في حدود القانون أو بناء على قانون. وقد يكون الإعفاء وجوبياً أي بنص خاص في القانون، وفي هذه الحالة يستوي في الإعفاء كل من توافرت فيه الشروط التي يتطلبها القانون، وقد يكون الإعفاء جوازياً، كما إذا ترك القانون للسلطة الإدارية حق تقريره أو عدم تقريره، ومن ذلك ما نصت عليه الفقرة السابعة من المادة التاسعة من اللائحة الجمركية الصادرة في 2 من أبريل سنة 1884، وقد ردد هذا الحكم أيضاً البند 9 من الفقرة ثانياً من المادة التاسعة من القانون رقم 507 لسنة 1955 بتعديل اللائحة الجمركية السالفة الذكر، إذ نص على أن تعفى من رسوم الوارد والصادر والرسم القيمي والقيمي الإضافي ورسم الاستهلاك وعوائد الرصيف والرسم البلدية، ولكنها تكشف وتراجع "البضائع والأشياء التي يصدر بإعفائها قرار من مجلس الوزراء"، وكذلك ما نصت عليه المادة العاشرة من القانون رقم 142 لسنة 1944 بفرض رسم أيلولة على التركات إذ أجازات لمجلس الوزراء إعفاء المعاهد والجمعيات الخيرية والمؤسسات الاجتماعية من الرسم كله أو بعضه"، وإذ كان الإعفاء في مثل هذه الحالات بمثابة منحة من الإدارة لصاحب الشأن تقررها بناء على تفويض من القانون، فإن الإدارة، والحالة هذه، تترخص في منحها بسلطتها التقديرية، وليس لممول أن يجبرها على منحه هذا الإعفاء ما دام المشرع قد ترك الأمر لمطلق تقديرها، ولا يحدها في ذلك إلا عيب إساءة استعمال السلطة (1).


إجراءات الطعن

في 22 من أغسطس سنة 1956 أودع رئيس هيئة مفوضي الدولة طعناً في الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري بجلسة 24 من يونيه سنة 1956 في الدعوى رقم 2898 لسنة 7 ق المرفوعة من أحمد مصطفى الكرجاتي بصفته ضد وزارة المالية، القاضي: "(أولاً) برفض الدفع بعدم اختصاص المحكمة بنظر الدعوى، وباختصاصها. (ثانياً) وفي الموضوع بإلزام الحكومة بأن تدفع للمدعية تعويضاً مساوياً لما دفعته من رسوم جمركية على الآلات وقطع الغيار فيما عدا رسم قيمي قدره واحد في المائة، وما دفعته من رسوم جمركية على المواد الأولية، وذلك في المدة من تاريخ تقديم طلبها الأول بالإعفاء في 14 من أغسطس سنة 1950 إلى تاريخ العمل بالمرسوم الصادر بتعميم الإعفاء المنشور بالجريدة الرسمية في 16 من مايو سنة 1951. (ثالثاً) بإلزام الحكومة بأن تدفع للمدعية المصروفات ومبلغ عشرة جنيهات مقابل أتعاب المحاماة". وطلب رئيس هيئة المفوضين - للأسباب التي استند إليها في عريضة طعن - "أولاً - الأمر بوقف تنفيذ هذا الحكم مؤقتاً ريثما يفصل في الطعن. ثانياً - الحكم بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع إلغاء الحكم المطعون فيه، ورفض الدعوى، مع إلزام الشركة المدعية بالمصروفات". وأعلن المدعي بصفته بالطعن في 29 من أغسطس سنة 1956، وأعلنت به الوزارة في 2 من سبتمبر سنة 1956، وقد عين لنظر الطعن جلسة 6 من أكتوبر سنة 1956، ثم تداول بالجلسات، وخلال ذلك تغيرت صفة الممثل القانوني لشركة الغزل المدعية، فأدخل من حلوا محله في الدعوى تباعاً، وكان آخرهم الممثل للشركة السيد/ محمد عبد الغني المهيلمي بصفته رئيساً لمجلس إدارة الشركة. وبجلسة 17 من يناير سنة 1959 سمعت إيضاحات الطرفين على الوجه المبين بمحضر الجلسة، ثم أرجئ إصدار الحكم إلى جلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة - حسبما يستفاد من الأوراق - تتحصل في أن المدعي بصفته أقام الدعوى رقم 2898 لسنة 7 ق أمام محكمة القضاء الإداري بصحيفة أودعت سكرتيريتها في 26 من يوليه سنة 1953، طالباً الحكم بإلغاء القرار برفض إعفائه من دفع الرسوم المبينة بعريضة الدعوى، وإلزام وزارة المالية برد مبلغ 490 م و44385 ج مع الفوائد من يوم رفع الدعوى والمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة. وقال في بيان ذلك إنه يملك مجموعة مصانع للغزل والنسيج بباكوس بالإسكندرية ساهمت ولا تزال تساهم في تموين البلاد بما تحتاجه من مختلف أنواع الغزل والمنسوجات، وقد شاهدت هذه الشركة مصانع أخرى تقوم بنشاط من نوع مشابه، واختص المعلن إليهم هذه الشركات بإعفائها من الرسوم الجمركية. ولما تقدم الطالب يطلب مثل هذا الإعفاء أبت عليه الحكومة ذلك. ولما كان قرار عدم الإعفاء مخالفاً للقانون مشوباً بسوء استعمال السلطة؛ إذ المصريون جميعاً متساوون في التمتع بالحقوق المدينة والسياسة والتكاليف العامة، وأن التخصيص الظاهر في الإعفاء يعتبر تدخلاً من جانب الحكومة في النشاط التجاري يخل بحرية التجارة والمنافسة القائمة بين الشركات، بوضع بعضها في مركز ممتاز دون البعض الآخر في الإنتاج. ولما كان المدعي بصفته قد دفع رسوماً على الآلات والخامات الخاصة بصناعات شركة بلغ مجموعها 490 م و44385 ج في المدة من 23 من يوليه سنة 1950، تاريخ إعفاء الشركات المماثلة إلى 15 من مايو سنة 1951؛ فيحق له، والحالة هذه، المطالبة برد ما دفعه من رسوم جمركية حسب البيان المفصل بعريضة الدعوى. وقد ردت الحكومة على الدعوى، فدفعت أولاً بعدم اختصاص محكمة القضاء الإداري بنظر الدعوى. وأسست دفعها على أن الدعوى ليست دعوى مطالبة بتعويض، كما تصورها الشركة المدعية، وإنما هي دعوى استرداد ما دفعته بغير وجه حق؛ ومن ثم تخرج المنازعة من اختصاص القضاء الإداري، وعلى أن مؤدى طلبات الشركة أن تحل المحكمة محل الإدارة في تقرير الإعفاء بعد أن امتنعت الإدارة عن ذلك، والدعوى - بهذه المثابة - لا تدخل في اختصاص القضاء الإداري أيضاً. وفي الموضوع قسمت الحكومة ردها إلى قسمين تناولت في أولهما بحث الدعوى من ناحيتها الموضوعية، وتكلمت في ثانيهما عن الناحية القانونية، فقالت في القسم الأول ما محصله أنه ليس من شك في أن للدولة أن تشجع النشاط الفردي بإجراء عام أو خاص، فلها دائماً استعمال هذه السلطة في حدود المصلحة العامة دون أن يحجها الغير بأي حق يمكنه التحدث عنه؛ ذلك أن التشجيع أو الإعانة منحة لا حق فيها طالما أن المشرع لم ينص على التزام الدولة بها. وقد منح المشرع الحكومة رخصة الإعفاء الفردي صراحة بالمادة التاسعة من اللائحة الجمركية؛ حيث ترك لها سلطة تقرير إعفاءات فردية بأمر أو اتفاق خاص. على أن الحكومة رأت اتباع كل من السياستين العامة والخاصة في التشجيع وفقاً لظروف ومبررات قدرتها وهى ترجع جميعها إلى المصلحة العامة؛ فقد أرادت الحكومة تشجيع الصناعات الأساسية في مصر لمواجهة الواردات الأجنبية في ذات النشاط، فاختطت لنفسها سياسة عامة؛ بأن خفضت رسوم الوارد والرسم القيمي على الآلات والمواد اللازمة لهذه الصناعات، وصدر بذلك مرسومان في 25 من يونيه سنة 1950. وفي يوليه سنة 1950 تقدمت كل من الشركة الأسمدة والصناعات الكيماوية ومصنع القرش وشركة مصر للحرير الصناعي إلى وزارة المالية بطلب إعفائها من الرسوم الجمركية عن أصناف معينة، فدرست وزارة المالية هذه الطلبات وبعد أن تبين لها صحة ووجاهة الأسباب التي طلبت من أجلها هذه الشركات الإعفاء، تقدمت إلى مجلس الوزراء بطلب الموافقة على ما طلبت الشركات إعفاءها منه من الرسوم الجمركية، فصدر بذلك قرار من مجلس الوزراء في 23 من يوليه سنة 1950، وكان الدافع إلى طلب وزارة المالية تقرير الإعفاء - وهو ما وافقها عليه مجلس الوزراء - أن هذه الشركات الثلاث (1) شركات أنشئت حديثاً، (2) وأنها تقوم بصناعات حيوية، (3) وأنه لا مثيل لكل منها في القطر المصري. وفي 19 من يوليه سنة 1950 تقدمت كل من شركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة وشركة مصر للغزل والنسيج الرفيع بكفر الدوار بطلب إلى وزارة المالية لإعفاء الآلات وقطع الغيار اللازمة لها وكذلك المواد الأولية من الرسوم الجمركية للأسباب التي بينتها في طلباتها، كما تقدمت شركة صباغي البيضا في 24 من يوليه سنة 1950 بطلب مماثل لطلبات الشركتين سالفتي الذكر؛ ارتكنت فيه إلى الاعتبارات التي ارتكنت إليها الشركتان المذكورتان، ولأسباب أخرى خاصة بها. وبعد أن بحثت وزارة المالية هذه الطلبات تقدمت إلى مجلس الوزراء لتقرير إعفاء هذه الشركات، فوافق مجلس الوزراء على ذلك في 30 من يوليه سنة 1950. ويبين من طلبات هذه الشركات التي وافق وزير المالية على ما ورد بها وأقره على ذلك مجلس الوزراء لتقرير إعفاء هذه الشركات أن كلاً من هذه الشركات أقامت صرحاً شامخاً في الصناعة القطنية، وتكلفت في سبيل ذلك أموالاًً طائلة دون مبالاة بالتكاليف، فوضعت من الأنظمة ما كفل رفع شأن هذه الصناعة، حتى أصبحت تضارع الشركات الأجنبية، كما داومت على استيراد أحدث الآلات وأحسنها لازدهار هذه الصناعة الحيوية، وعانت في ذلك الكثير، لا سيما لحداثة عهد العامل المصري بهذا التقدم الدائم التطور، كما اهتمت بحالة عمالها الاجتماعية إلى أقصى حد، فأصبح نشاطها في كافة فروعه مثلاً يحتذي به. وكان من نتيجة هذا المجهود الجبار الذي قامت به كل من هذه الشركات الثلاث متعاونة متكاتفة أن أصبحت الدولة المصرية تصدر من مصنوعاتها القطنية كميات كبيرة جعلت لها مركزاً سامياً في بعض الدول الأخرى. ولا شك أن شركات هذا شأنها تؤثر تأثيراً مباشراً وعظيماً في الاقتصاد القومي؛ ومن ثم فإن في تشجيعها تحقيقاً للمصلحة العامة. ثم تقدمت شركة مصر للحرير الصناعي إلى وزارة المالية مرة أخرى بتعميم إعفائها من الرسوم على المواد الأولية بدلاً من قصره على لب الخشب، فوافق وزير المالية على ذلك للاعتبارات التي صدر على أساسها قرار مجلس الوزراء في 23 من يوليه سنة 1950، وتقدم إلى مجلس الوزراء بمذكرة في هذا الشأن وافق عليها المجلس المذكور في 6 من أغسطس سنة 1950. كما تقدمت شركة الغزل الأهلية في 31 من يوليه سنة 1950 بطلب إعفائها من الرسوم الجمركية على الآلات والمواد الخام أسوة بما عوملت به بعض الشركات الأخرى، باعتبار أنها أولى الشركات المساهمة المصرية لصناعة الغزل والنسيج في مصر بحكم تأسيسها في عام 1902. وإذ تبين لوزارة المالية صحة الأسباب التي قام عليها طلب الإعفاء، تقدمت إلى مجلس الوزراء بطلب إعفائها، فوافق المجلس على ذلك في 13 من أغسطس سنة 1950. ثم استطردت الحكومة تقول إن قرارات الإعفاء قد قامت على أسس سليمة مشروعة ترجع جميعها إلى المصلحة العامة وكانت تحتم تقرير الإعفاء، واستناداً إلى عوامل خصت بها تلك الشركات المعفاة، وأن منع الإعفاء عن الشركة المدعية كان لأسباب موضوعية فضلاً عن الأسباب القانونية، وهذه الأسباب تقطع بعدم تماثلها بالشركات التي تريد مساواتها بها، ولم تقدم الشركية المدعية وزميلاتها أي عنصر مماثل لتلك العناصر التي دفعت الحكومة إلى تقرير الإعفاء؛ ذلك أن التماثل ليس قاصراً على وحدة النشاط فحسب، وإنما هو وليد تطابق في تفاصيل الحالة العامة وفي وحدة الظروف المحيطة بالشركة، وهو بعبارة أخرى في كافة الملابسات التفصيلية التي تؤثر تأثيراً مباشراً في حالتها العامة وتجعلها صورة مماثلة لزميلاتها، فإذا لم يوجد نص صريح مقيد للإدارة في تصرفها وإذا كانت تعمل في ميدان الترخيص فلا محل للتحدث عن التماثل بينها في مجال الاختيار. ويبين من الرجوع إلى قرارات مجلس الوزراء الصادر بالإعفاء أن قرار 23 من يوليه سنة 1950 اختص ثلاث شركات تتسم بطابع خاص، وهى أنها شركات أنشئت حديثاً وتقوم بصناعات حيوية ولا مثيل لها في القطر المصري، أما أولادها فهي شركة الأسمدة وهى تقوم على صناعة حيوية هي عماد تنمية الثروة الزراعية، ثم مصنع القرش للطرابيش وهو يقوم بصناعة جديدة سبق أن فشلت من قبل وهو في حاجة ماسة إلى التشجيع، وأخيراً شركة مصر للحرير الصناعي وهى لا تقل عن سابقتيها أهمية؛ إذ كرست نشاطها في صناعة جديدة تحتاج إليها الصناعة القطنية في قسط كبير من نشاطها، فهي تعمل على إنتاج ذلك النوع من الحرير الذي تدفع فيه الشركات الأخرى مبالغ باهظة سنوياً في استيرادها، ولا تمارى أي من الشركات المدعية في عدم تماثلها مع هذه الشركات الثلاث في ظروفها وفي مجال نشاطها. وأما عن الشركات الأربع الأخرى التي صدرت بشأنها قرارات إعفاء في 30 من يوليه و13 من أغسطس سنة 1950، فإن كلاً منها يؤثر ثأثيراً مباشراً في الكيان الاقتصادي للدولة، سواء من ناحية الكساء أو من ناحية اليد العاملة التي تستخدمها، وهى لا تبالي في نشاطها هذا بضخامة تكاليف إنتاجها في سبيل استيراد أحسن وأحدث الآلات ووضع أفضل النظم في العمل وفي رفاهية عمالها، وما إلى ذلك من الأعمال التي أنفقت في سبيلها الملايين حتى وصلت إلى الحالة التي هي عليها، يضاف إلى ذلك أن إحداها هي أول شركة قطنية في مصر استمرت تعمل زهاء نصف قرن وحدها في المجال الحيوي، فكان حقيقاً بالحكومة، وقد درست كافة هذه الظروف والاعتبارات، أن تشجعها. فالإعفاء - على ما هو ظاهر - مبناه رغبة الدولة في زيادة ازدهار هذه الشركات بناء على تلك الأسباب، وهو يؤدي مباشرة إلى تحقيق المصلحة العامة في هذا الخصوص على أحسن وجه، وليس من الشركات المدعية ما يمكنها الزعم بقيام كافة تلك الاعتبارات مجتمعة لديها؛ ومن ثم فلا تماثل. وإذ كان لا يوجد نص تشريعي يلزم الحكومة بتقرير الإعفاء بما يجعله حقاً، وإنما كان النص يقضى بترك تقدير ظروف الإعفاء للسلطة العامة، فالمرجع الأخير في تقريره هو لهذه السلطة، فتقوم بالتقرير طبقاً للظروف والملابسات التي تقدم إليها من طالب الإعفاء فتفحصها وتدرسها، حتى إذا ما انتهت منها إلى تقرير الإعفاء كان قرارها مبيناً على هذه الظروف المفحوصة المدروسة، فالأصل في الضريبة الجمركية هو الالتزام بها، وما الإعفاء إلا استثناء منها، فلا يقرر من تلقاء نفسه، ولا يقرر على أساس دعوى مساواة فرد بغيره، فإذا طلب طالب تغيير مركزه العام إلى آخر خاص فعليه أولاً أن يتقدم بطلبه، وعليه ثانياً أن يبين الظروف التي من أجلها يطلب من الدولة إنشاء مركز قانوني خاص له، وعليه هو الأهم - إذا ما طلب مساواته بغيره. أن يبين العناصر التفصيلية لهذه المساواة وظروف التماثل بينه وبين من يريد التشبيه به، فتقوم السلطة العامة في هذه الحالة بفحص هذه الظروف وتقدير تفاصيل عناصرها، فتنتهي منها إلى تقرير ما تراه بشأنها. أما أن يقدم طلب يذكر فيه مقدمه أنه متساو مع غيره لقيامه بذات النشاط فهو في ذاته لا يفيد شيئاً؛ إذ لا يدل تماثل النشاط على تماثل الظروف، وليست الدولة ملزمة ببحث تماثل ظروف مقدم الطلب بغيره، بل عليه أن يتقدم بعناصر مساواته، طالما أنه يطلب استثناء من الأصل. وإذ كان الثابت هو ما تقدم، وأنه فضلاً عن ذلك لا يوجد تماثل بين الشركات المدعية والشركات المعفاة بالنظر إليها على ضوء الاعتبارات التي تأسس عليها الإعفاء، انتفى عن قرارات رفض الإعفاء شائبة إساءة استعمال السلطة. وإذ كان الأمر لا يرجع إلى التزام تشريعي على الدولة القيام به، وأن الإعفاء ليس حقه لصاحبه، بل هو منحة من الدولة تقدرها حسب ظروفها وظروف طالبها، كان الأمر في هذا الترخيص مرهوناً بهذه الظروف المتعددة. فكما أن المساواة تقوم على تماثل ظروف الطالب، فهي تقوم أيضاً على تماثل الظروف بالنسبة للسلطة العامة في تقرير أو عدم تقرير الرخصة الممنوحة لها تشريعياً، فإذا تغير ظروف الزمان بين تقرير الإعفاء وبين الطلب اللاحق فلا تماثل؛ إذ الأمور مرهونة بأوقاتها. وقد تتباين الظروف لتغير سياسة الدولة في الإعفاء أو النفاد مصرفه أو لعدم إمكان فتح الباب على مصراعيه إشفاقاً على الميزانية، أو لغير ذلك من الأسباب، أولها جميعاً مجتمعة. فكل من هذه العناصر من ناحية الدولة صاحبة التقدير تجعل التماثل غير قائم، وهى إذا أحجمت عن الإعفاء لأي من هذه الاعتبارات أو كلها لا تكون قد أساءت استعمال سلطتها؛ إذ هي لم تبن قرارها على غرض شخصي أو هوى، بل لأسباب ترجع إلى المصلحة العامة. فكان أن التماثل بين الفرد وقرينه فهو أيضاً بالنظر إلى مانحه يقوم على وحدة الزمان والسياسة، فإذا تخلفت المعاصرة في أي منهما انعدام التماثل؛ إذ لا إلزاماً تشريعياً ولا حقاً مقرراً في الإعفاء، فما يمنح اليوم قد يسحب غداً، وما يقرر لشخص اليوم قد لا يرى تقريره غداً. ذلك كان موقف وزارة المالية إزاء انهيال طلبات الإعفاء، فقد رأت تغيير سياستها وعدم تحمل ميزانية الدولة مواجهة هذا الموقف استمرار تقرير إعفاءات فردية تجعل الأصل التشريعي في الضريبة الجمركية معدوم الأثر فعلاً بحيث يصبح الاستثناء أصلا؛، لذلك تقدمت إلى مجلس الوزراء بمطلبين: أولهما إنهاء الإعفاءات الفردية مستقبلاً، وثانيهما تعميم الإعفاء يجعله عينياً تطبيقاً لنص المادة الرابعة من القانون رقم 2 لسنة 1930 وأداته المرسوم، لتقرير السلطة العليا ما تراه من سياسة جديدة في الإعفاء على ضوء ما تستبينه هي من إمكانيات ميزانية الدولة. فصدر على هذا الأساس مرسوم 14 من مايو سنة 1951 بإنهاء الإعفاءات الفرية وجعلها عينية منصبة على الوعاء استناداً إلى المادة الرابعة من القانون رقم 2 لسنة 1930. واستخلصت المذكرة مما تقدم: (1) أن الإعفاء مبني على أسباب خاصة لكل شركة تقرير إعفاؤها. (2) أنه ليس حقاً يقابله التزام بتقريره، وأنه يتعين التقدم بطلبه مع وجوب بيان عناصر وأسباب الإعفاء تفصيلاً لتتمكن الحكومة من فحصه ثم تقرر ما تراه على ضوء هذه الأسباب الخاصة. (3) أن التماثل في مجال الترخيص على فرض صحته يتعين أن ينصب على طالب المساواة وعلى ذات الظروف من جهة الحكومة نفسها، (4) أن أقطع على عدم إساءة الوزارة استعمال سلطتها في رفض الإعفاء هو تقدمها إلى سلطة عليا لوضع قاعدة عامة به، فصدر بناء على طلبها مرسوم 14 من مايو سنة 1951. ثم انتقلت الحكومة في مذكرتها إلى البحث القانوني وقسمته إلى خمسة أقسام، تكلمت في القسم الأول منه عن الفقرة السابعة من المادة التاسعة من اللائحة الجمركية من حيث دستوريتها، فقالت ما محصله أن المشرع المصري نص على نوعين من الإعفاء من الرسوم الجمركية: النوع الأول فردي يختص به فرد بذاته، وأفرد له نص المادة التاسعة في فقرتها السابعة من اللائحة الجمركية، حيث تنص على أن "تعفى من رسوم الصادر والوارد، ولكنها تكشف وتراجع... (سابعاً) البضائع الخاصة بمصالح الحكومة وأفراد الناس المتمتعين بالإعفاء بموجب أوامر أو اتفاقات مخصوصة"، والنوع الثاني من الإعفاءات عيني ينصب على وعاء الضريبة إلى مالكها أو حائزها ويصدر بمرسوم، وقد ورد حكمه في المادة الرابعة من القانون رقم 2 لسنة 1930 ونصها كما يأتي "في أحوال الضرورة المستعجلة يجوز بصفة مؤقتة بمقتضى مراسيم لها قوة القانون تخفيض الرسوم أو إلغاؤها بصفة عامة على المواد الأولية اللازمة للصناعات المحلية". وتقول الشركة المدعية في خصوص النوع الأول من الإعفاء إن الحكومة إذا استعملت نص المادة بالنسبة لأحد الأفراد لمبررات معينة تعين عليها في نفس الوقت وبدون حاجة إلى تقديم طلب تعميم ذلك الإعفاء لجميع الأفراد وكافة الهيئات الخاصة المتماثلين مع من أعفى في ظروفه وأوضاعه، فإذا هي لم تفعل كان قرارها غير المتضمن هؤلاء المتماثلين مخالفاً لمبدأ المساواة؛ إذ أن المشرع لم يضع في يدها تلك السلطة لإحداث تفرقة في المعاملة. وردت الحكومة على القول بعدم دستورية المادة التاسعة من اللائحة الجمركية استناداً إلى المادة 135 من دستور سنة 1923 التي نصت على أنه "لا يجوز إعفاء أحد من أداء الضرائب في غير الأحوال المبينة في القانون"، فقالت إن المادة 135 سالفة الذكر وردت مطلقة من كل قيد فيما يتعلق بالوسيلة التي يرتئيها المشرع لتحقيق المصلحة العامة التي ينشدها في تقرير الإعفاء، فكل ما وضعه الدستور من قيد هو عدم جواز تقريره إلا استناداً إلى نص في القانون، فلا تترخص السلطة العامة من تلقاء نفسها في منحه، فلم يتضمن نص المادة شرطاً يجعل الإعفاء صحيحاً إلا بنص تشريعي يحدد مدى هذا الإعفاء وأسبابه وشروطه بقاعدة عامة مجردة، بل أقتصر النص على أن إعفاء أحد الأفراد لا يكون في غير الأحوال المبينة في القانون. والقانون هو عمل تضع الدولة بمقتضاه قاعدة موضوعية ملزمة دون وجوب بيان حدودها وأسبابها وشروطها، فيجرى تطبيق القاعدة على الحالات المتماثلة حالاً ومستقبلاً. أما تفاصيل القاعدة فإما أن ترد في صلب القانون وإما أن يترك المشرع للسلطة التنفيذية أمر وضعها مع النص على ذلك صراحة، فإن لم ينص على تولي السلطة العامة ذلك كان لها اتباع إحدى وسيلتين: (1) إما أن تضع قاعدة تنظيمية عامة فتلتزمها عند التطبيق الفردي، ويكون هذا التطبيق متفقاً مع أحكام تلك القاعدة التنظيمية. (2) وأما أن ترى عدم وضع قاعدة تنظيمية طالما أن المشرع لم يلزمها بذلك، ويكون الأمر في هذه الحالة مرجه سلطة ترخص وتقدير واختيار، فلا تطبق القاعدة القانونية إلا بمناسبة إنشاء مراكز قانونية خاصة. ولا مجال في هذه الحالة للتحدث عن مبدأ المساواة، فالتصرف الإداري الصادر لحالة فردية، حيث لا إلزام على الإدارة في وضع قاعدة تنظيمية، يقتصر تطبيقه على هذه الحالة المعينة ذاتها، فيزول العمل الإداري بمجرد تطبيقه على هذا المركز الخاص، ولا يكون له أثر في المستقبل بالنسبة للحالات المماثلة، كما هو الشأن في القاعدة التنظيمية؛ وبذلك يختلف القرار الفردي المبني على سلطة التقدير عن القانون أو القاعدة التنظيمية التي تضعها جهة الإدارة حيث تقضي طبيعة القانون أو القاعدة التنظيمية أن يكون عاماً ينطبق مستقبلاً على الحالة أو الحالات المماثلة. ثم تكلمت المذكرة عن مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات ومحل تطبيقه، فقالت - بعد أن أوردت نص المادة الثالثة من دستور سنة 1923 - إن المقصود بالمساواة التي نصت عليها تلك المادة هي أمام القانون، أي في التمتع بالحقوق لا في الحصول عليها، وإجماع الفقه والقضاء على أن نص المادة الثالثة المشار إليها يتضمن قاعدتين: الأولى - أن المساواة هي في الأهلية لا في الواقع، والثانية - أن مجال تطبيقها حيث يوجد نص قانوني منظم لأحكام وشروط حالة معينة، فتسري على من تماثلت ظروفهم وأوضاعهم بدون استثناء. وأما إذا كان المجال تقديرياً دون قيد تشريعي فلا محل للتحدث عن مبدأ المساواة لتنافر طبيعته مع طبيعة سلطة التقدير التي يقتصر ميدانها على الاختيار والفردية، فتقتصر مشروعية تصرف الإدارة في هذا الخصوص على عدم إساءة استعمال السلطة. ثم انتقلت المذكرة إلى الكلام عن السلطة التقديرية فقالت ما محصله أن الدولة في مباشرتها لسلطتها العامة في ميدانين مختلفين تمام الاختلاف في نوعهما وإن استمدا أساسهما من مصدر واحد وهو القانون، فإما أن يضع القانون القاعدة العامة المجردة المبينة فيها أحكام تطبيقها، وفي هذه الحالة يقتصر نشاط السلطة العامة على تطبيق هذه الأحكام وتنفيذها دون جواز الخروج عليها، وهو ما يسمى بالسلطة المقيدة لجهة الإدارة، فلا يكون تصرفها مشروعاً إلا بانطباقه على القاعدة القانونية المنصوص عليها، وعدم المشروعية هنا هو المخالفة القانونية. وإما ألا تكون هناك قاعدة قانونية منشئة لمركز قانوني عام تتقيد الإدارة باتباعها، فهنا يقوم مجال السلطة التقديرية. على أن الأمر ليس متروكاً بعد لتحكم الإدارة، بل يحده في هذا الخصوص عدم الخروج على روح القانون وهو ما يسمى بإساءة استعمال السلطة. ثم أفاضت المذكرة في شرح هذا الموضوع لتنتهي إلى أن الفقه والقضاء استقرا على التمييز بين الحق المنصوص عليه قانوناً وبين حق التقدير المقرر لجهة الإدارة، ففي الحالة الأولى لا يجوز عند التطبيق الإخلال بمبدأ المساواة، وفي الحالة الثانية لا مجال فيها لمبدأ المساواة. ثم تحدثت المذكرة بعد ذلك عن الطبيعة الخاصة للرسوم الجمركية، فقالت إن الضريبة عموماً هي فريضة من المال تجبيها الدولة من رعيتها على قدر يسار كل مكلف دون النظر إلى مقدار ما يفيده كل فرد على حدة، وتستعين بها الدولة للقيام بأعباء وظيفتها، على أنه يقوم بجانب هذا الهدف الأساسي من الضريبة اعتبارات أخرى اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية، وإن كنت أقل شأناً من ذلك الاعتبار الأول، إلا أنها قد تؤثر على مقدار الضريبة صعوداً أو هبوطاً، كما قد تؤدي أحياناً إلى الإعفاء منها. أما بالنسبة للضريبة الجمركية فيقوم بجانب أغراض تنمية الخزانة العامة اعتبارات أخرى أساسية بين اقتصادية واجتماعية وسياسية داخلية وخارجية لها ذات الاعتبار الأساسي، بل غالباً ما تسخر الدولة الضريبة الجمركية لخدمة هذه الأهداف، ومن بين هذه الاعتبارات إبرام اتفاق مع الدولة أجنبية إلى بتمييز بضاعتها عن سائر بضائع الدول الأخرى أو بالمعاملة بالمثل في هذا التمييز، أو إلى أمثال ذلك من الاتفاقات، وبعد أن ضربت المذكرة لذلك الأمثال قالت إنه لا شك أن مثل هذه الاتفاقات تحدث تفرقة في لمعاملة بين الممولين دون أي مراعاة للمصلحة العامة الخاصة بالضريبية ذاتها، أو بما يمت لها بصلة من اعتبارات اقتصادية أو اجتماعية، ولكن العمل مع ذلك مشروع لعدم تنافره مع طبيعة الضريبة الجمركية التي جرت الدول على اعتبارها أداة تُسخر لأغراضها الأخرى رغم احتمال إضرارها بمصالح الممولين المتماثلين، كذلك قد يكون من بين أغراض الدولة في تسخير الضريبة الجمركية تشجيع أو إعانة بعض التجار المحليين لأسباب خاصة بهم. فكافة هذه الاعتبارات مشروعة وفقاً لطبيعة الضريبة الجمركية، ولا مجال فيها للتحدث عن مبدأ المساواة إذا كان المرجع سلطة تقديرية للإدارة لاعتبارات من المصلحة العامة. ثم تناولت الحكومة في مذكرتها بعد ذلك الكلام عن الإعانات الفردية ومشروعيتها، فقالت إن الدول قد جرت حديثاً على التدخل في نشاط الأفراد لتشجيعه حيناً ولتنظيم توجيهه حيناً آخر، ويحدث هذا التدخل للتشجيع على إحدى صورتين، إما بنص تشريعي تلتزم الدولة بموجبه إحداث أثر في النشاط، وإما وفقاً لتقديرها باعتبارها سلطة عامة تقضى عليها وظيفتها الأساسية الهيمنة والسهر على مصالح الجماعة، فإن هي تدخلت في نشاط فردي لتشجيعه دون التزام عليها في ذلك فإنما يقتصر تدخلها في خصوص هذا النشاط دون أن ينشأ للغير أيما حق عليها لإلزامها بإصدار قرار فردي آخر له، فالحق مصدره القانون أو اللائحة، وهو شرط تخلف في هذه الحالة التي يستمد فيها القرار مصدره وكيانه القانوني من سلطة الإدارة التقديرية في إنشاء مركز قانوني خاص لفرد معين بتشجيعه أو إعانته، وطالما أنها تتوخى في ذلك مصلحة عامة فلا معقب على قرارها. فإذا رأت الدولة مثلاً تعليم أحد الأولاد مجاناً دون وجود قانون يلزمها بالتعليم المجان، فلا حق للغير في إلزامها بإصدار قرار آخر مماثل له، وإذا رأت إرسال أحد الشبان في بعثة إلى الخارج بناء على سلطتها التقديرية فلا يحق لغيره التحدث عن التماثل وحق مساواته به. فإذا قدرت الحكومة أن من واجبها الاجتماعي مساعدة فرد معين فلا ينشئ هذا التقدير التزاماً عليها لغيره، والقول بغير ذلك يؤدي إلى التزامها القيام بعمل لم يصدر به قانون. والدولة في تقريرها معاونة أو تشجيع نشاط خاص لا تتدخل بطريقة مباشرة في نشاط الغير مهما تماثل هذا النشاط مع من قررت معاونته، وليس من شأن أو من طبيعة أو مستلزمات معاونة نشاط فردي معين التأثير ضرورة على نشاط آخر مماثل، فإذا صح قيام هذا التأثير - وهو ما يتعين إثباته - فإنه يكون نتيجة غير مباشرة وغير لازمة للإعانة، والقول بعكس ذلك يغلق باب الإعانات الفردية، وهو ما لم يقل به أحد، فضلاً عن إضراره بفوائد الإعانات الخاصة. ثم ناقشت الحكومة أخيراً في مذكرتها من باب الاحتياط الكلي التعويض المطالب به، فقالت إن بعضاً من الشركات المحكوم لها لم تقدم الدليل على مقدار المبلغ المطالب به والبعض الآخر لم يقدم ما يدل على أن منافستو الباخرة كان باسمها، وأن الشركات أقحمت عدة مستندات عن مواد لا تعتبر أولية، وانتهت الحكومة من كل ذلك إلى طلب الحكم أصلياً بعدم اختصاص محكمة القضاء الإداري بنظر الدعوى، واحتياطياً برفضها، مع إلزام الشركة المدعية بالمصروفات. ومن باب الاحتياط الكلي في خصوص مناقشة التعويض رفض الدعوى بالنسبة لكل شركة لم تقدم بدليل دعواها، وبالنسبة للشركات التي تقدمت بمستندات برفض طلب التعويض عن كل بضاعة مستوردة لم يثبت أن الشركة المدعية استوردتها باسمها من الخارج، وباستبعاد كافة المبالغ المطالب بها عن المواد غير الأولية ومنها مادة الفبران. وبجلسة 24 من يونيه سنة 1956 قضت المحكمة في الدعوى: (أولاً) برفض الدفع بعدم اختصاص المحكمة بنظر الدعوى، وباختصاصها. (ثانياً) وفي الموضوع بإلزام الحكومة بأن تدفع للمدعية تعويضاً مساوياً لما دفعته من رسوم جمركية على الآلات وقطع الغيار فيما عدا رسم قيمي قدره واحد في المائة، وما دفعته من رسوم جمركية على المواد الأولية، وذلك في المدة من تاريخ تقديم طلبها الأول بالإعفاء في 14 من أغسطس سنة 1950 إلى تاريخ العمل بالمرسوم الصادر بتعميم الإعفاء المنشور بالجريدة الرسمية في 16 من مايو سنة 1951. (ثالثاً) بإلزام الحكومة بأن تدفع للمدعية المصروفات ومبلغ عشرة جنيهات مقابل أتعاب المحاماة. وحاصل ما أقامت المحكمة قضاءها عليه "أن الإعفاء قد يكون جوازياً، وفي هذه الحالة يترك القانون الخاص به لبعض السلطات الإدارية حق تقريره أو عدم تقريره، فالسلطة تكون في هذه الحالة تقديرية لجهة الإدارة، فلها أن تستعملها إن هي شاءت ذلك، ولها أن تعرض عنها كلية إن تراءى لها ذلك، قلا تثريب عليها في الوجهين من أحد، وإنما هي إذا استعلمت الرخصة التي أمدها الشارع بها فإنها لا تتلقاها مطلقة من غير قيد، خالصة من غير شرط، بل يتعين لزاماً عليها وقد همت بمباشرتها أن ترعى الأصول وتتقي المبادئ وتخشى حرمة الأوضاع...."، وأن "سلطة مجلس الوزراء في منح الإعفاء الضرائبي هي سلطة تقديرية متروك أمرها إليه من حيث المواءمة وحدها، والتعقيب على تلك المواءمة يخرج عن اختصاص هذه المحكمة، وإنما إذ يقرر مجلس الوزراء مباشرة هذه الرخصة التي تلقاها من الشارع ثم يهم بممارستها فيفتح باب المنح فيها، فإنه لا يملك أصالة أن يجعل من المنح أو المنع أداة للتفريق بين المكلفين والتمييز بين من يمنحون الإعفاء ومن يمنعون منه، ما دامت الظروف متشابهة والشروط متجانسة، وحجة منح الإعفاء قائمة عند من تمنعهم من الإعفاء مثلما هي قائمة عند من تمنحهم إياه، وبعبارة أخرى فما دام مجلس الوزراء قد قرر منح الإعفاء، فإنه لا يملك أن يقدمه وفق هواه تارة لمن يشاء وتارة أخرى يحبسه عمن يشاء إلا في حدود ما رسمه القانون وفي ظل من رقابة القضاء؛ ذلك أن الأمر في هذه المرحلة قد خرج من حلقة المواءمة الإدارية إلى ساحة التمييز المجحف والتفريق المعيب، وللقضاء أن يرد جهة الإدارة عندئذ إلى الجادة"، وأن "مجلس الوزراء قد استلهم التفويض التشريعي الوارد بالفقرة السابعة من المادة التاسعة من اللائحة الجمركية الصادرة في 2/ 4/ 1884 - الذي لا يملك الشارع نفسه أن يتخلى عنه مجرداً من قيوده الدستورية الأصلية - وهو تفويض لا يصح مباشرته إلا داخل إطار من قيود وشروط تحتم على جهة الإدارة أن تحرص على تحقيق الغرض الذي أوجب عليها الشارع أن تستهدفه من الإعفاء وهو مراعاة المصلحة العامة، مما يستلزم أن يؤسس الإعفاء الجمركي على أسباب تبره، وأن تكون تلك الأسباب مستمدة من الاعتبارات العامة والعوامل الاقتصادية القومية وأن يتمتع بالإعفاء كل شخص طبيعي أو اعتباري تتوفر له هذه الأسباب، ومتى أصدر مجلس الوزراء قراراً بإعفاء شخص من الرسوم الجمركية لزم أن يكون قراره مستنداً إلى أسباب تسوغ الإعفاء في الحدود المتقدمة وأن يعم هذا الإعفاء فيشمل كل من يستحقه للأسباب نفسها"، و"أن المحكمة حرصت على تسجيل مقومات كل قرار صدر بإعفاء فردي لتتكشف الحالة الواقعية والقانونية التي عرضت على مجلس الوزراء فأوحت إليه أن يتدخل وأن يتخذ قراراً بالإعفاء، فإذا بتلك الحالة الواقعية تشخص في أن صناعات أساسية قومية كصناعة الأسمدة والمخصبات وصناعة الغزل والنسيج كانت في أشد الحاجة إلى التشجيع والتمكين من الوقوف على قدميها والتوسع في أعمالها، وأن الغرض الذي رمت إليه الإدارة هو حماية تلك الصناعات الأساسية من المنافسة الأجنبية، وأن الهدف ليس إلا تخفيف أعباء الصناعات مما كانت تئن منه.... وأن الاستجابة إلى طلبات الإعفاء من شركة بعد أخرى كان استناداً إلى الأسوة والنصفة، وأن ذلك كان تطبيقاً لمبدأ المساواة في معاملة الشركات والمؤسسات المصرية من ناحية الإعفاء من الرسوم الجمركية. وإذ كان الإعفاء منصباً على صناعات فقد كانت الشركات والمؤسسات التي تتمتع به تعمل إما في صناعة جديدة وحيدة في مصر كشركة الأسمدة والصناعات الكيماوية، وإما شركات تعمل في صناعة كشركات الغزل والنسيج بالمحلة الكبرى وكفر الدوار والبيضا والغزل الأهلية والحرير الصناعي ومصنع القرش"، وأن "قضاء هذه المحكمة قد استقر على أنه إذا كان لا يجوز لها أن تتصدى لتقدير ملاءمة إصدار القرار الإداري أو عدم ملاءمته لأن ذلك مما تستقل به الإدارة وحدها في حرية مطلقة مع مراعاة الظروف ووزن الملابسات المحيطة بها، إلا أن لها الحق في بحث الوقائع التي بني عليها القرار الإداري بقصد التحقق من مطابقته أو عدم مطابقته للقانون، وحق المحكمة في ذلك لا يقف عند حد التحقيق من صحة الوقائع المادية التي أسس عليها القرار، بل يمتد إلى تقدير هذه الوقائع إذا ارتبطت بالقانون باعتبارها من العناصر التي يقوم عليها القرار، وللمحكمة في حدود رقابتها للقرار أن تقدر تلك العناصر التقدير الصحيح لتنزل حكم القانون على مقتضاه، ومن المسلم به أن الجهة الإدارية تترخص في تقدير مناسبة إصدار قراراتها ومراعاة ظروفها وملابساتها المحيطة بها، طالما كان الباعث عليها استهداف الصالح العام ولم يشبها عيب سوء استعمال السلطة أو مخالفة القانون، وأن الذي بان للمحكمة من استقراء تلك المبررات القومية الكبرى التي شيد عليها مجلس الوزراء الإعفاء من الرسوم الجمركية خلال شهري يوليه وأغسطس سنة 1950 أنها جميعاً تستهدف رعاية الاقتصاد الوطني، وأن مجلس الوزراء عندما أعمل السلطة المخولة له في منح ذلك الإعفاء إنما باشرها في ظل سهره على المصلحة العامة، فجاءت صحيحة تلك القرارات فيما انطوت عليه. ولكن مجلس الوزراء لا يملك في ذات الوقت أن يجعل من المنح أو المنع في هذا النطاق أداة للتفرقة بين المكلفين ومعولاً للتمييز بين من يمنحون الإعفاء من جهة ومن يمنعون عنه أو يحرمون منه من وجهة أخرى ما دامت الظروف متشابهة والأسباب قائمة لدى الفريقين، وإلا خرج الأمر من دائرة المواءمة وحلقة الملاءمة ليدخل من باب التمييز المجحف الذي يخل - ولا شك - بمبدأ المساواة وميزان النصفة... وأنه إذا ميزت الإدارة بين طائفتين من الناس تتقدمان للحصول على مطلب معين فأجابت مطلب طائفة ورفضت مطلب الأخرى على الرغم من اتحاد ظروفهم ففي ذلك احتمال عيب المحاباة. ويكون القرار الصادر برفض الطلب مخالفاً لروح القانون مشوباً بالانحراف"، وأن "الذي لا شك فيه هو أن التماثل اللازم توافره لإعمال مبدأ المساواة كان قائماً في الفترة التي أعلمت الإدارة أثناءها سلاحها ذا الحدين، ونعني به المنح والمنع، فالشركة المدعية من الشركات العاملة في صناعة الغزل والنسيج بمصر وهى صناعة أساسية جديرة بالتشجيع، وإذا كانت الحكومة تخشى أن تقف الرسوم الجمركية عقبة في سبيل إنشاء الصناعات أو في سبيل توسعها المنشود فإن خشيتها يجب أن تكون قائمة بالنسبة لكل المؤسسات الصناعية المتماثلة... والثابت لهذه المحكمة أن الأسباب التي استندت إليها الحكومة في تقرير الإعفاء الذي ظفرت به بعض الشركات هي ذات الأسباب التي ضمنتها وزارة المالية مذكراتها إلى مجلس الوزراء وهي تطابق ظروف الشركات غير المعافاة وفي مقدمتها الشركة المدعية، وليس أقطع في الدلالة على قيام هذا التماثل والتشابه من أن وزارة المالية، وقد استبانت خطأها في الإخلال بمبدأ المساواة بين تلك الشركات، أقرت بأنها كانت تجرى تمايزاً غير حميد فسعت إلى نقض ما تم على يديها لتدرأ بعض الشر الذي وقع منها، واستصدرت مرسوماً في 14/ 5/ 1951 يلغي الإعفاءات المنفردة التي تمت واستطالت عشرة شهور، ويعمم مبدأ الإعفاء على جميع المؤسسات المتماثلة".
ومن حيث إن الطعن يقوم على أن الحكم المطعون فيه قضى بأن قرارات مجلس الوزراء الصادر بإعفاء بعض شركات الغزل والنسيج من الرسوم الجمركية هي قرارات إدارية صحيحة قامت على تفويض تشريعي سنده نص الفقرة السابعة من المادة التاسعة من اللائحة الجمركية الصادرة في 2 من أبريل سنة 1884، والذي يعفى من رسوم الصادر والوارد مع الكشوف والمراجعة، ويجرى نصها على النحو الآتي "البضائع الخاصة بمصالح الحكومة وأفراد الناس المتمتعين بالإعفاء بموجب أوامر واتفاقات مخصوصة". ويظهر من سياق النص أن المقصود بأفراد الناس هم الأشخاص الطبيعيون دون غيرهم فلا تمتد إلى الشركات، وأن إعفاء هؤلاء لا يكون إلا بأوامر عالية أي بقوانين أو باتفاقات مخصوصة، كذلك يتضح أن هذا النص إنما يقرر استمرار الإعفاءات التي سبق أن منحت في الماضي، وبالتالي فإنه ليس تفويضاً تشريعياً على ما ذهب إليه الحكم المطعون فيه. وإذا فرض جدلاً وكان ثمت تفويض تشريعي فإن الأداة في مباشرة هذا التفويض في إعفاء أفراد الناس ليست قراراً يصدره مجلس الوزراء وإنما هي القوانين والاتفاقات المخصوصة على مقتضى نص الفقرة السابعة من المادة التاسعة من اللائحة الجمركية. والإعفاء من الضرائب الجمركية بغير هذه الأداة يقع مخالفاً لنص المادة 135 من دستور سنة 1923 التي تنص على أنه لا يجوز إعفاء أحد من أداء الضرائب في غير الأحوال المبينة في القانون. على أن هذا التفويض على هذا الوجه غير دستوري؛ لأن مفاد لا يتفق مع مبدأ المساواة طبقاً للمادة 16 من دستور سنة 1923. وبناء على ما تقدم تكون قرارات الإعفاء التي أصدرها مجلس الوزراء مشوبة بعيب عدم الاختصاص أو بكونها غير دستورية، وهى في الحالين منعدمة، وبالتالي فإن القرار الصادر برفض إعفاء الشركة الطاعنة من الرسوم الجمركية قرار صحيح قانوناً، وما دام هذا القرار كذلك فقد امتنع على القضاء الحكم بالتعويض. وقد أثار الحكم المطعون فيه مبدأ المساواة خلال استطراده في القول بالتفويض التشريعي. وعلى أساس هذا المبدأ خرج برأيين، أولهما أن إعفاء أحد من الضريبة يقتضي إعفاء أمثاله الذين تتحد مراكزهم القانونية مع مركزه، والرأي الثاني أن المشرع خول السلطة التنفيذية سلطة تقديرية في أن تستعمل رخصة الإعفاء أولاً تستعملها، فإن هي مارستها خرج الأمر من مجال الملاءمة وتعين عليها أن تلتزم مبدأ المساواة فتعفى جميع المتماثلين في مراكزهم القانونية، وهذان الرأيان يصطدمان بالأصول القانونية. فإذا كان نص الفقرة السابعة من المادة التاسعة المشار إليها قد فوض السلطة التنفيذية في إعفاء أفراد الناس فإن هذا النص يكون غير دستوري، ولا يملك القاضي أن يكمله بقضائه ليجعله دستورياً، كما أن القول بأن السلطة التقديرية المخولة للسلطة التنفيذية تقف عند حد استعمال رخصة الإعفاء أو عدم استعمالها، فإن هي باشرتها وجب عليها أن تمنح الإعفاء لكل من يطلبه من ذوي المراكز المتماثلة - هذا القول مردود بأن اللائحة الجمركية - استطراداً مع ما ذهب إليه الحكم - خولت للسلطة التنفيذية سلطة استثنائية لإعمالها في حالات فردية بمقتضى تقديرها، ولا يمكن أن ترقى هذه السلطة إلى تقرير قواعد تنظيمية عامة مجردة يكون من مقتضاها نسخ الحكم التشريعي في اللائحة، وبالتالي فإن الحكم المطعون فيه إذ ذهب هذا المذهب قد قرر أن سلطة الإدارة تقديرية في الإعفاء ثم حولها إلى سلطة مقيدة. والحكم المطعون فيه قد شابه الخطأ في الاستنتاج، فقد عيب قرار الرفض بالانحراف لمجرد أن قراراً بالإعفاء سبق صدوره في حالة مماثلة، على حين أن هذه المخالفة لا تكون عيب الانحراف بحال من الأحوال. كما خلص الحكم - في التدليل على ما في قرار الرفض من عيب - إلى أن الحكومة حين استشعرت الخطأ في التفريق بين شركات الغزل والنسيج عممت الإعفاء بالمرسومين الصادرين في مايو سنة 1951، والاستخلاص على هذه الصورة ينقضه أن الإعفاء في الحالة الأولى كان إعفاء شخصياً مرده السلطة التقديرية لجهة الإدارة، على حين أن الإعفاء الثاني كان إعفاء عينياً قرر بمرسوم له قوة القانون طبقاً لحكم المادة الرابعة من القانون رقم 2 لسنة 1930، فاختلاف المجالين والتباين بين السلطة التقديرية والسلطة المقيدة تجعل المقابلة ثم الاستنتاج أمراً يخرج عن النطق والقانون. وأخيراً فإن قرارات مجلس الوزراء الصادرة بإعفاء بعض شركات الغزل والنسيج قرارات منعدمة؛ لأنها صدرت ممن لا يملك الإعفاء من الرسوم الجمركية. وإذا كان هذا كذلك فلا محل لالتماس مبدأ المساواة في هذا المجال، فضلاً عن أن قرار الرفض صدر مطابقاً للقانون مما لا يمكن معه الحكم بالتعويض. ولما كان الحكم المطعون فيه قد جرى على غير ذلك، فهو معيب بمخالفة القانون. ولما كان تنفيذ هذا الحكم قبل الفصل في هذا الطعن يترتب عليه نتائج يتعذر تداركها مما ينبغي معه الأمر بوقف التنفيذ مؤقتاً، من أجل ذلك طلبت هيئة المفوضين: أولاً - الأمر بوقف تنفيذ الحكم مؤقتاً ريثما يفصل في الطعن. ثانياً - الحكم بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع إلغاء الحكم المطعون، فيه ورفض الدعوى، مع إلزام الشركة المدعية بالمصروفات.
ومن حيث إنه يبين من الأوراق أنه في 12 من يوليه سنة 1950 تقدمت الشركة المصرية للأسمدة والصناعات الكيماوية بطلب إلى السيد وزير المالية التمست فيه - للأسباب التي فصلتها في طلبها - إعفاء مهمات وأدوات الشركة المستوردة من الخارج من الرسوم الجمركية. وفي 13 من يوليه سنة 1950 تقدمت جمعية القرش للطرابيش إلى وزير المالية بطلب إعفاء الآلات والعدد وقطع الغيار المستوردة، وكذا الصوف ومواد الصباغة والمواد الكيماوية المستوردة من رسوم الوارد والرسوم القيمية للأسباب التي ذكرتها بطلبها، كما تقدمت شركة مصر للحرير الصناعي في 14 من يوليه سنة 1950 بطلب على وزير المالية بإلغاء الرسوم الجمركية على الوارد من لب الخشب، وبطلب آخر في 22 من يوليه سنة 1950 لإعفائها من الرسوم الجمركية على الماكينات والمواد الأولية. فتقدم وزير المالية إلى مجلس الوزراء بمذكرة في 22 من يوليه سنة 1950 يقترح فيها إعفاء الشركة الأولى من رسم الوارد على الآلات وقطع الغيار اللازمة لها اكتفاء بتحصيل رسم قيمي قدره 1% وإعفاء الشركة الثانية من كافة الرسوم الجمركية على ما تستورده من لب الخشب اللازم لها بما في ذلك الرسم القيمي، وكذلك إعفاءها من رسم الوارد على الآلات وقطع الغيار اكتفاء بتحصيل قيمي قدره 1%، وإعفاء مصنع القرش من رسم الوارد على الآلات وقطع الغيار اللازمة له اكتفاء برسم قيمي قدره 1% وإعفاء الأصواف ومواد الصباغة والمواد الكيماوية اللازمة لها من كافة الرسوم الجمركية بما في ذلك الرسم القيمي، على أن يكون هذا الإعفاء المقترح لمدة خمس سنوات. فوافق مجلس الوزراء على ذلك بجلسته المنعقدة في 23 من يوليه سنة 1950. ثم تقدمت بعد ذلك كل من شركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى وشركة مصر للغزل والنسيج الرفيع بكفر الدوار وشركة صباغي البيضا بطلبات لإعفاء الآلات وقطع الغيار اللازم لها، وكذلك المواد الأولية من الرسوم الجمركية. فتقدم وزير المالية إلى مجلس الوزراء بمذكرة في 25 من يوليه سنة 1950 أشارت فيها إلى الطلبات المقدمة من الشركات المذكورة، ثم قال "وتمشياً مع سياسة وزارة المالية في تشجيع الصناعة المحلية وأسوة بما قرره مجلس الوزراء بجلسته المنعقدة في 23 من يوليه سنة 1950 بشأن الشركة المصرية للأسمدة والصناعات الكيماوية وشركة مصر للحرير الصناعي ومصنع القرش للطرابيش - ترى وزارة المالية إعفاء شركة مصر للغزل والنسيج وشركة مصر للغزل والنسيج الرفيع وشركة صباغي البيضا من رسم الوارد على الآلات وقطع الغيار اكتفاء برسم قيمي قدره 1% وبإعفائها من الرسوم الجمركية سواء كانت رسم وارد أو رسماً قيمياً عن المواد الأولية، على أن يستمر هذا الإعفاء خمس سنوات يوقف الإعفاء عند انقضائها. وتتشرف وزارة المالية بعرض الأمر على مجلس الوزراء للتفضل بالموافقة استناداً إلى الحق المخول للمجلس بالمادة التاسعة من اللائحة الجمركية". وقد وافق مجلس الوزراء على ما جاء بهذه المذكرة بجلسته المنعقدة في 30 من يوليه سنة 1950، ثم تقدمت شركة الغزل الأهلية بطلب إلى وزير المالية لإعفائها من الرسوم الجمركية على الآلات والمواد الخام أسوة بما عوملت به بعض الشركات، فتقدم وزير المالية في 9 من أغسطس سنة 1950 بمذكرة إلى مجلس الوزراء لإعفاء تلك الشركة من رسم الوارد على الآلات وقطع الغيار اكتفاء برسم قيمي قدره 1% وإعفائها من الرسوم الجمركية، سواء أكانت رسم وارد أو رسماً قيمياً عن المواد الأولية، على أن يستمر الإعفاء لمدة خمس سنوات يوقف عند انقضائها. فوافق مجلس الوزراء على ذلك بجلسته المنعقدة في 13 من أغسطس سنة 1950. وعلى إثر صدور قرارات الإعفاء سالفة الذكر سارعت شركات النسيج الأخرى - ومنها الشركة المدعية - إلى تقديم طلبات إلى وزارة المالية لإعفائها من الرسوم الجمركية أسوة بما اتبع مع الشركات السابقة؛ استناداً إلى أنها جميعاً تمارس نفس النشاط الذي تمارسه الشركة المعفاة، فلم تتلق الشركات المذكورة رداً على طلباتها، إلا أنه في 9 من مايو سنة 1951 تقدمت وزارة المالية إلى مجلس الوزراء بمذكرة أشارت فيها إلى قرارات الإعفاء الفردية التي سبق أن أصدرها المجلس في 23 و30 من يوليه و6 و13 من أغسطس سنة 1950، ثم قالت "ولما كانت الإعفاءات المذكرة إعفاءات فردية مقصورة على بعض المؤسسات دون بعضها الآخر رغم قيامها بنفس الصناعة، وكانت الحاجة تدعو إلى وضع سياسة عامة مبنية على قاعدة المساواة في المعاملة، لذلك تقترح وزارة المالية: (أولاً) إبطال العمل بقرارات مجلس الوزراء سالفة الذكر بالنسبة للمستقبل ومن تاريخ موافقة مجلس الوزراء، (ثانياً) إلغاء الرسوم الجمركية على العدد والآلات بمرسوم اكتفاء بالرسم القيمي المقرر بالمرسومين الصادرين في 10 من أكتوبر سنة 1946 و26 من يونيه سنة 1950 وقدره 1% مع تنسيق صياغة هذين المرسومين عن طريق إصدار مرسوم جديد خاص بالرسم القيمي. وقد أعدت وزارة المالية مشروعي مرسومين أولهما خاص برسم الوارد وثانيهما خاص بالرسم القيمي. وتتشرف وزارة المالية بعرض الأمر على مجلس الوزراء للتفضل بالموافقة على إبطال العمل بالقرارات سالفة الذكر وعلى استصدار المرسومين". وقد وافق مجلس الوزراء على ما ورد بهذه المذكرة بجلسته المنعقدة في 13 من مايو سنة 1951. وفي 14 من مايو سنة 1951 صدر المرسومان المشار إليهما في مذكرة وزارة المالية، واستناداً في إصدارهما إلى القانون رقم 2 لسنة 1930 وإلى المرسومين الصادر أولهما في 14 من فبراير سنة 1940 بوضع تعريفة جديدة للرسوم الجمركية، وثانيهما بفرض رسم قيمي قدره 1% على جميع البضائع الواردة. وبصدد المرسومين المذكورين عم الإعفاء جميع الشركات. وقد أقامت كل من الشركة المدعية والشركات الأخرى التي لم يسبق صدور قرارات فردية بإعفائها من الرسوم دعاوى ضد وزارة المالية طالبة الحكم لها بتعويض يتمثل في مقدار ما دفعته من رسوم جمركية على الآلات وقطع الغيار والمواد الأولية في المدة من تاريخ تقديمها طلب الإعفاء إلى وزارة المالية إلى تاريخ صدور المرسومين سالفي الذكر في 14 من مايو سنة 1951؛ استناداً إلى أن الحكومة قد أخطأت إذ رفضت منح الإعفاء إليها أسوة بالشركات التي أعفيت، وأن امتناعها هذا ينطوي على انحراف بالسلطة يعيب قرارها المانع، وإذ كان قد تسبب عن ذلك القرار ضرر فإن عليها أن تضمنه بتعويض معادل له.
ومن حيث إن مجلس الوزراء قد استند في إصدار قرارات الإعفاء الفردية السالف الإشارة إليها إلى الحق الذي خوله بمقتضى الفقرة السابعة من المادة التاسعة من اللائحة الجمركية الصادرة في 2 من أبريل سنة 1884 التي جرى نصها بما يأتي "تعفى من إجراءات التحقيق ورسوم الصادر والوارد الأشياء الآتي بيانها: (أولاً)... (ثانياً)... وتعفى أيضاً من رسوم الصادر والوارد، ولكن يجرى عليها الكشف والتحقيق فقط... (سابعاً) البضائع الخاصة بمصالح الحكومة وأفراد الناس الذين لهم الحق بالمسموحات بموجب أوامر خصوصية أو اتفاقات"، كما استند في إصدار مرسومي 14 من مايو سنة 1951 إلى القانون رقم 2 لسنة 1930 بتعديل التعريفة الجمركية الذي تنص المادة الرابعة منه على أنه "في أحوال الضرورة المستعجلة يجوز بصفة مؤقتة بمقتضى مراسيم لها قوة القانون: ( أ ) تخفيض الرسوم أو إلغاؤها بصفة عامة على المواد الغذائية الضرورية والحاجيات العادية من أصناف الملابس وكذا على المواد الأولية الضرورية للصناعات المحلية. (ب)... (ج)...".
ومن حيث إنه يجب التنبيه بادئ ذي بدء إلى أن مسئولية الحكومة عن قراراتها الإدارية منوطة بقيام خطأ من جانبها؛ بأن يكون القرار الإداري غير مشروع؛ وذلك بأن يشوبه عيب أو أكثر من العيوب المنصوص عليها في المادة الثالثة من القانون رقم 9 لسنة 1949 وفي المادة الثامنة من القانون رقم 165 لسنة 1955، وهى عيب عدم الاختصاص أو عيب في الشكل أو مخالفة القوانين واللوائح أو الخطأ في تطبيقها وتأويلها أو إساءة استعمال السلطة، وأن يترتب على هذا القرار ضرر، وأن تقوم علاقة السببية بين الخطأ والضرر، فإذ كان القرار مشروعاً؛ بأن كان سليماً مطابقاً للقانون فلا تسأل الإدارة عنه مهما بلغ الضرر الذي يترتب عليه لانتفاء ركن الخطأ، فلا مندوحة من أن يتحمل الناس نشاط الإدارة المشروع، أي المطابق للقانون (2).
ومن حيث إن قرارات الإعفاء التي أصدرها مجلس الوزراء في 23 و30 من يوليه و6 و13 من أغسطس سنة 1950 إنما أصدرها بالسلطة المخول إياها بمقتضى الفقرة السابعة من المادة التاسعة من اللائحة الجمركية الصادرة في 2 من أبريل سنة 1884 ونصها "البضائع الخاصة بمصالح الحكومة وأفراد الناس الذين لهم الحق بالمسموحات بموجب أوامر خصوصية أو اتفاقات". والمقصود بأفراد الناس هم جميع الأشخاص الذين لهم الشخصية القانونية، سواء أكانوا أشخاصاً طبيعيين أو أشخاصاً اعتباريين كالشركات والجمعيات وغيرها. وغنى عن القول أن قصر هذه السلطة على إصدار قرارات لصالح الأشخاص الطبيعيين دون غيرهم هو تخصيص بغير مخصص وتمييز دون مقتض يتنافى بداهة مع الحكمة التي قام عليها النص، وهى حكمة تستلزم المساواة في المعاملة بين الأشخاص جميعاً الطبيعيين وغيرهم، ما دامت قد قامت بهم علة الإعفاء التي من أجلها شرعت هذه السلطة، كما أن تلك القرارات إنما يصدرها المجلس بسلطته التقديرية حسبما يراه متفقاً مع الصالح العام، فلا يحدها إلا عيب إساءة استعمال السلطة إن وجد وقام الدليل عليه، فإذا برئت من هذا العيب فلا معقب للقضاء على تلك القرارات، وليس له أن يتدخل في وزن أسباب تلك الملاءمة، وإلا جاوز القضاء حدود رقابته القانونية.
ومن حيث إن الشركة المدعية تنعى على الحكومة في عدم إعفائها من الرسوم التي طلبت إعفاءها منها - أسوة بالشركات التي صدرت قرارات فردية بإعفائها - أنها بتصرفها هذا قد ميزت بين الشركات، فأخلت بمبدأ المساواة في الضريبة، وأنه كان يجب على الحكومة أن تستصدر قرارات بإعفاء الشركة المدعية والشركات المماثلة من الرسوم الجمركية من تاريخ أول قرار صدر بالإعفاء؛ حتى يتساوى الجميع في المعاملة.
ومن حيث إن عيب الانحراف بالسلطة هو من العيوب القصدية في السلوك الإداري، فهو يشوب الغاية ذاتها؛ بأن تنحرف الإدارة وتتنكب وجه المصلحة العامة التي يجب أن يتغياها القرار، فيصدر بباعث لا يمت إلى تلك المصلحة (3)، ولم يقم دليل من الأوراق على أن الحكومة إذ أعفت الشركات التي صدرت لصالحها قرارات الإعفاء في الفترة من 23 من يوليه إلى 13 من أغسطس سنة 1950 قد صدرت في ذلك بباعث لا يمت إلى المصلحة العامة كميل أو هوى أو غرض شخصي أو تمييز بغير مقتض، بل على العكس من ذلك تدل ظروف الحال وملابساته على أنها - إذ أصدرت تلك القرارات في حينها - إنما أصدرتها بباعث يتفق والمصلحة العامة التي من أجلها خولت الحكومة تلك السلطة.
ومن حيث إن القانون إذ أولى جهة الإدارة سلطة الترخيص في الإعفاء أو عدم الإعفاء في حالات فردية، فليس من شك في أن مناط الإعفاء أو عدمه متروك زمامه لتقديرها في كل حالة على حدتها بحسب الظروف والأحوال؛ بما لا وجه معه لفرض القياس فرضاً بناء على إدعاء من يدعي ذلك ويطالب بالإعفاء بحجة التماثل بين حالة فردية وأخرى، والزعم بأن في غير ذلك إخلالاً بمبدأ المساواة في فرض الضريبة وتميزاً بغير مقتض - ما دام القانون ذاته هو الذي سمح بالترخيص في الإعفاء أو عدمه في الحالات الفردية، والترخيص على هذا الأساس منوط بتقدير الإدارة كما سبق القول. كما لا وجه للتحدي بأن إصدار المرسوم بعد ذلك بتقرير الإعفاء عاماً مطلقاً يدل على أحقية الشركة المدعية من الأصل في الإعفاء؛ ذلك أن تغيير نظرة الشارع من وضع سابق كان مناط الترخيص في تقدير الإعفاء أو عدمه بحسب كل حالة فردية على حدتها إلى نظرة موضوعية شاملة مناطها الإعفاء العام بقاعدة عامة مجردة متى توافرت شروطها، إنما يمثل تماماً كيفية التطور التشريعي في مثل هذه الظروف وكيف يبدأ الوضع عادة بحالات فردية، فإذا عمت الأسباب فتعددت الحالات اتجه التفكير بعد ذلك إلى نقل الحكم من نطاق الحالات الفردية إلى التعميم بقاعدة عامة مجردة، وهذا هو ما تم في هذا الشأن، إذ بعد أن صدرت قرارات الإعفاء الفردية في 23 و30 من يوليه و6 و13 من أغسطس سنة 1950، وتقدمت بعد ذلك سائر الشركات بطلبات الإعفاء أسوة بالشركات الأولى، رأت الحكومة أن الأمر لم يعد مقصوراً على حالات فردية، وإنما أصبح الأمر يحتاج علاجاً عاماً، أي تقرير سياسة عامة بتعميم الإعفاء، فلجأت إلى الأداة القانونية التي يقتضيها الحال، وهى إصدار مرسوم بالإعفاء بالتطبيق للمادة 4 من القانون رقم 2 لسنة 1930. وغنى عن القول أن اتخاذ هذا السبيل كان يقتضي من الحكومة وقتاً كافياً للبحث والدراسة، وبوجه خاص استظهار مدى ما تتأثر به الميزانية، باعتبار الرسوم الجمركية من أهم موارد الدولة، فلا تثريب، والحالة هذه، على الحكومة في المسلك الذي سلكته بعد إذ استعملت سلطتها في الحالات الفردية الأولى، فلما نبهها تكرار الطلبات إلى وجوب تقرير سياسة عامة نحو تعميم الإعفاء اتجهت هذه الوجهة وقامت بالفحص والدراسة، ثم انتهت إلى ما انتهت إليه من وجوب استصدر مرسوم عام بالإعفاء، وهو مسلك ينم على الاستواء والسواء في القصد والاتجاه للصالح العام. كما لا وجه لما تثيره الشركة المدعية من أن مبدأ المساواة في الضريبة العامة كان يقتضي الحكومة أن تستصدر قرارات فردية بإعفاء المدعية والشركات المماثلة من الضريبة بأثر رجعي ينسحب إلى التاريخ الذي أعفيت فيه الشركات الأخرى، وأن في عدم اتباع ذلك إخلالاً بمبدأ المساواة - لا وجه لذلك؛ لأن المساواة في فرض الضريبة شيء والإعفاء أو عدمه في حالات فردية ناطها القانون بتقدير الإدارة شيء آخر، وإذا كانت المساواة بين الممولين عند تطبيق ضريبة معينة واجبة قانوناً، إلا أن ذلك لا يستلزم حتماً المساواة بينهم أيضاً في الإعفاء؛ إذ الأمر في الإعفاء جد مختلف، فليس ما يمنع الجهة الإدارية من الإعفاء من الضريبة، على أن يتم ذلك في حدود القانون أو بناء على قانون، وقد يكون الإعفاء وجوبياً، أي بنص خاص في القانون، وفي هذه الحالة يستوي في الإعفاء كل من توافرت فيه الشروط التي يتطلبها القانون. وقد يكون الإعفاء جوازياً كما إذا ترك القانون للسلطة الإدارية حق تقريره أو عدم تقريره، ومن ذلك ما نصت عليه الفقرة السابعة من المادة التاسعة من اللائحة الجمركية الصادرة في 2 من أبريل سنة 1884 السالف الإشارة إليها. وقد ردد هذا الحكم أيضاً البند 9 من الفقرة ثانياً من المادة التاسعة من القانون رقم 507 لسنة 1955 بتعديل اللائحة الجمركية سالفة الذكر؛ إذ نص على أن تعفى من رسوم الوارد والصادر والرسم القيمي والقيمي الإضافي ورسم الاستهلاك وعوائد الرصيف والرسم البلدية، ولكنها تكشف وتراجع "البضائع والأشياء التي يصدر بإعفائها قرار من مجلس الوزراء". وكذلك ما نصت عليه المادة العاشرة من القانون رقم 142 لسنة 1944 بفرض رسم أيلولة على التركات؛ إذ أجازات لمجلس الوزراء إعفاء المعاهد والجمعيات الخيرية والمؤسسات الاجتماعية من الرسم كله أو بعضه، وإذ كان الإعفاء في مثل هذه الحالات بمثابة منحة من الإدارة لصاحب الشأن، تقررها بناء على تفويض من القانون، فإن الإدارة، والحالة هذه، تترخص في منحها بسلطتها التقديرية، وليس لممول أن يجبرها على منحه هذا الإعفاء، ما دام المشرع قد ترك الأمر لمطلق تقديرها، ولا يحدها في ذلك - على ما سبق القول - إلا عيب إساءة استعمال السلطة، وهو غير قائم في خصوصية هذا النزاع.
ومن حيث إنه لكل ما تقدم يكون الحكم المطعون فيه قد أخطأ في تأويل القانون وفي تطبيقه، ويتعين من أجل ذلك إلغاؤه، والقضاء برفض الدعوى.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه، وبرفض الدعوى، وألزمت المدعي بصفته بالمصروفات.


(1) بهذه المبادئ قضت المحكمة في الأحكام الصادرة بذات الجلسة في القضايا رقم 1781 و1782 و1783 و1784 و1785 لسنة 2 ق.
(2) هذا المبدأ سبق نشره في السنة الثانية من هذه المجموعة ص 1309، بند 135.
(3) راجع السنة الثانية من هذه المجموعة، ص 216، بند 25/ ج.

الأربعاء، 8 يناير 2025

الطعن 874 لسنة 4 ق جلسة 25 / 4 / 1959 إدارية عليا مكتب فني 4 ج 2 ق 105 ص 1188

جلسة 25 من أبريل سنة 1959

برياسة السيد/ السيد على السيد رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة السيد علي الدمراوي والسيد إبراهيم الديواني ومحيى الدين حسن ومصطفى كامل إسماعيل المستشارين.

---------------

(105)

القضية رقم 874 لسنة 4 القضائية

(أ) نقل. 

نقل عضو من هيئة التدريس بكلية البوليس إلى قسم الإدارة العامة بالديوان العام لوزارة الداخلية - قيام ما يبرره من توصيه مجلس الكلية به لأسباب تتصل بصالح التدريس بها - انتفاء سوء استعمال السلطة أو المخالفة للقانون - التحدي بحسن التقارير السرية السابقة الموضوعية عن الموظف، والقول بتغير النظرة إليه بعد تعيين مدير جديد للكلية - لا يكفي للتدليل على إساءة استعمال السلطة - تعليل ذلك.
(ب) نقل. 

النقل من وظيفة إلى أخرى - صحيح ما دام لا ينطوي على جزاء تأديبي مقنع بتنزيل الموظف إلى وظيفة درجتها أقل - النعي على قرار النقل بأنه تم على غير درجة وعلى غير وظيفة - غير صحيح متى كان النقل إلى مثل درجة الموظف، ولو كان الخصم بماهيته على ربط وظيفة بالجهة المنقول منها.

------------------
1 - إذا كان الثابت أن نقل المدعي من وظيفته بهيئة التدريس بكلية البوليس إلى قسم الإدارة بالديوان العام لوزارة الداخلية أنه إنما تم للمصلحة العامة المتمثلة في مصلحة التعليم بالكلية المذكورة، وذلك بناء على توصية مجلس إدارة الكلية، بعد إذ تبين له أن بقاء المدعي بها يضر بصالح التعليم نظراً لكثرة تغيبه، وهذا أمر ينفرد بتقديره المجلس المشار إليه بصفته المهيمن على شئون التعليم والمشرف على رعايته وعلى وزن كفاية القائمين به، والمسئول عن حسن سيره بالكلية، بما لا معقب عليه فيه، ولا رقابة للقضاء الإداري عليه، ما دام قراره في ذلك قد تغيا وجه المصلحة العامة وخلا من شائبة إساءة استعمال السلطة. وقد أبدى مجلس إدارة الكلية توصيته بنقل المدعي، وأقره على ذلك وزير الداخلية باعتباره المسئول الأخير عن هذا كله، واستند الوزير في ديباجة قراره إلى توصية المجلس بعد إذ اطلع على أسبابها واعتنقها اقتناعاً بها، ولم ينهض دليل على أن مجلس إدارة الكلية أو أن وزير الداخلية قد صدر فيما ارتآه عن بواعث شخصية بعيدة عن المصلحة العامة أو مشوبة بالانحراف بالسلطة إذا كان الثابت ما تقدم - فإن النقل يكون مشروعاً وليس يكفي للتدليل على إساءة استعمال السلطة المدَّعى بها التحدي بالتقارير السرية في السنوات السابقة، وما تشهد به من نشاط صاحبها واجتهاده في الماضي؛ لأنها من جهة ليست الوعاء الوحيد لتقرير صلاحية الموظف؛ ولأنها من جهة أخرى لا تمنع من أن يجد به في المستقبل ما يغير النظرة إليه؛ ذلك أن سلوك الموظف في عمله ومواظبته عليه ليس حالة دائمة الثبات لا تقبل التحول، بل هي صفة قد تزايل صاحبها؛ إذ تتأثر بالظروف المحيطة به، كما لا يكفي القول بأن النظرة إلى المدعي قد تغيرت دون مقدمات بعد تولي مدير كلية البوليس الجديد لمنصبه، ما دام هذا المدير - ولم يثبت أن بينه وبين المدعي ما يحمله على التجني عليه - ليس هو صاحب السلطة النهائية التي تملك أمر نقله، ولا سيما أن توصية مجلس إدارة الكلية لم تقصر على اقتراح نقل المدعي وحدة من هيئة التدريس بها لمصلحة التعليم، بل تناولت في الوقت ذاته زميلاً آخر للمصلحة عينها، ابتغاء التطهير والإصلاح، وهو نقل مشروع تملكه جهة الإدارة وفقاً لمقتضيات لمصلحة العامة، وتترخص فيه بسلطتها التقديرية حسبما تراه محققاً لهذه المصلحة.
2 - ما دام النقل لا ينطوي على جزاء تأديبي مقنع بتنزيل الموظف من الوظيفة التي يشغلها إلى وظيفة درجتها أقل من درجته، ولا يفوت عليه دوره في الترقية بالأقدمية في الوظيفة المنقول منها، فهو صحيح؛ ذلك أن الموظف ليس له إزاء المصلحة العامة حق مكتسب في البقاء في وظيفة بعينها. ولا حجة فما يذهب إليه المدعي من أن نقله تم إلى غير درجة وعلى غير وظيفة؛ إذ الواقع أنه إنما نقل إلى مثل درجته بالديوان العام بوزارة الداخلية، وألحق بقسم الإدارة به. ولا يغير من هذه الحقيقة صدور قرار وزير الداخلية، بالخصم بماهيته على ربط وظيفة مدرس من الدرجة الثالثة بكلية البوليس؛ إذ لا يعدو هذا أن يكون تعييناً للمصرف المالي، دون مساس بالوضع الوظيفي للمدعي من حيث الدرجة.


إجراءات الطعن

في 19 من أغسطس سنة 1958 أودع السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة سكرتيرية المحكمة عريضة طعن أمام هذه المحكمة قيد بجدولها تحت رقم 874 لسنة 4 القضائية في الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري (الهيئة الثانية) بجلسة 25 من يونيه سنة 1958 في الدعويين المضمومتين رقمي 220 لسنة 3 القضائية و723 لسنة 5 القضائية المقامتين من السيد/ محمود متولي ضد وزارة الداخلية، القاضي "أولاً - بضم الدعوى رقم 723 لسنة 5 ق إلى هذه الدعوى ليصدر فيهما حكم واحد. ثانياً - بعدم قبول طلب المدعي إلغاء القرار الصادر في 28 من يوليه سنة 1948 بنقله من كلية البوليس إلى الديوان العام بوزارة الداخلية لرفعه بعد الميعاد، وبعدم جواز سماع الدعوى بطلب إلغاء قرار مجلس الوزراء الصادر في 7 من يناير سنة 1954 بإحالة المدعي إلى المعاش، وكذلك بعدم جواز سماع دعوى التعويض عن هذا القرار، ورفضت باقي طلبات المدعي، وألزمته المصروفات". وطلب السيد رئيس هيئة المفوضين - للأسباب التي استند إليها في صحيفة طعنه - "الحكم بقبول هذا الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه فيما قضى به عدم قبول طلب المدعي إلغاء القرار الصادر في 28 من يوليه سنة 1948 بنقله من كلية البوليس إلى الديوان العام بوزارة الداخلية، ورفض طلب التعويض عن هذا القرار، والقضاء بتعويض المدعي تعويضاً مناسباً عن القرار المذكور، وتأييد الحكم فيما عدا ذلك، وإلزام المدعي بالمصروفات المناسبة". وقد أعلن هذا الطعن إلى وزارة الداخلية في 8 من أكتوبر سنة 1958، وإلى المطعون لصالحه في 15 منه. وبعد أن انقضت المواعيد القانونية المقررة دون أن يقدم أي من الطرفين مذكرة بملاحظاته عين لنظر الطعن أمام هذه المحكمة جلسة 7 من مارس سنة 1959. وفي 25 من يناير سنة 1959 أبلغ الطرفان بميعاد هذه الجلسة، وفيها سمعت المحكمة ما رأت سماعه من إيضاحات ذوي الشأن على الوجه المبين بمحضر الجلسة، ثم قررت إرجاء النطق بالحكم في الطعن إلى جلسة اليوم، مع الترخيص في تقديم مذكرات في عشرون يوماً. وقد أودعت الحكومة مذكرة بملاحظاتها، انتهت فيها إلى طلب "الحكم برفض الطعن، وتأييد الحكم فيه، مع إلزام المدعي بالمصروفات والأتعاب".


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة، حسبما يبين من أوراق الطعن، تتحصل في أن المدعي أقام الدعوى رقم 220 لسنة 3 ق ضد وزارة الداخلية أمام محكمة القضاء الإداري بعريضة أودعها سكريترية المحكمة في 30 من يناير سنة 1949وطلب فيها - للأسباب التي أبداها بها - الحكم "أولاً - بأحقيته في تسوية حالته على أساس ما ارتبطت به وزارة الداخلية معه بتاريخ 16 من مايو سنة 1938 تطبيقاً لرأي قسم قضايا الحكومة الأهلية الصادرة بتاريخ 16 من مارس سنة 1938 وتطبيق قرار الوزراء الصادر بخصوص ذلك في 18 من يونيه سنة 1938 في عهد أحمد لطفي السيد وزير الداخلية وقتئذ (بناء على الأسانيد القانونية الآتية): 1 - قد حصل الاتفاق بين المدعي والوزارة في 18 من يونيه سنة 1938 على أن يتنازل المدعي عن الدعوى رقم 1151 لسنة 1935 كلي مصر السابق رفعها منه عليها بطلب عشرة آلاف جنيه على سبيل التعويض لما لحقه من ضرر بسبب فصله سياسياً من وظيفته السابقة بطريقة غير قانونية، مقابل التزامها بتسوية حالته وقتئذ بوضعه بالدرجة الرابعة الفنية بمرتب 40 جنيهاً شهرياً من تاريخ عودته للعمل في 18 من يونيه سنة 1938، وتعويضه بمبلغ 1200 ج أو 2000 ج (لعدم إعادته). 2 - أن هذا الاتفاق ملزم للوزارة ولا يجوز لها التحلل منه حتى ولو بقرارات أصدرتها أو تصدرها بمقتضى سلطتها الإدارية، فإذا لم تنفذ الوزارة هذا الاتفاق ورفع المدعي دعواه إلى القضاء الإداري تأسيساً عليه، فإن هذا الدعوى في ماهيتها القضائية هي "منازعة في مرتب"، مما يدخل في اختصاص هذه المحكمة الفصل فيه؛ بولايتها الكاملة؛ عملاً بنص الفقرة الثانية من المادة الرابعة من قانون مجلس الدولة. ثانياً - الحكم بإلغاء القرار الوزاري الصادر من وزارة الداخلية بتاريخ 2 من أغسطس سنة 1948، القاضي بنقل المدعي من وظيفته الفنية بكلية البوليس إلى الديوان العام بالداخلية نقلاً على غير درجة وعلى غير وظيفة؛ لمخالفة ذلك لقانون ربط الميزانية الذي يوجب أن يكون نقل الموظف على درجة معينة. وليس أدل على أن هذا النقل ليس على درجة معينة من أن المدعي للآن يقبض راتبه من ربط وظائف التدريس بكلية البوليس إلى تاريخ رفع هذه الدعوى؛ الأمر الذي قصد به حرمانه من الدرجة التي أهلته لها كفايته وأقدميته؛ وذلك بناء على الأسانيد القانونية الآتية: 1 - لأن النقل النوعي من وظيفة إلى أخرى هو تقليد لوظيفة جديدة مما تختص محكمة القضاء الإداري بنظر إلغائه طبقاً للفقرة الثالثة من المادة الرابعة من قانون مجلس الدولة. 2 - لأن النظم المالية تحظر نقل أو ترقية أي موظف فني إلى قسم آخر ما دام عمل القسمين مختلفاً، كما لا يجوز الخصم براتب موظف في قسم ما على وظيفة خالية في قسم الآخر. ثالثاً - إلغاء قرار الإيقاف الصادر من وكيل وزارة الداخلية بتاريخ 16 من ديسمبر سنة 1948 بوقف المدعي عن عمله، الذي هو عقوبة مما تختص بنظره محكمة القضاء الإداري طبقاً لنص المادة الرابعة. وليس أدل على إساءة استعمال السلطة فيما لحق المدعي للآن وفي صدور قرار الإيقاف هذا من أنه جاء مخالفاً للتحقيقات الإدارية المقول بحصولها دون أن تستدعيه تلك التحقيقات، كما أن الحكمة من صدور قرار الإيقاف هي منع تأثير الموظف الموقوف على سير التحقيق الذي كان قد انتهى، فضلاً عما يذهب إليه بعضهم من أن الإيقاف غير المحدود بمدة هو صورة مقتنعة من صور التنحية عن الوظيفة، وإسقاط لولايتها وحرمان من مزاياها، فهو صورة "مقنعة" من صور الفصل، أو عمل تأديبي بحكم الفقرة الرابعة من المادة الرابعة. رابعاً - الحكم للمدعى بمبلغ ثلاثين ألف جنيه (30.000 ج) - كتعويض له عما ناله من الملاحقة والاضطهاد والتعقب، سواء في انجلترا أثناء دراسته، أو في مصر بعد عودته، وتضييع فرص الترقي التي سنحت له بسبب هذه الملاحقة رغم كفاية المدعي ونزاهته وأمانته. ونظراً لأن القرارات المشكو منها مشوبة كلها بسوء استعمال السلطة؛ الأمر الذي ألحق بالمدعي ضرراً بليغاً من الناحية المادية والأدبية؛ لذلك فإن المدعي يطالب بهذا المبلغ كتعويض مناسب له. خامساً - الحكم بإلزام المدعى عليها بالمصاريف ومقابل أتعاب المحاماة، وشمول الحكم بالنفاذ المعجل وبلا كفالة، مع حفظ كافة حقوق الطالب. سادساً - الحكم بوضع تحقيقات هذه الدعوى والحكم الصادر فيها بملف خدمة المدعي". وبعريضة مودعة سكرتيرية المحكمة في 28 من فبراير سنة 1951 أقام المدعي الدعوى رقم 723 لسنة 5 القضائية ضد وزارة الداخلية أمام محكمة القضاء الإداري طالباً "الحكم بإلغاء القرار الوزاري الصادر من وزارة الداخلية بتاريخ 19 من أغسطس سنة 1950 القاضي بنقله من وظيفة مفتش الداخلية إلى وزارة الاقتصاد الوطني نقلاً نوعياً أضر بالطالب أديباً ومادياً، وإعادته لوظيفته الأصلية، مع إلزام الوزارة بالمصاريف والأتعاب، وحفظ حقه في التعويض عما ناله من أضرار بسبب هذا النقل". وبجلسة أول يناير سنة 1953 أضاف إلى طلباته في هذه الدعوى طلباً بتعويض مؤقت قدره قرش صاغ واحد، كما عدل طلباته في الدعوى الأولى رقم 220 لسنة 3 القضائية بجلسة 18 من مارس سنة 1954 بإضافة الطلبات الآتية: أولاً - إلغاء قرار مجلس الوزراء الصادر في 7 من يناير سنة 1954 والمنفذ بالقرار الوزاري المؤرخ 20 من يناير سنة 1954، القاضي بإحالته إلى المعاش قبل بلوغه السن القانونية بناء على القانون رقم 600 لسنة 1953. ثانياً - زيادة مبلغ التعويض المطالب به في الدعوى أصلاً إلى خمسين ألف جنيه؛ نظير ما لحقه من أضرار مادية وأدبية بسبب المظالم التي لحقته من سنة 1929 إلى الآن. وقد تبادل الطرفان المذكرات، وأودع السيد مفوضي الدولة تقريره بالرأي القانوني مسبباً، ثم شفعه بتقرير تكميلي في شأن ما استجد من الطلبات. وبجلسة 25 من يونيه سنة 1958 قضت محكمة القضاء الإداري (الهيئة الثانية) في هاتين الدعويين "أولاً - بضم الدعوى رقم 723 لسنة 5 ق إلى هذه الدعوى ليصدر فيهما حكم واحد. ثانياً - بعدم قبول طلب المدعي إلغاء القرار الصادر في 28 من يوليه سنة 1948 بنقلة من كلية البوليس إلى الديوان العام بوزارة الداخلية لرفعه بعد الميعاد، وبعدم جواز سماع الدعوى بطلب إلغاء قرار مجلس الوزراء الصادر في 7 من يناير سنة 1954 بإحالة المدعي إلى المعاش، وكذلك بعدم جواز سماع دعوى التعويض عن هذا القرار، ورفضت باقي طلبات المدعي، وألزمته المصروفات". وأوردت المحكمة في حكمها أن المدعي عين في سنة 1929 رئيساً لإدارة التعليم بمجلس مديرية الدقهلية، وذلك بعد حصوله على شهادة الليسانس في القانون في تلك السنة، ولما كان مجلس المديرية هو المتولي الإنفاق على تعليمه من قبل فقد رأي إيفاده على نفقته أيضاً إلى إنجلترا لدراسة برنامج في التربية والتعليم حتى إذا أتمه تولى وظيفة مدير التعليم بالمجلس مدة معينة؛ بيد أن خلافاً نشأ بينه وبين المجلس خلال مدة البعثة بشأن منهج الدراسة أدى بالمجلس إلى قطع مرتبه؛ الأمر الذي اضطره إلى العودة إلى مصر في ديسمبر سنة 1932 قبل انتهاء الفترة التي كانت مقررة لبعثته. وعندما عاد لم يباشر العمل بمجلس المديرية، وإنما ندب للعمل بمكتب العمل بإدارة الأمن العام، وظل منتدباً به من مارس إلى ديسمبر سنة 1933، ولم يتقاض راتبه طوال هذه المدة إلى أن فصل من الخدمة. فرفع ضد كل من وزارة الداخلية ومجلس مديرية الدقهلية الدعوى رقم 151 لسنة 1935 كلي مصر يطلب الحكم له فيها عليهما بإلزامهما متضامنين بأن يدفعا له مبلغ عشرة آلاف جنيه تعويضاً لما زعم أنه أصابه من ضرر بسبب تصرفاتهما معه إبان دراسته في إنجلترا وبعد عودته منها، بإبعاده عن وظيفة مدير التعليم بالمجلس، وندبه لمكتب العمل بالوزارة، دون منحه مرتباً ثم فصله من هذه الوظيفة. وقد رفع مجلس المديرية من جانبه دعوى فرعية ضد المدعي يطالبه فيها بنفقات تعليمه في مراحل الدراسة المختلفة، وأثناء سير هذه الدعوى اقترحت إدارة قضايا الحكومة - لإنهاء النزاع صلحاً - إجراء تسوية تقوم على منح المدعي تعويضاً قدره 1200 جنيه، يدفع مجلس مديرية الدقهلية ثلثه وتدفع وزارة الداخلية باقيه، وأن يعين المدعي في وظيفة من الدرجة الرابعة براتب شهري قدره أربعون جنيهاً، فإذا لم يتيسر تعيينه في الحكومة يمنح تعويضاً قدره 2000 جنيه. وقد وافق وزير الداخلية وقتذاك على عرض هذا الاقتراح بوجهيه على مجلس الوزراء، إلا أن تعديلات أدخلت على هذه الاقتراح قبل عرضه حتى صار إلى وضع قبله المدعي، ووافق عليه مجلس الوزراء بجلسته المنعقدة في 9 من أكتوبر سنة 1938، ويتلخص في أن عين المدعي مدرساً بمدرسة البوليس والإدارة في الدرجة الخامسة براتب شهري قدره ثلاثون جنيهاً، وصرف له مبلغ 200 ج، وهو يعادل على وجه التقريب مرتبه عن فترة ندبه لمكتب العمل بإدارة الأمن العام من مارس إلى ديسمبر سنة 1933. وفي مقابل هذا تنازل كل من المدعي ومجلس مديرية الدقهلية تنازلاً نهائياً عن دعواه قبل الآخر. وقد رقي المدعي بعد ذلك في وظيفته إلى الدرجة الرابعة في سبتمبر سنة 1942، وإلى الدرجة الثالثة في سبتمبر سنة 1946. وفي 28 من يوليه سنة 1948 صدر قرار بنقله من كلية البوليس إلى الديوان العام بوزارة الداخلية حيث رقي إلى الدرجة الثانية، وقد حدث أن قام نزاع بين مصلحة الأملاك الأميرية وبينه بشأن استيلائه على بعض أملاك الدولة، ونسب إليه أنه توصل إلى ذلك مستعيناً بنفوذه لدى رجال الإدارة بوصفه من كبار موظفي وزارة الداخلية، وقد أجرى تحقيق في هذا الموضوع، ورؤى أن مصلحة التحقيق تستدعى وقف المدعي عن عمله، فصدر في 16 من ديسمبر سنة 1948 قرار من وكيل وزارة الداخلية بوقفه عن العمل. وفي 30 من يناير سنة 1949 أقام المدعي ضد وزارة الداخلية الدعوى رقم 220 لسنة 3 القضائية أمام محكمة القضاء الإداري، وفي أثناء سير هذه الدعوى صدر قرار مجلس البوليس الأعلى في 19 من أغسطس سنة 1950 الذي اعتمده وزير الداخلية في 22 منه بالموافقة على نقل المدعي إلى وزارة الاقتصاد الوطني، وعلى إثر ذلك أقام الدعوى رقم 723 لسنة 5 ق وفي 28 من فبراير سنة 1951 ضد وزارة الداخلية أمام محكمة القضاء الإداري. وفي 7 من يناير سنة 1954صدر قرار مجلس الوزراء بإحالته إلى المعاش، بالاستناد إلى القانون رقم 600 لسنة 1953. وقد أسست المحكمة قضاءها فيما يتعلق بطلبه إلغاء قرار نقله من وظيفة مدرس بكلية البوليس إلى ديوان العام وزارة الداخلية على أن الحكومة قد دفعت بعدم قبول هذا الطلب بمقولة إن قرار النقل المطعون فيه صدر في 28 من يوليه سنة 1948، وأبلغ به المدعي في 2 من أغسطس سنة 1948، ولم يتظلم منه أو يرفع الدعوى بطلب إلغائه إلا في 30 من يناير سنة 1949، أي بعد انقضاء الميعاد المقرر للطعن بالإلغاء، وأن المدعي رد على هذا الدفع بأنه قدم بالفعل تظلماً من القرار المذكور في 2 من أغسطس سنة 1948؛ وعلى هذا ينقطع ميعاد رفع دعوى الإلغاء، فلا يبدأ إلا بعد انقضاء أربعة أشهر على التظلم، وإذ رفع دعواه بطلب إلغاء هذا القرار في 30 من يناير سنة 1949 فإنه يكون قد أقامها خلال الستين يوماً المقررة قانوناً لرفعها. وأنه يتضح من الاطلاع على التظلم المشار إليه أنه موجه إلى وكيل وزارة الداخلية، وأن المدعي ذكر فيه أنه علم بخبر نقله من الجرائد، وأنه يعتقد أن هذا النقل كان بسبب تقرير قدمه مدير كلية البوليس يتعارض مع إجماع التقارير السنوية المقدمة عنه من المديرين السابقين التي تشيد بكافيته وحسن سيرته، وأنه لما كان من المحتمل أن يقوم هذا التقرير عقبة في سبيل ترقيته إلى الدرجة الثانية التي رفعت إليها درجته في الكلية قبل نقله منها، فإنه يرجو استبعاد هذا التقرير من ملف خدمته، ويطلب ترقيته إلى الدرجة المذكور مع تعيينه مفتشاً بإدارة التفتيش العام بالوزارة، أسوة بزملائه الذين تركوا الكلية. ويبين من هذا أن التظلم المذكور إنما ينصرف إلى التقرير المقدم من مدير كلية البوليس في حق المدعي، ولا ينصب على موضوع نقله من حيث هو، بل إن المدعي إذ يطلب في تظلمه المشار إليه تعيبه مفتشاً بوزارة الداخلية مع ترقيته إلى الدرجة الثانية إنما يعبر عن رضائه الضمني بهذا النقل وعن عدم تظلمه منه، هذا إلى أن التظلم سالف الذكر وإن كان مؤرخاً 2 من أغسطس سنة 1948، إلا أن ختم الورود المؤشر به عليه يدل على أنه إنما ورد للوزارة في 20 من نوفمبر سنة 1948، أي بعد فوات أكثر من شهرين على علم المدعي بالقرار، ولم يقم ثمت دليل صحيح على حصول هذا التظلم فعلاً في التاريخ المدون بذيله. وغير مجد في هذا الصدد الاستناد إلى إيصال البريد المؤرخ 22 من سبتمبر سنة 1948 المتقدم من المدعي؛ لأن هذا الإيصال ليس معاصراً للتاريخ الثابت على عريضة التظلم، ولا للتاريخ المدون على ختم الورود، مما يدل على أن الإيصال المذكور منبت الصلة بالتظلم. ويستخلص من مجموع هذه الشواهد أن التظلم لم يقدم فعلاً إلا في 20 من نوفمبر سنة 1948، بعد أن كان قد انقضى الميعاد الجائز التظلم فيه؛ ومن ثم فلا ينقطع به ميعاد رفع دعوى الإلغاء، وتكون قد انقضت المدة القانونية التي كان يتعين رفع الدعوى خلالها؛ الأمر الذي يستتبع القضاء بعدم قبول طلب إلغاء هذا القرار. أما عن التعويض الذي يطالب به المدعي بسبب ما أصابه من ضرر نتيجة للقرار المذكور، فإنه يبين من الأوراق أن إدارة كلية البوليس لاحظت على المدعي كثرة تغيبه عن عمله في التدريس بها، ورأت أن إبقاءه في هذا العمل لا يتفق ومصلحة الكلية، فاقترحت على مجلس الكلية التوصية بنقله منها. ووافق وزير الداخلية على هذا الاقتراح، فأصدر قراراً بنقل المدعي إلى ديوان الوزارة بدرجته الثالثة وماهيته. ولما كان نقل الموظف من مصلحة إلى أخرى ومن وظيفة إلى أخرى هو من الأمور التي تترخص فيها الإدارة بحرية حسبما تراه محققاً للمصلحة العامة دون معقب على قرارها في ذلك، ما دام لم يتسم بإساءة استعمال السلطة، وكان الهدف من نقل المدعي من كلية البوليس هو رعاية مصلحة التدريس بها، ولم يقم دليل على انحراف الإدارة في قرارها هذا، فإنه لا يبقى ثمت محل لتعييب هذا القرار أو للمطالبة بالتعويض عنه. ولا حجة في القول المدعي إن القرار ينطوي على تنزيل وظيفته؛ لأنه ليس ثمت فارق جوهري في الطبيعة وفي شروط التعيين بين الوظيفة التي نقل منها وتلك التي نقل إليها، كما لا حجة في القول بأن النقل قد فوت عليه حقه في الترقية إلى الدرجة الثانية التي رفعت إليها وظيفته بكلية البوليس؛ لأن هذا الرفع بفرض حصوله لم يكن ليرتب له حقاً حتمياً في الدرجة التي رفعت إليها الوظيفة. هذا إلى أن المدعي قد رقى إلى الدرجة الثانية بوزارة الداخلية في 29 من نوفمبر سنة 1949 بعد رفع الوقف عنه؛ ومن ثم فلا حق له في التعويض الذي يطالب به عن قرار نقله آنف الذكر، ويتعين القضاء برفض الدعوى في خصوص هذا الطلب. وقد طعن السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة في هذا الحكم بعريضة أودعها سكرتيرية هذه المحكمة في 19 من أغسطس سنة 1958 طلب فيها "الحكم بقبول هذا الطعن شكلاً، وفي الموضوع إلغاء الحكم المطعون فيه فيما قضى به من عدم طلب المدعي إلغاء القرار الصادر في 28 من يوليه سنة 1948 بنقله من كلية البوليس إلى الديوان العام بوزارة الداخلية، ورفض طلب التعويض عن هذا القرار، والقضاء بتعويض المدعي تعويضاً مناسباً عن القرار المذكور، وتأييد الحكم فيما عدا ذلك، وإلزام المدعي بالمصروفات المناسبة". واستند في أسباب طعنه إلى أن مجلس كلية البوليس رأى بجلسته المنعقدة في 30 من يونيه سنة 1948 - لمصلحة التعليم - التوصية على نقل المدعي من هيئة التدريس بها. وفي 17 من يوليه سنة 1948 أبلغ مدير عام كلية البوليس هذه التوصية إلى وكيل وزارة الداخلية رجاء اتخاذ ما يلزم نحو ذلك؛ لأن بقاء المدعي وآخر بالكلية يضر بصالح التعليم؛ نظراً إلى كثرة تغيبهما. وبناء على هذا أصدر وزير الداخلية قراره رقم 580 في 28 من يوليه سنة 1948 بنقل المدعي إلى الديوان العام بالوزارة، مع إلحاقه بقسم الإدارة اعتباراً من أول أغسطس سنة 1948. وفي 23 من سبتمبر سنة 1948 أصدر وزير الداخلية قراره رقم 682 بأن يخصم بماهية المدعي الموظف من الدرجة الثالثة بقسم الإدارة بالوزارة على ربط وظيفة مدرس من الدرجة الثالثة بكلية البوليس اعتباراً من أول سبتمبر سنة 1948. وقد تقدم المدعي بإيصال بريد بدل فاقد بخاتم يوم 18 من أكتوبر سنة 1948 يفيد أن المسجل رقم 286 الصادر في 22 من سبتمبر سنة 1948 منه إلى وزير الداخلية وقتذاك قد سلم إلى مكتب الوزير في 23 من سبتمبر سنة 1948. وقد تضمن هذا الكتاب المسجل - بحسب قول المدعي - تظلماً إدارياً هو بذاته صورة التظلم المرسل إلى وكيل وزارة الداخلية والمختوم بخاتم مكتب وكيل الوزراء في 20 من نوفمبر سنة 1948. وقد استندت المحكمة إلى صورة التظلم الخاصة بوكيل وزارة الداخلية للقول بأن المدعي قد تظلم بعد الميعاد، مما يتعين معه الحكم بعدم قبول طلبه. ولم تعن بتقصي الكتاب المسجل رقم 286 المؤرخ 22 من سبتمبر سنة 1948 للتحقق من واقعة تظلم المدعي إلى وزير الداخلية، وهو قصور بعيب الحكم ويبطله فيما تعلق بعدم قبول المدعي لرفعه بعد الميعاد. أما فيما يختص بمفهوم التظلم وما إذا كان يفيد طعناً في قرار النقل، فقد تمسكت المحكمة بألفاظ الطلبات الواردة في ختام التظلم، مع أن العبرة بالمعاني، وأن مفهوم عبارته أنه ينطق بالاحتجاج على إبعاده من الكلية، وحرمانه تبعاً لذلك من الدرجة الثانية المخصصة لوظيفته. وأما طلب تعيينه مفتشاً بإدارة التفتيش أسوة بزملائه حتى لا يضار بإبعاده عن العمل الفني، فليس إلا صرخة المغلوب على أمره الذي يريد أن يدرك بعض النفع من وراء تظلمه إن فاته النفع كله. وفيما يتعلق بطلب التعويض عن قرار نقل المدعي من كلية البوليس إلى وزارة الداخلية، فإن التقارير التي حواها ملفه السري طوال العشر السنوات التي قضاها في الكلية، قد تواترت تحت مختلف الرياسات على الإشادة بكفايته واجتهاده ونشاطه في عمله وحرصه على إجادته، ثم تغيرت النظرة إليه فجأة عقب تولي السيد/ أحمد عبد الهادي لمنصب مدير كلية البوليس، فأصبح صالح التعليم بالكلية يقتضي إقصاءه عنها، وهو الذي كان محل تقدير مدير الكلية ومجلسها، وكذا الممتحنين الخارجين، وليس يجدي التذرع بكثرة تغيبه؛ لأن هذه واقعة مادية يسهل التحقيق من توافرها بالرجوع إلى الأوراق، وهى ما لم يقم عليها دليل. فإذ أضيف إلى ذلك أن نقله قد تم إلى غير درجة بدليل صدور قرار وزير الداخلية بعد نقله بالخصم بماهيته على ربط وظيفة مدرس بكلية البوليس، وهو في ذاته أمر يخالف القانون، وينهض - بالإضافة إلى ما تقدم - دليلاً على أن قرار النقل المذكور يعد بمثابة نقل نوعي مما تختص به المحكمة، وقد صدر مشوباً بعيب إساءة استعمال السلطة والانحراف بها، إذ كان القصد من ورائه إقصاء المدعي من منصبه بكلية البوليس لغير الصالح العام عن طريق نقله إلى غير وظيفته، مما يعيب القرار ويبطله، ويجعل المدعي مستحقاً للتعويض عن كافة الأضرار التي لحقته من وراء ذلك. وإذ كان المدعي بخروجه من خدمة الحكومة قد انتقلت مصلحته في طلب إلغاء القرار المطعون فيه، فإن حقه ينحصر في التعويض عن القرار المذكور.
ومن حيث إنه ظاهر مما تقدم أن الطعن السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة قد اقتصر على ما قضى به حكم محكمة القضاء الإداري المطعون فيه، خاصاً بطلب المدعي إلغاء القرار الصادر من وزارة الداخلية في 28 من يوليه سنة 1948 بنقله من وظيفته في هيئة التدريس بكلية البوليس إلى الديوان العام بالوزارة، وبالتعويض عن هذا القرار دون باقي طلبات المدعي الأخرى. ولما كان طلب المدعي موضوع الطعن هو طلب قائم بذاته، وخاص بواقعة محددة منفصلة بعناصرها، ومستقلة من حيث النطاق الزمني والبواعث والآثار عن سائر طلباته الأخرى الواردة في دعوييه المضمومتين رقمي 220 لسنة 3 القضائية و723 لسنة 5 القضائية، بحيث لا تقوم بينها وبين هذه الطلبات أية صلة حتمية أو ارتباط لا يقبل التجزئة، كارتباط الفرع بالأصل أو العلة بالمعلول، بل تنفرد بظروفها الخاصة ومشخصاتها الذاتية وأساسها القانوني، فإن الطعن - والحالة هذه - لا يثير النزاع أمام هذه المحكمة في الطلبات الأخرى التي لم يتناولها والتي لا سبيل إلى التصدي لقضاء حكم محكمة القضاء الإداري المطعون فيه في شأنها؛ ومن ثم فإنه يتعين قصر البحث في مجال هذا الطعن على الطلب المطعون فيه وحده دون تلك الطلبات.
ومن حيث إن دفاع المدعي، من واقع مذكراته، فيما يتعلق بطلبه إلغاء القرار الوزاري الصادر بنقله من وظيفته في هيئة التدريس بكلية البوليس إلى الديوان العام لوزارة الداخلية والتعويض عن هذا القرار، يتحصل فيما ينعاه المذكور على الحكم المطعون فيه، من أنه ذكر إنه لم يحصل تظلم من القرار المشار إليه، مع إنه تظلم منه في ذات يوم صدوره تظلماً يحمل خاتم مكتب وكيل وزارة الداخلية، ولا صحة لتسمية هذا التظلم بأنه طلب ترقية إلى الدرجة الثانية على وظيفة مفتش؛ إذ أن هذا الطلب لم يكن إلا من قبيل حفظ حقه في هذه الدرجة، بعد إذ شغلت الدرجة الثانية التي كانت مخصصة له بالكلية بشخص من الخارج، وقد سلمت الوزارة نفسها بأنه قدم إليها تظلماً إدارياً، وهو تظلم من نقل نوعي إلى وظيفة تختلف في طبيعتها وفي شروط التعيين فيها عن الوظيفة السابقة، مما تختص محكمة القضاء الإداري بنظر طلب إلغائه، وقد قدم هذا التظلم في الميعاد القانوني؛ ومن ثم فإن الحكم المطعون فيه يكون قد يكون قد وقع مخالفاً للقانون خلقياً بالإلغاء؛ ذلك أن وظيفة المدعي بهيئة التدريس بكلية البوليس هي وظيفة فنية قضائية من وظائف النظراء، وأن التعيين فيها لا يكون إلا بقرار من مجلس إدارة الكلية، في حين أن الوظيفة التي نقل إليها لا وجود لها اسماً ولا عملاً ولا مرتباً، بل لا وجود لها في الميزانية، بدليل صدور القرار الوزاري رقم 682 في 23 من سبتمبر سنة 1948 تغطية للموقف بالخصم بمرتب المدعي بعد نقله إلى قسم الإدارة بالوزارة على ربط وظيفة مدرس من الدرجة الثالثة بكلية البوليس. ولما لم يكن له عمل يؤديه في قسم الإدارة المنقول إليه، فقد طلب إليه القيام بإجازة لمدة شهرين، واعتمدت له هذه الإجازة فور تقدمه بطلبها، وقد كان القصد من ذلك حرمانه من الترقية تنسيقاً إلى الدرجة الثانية المخصصة له بوصفه كبير أساتذة القانون بكلية البوليس. ولما كان قرار نقله قد صدر مشوباً بإساءة استعمال السلطة فوق ما تضمنه من تخطيه في الترقية إلى الدرجة الثانية المخصصة لوظيفته، فإنه يكون محقاً في طلب الحكم بإلغائه، والقضاء بتعويضه عن ذلك بمبلغ خمسة آلاف جنيه.
ومن حيث إنه يبين من الاطلاع على ملف خدمة المدعي أنه كان قائماً بتدريس مادة القانون الجنائي بكلية البوليس، وشاغلاً الدرجة الثالثة التي رقي إليها اعتباراً من 30 من سبتمبر سنة 1946، وقد رأي مجلس إدارة الكلية بجلسة 30 من يونيه سنة 1948 - لمصلحة التعليم - التوصية على نقله من هيئة التدريس بها، وحررت مذكرة بذلك في 18 من يوليه سنة 1948 عرضت على وكيل وزارة الداخلية مشفوعة ببيان بحالته، ثم أرسلت في التاريخ ذاته إلى وكيل الوزارة من مدير عام كلية البوليس لإجراء ما يلزم نحو ذلك، حيث إن بقاءه بالكلية يضر بصالح التعليم؛ نظراً لكثرة تغيبه. وبناء على هذا صدر في 28 من يوليه سنة 1948 القرار الوزاري رقم 580 من وزير الداخلية بنقله إلى الديوان العام بالوزارة وإلحاقه بقسم الإدارة اعتباراً من أول أغسطس سنة 1948. وفي 3 من أغسطس سنة 1948 تقدم إلى مدير عام قسم الإدارة بوزارة الداخلية بطلب منحه إجازة اعتيادية لمدة شهرين ابتداء من 9 من أغسطس سنة 1948، وذكر في هذا الطلب قرين اسمه أنه موظف بقسم الإدارة بوزارة الداخلية. وفي 23 من سبتمبر سنة 1948 صدر القرار الوزاري رقم 682 من وزير الداخلية بالخصم بماهيته على ربط وظيفة مدرس من الدرجة الثالثة بكلية البوليس اعتباراً من أول سبتمبر سنة 1948، مرفق بملف خدمته تظلم مؤرخ 2 من أغسطس سنة 1948 عليه خاتم وزارة الداخلية - مكتب الوكيل - الدال على وروده إلى المكتب المذكور في 20 من نوفمبر سنة 1948 قيده برقم 2409. وهذا التظلم موجه من المدعي إلى وكيل الوزراء، وفيه يتحدث عن كفايته ومؤهلاته واستقامته وأمانته وحرصه على إتقان عمله وإجادته وصلاحيته له، ويذكر أنه علم بنبأ نقله من الصحف، وأن هذا النقل كان نتيجة لتقرير سري أثبت فيه مدير كلية البوليس الجديد مآخذ نسبها إليه، وهى أنه نزل عن بعض محاضراته لزملائه، وأن له مصالح زراعية كانت تطغى على وقته، مع أن هذا غير صحيح؛ لأنه منح بعض الحصص لمحتاجيها من الأساتذة الآخرين في نهاية العام الدراسي بموافقة مدير الكلية بعد إذ أنجز تدريس برنامجه، وأنه إنما يباشر في أوقات فراغ رعاية مصالحه ومصالح بعض القصر المعين وصياً عليهم من قبل المجلس الحسبي في أرض استصلاح. واختم تظلمه هذا بطلب استبعاد التقرير السري المشار إليه الذي رفعه مدير الكلية عنه إلى مجلس الإدارة من ملف خدمته؛ حتى لا يقف حجر عثرة في سبيل ترقيته؛ وكذا منحه الدرجة الثانية التي رفعت إليها وظيفته بالكلية قبل نقله منها مباشرة، وتعيينه مفتشاً بإدارة التفتيش أسوة بسائر زملائه الذين تركوا الكلية؛ حتى لا يضار بإبعاده عن العمل الفني الذي سلخ فيه عشر سنين. ولما كان هذا التظلم محرراً على ورقة عادية فقد طلبت إليه إدارة المستخدمين في شهر نوفمبر سنة 1948 تحريره على ورقة دمغة، فبعث إليها بهذه الورقة في 14 من ديسمبر سنة 1948، وذكر فيها أنها خاصة بالطلب المقدم منه لوكيل الداخلية متظلماً فيه من نقله من كلية البوليس، وطالباً ترقيته إلى الدرجة الثانية.
ومن حيث إنه على فرض صحة التكييف القانوني الذي يخلعه المدعي على قرار نقله من هيئة التدريس بكلية البوليس إلى الديوان العام بوزارة الداخلية وإلحاقه بقسم الإدارة؛ ليبرر اختصاص القضاء الإداري بنظر طلب إلغائه. فإنه يبين مما تقدم أن عمله بهذا القرار ثابت يقيناً على الأقل منذ 3 من أغسطس سنة 1948، وأن التظلم المقدم منه إلى وكيل وزارة الداخلية وإن كان مؤرخاً 2 من أغسطس سنة 1948، إلا أنه لم يرد فعلاً إلى مكتب الوكيل إلا في 20 من نوفمبر سنة 1948، أي بعد انقضاء أكثر من ستين يوماً على تاريخ عمله بقرار النقل المشار إليه. ولم يقدم المدعي دليلاً ولم يسعفه دليل من الأوراق على أن التظلم المذكور قدم بالفعل في التاريخ المدون بذيله أو في تاريخ سابق على 20 من نوفمبر سنة 1948، كما لا دليل على صحة ما يذهب إليه من أن الكتاب المسجل رقم 286 الذي تقدم إيصال بريد بدل فاقد عنه بخاتم يوم 18 من أكتوبر سنة 1948، والمقول بصدوره منه في 22 من سبتمبر سنة 1948 برسم وزير الداخلية وقتذاك تسليمه إلى مكتب هذا الأخير في 23 منه، وقد تضمن فعلاً تظلماً إدارياً هو بذاته صورة آنف الذكر المرسل منه إلى وكيل الوزارة، ولا سيما أن تاريخ الكتاب المسجل المذكور لا يعاصر أياً من التاريخ الثابت بذيل التظلم أو التاريخ الثابت وروده فيه إلى مكتب وكيل الوزارة المتظلم إليه. ومهما يكن من أمر في شأن التاريخ الذي قدم فيه هذا التظلم، سواء إلى وزير الداخلية أو إلى وكيلها، خلال الميعاد القانوني أو بعد فواته، أو فيما ذكره المدعي عن عريضة الدمغة على الاتساع المقدمة منه لإدارة المستخدمين في 14 من ديسمبر سنة 1948 من أنها خاصة بتظلمه من قرار نقله وبطلب ترقيته إلى الدرجة الثانية، فإن مضمون ما جاء بهذا التظلم الذي يقرر المدعي أن ما أرسله إلى وزير الداخلية بالكتاب المسجل في 22 من سبتمبر سنة 1948، إن هو إلا صورة منه، لا يفيد في حقيقة الحال معنى التشكي من قرار نقله من كلية البوليس إلى قسم الإدارة بالديوان العام بالوزارة، بل على النقيض من ذلك ينطوي في صريح مفهومه على معنى رضائه بهذا النقل ونزوله عليه، وحصر اعتراضه في التقرير السري المقدم عنه بطلب عدم إيداعه ملف خدمته، مع طلب ترقيته إلى الدرجة الثانية وتعيينه مفتشاً بإدارة التفتيش أسوة بسائر زملائه الذين تركوا الكلية؛ حتى لا يضار بإقصائه عن العمل الفني، تأكيداً منه لتسليمه بهذا النقل وقبوله إياه. وبهذه المثابة فإن هذا الملتمس لا يعد تظلماً من قرار النقل، ولا يكون له تبعاً لذلك أثر التظلم الإداري في قطع ميعاد رفع دعوى الإلغاء. ولما كان المدعي لم يرفع دعواه بطلب إلغاء قرار النقل المشار إليه إلا في 30 من يناير سنة 1949، فإن هذا الطلب يكون غير مقبول شكلاً لرفعه بعد الميعاد القانوني، وهو ما انتهى إليه، بحق، حكم محكمة القضاء الإداري المطعون فيه. على أن الطلب المذكور لو أنه رفع في الميعاد لما كان له الآن محل؛ لانعدام جدواه وانتفاء المصلحة منه وصيرورته غير منتج، بعد إذ ترك المدعي خدمة الحكومة بإحالته إلى المعاش بقرار مجلس الوزراء الصادر في 7 من يناير سنة 1954، بالتطبيق لأحكام القانون رقم 600 لسنة 1953.
ومن حيث إنه فيما يتعلق بما يطلبه المدعي ضمن عموم طلباته التي رفضها الحكم المطعون فيه من تعويض ينصرف جاب منه إلى ما أصابه من ضرر بسبب نقله من وظيفته في هيئة التدريس بكلية البوليس إلى قسم الإدارة بالديوان العام لوزارة الداخلية، وهو التعويض الذي قام طعن هيئة المفوضين على إجابته إليه في هذا الخصوص، فإن الثابت مما سلف إيراده عن ظروف هذا النقل، أنه أنما تم للمصلحة العامة المتمثلة في المصلحة التعليم بالكلية المذكورة؛ وذلك بناء على توصية مجلس إدارة الكلية، بعد إذ تبين له أن بقاء المدعي بها يضر بصالح التعليم، نظراً لكثرة تغيبه. وهذا أمر ينفرد بتقديره المجلس المشار إليه بصفته المهيمن على شئون العليم والمشرف على رعايته وعلى وزن كفاية القائمين به، والمسئول عن حسن سيره بالكلية، بما لا معقب عليه فيه ولا رقابة للقضاء الإداري عليه، ما دام قراره في ذلك قد تغيا وجه المصلحة العامة، وخلا من شائبة إساءة استعمال السلطة. وقد أبدى مجلس إدارة الكلية توصيته بنقل المدعي وأقره على ذلك وزير الداخلية باعتباره المسئول الأخير عن هذا كله. واستند الوزير في ديباجة قراره إلى توصية المجلس بعد إذ اطلع على أسبابها واعتنقها اقتناعاً بها، ولم ينهض دليل على أن مجلس إدارة الكلية أو أن وزير الداخلية قد صدر فيما ارتآه عن بواعث شخصية بعيدة عن المصلحة العامة أو مشوبة بالانحراف بالسلطة. وليس يكفي التدليل على إساءة استعمال السلطة المدَّعى بها التحدي بالتقارير السرية في السنوات السابقة وما تشهد به من نشاط صاحبها واجتهاده في الماضي؛ لأنها من جهة ليست الوعاء الوحيد لتقرير صلاحية الموظف؛ ولأنها من جهة أخرى لا تمنع من أن يجد به في المستقبل ما يغير النظرة إليه؛ ذلك أن سلوك الموظف في عمله ومواظبته عليه ليس حالة دائمة الثبات لا تقبل التحول، بل هي صفة قد تزايل صاحبها؛ إذ تتأثر بالظروف المحيطة به، كما لا يكفي القول بأن النظرة إلى المدعي قد تغيرت دون مقدمات بعد تولي مدير كلية البوليس الجديد لمنصبه، ما دام هذا المدير - ولم يثبت أن بينه وبين المدعي ما يحمله على التجني عليه - ليس هو صاحب السلطة النهائية التي تملك أمر نقله، ولا سيما أن توصية مجلس إدارة الكلية لم تقصر على اقتراح نقل المدعي وحده من هيئة التدريس بها لمصلحة التعليم، بل تناولت في الوقت ذاته زميلاً آخر له للمصلحة عينها؛ ابتغاء التطهير والإصلاح، وهو نقل مشروع تملكه جهة الإدارة وفقاً لمقتضيات المصلحة العامة، وتترخص فيه بسلطتها التقديرية حسبما تراه محققاً لهذه المصلحة، ما دام النقل لا ينطوي على جزاء تأديبي مقنع بتنزيل الموظف من الوظيفة التي يشغلها إلى وظيفة درجتها أقل من درجته، ولا يفوت عليه دوره في الترقية بالأقدمية في الوظيفة المنقول منها؛ ذلك أن الموظف ليس له إزاء المصلحة العامة حق مكتسب في البقاء في وظيفة بعينها. ولا حجة فيما يذهب إليه المدعي من أن نقله تم إلى غير درجة وعلى غير وظيفة؛ إذ الواقع أنه إنما نقل إلى مثل درجته بالديوان العام بوزارة الداخلية وألحق بقسم الإدارة به، ولا يغير من هذه الحقيقة صدور قرار وزير الداخلية بالخصم بماهيته على ربط وظيفة مدرس من الدرجة الثالثة بكلية البوليس؛ إذ لا يعدو هذا أن يكون تعييناً للمصرف المالي، دون مساس بالوضع الوظيفي للمدعي من حيث الدرجة، كما لا وجه لما ينعاه هذا الأخير على قرار نقله من أنه فوت عليه حقه في الترقية إلى الدرجة الثانية التي يزعم أنه رفعت إليها الوظيفة التي كان يشغلها بكلية البوليس؛ إذ يتضح من مقارنة ميزانيتي السنتين الماليتين 47/ 1948 و48/ 1949 - مصدقاً لما جاء بمذكرة الحكومة الأخيرة - أنه كان مخصصاً لوظيفة مدرس في كلية البوليس في السنة الأولى ثلاث درجات ثالثة، يشغل المدعي إحداها، ودرجة واحدة ثانية. أما في السنة الثانية فقد ظلت الدرجات الثلاث الثالثة كما هي دون رفع أيها، إنما زيدت درجة ثانية فأصبح ثمت درجتان ثانية بدلاً من واحدة. وهذا لا يكفي بذاته لكي يترتب للمدعي حقاً حتمياً في الدرجة الجديدة المنشأة في الميزانية لغير شخص معين، فضلاً عن أنه لم يثبت استحقاقه لهذه الدرجة دون سائر زملائه بالأقدمية المطلقة والأولوية عليهم في تاريخ معين سابق على قرار وزير الداخلية رقم 978، الذي صدر في 14 من ديسمبر سنة 1948 بوقفه عن أعمال وظيفته اعتباراً من 15 من ديسمبر سنة 1948 حتى تتم التحقيقات التي تجريها الإدارة في شأن ما نسب إليه وإلى بعض موظفي الوزارة من استغلال مراكزهم في الاستيلاء على بعض أملاك الحكومة، وهو الوقف الذي كان حائلاً دون ترقيته، والذي لم يرفع عنه إلا اعتباراً من 11 من أغسطس سنة 1949، بالقرار الوزاري رقم 544 الصادر في 16 من أغسطس سنة 1949. هذا إلى أنه قد رقي عقب رفع الوقف عنه وإعادته إلى عمله إلى الدرجة الثانية بوظيفة مفتش بإدارة التفتيش العام بوزارة الداخلية اعتباراً من 29 من نوفمبر سنة 1949 بالقرار الوزاري رقم 677 الصادر في 29 من نوفمبر سنة 1949 بعد تعيينه في الوظيفة المذكورة بالقرار الوزاري رقم 676 الصادر في التاريخ بذاته. وظاهر مما تقدم أن المدعي لم يفته حق ولم يصبه أي ضرر من جراء نقله من هيئة التدريس بكلية البوليس إلى الديوان العام بوزارة الداخلية. ومتى انتفى الخطأ من جانب الإدارة وارتفع وقوع الضرر بالمدعي، فلا يكون ثمت أي سند للمساءلة بالتعويض عن هذا الإجراء المشروع، ويكون طلب المدعي التعويض عن القرار المذكور على غير أساس سليم من القانون، حقيقاً بالرفض وفقاً لما انتهى إليه حكم محكمة القضاء الإداري المطعون فيه؛ ومن ثم فإن طعن السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة يكون في غير محله، ويتعين القضاء بقبول الطعن شكلاً، وبرفضه موضوعاً.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وبرفضه موضوعاً.

الطعن 816 لسنة 4 ق جلسة 25 / 4 / 1959 إدارية عليا مكتب فني 4 ج 2 ق 104 ص 1175

جلسة 25 من أبريل سنة 1959

برياسة السيد/ السيد علي السيد رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة السيد علي الدمراوي والسيد إبراهيم الديواني والدكتور ضياء الدين صالح وعبد المنعم سالم مشهور المستشارين.

----------------

(104)

القضية رقم 816 لسنة 4 القضائية

(أ) تعيين 

- تعيين الموظفين من درجة مدير عام والدرجات الأعلى منها - تمامه في شكل قرار يصدر من رئيس الجمهورية طبقاً للمادة 20 من القانون رقم 210 لسنة 1951 - يُعد تتويجاً لعمل يسأل عنه الوزير المختص، ولكنه لا يعني أن رئيس الجمهورية هو المختص به والمسئول عنه - التظلم من مثل هذا القرار - تقديمه يكون إلى الوزير المختص باعتباره صاحب الصفة في نظره.
(ب) ترقية 

- الترقية إلى الوظائف الرئيسية من درجة مدير عام فما فوقها عناصرها - المفاضلة بين المرشحين لها - ترخص الإدارة في إجرائها بما لا معقب عليها بشرط عدم إساءة استعمال السلطة.

------------------
1 - لئن كانت المادة 20 من القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة، تنص على أن تعيين وكلاء الوزارات ومن درجتهم ومن في درجة أعلى منها، ووكلاء الوزارات المساعدين ومن في درجتهم ورؤساء المصالح ومن يعين في درجة مدير عام يكون بمرسوم - إلا أن ذلك لا يعني أن العمل أصبح غير منسوب إلى الوزير، وأن هذا الأخير أصبح منقطع الصلة بالتظلم في القرار، بل يظل الوزير بحكم وظيفته وباعتباره الرئيس المسئول في الوزارة التي يتنسب إليها الموظف - يظل صاحب الصفة في نظر هذا التظلم، وهذا هو ما يتفق مع مسئولية كل وزير عن أعمال وزارته أما صدور القرار من رئيس الجمهورية فلا يعدو أن يكون تتويجاً للعمل المسئول عنه الوزير أساساً في شكل قرار يصدر من رئيس الجمهورية، ولا يعني هذا أن يكون هذا الرئيس قد أصبح هو المختص والمسئول بمباشرة الاختصاص التنفيذي في هذا الشأن، ولا يعدو أن يكون نظر التظلم من أي قرار عملاً تنفيذياً هو اختصاص الوزير يتولاه بهذه الصفة.
2 - إن العناصر التي تتطلبها الترقية إلى الوظائف الرئيسية من درجة مدير عام فما فوقها تختلف عن العناصر التي تتطلبها الترقية إلى ما دون ذلك من وظائف، والمفاضلة في مجال الاختيار لشغل هذه الوظائف أمر متروك لتقدير الإدارة، تستهدى فيه بما يتحلى به الموظف من مزايا وصفات، وما يتجمع لديها من عناصر تطمئن معها إلى هذا الاختيار. وهذا التقدير تستقل به الإدارة بما لا معقب عليها، ما دام قد برئ قرارها من عيب الانحراف في استعمال السلطة، ولا وجه للتحدي في هذا المقام بالاختصار عند الاختيار على ما تضمنته التقارير السنوية عن أعمال الموظف خلال حياته الوظيفية.


إجراءات الطعن

في يوم 2 من أغسطس سنة 1958 أودع السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة سكرتيرية المحكمة عريضة طعن في الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري بجلسة 19 من يونيه سنة 1958 في الدعوى رقم 722 لسنة 11 القضائية المرفوعة من السيد/ حامد قدري ضد وزارة المالية والاقتصاد وآخر، القاضي "بقبول الدعوى شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء القرار الجمهوري رقم 124 لسنة 1956 فيما تضمنه من تخطي المدعي في الترقية إلى درجة مدير عام (ب)، وما يترتب على ذلك من آثار وألزمت الحكومة بالمصروفات". وقد طلب السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة - للأسباب الواردة في عريضة طعنه - "الحكم بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع إلغاء الحكم المطعون فيه، والقضاء بعدم قبول الدعوى لمخالفتها لنص المادة 12 من قانون مجلس الدولة، مع إلزام المدعي بالمصروفات". وقد أعلن الطعن للمدعي في 4 من أغسطس سنة 1958، وللحكومة في 7 منه، وعين لنظره جلسة 27 من ديسمبر سنة 1958، وفيها سمعت المحكمة ما رأت سماعه من إيضاحات على الوجه المبين بالمحضر، وأرجأت النطق بالحكم لجلسة 7 من فبراير سنة 1959، ورخصت في تقديم مذكرات، ثم أجل النطق بالحكم لجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
( أ ) عن الدفع بعدم قبول الدعوى:
ومن حيث إن مبنى الطعن المقدم من هيئة مفوضي الدولة يقوم على أن الجهة المختصة بتعيين مديري العموم هي رئيس الدولة الذي يعينهم بقرار جمهوري، (المادة 20 من قانون نظام موظفي الدولة)، وليس للجنة شئون الموظفين أي اختصاص في شأنهم (المادة 28 من القانون المذكور)، كما أنهم لا يخضعون بداهة لنظام التقارير السنوية (المادة 3)؛ إذ أن إرادتهم للمصالح التي يرأسونها متروك أمر تقديرها مباشرة لرئيس الجمهورية بمعاونة وزرائه والأجهزة الأخرى المختصة بالرقابة والإشراف على مرافق الدولة والقائمين بأمورها؛ ومن ثم يكون رئيس الجمهورية هو السلطة المختصة بتعيين مديري العموم، واختصاصه في هذا الصدد اختصاص أصيل يباشره باعتباره مصدر القرار، والقرار الجمهوري الذي يفرغ فيه إدارته هو وحده الذي يتعين اختصامه باعتباره منشئاً للمركز القانوني الموجه إليه الطعن؛ وإذ كانت المادة 12 من قانون مجلس الدولة قد نصت على عدم قبول طلبات إلغاء القرارات الإدارية القابلة للسحب الصادرة في شئون الموظفين، ومن بينها قرارات التعيين والترقية، إلا بعد التظلم منها إلى الهيئة الإدارية التي أصدرت القرار أو إلى الهيئات الرئيسية، وانتظار المواعيد المقررة للبت في هذا التظلم، والجهة الإدارية التي أصدرت القرار المطعون فيه في الدعوى الحالية هي رئيس الجمهورية، وليست هناك هيئات رياسية فوقه، فقد كان من المتعين التظلم إليه؛ بحيث يعتبر هذا التظلم وحده منتجاً للأثر القانوني الذي نصت عليه المادة 12 من قانون مجلس الدولة. أما التظلم لأية جهة أخرى أدنى فلا يترتب عليه الأثر القانوني المذكور، مما يتعين معه الحكم بعدم قبول الدعوى. كما دفعت الحكومة أيضاً بعدم قبول الدعوى على أساس يختلف عن الأساس الذي بني عليه الدفع المقدم من هيئة المفوضين؛ فقالت إن المدعي لم يقدم تظلماً من القرار الجمهوري الصادر بترقية السيد/ محمد كمال عباس قبل رفع الدعوى، أما ما أسمته هيئة المفوضين تظلماً، وهو الكتاب الموجه إلى رئيس ديوان الموظفين في 13 من يناير سنة 1957، فلا يعدو أن يكون طلباً بتنفيذ الحكم الصادر بإلغاء القرار المؤرخ 29 من أبريل سنة 1954، فيما تضمنه من تخطي المدعي في الترقية إلى الدرجة الأولى، وما يترتب على ذلك من آثار، وإذا كان هذا الطلب قد تضمن الإشارة إلى القرار الجمهوري الصادر منه بتعيين السيد/ محمد كامل عباس مديراً عاماً لشئون الموظفين فما كان ذلك إلا تدليلاً على أن المدعي قد فاتته الترقية إلى درجة مدير عام أيضاً نتيجة، لتخطيه في الترقية إلى الدرجة الأولى، وهو يعتبر تلك الترقية أثراً من آثار الترقية المحكوم بأحقيته لها؛ ومن ثم فهو يطالب بدرجة مدير عام تنفيذاً لهذا الحكم. ولا يتضمن الطلب المشار إليه طعناً في القرار الجمهوري سالف الذكر أو تعييباً له. مما يجعل هذا الطلب تظلماً من هذا القرار أو طعناً عليه، كما وأن التظلم المقدم في 23 من أكتوبر سنة 1956 يعتبر كأن لم يكن، إذ كان سابقاً لأوانه، وبالتالي غير منج باعتباره مقدماً من موظف في الدرجة الثانية غير ذي مصلحة في الطعن على قرار بتعيين مدير عام.
ومن حيث إنه ولئن كانت المادة 20 من القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة تنص على أن تعيين وكلاء الوزارات ومن في درجتهم ومن في درجة أعلى منها ووكلاء الوزارات المساعدين ومن درجتهم ورؤساء المصالح ومن يعين في درجة مدير عام يكون بمرسوم، إلا أن ذلك لا يعني أن العمل أصبح غير منسوب إلى الوزير، وأن هذا الأخير أصبح منقطع الصلة بالتظلم في القرار موضوع الطعن، بل يظل الوزير بحكم وظيفته وباعتباره الرئيس المسئول في الوزارة التي يتنسب إليها الموظف - يظل صاحب الصفة في نظر هذا التظلم، وهذا هو ما يتفق مع مسئولية كل وزير عن أعمال وزارته. أما صدور القرار من رئيس الجمهورية فلا يعدو أن يكون تتويجاً للعمل المسئول عنه الوزير أساساً في شكل قرار يصدر من رئيس الجمهورية، ولا يعني هذا أن يكون هذا الرئيس قد أصبح هو المختص والمسئول بمباشرة الاختصاص التنفيذي في هذا الشأن، ولا يعدو أن يكون نظر التظلم من أي قرار عملاً تنفيذياً هو من اختصاص الوزير يتولاه بهذه الصفة. أما ما تذهب إليه هيئة المفوضين فهو يقوم على إقحام رئيس الجمهورية في الأعمال التنفيذية التي هي ابتداء من اختصاص الوزير.
ومن حيث إنه يبين من الأوراق أن المدعي قدم تظلماً إلى رئيس ديوان الموظفين في 23 من أكتوبر سنة 1956 على إثر صدور القرار الجمهوري بتعيين السيد/ محمد كامل عباس في وظيفة مدير عام، وأجابه رئيس الديوان في 6 من ديسمبر سنة 1956 بأن لا حق له في التظلم من هذا القرار؛ لأنه وقت صدوره كان يشغل الدرجة الثانية، ولم يكن قد رقي بعد إلى الدرجة الأولى التي منحها في 9 من سبتمبر سنة 1956، فلما قضت محكمة القضاء الإداري في 20 من ديسمبر سنة 1956 باستحقاقه للدرجة الأولى، واعتبار أقدميته فيها راجعة إلى 29 من أبريل سنة 1954، أي قبل السيدين محمد كامل عباس وحسين عدلي بسيوني وأصبح هذا الحكم نهائياً، بادر بتقديم تظلم إلى رئيس الديوان أشار فيه إلى تظلمه السابق الذي قدمه في 23 من أكتوبر سنة 1956، وضمنه أسباب استحقاقه للترقية إلى درجة مدير عام ورفض الديوان له. وقال إنه وقد صدر الحكم المذكور بإلغاء القرار فيما تضمنه من تخطيه في الترقية إلى الدرجة الأولى وما يترتب على ذلك من آثار، فقد أصبحت أقدميته راجعة إلى 29 من أبريل سنة 1954، وبالتالي يستحق الترقية إلى درجة مدير عام التي رقى إليها السيد/ محمد كامل عباس في 26 من أغسطس سنة 1956؛ وذلك لأن مقتضى إلغاء قرار الترقية المشار إليه يجعله مستحقاً لكافة الدرجات والوظائف التي رقى إليها المطعون في ترقيته من تاريخ الترقية، وما يتبعها من علاوات كأثر من آثار الحكم السالف الذكر، يضاف إلى ذلك أن محكمة القضاء الإداري قد بنت حكمها على كافيته وخبرته الطويلة ومدة خدمته وأقدميته في كافة الدرجات وحسن بلائه في عمله، وهذه الصفات هي التي ميزته على المطعون في ترقيته وزميله السيد/ حسين عدلي بسيوني، وهي العناصر الواجب توافرها فيمن يرقى بالاختيار، سواء كانت الترقية إلى الدرجة الأولى أو من هذه الدرجة إلى ما يعلوها من درجات، وأن الظروف والأوضاع والاعتبارات التي دعت المحكمة إلى الحكم باستحقاقه للدرجة الأولى من أبريل سنة 1954 بدلاً من السيدين المشار إليهما، هي نفسها التي تدعو إلى استحقاقه للترقية إلى درجة المدير العام لشئون الموظفين بدلاً منهما. وخلص من ذلك إلى القول بأنه "يقدم هذا التظلم راجياً أن ينال من كريم عناية رئيس الديوان موفورها ليعيد الحق إلى نصابه والعدل إلى مجراه". ويبين من اعتبارات هذا التظلم أنه ليس قاصراً فقط على طلب ترقيته لدرجة مدير عام كأثر من آثار الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري المنوه عنه، بل ذكر فيه صراحة أنه أحق بالترقية من المطعون في ترقيته. وغنى عن البيان أن هذه العبارات لا تدع مجالاً للشك في أن المدعي يطعن في القرار الجمهوري الصادر بترقية السيد/ محمد كامل عباس لدرجة مدير عام فيما تضمنه من تخطيه في الترقية إلى هذه الدرجة لأنه أحق منه بها؛ إذ تتوافر فيه العناصر التي تتطلبها الترقية بالاختيار. ولكن الديوان رفض تظلمه للأسباب التي أوردها في هذا الرفض.
ومن حيث إن هذه المحكمة سبق أن قضت (1) بأن التظلم الذي يقدم إلى السلطة الرئيسية بالنسبة للمتظلم والتي مضت في نظره وتحقيقه يكون قد قدم في الميعاد، وتوافرت له مقومات التظلم الوجوبي الذي جعله الشارع شرطاً لقبول دعوى الإلغاء ورتبت عليه الفقرة الثانية من المادة 19 من القانون رقم 165 لسنة 1957 أثراً قاطعاً لسريان ميعاد رفع هذه الدعوى إلى المحكمة. ولا يغير من طبيعة هذا التظلم أو من إنتاجه أثره كونه لم يقدم إلى الوزير المختص؛ لعدم ورود هذا القيد في المادة 12 من القانون المذكور من جهة؛ ولأن الإجراءات التي نص عليها قرار مجلس الوزراء الصادر في 6 من أبريل سنة 1955 على سبيل التوجيه والبيان في شأن تقديم التظلم وطريقة الفصل فيه لم يترتب المشرع على مخالفتها البطلان من جهة أخرى.
ومن حيث إنه لما تقدم يكون الدفع بعدم قبول الدعوى بشقيه على أساس غير سليم من القانون، متعيناً رفضه.
(ب) عن الموضوع:
من حيث إن الدعوى مهيأة للفصل فيها.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة، حسبما يبين من الأوراق، تتحصل في أن المدعي أقام هذه الدعوى بعريضة أودعت سكريترية محكمة القضاء الإداري في 2 من أبريل سنة 1957 طالباً الحكم بإلغاء قرار ديوان الموظفين رقم 105 لسنة 1956 الصادر من رئيس ديوان الموظفين في 26 من أغسطس سنة 1956 والمنفذ للقرار الجمهوري رقم 124 لسنة 1956 فيما تضمنه من ترقية السيد/ محمد كامل عباس إلى درجة مدير عام شئون الموظفين، وتخطي المدعي في الترقية إلى الدرجة، وأحقيته لها اعتباراً من 26 من أغسطس سنة 1956، وما يترتب على ذلك من آثار، وإلزام المدعي عليهما بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة. وقال شرحاً لذلك إنه سبق أن أقام الدعوى رقم 13048 لسنة 8 القضائية أمام محكمة لقضاء الإداري في 22 من أغسطس سنة 1954، وطلب فيها إلغاء القرار رقم 85 لسنة 1954 الصادر من رئيس الديوان في 29 من أبريل سنة 1954 فيما تضمنه من ترقية السيدين/ محمد كامل عباس وحسين عدلي بسيوني إلى الدرجة الأولى، وتخطيه هو في الترقية إلى هذه الدرجة اعتباراً من أول مايو سنة 1954؛ إذ إنه أقدم منهما في الحصول على ليسانس الحقوق وفي التعيين، كما وأنه أقدم منهما في الدرجة الثانية؛ إذ ترجع أقدميته فيها إلى 9 من سبتمبر سنة 1952، بينما ترجع أقدميتهما فيها إلى 19 من فبراير سنة 1953، وهو أسبق منهما في الحصول على لقب مراقب، كما أن تقريره السري عن سنة 1953 يشهد بكفايته؛ إذ ورد به أنه كفء ويستحق الترقية لخدمته الطويلة وغيرته على العمل، فضلاً عن حسن سلوك وطيب سمعته، كما وأنه منذ التحاقه بخدمة الحكومة وهو يقوم بالأعمال الخاصة بشئون الموظفين؛ الأمر الذي أكسبه خبرة ودراية على عكس المطعون في ترقيتهما؛ إذ كان أولهما موظفاً في مصلحة الضرائب، والثاني موظفاً في مجلس الشيوخ. ثم أستطرد المدعي فسرد ما ساقه ديوان الموظفين من دفاع وما عقب به على هذا الدفاع، وقال إن المحكمة بعد أن استعرضت كل ذلك انتهت إلى الحكم بإلغاء القرار المطعون فيه فيما تضمنه من تخطيه في الترقية إلى الدرجة الأولى، وما يترتب على ذلك من آثار، وإلزام الحكومة بالمصروفات، وذلك بجلسة 20 من ديسمبر سنة 1956، ولما رقي السيد/ محمد كامل عباس إلى درجة مدير عام، وأسند إليه الديوان الإدارة العامة لشئون الموظفين بموجب القرار رقم 105 في 26 من أغسطس سنة 1956 المنفذ للقرار الجمهوري رقم 124 لسنة 1956، قدم تظلماً إلى رئيس الديوان في 23 من أكتوبر سنة 1956 من تخطيه في الترقية لهذه الدرجة، فرد عليه الديوان في 6 من ديسمبر سنة 1956 بأن لا صفة له في التظلم؛ لأن القضاء لم يكن قد فصل في قضيته بعد، هذا مع العلم بأنه كان قد رقى إلى الدرجة الأولى اعتباراً من 29 من سبتمبر سنة 1956، ولما صدر الحكم لصالحه في 20 من ديسمبر سنة 1956 باعتبار أقدميته في الدرجة الأولى راجعة إلى 29 من أبريل سنة 1954، وانقضى ميعاد الطعن في هذا الحكم، وأصبح حصيناً من كل طعن، تقدم بتظلم جديد في 13 من يناير سنة 1957 بعد أن ظهرت مصلحته في الطعن طالباً استحقاقه للترقية إلى درجة مدير عام، وهى الدرجة التي منحت للسيد/ محمد كامل عباس. واستند في ذلك إلى الأسباب التي بني عليها الحكم الصادر لصالحه، وإلى أن ترقيته إلى درجة مدير عام تعتبر أثراً من آثار تنفيذ الحكم. فأجابه الديوان في 4 من فبراير سنة 1957 بأن الترقية إلى مدير عام لا تعتبر أثراً من آثار تنفيذ الحكم له باستحقاقه الترقية إلى الدرجة الأولى؛ لأنها تدخل في إطلاقات الإدارة تجريها على الوجه الذي تراه محققاً للمصلحة العامة، دون مطعن على تقديرها لكفاية الموظفين الذين ترى صلاحيتهم لشغل هذه الوظائف، ما دام قرارها غير مشوب بالانحراف في استعمال السلطة؛ الأمر الذي يستقبل القضاء بتقديره؛ ولذلك قرر الديوان حفظ التظلم. وقال المدعي إن هذه الدعوى صورة مجسمة من الدعوى رقم 13048 لسنة 8 القضائية التي حكم فيها لصالحه في 20 من ديسمبر سنة 1956 من حيث الوقائع والمدعي والمطعون في ترقيته وأسانيده فيها، ولما كانت الترقية إلى الدرجة الأولى والترقية إلى درجة مدير عام موضوع الدعوى الحالية تحكمها قاعدة واحدة هي الترقية بالاختيار للكفاية، ولقد أصبحت له بموجب الحكم المشار إليه أقدمية في الدرجة الأولى ترجع إلى 29 من أبريل سنة 1954؛ وبذلك أصبح أقدم من السيد/ محمد كامل عباس في أقدمية هذه الدرجة، وقد رتب هذا الحكم له - أي المدعي - حقوقاً في الأقدمية والكفاية والخبرة والصلاحية، وحتى ينتج هذا الحكم آثاره فإنه يتعين اختياره لوظيفة المدير العام، ويكون أحق بالترقية إليها من المطعون في ترقيته؛ تأسيساً على أن الترقية إلى هذه الدرجة تأخذ حكم الترقية إلى الدرجة الأولى؛ لأن مناط الترقية إلى الدرجات العليا هو الاختيار للكفاية الذي يجب أن يكون مستمداً من أصول ثابتة في الأوراق وحقائق لا جدال فيها، وأن تستهدف الإدارة في الاختيار تحقيق الصالح العام، وإلا كان تصرفها خارجاً عن أغراض القانون مشوباً بعيب الانحراف في استعمال السلطة. وأن المحكمة المشار إليها قد بان لها، عند مقارنة حالته بحالة المطعون في ترقيته، أنه أي المدعي أكبر سناً وأسبق منه الحصول على الليسانس وفي التعيين في الحكومة وأقدم منه في الدرجة الثانية، كما تشهد تقاريره بكفايته. ولما كانت أقدميته في الدرجة الأولى اعتبرت راجعة إلى 29 من أبريل سنة 1956، فإن من حقه أن يرقى إلى درجة مدير عام كأثر من آثار هذا الحكم الصادر لصالحه، فضلاً عن أن السيد/ محمد كامل عباس عين سكرتيراً عاماً للبنك العقارى اعتباراً من 17 من يناير سنة 1957، وكان الأمر يقتضي أن يرقى - أي المدعي - إلى درجة مدير عام لشئون الموظفين بدلاً منه، خصوصاً وأنه قام بعمل شئون الموظفين فعلاً في المدة من 7 من يناير سنة 1957 لغاية 19 من فبراير سنة 1957 وأدى فيها عمله بهمة ونشاط؛ الأمر الذي يؤكد كفايته، ولكن الديوان في سبيل التحايل بقصد إبعاده عن الترقية إلى مدير عام، ندب السيد/ حسين عدلي بسيوني النائب بمجلس الدولة بالقرار رقم 23 لسنة 1957 ليشغل وظيفة مدير عام شئون الموظفين توطئة لنقله ومنحة درجة مدير عام. ولما كان هذا الندب باطلاً لمخالفته للقانون، فقد اعترض عليه، وقدم تظلما للديوان نتيجة أن نقل - أي المدعي - من إدارة شئون الموظفين - حتى لا تئول إليه رياستها - إلى إدارة التشريع، ونقل وكيل التشريع إلى إدارة شئون الموظفين، وهو تصرف ينطوي على عسف وانحراف في استعمال السلطة ومجافاة لروح القانون، ويبين منه مدى تعسف الديوان معه، وتحامله عليه، وانصرافه إلى تحقيق النفع لكل من السيدين محمد كامل عباس وحسين عدلي بسيوني. وقد ردت الحكومة على ذلك - بعد أن استعرضت وقائع الدعوى، حسبما عرضها المدعي في عريضة دعواه - بأن الحكم الصادر في دعوى الإلغاء لا يترتب بذاته أثراً مباشراً لاستحقاقه للترقية إلى الدرجة التالية؛ إذ أن ترتيب مثل هذا الأثر يتنافى مع طبيعة دعوى الإلغاء كدعوى عينية تقوم على اختصاص القرارات غير المشروعة، ولا تقوم على أساس المساس بالحق، كما هو الشأن بالنسبة لدعاوى الاستحقاق والتسوية، فالحكم الصادر بالإلغاء لا يترتب حقاً وإنما يلغي قراراً إدارياً معيناً لمخالفته للقانون، وبالتالي ينحصر أثر الحكم بالإلغاء في إعادة إصدار القرار بما يتلاءم مع الحكم. أما القول باستحقاق الترقية كأثر مباشر للحكم فإن مقتضاه مصادرة سلطة الإدارة التقديرية في الترقيات التالية، فضلاً عن أن الحكم بالإلغاء لا يمكن أن يمتد أثره إلى القرارات التالية القرار المطعون فيه التي لم تختصم أمام القضاء، ولا يترتب عليه حتماً استحقاق الترقية إلى الدرجة التالية للدرجة التي أوردها الحكم. أما استناد المدعي إلى الدعوى رقم 13048 لسنة 8 القضائية فلا محل له، طالما أن الجهة الإدارية التي أصدرت القرار الجمهوري رقم 124 لسنة 1956 ليست هي ذاتها الجهة الإدارية التي أصدرت القرار الذي ألغاه الحكم المشار إليه. وبدهي أن نطاق السلطة التقديرية يختلف بحسب تدرج السلطات الإدارية وحسب طبيعة الأعمال التي تباشرها هذه السلطة، والتعيين في وظائف مديري العموم يقتضي سلطة تقديرية أوسع نطاقاً لتمكين الإدارة من اختيار من يصلحون لشغل هذه الوظائف الهامة، وهى في ذلك ليست ملزمة بتسبيب اختيارها كتابة، أو إبداء الضوابط التي قام عليها هذا الاختيار في أصول ثابتة من الأوراق، وأن ممارسة رئيس الجمهورية سلطته في التعيين في وظائف مديري العموم يجب أن تتم في أوسع نطاق من السلطة التقديرية؛ الأمر الذي يستتبع ألا يخضع هذا التقدير لذات الضوابط والاعتبارات التي تقيد سلطة الوزراء ورؤساء المصالح العامة. والقول بغير ذلك معناه افتئات القضاء على الاختصاصات الأصلية للسلطة التنفيذية، وعرقلة لسير المرافق العامة وانتظامها، بتنفيذ السلطات المقررة للإدارة على نحو يشل نشاطها ولا يتفق والمسئوليات الملقاة على عاتقها. وانتهت الحكومة إلى طلب الحكم برفض الدعوى، وإلزام المدعي بالمصروفات. بجلسة 19 من يونيه سنة 1958 حكمت المحكمة بقبول الدعوى الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء القرار الجمهوري رقم 124 لسنة 1956 فيما تضمنه من تخطي المدعي في الترقية إلى درجة مدير عام (ب)، مع ما يترتب على ذلك من آثار، وألزمت الحكومة بالمصروفات. وأسست قضاءها في الموضوع على أن الواضح من نص المادة 38 من قانون نظام موظفي الدولة، أن المشرع لا يفرق بين المعايير والضوابط الذي ينبغي أن يؤسس عليها اختيار الموظفين عند ترقيتهم من الدرجة الثانية إلى الدرجة الأولى، ومن الدرجة الأولى إلى ما يعلوها من درجات، وذلك سواء صدر القرار من الوزير أو رئيس الجمهورية. وقد نصت هذه المادة على أن الترقيات من الدرجة الثانية إلى الدرجة الأولى ومن الأولى إلى ما يعلوها من درجات تكون كلها بالاختيار دون التقيد بالأقدمية؛ ومن ثم فإن القول بعدم خضوع تعيين مديري العموم لذات الضوابط والاعتبارات التي تقيد الوزراء ومديري المصالح العامة عند تعيين الموظفين وترقيتهم حتى الدرجة الأولى - هذا القول لا يستند إلى أساس من القانون؛ إذ لا جدال في أن تعيين مديري العموم في الوزارات والمصالح ينبغي أن يخضع للمعايير والضوابط التي حددها القانون، وهى عين المعايير والضوابط التي يخضع لها تعيين من يشغلون وظائف دون وظائف مديري العموم. وإذ سبق لها أن قضت في الدعوى رقم 13048 لسنة 8 القضائية بأن المدعي يتساوى مع السيد/ محمد كامل عباس في الكفاية إن لم يكن يفضله، وهو الأمر الذي تشهد به تقاريره السرية التي يزخر بها ملف خدمته، لا سيما ما تضمنه التقرير الخاص بعام 1953 من أنه يستحق الترقية لخبرته الطويلة وغيرته على العمل، وكذا شهادات رؤسائه المتعاقبين فيه والتي أشادت في مجموعها بكفايته وحسن بلائه في عمله؛ ولذلك حكمت باستحقاقه الترقية إلى الدرجة الأولى اعتباراً من 29 من أبريل سنة 1954 لأقدميته وكفايته. وما دام لم يجد في الفترة الواقعة بين 29 من أبريل سنة 1954 وبين 26 من أغسطس سنة 1956 - تاريخ صدور القرار المطعون فيه - ما يغير من حقيقة كفاية المدعي والمطعون في ترقيته؛ إذ يظل المدعي هو الأسبق في الأقدمية، كما أن كفايته لا يرقى إليها الشك، وقد نوهت بها المحكمة في حكمها السالف الذكر؛ مستندة في ذلك إلى الأوراق وملف خدمته. ثم استطردت فقلت إنه عند النظر في الترقية إلى درجة مدير عام بالقرار المطعون فيه لم يكن جائزاً لنظر في ترقية المدعي لهذه الدرجة؛ لأن مركزه لم يكن قد تحدد بعد في شأن أحقيته في الترقية للدرجة الأولى وإلغاء القرار المطعون فيه فيما تضمنه من تخطي المدعي في الترقية إلى درجة مدير عام اعتباراً من 26 من أغسطس سنة 1956؛ ولذلك ولأن السيد/ محمد كامل عباس الذي تخطى المدعي في الترقية إلى درجة مدير عام هو ذات الشخص الذي تخطاه في الدرجة الأولى؛ الأمر الذي لم تقره المحكمة في حكمها المشار إليه، فيكون المدعي محقاً في دعواه، ويتعين الحكم له بطلباته.
ومن حيث إن الترقية بالاختيار هي في الأصل من الملاءمات المتروكة لتقدير الإدارة بما لا معقب عليها من القضاء الإداري، ما دام هذا التقدير خلا من إساءة استعمال السلطة، وأن هذا الاختيار يجد حده الطبعي في أنه لا يجوز تخطي الأقدم إلى الأحدث إلا إذا كان هذا الأخير هو الأصلح، أما عند التساوي في الكفاية فيجب ترقية الأقدم.
ومن حيث إنه يبين من استقرار ملفات خدمة كل من المدعي والمطعون في ترقيته أن التقارير السنوية المقدمة عن الثاني في مختلف مراحل حياته الوظيفة، في مصلحة الضرائب وديوان الموظفين قدرته بدرجة ممتاز في جميع الوظائف التي شغلها، وكانت توصي بترقيته ترقية استثنائية بالامتياز، وعلى الأخص آخر تقرير قدم عنه في ديوان الموظفين في 17 من مايو سنة 1953 قبل ترقيته إلى الدرجة الأولى الذي تضمن ما يأتي "درجة جيد (وهى الدرجة القصوى) في الكفاية والصلاحية والمعاملة، ويستحق الترقية لكفايته الممتازة"، وجاء بذيل هذا التقرير أن لجنة شئون الموظفين قدرته بجلستها المنعقدة في يومي 29 و30 من أغسطس سنة 1953 بدرجة جيد، وأنه ممتاز في كفايته القانونية والإدارية، فضلاً عما امتاز به من نشاط في العمل وقوة الشخصية وحسن الخلق. أما التقارير المقدمة عن المدعي فإنها ولئن قدرت كفايته بدرجة جيد، وذكر رئيسه المباشر في أحدها، وهو مقدم عن عمله خلال سنة 1951 وقت أن كان في وزارة المالية، ومؤرخ 18 من أكتوبر سنة 1952، أنه يوصى "بترقيته إلى الدرجة الأولى لكفايته الممتازة في عمله، ولو أنه رقى حديثاً إلى الدرجة الثانية"، وكان قد رقى إلى هذه الدرجة قبل ذلك بأيام. كما وأن التقرير المقدم عن العمل المدعي في ديوان الموظفين، وهو الجهة التي توجد فيها الدرجة والوظيفة موضوع النزاع، قد ورد به ما يأتي "درجة جيد في الكفاية والصلاحية والمعاملة، ويستحق الترقية لخبرته الطويلة وغيرته على العمل". وجاء بذيل التقرير أن لجنة شئون الموظفين بجلستها المنعقدة في 29 و30 من أغسطس سنة 1953 قدرت كفايته بدرجة جيد، ولم يشمل التقرير غير ذلك، إلا أن هذه التقارير جميعاً لم ترق إلى المستوى الممتاز الذي قدرت به كفاية المطعون في ترقيته.
ومن حيث إن العناصر التي تتطلبها الترقية إلى الوظائف الرئيسية من درجة مدير عام فما فوقها تختلف عن العناصر التي تتطلبها الترقية إلى ما دون ذلك من وظائف، والمفاضلة في مجال الاختيار لشغل هذه الوظائف أمر متروك لتقدير الإدارة، تستهدى فيه بما يتحلى به الموظف من مزايا وصفات، وما يتجمع لديها من عناصر تطمئن معها إلى هذا الاختيار، وهذا التقدير تستقل به الإدارة بما لا معقب عليها، ما دام قد برئ قرارها من عيب الانحراف في استعمال السلطة. ولا وجه للتحدي في هذا المقام بالاقتصار عند الاختيار على ما تضمنته التقارير السنوية عن عمل الموظف خلال حياته الوظيفية.
ومن حيث إنه يبين مما سلف إيضاحه أن لا تثريب على جهة الإدارة في اختيارها السيد/ محمد كامل عباس للترقية إلى درجة مدير عام، على هدي ما تكشفت عنه ملفات الخدمة، وما استهدت به في هذا الاختيار من عناصر تجمعت لديها، وقد برئ هذا التصرف من إساءة استعمال السلطة؛ ومن ثم يكون الحكم المطعون فيه - إذ ذهب غير ذلك - يكون قد خالف القانون، ويتعين إلغاؤه، والقضاء برفض الدعوى.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وبقبول الدعوى، وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه، وبرفض الدعوى، وألزمت المدعي بالمصروفات.


(1) راجع الحكم المنشور في السنة الثالثة من هذه المجموعة بند 133 ص 1248.